Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ باب ١٩/ح ٧٤١٠ كتاب التوحيد فأستَأْذِنُ على رَبِّ فِيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رأيتُ رَبِّ وقَعتُ له ساجداً، فَيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، ثمَّ يُقالُ لي: ارفَعْ محمَّدُ، قُلْ يُسْمَع، وسَلْ تُعْطَه، واشفَعْ تُشَفَّع، فأحمدُ رَبِّ بمَحامِدَ عَلَّمَنِها، ثمَّ أشْفَعُ فِيَحُدُّ لي حَدّاً، فَأُدْخِلُهُم الجنَّة، ثمَّ أرجِعُ، فإذا رأيتُ رَبِّي وَعتُ ساجداً، فيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَنِي، ثمَّ يُقالُ: ارفَعْ محمَّدُ، وقُلْ يُسْمَع، وسَلْ نُعْطَه، واشفَعْ تُنَفَّع، فأحمدُ رَبِّ بمَحامِدَ عَلَّمَنِها رَبِّ، ثمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُدْخِلُهُم الجنَّة، ثمَّ أرجِعُ، فإذا رأيتُ رَبِّ وقَعتُ ساجداً، فَيَدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، ثمَّ يُقالُ: ارفَعْ محمَّدُ، قُلْ يُسْمَع، وسَلْ تُعْطَه، واشفَع تُشَفَّع، فأحمدُ رَبِّ بمَحامِدَ عَلَّمَنِها، ثمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدّاً، فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، ثمَّ أرجِعُ فأقولُ: يا رَبِّ، ما بَقِيَ في النار إلا مَن حَبَسَه القرآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلودُ)) قال النبيُّ وَّ: ((يَخْرُجُ منَ النار مَن قال: لا إلهَ إلّا الله، وكان في قَلْبِهِ منَ الخيرِ ما يَزِنُ شَعِيرةً، ثَّ يَخْرُجُ منَ النار مَن قال: لا إلهَ إلّا الله، وكان في قَلْبِهِ مِنَ الخيرِ ما يَزِنُ بُرّةً، ثمَّ يَخْرُجُ منَ النار مَن قال: لا إلهَ إلّ الله، وكان في قَلْبِهِ ما يَزِنُ منَ الخيرِ ذَرّةً)). الحديث الأول: حديث أنس في الشَّفاعة، وقد تقدَّم شَرحُه مُستَوَى في أواخر ((كتاب الرِّقاق)) (٦٥٦٥)، والغرض منه هنا قول أهل الموقِف لآدم: ((خَلَقَك الله بَيَدِه)). قوله: ((حدَّثْنا مُعاذ بن فَضَالة)) بفتح الفاء والضّاد المعجَمة، وحكى بعضُهم ضَمَّ الفاء، وهشامٌ شيخه: هو الدَّستُوائيّ. وقوله: ((عن أنس)) تقدَّمَت الإشارة في الرِّقاق إلى ما وَقَعَ في بعض طرقه بلفظ: حدَّثنا أنس. قوله: ((يُجمَع المؤمنونَ يوم القيامة كذلك)» هكذا للجميع، وأظنّ أوَّل هذه الكَلِمة لام، والإشارةُ ليومِ القيامة أو لما يُذكَر بعد، وقد وَقَعَ عند مسلم من رواية معاذ بن هشام عن أبيه: ((يَجِمَع الله المؤمنينَ يوم القيامة فيَهتَمُّونَ لذلك))(١)، وفي رواية سعيد بن أبي عَرُوبة (١) رواية معاذ بن هشام عن أبيه عند مسلم (١٩٣) (٣٢٤) بلفظ: ((فيُلْهَمُون لذلك))، أما لفظ: ((فيهتمُّون لذلك)) فهي عنده (١٩٣) (٣٢٢) عن أبي كامل الجحدري عن أبي عوانة عن قتادة عن أنس، والله أعلم. ٣٠٢ باب ١٩/ح ٧٤١١ فتح الباري بشرح البخاري (٣٢٣/١٩٣) عن قَتَادةَ: ((يَهْتَمّونَ أو يُلهَمونَ لذلك)) بالشكِّ، وسيأتي في ((باب ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]» (٧٤٤٠) من رواية هَمَّام عن قَتَادةَ: ((حتَّى يُهِمُّوا بذلك)». وقوله هنا: ((اشفَعْ لنا إلى ربِّك)) كذا للأكثرِ، وهو المذكور في غير هذه الطَّريق، ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهَنيّ: (شَفِّع)) بكسر الفاء الثَّقيلة، قال الكِرْمانيُّ: هو من التَّشفيع، ومعناه قَبُول الشَّفاعة، وليس هو المراد هنا، فيحتمل أن يكون التَّثقيل للتَّكثيرِ أو للمُبالَغة. وقوله: ((لستُ هناك)) كذا للأكثرِ في الموضعين، ولأبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ: ((هُناكم)). وقوله: «فُؤْذَنُ لي» في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهَنيّ: «وُؤْذَنُ لي» بالواو. وقوله: ((قُل يُسمَع))/ كذا للأكثرِ بالتَّحتانيَّةِ، ولأبي ذرِّ عن السَّرَخْسيّ والكُشمِيهَنِيّ بالفَوقائيَّةِ في الموضعين. ٣٩٥/١٣ وقوله: ((سَل تُعطَه)) لأبي ذرِّ عن المُستَملي: ((تُعطَ)) في الموضعين بلا هاء. الحديث الثاني: حديث أبي هريرةَ من طريق أبي الزِّناد عن الأعرَج. ٧٤١١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((يَدُ الله مَلأى لا يَغِيضُها نَفَقةٌ، سَحّاءُ اللَّيلَ والنَّهَارَ))، وقال: «أرأيتُم ما أنفَقَ منذُ خَلَقَ اللهُ السَّماوات والأرضَ؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يدِه)) وقال: ((عَرْشُه على الماءِ، وبيَدِه الأُخرى المِیزانُ نَخْفِض ويرفعُ». قوله: ((يَدُ الله)) تقدَّم في تفسير سورة هود (٤٦٨٤) في أوَّل هذا الحديث من الزِّيادة: ((أَنفِقْ أُنفِقْ عليك))، ووَقَعَت هذه الزِّيادة أيضاً في رواية همَّام (٧٤١٩)، لكن ساقَها فيه مسلم (٣٧/٩٩٣)، وأفرَدَها البخاريُّ كما سيأتي (٧٤٩٦) في ((باب ﴿يُرِيدُونَ أَن يَُدِّلُواْ كَمَ اَللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]))، ووَقَعَ فيها بَدَل ((يد الله): ((يمين الله)) ويُتَعقَّب بها على مَن فَسَّرَ اليد هنا بالنِّعمَة، وأبعَدُ منه مَن فَسَّرَها بالخزائنِ، وقال: أطلَقَ اليدَ على الخزائن لتَصُّفِها فيها. ٣٠٣ باب ١٩/ح ٧٤١١ كتاب التوحيد قوله: ((مَلْأى)) بفتح الميم وسكون اللّام وهمزة مع القَصر: تَأنيث مَلآن، ووَقَعَ بلفظ: ((مَلآن)) في رواية لمسلم (٣٦/٩٩٣)، وقيل: هي غَلَط، ووَجَّهَها بعضُهم بإرادةِ اليمين فإنّها تُذكَّر وتُؤَنَّث، وكذلك الكفُّ، والمراد من قوله: مَلأى أو مَلآن لازِمُه، وهو أنَّه في غاية الغِنَى، وعنده من الرِّزق ما لا نهايةً له في علم الخلائق. قوله: ((لا يَغيضُها)) بالمعجَمَتَينِ بفتح أوَّله، أي: لا يُنقِصُها، يقال: غاضَ الماءُ يَغيضُ: إذا نَقَص. قوله: ((سَحّاءُ)) بفتح المهمَلتَينِ مُثقَّل ممدود، أي: دائمةُ الصَّبّ، يقال: سَخَّ بفتح أوَّله مُثقَّل يَسِحُ بكسر السّين في المضارع ويجوز ضَمّها، وضُبِطَ في مسلم: ((سَحّاً)) بلفظِ المصدر. قوله: ((اللَّيلَ والنَّهار)) بالنَّصبِ على الظَّرف، أي: فيهما، ويجوز الرَّفع، ووَقَعَ في روايةٍ لمسلم: ((سَحِ اللَّيْلِ والنَّهار))(١) بالإضافةِ وفتح الحاء، ويجوز ضَمُّها. قوله: ((أرأيتُم ما أنفَقَ)) تنبيةٌ على وُضوح ذلك لمن له بصيرة. قوله: ((مُنْذُ خَلَقَ الله السَّماوات والأرض)) سَقَطَ لفظ الجَلالة لغيرِ أبي ذَرٍّ، وهو روايةٌ همَّام. قوله: ((فإنَّه لم يَغِضْ)) أي: لم يَنقُص، ووَقَعَ في رواية همَّامٍ: ((لم يَنقُص ما في يمينِهِ)). قال الطِّيبيُّ: يجوز أن تكون ((مَلأى، ولا يَغيضها، وسَحّاء، وأرأيت)) أخباراً مُتَرَادِفَة لَيَدِ الله، ويجوز أن تكون الثَّلاثةُ أوصافاً لِ ((مَلأى))، ويجوز أن يكون ((أرأيتُم)) استئنافاً فيه معنى الثَّرقّي، كأنَّه لمَّا قيل: ((مَلأى)) أوهَمَ جواز النُّقْصان، فأُزيلَ بقوله: ((لا يَغيضها شيء))، وقد يَمتَلِئ الشيءُ ولا يَغيض، فقيلَ: ((سَحّاء)) إشارة إلى الغَيْض، وقَرَنَه بما يَدُلّ على الاستمرار من ذِكر اللَّيل والنَّهار، ثمَّ أتبَعَه بما يَدُلّ على أنَّ ذلك (١) في رواية الطبري؛ أحد رواة ((صحيح مسلم))، انظر ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض ٥٠٩/٣، و((مشارق الأنوار)) له ٢٠٩/٢. ٣٠٤ باب ١٩/ح ٧٤١١ فتح الباري بشرح البخاري ظاهرٌ غير خافٍ على ذي بَصَر وبصيرة، بعد أن اشتَمَلَ من ذِكر اللَّيل والنَّهار بقوله: ((أرأيْتُم)) على تَطاوُل المدَّة، لأَنَّه خِطابٌ عامٌّ عظيم والهمزة فيه للتَّقرير، قال: وهذا الكلام إذا أَخَذْتَه بجُملَتِه من غير نَظَرِ إلى مُفرَداته، أبانَ زيادةَ الغِنَى وكمالَ السَّعَة والنِّهايةِ في الجود والبَسط في العطاء. قوله: ((وقال: عَرْشه على الماء)) سَقَطَ لفظ: ((قال)) من رواية همَّام. ومُناسَبةُ ذِكر العَرش هنا أنَّ السّامِعِ يَستَطْلِعُ من قوله: ((خَلَقَ السَّماوات والأرض)) ما كان قبل ذلك، فذكر ما يَدُلُّ على أنَّ عَرشَه قبل خلق السَّمَوات والأرض كان على الماء، كما وَقَعَ في حديث عِمْران ابن حُصَينِ الماضي في بَدْء الخلق (٣١٩١) بلفظ: ((كانَ الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عَرشُه على الماء، ثمَّ خَلَقَ السَّماوات والأرض)). قوله: ((وبيَدِه الأُخرى الميزان يَخْفِض ويرفع)) أي: يَخْفِض الميزانَ ويرفعُها، قال الخطَّبيُّ: الميزان مَثَل، والمراد القِسمَة بين الخلق، وإليه الإشارةُ بقوله: ((يَخْفِض ويرفع)). وقال الدَّاوُوديّ: معنى الميزان أنَّه قَدَّرَ الأشياء ووَقَّتَها وحَدَّدَها، فلا يَملِك أحدٌ نَفعاً ولا ضَرّاً إلا منه وبه. ووَقَعَ في رواية همَّامٍ: ((وبيَدِه الأُخرى الفَيْض أو القَبْض)) الأولى بفاءٍ وتحتانيَّة والثّانية بقافٍ وموخَّدة، كذا للبُخاريِّ بالشكِّ، ولمسلم (٣٧/٩٩٣) بالقاف والموحّدة بلا شَكٍّ، وعن بعض رُواتِه - فيما حكاه عِيَاض - بالفاءِ والتَّحتانيَّة، والأوَّل أشهَرُ. قال عِيَاض: المراد بالقَبْضِ: قبضُ الأرواح بالموت، وبالفَيضِ: الإحسان بالعطاءِ، وقد يكون بمعنى الموت، يقال: فاضَت نفسُه: إذا ماتَ، ويُقال بالضّادِ وبالظّاءِ، انتهى. والأولى أن يُفسَّر بمعنى الميزان ليوافق رواية الأعرَج التي في هذا الباب، فإنَّ الذي يوزَن بالميزان يَخِفُّ ٣٩٦/١٣ ويَرجَح، فكذلك ما يُقبَض، ويحتمل أن يكون/ المراد بالقبضِ: المنع، لأنَّ الإعطاء قد ذُكِرَ في قوله قبل ذلك: ((سَحّاء اللَّيل والنَّهار))، فيكون مِثل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ٣٠٥ باب ١٩/ح ٧٤١٢ - ٧٤١٣ كتاب التوحيد ووَقَعَ في حديث النَّاس بن سَمعان عند مسلم(١) وسيأتي التَّنبيه عليه في أواخر الباب: ((الميزان بيَدِ الرَّحمن يرفع أقواماً ويَضَع آخَرينَ))، وفي حديث أبي موسى عند مسلم (١٧٩) وابن حِبّان (٢٦٦): ((إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يَخْفِض القسط ويرفعه))، وظاهره أنَّ المراد بالقسطِ الميزان، وهو ممَّا يُؤيِّد أنَّ الضَّمير المُستَتِرِ في قوله: (يَخْفِض ويرفع)) للميزان كما بَدَأْتُ الكلام به. قال المازَرِيّ: ذِكْر القَبْض والبَسْط - وإن كانت القُدرة واحدةً - لتَفهيمِ العباد أنَّه يَفْعَل بها المُختَلِفات، وأشارَ بقوله: (بيَدِهِ الأُخرى)) إلى أنَّ عادة المخاطَبينَ تعاطي الأشياء باليَدَينِ معاً، فعَبَّرَ عن قُدرَته على التصرُّف بذِكر اليَدَينِ لتَفهيمِ المعنى المراد بما اعتادوه. وتُعقِّبَ بأنَّ لفظ البَسط لم يَقَع في الحديث، وأُجيبَ بأنَّه فِهِمَه من مُقابِله كما تقدَّم، والله أعلم. الحدیث الثالث: حديث ابن عمر. ٧٤١٢ - حدَّثْنَا مُقدَّمُ بنُ محمَّد، قال: حدَّثَنِي عَمِّي القاسمُ بنُ يحيى، عن عُبَيْدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن رسولِ الله وَّةِ، أَنَّه قال: ((إنَّ الله يَقْبِضُ يومَ القيامةِ الأرضَ، وتكونُ السَّماواتُ بَيَمِينِهِ، ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ)). رواه سعیدٌ، عن مالكٍ. ٧٤١٣- وقال عمرُ بنُ حمزةَ: سمعتُ سالماً، سمعتُ ابنَ عمرَ، عن النبيِّ وَّ، بهذا. وقال أبو اليَمَان: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أبو سَلَمة، أنَّ أبا هُرَيرةَ قال: قال رسولُ الله وَّ: ((يَقْبِضُ الله الأرضَ)). قوله: ((مُقدَّم بن محمَّد) تقدَّم ذِكره وذِكرُ عَمِّه في تفسير سورة النُّور (٤٧٤٨). قوله: ((إنَّ الله يَقْبِضُ يوم القيامة الأرض)) في حديث أبي هريرة الماضي (٧٣٨٢) في (باب (١) لم نقف عليه في ((صحيح مسلم))، وهو في ((مسند أحمد)) (١٧٦٣٠)، وابن ماجه (١٩٩)، و((سنن النسائي الكبرى)» (٧٦٩١). ٣٠٦ باب ١٩/ح ٧٤١٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ملك الناس)): ((يَقبِض الله الأرضَ ويَطوِي السَّماوات بيمينِهِ))، وفي رواية عمر بن حمزة التي يَأْتِي التَّنبيه على مَن وَصَلَها: ((يَطوي الله السَّماوات يومَ القيامة ثمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِه اليُمنَى، ويَطوي الأرضَ(١) ثمَّ يَأْخُذهُنَّ بشِمالِه))، وعند أبي داود (٤٧٣٢) بَدَل قوله: (بشِمالِه)): ((بَيَدِه الأُخرى)»، وزاد في رواية ابن وَهْبٍ عن أُسامة بن زيدِ عن نافعٍ وأبي حازمِ عن ابن عمر: ((فیجعلهُما فِي كَفّه، ثمَّ یرمي بهما كما يَرمي الغلام بالكُرة)»(٢). قوله: ((ويقول: أنا الملِك)) زاد في رواية عمر بن حمزة: «أينَ الجَبّارونَ؟ أينَ المُتَكَبِّون؟)). قوله: ((رواه سعيدٌ، عن مالِك)) يعني عن نافع، وَصَلَه الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك))، وأبو القاسم اللَّلَكائيُّ في ((السُّنّة)) (٧٠١) من طريق أبي بكر الشافعيّ عن محمّد بن خالد الآجُرِّيِّ عن سعيد، وهو ابنُ داود بن أبي زَنْبَر- بفتحِ الزّاي وسكون النُّون بعدها موحّدة مفتوحة ثمَّ راء - وهو مدنيُّ سَگنَ بغداد و حَدَّثَ بالرَّيّ، وكُنيتُه أبو عثمان، وما له في البخاريِّ إلّا هذا الموضع، وقد حَدَّثَ عنه في كتاب ((الأدب المفرَد)» (٤٤٠)، وتَكلَّمَ فيه جماعة، وقال في روايته: إنَّ نافعاً حَدَّثَه أنَّ عبد الله بن عمر أخبَرَه، وقد رَوَی عن مالكِ مَمَّن اسمه سعيدٌ أيضاً: سعيدُ بن كثير بن عُفَير، وهو من شيوخ البخاريّ، ولكن لم نَجِد هذا الحديث من روايته، وصَرَّحَ المِزّيُّ وجماعةٌ بأنَّ الذي عَلَّقَ له البخاريُّ هنا هو الزّنبري(٣). قوله: ((وقال عمر بنُ حمزة)) يعني: ابنَ عبد الله بن عمر الذي تقدَّم ذِكرُه في الاستسقاء (١٠٠٩)، وشيخُه سالم: هو ابن عبد الله بن عمر عَمُّ عمر المذكور، وحديثه هذا وَصَلَه مسلم (٢٤/٢٧٨٨) وأبو داود (٤٧٣٢) وغيرهما من رواية أبي أُسامة عنه. (١) كذا في الأصلين و (س)، وهو خطأ، صوابه: الأرضين، كما في ((صحيح مسلم)) وغيره من مصادر التخريج. (٢) أخرجه الطبري في ((التفسير)) ٢٦/٢٤. (٣) تصحفت في (س) إلى: الزبيري. ٣٠٧ باب ١٩/ح ٧٤١٣ كتاب التوحيد قال البيهقيُّ(١): تفرَّد بذِكر الشِّمال فيه عمر بن حمزة، وقد رواه عن ابن عمر أيضاً نافع وعُبَيد الله بن مِقسَم بدونِها (٢)، ورواه أبو هريرة وغيره عن النبيِّ وَّل كذلك. وثَبَتَ عند مسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عَمرو رَفَعَه: ((المُقْسِطونَ يوم القيامة على مَنابِرَ من نورٍ عن يمين الرَّحمن، وكِلتا يَدَيه يمين)»، وكذا في حديث أبي هريرة: ((قال آدم: اخترت يمين رَبِّ، وكِلتا يَدَي رَبّ يمين))(٣)، وساق(٤) من طريق أبي يحيى القَّات - بقافٍ ومُثنّاة ثقيلة وبعد الألف مُثنّة أيضاً - عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ، ﴾ [الزمر: ٦٧] قال: ((وكلتا يديه یمین))، وفي حديث ابن عَبَّاس رَفَعَه: ((أوَّل ما خَلَقَ الله القَلَم، فأخَذَه بيمينِهِ، وكِلتَا يَدَيه يمين))(٥). وقال القُرطُبيّ في ((المفهِم)): كذا جاءَت هذه الرّواية بإطلاق لفظ الشِّمال على يد الله تعالى على المُقابَلة المُتَعارَفة في حَقِّنا، وفي أكثر الرِّوايات وَقَعَ التَّحَوُّز(٦) عن إطلاقها على الله، حتَّى قال: ((وكِلتا يَدَيه يمين)) لئلّا يُتوهّم نَقصٌ في صِفَته سبحانه وتعالى، لأنَّ الشِّمال في حَقِّنا أضعف من اليمين، قال البيهقيُّ: ذهب بعض أهل النَّظَر إلى أنَّ اليد صِفَةٌ ليست جارحة، وكلُّ موضع جاءَ ذِكرُها في الكتاب أو السُّنّة الصَّحيحة/ فالمراد ٣٩٧/١٣ تَعلَّقُها بالكائنِ المذكور معها - كالطَّيِّ والأخذ والقَبض والبَسط والقَبُول والشُّحِّ والإنفاق وغيرِ ذلك - تَعلَّقَ الصِّفة بمُقتَضاها من غير مُماسّة، وليس في ذلك تشبيهٌ بحالٍ، وذهب آخرون إلى تأويل ذلك بما يليق به. انتهى، وسيأتي کلام اخطّاتي في ذلك في ((باب (١) في ((الأسماء والصفات)) (٧٠٦). (٢) رواية ابن مقسم عند مسلم (٢٧٨٨) (٢٥). (٣) هو عنده - يعني في ((الأسماء والصفات)) (٧٠٨) - وأخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (٦١٦٧)، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٤) يعني البيهقي (٧٠٩). (٥) سلف في شرح أول هذا الباب. ص ٢٩٣. (٦) في (أ): التجوِّز. ٣٠٨ باب ١٩/ح ٧٤١٤-٧٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَكَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]))(١). قوله: ((وقال أبو اليَمَان: أخبرنا شُعَيب ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلام عليه (٧٣٨٢) في (باب قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢])). الحديث الرابع: ٧٤١٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، سَمِعَ يحيى بنَ سعيدٍ، عن سفيانَ، حدَّثني منصورٌ وسليمانُ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله: أنَّ يهوديّاً جاءَ إلى النبيِّ وَّ فقال: يا محمَّدُ، إنَّ الله يُمْسِكُ السَّماوات على إصْبَعٍ، والأَرَضِينَ على إصْبَعٍ، والجبالَ على إصْبَعٍ، والشَّجَرَ على إصْبَعِ، والخَلائقَ على إصْبَع، ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ، فضَحِكَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُه، ثمَّ قرأ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ،﴾ [الزمر: ٦٧]. قال يحيى: وزادَ فيه فُضَيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله: فَضَحِكَ رسولُ الله ◌َّ تَعَجُّباً وتصديقاً لَه. ٧٤١٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غِياثٍ، حدَّثْنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، سمعتُ إبراهيمَ، قال: سمعتُ عَلْقمةَ يقولُ: قال عبدُ الله: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ يَّل﴿ مِن أهلِ الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماوات على إصْبَعٍ، والأَرَضِينَ على إصْبَعٍ، والشَّجَرَ والثَّرَى على إِصْبَعٍ، والخَلائقَ على إصْبَعٍ، ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ، أنا الملِكُ، فرأيتُ النبيَّ ◌َِّ ضَحِكَ، حتَّى بَدَتْ نَواجِذُه، ثمَّ قرأ: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، ومنصور: هو ابن المعتَمِر، وسليمان: هو الأعمَش، وإبراهيم: هو النَّخَعيُّ، وعبيدة- بفتح أوَّله ـ: هو ابن عَمرو. وقد تابَعَ سفيانَ الثَّوْريَّ عن منصور على قوله: عَبيدة: شيبانُ بن عبد الرَّحمن عن منصور كما مضى في تفسير سورة الزُّمَر (٤٨١١)، وفُضَيل بن عِيَاضِ المذكورُ بعده، وجَرِيرُ ابن عبد الحميد عند مسلم (١٩/٢٧٨٦ و٢٠)، وخالَفَه عن الأعمَش في قوله: عَبيدة: (١) باب رقم (٢٣). ٣٠٩ باب ١٩/ح ٧٤١٥ كتاب التوحيد حفصُ بن غياث المذكورُ في الباب (٧٤١٥)، وجَرِيرٌ وأبو معاوية وعيسى بنُ يونس عند مسلم (٢٧٨٦ / ٢٢)، ومحمَّد بنُ فُضَيلِ عند الإسماعيليّ، فقالوا كلّهم: عن الأعمش عن إبراهيم عن عَلقَمة، بَدَل عَبيدة، وتَصَرُّف الشَّيخَينِ يقتضي أنَّه عند الأعمَش على الوجهَين، وأمّا ابن خُزيمةَ فقال(١): هو في رواية الأعمَش: عن إبراهيم عن عَلقَمة، وفي رواية منصور: عن إبراهيم عن عَبيدة، وهُما صحيحان. قوله: ((قال يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان راويه عن الثَّوريّ. قوله: ((وزادَ فيه فُضَيل بن عِيَاض)) هو موصول، ووَهمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعَلَّق، وقد وَصَلَه مسلم (١٩/٢٧٨٦) عن أحمد بن يونس عن فُضَيل. قوله: ((أنَّ يهوديّاً جاءَ)) في رواية عَلَقَمة: جاءَ رجلٌ من أهل الكتاب، وفي رواية فُضَيلِ ابن عِیَاض عند مسلم: جاءَ حَبْ، بمُهمَلةٍ وموخَّدة، زاد شَيبانُ في روايته: من الأحبار. قوله: ((فقال: يا محمَّد)) في رواية عَلقَمة: يا أبا القاسم، وجَمَعَ بينهما في رواية فُضَيلٍ. قوله: ((إنَّ الله يُمْسِك السَّماوات)) في رواية شَيبانَ: ((يجعل)) بَدَل ((يُمسِك))، وزاد فُضَيْلٌ: ((يوم القيامة))، وفي رواية أبي معاوية عند الإسماعيليّ: أبَلَغَك يا أبا القاسم أنَّ الله يَحمِل الخَلائق؟ قوله: ((والشَّجَرَ على إصْبَع)) زاد في رواية عَلقَمة: والثَّرَى، وفي رواية شيبانَ: الماء والثَّرَى، وفي رواية فُضَيلِ بن عِيَاض: الجبالَ والشَّجَرَ على إصبَع، والماء والثَّرَى على إصبَع. قوله: ((والخَلائق)) أي: مَن لم يَتقدَّم له ذِكر، ووَقَعَ في رواية فُضَيلِ وَشَيبان: وسائرَ الخلق، وزاد ابن خُزيمةَ عن محمَّد بن خلَّاد عن يحيى بن سعيد القَطّان عن الأعمَش فذكر الحديث، قال محمَّد: عَدَّها علينا يحيى بإصبعِه، وكذا أخرجه أحمد بن حَنبَل في كتاب ((السُّنّة)» (٤٨٩) عن يحيى بن سعيد وقال: وجَعَلَ يحيى يشير بإصبَعِه يَضَع إصبَعاً على إصبَع حتَّى أَتَى (١) في ((التوحيد)) ١٨٣/١. ٣١٠ باب ١٩/ح ٧٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري على آخرها، ورواه أبو بكر الخَلّال في كتاب ((السُّنّة)) عن أبي بكر المروزيِّ عن أحمد، وقال: رأيت أبا عبد الله يشير بإصبع إصبَع. ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند التِّرمِذيّ (٣٢٤٠): مرَّ يهوديٌّ بالنبِّ وَّ فقال: ((يا يهوديُّ حَدِّثنا)) فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضَعَ الله السَّماوات على ذِهِ والأرضينَ على ذِه والماءَ على ذِهِ والجبالَ على ذِه وسائر الخلق على ذِه؟ وأشار أبو جعفر - يعني أحد رواته - بخنصره أوَّلاً، ثمَّ تَابَعَ حتَّى بَلَغَ الإبهام. قال التِّرمِذيّ: حديث حسن غريب صحيح، ووَقَعَ في مُرسَل مسروق عند الهَرَويِّ مرفوعاً نحو هذه الزِّيادة. قوله: ((ثُمَّ يقول: أنا الملِك)) كَرَّرَها عَلقَمة في روايته، وزاد فُضَيلٌ في روايته قبلها: ثمَّ يَهُزُّهُنَّ. قوله: ((فضَحِكَ رسولُ اللهِ﴾)) في رواية عَلقَمة: فرأيت النبيَّ ◌َّ ضَحِكَ، ومِثله في رواية جَرير، ولفظه: ولقد رأيت. قوله: ((حتَّى بَدَتْ نَواجِذه)) جمع ناجِذ - بنونٍ وجيم مكسورة ثمَّ ذال مُعجَمة - وهو ما يَظهَر عند الضَّحِك من الأسنان، وقيل: هي الأنياب، وقيل: الأضراس، وقيل: الدَّواخل من الأضراس التي في أقصَى الحلق، زاد شَيبانُ بن عبد الرَّحمن: تصديقاً لقولِ الحَبْر، وفي ٣٩٨/١٣ رواية فُضَيلِ المذكورة هنا: تَعَجُّباً وتصديقاً له، وعند مسلم: تَعَجُّباً ممَّا قال الحَبْر / تصديقاً له، وفي رواية جَریرٍ عنده: وتصديقاً له، بزيادةٍ واو، وأخرجه ابن خُزيمةَ من رواية إسرائيل عن منصور: حتَّى بَدَت نَواجِذُه تصديقاً لقولِه(١). وقال ابن بَطّال: لا يُحمَل ذِكر الإصبَع على الجارحة، بل يُحمَل على أنَّه صِفَةٌ من صفات الذّات لا تُكَيَّفُ ولا تُحدَّدُ، وهذا يُنسَب للأشعَريّ، وعن ابن فُورَك: يجوز أن يكون الإصبَعِ خَلْقاً يَخْلُقه الله فيُحَمِّله الله ما يَحمِل(٢) الإصبَع، ويحتمل أن يُراد به القُدرة (١) أخرجه في ((التوحيد)) ١/ ١٨٤، لكن عنده من رواية جرير عن منصور وليس إسرائيل، ولم يذكر الحافظ نفسه رواية لإسرائيل في ((إتحاف المهرة)) ٣٤٦/١٠، والله أعلم. (٢) في (أ): ما لا يحمل، وهو خطأ. ٣١١ باب ١٩/ح ٧٤١٥ كتاب التوحيد والسُّلطان، كقولِ القائل: ما فلانٌ إلّا بين إصبعيَّ، إذا أرادَ الإخبار عن قُدرَته عليه. وأيَّدَ ابنُّ الِّين الأوَّل بأنَّه قال: على إصبَع، ولم يَقُل: على إصبَعَيه. قال ابن بَطّال: وحاصل الخبر أنَّ ذَكَر المخلوقات وأخبَرَ عن قُدرةِ الله على جميعها، فَضَحِكَ النبيُّ ◌َّ ه تصديقاً له، وتَعَجُّباً من كَونه يَستَعظِم ذلك في قُدرة الله تعالى، وأنَّ ذلك ليس في جَنْب ما يَقدِر عليه بعظيم، ولذلك قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،﴾ الآية، أي: ليس قَدْرُه في القُدرة على ما يَخْلُق على الحدِّ الذي يَنتَهي إليه الوهم، ويُحيط به الحَصْر، لأنَّه تعالى يَقدِر على إمساك مخلوقاته على غير شيءٍ كما هي اليوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾ [فاطر: ٤١]، وقال: ﴿رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]. وقال الخطَّبيُّ: لم يَقَع ذِكر الإصبَع في القرآن ولا في حديثٍ مقطوع به، وقد تَقرَّرَ أنَّ اليد ليست بجارحةٍ حتَّى يُتوهّم من ثُبوتها ثُبوتَ الأصابع، بل هو توقيفٌ أطلَقَه الشّارع فلا يُكَيَّف ولا يُشَبَّه، ولعلَّ ذِكرَ الأصابع من تَخليط اليهوديّ، فإنَّ اليهود مُشَبِّهة، وفيما يَدَّعونَه من التَّوراة ألفاظٌ تَدخُل في باب التَّشبيه، ولا تَدخُل في مَذاهب المسلمينَ، وأمّا ضَحِكُه وَلِّ من قول الخَبر فيحتمل الرِّضا والإنكار، وأمّا قول الرَّاوي: تصديقاً له، فظنٌّ منه وحُسبان، وقد جاءَ الحديث من عِدّة طرقٍ ليس فيها هذه الزِّيادة، وعلى تقدير صِحَّتها فقد يُستَدَلُّ بحُمرةِ الوجه على الخَجَل، وبصُفْرَتِه على الوَجَل، ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحُمرة لأمرٍ حَدَثَ في البَدَن كَثَوران الدَّم، والصُّفرة لثَوران خِلْطٍ من مِرارٍ وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظاً، فهو محمولٌ على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] أي: قُدرَته على طَيِّها، وسُهولة الأمر عليه في جمعها بمَنْزِلِةِ مَن جَمَعَ شيئاً في كَفِّه، واستَقَلَّ بحَملِه من غير أن يَجمَع كَفَّه عليه، بل يُقِلُّه ببعضِ أصابِعه، وقد جَرَى في أمثالهم: فلان يُقِلَّ كذا بإصبَعِه ويَعمَله بخِنصَرِه، انتهى مُلخَّصاً. ٣١٢ باب ١٩/ح ٧٤١٥ فتح الباري بشرح البخاري وقد تَعقَّبَ بعضهم إنكار وُرُود الأصابع لوُرودِه في عِدّة أحاديث، كالحديث الذي أخرجه مسلم (٢٦٥٤): ((إنَّ قلبَ ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرَّحمن)) ولا يَرِد عليه، لأنَّه إِنَّمَا نَفَى القَطْع. قال القُرطُبيُّ في ((المُفهِم)): قوله: ((إنَّ الله يُمسِك ... )) إلى آخر الحديث، هذا كلُّه قول اليهوديّ، وهم يَعتَقِدونَ التَّجسيم، وأنَّ الله شخصٌ ذو جوارح، كما يَعتَقِده غُلاةُ المشبّهة من هذه الأُمّة، وضَحِكُ النبيِّ وَّهِ إِنَّما هو للتَّعَجُّبِ من جَهلِ اليهوديّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾ أي: ما عَرَفوه حَقَّ معرفته ولا عَظَّموه حَقَّ تعظيمِه، فهذه الرّواية هي الصَّحيحة المحَقَّقة، وأمّا مَن زاد: وتصديقاً له، فليست بشيءٍ، فإنَّها من قول الرَّاوي وهي باطلة، لأنَّ النبيَّ بَّهَ لا يُصدِّق المحال، وهذه الأوصاف في حَقِّ الله محال، إذ لو كان ذا يدٍ وأصابع وجوارح كان كَواحدٍ مِنّا، فكان يجبُ له من الافتقار والحُدوث والنَّقص والعَجْز ما يجب لنا، ولو كان كذلك لاستَحالَ أن يكون إلهاً، إذ لو جازَتِ الإلهيّة لمن هذه صِفَته لَصَخَّت للدَّجّالِ، وهو محال، فالمفضي إليه كذِب، فقول اليهوديِّ كذِبٌ ومحال، ولذلك أنزلَ الله في الردِّ عليه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهٍ،﴾، وإنَّما تَعَجَّبَ النبيُّ ◌َه من جَهلِهِ فظنَّ الرَّاوي أنَّ ذلك التَّعَجُّب تصديق، وليس كذلك. فإن قيل: قد صَحَّ حديث: ((إنَّ قلوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابع الرَّحمن)) فالجواب أنَّه إذا جاءَنا مِثلُ هذا في الكلام الصّادق تَأوَّلناه، أو تَوقَّفنا فيه إلى أن يَتَبيَّن وجهه مع القَطع باستِحالةِ ٣٩٩/١٣ ظاهره، لضَرُورةٍ / صِدق مَن دَلَّتِ المعجِزةُ على صِدقه، وأمّا إذا جاءَ على لسان مَن يجوزُ عليه الكذِب، بل على لسان مَن أخبَرَ الصّادقُ عن نوعه بالكذِبِ والتَّحريف، كذَّبناه وقبّحناه، ثَّ لو سَلَّمنا أنَّ النبيَّ وَّهِ صَرَّحَ بتصديقِه لم يكن ذلك تصديقاً له في المعنى، بل في اللَّفظ الذي نَقَلَه من كتابه عن نبيِّه، ونَقطَع بأنَّ ظاهره غير مُراد، انتهى مُلخَّصاً. وهذا الذي نَحا إليه أخيراً أولى مما ابتَدَأ به، لما فيه من الطَّعن على ثقات الرُّواة، ورَدِّ الأخبار الثّابِتة، ولو كان الأمر على خِلاف ما فَهِمَه الرَّاوي بالظَّنِّ لَلَزِمَ منه تقريرُ النبيِّ وَسَـ ٣١٣ باب ٢٠/ح ٧٤١٦ كتاب التوحيد على الباطل، وسکوتُه عن الإنكار، وحاشا لله من ذلك. وقد اشتَدَّ إنكار ابن خُزَيمةَ على مَن ادَّعَى أنَّ الضَّحِك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورَدَ هذا الحديث في كتاب التَّوحيد (١٧٨/١) من ((صحيحه)) بطريقه: قد أجَلَّ الله تعالى نبيَّه وَل﴿ عن أن يُوصَف ربُّه بحَضرَتِه بما ليس هو من صفاته، فيَجعلَ بَدَل الإنكار والغضب على الواصف ضَحكاً، بل لا يَصِفُ (١) النبيَّ ◌َّ بهذا الوصف مَن يُؤْمِن بنُبِوَّتِهِ، وقد وَقَعَ في الحديث الماضي في الرِّقاق (٦٥٢٠) عن أبي سعيدٍ رَفَعَه: ((تكون الأرضُ يوم القيامة خُبزةً واحدة، يَتَكَفَُّها الجَبّار بيَدِه كما يتكفّأُ أحدُكم خُبْزَته)) الحديث، وفيه: أنَّ يهوديّاً دَخَلَ فأخبَرَ بمِثلِ ذلك، فَنَظَرَ النبيُّ ◌َّ إلى أصحابه ثمَّ ضَحِكَ. ٢٠ - باب قول النبيِّ وَّ: ((لا شَخْصَ أغْيَرُ منَ الله)) ٧٤١٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ التَّبُوذَكيُّ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عبدُ الملِك، عن ورّادٍ كاتبِ المغيرةِ، عن المغيرةِ، قال: قال سَعْدُ بنُ عُبادةَ: لو رأيتُ رجلاً معَ امرأتي لَضَرَبتُه بِالسَّيْفِ غيرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذلك رسولَ الله وَّةِ، فقال: ((أَتَعْجَبُونَ مِن غَيْرةِ سعدٍ! والله لأنا أغْيَرُ منه، والله أغْيَرُ منّي، ومِن أجْلٍ غَيْرةِ الله حَرَّمَ الفَواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدٌ أحَبَّ إليه العُذْرُ مِنَ الله، ومِن أجْلِ ذلك بَعَثَ الُنذِرِينَ والَبِشِّرِينَ، ولا أحدٌ أحَبَّ إليه المِدْحةُ منَ الله، ومِن أجْلِ ذلك وعَدَ الله الجنَّةَ)). وقال عُبَيْدُ الله بنُ عَمرٍو، عن عبدِ الملِكِ: ((لا شَخْصَ أغْيَرُ منَ الله)). قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: لا شخص أغْيَرُ من الله)) كذا لهم، ووَقَعَ عند ابن بَطّال بلفظ: ((أحد)) بَدَل ((شخص))، وكأنّه من تغييره. قوله: ((عبد الملِك)) هو ابن عُمَير، والمغيرة: هو ابن شُعْبة كما تقدَّم التَّنبيه عليه في أواخر الحدود والمحاربينَ (٦٨٤٦)، فإنَّه ساقَ من الحديث هناك بهذا السَّنَد إلى قوله: ((والله (١) تحرَّفت في (س) إلى: لا يوصف. ٣١٤ باب ٢٠/ح ٧٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري أغيَرَ منِّي))، وتقدَّم شَرح القول المذكور هناك، وتقدَّم الكلام على غيرة الله في شَرح حديث ابن مسعود(١)، وأنَّ الكلام عليه تقدَّم في شَرح حديث أسماء بنت أبي بكر (٢) في «کتاب الگُسوف)). قال ابن دقيق العيد: المُنزِّهونَ لله إمّا ساكِت عن التَّأويل وإمّا مُؤَوِّل، والثّاني يقول: المراد بالغَيْرة المنع من الشَّيء والحِماية، وهُما من لوازم الغيرة، فأُطلِقَت على سبيل المجاز كالمُلازَمة، وغيرها من الأوجُه الشّائعة في لسان العرب. قوله: ((ولا أحد أحَبّ إليه العُذْر من الله، ومن أجْل ذلك بَعَثَ المنذِرينَ والمُبِشِّرينَ)) يعني الرُّسُل، وقد وَقَعَ في رواية مسلم (١٤٩٩): ((بَعَثَ المرسَلينَ مُبِّرينَ ومُنذِرِينَ)) وهي أوضَح، وله (٢٧٦٠/ ٣٥) من حديث ابن مسعود: ((ولذلك أنزَلَ الكتب والرُّسُل)) أي: وأرسَلَ الرُّسُل، قال ابن بَطّال: هو من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،/ ٤٠٠/١٣ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] فالعُذر في هذا الحديث التَّوبة والإنابة، كذا قال، وقال عِيَاض: المعنى: بَعَثَ المرسَلينَ للإعذار والإنذار لخلقِه قبل أخذهم بالعُقوبة، وهو كقوله تعالى: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وحكى القُرطُبيّ في ((المُفهِم)) عن بعض أهل المعاني قال: إنَّما قال النبيّ ◌َّ: ((لا أحد أحَبّ إليه العُذر من الله)) عَقِب قوله: ((لا أحد أغيَرَ من الله)) مُنِّهاً لسعدٍ بن عُبادة على أنَّ الصَّواب خِلَاف ما ذهب إليه، ورادِعاً له عن الإقدام على قتل مَن يَجِده مع امرأته، فكأنَّه قال: إذا كان الله مع كونه أشَدَّ غَيْرة مِنك يُحِبّ الإعذار، ولا يُؤاخذ إلّا بعد الحُجّة، فكيف تُقدِمُ أنتَ على القتل في تلكَ الحالة؟! قوله: ((ولا أحد أحَبّ إليه)) يجوز في ((أحَبّ)) الرَّفع والنَّصب كما تقدَّم في الحدود(٣). (١) تقدَّم برقم (٤٦٣٤). (٢) بل في حديث عائشة (١٠٤٤). (٣) بل في الكسوف عند شرح حديث عائشة (١٠٤٤). ٣١٥ باب ٢٠/ح ٧٤١٦ كتاب التوحيد قوله: ((المِلْحة من الله)) بكسر الميم مع هاء التَّأنيث، وبفتحِها مع حذف الهاء، والمدح: الثّاء بذِكر أوصاف الكمال والإفضال. قاله القُرطُبيّ. قوله: ((ومن أجْل ذلك وعَدَ الله الجنَّة)) كذا فيه بحذفِ أحد المفعولَينِ للعِلمِ به، والمراد به مَن أطاعَه، وفي رواية مسلم: ((وعَدَ الجنَّة)) بإضمار الفاعل(١) وهو الله. قال ابن بَطّال: إرادَتُه(٢) المدح من عباده بطاعتِه وتنزيهه عمّا لا يَلِيق به، والثّناء عليه بنِعَمِه ليُجازيهم على ذلك. وقال القُرطُبيّ: ذكر المدح مَقروناً بالغيرةِ والعُذر تنبيهاً لسعدٍ على أن لا يَعمَل بمُقْتَضَى غيرَته، ولا يَعْجَلَ، بل يَتَأنَّى ويَتَرَفَّق ويَتَبَّت، حتَّى يَحَصُل على وجه الصَّواب، فينال كمال الثَّناء والمدح والثَّواب، لإيثاره الحقّ وقَمع نفسه وغَلَبَتها عند هَيَجانها، وهو نحو قوله: ((الشَّديد مَن يَملِك نفسه عند الغضب)) وهو حديث صحيح مُتَّفَق عليه(٣). وقال عِيَاض: معنى قوله: ((وعَدَ الجنَّة)) أنَّه لمَّا وعَدَ بها ورَغَّبَ فيها كَثُرَ السُّؤال له والطَّلَب إليه والثّناء عليه. قال: ولا يُحِتَجّ بهذا على جواز استجلاب الإنسان الثَّنَاءَ على نفسه، فإنَّه مذموم ومَنهيٌّ عنه، بخِلَاف حُبّه له في قلبه إذا لم يَجِد من ذلك بُدّاً، فإنَّه لا يُذَمّ بذلك، فالله سبحانه وتعالى مُستَحِقّ للمَدحِ بكمالِهِ، والنَّقْصُ للعبدِ لازِم ولو استَحقَّ المدحَ من جهةٍ ما، لكنَّ المدح يُفسِد قلبَه ويُعظِّمه في نفسه حتَّى يَحَتَقِر غيره، ولهذا جاءَ: ((احثوا في وجوه المدّاحينَ التُّرابَ)) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٣٠٠٢). قوله: ((وقال عُبَيد الله بن عَمْرو) هو الرَّقّيّ الأسَديُّ ((عن عبد الملِك)) هو ابن عُمَیر. قوله: ((لا شخص أغْيَر من الله)) يعني أنَّ عُبَيد الله بن عَمرو روى الحديث المذكور عن (١) كذا قال الحافظُ رحمه الله تعالى، مع أن الذي في جميع النسخ الخطية الحاضرة عندنا من ((صحيح مسلم))، ومنها نسخة ابن خير الإشبيلي، بإثبات اسم الجلالة، لكن وقع في ((إكمال المُعْلِم)) لعياض، وكذا في ((شرح النواوي)) بإضماره، فلعل ذلك وقع في بعض نسخ مسلم. والله أعلم. (٢) تصحَّف في (س) إلى: أرادَ به. (٣) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩). ٣١٦ باب ٢٠ / ح ٧٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري عبد الملِك بالسَّنَدِ المذكور أوَّلاً، فقال: ((لا شخص)) بَدَل قوله: ((لا أحد))، وقد وَصَلَه الدَّارِميُّ (٢٢٢٧) عن زكريّا بن عَديٍّ عن عُبَيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عُمَير عن ورّاد مولى المغيرة، عن المغيرة قال: بَلَغَ النبيَّ نَّهِ أَنَّ سعد بن عُبادة يقول، فذكره بطولِه، وساقَه أبو عَوَانة يعقوب الإسفرايينيّ في ((صحيحه)) (٤٧٢٠) عن محمّد بن عيسى العَطّار عن زكريّا بتمامه، وقال في المواضع الثَّلاثة: ((لا شخص))، قال الإسماعيليّ بعد أن أخرجه من طريق عُبَيد الله بن عمر القواريريّ، وأبي كامل فُضَيل بن حُسَين الجَحْدَريّ، ومحمَّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، ثلاثتهم عن أبي عَوَانة الوضّاح البصريّ بالسَّنَدِ الذي أخرجه البخاريّ، لكن قال في المواضع الثَّلاثة: ((لا شخص)) بَدَل: ((لا أحد))، ثمَّ ساقَه من طريق زائدة ابن قُدامة عن عبد الملك كذلك، فكأنَّ هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاريّ في حديث أبي عَوَانة عن عبد الملِك، فلذلك عَلَّقَها عن عُبيد الله بن عمرو. قلت: وقد أخرجه مسلم (١٤٩٩) عن القواريريّ وأبي كامل كذلك، ومن طريق زائدة أيضاً. قال ابن بَطّال: أجمَعَتِ الأُمّة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يُوصَف بأنَّه شخص، لأنَّ التَّوقيف لم يَرِد به، وقد مَنَعَت منه المجَسِّمة مع قولهم بأنَّه جسم لا كالأجسام. كذا قال، والمنقول عنهم خِلاف ما قال، وقال الإسماعيليّ: ليس في قوله: ((لا شخص أغيَرَ من الله)) إثبات أنَّ الله شخص، بل هو كما جاءَ: ما خَلَقَ الله أعظم من آية الكرسيّ(١)، فإنَّه ليس فيه ٤٠١/١٣ إثبات أنَّ آية الكرسيّ / مخلوقة، بل المراد أنَّها أعظم من المخلوقات(٢)، وهو كما يقول مَن يَصِف امرأة كاملةَ الفضلِ حسنةَ الخُلق: ما في الناس رجل يُشبِهُها، يريد تفضيلها على الرِّجال لا أنَّهَا رجل. وقال ابن بَطّال: اختَلَفَت ألفاظ هذا الحديث، فلم يُختَلَف في حديث ابن مسعود أنَّه بلفظِ: «لا أحد)»، فظَهَرَ أنَّ لفظ ((شخص)) جاءَ موضع ((أحد)) فكأنّه من تَصَرُّف الرَّاوي، ثمّ قال: على أنَّه من باب المُسَنَى من غير جِنسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَمُ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا (١) أخرجه ابن الضُّرَيس في ((فضائل القرآن)) (١٩٣) من قول عبد الله بن مسعود. (٢) كذلك فسره سفيان بن عیینة، فیما أخرجه عنه الترمذي (٢٨٨٤). ٣١٧ باب ٢٠/ح ٧٤١٦ كتاب التوحيد اَلَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، وليس الظّنّ من نوع العلم. قلت: وهذا هو المعتمَد، وقد قَرَّرَه ابن فُورَك، ومنه أخَذَه ابن بَطّال فقال بعدَما تقدَّم من التَّمثيل بقوله: ﴿إِن يَقَبِعُونَ إِلَّا الَّنَ﴾ [النجم: ٢٣]: فالتَّقدير أنَّ الأشخاص الموصوفة بالغيرةِ لا تَبلُغ غيرَتها وإن تَناهَت غيرةَ الله تعالى، وإن لم يكن شخصاً بوجهٍ. وأمّا الخطَّبيُّ فبَنَى على أنَّ هذا التَّركيب يقتضي إثبات هذا الوصف لله تعالى، فبالَغَ في الإنكار وتَخْطِئة الرَّاوي، فقال: إطلاق الشَّخص في صفات الله تعالى غير جائز، لأنَّ الشَّخص لا يكون إلّا جسماً مُؤَلَّفاً، فخَليق أن لا تكون هذه اللَّفظة صحيحة، وأن تكون تصحيفاً من الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوَانة روى هذا الخبر عن عبد الملك فلم يذكرها، ووَقَعَ في حديث أبي هريرة (٥٢٢٣) وأسماء بنت أبي بكر (٥٢٢٢) بلفظ: ((شيء)) والشَّيء والشَّخص في الوزن سواء، فمَن لم يُمعِن في الاستماع لم يَأمَن الوهم، وليس كلّ من الزُّواة يُراعي لفظ الحديث حتَّى لا يَتعدّاه، بل كثير منهم يُحدِّث بالمعنى، وليس كلّهم فَهْماً، بل في كلام بعضهم جَفاء وتَعَجرُف، فلعلَّ لفظ ((شخص)) جَرَى على هذا السَّبيل إن لم يكن غَلَطاً من قَبِيل التَّصحيف، يعني السَّمعيّ، قال: ثمَّ إِنَّ عُبَيد الله بن عَمرو انفَرَدَ عن عبد الملِك فلم يُتابع علیه، واعتَورَه الفساد من هذه الأوجُه. وقد تَلَقَّى هذا عن الخطّابِيّ أبو بكر بن فُورَك، فقال: لفظ (الشَّخص)) غير ثابت من طريق السَّنَد، فإن صَحَّ فبيانه في الحديث الآخَر، وهو قوله: ((لا أحد)) فاستَعمَلَ الرَّاوي لفظ ((شخص)) موضع ((أحد))، ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم عن ابن بَطّال، ومنه أخَذَ ابن بَطّال، ثمَّ قال ابن فُورَك: وإِنَّا مَنَعَنا من إطلاق لفظ ((الشَّخص)) أُمور: أحدها: أنَّ اللَّفظ لم يَتُبت من طريق السَّمع، والثّاني: الإجماع على المنع منه، والثّالث: أنَّ معناه الجسم المؤلّف المركَّب، ثمّ قال: ومعنى الغيرة الزَّجر والتَّحريم، فالمعنى أنَّ سعداً لَزَجُورٌ عن المحارم وأنا أشَدّ زَجراً منه، والله أزجر من الجمیع. انتھی. وطَعنُ الخطَّبيّ ومَن تَبِعَه في السَّنَد مَبنيّ على تَفُرُّد عُبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك ٣١٨ باب ٢٠/ ح ٧٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري كما تقدَّم، وكلامه ظاهر في أنَّه لم يُراجِع ((صحيح مسلم)) ولا غيره من الكتب التي وَقَعَ فيها هذا اللَّفظ من غير رواية عُبَيد الله بن عَمرو، ورَدُّ الرِّوايات الصَّحيحة والطَّعن في أئمّة الحديث الضّابِطينَ، مع إمكان توجيه ما رَووا، من الأمور التي أقدَمَ عليها كثير من غير أهل الحديث، وهو يقتضي قُصور فهم مَن فعل ذلك منهم، ومن ثَمَّ قال الكِرْمانيُّ: لا حاجة لتَخطِئَةِ الرُّواة الثّقات، بل حُكم هذا حُكم سائر المُتَشابهات، إمّا التَّفويض وإمّا التَّأويل. وقال عِيَاض بعد أن ذكر معنى قوله: ((ولا أحد أحَبّ إليه العُذر من الله)): أنَّه قَدَّمَ الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعُقوبة، وعلى هذا لا يكون في ذِكر الشَّخص ما يُشكِل. كذا قال، ولم يَتَّجِه أخذ نَفي الإشكال ممَّا ذَكَرَ، ثمَّ قال: ويجوز أن يكون لفظ ((الشّخص)) وَقَعَ تَّجُوُّزاً من ((شيء)) أو ((أحد)) كما يجوز إطلاق الشَّخص على غير الله تعالى، وقد يكون المراد بالشَّخصِ المُرتَفِع، لأنَّ الشَّخص هو ما ظَهَرَ وشَخَصَ وارتَفَعَ، فيكون المعنى: لا مُرتَفِع أرفَع من الله، كقوله: لا مُتَعالي أعلَى من الله، قال: ويحتمل أن يكون المعنى: لا ينبغي لشخصٍ أن يكون أغيَرَ من الله تعالى، وهو مع ذلك لم يَعْجَل ولا بادَرَ بعُقوبةِ عبده لارتكابِهِ ما نَهاه عنه، بل حَذَّرَه وأنذَرَه وأعذَرَ إليه وأمهَلَه، فينبغي أن يَتَأْذَّب بأدبِهِ ويَقِف عند أمره ونَهيه، وبهذا تَظْهَر مُناسَبة تَعقيبه بقوله: ((ولا أحد أحَبّ إليه العُذر من الله)). ٤٠٢/١٣ وقال القُرطُبيّ: أصل وضع الشَّخص/ - يعني في اللَّغة - لِرم الإنسان وجسمه، يقال: شخص فلان وجُثمانه، واستُعمِلَ في كلّ شيءٍ ظاهر، يقال: شَخَصَ الشَّيء: إذا ظَهَرَ، وهذا المعنى مُحال على الله تعالى فوجَبَ تأويله، فقيلَ: معناه: لا مُرتَفِع، وقيل: لا شيء، وهو أشبه من الأوَّل. وأوضَحُ منه: لا موجود أو لا أحد، وهو أحسَنها، وقد ثَبَتَ في الرّواية الأُخرى، وكأنَّ لفظ الشّخص أُطلِقَ مُبالَغة في إثبات إيمان مَن يَتَعَذَّر على فهمه موجود لا يُشبِه شيئاً من الموجودات، لئلّا يُفضي به ذلك إلى النَّفي والتَّعطيل، وهو نحو قوله ◌َّه للجارية: ((أينَ الله؟)) ٣١٩ باب ٢١/ح ٧٤١٧ كتاب التوحيد قالت: في السماء(١)، فحَكَمَ بإيمانها تَخَافة أن تقع في التَّعطيل، لقُصورِ فهمها عمَّا ينبغي له من تنزيه ممّاً يقتضي التَّشبيه، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً. تنبيه: لم يُفصِح المصنِّفُ بإطلاق الشَّخص على الله، بل أورَدَ ذلك على طريق الاحتمال، وقد جَزَمَ في الذي بعده بِتَسميتِهِ (٢) شيئاً لظُهورِ ذلك فيما ذكره من الآيتين. ٢١ - بابٌ ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ شَهِدَةً قُلِ اَللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فسَمَّى الله تعالى نفسَه شيئاً. وسَمَّى النبيُّ بِ يَّ القرآنَ شيئاً، وهو صِفَةٌ مِن صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. ٧٤١٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازمِ، عن سَهْلٍ بنِ سعدٍ، قال النبيُّ ◌َّه لرجلٍ: ((أمَعَكَ منَ القرآنِ شيءٌ؟)) قال: نَعَم، سورةُ كذا وسورةُ كذا، لسوَرِ سَمّها. قوله: ((باب)) بالتَّنوينِ (﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللهُ﴾ فسَمَّى الله تعالى نفسه شيئاً) كذا لأبي ذرِّ والقابِسيّ، وسَقَطَ لفظ: ((باب)) لغيرِهما من رواية الفِرَبريّ، وسَقَطَتِ التَّرجمة من رواية النَّسَفيِّ، وذكر قوله: ((﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهَدَةً﴾﴾» وحديث سهل بن سعد بعد أنَرَي أبي العاليَة ومجاهد في تفسير ﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ووَقَعَ عند الأَصِيليّ وكَرِيمة: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهَدَةٌ﴾ سَمَّى الله نفسه شيئاً ﴿قُلِ اللهُ﴾. والأوَّل أولى، وتوجيه التَّرجمة أنَّ لفظ: ((أيّ)) إذا جاءَت استفهاميّة اقتَضَى الظّاهر أن يكون سُمَّ باسم ما أُضيفَ إليه، فعلى هذا يَصِحّ أن يُسَمَّى الله شيئاً، وتكون الجَلالة خبر مُبتَدَأ محذوف، أي: ذلك الشَّيء هو الله، ويجوز أن يكون مُبتَدَأَ محذوف الخبر، والتَّقدير: الله أكبر شهادة، والله أعلم. قوله: ((وسَمَّى النبيّ وَّهِ القرآن شيئاً، وهو صِفَةٌ من صفات الله)) يشير إلى الحديث الذي أورَدَه من حديث سهل بن سعد، وفيه: ((أمَعَك من القرآن شيء؟)) وهو مُختصَر من حديث (١) أخرجه مسلم (٥٣٧). (٢) تحرَّف في (س) إلى: فتسميته. ٣٢٠ باب ٢١/ح ٧٤١٧ فتح الباري بشرح البخاري طويل في قصَّة الواهبة، تقدَّم بطولِه مشروحاً في ((كتاب النِّكاح)) (٥٠٣٠)، وتوجيهه أنَّ بعض القرآن قرآنٌ، وقد سَمّاه الله شيئاً. قوله: ((وقال: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ))) الاستدلال بهذه الآية للمطلوبِ يَنبني على أنَّ الاستثناء فيها مُتَّصِل، فإنَّه يقتضي اندراج المُستَثَنَى في المُستَثَنَى منه، وهو الرَّاجح، على أنَّ لفظ ((شيء)) يُطلَق على الله تعالى، وهو الرَّاجح أيضاً، والمراد بالوجه الذّات، وتوجيهه أنَّه عَبَّرَ عن الجُملة بأشهَر ما فيها، ويحتمل أن يُراد بالوجه ما يُعمَل لأجلِ الله أو الجاه. وقيل: إنَّ الاستثناء مُنقَطِع، والتَّقدير: لكن هو سبحانه لا يَهلِك، والشَّيء يُساوي الموجود لُغةً وعُرفاً، وأمّا قولهم: فلان ليس بشيءٍ، فهو على طريق المبالَغة في الذَّمّ، فلذلك وَصَفَه بِصِفَةِ المعدومِ. وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّ البخاريّ انتَزَعَ هذه التَّرجمة من كلام عبد العزيز بن يحيى المكِّيّ، فإنَّه قال في كتاب ((الخَيدة)): سَمَّى الله تعالى نفسه شيئاً إثباتاً لوجودِهِ ونَفياً للعَدَمِ ٤٠٣/١٣ عنه، وكذا أجرَى على كلامه/ ما أجراه على نفسه، ولم يجعل لفظ ((شيء)) من أسمائه، بل دَلَّ على نفسه أنَّه شيء تكذيباً للدَّهريّةِ ومُنكِري الإلهيّة من الأُمَم، وسَبَقَ في عِلمه أنَّه سيكونُ مَن يُلحِد في أسمائه، ويُلَبِّس على خلقه، ويُدخِل كلامه في الأشياء المخلوقة، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة، ثمّ وَصَفَ كلامه بِمَا وَصَفَ به نفسه، فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى: ﴿أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] فدَلَّ على كلامه بما دَلَّ على نفسه، ليُعلَمَ أنَّ كلامه صِفَة من صفات ذاته، فكلّ صِفَة تُسمَّى شيئاً بمعنى أنَّها موجودة. وحكى ابن بَطّال أيضاً أنَّ في هذه الآيات والآثار رَدّاً على مَن زَعَمَ أنَّه لا يجوز أن يُطلَق على الله شيء، كما صَرَّحَ به عبد الله الناشِئ المتكلِّم وغيره، ورَدّاً على مَن زَعَمَ أنَّ