Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٩
كتاب التوحيد
يحيى بن مَعِين، ووَصَلَ حديثَه المذكور أحمد (٢٤١٩٥) والنَّسائيُّ (٣٤٦٠) وابن ماجَهْ
(١٨٨) باللَّفظِ المذكور هنا، وأخرجه ابن ماجه (٢٠٦٣) أيضاً من رواية أبي عُبيدة بن مَعْن
عن الأعمَش بلفظ: (تَبَارَكَ)(١) وسياقه أتمّ، وليس لتميمِ المذكور عن عُرْوة في ((الصحيحين))
سوى هذا الحديث، وآخَر / عند مسلم (٢).
٣٧٤/١٣
قال ابن التِّين: قول البخاريّ: ((قال الأعمَش)) مُرسَل، لأنَّه لم يَلقَه، قال الشَّيخ أبو
الحسن: ولهذا لم يَذكره في تفسير سورة المجادلة. انتهى، وتسمية هذا مُرسَلاً مُخَالِفٍ
للاصطلاح، والتَّعليل ليس بمُستَقيمٍ، فإنَّ في الصَّحيح عِدَّة أحاديث مُعلّقة لم تُذكَر في
تفسير الآية التي تتعلَّق بها.
قوله: (وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات)) في رواية أبي عُبَيدة بن مَعن: ((كلَّ شيءٍ)) بَدَل
((الأصواتَ)). قال ابن بَطّل: معنى قولها: ((وسِعَ)): أدرَكَ، لأنَّ الذي وُصِفَ بالاتِّساع
يَصِحُّ وصفه بالضِّيق وذلك من صفات الأجسام، فيجب صَرفُ قولها عن ظاهره، وفي
الحديث ما يقتضي التَّصريح بأنَّ له سَمْعاً، وكذا جاءَ ذِكرُ البَصَر في الحديث الذي أخرجه
مسلم (١٧٩) عن أبي موسى مرفوعاً: ((حِجابُه النّور، لو كَشَفَه لَأحرَقَت سُبُحَاتٌ وجهه
ما أدرَكَه بَصَرُه)».
قوله: ((فأَنزَلَ الله تعالى على نبيّه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾)) هكذا
اختَصَره (٣)، وتمامه عند أحمد وغيره ممّن ذَكَرتُ بعدَ قوله: الأصوات: لقد جاءَت المجادِلةُ
إلى رسول الله وَلا تُكلِّمُه في جانب البيت ما أسمَعُ ما تقول، فأنزَلَ الله الآية. ومُرادُها بهذا
النَّفي مجموع القول، لأنَّ في رواية أبي عُبَيدة بن مَعن: إنّ لَأسمَع كلام خَولةَ بنت ثَعلَبة،
ويَخْفَى عليَّ بعضُه وهي تَشتَكي زَوجَها وهي تقول: أكَلَ شَبابي ونَثَرتُ له بَطني حتَّى إذا
كَبِرَت ◌ِنّي وانقَطَعَ ولدي ظاهَرَ مِنِّي ... الحديث، فما يَرِحَت حتَّى نَزَلَ جِبريل بهذه الآيات:
(١) يعني قول عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعُه كل شىء ... إلى آخره.
(٢) بل عنده اثنان (٧٤٤) و(٢٥٩٢).
(٣) تحرفت في (س) إلى: أخرجه.

٢٦٢
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا أَصَحّ ما وَرَدَ في قصّة
المجادلة وتسميتها.
وقد أخرج أبو داود (٢٢١٤) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٢٧٩) من طريق يوسف بن
عبد الله بن سَلَامَ عن خَوَيلة بنت مالك بن ثَعلَبة قالت: ظاهَرَ منِّي زوجي أوسُ بن
الصّامت ... الحديث. وهذا يُحمَل على أنَّ اسمها كان رُبَّما صُغِّرَ وإن كان محفوظاً فتكون
نُسِبَت في الرِّواية الأُخرى لجَدِّها، وقد تَظاهَرَت الرِّوايات بالأوَّلِ، ففي مُرسَل محمَّد بن
كعب القُرَظيّ عند الطَّبَرانيّ (٤/٢٨): كانت خولة بنت ثَعلَبة تحت أوس بن الصّامت فقال
لها: أنتِ عليَّ كَظَهرِ أمّي. وعند ابن مَرْدويه من طريق سعيد بن بَشِير عن قَتَادةَ عن أنس:
أنَّ أوس بن الصّامت تَظاهَرَ من امرأته خولة بنت ثَعلَبة. وعنده أيضاً من مُرسَل أبي
العاليَة: كانت خَولة بنت دُلَيح تحت رجل من الأنصار سَيِّىء الْخُلُق، فنازَعَته في شيءٍ
فقال: أنتِ عليَّ كَظَهرِ أمّي. ودُلَيح بمُهمَلَتَينِ مُصغَّر لعلَّه من أجدادها.
وأخرج أبو داود (٢٢١٩) من رواية حمَّد بن سَلَمةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه(١): أنَّ
جميلة كانت تحت أوس بن الصّامت، ووَصَلَه من وجهٍ آخَر (٢٢٢٠) عن عائشة، والرِّواية
المرسَلة أقوى. وأخرجه ابن مَرْدويه من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن هشام عن أبيه عن
أوس بن الصّامت وهو الذي ظاهَرَ من امرأته، ورواية إسماعيل عن الحِجازيِّينَ ضعيفة
وهذا منها، فإن كان حَفِظَه فالمراد بقوله: عن أوس بن الصّامت، أي: عن قصَّة أوس، لا
أنَّ عُرْوة حَمَلَه عن أوس، فيكون مُرسَلاً كالرِّوايةِ المحفوظة، وإن كان الرَّاوي حَفِظَها أنَّها
جميلة، فلعلَّه كان لَقَبها.
وأمّا ما أخرجه النَّقّاش(٣) في ((تفسيره) بسندٍ ضعيف إلى الشَّعْبيّ قال: المرأة التي جادَلَت في
زَوجها هي خولة بنت الصّامت، وأُمّها مُعاذَة أمَة عبد الله بن أُبيّ التي نَزَلَ فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا
(١) لفظة ((عن أبيه)) لم ترد في ((سننه)) ولا في ((تحفة الأشراف)) ٤٠٩/١٣.
(٢) تكلم أهل العلم في النقّاش، انظر ((سيرأعلام النبلاء)) ١٥/ ٥٧٥.

٢٦٣
باب ٩/ح ٧٣٨٦
كتاب التوحيد
فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. وقوله: بنت الصّامت، خَطَأ؛ فإنَّ الصّامت والدُزَوجها كما
تقدَّم، فلعلَّه سَقَطَ منه شيء، وتسمية أمّها غريب.
وقد مضى ما يَتعلَّق بالظِّهار في النِّكاح (١).
الحديث الثاني:
٧٣٨٦ - حدَّثْنَا سُليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي عُثْمَانَ، عن أبي
موسى، قال: كنَّا مَعَ النبيِّ نَّهِ فِي سَفَرٍ، فكنّا إذا عَلَوْنا كَبَّرْنا، فقال: ((اربَعُوا على أنْفُسِكم،
فإِنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غائباً، تَدْعونَ سَمِيعاً بَصِيراً قريباً) ثمَّ أتَى عليَّ وأنا أقولُ في نفسي:
لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلا بالله، فقال لي: «يا عبدَ الله بنَ قيسٍ، قُل: لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلا بالله، فإنَّا
كُنْزٌ مِن كُنوزِ الجنَّةِ))، أو قال: ((ألا أدُلُّكَ؟)) به.
قوله: ((عن أبي عُثْمان)) هو عبد الرَّحمن بن مَلِّ النَّهديّ، والسَّنَد كلُّه بصريّونَ، وقد مضى
شرح المتن في كتاب الدَّعَوات (٦٣٨٤ و٦٤٠٩).
وقوله: ((اربَعُوا)) بفتح الموخَّدة، أي: ارفُقوا بضمِّ الفاء، وحكى ابن التِّين أنَّه وَقَعَ في
روايته بكسر الموحّدة، وأنَّه في كتب أهل اللُّغة وبعض كتب الحديث بفتحِها.
وقوله: ((فإنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ... )) إلى آخره، قال الكِرْمانُّ: لو جاءَت الرِّواية: ((لا
تَدعونَ أصَمَّ ولا أعمى)) لكانَ أظهَر في المناسَبة، لكنَّه لمَّا كان الغائب كالأعمى في عَدَم
الرُّؤية، نَفَى لازِمَه ليكونَ أبلَغَ وأشمَل، وزاد ((قريباً)) لأنَّ البعيد وإن كان ممّن / يَسمَع ٣٧٥/١٣
ويُبِصِر، لكنَّه لبُعدِه قد لا يَسمَع ولا يُبِصِر، وليس المراد قُربَ المسافَة، لأنَّه مُنَّهُ عن
الحُلول كما لا يَخْفَى. ومُناسَبةُ الغائب ظاهرةٌ من أجل النَّهي عن رفع الصَّوت.
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث نَفيُ الآفَة المانعة من السَّمْع والآفَةِ المانعة من
النَّظَرِ، وإثباتُ كَونه سميعاً بصيراً قريباً، يَستَلزِمُ أن لا تَصِحَّ أضداد هذه الصِّفات
علیه.
(١) في باب (٢٣) الظهار من كتاب الطلاق.

٢٦٤
باب ٩/ح ٧٣٨٧ -٧٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في آخره: ((أو قال: ألا أدُلَّك)) شَكٌّ من الرَّاوي: هل قال: ((يا عبد الله بن قيس قُل:
لا حول ولا قوَّة إلّا بالله، فإنَّهَا كَنز من كُنوز الجنَّةَ)) أو قال: ((يا عبد الله بن قيس، ألا أدُلُّك))
وقوله بعد قوله: ((ألا أدُلَّك)): به، أي: بَبَقيَّة الخبر، وقد ذكره في الدَّعَوات (٦٣٨٤) في
((باب الدُّعاء إذا عَلَا عَقَبة)) فساقَ الحديث بهذا الإسناد بعَينِهِ، وقال بعد قوله: ((ألا أدُلُّك)):
((على كَلِمةٍ هي كَنزٌ من كُنوز الجنَّةُ؟ لا حَول ولا قوَّة إلّا بالله)).
٧٣٨٧ و٧٣٨٨ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثْني ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو، عن یزیدَ،
عن أبي الخيرِ، سَمِعَ عبدَ الله بنَ عَمٍو: أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ ﴾ قال للنبيِّ ◌َّ: يا رسولَ الله،
عَلِّمْني دعاءًّ أدْعو به في صَلاتي؟ قال: ((قُل: اللهُمَّ إنّ ظَلَمتُ نفسي ظُلْماً كثيراً، ولا يَغْفِرُ
الذُّنوبَ إلّا أنتَ، فاغفِرْ لي مِن عندِكَ مَغْفِرَةً، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ)).
٧٣٨٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يُونسُ، عن ابنِ شِهابٍ،
حدَّثني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْه: قال النبيُّ وَّ: ((إنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام ناداني،
قال: إنَّ الله قد سَمِعَ قولَ قومِكَ، وما رَدُّوا عليك)).
الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو: أنَّ أبا بكر يعني الصِّدّيق قال: يا رسول الله
عَلِّمني دعاء ... الحديث، وقد تقدَّم في أواخر صِفَة الصلاة (٨٣٤)، وفي الدَّعَوات (٦٣٢٦) مع
شرحه، وبیانُ مَن جعله من رواية عبد الله بن عمرو عن أبي بكر الصِّدّیق فجعله من مُسنَد
أبي بكر.
وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّ مُناسَبته للتَّرجمةِ أنَّ دعاء أبي بكر لمَّا عَلَّمَه النبيُّ وَلّل يقتضي أنَّ
الله سَمِيعٌ لدعائه ومجازيهِ عليه.
وقال غيره: حديث أبي بكر ليس مُطابِقاً للتَّرجمةِ، إذ ليس فيه ذِكرُ صِفَتَي السَّمع
والبَصَر، لكنَّه ذكر لازِمَهما من جِهَة أنَّ فائدة الدُّعاء إجابةُ الدّاعي لمطلوبِهِ، فلولا أنَّ سَمْعه
سبحانه يَتعلَّق بالسّرّ كما يَتعلَّق بالجَهرِ لمَا حَصَلَت فائدة الدُّعاء، أو كان يُقيِّده بمَن يَجهَر
بدعائه. انتهى من كلام ابن المنيِّرِ مُلخَّصاً.

٢٦٥
باب ١٠/ ٧٣٩٠
كتاب التوحيد
وقال الكِرْمانيُّ: لمَّا كان بعض الذُّنوب ممَّا يُسمَع وبعضها ممّا يُبصَر، لم تقع مَغْفِرَته إلّا
بعد الإسماع والإبصار.
تنبيه: المشهور في الرِّوايات: ((ظُلماً كثيراً) بالمثلَّئَةِ، ووَقَعَ هنا للقاِسِيِّ بالموحّدة.
الحديث الرابع: حديث عائشة.
قوله: ((إنَّ جِبْريل عليه السلام أتاني فقال(١): إنَّ الله قد سَمِعَ قولَ قومك، وما رَدُّوا
عليك)) هكذا ذكر هذا القَدْر منه مُقْتَصِراً عليه، وساقَه بتمامه في بَدْء الخلق (٣٢٣١) وتقدَّم
شرحه هناك، والمراد منه هنا قوله: ((إنَّ الله قد سَمِعَ))، وقوله: ((ما رَدُّوا عليك)) أي:
أجابوك، ويحتمل أن يكون أرادَ رَدَّهم ما دَعاهم إليه من التَّوحيد بعَدَمِ قَبُولهم. وقال
الكِرْمانيُّ: المقصود من هذه الأحاديث إثباتُ صِفَتَي السَّمْع والبَصَر، وهما صِفَتان قديمتان
من الصِّفات الذّاتيَّة، وعند حدوث المسموع والمَبصور يَقَع التَّعَلُّق.
وأمّا المعتَزِلة فقالوا: إنَّه سَميع يَسمَع كلّ مسموع وبصير يُبْصِر كلّ مُبصَر، فاذَّعَوا أنَّهما
صِفَتَان حادثَتَان، وظَواهرُ الآيات والأحاديث تَرُدُّ عليهم، وبالله التَّوفيق.
١٠ - باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥]
٧٣٩٠- حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثْنا مَعْنُ بنُ عيسى، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي
المَوالي، قال: سمعتُ محمَّدَ بنَ المنكَدِرِ، يُحدِّثُ عبد الله بنَ الحسنِ، يقولُ: أخبرني جابرُ بنُ
عبدِ الله السَّلَمِيُّ، قال: كانَ رسولُ اللهَوَّ يُعلِّمُ أصحابَه الاستخارةَ في الأُمورِ كلِّها، كما يُعلِّم
السُّورةَ منَ القرآنِ، يقولُ: ((إذا هَمَّ أحدُكم بالأمرِ فَلْيَرَكَعْ رَكعَتَينِ مِن غيرِ الفَرِيضَةِ، ثمَّ لِيَقُلْ:
اللهُمَّ إنِّي أستَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأستَقْدِرُكَ بِقُدْرتِكَ، وأسألُكَ مِن فضْلِكَ، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا
أقْدِرُ، وتعلمُ ولا أعلَمُ، وأنتَ عَلّم الغُيُوبِ، اللهُمَّ فإنْ كنتَ تعلمُ هذا الأمرَ - ثمَّ تُسمِّيه بعَيْنِه
- خيراً لي في عاجلِ أمري وآجِلِهِ - قال: أو في دِيني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري - فاقدُرْه لي، ويَسِّرْه
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله هنا، يعني ((أتاني فقال))، ولم يقع ذلك في أيٍّ من روايات اليونينية، والذي في ((الجامع))
بلا خلاف: «ناداني فقال)»، والله أعلم.

٢٦٦
باب ١٠/ح ٧٣٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
٣٧٦/١٣ لي، ثمَّ بارِكْ لي / فيه، اللهُمَّ وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّه شَرّ لي في دِيني ومَعاشي، وعاقبة أمري - أو قال:
في عاجلِ أمري وآجِلِه ـ فاصْرِفْني عنه، واقدُرْ لِيَ الخيرَ حيثُ كانَ، ثمَّ رَضِّني به)».
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ﴾» قال ابن بطّال: القُدرة من صفات الذّات،
وقد تقدَّم في ((باب قوله تعالى: إنّي أنا الرَّزّاقُ))(١) أنَّ القوَّة والقُدرة بمعنَى واحد، وتقدَّم
نَقلُ الأقوال في ذلك والبحثُ فیھا.
قوله: ((سمعت محمَّد بنَ المنكَدِر، يُحدِّث عبد الله بنَ الحسن)) أي: ابن الحسن بن عليّ بن
أبي طالب، وكان عبد الله كبيرَ بني هاشم في وقته، قال ابن سعْد: كان من العُبّاد وله
عارضَةٌ(٢) وهَيْئَة. وقال مُصعَب الزُّبَيريّ(٣): ما كان علماء المدينة يُكرِمونَ أحداً ما يُكرِمونَه.
ووثَّقه ابن مَعِين والنَّسائيُّ وغيرهما، وهو من صِغار التّابعين، رَوَى عن [ابن](٤) عَمّ جَدّه:
عبدِ الله بن جعفر بن أبي طالب، وله روايةٌ عن أمّه فاطمة بنت الحُسَين وعن غيرها، وماتَ
في حَبْس المنصور سنة ثلاثٍ وأربعينَ ومئة، وله خمسٌ وسَبعونَ سنة، وليس له ذِكرٌ في البخاريّ
إلّا في هذا الموضع.
وقد أفصَحَ عبد الرَّحمن بن أبي الموالي بالواقع في حال تَحَمُّله، ولم يَتَصَّف فيه بأن
يقول: حدَّثني ولا أخبَرَني، لكن أخرجه أبو داود (١٥٣٨) من وجهٍ آخَر عنه فقال: حدَّثني
محمَّد بن المنكَدِر، وعليه في ذلك اعتراضٌ لاحتمالِ أن يكون محمَّد بن المنكَدِر لم يَقصِده
بالتَّحديث، وقد سَلَكَ في ذلك النَّسائيُّ والبَرقانيّ مَسلَك التَّحَرّي، فكان النَّسائيُّ فيما
سَمِعَه في الحالة التي لم يَقصِده المحدِّث فيها بالتَّحديث، لا يقول: حدَّثنا ولا أخبَرَنا ولا
سمعتُ، بل يقول: فلان قرأه عليه وأنا أسمَع، وكان البَرقانيّ يقول: سمعت فلاناً يقول.
(١) باب رقم (٣).
(٢) أي: صاحب رأي.
(٣) تحرَّفت في (س) إلى: الزّبيدي.
(٤) لفظة ((ابن)) سقطت من الأصلين و(س)، ولا بد منها هنا، فجدُّه هو الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبدُ الله
ابن جعفر هو ابنُ عمِّ الحسن وليس عمَّه. انظر ترجمته - يعني عبد الله بن الحسن - في ((تهذيب التهذيب)).

٢٦٧
باب ١٠/ح ٧٣٩٠
كتاب التوحيد
وجَوَّزَ الأكثر إطلاق التَّحديث والإخبار لكَونِ المقصود بالتَّحديثِ من جِنس مَن سَمِعَ
ولو لم يكن مقصوداً، فيجوز ذلك عندهم لكن بصيغة الجمع، فيقول: حدَّثنا، أي: حَدَّثَ
قوماً أنا فيهم فسمعتُ ذلك منه حين حَدَّثَ، ولو لم يَقصِدني بالتَّحديثِ، وعلى هذا فِيَمْتَنِعِ
بالإفرادِ بأن يقول مَثَلاً: حَدَّثَني، بل ويَمتَنِعِ في الاصطلاح أيضاً، لأنَّه مخصوص بمَن
سَمِعَ وحده من لفظ الشَّيخ، ومن ثَمَّ كان التَّعبير بالسَّماع أصرَح الصّيَغ، لكَونِه أدَلَّ على
الواقع.
وقد تقدَّم حديث الباب في صلاة اللَّيل (١١٦٢)، وفي الدَّعَوات (٦٣٨٢) من وجهَينِ
آخَرَينِ عن عبد الرَّحمن بن أبي الموالي، ذكره في كلٍّ منهما بالعَنعَنَة، قال: عن محمَّد بن
المنكَدِر، ولم يَقُل: سمعت ولا حدَّثنا، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٤٨٠) والنَّسائيُّ (٣٢٥٣)،
وهو جائز، لأنَّها صيغة مُحْتَمِلة، فأفادَت هذه الرِّواية تَعيُّ أحد الاحتمالَين، وهو التَّصريح
بسماعِه، ولهذا نَزَلَ فيه البخاريُّ درجة، لأَنَّه عنده في الموضعين المذكورَينِ بواسطةٍ واحدٍ
عن عبد الرّحمن، وهنا وَقَعَ بينه وبين عبد الرَّحمن اثنان، لكن سَهَّلَ عليه النُّزُولُ تَحصيلَ
فائدة الاطِّلاع على الواقع، وفيها تصريحُ عبد الرَّحمن بالسَّماع في موضع العَنعَنَة، فأمِنَ
ما(١) يُحِشَى من الانقطاع الذي تحتمله العَنعَنَة.
وقد وَقَعَ لي من رواية خالد بن تَلَدٍ عن عبد الرّحمن قال: سمعتُ محمَّد بن المنكَدِر يُحدِّث
عن جابر، أخرجه ابن ماجَهْ (١٣٨٣)، وخالد من شيوخ البخاريّ، فيحتمل أن لا يكون سَمِعَ
منه هذا الحديث مع أنّه لم يُصرِّح بما صَرَّحَت به الرِّواية النازِلة من تسمية المقصود بالتَّحديثِ
وهو عبد الله بن الحسن.
وقوله في الخبر: ((وأستَقْدِرُك بقُدَرَتِك)) الباء للاستعانةِ أو القَسَمِ الاستِعطافي (٢)، ومعناه:
أطلُب مِنك أن تَجَعَل لِي قُدرةً على المطلوب.
وقوله: ((فاقدُرْه)) بضمِّ الدّال ويجوز كسرها أي: نَجِّزه لي.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: فأما من.
(٢) في (س): أو للقسم أو للاستعطاف، والمثبت من (أ) وهو الصواب.

٢٦٨
باب ١١/ح ٧٣٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((رَضُّني)) بتشديد المعجَمة، أي: اجعلني بذلك راضياً فلا أندم على طَلَبه ولا على
وقوعه، لأنّ لا أعلَم عاقبته، وإن كنتُ حال طلبه راضياً به.
وقوله: ((ويُسَمّيه(١) بعينِهِ)) في رواية خالد بن تَخَلَدٍ: ((فيُسَمّيه ما كان من شيء)) يعني: أيّ
شيء كانَ.
وقوله: ((ثُمَّ لَيَقُل)) ظاهر في أنَّ الدُّعاء المذكور يكون بعد الفراغ من الصَّلاة، ويحتَمل
٣٧٧/١٣ أن يكون التَّرتيب فيه بالنّسبةِ / لأذكار الصلاة ودعائها، فيقولُه بعد الفراغ وقبل السَّلام،
وقد تقدَّم سائرُ فوائده في كتاب الدَّعَوات.
١١ - باب مُقلِّب القلوبِ
وقولِ الله تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفِّدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ ﴾ [الأنعام: ١١٠]
٧٣٩١- حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ المبارَكِ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالم، عن
عبدِ الله، قال: أكثرُ ما كانَ النبيُّ وَلَهِ يَحِلِفُ: ((لا، ومُقَلِّبِ القلوبِ)).
قوله: ((بابُ مُقَلِّبِ القُلوب، وقولِ الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾)) قال الرَّاغِب:
تقليب الشيء: تغييرُه من حالٍ إلى حال، والتَّقليب: التصرُّف، وتقليبُ الله القلوبَ والبصائرَ:
صَرفُها من رأيٍ إلى رأي.
وقال الكِرْمانيُّ ما معناه: كان يحتمل أن يكون المعنى بقوله: ((مُقَلِّب)): أنَّه يجعل القلبَ
قلباً، لكنَّ مَظانّ استعماله تَنْبو (٢) عنه، ويُستَفاد منه أنَّ إعراض القلب كالإرادةِ وغيرها
بخلقِ الله تعالى، وهي من الصِّفات الفعليَّة ومَرجِعُها إلى القُدرة.
قوله: ((حذَّثنا سعيد بن سليمان)) هو الواسطيُّ نزيل بغداد، يُكنى أبا عثمان، ويُلقَّب سعْدَوَیِهِ،
وكان أحد الحُفّاظ، وابن المبارك: هو عبد الله الإمام المشهور.
(١) في اليونينية: (ثم یسمیه)) دون خلاف بین رواياتها.
(٢) تحرَّفت في الأصلين و (س) إلى: تنشأ، والمثبت من ((شرح الكرماني)) وهو الأليق بسياق الكلام.

٢٦٩
باب ١٢/ح ٧٣٩٢
كتاب التوحيد
وقد تقدَّم شرح حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب في كتاب الأيمان والنُّذور
(٦٦٢٨)، وكذا الآية، ويُستَفاد منهما أنَّ أعراض القلوب من إرادةٍ وغيرها تقع بخَلْقِ الله
تعالى، وفيه حُجَّة لمن أجازَ تسميةَ الله تعالى بها ثَبَتَ في الخبر ولو لم يَتَواتَر، وجوازُ اشتقاق
الاسم له تعالى من الفعل الثّابِت، وقد تقدَّم البحث في ذلك عند ذكر الأسماء الحُسنَى من
كتاب الدَّعَوات (٦٤١٠).
ومعنى قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ﴾: نُصَرِّفها بما شِئنا كما تقدَّم تقريره. وقال المعتَزِلِيّ:
معناه: نَطَبَعُ عليها فلا يُؤمِنونَ. والطَّبع عندهم الثَّرك، فالمعنى على هذا: نَترُكُهم وما
اختاروا لأنفُسِهم، وليس هذا معنى التَّقليب في لُغة العرب، ولأنَّ الله تَذَّحَ بالانفِرادِ
بذلك، ولا مُشارَكَة له فيه، فلا يَصِحُّ تفسير الطَّبع بالتَّركِ، فالطَّبع عند أهل السُّنَّةَ خَلْق
الكفر في قلب الكافر واستِمرارُه عليه إلى أن يموت، فمعنى الحديث: أنَّ الله يَتَصَّف في
قلوب عباده بما شاءَ لا يَمتَنِع عليه شيءٌ منها ولا تَفوتُه إرادة.
وقال البيضاويّ: في نسبة تَقَلُّب القلوب إلى الله إشعارٌ بأنَّه يَتَولَّى قلوب عباده ولا
يَكِلُها إلى أحدٍ من خلقه، وفي دعائه ◌َِّ: ((يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك))(١) إشارةٌ
إلى شُمول ذلك للعبادِ حتَّى الأنبياء، ورَفع تَوهُم مَن يَتَوهَّم أنَّهم يُستَنَونَ من ذلك،
وخَصَّ نفسه بالذِّكرِ إعلاماً بأنَّ نفسه الزَّكيَّة إذا كانت مُفتَقِرةً إلى أن تَلجَأ إلى الله سبحانه،
فافتقارُ غیرها ممَّن هو دونه أحقُّ بذلك.
١٢ - بابٌ إنَّ لله مئةَ اسم إلّا واحدةً
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ذُو الْجَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]: العَظَمةِ، ﴿ الْبَرُّ﴾ [الطور: ٢٨]: اللَّطِيفُ.
٧٣٩٢- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حذَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((إنَّلله تسعةً وتسعينَ اسماً، مثّةً إِلَّ واحداً، مَن أحصاها دَخَلَ الجنَّةَ)).
﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ [يس: ١٢]: حَفِظْناه.
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٢١٠٧) وانظر تتمة تخريجه فيه.

٢٧٠
باب ١٢ /ح ٧٣٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌّ إنَّالله مئةَ اسم إلّا واحدةً)) ذَكَر فيه حديث أبي هريرةَ: ((إنَّ لله تسعة وتسعينَ
اسماً))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الدَّعَوات (٦٤١٠)، وبيانُ مَن رواه باللَّفظِ المذكور في
هذه التَّرجمة، ووَقَعَ هنا في رواية الكُشمِيهَنيُّ: ((مئةً إلّا واحدً) بالتَّذكير، ومئة في الحديث
٣٧٨/١٣ بَدَل من قوله: ((تسعة وتسعينَ))، فعَدَلَ في التَرجمة من البَدَل إلى المُبدَل وهو فصيح، ويُستفاد/
منه زيادةُ تَوضيح، ولأنَّ ذِكر العَقْد أعلى من ذِكر الكُسور، وأوَّل العُقود العَشَرة(١)، وثانيها
المئة، فلمَّا قارَبَت العِدَّةَ أُعطيَت حُكمَها، وجَبَرَ الكسر بقوله: مئة، ثمَّ أرادَ التَّحَقُّق في
العَدَد فاستثنى، ولو لم يَستَئِنِ لكانَ استعمالاً عَرَيّاً شائعاً (٢).
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿ذُو الْجَلِ﴾: العَظَمَةِ)) في رواية الكُشمِيهَنيِّ: ((العظيمُ»، وعلى
الأوَّل ففيه تفسير ((الْجَلال)) بالعَظَمَةِ، وعلى الثّاني هو تفسير: ذو الجلال.
قوله: (﴿أَلْبُّ﴾: اللَّطيف)) هو تفسير ابن عبّاس أيضاً، وقد تقدَّم الكلام عليه وبيانُ مَن
وَصَلَه عنه في تفسير سورة الطّور (٣).
قوله: ((اسماً)) قيل: معناه تسميةً، وحينئذٍ لا مفهوم لهذا العَدَد، بل له أسماءٌ كثيرةٌ غير
هذه.
قوله: ((﴿أَحْصَيْنَهُ﴾: حَفِظْناه)» تقدَّم الكلامُ عليه وعلى معنى الإحصاء، وبيان الاختلاف
فيه في كتاب الدَّعَوات (٦٤١٠).
قال الأَصِيليّ: الإحصاءُ للأسماءِ: العمل بها، لا عَدُّها وحِفظها، لأنَّ ذلك قد يَقَع للكافِ
المنافق كما في حديث الخوارج: ((يَقرَؤونَ القرآن لا يُجاوِز حَناجِرَهم»(٤).
وقال ابن بَطّال: الإحصاء يَقَع بالقولِ ويَقَع بالعملِ، فالذي بالعملِ أنَّ لله أسماءَ يَخْتَصُّ
بها، كالأحدِ والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخُضوع عندها، وله أسماءٌ يُستَحَبُّ
(١) في (ع) و (س): العشرات.
(٢) في (أ): غريباً شائعاً، وفي (س): غريباً سائغاً، والمثبت من (ع).
(٣) تقدم معلقاً في سورة (٥٢) الطور.
(٤) تقدم برقم (٣٦١١).

٢٧١
باب ١٣/ح ٧٣٩٣
كتاب التوحيد
الاقتداء بها في معانيها، كالرّحيمِ والكريم والعَفوِّ ونحوها، فيُستَحَبُّ للعبدِ أن يَتَحلَّى
بمعانيها لِيُؤَدّيَ حَقَّ العمل بها، فِهذا يَحصُل الإحصاء العمَلِيُّ، وأمّا الإحصاء القوليُّ فيَحصُل
بجمعِها وحِفظها والسُّؤالِ بها، ولو شارَكَ المؤمنَ غيرُه في العَدِّ والحِفظ، فإنَّ المؤمن يمتاز
عنه بالإيمان والعمل بها.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الجَهميَّةِ)): ذَكَر نُعَيم بنُ حمّاد أنَّ الجَهميَّةَ
قالوا: إنَّ أسماء الله مخلوقة، لأنَّ الاسم غير المسمَّى، وادَّعَوا أنَّ الله كان ولا وجودَ لهذه
الأسماء، ثمَّ خَلَقَها ثمَّ تَسَمَّى بها، قال: فقلنا لهم: إنَّ الله قال: ﴿سَيِّحِ أَسْمَرَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ وقال:
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣]، فأخبَرَ أنَّه المعبود ودَلَّ كلامُه على اسمه بما
دَلَّ به على نفسه، فمَن زَعَمَ أنَّ اسم الله مخلوقٌ فقد زَعَمَ أنَّ الله أمَرَ نبيَّه أن يُسبِّح مخلوقاً،
ونُقِلَ عن إسحاق بن راهويه عن الجَهميَّةِ أنَّ جَهماً قال: لو قلتَ: إنَّ لله تسعةً وتسعينَ
اسماً لَعَبَدت تسعةً وتسعينَ إلهاً، قال: فقلنا لهم: إنَّ الله أمَرَ عباده أن يَدْعوه بأسمائه فقال:
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والأسماء جمعٌ أقلَّه ثلاثة، ولا فرق في
الزِّيادة على الواحد بين الثَّلاثة وبين التِّسعَة والتِّسعين.
١٣ - باب السُّؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها
٧٣٩٣- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثني مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ،
عن أبي هُرَيرةَ، عن النّبِيِّ وََّ، قال: ((إذا جاءَ أحدُكم فِراشَه، فَلْيَنفُضْه بصَنِفةِ ثَوْبِه ثلاثَ
مرَّاتٍ، ولْيَقُل: باسمِكَ رَبِّ وضَعتُ جَنْبِيٍ، وبكَ أرفَعُه، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فاغفِرْ لها، وإنْ
أرسَلْتَها فاحفَظْها بما تَحْفَظُ به عبادَكَ الصالحِينَ)).
تابَعَه يحيى وبشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عُبَيدِ الله، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النّبِيِّ ◌َِله.
وزادَ زُهَيْرٌ وأبو ضَمْرةَ وإسماعيلُ بنُ زكريّا، عن عُبَيَدِ الله، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي
هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َلّ.
ورواه ابنُ عَجْلانَ، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النّبِيِّ ◌ََّ.

٢٧٢
باب ١٣/ح ٧٣٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابُ السُّؤالِ بأسماءِ الله والاستعاذَةِ بها)) قال ابن بَطّال: مقصودُه بهذه التَّرجمة تصحيح
القول بأنَّ الاسم هو المسمَّى، فلذلك صَحَّت الاستعاذَة بالاسم كما تَصِحُ بالذّات، وأمّا شُبهَة
٣٨٠/١٣ القَدَريَّة التي أورَدوها على تَعَدُّد الأسماء، فالجواب/ عنها أنَّ الاسم يُطلَق ويُرادُ به المسمَّى كما
قَرَّرناه، ويُطلَق ويُرادُ به التَّسمية، وهو المراد بحديثِ الأسماء.
وذَكَر في الباب تسعةَ أحاديث كلُّها في التَّبُّك باسم الله والسُّؤالِ به والاستعاذة.
الحديث الأول: حديث أبي هريرةَ في القول عند النَّوم، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في
الدَّعَوات (٦٣٢٠)، وفيه: ((باسمِك رَبِّ وضَعتُ جَنبي، وبك أرفَعُه))، قال ابن بَطّال:
أضافَ الوضع إلى الاسم، والرَّفع إلى الذّات، فدَلَّ على أنَّ المراد بالاسم الذّات، وبالذّات
يُستَعان في الرَّفع والوَضع، لا باللَّفظ.
قوله: ((عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريّ، عن أبي هريرةَ)) قال الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب
مالك)) بعد أن أخرجه من طرقٍ إلى عبد العزيز بن عبد الله - وهو الأُوَيسيُّ شيخ البخاريِّ
فيه -: لا أعلَم أحداً أسنَدَه عن مالك إلّ الأُوَيسيّ، ورواه إبراهيم بن طَهمانَ عن مالك عن
سعيد عن النّبِيّ ◌َِّ مُرسَلاً.
قوله: ((فلْيَنْفُضْه بصَنِفَةِ ثَوْبه)) الصَّنِفَة بفتح المهمَلة وكسر النُّون بعدها فاء: طُرَّته،
وقيل: طَرَفه، وقيل: جانبه، وقيل: حاشيته التي فيها هُدْبه، وقال في ((النِّهاية)): طَرَفه الذي
يَلي طُرَّته. قلت: وتقدَّم في الدَّعَوات بلفظ: ((داخلة إزاره))، وتقدَّم هناك معناها، فالأولى
هنا أن يقال: المراد طَرَفه الذي من الدّاخل، جمعاً بين الرِّوايتَين.
قوله: ((ثلاث مرَّات)) هكذا زادَها مالك في الرِّوايتَينِ الموصولة والمرسَلة، وتابَعَه
عبد الله بن عُمَر - بسكونِ الموحّدة - وقد فرَّقَ بينهما الدّارَ قُطنيُّ في روايته المذكورة عن
الأُوَيسيِّ عنهما، وحَذَفَ البخاريُّ عبدَ الله بنَ عمر العُمَريَّ لضَعِفِه، واقتَصَرَ على مالك،
وقد تقدَّم البحث في جواز حذف الضَّعيف، والاقتصار على الثِّقة إذا اشتَرَكا في الرِّواية
في كتاب الاعتصام(١)، وصنيعُ البخاريِّ يقتضي الجواز لكن لم يَطَّرِد له في ذلك عمل،
(١) عند الحديث رقم (٧٣٠٧)، لكن ما ذكره هناك هو مجرد إشارة وليس بحثاً، والله أعلم.

٢٧٣
باب ١٣/ح ٧٣٩٤ -٧٣٩٦
كتاب التوحيد
فإنَّه حَذَفَه تارةً كما هنا، وأثبَتَه أُخرى، لكن كَنَّى عنه: ابن فلان(١)، كما مضى التَّنبيه عليه
هناك، ويُمكِن الجمع بأنَّه حيثُ حَذَفَه كان اللَّفظ الذي ساقَه للَّذي اقتَصَرَ عليه بخِلَاف
الآخر.
قوله: «فاغفِرْ لها» تقدَّم في الدَّعَوات بلفظِ: «فار خَها» وجَمَعَ بينهما إسماعيل بن أُميَّة عن
سعيد المقبريّ، أخرجه المُخلِّص في أواخر الأوَّل من ((فوائده))(٢).
قوله عَقِبِه: ((تابَعَه يحيى)) يريد: ابن سعيد القَطّان، وعُبَيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ، وسعيد:
هو المقبريُّ، وزُهَير: هو ابن معاوية، وأبو ضَمْرة: هو أنس بن عِيَاض، والمراد بإيرادِ هذه التَّعاليق
بيان الاختلاف على سعيد المقبريِّ: هل رَوَى الحديث عن أبي هريرةَ بلا واسطة أو بواسطةِ أبيه؟
وقد تقدَّم بيان مَن وَصَلَها كلّها في كتاب الدَّعَوات.
٧٣٩٤- حدَّثْنا مُسلِمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذَيفةَ، قال: كانَ
النّبِيُّ ◌َّةٍ إذا أوَى إلى فِراشِه قال: «اللهُمَّ باسمِكَ أحيا وأموتُ)) وإذا أصبَحَ قال: ((الحمدُ لله
الذي أحيانا بعدَ ما أماتنا، وإليه النُّشُورُ)).
٧٣٩٥- حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن منصورٍ، عن رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ،
عن خَرَشةَ بنِ الحُرِّ، عن أبي ذَرٍّ، قال: كانَ النّبيُّ ◌َّهِ إذا أخَذَ مَضْجَعَه منَ اللَّيلِ قال:
((باسمِكَ نَموتُ ونَحْيا)) فإذا استَيَقَظَ قال: ((الحمدُ لله الذي أحيانا بعدَ ما أماتنا، وإليه
التُّشُورُ)).
٧٣٩٦ - حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن كُرَیبٍ، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: (لَوْ أَنَّ أحدكم إذا أرادَ أنْ يَأْتِيَ أهلَه فقال:
باسمِ الله، اللهُمَّ جَنِّنا الشَّيْطانَ، وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فإنَّه إنْ يُقدَّرْ بينَهما ولدٌ في ذلك لم
يَضُرَّه شَيْطانٌ أبداً)).
(١) انظر الحديث رقم (٢٥٥٩).
(٢) انظر ((المخلصيات)) برقم (٣٥٠).

٢٧٤
باب ١٣/ح ٧٣٩٧ -٧٣٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
٧٣٩٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثْنَا فُضَيْلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن هَّامِ، عن
عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ، قال: سألتُ النّبيَّ نََّ قلتُ: أُرسِلُ كِلابي المعلَّمَةَ؟ قال: ((إذا أرسَلْتَ كِلاَبَكَ
المعلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسمَ الله فأمْسَكْنَ فَكُلْ، وإذا رَمَيْتَ بالمِعْراض فخَزَقَ فَكُلْ)).
٧٣٩٨ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو خالدِ الأحمرُ، قال: سمعتُ هشامَ بنَ
عُرْوةَ يُحدِّثُ عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قالوا: يا رسولَ الله، إنَّ هنا أقواماً حديثاً
عَهْدُهم بشِرْكٍ، يَأْتونا بلُحْمانٍ لا نَذْري يَذْكُرُونَ اسمَ الله عليها أم لا؟ قال: ((اذْكُرُوا أَنتُمُ
اسمَ الله، و گُلوا)).
تَابَعَه محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وعبدُ العزيزُ بنُ محمد وأُسامةُ بنُ حَفْصٍ.
الحديث الثاني والثالث: حديث حُذَيفة وأبي ذرٍّ في القول عند النَّوم أيضاً، وفيه: («اللهُمَّ
باسمِك أحيا وأموت))، وقد تقدَّم شرحُهما في الدَّعَوات (٦١١٢ و٦٣٢٥).
الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في القول عند الجماع، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
النِّكاح (٥١٦٥).
وقوله: ((فإِنَّه إن يُقدَّر بينهما ولد)) المراد: إن كان قُدِّرَ، لأنَّ التَّقْدير أَزَلِيٌّ، لكن عَبَّرَ بصيغةٍ
المضارَعَة بالنّسبةِ للتَّعَلُّق.
الحديث الخامس: حديث عَديٍّ في الصَّيد، قد تقدَّم شرحه في الذَّبائح (٥٤٧٥).
الحديث السادس: حديث عائشةَ في الأمر بالتَّسميةِ عند الأكل، وقد تقدَّم في الذَّبائح
(٥٥٠٧) أيضاً.
وقوله فيه: ((تابَعَه محمَّد بن عبد الرَّحمن)) هو الطُّفاويّ، وعبدُ العزيز بن محمَّد: هو
الدَّراوَردِيُّ، وأُسامة بن حَفْص: هو المدنيّ، وتقدَّم في الذَّبائح بيانُ مَن وَصَلَها، وطريق
الدَّرَاوَردِيِّ وَصَلَها محمَّد بن أبي عمر العَدَنيّ في ((مُسنَده)) عنه، وتقدَّم القول في هذا السَّنَد
بأشبَعَ من هذا هناك.
تنبيهان: أحدهما: وَقَعَ قوله: («تَابَعَه ... )) إلى آخره هنا عَقِب حديث أبي هريرةَ المُبدَأ بذِكرِه

٢٧٥
باب ١٣/ح ٧٣٩٩ -٧٤٠١
كتاب التوحيد
في هذا الباب عند كَرِيمة والأَصِيليّ وغيرهما، والصَّواب ما وَقَعَ عند أبي ذرٍّ وغيره أنَّ محلّ
ذلك عَقِب حديث عائشة، وهو سادس أحاديث الباب.
ثانيهما: وَقَعَ في هذه الرّواية: ((إنَّ هنا أقواماً حديثاً عَهِدُهم بالشِّركِ(١) يأتونا)) كذا فيه
بنونٍ واحدة، وهي لُغة مَن يَحذِفِ النُّون مع الرَّفع، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون بتشديد النُّون
مُراعاة للُّغةِ المشهورة، لكنَّ/ التَّشديد في مثل هذا قليل.
٧٣٩٩- حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، قال: ضَخَّى النّبِيُّ وَل
بگبشین، يُسَمِّ ويُحبِّ.
٣٨١/١٣
٧٤٠٠ - حدَّثْنَا حَفْصُ بنُ عمرَ، حدّثنا شُعْبةُ، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، عن جُندُبٍ: أنَّه شَهِدَ
النّبِيَّ ◌َ﴿ يومَ النَّحْرِ صَلَّى، ثمَّ خَطَبَ، فقال: ((مَنْ ذَبَحَ قبلَ أنْ يُصَلِّي فلْيَذبحْ مكانها أُخرى،
ومَن لم يَذْبَحْ فلْيَذْبَحْ باسمِ الله)).
٧٤٠١- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا وَرْقاءُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: قال النّبيُّ ◌َالِهِ: ((لا تَحِلِفوا بآبائِكم، ومَن كانَ حالفاً فلْيَحلِفْ بالله)).
الحديث السابع: حديث أنس في الأُضحيَّة بكَبِشَين، وفيه: ((فسَمَّى وكَبَّرَ))(٢) وقد تقدَّم
شرحُه في الأضاحيّ (٥٥٥٤).
الحديث الثامن: حديث جُندُب في مَنع الذَّبح في العيد قبل الصلاة، وفيه قوله: ((فليذبح
باسم الله)) وقد تقدَّم شرحُه في الضَّحايا (٥٥٦٢) أيضاً.
الحديث التاسع: حديث ابن عمر: ((لا تَحِلِفوا بآبائكم)) تقدَّم شرحه في الأيمان والنُّدور
(٦٦٤٦)، قال نُعَيم بن حَمَّد في ((الردّ على الجَهميَّة)): دَلَّت هذه الأحاديث - يعني الواردةَ
في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته، والسُّؤالِ بها مِثل أحاديث الباب، وحديث عائشة وأبي
سعيد: ((باسم الله أرقيك)) وكلاهما عند مسلم (٢١٨٥ و٢١٨٦)، وفي الباب عن عُبادةَ وميمونة
(١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في النسخة اليونينية دون خلاف بين الروايات: بشرك، بدون تعريف.
(٢) کذا وقع هنا، والذي في اليونينية دون خلاف: يُسمِّي ویکبِّر.

٢٧٦
باب ١٤/ح ٧٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأبي هريرةَ وغيرهم عند النَّسائيِّ(١) وغيره بأسانيد جياد- على أنَّ القرآن غير مخلوق، إذ لو
كان مخلوقاً لم يُستَعذ بها؛ إذ لا يُستَعاذ بمخلوقٍ، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]
وقال النبيُّ وَّ: ((وإذا استَعَذْتَ فاستَعِذْ بالله))(٢).
وقال الإمام أحمد في كتاب ((السُّنَّة)): قالت الجَهميَّةُ لمن قال: إنَّ الله لم يزل بأسمائه
وصفاته: قلتُم بقولِ النَّصارى حيثُ جَعَلوا معه غيره، فأجابوا بأنّا نقول: إنَّه واحدٌ بأسمائه
وصفاته، فلا نَصِفُ إلّا واحداً بصفاتِهِ، كما قال تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]،
فَوَصَفَه بالوَحدَةِ مع أنَّه كان له لسانٌ وعَينانِ وَأُذُنَانِ وسَمعٌ وبَصَر، ولم يَخرُج بهذه الصِّفات عن
كونه واحداً، ولله المثلُ الأعلى.
١٤ - باب ما يُذكَرُ في الذّات والتُّعوتِ وأسامي الله عزَّ وجلَّ
وقال خُبَيبٌ: وذلك في ذات الإله، فذَكَر الذّاتَ باسمِه تعالى.
٧٤٠٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبرني عَمْرو بنُ أبي سفيانَ بنِ
أَسِيدِ بنِ جاريةَ الثَّقَفِيُّ. حَلِيفٌ لبني زُهْرةَ، وكان مِن أصحاب أبي هُرَيرةَ أنَّ أبا هُرَيرَ قال:
بَعَثَ رسولُ اللهَ وَّلْ عَشَرَةً، منهم خُبَيبٌ الأنصاريُّ، فأخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عِياضٍ، أنَّ ابنةَ
الحارثِ أخبَرَتْه: أنَّهم حينَ اجتَمَعوا استَعارَ منها موسى يَستَحِدُّ بها، فلمَّا خَرَجوا منَ الحَرَمِ
ليقتلوه قال خُبَيبٌ الأنصاريُّ:
ولَستُ أُبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسلِماً على أيِّ شِقٌّ كانَ الله مَصْرَعي
وَذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ يُباركْ على أوْصالِ شِلْوِ مُمَّعِ
فقتَلَه ابنُ الحارثِ، فأخبَرَ النبيُّ وَلِّ أصحابَه ◌َخَبَرَهم يومَ أُصِيبوا.
قوله: ((بابُ ما يُذكَر في الذَّات والتُّعوت وأسامي الله عزَّ وجلّ)) أي: ما يُذكَر في ذات الله
(١) في ((الكبرى)) (١٠٧٧٦) و(١٠٧٩٣) و(١٠٧٧٥).
(٢) هذا ذهول من نعيم بن حماد رحمه الله، فلا يوجد حديث بهذا اللفظ، وإنما المحفوظ: ((وإذا استعنت فاستعن
بالله)) من حديث ابن عباس عند الترمذي (٢٥١٦) وغيره وهو حديث صحيح.

٢٧٧
باب ١٤/ح ٧٤٠٢
كتاب التوحيد
ونُعوتِه من تَجويز إطلاق ذلك كأسمائه أو مَنعِه لعَدَم وُرودِ النَّصّ به، فأمّا الذّات فقال الرَّاغِب:
هي تَأنيث ذو، وهي كَلِمة يُتْوَصَّل بها إلى الوصف بأسماءِ الأجناس والأنواع، وتُضافُ إلى
الظّاهر دون المُضمَر، وتُثَنَّى وتُجمَع، ولا يُستَعمَل شيءٌ منها إلّا مُضافاً، وقد استَعَارُوا لفظ
الذّات لعينِ الشيء، واستَعمَلوها مُفرَدةً ومُضافة، وأدخَلوا عليها الألِف واللّام وأجرَوها مَجَرَى
النَّس والخاصَّة، ولیس ذلك من كلام العرب، انتهى.
وقال عِيَاض: ذات الشيء نفسُه وحقيقَتُهُ، وقد استَعمَلَ أهلُ الكلام الذّات بالألِفِ واللّام،
وغَلَّطَهم أكثرُ النُّحاة وجَوَّزَه بعضُهم، لأنَّها تَرِدُ بمعنى النَّفس وحقيقةٍ / الشيء، وجاءَ في الشِّعر ٣٨٢/١٣
لكنَّه شاذٌ، واستعمالُ البخاريِّ لها دالٌّ على ما تقدَّم من أنَّ المراد بها نفسُ الشيء على طريقة
المتكلِّمينَ في حَقّ الله تعالى، ففَرَّقَ بين النُّعوت والذّات.
وقال ابن بَرْهان: إطلاق المتكلِّمينَ الذّات في حَقّ الله تعالى من جَهلِهم، لأنَّ ذات تَأنيث
ذو، وهو جَلَّت عَظَمَته لا يَصِحُّ له إلحاق تاء الثَّأنيث، ولهذا امتَنَعَ أن يقال: عَلّامة وإن كان أعلَم
العالمين. قال: وقولهم: الصِّفات الذّاتيَّة، جَهلٌ منهم أيضاً، لأنَّ النَّسَب إلى ذات: ذَويّ(١).
وقال التّاج الكنديُّ في الردِّ على الخطیب ابن نباتَة في قوله: گُنه ذاتِه: ذات، بمعنی
صاحبة تأنيث ذو، وليس لها في اللُّغة مَدلولٌ غير ذلك. وإطلاق المتكلِّمينَ وغيرهم الذّات
بمعنى النَّفس خَطَأْ عند المحَقِّقين.
وتُعقِّبَ بأنَّ المُمتَنِع استعمالها بمعنى صاحبة، أمّا إذا قُطِعَت عن هذا المعنى
واستُعمِلَت بمعنى الاسميَّة فلا محذور؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ، عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[الأنفال: ٤٣] أي: بنفسِ الصُّدور، وقد حكى المُطرِّزيُّ: كلُّ ذاتٍ شيءٌ وكلُّ(٢) شيءٍ
(١) كذا في الأصلين و(س)، ولكن الذي في معاجم اللغة: ذَوَوِيّ، كعَصَوِي، انظر ((الصحاح)) للجوهري،
و ((لسان العرب))، و((القاموس المحيط)) مادة ذو.
(٢) في (ع) و(س): وليس كل، وهو خطأ، والمثبت من (أ) على الصواب، انظر: ((الفروق اللغوية)) ص١٠٣،
و((المغرب في ترتيب المعرب)) الذال مع الواو، و((المصباح المنير)) مادة (ذوي).

٢٧٨
باب ١٤/ح ٧٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذات، وأنشَدَ أبو الحُسَين بن فارس:
فنِعْمَ ابنُ عمِّ القوم في ذاتِ ماله إذا كان بَعضُ القوم في ماله وَفْرُ
ويحتمل أن تكون «ذات» هنا مُمحَمَة کما في قولهم: ذات ليلة، وقد ذكرتُ ما فيه في
كتاب العلم في ((باب العِظَة باللَّيلِ)) (١١٥).
وقال النَّوَويُّ في ((تهذيبه)): وأمّا قولهم - أي: الفُقَهاء - في باب الأيمان: فإن حَلَفَ
بصِفَةٍ من صفات الذّات، وقولُ ((المُهَذَّب)): اللَّون كالسَّوادِ والبياض أعراضٌ تَحُلُّ
الذّات، فمُرادُهم بالذّات: الحقيقة، وهو اصطلاح المتكلِّمين، وقد أنكَرَه بعض الأُدَباء
وقال: لا يُعرَف في لُغةِ العرب ذات بمعنى حقيقة. قال: وهذا الإنكار مُنكَر، فقد قال
الواحديُّ في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]: قال ثَعَلَب:
أي: الحالة التي بَينَكم، فالتَّأنيث عنده للحالة، وقال الزَّجّاج: معنى ذات: حقيقة،
والمراد بالبَينِ: الوَصْل، فالتَّقدير: فأصلِحوا حقيقة وَصْلِكم، قال: فذات عنده بمعنى
النَّفْس.
وقال غيره: ذات هنا كِناية عن المنازَعَة، فأُمِروا بالموافَقة، وتقدَّم في أواخر النَّفَقات
(٥٣٦٥) شيءٌ آخر في معنی ذات یده.
وأمّا ((النُّعوت)) فإنَّها جمع نَعْت وهو الوصف، يقال: نَعَتَ فلاناً نَعتاً، مِثل وصَفَه
وصفاً وَزْنه ومعناه، وقد تقدَّم البحث في إطلاق الصِّفة في أوائل كتاب التَّوحيد.
وأمّا ((الأسامي)) فهي جمع اسم، وتُجمَع أيضاً على أسماء، قال ابن بَطّال: أسماء الله تعالى
على ثلاثة أضرُب، أحدها: يَرجِع إلى ذاته وهو الله، والثّاني: يَرجِع إلى صِفَةٍ قائمة به
كالحيّ، والثّالث: يَرجِع إلى فعله كالخالق، وطريق إثباتها السَّمع، والفَرق بين صفات
الذّات وصفات الفعل أنَّ صفات الذّات قائمةٌ به، وصفاتِ الفعل ثابتَةٌ له بالقُدرةِ، ووجود
المفعول بإرادَتِه جلَّ وعلا.
قوله: ((وقال خُبَيَبٌ)) بالمعجَمةِ والموخَّدة مُصغَّر: هو ابنُ عَديِّ الأنصاريّ.

٢٧٩
باب ١٤/ح ٧٤٠٢
كتاب التوحيد
قوله: ((وذلك في ذات الإلهِ)) يشير إلى البيت المذكور في الحديث المُساق في الباب، وقد
تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في المغازي (٤٠٨٦)، وتقدَّم في كتاب الجهاد (٣٠٤٥) في ((باب هل
يُستَأسَرُ الرَّجل)).
قوله: ((فذَكَرِ الذّات باسمِهِ تعالى)) أي: ذَكَر الذّات مُتَلِّساً باسم الله، أو ذَكَر حقيقة الله
بلفظِ الذّات، قاله الكِرْمانيُّ. قلت: وظاهرُ لفظه أنَّ مُراده أضافَ لفظ الذّات إلى اسم الله
تعالى، وسَمِعَه النبيُّ ◌َلّ فلم يُنكِرِه فكان جائزاً.
وقال الكِرْمانيُّ: قيلَ: ليس فيه - يعني: قوله: ذات الإله - دلالة على التَّرجمة، لأنَّه لم يُرِد
بالذّات الحقيقة التي هي مُرادُ البخاريّ، وإنَّما مُرادُه: وذلك في طاعة الله أو في سبيل الله،
وقد يُجاب بأنَّ غَرَضه جوازُ إطلاق الذّات في الجُملة. انتهى، والاعتراض أقوى من
الجواب، وأصلُ الاعتراض للشّيخ تَقيِّ الدِّين السُّبكيّ فيما أخبَرني به عنه شيخنا أبو الفضل
الحافظ، وقد ترجَمَ البَيهَقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)): ما جاءَ في الذّات، وأورَدَ (٦١٦)
حديث أبي هريرةَ المتَّفَق عليه في ذِكر إبراهيم عليه السلام: / ((إلّا ثلاث كذَبات، اثنتَينٍ في ٣٨٣/١٣
ذات الله)) وتقدَّم شرحه في ترجمة إبراهيم (٣٣٥٨) من أحاديث الأنبياء، وحديث أبي
هريرةَ المذكور في الباب(١)، وحديثَ ابن عبّاس (٦١٨): ((تَفَكَّروا في كلّ شيء ولا تَفَكَّروا
في ذات الله)) موقوف وسنده جَيِّد، وحديثَ أبي الدَّرداء (٦١٩): ((لا تَفقَه كلَّ الفقه حتَّى
تَقُّتَ الناس في ذات الله)) ورجاله ثقات إلّا أنَّه مُنقَطِع، ولفظ ذات في الأحاديث المذكورة
بمعنى: من أجل، أو بمعنى: حَقّ، ومِثله قول حسَّان:
وأنَّ أخا الأحقافِ إذ قامَ فيهمُ يُجاهدُ في ذات الإله ويَعدِلُ
وهيَ كقوله تعالى حكايةً عن قول القائل: ﴿بَحَسْرَفَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]،
فالذي يَظهَر أنَّ المراد جوازُ إطلاق لفظ ذات، لا بالمعنى الذي أحدَثَه المتكلِّمونَ، ولكنَّه غيرُ
مَردودٍ إذا عُرِفَ أنَّ المراد به النَّفْس، لتُبُوتِ لفظ النَّفْس في الكتاب العزيز، ولهذه النُّكتَة عَقَّبَ
(١) أورده البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٦١٧).

٢٨٠
باب ١٤/ح ٧٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
المصنّف بترجمةِ النَّفس، وسيأتي في باب الوجه(١) أنَّه وَرَدَ بمعنى الرِّضا.
وقال ابن دقيق العيد في ((العَقيدة)(٢): نقول في الصِّفات المشكِلة: إنَّهَا حَقٍّ وصِدقٌ على
المعنى الذي أرادَه الله، ومَن تَأوَّلَهَا نَظَرنا: فإن كان تأويلُه قريباً على مُقْتَضى لسان العرب لم
نُنكِرِ عليه، وإن كان بعيداً تَوقَّعنا عنه ورَجَعنا إلى التَّصديق مع التَّنزيه، وما كان منها معناه
ظاهراً مفهوماً من تَّخَاطُب العرب حَمَلناه عليه كقولِهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ فإنَّ
المرادَ به في استعمالهم الشّائع: حَقّ الله، فلا يُتَوقَّف في حَملِه عليه. وكذا قوله: ((إنَّ قلبَ ابن
آدم بين إصبعين من أصابع الرَّحمن))(٣) فإنَّ المراد به: أنَّ إرادةَ قلب ابن آدم مُصرَّفَةٌ بقدرة الله وما
يوقِعُه فيه، وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ ﴾ [النحل: ٢٦] معناه:
خَرَّبَ الله بُنياتَهم، وقوله: ﴿إِنَّنُطْعِمُّكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] معناه: لأجلِ الله، وقِس على
ذلك، وهو تَفصيلٌ بالِغٌ قَلَّ مَن تَيقَّظَ له.
وقال غيره: اتَّفَقَ المحَقِّقونَ على أنَّ حقيقة الله مُخَالِفَةٌ لسائرِ الحَقائق، وذهب بعضُ
أهل الكلام إلى أنَّها من حيثُ إنَّها ذات مُساويةٌ لسائرِ الذَّوات، وإنَّما تَمتاز عنها بالصِّفات
التي تَخْتَصُّ بها كوجوبِ الوجود، والقُدرةِ التّامَّة، والعلمِ التّامّ. وتُعقِّبَ بأنَّ الأشياء
المُتَساوية في تمام الحقيقة يجب أن يَصِحَّ على كلِّ واحدٍ منها ما يَصِحُّ على الآخَرِ، فَيَلْزَم من
دَعَوَى التَّساوي المُحال، وبأنَّ أصل ما ذَكَروه قياسُ الغائب على الشَّاهد وهو أصلُ كلِّ
خَبْط، والصَّواب الإمساك عن أمثال هذه المباحث والتَّفويضُ إلى الله في جميعها، والاكتِفَاءُ
بالإيمان بكلِّ ما أوجَبَ الله في كتابه أو على لسان نبيِّه إثباتَه له، أو تنزيهُه عنه على طريق
الإجمال، وبالله التَّوفيق، ولو لم يكن في ترجيح التَّفويض على التَّأويل إلّا أنَّ صاحب التَّأويل
(١) (باب قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾)) عند الحديث (٧٤٠٦).
(٢) يعني في كتابه المسمى ((عقيدة ابن دقيق العيد))، شرحها ابن أبي شريف البرهاني المتوفي سنة (٩٢٣هـ)
بشرح سماه: ((العقد النضيد في شرح عقيدة ابن دقيق العيد)). انظر ((كشف الظنون)١١٥٧/٢، و((هدية
العارفين)) ٢٥/١.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو.