Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب ١٥
كتاب التوحيد
ليس جازِماً بتأويلِه بخِلَاف صاحب التَّفويض.
١٥ - باب قولِ الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وقولِ الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٩]
قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقولِ الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى ٣٨٤/١٣
وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾)) قال الرَّاغِب: نفسُه: ذاته، وهذا وإن كان يقتضي المغايرة من حيثُ
إنَّه مُضافٌ ومُضافٌ إليه، فلا شيءَ من حيثُ المعنى سوى واحدٍ سبحانه وتعالى عن الاثنينِيَّة
من كلّ وجه، وقيل: إنَّ إضافة النَّس هنا إضافةُ مِلْك، والمراد بالنَّفْسِ نفوس عباده. انتهى
مُلخَّصاً، ولا يَخْفَى بُعدُ الأخير وتَكلُّقه.
وترجَمَ البَيْهَقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)): النَّفْس، وذكر هاتَينِ الآيتين، وقوله تعالى:
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾
[طه: ٤١]، ومن الأحاديث الحديثَ الذي فيه: ((أنتَ كما أثنيت على نفسك))(١)، والحديث الذي
فيه: ((إنّي حَرَّمت الظَّلم على نفسي)) (٦٢٧) وهما في ((صحيح مسلم)) (٤٨٦ و٢٥٧٧) -
قلت: وفيه (٢٧٢٦) أيضاً الحديث الذي فيه: ((سبحان الله رِضا نفسه)) - ثمَّ قال: والنَّفْس
في كلام العرب على أوجُه، منها: في الحقيقة، كما يقولون: في نفس الأمر، وليس للأمرِ نفسٌ
مَنفوسَة، ومنها الذّات، قال: وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِكَ﴾: إنَّ معناه: تعلم ما أُكِتُّه وما أُسِرُّه ولا أعلَم ما تُسِرَّه عنِّي.
وقيل: ذكر النَّفس هنا للمُقابَلةِ والمشاكَلة، وتُعقِّبَ بالآيةِ التي في أوَّل الباب فليس فيها
مقابلة.
وقال أبو إسحاق الزَّجّاج في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: إيّاه.
وحكى صاحب ((المطالع)) في قوله تعالى: ﴿وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ ثلاثةَ أقوال، أحدها:
لا أعلَمُ ذاتَك. ثانيها: لا أعلَمُ ما في غَيِك. ثالثها: لا أعلَمُ ما عندك، وهو بمعنى قولِ غيره: لا
(١) لم نقع عليه في المطبوع من ((الأسماء والصفات)).

٢٨٢
باب ١٥/ح ٧٤٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
أعلَم معلومَك أو إرادَتَك أو سِرَّك أو ما يكون مِنك.
ثُمَّ ذَكَر البخاريُّ في الباب ثلاثة أحاديث:
٧٤٠٣- حدَّتنا عمرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن
عبدِ الله، عن النّبِّ ◌َِّ، قال: ((ما مِن أحدٍ أغْيُرُ منَ الله، مِن أجْلٍ ذلك حَرَّمَ الفَواحشَ، وما أحدٌ
أَحَبَّ إليه المَدْعُ منَ الله)).
أحدها: حديث عبد الله - وهو ابن مسعود -: ((ما من أحدٍ أغيَّرُ من الله)) وفيه: ((وما
أحدٌ أحَبَّ إليه المدحُ من الله)) كذا وَقَعَ هنا مُختصَراً، وتقدَّم في تفسير سورة الأنعام
(٤٦٣٤) من طريق أبي وائل - وهو شَقِيق بن سَلَمَةَ المذكور هنا - أتمَّ منه، وهذا الحديث
مَدارُه في ((الصحيحين)) على أبي وائل، وأخرجه مسلم (٣٥/٢٧٦٠) من رواية عبد الرَّحمن
ابن يزيد النَّخَعيِّ عن ابن مسعود نحوه، وزاد فيه: ((ولا أحدٌ أحَبّ إليه العُذرُ من الله، من أجل
ذلك أنزَلَ الكتب وأرسَلَ الرُّسُل))، وهذه الزيادة عند المصنّف في حديث المغيرة الآتي (٧٤١٦)
في «باب لا شخص أغير من الله)».
قال ابن بَطّال: في هذه الآيات والأحاديث إثباتُ النَّفس لله، وللنَّفْسِ مَعانٍ، والمراد
بنفس الله: ذاته، ولیس بأمرٍ یزیدُ علیه، فوجب أن یکون هو.
وأمّا قوله: ((أغيَّرُ من الله)) فسَبَقَ الكلام عليه في ((كتاب الگُسوف)) (١٠٤٤)، وقيل:
٣٨٥/١٣ غَيرةُ الله: كَراهَةُ إتيان الفَواحش، أي: عَدَم رِضاه بها، لا التَّقدير، وقيل: الغضبُ لازِمُ/ الغيرة،
ولازِمُ الغضب إرادةُ إيصال العُقوبة.
وقال الكِرْمانيُّ: ليس في حديث ابن مسعود هذا ذِكرُ النَّفْس، ولعلَّهِ أقامَ استعمال أَحَد
مَقامِ النَّفس لتَلازُمِهما في صِحَّة استعمال كلِّ واحد منهما مَقام الآخَر، ثمّ قال: والظاهر أنَّ
هذا الحديث كان قبل هذا الباب، فتَقَلَه الناسخ إلى هذا الباب. انتهى، وكلُّ هذا غَفلةٌ عن
مُراد البخاريّ، فإنَّ ذِكر النَّفْس ثابتٌ في هذا الحديث الذي أورَدَه، وإن كان لَم يَقَع في هذه
الطَّريق لكنَّه أشارَ إلى ذلك كعادتِه، فقد أورَدَه في تفسير سورة الأنعام (٤٦٣٤) بلفظ:

٢٨٣
باب ١٥/ ح ٧٤٠٤
كتاب التوحيد
((ولا شيء))، وفي تفسير سورة الأعراف (٤٦٣٧) بلفظ: ((ولا أحد)) ثمَّ اتَّفَقا على («أحَبّ
إليه المدُح من الله)) ولذلك مَدَحَ نفسه، وهذا القَدر هو المطابِقِ للتَّرجمةِ، وقد كَثُرَ منه أن
يُترجِم ببعضٍ ما وَرَدَ في طرق الحديث الذي يُورِده، ولو لم يكن ذلك القَدْر موجوداً في
تلكَ التَّرجمة.
وقد سَبَقَ الكِرْمانيَّ إلى نحو ذلك ابنُ المُنِيِّ، فقال: ترجَمَ على ذِكْرِ النَّفس في حَقِّ الباري،
وليس في الحديث الأوَّل للنَّفسِ ذِكْر، فوجْهُ مُطابقَته أنَّه صَدَّرَ الكلام بـ ((أَحد))، و((أَحد)) الواقع
في النَّفي عبارة عن النَّفْس على وجهٍ مخصوص، بخِلَاف ((أحد)) الواقع في قوله تعالى: ﴿قُلّ
هُوَ اللهُ أَحَدُّ ﴾. انتهى، وخَفيَ عليه ما خَفِيَ على الكِرْمانيِّ، مع أنَّه تَفَطَّنَ لِثلِ ذلك في بعض
المواضع. ثمَّ قال ابن المنيِّر: قول القائل: ما في الدّار أحدٌ، لا يُفهَم منه إلّا نَفيُ الأناسيِّ، ولهذا كان
قولهم: ما في الدّار أحدٌ إلّا زيداً استثناءٌ من الجِنس، ومُقْتَضَى الحديث إطلاقه على الله، لأنَّه لولا
صِحَّة الإطلاق ما انتَظَمَ الكلام، كما يَنْتَظِمِ: ما أحدٌ أعلَمَ من زيد، فإنَّ زيداً من الأحدِينَ،
بخِلَاف: ما أحدٌ أحسَن من ثَوبي، فإنَّه ليس مُنتَظِماً، لأنَّ الثَّوب ليس من الأحدِين.
الحديث الثاني:
٧٤٠٤- حدَّثَنَا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن
النّبِّ وَّةِ، قال: «لمَّا خَلَقَ الله الخلقَ كَتَبَ في كتابه، وهو يَكتُبُ على نفسِه، وهو وضْعٌ عندَه
على العَرْشِ: إِنَّ رحمتي تَغْلِبُ غَضَبِي)).
قوله: ((كَتَبَ في كتابِهِ وهو يَكُّب على نفسِه)) كذا لأبي ذرٍّ وسَقَطَت الواو لغيرِه، وعلى
الأوَّل فالجُملة حاليَّة، وعلى الثّاني فـ((يكتُب على نفسه)) بيانٌ لقولِه: ((كَتَبَ))، والمكتوب هو
قوله: ((إنَّ رحمتي ... )) إلى آخره.
وقوله: ((وهو)) أي: المكتوب ((وَضْعٌ)) بفتحِ فسكون، أي: مَوضوع، ووَقَعَ كذلك في
((الجمع)) للحُميديِّ بلفظِ: مَوضوع، وهي رواية الإسماعيليّ فیما أخرجه من وجهٍ آخَر عن أبي
حمزة المذكور في السَّنَد، وهو بالمهمَلةِ والزّاي، واسمه: محمّد بن ميمون السُّكّريّ. وحكى عِیَاض

٢٨٤
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
عن رواية أبي ذَرّ: ((وضَعَ)) بالفتح على أنَّه فعلٌ ماضٍ مَبنيٌّ للفاعل، ورأيته في نُسخَة مُعتمَدَة
بكسر الضّاد مع التّنوین.
وقد مضى شَرح هذا الحديث في أوائل بَدْء الخلق (٣١٩٤)، ويأتي شيءٌ من الكلام
عليه في ((باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾)) (٧٤٢٢)، وفي ((باب ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ فِ
لَوْجِ تَحْفُوظِ))) (٧٥٥٣) أواخر الكتاب إن شاءَ الله تعالى.
وأمّا قوله: ((عنده) فقال ابن بَطّال: عند في اللُّغة للمكان، والله مُنَزَّةٌ عن الحلول في المواضع،
لأنَّ الْحُلول عَرَضٌ يَفْنَى وهو حادث، والحادث لا يَلِيق بالله، فعلى هذا قيل: معناه أنَّه سَبَقَ
عِلمُه بإثابةِ مَن يَعمَلُ بطاعتِهِ وعُقوبةِ مَن يَعمَلُ بمَعصيَتِهِ، ويُؤِّده قوله في الحديث الذي بعده:
((أنا عند ظنِّ عبدي بي)) ولا مكان هناك قَطعاً.
وقال الرَّاغِب: عند لفظٌ مَوضوعٌ للقُربِ، ويُستَعمَل في المكان وهو الأصل، ويُستَعمَل
في الاعتقاد، تقول: عندي في كذا كذا، أي: أعتَقِده، ويُستَعمَل في المرتَبة، ومِنه: ﴿أَحْيَآءُ
عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وأمّا قوله: ﴿إِن كَانَ هَذَاهُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]
فمعناه في حُكمِك.
وقال ابن التِّين: معنى العنديَّة في هذا الحديث: العلمُ بأنَّه مَوضوعٌ على العَرش، وأمّا
كَتْبُهُ فليس للاستعانةِ لئلّا يَنساه، فإنَّه مُنزَّهُ عن ذلك لا تَخْفَى عنه شيء، وإنَّما كَتَبه من أجل
الملائكة الموَكَّلينَ بالمكلَّفين.
الحديث الثالث:
٧٤٠٥ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّنا الأعمَشُ، سمعتُ أبا صالحِ، عن أبي
هُرَيرَ عَ﴾، قال: قال النبيُّ وَّ: ((يقولُ الله تعالى: أنا عند ظنٍّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذَكَرَني،
فإنْ ذَكَرَني في نفسِه ذَكَرتُه في نفسي، وإنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرتُه في مَلَأٍ خيرٍ منهم، وإنْ تَقَّبَ إليَّ
شِبْراً تَقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإنْ تَقرَّبَ إليَّ ذِراعاً تَقرَّبتُ إليه باعاً، وإنْ أتاني يَمْشِي أتيتُهُ هَرْوَلَةً)).
[طرفاه في: ٧٥٠٥، ٧٥٣٧]

٢٨٥
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
كتاب التوحيد
قوله: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي)) أي: قادرٌ على أن أعمَلَ به ما ظنَّ أنّ عاملٌ
به، وقال الكِرْمانيُّ: وفي السّياق إشارةٌ إلى ترجيح جانب الرَّجاء على الخَوف. وكأنَّه أخَذَه
من جِهَة الَّسوية، فإنَّ العاقل إذا سَمِعَ ذلك لا يَعدِل إلى ظنِّ إيقاع الوعيد وهو جانب
الخَوف، لأنَّه لا يختاره لنفسِه بل يَعدِل إلى ظنِّ وقوعِ الوَعد وهو جانب الرَّجاء، وهو
- كما قال أهل التَّحقيق ـ: مُقيَّد بالمحتَضِرِ، ويُؤيِّد ذلك حديث: ((لا يمُوتَنَّ أحدُكم/ إلّا ٣٨٦/١٣
وهو يُحسِن الظَّنَّ بالله))، وهو عند مسلم (٢٨٧٧) من حديث جابر، وأمّا قبل ذلك ففي
الأوَّل أقوالٌ، ثالثها: الاعتدال.
وقال ابن أبي ◌َرة: المراد بالظَّنِّ هنا العلم، وهو كقوله: ﴿وَُّّواْ أَنْ لَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ
﴾ [التوبة: ١١٨].
إليْهِ
وقال القُرطُبيّ في ((المُفهِم)): قيل: معنى (ظنّ عبدي بي)): ظنّ الإجابة عند الدُّعاء،
وظنّ القَبُول عند الثَّوبة، وظنّ المغفِرة عند الاستغفار، وظنّ المجازاة عند فعل العبادة
بشروطِها تَسُّكاً بصادِقٍ وعده، وقال: ويُؤْيِّده قوله في الحديث الآخَر: ((ادعُوا الله وأنتم
موقِنونَ بالإجابةِ))(١)، قال: ولذلك ينبغي للمَرءِ أن يَجْتَهِد في القيام بما عليه، موقِناً بأنَّ الله
يَقبَله ويَغْفِر له، لأنَّه وعَدَ بذلك وهو لا يُخْلِف الميعاد، فإن اعتَقَدَ أو ظنَّ أنَّ الله لا يَقبَلها
وأنَّها لا تَنفَعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر، ومَن ماتَ على ذلك وُكِلَ إلى
ما ظنَّ، كما في بعض طرق الحديث المذكور: ((فليَظُنَّ بي عبدي ما شاء))(٢)، قال: وأمّا ظنُّ
المغفرة مع الإصرار فذلك مَحَضُ الجهل والغِرَّة، وهو يَجُرّ إلى مذهب المرجِئَة.
قوله: ((وأنا معه إذا ذَكَرني)) أي: بعِلمِي، وهو كقوله: ﴿إِنَِّى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[طه: ٤٦]، والمعيَّةُ المذكورة أخَصُّ من المعيَّة التي في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، والطبراني في ((الدعاء)) (٦٢)، والحاكم ٤٩٣/١ من حديث أبي هريرة، وسنده
ضعيف، وله شاهد ضعيف عند أحمد (٦٦٥٥)، فانظر الكلام عليه مفصلاً فيه.
(٢) أخرجه أحمد من حديث واثلة (١٦٠١٦)، وانظر تتمة تخريجه فيه، وصنيع الحافظ يوهم أنه من حديث
أبي هريرة، ولیس کذلك.

٢٨٦
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [المجادلة: ٧].
وقال ابن أبي جَمرة: معناه: فأنا معه حَسَب ما قَصَدَ من ذِكرِه لي، قال: ثمَّ يحتمل أن
يكون الذِّكر باللِّسان فقط أو بالقلبِ فقط أو بهما، أو بامتِثالِ الأمر واجتناب النَّهي، قال:
والذي تدلُّ عليه الأخبار أنَّ الذِّكر على نوعينٍ، أحدهما: مقطوعٌ لصاحبِه بما تَضَمَّنَه هذا
الخبر، والثّاني: على خَطَر، قال: والأوَّل يُستَفاد من قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، والثّاني: من الحديث الذي فيه: ((مَن لَمَ تَنهَه صلاتُه عن الفَحشاء
والمنكَر لَمَ يَزِدَد من الله إلّا بُعداً))(١) لكن إن كان في حال المعصية يَذْكُرُ الله بخَوفٍ ووَجَلٍ مَّا
هو فیه، فإنّه يُرجى له.
قوله: ((فإنْ ذَكَرني في نفسه ذَكَرْته في نفسي)» أي: إن ذكرني بالتَّنزيه والتَّقديس ◌ِرّاً ذَكَرته
بالثَّوابِ والرَّحْمَة ◌ِرّاً. وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون مِثْلَ قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُونِيّ
أَذْكُرَكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ومعناه: اذكُروني بالتَّعظيم أذكركم بالإنعام، وقال تعالى: ﴿وَلَذِكرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أي: أكبر العبادات، فمَن ذكره وهو خائف آمَنَه، أو مُستَوحِشُ
آنَسَه، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَبِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
قوله: ((وإنْ ذَكَرني في مَلَأٍ)) بفتح الميم واللّام مهموز، أي: جماعة ((ذَكَرْتُه في مَلَأٍ خيرٍ
منهم)) قال بعض أهل العلم: يُستَفاد منه أنَّ الذِّكر الحَقيّ أفضَل من الذِّكر الجَهريّ، والتَّقدير:
إن ذکرني في نفسه ذكرته بثوابٍ لا أُطلِعُ عليه أحداً، وإن ذكرني جهراً ذكرته بثوابٍ أُطلِعِ عليه
الملأ الأعلى.
وقال ابن بَطّال: هذا نَصِّ في أنَّ الملائكة أفضل من بني آدم، وهو مَذْهَب ◌ُهور أهل
العلم، وعلى ذلك شواهد من القرآن مثل: ﴿إِلََّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْخَالِدِينَ﴾
[الأعراف: ٢٠]، والخالد أفضَلُ من الفاني فالملائكة أفضَلُ من بني آدم. وتُعقِّبَ بأنَّ المعروف
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١١٠٢٥)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٥٠٩) من حديث ابن عباس
مرفوعاً، وإسناده ضعيف.
٠

٢٨٧
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
كتاب التوحيد
عن ◌ُهور أهل السُّنَّة أنَّ صالِي بني آدم أفضَلُ من سائر الأجناس، والذينَ ذهبوا إلى
تفضيل الملائكة الفلاسفةُ ثمَّ المعتَزِلة، وقليلٌ من أهل السُّنَّة من أهل النَّصَوُّف، وبعضُ
أهل الظّاهر، فمنهم مَن فاضَلَ بين الجِنسَينِ فقالوا: حقيقة الملَك أفضل من حقيقة
الإنسان، لأنَّهَا نُورانيَّة وخَيِّرة ولطيفة، مع سَعَة العِلم والقوّة وصَفاء الجَوهَر، وهذا لا
يَستَلِزِم تفضيلَ كلِّ فردٍ على كلِّ فرد، لجوازٍ أن يكون في بعض الأناسيّ ما في ذلك وزيادة.
ومنهم مَن خَصَّ الْخِلَاف بصالحِي البَشَر والملائكة، ومنهم مَن خَصَّه بالأنبياءِ، ثمَّ منهم
مَن فضَّلَ الملائكة على غير الأنبياء، ومنهم مَن فضَلَّهم على الأنبياء أيضاً، إلّا على نبيِّنا
محمَّدٍ أَلّ.
ومن أدلَّة تفضيل النبيِّ على الملَك أنَّ الله أمَرَ الملائكة بالسُّجودِ لآدم على سبيل
التَّكريم له، حتَّى قال إبليس: ﴿أَرَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ومنها قوله
تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥] لما فيه من الإشارةِ إلى العِناية به، ولم يَتْبُت ذلك
للملائكة. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى
اُلْعَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الجاثية:
١٣] فدَخَلَ في عُمُومه / الملائكة، والمسخَّر له أفضَل من المسخَّر، ولأنَّ طاعة الملائكة بأصل ٣٨٧/١٣
الخِلقة، وطاعة البشر غالباً مع المجاهَدَة للنَّفْسِ، لما طُبِعَت عليه من الشَّهوَة والحِرص
والهَوَى والغضب، فكانت عبادَتُهم أشَقّ، وأيضاً فطاعةُ الملائكة بالأمرِ الوارد عليهم،
وطاعة البشر بالنَّصِّ تارةً وبالاجتهادِ تارةً والاستنباط تارة، فكانت أشَقّ، ولأنَّ الملائكة
سَلِمَت من وَسوَسَة الشَّياطين وإلقاء الشُّبَه والإغواء الجائزة على البشر، ولأنَّ الملائكة
تُشاهد حَقائق الملكوت، والبشر لا يَعرِفونَ ذلك إلّا بالإعلام، فلا يَسلَم منهم من إدخال
الشُّبهة من جِهَة تدبير الكَواكِب، وحَرَكَة الأفلاك إلّ الثّابِتُ علی دِينه، ولا یَتِمُّ ذلك إلّا
بِمَشَقَّةٍ شديدةٍ ومُجاهَداتٍ كثيرة.
وأمّا أدلَّة الآخَرينَ فقد قيل: إنَّ حديث الباب أقوى ما استُدِلَّ به لذلك؛ للتَّصريح

٢٨٨
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
بقوله فيه: ((في مَلَأٍ خيرٍ منهم))، والمراد بهم الملائكة، حتَّى قال بعضُ الغُلاة في ذلك: وگَم
من ذاكِرٍ لله في مَلَأٍ فيهم محمَّدٌ رَّهِ ذكرهم الله في مَلَأٍ خيرٍ منهم. وأجابَ بعضُ أهل السُّنَّة
بأنَّ الخبر المذكور ليس نصّاً ولا صريحاً في المراد، بل يَطرُقه احتمال أن يكون المراد بالملأ
الذينَ هم خيرٌ من الملأ الذّاكِرِ: الأنبياء والشُّهَداء، فإنَّهم أحياءٌ عند ربِهم، فلم يَنحَصِر ذلك
في الملائكة، وأجابَ آخَر - وهو أقوى من الأوَّل - بأنَّ الخيريَّة إِنَّا حَصَلَت بالذّاكِرِ والملا
معاً، فالجانب الذي فيه رَبُّ العِزَّة خيرٌ من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيريّة
حَصَلَت بالنّسبةِ للمجموع على المجموع. وهذا الجواب ظَهَرَ لي وظَنَنَت أنَّه ◌ُبتَكَر، ثمَّ
رأيتُه في كلام القاضي كمال الدِّين بن الزَّمَلكانيّ في الجزء الذي جَمَعَه ((في الرَّفيق الأعلى))
فقال: إنَّ الله قابَلَ ذِكرَ العبد في نفسه بذِكرِه له في نفسه، وقابَلَ ذِكرَ العبد في الملأ بذِكرِه له
في الملأ، فإنَّما صارَ الذِّكرُ في الملأ الثّاني خيراً من الذِّكر في الأوَّل، لأنَّ الله هو الذّاكِرِ فيهم،
والملَأُ الذينَ يَذْكُرونَ والله فيهم أفضَلُ من الملأ الذينَ يَذكُرُونَ، وليس الله فيهم.
ومن أدلَّة المعتَزِلة: تقديمُ الملائكة في الذِّكر في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ،﴾ [البقرة: ٩٨] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾
[آل عمران: ١٨] ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. وتُعقّبَ
بأنَّ مُجرَّد التَّقديم في الذِّكر لا يَستَلِم التَّفضیل، لأنَّه لم ینحَصِر فیه بل له أسبابٌ أُخرى،
كالتَّقْدِيمِ بالزّمان في مِثْل قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ وَإِنْزَهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فقَدَّمَ نوحاً على
إبراهيم لتَقَدُّمِ زمان نوح مع أنَّ إبراهيم أفضَل، ومنها قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ
أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢].
وبالَغَ الَّتَشَرِيُّ فادَّعَى أنَّ دلالتها لهذا المطلوب قَطعيَّة بالنِّسبةِ لعِلمِ المعاني، فقال في
قوله تعالى: ﴿وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْقَرَبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] أي: ولا مَن هو أعلى قَدْراً من المسيح،
وهم الملائكة الكَرُوبُّونَ(١) الذينَ حول العَرْش، كجِبريلَ وميكائيل وإسرافيل. قال: ولا
(١) الملائكة الكَروبيُّون: هم سادة الملائكة.

٢٨٩
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
كتاب التوحيد
يقتضي عِلمُ المعاني غيرَ هذا من حيثُ إنَّ الكلام إنَّما سِيقَ للرَّدِّ على النَّصارى لغُلِّهم
في المسيح، فقيلَ لهم: لن يَتَرَفَّع المسيح عن العُبوديَّة ولا مَن هو أرفَعُ درجةً منه.
انتهى مُلخَّصاً، وأُجيبَ بأنَّ التَّرَقِّي لا يَستَلزِمِ التَّفضيلَ المُتَنَازَع فيه، وإنَّما هو بحَسَب
المقام، وذلك أنَّ كلَّا من الملائكة والمسيح عُبِدَ من دون الله، فرَدَّ عليهم بأنَّ المسيح
الذي تُشاهدونَه لَم يَتَكَبَّر عن عبادة الله، وكذلك مَن غابَ عنكم من الملائكة لا
يَتَكَبَّر، والنُّفُوس لِما غابَ عنها أهَيبُ ممَّن تُشاهده، ولأنَّ الصِّفات التي عَبَدوا المسيح
لأجلِها من الزُّهد في الدُّنيا، والاطِّلاع على المغيَّبات، وإحياءِ الموتَى بإذنِ الله موجودةٌ
في الملائكة، فإن كانت توجِب عبادَته فهي موجِبةٌ لعبادَتِهِم بطريق الأولى، وهم مع
ذلك لا يَستَنْكِفُونَ عن عبادة الله تعالى، ولا يَلزَم من هذا التَّرقِّ ثُبُوتُ الأفضَليَّة
المتنازَع فيها.
وقال البيضاويُّ: احتَجَّ بهذا العَطف مَن زَعَمَ أنَّ الملائكة أفضَل من الأنبياء،
وقال: هي مُساقةٌ للرَّدِّ على النَّصارى في رفع المسيح عن مَقام العُبودِيَّة، وذلك يقتضي
أن يكون المعطوفُ عليه أعلى درجة منه، حتَّى يكون عَدَم استنكافهم كالدَّليلِ على عَدَم
استنكافه. وجوابُه أنَّ الآية سِيقَت للرَّدِّ على عَبَدَة المسيح والملائكة، فأُريد بالعَطفِ
المبالَغةُ باعتبار / الكَثْرة دون التَّفضيل، كقولِ القائل: أصبَحَ الأمير لا يحالِفِه رئیس ولا ٣٨٨/١٣
مَرؤوس، وعلى تقدير إرادةِ التَّفضيل فغايته تفضيلُ المقرَّبينَ مَمَّن حَول العَرش، بل مَن
هو أعلى رتبةً منهم على المسيح، وذلك لا يَستَلزِم فضلَ أحدِ الْجِنسَينِ على الآخَر
مُطلَقاً.
وقال الطِّييُّ: لا تَتِمّ لهم الدّلالة إلّا إن سُلِّمَ أنَّ الآية سِيقَت للرَّدِّ على النَّصارى فقط،
فيَصِحُّ: لن يَتَرَفَّعِ المسيحُ عن العُبوديَّة ولا مَن هو أرفَعُ منه، والذي يَدَّعي ذلك يحتاج إلى
إثبات أنَّ النَّصارى تَعتَقِد تفضيلَ الملائكة على المسيح، وهم لا يَعتَقِدونَ ذلك، بل
يَعْتَقِدونَ فيه الإلهيّة، فلا يَتِمُّ استدلال مَن استَدَلَّ به، قال: وسياقُه الآية من أُسلوب

٢٩٠
باب ١٥/ح ٧٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الَّتميم والمبالَغة لا للتَّرقّي، وذلك أنَّه قَدَّمَ قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى قوله:
﴿وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] فقَرَّرَ الوَحدانيَّةَ والمالكيَّةَ والقُدرةَ الّامَّة، ثمَّ أَتْبَعَه بعَدَمِ
الاستنكاف، فالتَّقدير: لا يَسْتَحِقُّ مَن اتَّصَفَ بذلك أن يَستَكِرِ عليه الذي تَتَّخِذونَه أيّها
النَّصارى إلهاً، لاعتقادكم فيه الكمال، ولا الملائكةُ الذينَ اتَّخَذَها غيرُكم آلهةً، لاعتقادهم
فیھم الكمال.
قلت: وقد ذكر ذلك البَغَويُّ مُلخَّصاً، ولفظه: لم يَقُل ذلك رفعاً لمَقامهم على مَقام
عيسى، بل رَدّاً على الذينَ يَدَّعونَ أنَّ الملائكة آلهة، فَرَدَّ عليهم كما رَدَّ على النَّصارى الذينَ
يَدَّعونَ الَّليث، ومنها قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ
أَقُولُ لَكُمْ إِنِّ مَلَكُ﴾ [الأنعام: ٥٠]، فَتَفَى أن يكون مَلَكاً، فدَلَّ على أنَّهم أفضَل. وتُعقِّبَ بأنَّه
إِنَّمَا نَفَى ذلك لكَونِم طَلَبوا منه الخزائن وعِلْمَ الغَيب، وأن يكون بصِفَةِ المَلَك مِن ترك
الأكل والشُّرب والجِماع، وهو من نَمَط إنكارِهم أن يُرسِل الله بَشَراً مِثْلَهم، فَنَفَى عنه أنَّه
مَلَك، ولا يَستَلِزِم ذلك التَّفضيلَ.
ومنها أنَّه سبحانه لمَّا وصَفَ جِبريل ومحمَّداً، قال في جِبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ﴾
[التكوير: ١٩]، وقال في حَقِّ النبيِّ وَّ: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وبين الوصفَيْنِ
بَوْنٌ بعيدٌ. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك إنَّما سيقَ للَّدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ الذي يأتيه شيطان، فكان
وصفُ جِبريل بذلك تعظيماً للنبيِّ وَِّ، فقد وصَفَ النبيَّ ◌َّهِ في غير هذا الموضع بمِثلِ ما
وصَفَ به جبريل هنا وأعظم منه.
وقد أفرَطَ الزََّشَرِيُّ في سوء الأدب هنا، وقال كلاماً يَستَلِم تنقيص المقام المحمَّديّ،
وبالَغَ الأئمّةُ في الردِّ عليه في ذلك، وهو من زَلّاته الشَّنيعة.
قوله: ((وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ شِبْراً)) في رواية المُستَملي والسَّرَخْسِيّ: ((بشِيرٍ)) بزيادةِ موحّدة في
أوَّله، وسيأتي شرحُه في أواخر كتاب التَّوحيد (٧٥٣٧) في ((باب ذِكر النبيِّ ◌َّ وروايته
عن ربِّه)).

٢٩١
باب ١٦/ح ٧٤٠٦
كتاب التوحيد
١٦ - باب قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
٧٤٠٦- حدَّثنا قُتَبِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن عَمٍو، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: لمَّا
نَزَّلَتْ هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال النبيُّ
وَلَهُ: (أعوذُ بَوَجْهِكَ))، فقال: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فقال النبيُّ ◌َلّ: («أعوذُ
بوَجْهِكَ))، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فقال النبيُّ ◌َّ: ((هذا أَيْسَرُ)).
قوله: ((بابُ قولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨])) ذكر فيه
حديث جابرٍ في نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية، وقد تقدَّم
شَرحه في تفسير سورة الأنعام (٤٦٢٨).
وقوله في آخره: ((هذا أيسَرُ)) في رواية ابن السَّكَن: ((هذه))، وسَقَطَ لفظ الإشارة من
رواية الأَصِيليّ، والمراد منه قوله فيه: ((أعوذُ بوجهِك)).
قال ابن بَطّال: في هذه الآية والحديث دلالةٌ على أنَّ لله وجهاً، وهو من صِفَة ذاته، ولیس
بجارحَةٍ ولا كالوجوه التي نُشاهدُها/ من المخلوقينَ، كما نقول: إنَّه عالمٌ ولا نقول: إنَّه كالعلماءِ ٣٨٩/١٣
الذین نشاهدهم.
وقال غيره: دَلَّت الآيةُ على أنَّ المراد بالتَرجمةِ الذّات المقدَّسَة، ولو كانت صِفَةً من صفات
الفعل لَشَمِلَها الهلاك كما شَمِلَ غيرها من الصِّفات، وهو محال.
وقال الرَّاغِب: أصلُ الوجه الجارحَة المعروفة، ولمَّا كان الوجه أوَّلَ ما يُستَقبَل وهو
أشرَف ما في ظاهر البَدَن، استُعمِلَ في مُستَقبَل كلِّ شيء وفي مَبدَئِه وفي إشراقه، فقيلَ: وجه
النَّهار، وقيل: وجه كذا، أي: ظاهره، ورُبَما أُطلِقَ الوجه على الذّات، كقولهِم: كَرَّمَ الله وجهه،
وكذا قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ
إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقيل: إنَّ لفظ الوجه صِلةٌ، والمعنى: كلُّ شيءٍ هالِكٌ إلّا هو، وكذا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾.

٢٩٢
باب ١٧/ح ٧٤٠٧ -٧٤٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: المراد بالوجه القَصد، أي: يَبقَى ما أُرِيدَ به وجهه. قلت: وهذا الأخير نُقِلَ عن سفيان
وغيره، وقد تقدَّم ما وَرَدَ فيه في أوَّل تفسير سورة القَصَص(١).
وقال الكِرْمانيُّ: قيل: المراد بالوجه في الآية والحديث الذّات أو الوجود، أو لفظه زائد،
أو الوجه الذي لا كالوجوه، لاستحالةِ حَملِهِ على العُضو المعروف، فتَعيَّنَ التَّأويل أو
التَّفويض.
وقال البَيْهَقيُّ: تكرَّرَ ذِكرُ الوجه في القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة، وهو في بعضها صِفَةُ
ذات، كقوله: ((إلّا رِداء الكِبرياء على وجهه)»، وهو ما في ((صحيح البخاريّ)) (٧٤٤٤) عن
أبي موسى(٢)، وفي بعضها بمعنى: من أجل، كقوله: ﴿إِنَّا تُطِعِمُكُمْ لِوَ جْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وفي
بعضها بمعنى الرِّضا، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ﴿إِلَّا أَبْلِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ اَلْأَعْلَى﴾
[الليل: ٢٠]، وليس المراد الجارحَة جَزماً، والله أعلم.
١٧ - باب قولِ الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾ [طه: ٣٩]: تُغَذَّى
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]
٧٤٠٧- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جوَيْرِيةُ، عن نافع، عن عبدِ الله، قال: ذُكِرَ
الدَّجّالُ عندَ النّبِيِّ ◌َِّ، فقال: ((إنَّ الله لا يَخْفَى عليكم، إنَّالله ليسَ بأعوَرَ - وأشارَ بَيَدِه إلى عَيْنِهِ -
وإِنَّ المَسِيحَ الدَّجّالَ أَعوَرُ العَيْنِ الْيُمْنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافيةٌ)).
٧٤٠٨- حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا قَتَادةُ، قال: سمعتُ أنساً عَ﴾، عن
النّبِّ وَّةِ، قال: ((ما بَعَثَ الله مِن نبيِّ إلا أنذَرَ قومَه الأعوَرَ الكذَّابَ، إنَّه أعوَرُ، وإنَّ رَبّكم لیس
بأعوَرَ، مكتوبٌ بينَ عَينَه: كافرٌ)).
قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾: تُغَذَّى)) كذا وَقَعَ في رواية المُستَملي
والأصيلي بضمِّ التّاء وفتح الغَين المعجَمة بعدها مُعجَمة ثقيلة: من النَّغذية، ووَقَعَ في نُسخَة
(١) سورة رقم (٢٨) من كتاب التفسير.
(٢) وهو عند البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٦٤٨).

٢٩٣
باب ١٧/ح ٧٤٠٨
كتاب التوحيد
الصَّغَانيّ بالدّالِ المهمَلة، وليس يُفتَح أوَّلُه على حَذْفَ إحدَى التّاءَينِ؛ فإنَّه تفسير تُصنَع،
وقد تقدَّم في تفسير سورة طه (١). قال ابن التِّين: هذا التَّفسير لقَتَادَةَ، ويُقال: صَنَعتُ الفرس: إذا
أحسَنتَ القيام عليه.
قوله: ((وقولهِ تعالى: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾)) أي: بعِلمِنا.
وذَگر فيه حدیثَي ابن عمر ثمّ أنس في ذکر الدَّجّال، وقد تقدّما مشروحینٍ في ((کتاب
الفتن)) (٧١٢٣ و٧١٣١)، وفيهما: ((إنَّ الله ليس بأعور)).
وقوله هنا: ((وأشارَ بَيَلِهِ إلى عينه)) كذا للأكثرِ: عن موسى بن إسماعيل عن جُوَيريةَ، وذكره
أبو مسعود في ((الأطراف)) عن مُسدَّد بَدَل موسى، والأوَّل هو الصَّواب، وقد أخرجه عثمان
الدَّارِمِيُّ في كتاب ((الردّ على بِشر المَرِّيسيّ))(٢) عن موسى بن إسماعيل مثله. ورواه عبد الله بن
محمّد بن أسماء عن عَمّه جُوَيريةَ بدون الزِّيادة التي في آخره، أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان
في «مُسندیهما)) عنه(٣)، وأخرجه الإسماعيليّ عنهما.
قال الرَّاغِب: العين: الجارحَة، ويُقال للحافظِ للشيءِ المُراعي له: عين، ومِنه: فلان
بعَيني، / أي: أحفَظُه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] أي: نحنُ نَراك ٣٩٠/١٣
ونَحفَظك، ومِثله: ﴿تَجْرِ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقولُه: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ﴾ أي: بحِفظي، قال: وتُستَعار
العين لمَعانٍ أُخرى كثيرة.
وقال ابن بَطّال: احتَجَّت المجَسِّمة بهذا الحديث، وقالوا: في قوله: ((وأشارَ بَيَدِه إلى عينِه))
دلالة على أنَّ عينه كَسائرِ الأعين، وتُعقّبَ باستِحالةِ الجسميَّة عليه، لأنَّ الجسم حادث، وهو
قديم، فدَلَّ على أنَّ المراد نَفي النَّقْص عنه. انتهى، وقد تقدَّم شيءٌ من هذا في ((باب قوله تعالى:
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(٤) [النساء: ١٣٤]).
(١) قبيل الحديث رقم (٤٧٣٦).
(٢) صفحة ٣٢٨، طبعة مكتبة الرشد.
(٣) وأخرجه كذلك من طريق عبد الله بن محمد بن أسماء: البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٦٧٨).
(٤) باب رقم (٩).

٢٩٤
باب ١٧/ح ٧٤٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال البَيهَقيُّ: منهم مَن قال: العين صِفَة ذات - كما تقدَّم في الوجه -، ومنهم مَن قال:
المراد بالعينِ الرُّؤية، فعلى هذا قوله: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ﴾ أي: لتكونَ بمَرأَى مِنِّي، وكذا قوله:
﴿وَأَصْبِر ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَا﴾ [الطور: ٤٨] أي: بمَرأَى مِنّا، والنُّون للتَّعظيم، ومالَ إلى
ترجيح الأَوَّل، لأنَّه مَذهَب السَّلَف، ويَتَأيَّد بما وَقَعَ في الحديث: وأشارَ بَيَدِهِ، فإنَّ فيه إيماءً
إلى الردّ على مَن يقول: معناها القُدْرة، خَرَج(١) بذلك قولُ مَن قال: إنَّهَا صِفَة ذات.
وقال ابن المُنِّ: وجْهُ الاستدلال على إثبات العَين لله من حديث الدَّجّال من قوله:
((إِنَّ الله ليس بأعور)) من جِهَة أنَّ العَوَر عُرفاً عَدَم العين، وضِدُّ العَوَر ثُبُوت العين، فلمَّا
نُزِعَت هذه النَّقيصَة لَزِمَ ثُبُوت الكمال بضِدِّها، وهو وجودُ العين، وهو على سبيل التَّمثيل
والتَّقريب للفَهمِ، لا على معنى إثباتِ الجارحَة، قال: ولأهلِ الكلام في هذه الصِّفات كالعينِ
والوجه واليد ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنَّها صفات ذات أثبَتَها السَّمعُ ولا يَهتَدي إليها العقل.
والثّاني: أنَّ العين كِناية عن صِفَة البَصَر، واليد كِناية عن صِفَة القُدْرة، والوجه كِناية
عن صِفَة الوجود.
والثّالث: إمرارُها على ما جاءَت مُفَوَّضاً معناها إلى الله تعالى.
وقال الشَّيخ شِهاب الدِّين السَّهرَ وَرديّ في كتاب ((العَقيدة) له: أخبَرَ الله في كتابه، وثَبَتَ عن
رسولهِ الاستواءُ والتُّزولُ والنَّفْسُ واليدُ والعين، فلا يُتَصَرَّف فيها بتشبيهٍ ولا تعطيل، إذ لولا
إخبار الله ورسولهِ ما تَجَاسَرَ عَقلٌ أن يَجِومِ حَول ذلك الحِمَى.
قال الطِّييُّ: هذا هو المذهَب المعتمَد، وبه يقول السَّلَف الصالح.
وقال غيره: لَم يُنقَل عن النبيِّ وَّ ولا عن أحدٍ من أصحابه من طريقٍ صحيح التَّصريحُ
بوجوبٍ تأويل شيءٍ من ذلك، ولا المنع من ذِكره، ومن المحال أن يَأْمُر الله نبيّه بتبليغِ ما
أُنزِلَ إليه من ربِّه ويُنزِّل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ثمَّ يَتْرُك هذا الباب
(١) تحرَّفت في (ع) و (س) إلى: صرح.

٢٩٥
باب ١٨/ح ٧٤٠٩
كتاب التوحيد
فلا يَمِيزُ ما يجوز نِسَبَتْه إليه ممّا لا يجوز، مع حَضِّه على التَبليغ عنه بقوله: «ليُبلِّغ الشّاهد
الغائب))(١) حتَّى نَقَلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وما فُعِلَ بحَضرَتِهِ، فدَلَّ على أنَّهم
اتَّفَقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أرادَه الله منها، ووَجَبَ تنزيهُه عن مُشابهة المخلوقات
بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فمَن أوجَبَ خِلاف ذلك بعدهم فقد
خالَفَ سبيلهم، وبالله التَّوفيق.
وقد سُئلتُ: هل يجوز لقارئٍ هذا الحديث أن يَصنَع كما صَنَعَ رسول الله وَّ؟ فأجَبتُ
وبالله التَّوفيق: إنَّه إن حَضَرَ عنده مَن يوافقُه على مُعتَقَده، وكان يَعتَقِد تنزيه الله تعالى عن
صفات الحَدَثَ، وأرادَ التَّأسّي مَحَضاً جازَ، والأولى به التَّرك خَشْية أن يُدخِل على مَن يراه
شُبھَة التَّشبیه، تعالى الله عن ذلك.
ولم أرَ في كلام أحد من الشُّرّاح في حَملِ هذا الحديث على معنَى خَطَرَ لي، فيه إثباتُ
التَّنزيه وحَسمُ مادَّة التَّشبيه عنه، وهو أنَّ الإشارة إلى عينِهِ وَّةٍ إِنَّما هي بالنِّسبةِ إلى عين
الدَّجّال، فإنَّها كانت صحيحةً مِثل هذه، ثمَّ طَرَأ عليها العَوَر لزيادةِ كذِبه في دَعوَى
الإلهيّة، وهو أنَّه كان صحيحَ العين مِثل هذه، فطَرَأ عليها النَّقْص، ولم يستطِعِ دَفعَ
ذلك عن نفسه.
١٨ - باب قولِ الله تعالى: هو الخالقُ البارئ المصوِّر
٧٤٠٩ - حذَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا عَفّانُ، حدَّثْنَا وُهَيبٌ، حدَّثْنا موسى - هو ابنُ عُقْبةَ -
حذَّثني محمَّدُ بنُ يحيى بنِ حَبّانَ، عن ابنِ مُحَيْرِيزٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ فِي غَزْوة بني
المُصْطَّلِقِ: أنَّهم أصابوا سَبَايا، فأرادُوا أَنْ يَستَمتِعوا بهِنَّ ولا يَحمِلْنَ، فسألوا النبيَّ
عن
العَزْلِ، فقال: ((ما عليكم أنْ لا تَفْعَلوا، فإنَّ الله قد كَتَبَ مَن هو خالقٌ إلى يومِ القيامةِ)).
وقال مجاهدٌ، عن قَزَعةَ: سألتُ أبا سعيدٍ، فقال: قال النبيُّ وَّ: ((ليست نفسٌ مخلوقةٌ إلّا
اللهُ خالقُها)).
(١) سلف عند البخاري برقم (٦٧).

٢٩٦
باب ١٨/ح ٧٤٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٩١/١٣
قوله: ((باب قول الله تعالى: هو الخالقُ البارئ المصوِّر)) كذا للأكثرِ، والِّلاوَة: ﴿ هُوَ اَللَّهُ
اُلْخَلِقُ ... ﴾ إلى آخره [الحشر: ٢٤]، وثَبَتَ كذلك في بعض النُّسَخ من رواية كريمة.
قال الطِّيبيُّ: قيل: إنَّ الألفاظ الثَّلاثة مُتَرَادِفَة، وهو وهمٌّ، فإنَّ ((الخالق)) من الخَلْق،
وأصله التَّقدير المستقيم، ويُطلَق على الإبداع، وهو إيجادُ الشيء على غير مِثال، كقوله
تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وعلى التَّكوين، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ
اَلْإِنسَانَ مِن نُطْفَةِ﴾ [النحل: ٤]، و((البارئ)) من البُرْء، وأصله خُلُوصُ الشيء عن غيره،
إمّا على سبيل التَّفْصِّي منه، وعليه قولهم: بَرَأَ فلانٌ مِن مرضه، والمديونُ من دَينِهِ، ومنه
استَبَرَأت الجارية، وإمّا على سبيل الإنشاء، ومِنه: بَرَأ الله النَّسَمَة، وقيل: البارئ: الخالق
البريء من التَّقاوُت والتَّافُرِ المُخِلَّينِ بالنّظام، و((المُصوّر)): مُبدِعُ صُوَر المُختَرَعات
ومُرتّبُها بحَسَب مُقتَضَى الحِكْمة، فالله خالق كلِّ شيءٍ بمعنى أنَّه مُوجِدُه من أصلٍ ومن
غير أصل، وبارتُه بحَسَب ما اقتَضَته الحِكْمة من غير تَفاؤُتٍ ولا اختلال، ومُصوِّره في
صورة يَتَرتَّب عليها خَواصُّه ويَتِمُّ بها كماله، والثَّلاثة من صفات الفعل، إلّا إذا أُرِيدَ
بالخالقِ: المقدِّر، فيكون من صفات الذّات، لأنَّ مَرجِع التَّقدير إلى الإرادة، وعلى هذا
فالتَّقَدير يَقَع أوّلاً، ثمَّ الإحداث على الوجه المقدَّر يقع ثانياً، ثمَّ التَّصوير بالتَّسويةِ يقع
ثالثاً، انتھی.
وقال الحَلِيميّ: ((الخالق)) معناه: الذي جَعَلَ المُبدَعات أصنافاً، وجَعَلَ لكلِّ صِنْفٍ
منها قَدْراً، و((البارئ)) معناه: المُوجِدُ لما كان في معلومِه، وإليه الإشارةُ بقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، قال: ويحتمل أنَّ المراد به: قالبُ الأعيان، لأنَّه أبدَعَ الماء والتُراب
والنار والهواء لا من شيءٍ، ثمَّ خَلَقَ منها الأجسام المختَلِفَة، و((المصوِّر)) معناه: المهِّئ
للأشياءِ على ما أرادَه من تَشابُهٍ وتَخَالُف.
وقال الرَّاغِب: ليس الخلقُّ بمعنى الإبداع إلّا لله، وإلى ذلك أشارَ بقوله تعالى:
﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وأمّا الذي يُوجَد بالاستحالةِ فقد وَقَعَ لغيرِه

٢٩٧
باب ١٨/ح ٧٤٠٩
كتاب التوحيد
بتقديرِه سبحانه وتعالى، مِثل قولهِ لعيسى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ ﴾
[المائدة: ١١٠]، والخلقُ في حَقِّ غير الله يَقَع بمعنى التَّقدير وبمعنى الكذِب، و((البارئ))
أخَصُّ بوصفِ الله تعالى، والبَريَّة: الخَلْق، قيل: أصله الهمز فهو من بَرَأ، وقيل: أصله
البَرْي من بَرَيتُ العود، وقيل: البَريَّة من البَرَى بالقَصرِ وهو التُّراب، فيحتمل أن يكون
معناه موجِد الخلق من البَرَى وهو التُراب، و((المُصوِّر)» معناه المُهَيِّئ، قال تعالى:
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٦]، والصُّورة في الأصل ما يَتَمَيَّز به الشيء
عن غيره، ومنه محسوس كصورةِ الإنسان والفَرَس، ومنه مَعقول كالذي اختُصَّ به
الإنسان من العقل والرُّؤية، وإلى كلٍّ منهما الإشارة بقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾
[الأعراف: ١١]، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِي
الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾.
قوله: ((حدثنا إسحاق)) قال أبو عليٍّ الجياني: هو ابن منصور. قلت: ويؤيد ذلك - وإن كان قد
يُظنُّ أنه ابن راهويه لكونه أيضاً روى عن عفان - أن ابن راهويه لا يقول إلا: أخبرنا، وهنا ثبت
في النسخ: حدثنا، فتأيّد أنه ابن منصور، وقد تقدم شرح حديث أبي سعيد المذكور هنا في العَزْل
في ((كتاب النكاح)) (٥٢١٠) مستوفى.
قوله: ((وقال مجاهد، عن قَزَعة)) هو ابن يحيى، وهو من رواية الأقران، لأن مجاهداً وهو
ابن/ جبر المفسّر المشهور المكي في طبقة قَزَعة.
٣٩٢/١٣
قوله: ((سألتُ أبا سعيدٍ فقال: قال النبيُّ ◌َّ)) كذا وقع هنا بحذف المسؤول عنه، ووقع
لغير أبي ذر: سمعتُ بدل سألت، وقد وصله مسلم (١٢٣/١٤٣٨) وأصحاب ((السنن))
الثلاثة(١) من رواية سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظ: ذُكِر العزلُ
عند رسول الله وَّ فقال: ((ولِمَ يفعلُ ذلك أحدُكم؟» ولم يقل: فلا يفعل ذلك، ثم ذكر
بقية الحديث، وهو القدر المذکور منه هنا.
(١) أبو داود (٢١٧٠)، والترمذي (١١٣٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٠٤٢).

٢٩٨
باب ١٩
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بطال: الخالق في هذا الباب يراد به: المبدعُ المنشِىءُ الأعيان المخلوقين، وهو
معنىَ لا يشارك اللهَ فيه أحدٌ، قال: ولم يزل الله مسمِّياً نفسه خالقاً على معنى أنه سيَخلُق؛
لاستحالة قِدَم الخلق.
وقال الكرماني: معنى قوله في الحديث: ((إلا وهي مخلوقة)) أي: مقدَّرة الخَلْق، أو معلومة
الخلق عند الله، لا بدّ من إبرازها إلى الوجود، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
١٩ - باب قولِ الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ [ص: ٧٥]
قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾)) قال ابن بَطّال: في هذه الآية إثبات يَدَينٍ لله،
وهما صِفَتان من صفات ذاته، وليستا بجارٍ حَتَينِ، خِلَافاً للمُشَبِّهةِ من المُثِتَة، وللجَهميَّةِ
من المُعَطِّلة، ويَكفي في الردّ على مَن زَعَمَ أنَّهما بمعنى القُدرة، أَهم أجمعوا على أنَّ له قُدرةً
واحدة في قول المُثِتَة، ولا قُدرةَ له في قول النُّغاة، لأنَّهم يقولون: إنَّه قادرٌ لذاتِهِ، ويَدُلُّ
على أنَّ اليَدَينِ ليستا بمعنى القُدرة أنَّ في قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
٣٩٤/١٣ بِيَدَىَ﴾ [ص: ٧٥] إشارة/ إلى المعنى الذي أوجَبَ السُّجود، فلو كانت اليد بمعنى القُدرة لم
يكن بين آدم وإبليس فرق، لتَشارُكِهما فيما خُلِقَ كلٌّ منهما به وهي قُدرَته، ولَقال إبليس:
وأيُّ فضيلة له عليَّ وأنا خَلَقتني بقُدَرَتِك كما خَلَقته بِقُدرَتِك؟ فلمَّا قال: ﴿خَقْطَنِ مِن ◌َّارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] دلَّ على اختصاص آدم بأنَّ الله خَلَقَه بَيَدَيه، قال: ولا جائزٌ
أن يُراد باليَدَينِ النِّعمتان، لاستحالةِ خلق المخلوق بمخلوقٍ، لأنَّ النِّعَم مخلوقة، ولا يَلزَم
من كَونهما صِفَتَي ذات أن يكونا جارٍ حَتَين.
وقال ابن التِّين قوله: ((وبيَدِه الأُخرى الميزان)) يَدِفَع تأويلَ اليد هنا بالقُدرة، وكذا قولُه
في حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((أوَّل ما خَلَقَ الله القَلَم، فأخَذَه بيمينِه وكِلتا يَدَیه یمِین ... ))
الحديث(١).
(١) أخرجه البيهقي في ((القضاء والقدر)) (٢٤٢)، بإسناد ضعيف فيه رجل مبهم، لكن له شاهد صحيح من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم (١٨٢٧).

٢٩٩
باب ١٩
كتاب التوحيد
وقال ابن فُورَك: قيل: اليد بمعنى الذّات، وهذا يَستَقيم في مِثل قوله تعالى: ﴿مِّمَّا
عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ﴾ [يس: ٧١] بخِلَاف قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾، فإنَّه سيقَ للَّدِّ على إبليس، فلو
◌ُلَ على الذّات لمَا اتَّجَهَ الردُّ.
وقال غيره: هذا يُساق مَساق التَّمثيل للتَّقريب، لأنَّه عُهِدَ أنَّ مَن اعتَنَى بشيءٍ
واهتَمَّ به باشَرَه بَيَدَيه، فيُستَفاد من ذلك أنَّ العِناية بخَلقِ آدم كانت أتمَّ من العِناية
بخلق غيره.
واليد في اللُّغة تُطلَق لمَعانٍ كثيرة، اجتَمَعَ لنا منها خمسةٌ وعشرونَ معنَى ما بين حقيقة
ومجاز(١):
الأوَّل: الجارحَة، الثّاني: القوَّة نحو: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]، الثّالث: المُلْك: ﴿إِنَّ
اَلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، الرَّابع: العَهد: ﴿يَدُ اٌللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ومنه
قوله: هذِي يَدِي لك بالوَفاءِ، الخامس: الاستسلام والانقياد، قال الشّاعر:
أطاعَ يداً بالقَوْدِ(٣) فهو ذَلُولُ
السّادس: النِّعمة، قال:
وكَم لظَلَامِ اللَّيل عندَك من يَدِ (٣)
السّابع: المُلك(٤): ﴿قُلّ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، الثّامن: الذُّلّ: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ
(١) انظر لذلك: ((تهذيب اللغة)) ١٦٨/١٤، و((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ٣٠٣/٢، و((تفسير الثعلبي))
٨٨/٤، و((تفسير الرازي)) ٣٩٥/١٢ و٤١٢/٢٦، و((تفسير القرطبي)) ٢٣٨/٦، وتفسير ((البحر
المحيط)) لأبي حيان الأندلسي ٣١٣/٤.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: بالقول، والتصويب من كتب اللغة، وهو من الأمثال.
(٣) البيت للمتنبي، وعجزُه:
تخبّ أن المانويَّةَ تكذبُ
انظر: ((ديوان المتنبي)» بشرح العكبري ١٧٨/١.
(٤) سبق هذا المعنى في الثالث.

٣٠٠
باب ١٩/ح ٧٤١٠
فتح الباري بشرح البخاري
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، التّاسع .... (١) ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِ ﴾
[البقرة: ٢٣٧]، العاشِر: السُّلطان، الحادي عَشَر: الطّاعة، الثّاني عَشَر: الجماعة، الثّالث عَشَر:
الطَّريق، يقال: أخَذَتهم يَدُ السّاحل، الرّابع عَشَر: التَّفُرُّق: تَفرَّقوا أيديَ سَبَأْ، الخامس
عَشَر: الحِفظ، السّادس عَشَر: يدُ القَوس: أعلاها، السّابِع عَشَر: يدُ السَّيف: مَقِضُه، الثّامن
عَشَر: يُدُ الرَّحَى: عود القابِض، التّاسع عَشَر: جناح الطّائر، العِشرونَ: المدَّة، يقال: لا ألقاه يدَ
الدَّهر، الحادي والعشرونَ: الابتداء، يقال: لَقِيتُه أوَّلَ ذات يَدي، وأعطاه عن ظَهر يَدٍ، الثّاني
والعِشرونَ: يدُ الثَّوب: ما فضَلَ منه، الثّالث والعِشرونَ: يدُ الشيء: أمامَه، الرّابع والعِشرونَ:
الطّاقة، الخامس والعشرونَ: النَّقد، نحو: بعته يداً بيدٍ.
ثمَّ ذكر في الباب أربعة أحاديث، للثّالثِ منها أربعة طرق، وللرَّابع طريقان.
٧٤١٠- حدَّثنا مُعاذُ بنُ فضالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ بَّه قال:
((يُجمَعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ كذلك، فيقولون: لو استَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حتَّى يُرِيحَنا مِن مكاننا هذا،
فِيَأْتُونَ آدَمَ فيقولون: يا آدمُ أما تَرَى الناسَ؟ خَلَقَكَ اللهُ بَيَدِهِ، وأسجَدَ لكَ ملائكته، وعَلَّمَكَ
أسماءَ كلِّ شيءٍ، اشفَعْ لنا إلى ربِّك حتَّى يُرِيحَنا مِن مكاننا هذا، فيقولُ: لَستُ هناك ۔ ویَذكُرُ
لهم خَطِيئَتَه التي أصابَ - ولكِنِ اثْتوا نُوحاً، فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بَعَثَه الله إلى أهلِ الأرضِ، فَيَأْتُونَ
نُوحاً، فيقولُ: لَستُ هناك - ويَذكُرُ خَطِيئَتَه التي أصابَ - ولكنِ اثْنُوا إِبراهيمَ خليلَ الرَّحمنِ،
فِيَأْتُونَ إبراهيمَ، فيقولُ: لستُ هُنَاكم - ويَذكُرُ لهم خَطَايَاهُ التي أصابها - ولكنِ اثْتُوا موسى،
عبداً آتاه الله الثَّوراةَ، وكَلَّمَه تَكْليماً، فِيَأْتونَ موسى، فيقولُ: لستُ هُنَاكم - ويَذكُرُ لهم خَطِئْتَه
التي أصابَ - ولكنِ اثْنُوا عيسى، عبدَ الله ورسولَه، وكلمتَه ورُوحَه، فيَأْتُونَ عيسى، فيقولُ:
لَستُ هُناكم، ولكنِ اثْتُوا محمَّداً، عبداً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّر، فيَأْتوني فأنطَلِّقُ،
(١) وقع هنا بياض في (ع) و(س)، وقد أورد القرطبي وأبو حيان هذه الآية مستشهدين بها على ورود اليد
بمعنى: الصلة، وأوردها الرازي والثعلبي على معنى الملك، وأوردها الرازي في موضع آخر على معنى
القدرة، والله أعلم.