Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب ٤/ح ٧٣٨٠ كتاب التوحيد تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وذِكْر هذه الآية أنسَبُ في هذا الباب لموافَقَتِهِ حديث ابن عمر الذي قبله، لكنَّه جَرَى على عادته التي أكثرَ منها من اختيار الإشارة على صريح العِبارة. وتقدَّم شرح ما يَتعلَّق بالرُّؤيةِ في تفسير سورة النَّجم، وما يَتعلَّق بعِلمِ الغَيب في تفسير سورة لُقمان (٤٧٧٨)، وتقدَّم في تفسير سورة المائدة (٤٦١٢) بهذا السَّنَد: مَن حَدَّثَك أنَّ محمَّداً كَتَمَ شيئاً، وأحَلتُ بشرحِه على كتاب التَّوحيد، وسأذكرُه إن شاءَ الله تعالى في باب: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾(١) [المائدة: ٦٧]. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ قال: قوله في هذا الطَّريق: مَن حَدَّثَك أنَّ محمَّداً يَعلَم الغَيب، ما أظنّ محفوظاً، وما أحدٌ يَدَّعي أنَّ رسول الله وَ لَه كان يَعلَم من الغَيب إلّ ما عُلِّمَ. انتهى، وليس في الطَّريق المذكورة هنا التَّصريح بذِكر محمَّد ◌َّةٍ، وإنَّمَا وَقَعَ فيه بلفظ: مَن حَدَّثَك أَنَّه يَعلَم، وأظنّه بنى على أنَّ الضَّمير في قول عائشة: ((مَن حَدَّثَك)) أنَّه لمحمَّدٍ وَِّ، لتَقَدُّمِ ذِكره في الذي قبله حيثُ قالت: مَن حَدَّثَك أنَّ محمَّداً رأى ربّه، ثمَّ قالت: ومَن حَدَّثَك أنَّه يَعلَم ما في غَد(٢)، ويُعكِّر عليه أنَّه وَقَعَ في رواية إبراهيم النَّخَعيِّ عن مسروق عن عائشة قالت: ثلاثٌ مَن قال واحدةً منهنَّ فقد أعظم على الله الفِرية: مَن زَعَمَ أنَّه يَعلَمُ ما في غَد ... الحديث، أخرجه/ النَّسائيُّ (ك١١٠٨٢)، وظاهر هذا السّياق أنَّ الضَّمير ٣٦٤/١٣ للزّاعِم، ولكن وَرَدَ التَّصريح بأنَّه لمحمَّدٍ وَّ فيما أخرجه ابن خُزَيمةَ (٥٥٤/٢) وابن حِبّان (٦٠) من طريق عبد ربّه بن سعيد عن داود بن أبي هِند عن الشَّعْبيّ بلفظ: أعظمَ الفِريةَ على الله مَن قال: إنَّ محمَّداً رأى ربّه، وإِنَّ محمَّداً كَتَمَ شيئاً من الوحي، وإنَّ محمَّداً يَعلَم ما في غَد. وهو عند مسلم (٢٨٧/١٧٧) من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن داود، وسياقُه أتمّ، ولكن قال فيه: ومَن زَعَمَ أنَّه يُخْبِرِ بما يكون في غَد. هكذا بالضَّمير، كما في رواية إسماعيل معطوفاً على: مَن زَعَمَ أنَّ رسول الله وَلِكَتَمَ شيئاً. (١) باب رقم (٤٦). (٢) الرواية هنا في هذا الباب: أنه يعلم الغيب، ولعله سبق قلم، والله أعلم. ٢٤٢ باب ٤/ح ٧٣٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وما ادَّعاه من النَّفي مُتَعقَّبٌ، فإنَّ بعض مَن لم يَرسَخ في الإيمان كان يَظُنّ ذلك، حتَّى كان يَرَى أَنَّ صِحَّة النبوَّة تَستَلِمِ الطَّلاع النبيّ وَِّ على جميع المُغَيَّات، كما وَقَعَ في (المغازي)) لابنٍ إسحاق: أنَّ ناقة النبيّ وَِّ ضَلَّت، فقال زيد بن اللَّصيت - بصادٍ مُهمَلة وآخره مُثّاة وزن عظيم -: يَزْعُم محمّد أنَّه نبيّ ويُخْبِرِكم عن خبر السماء وهو لا يدري أينَ ناقَته، فقال النبيّ ◌َّ: ((إنَّ رجلاً يقول كذا وكذا، وإنّي والله لا أعلَم إلّا ما عَلَّمَني الله، وقد دَلَّني الله عليها، وهي في شِعْب كذا قد حَبَسَتها شَجَرة) فذهبوا فجاؤوه بها، فأعلَمَ النبيُّ وَّ أنَّه لا يَعْلَمْ من الغَيب إلّا مَا عَلَّمَه الله، وهو مُطابِقٍ لقولِه تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٥) إِلَّا مَنِ آَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ الآية [الجن: ٢٦ - ٢٧]. وقد اختُلِفَ في المراد بالغَيبِ فيها؛ فقيلَ: هو على عُمُومه، وقيل: ما يَتعلَّق بالوحي خاصَّة، وقيل: ما يَتعلَّق بعِلم السّاعة، وهو ضعيف؛ لما تقدَّم في تفسير لُقمان أنَّ عِلم السّاعة ممَّا استَأْثَرَ الله بعِلمِهِ، إلّا إن ذهب قائلُ ذلك إلى أنَّ الاستثناء مُنقَطِع، وقد تقدَّم ما يَتَعلَّق بالغَيْبِ هناك. قال الَّمَشَريّ: في هذه الآية إيطالُ الكرامات، لأنَّ الذينَ يُضاف إليهم وإن كانوا أولياء مُرتَضَينَ فَلَيسوا بُرُسُلٍ، وقد خَصَّ الله الرُّسُلَ من بين المُرتَضَينَ بالاطِّلاع على الغَيب. وتُعقّبَ بما تقدَّم. وقال الإمام فخر الدّين: قوله: ﴿عَلَ غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مُفرَد وليس فيه صيغة عُموم، فيَصِحُّ أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غَيبٍ واحدٍ من غُيوبه أحداً إلّ الرُّسُل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، ويُقوِّيه ذِكرُها عَقِب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥]. وتُعقّبَ بأنَّ الرُّسُل لم يُظهَروا على ذلك، وقال أيضاً: يجوز أن يكون الاستثناء مُنقَطِعاً، أي: لا يُظهِر على غَيبه المخصوص أحداً لكن مَن ارتَضَى من رسول، فإنَّه يجعل له حَفَظَة. وقال القاضي البيضاويّ: يُخصَّصُ الرَّسول بالملَكِ في الطِّلاعه على الغَيب، والأولياء يَقَع لهم ذلك بالإلهام. ٢٤٣ باب ٤/ح ٧٣٨٠ كتاب التوحيد وقال ابن المنيِرِ: دَعوَى الَّغَشَريّ عامَّة ودليله خاصّ، فالدَّعوَى امتناع الكرامات كلِّها، والدَّليل يحتمل أن يقال: ليس فيه إلّا نَفي الاطّلاع على الغَيب بخلاف سائر الكرامات. انتهى، وتمامه أن يُقالُ: المراد بالاطِّلاع على الغَيب: عِلم ما سَيَقَعُ قبل أن يَقَع على تَفصيله، فلا يَدخُل في هذا ما يُكشَف لهم من الأُمور المُغيَّية عنهم، وما لا يُخْرَق لهم من العادة، كالمشي على الماء، وقَطْع المسافة البعيدة في مُدَّة لطيفة، ونحو ذلك. وقال الطِّييُّ: الأقرب تخصيصُ الاطِّلاع بالظَّهورِ والخَفاء، فإطلاع الله الأنبياءَ على المُغيَّب أمكنُ، ويَدُلّ عليه حَرف الاستعلاء في ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضَمَّنَ ((يُظهِر)) معنى يُطلِع، فلا يُظهِر على غَيبه إظهاراً تاماً وكَشفاً جَليّاً إلّا لرسولٍ يوحَى إليه، مع مَلَكِ وحَفَظَة، ولذلك قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، وتعليله بقوله: ﴿لَيَعْلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]، وأمّا الكرامات فهي من قَبيل التَّلويح واللَّمَحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء. وقد جَزَمَ الأُستاذ أبو إسحاق بأنَّ كرامات الأولياء لا تُضاهي ما هو مُعجِزةٌ للأنبياء. وقال أبو بكر بن فُورَك: الأنبياء مأمورونَ بإظهارها، والوَليّ يجب عليه إخفاؤها، والنبيُّ يَدَّعي ذلك بما يَقطَع به، بِخِلَاف الوَلِيّ، فإنَّه لا يَأمَن الاستدراج. وفي الآية رَدٌّ على المنجِّمينَ وعلى كلِّ مَن يَدَّعي أنَّه يَطَّلِعِ على ما سيكونُ من حياةٍ أو موتٍ أو غير ذلك،/ لأنَّه مُكذِّب للقرآنِ، وهم أبعَد شيءٍ من الارتضاءِ مع سَلب صِفَة ٣٦٥/١٣ الرُّسُلِيَّةِ عنهم. وقوله في أوَّل حديث ابن عمر: ((مفاتيح الغَيب)) إلى أن قال: ((لا يَعلَم ما تَغيض الأرحام إلّا الله) وَقَعَ في مُعظَم الرِّوايات: ((لا يَعلَم ما في الأرحام إلّ الله))، واختُلِفَ في معنى الزّيادة والنُّقصان على أقوال: فقيلَ: ما يَنقُص من الخِلقة وما يَزداد فيها، وقيل: ما يَنقُص من التِّسعَة الأشهُر في الحمل، وما يَزداد في النَّاس إلى السِّين، وقيل: ما يَنقُص بظُهورِ ٢٤٤ باب ٤/ ح ٧٣٨٠ فتح الباري بشرح البخاري الحيض في الحَبَل بنَقصِ الولد، وما يَزداد على التِّسعَة الأشهُر بقَدرِ ما حاضَت، وقيل: ما يَنقُص في الحمل بانقطاع الحيض، وما يَزداد بدَمِ النَّاس من بعد الوضع، وقيل: ما يَنقُص من الأولاد قبلُ، وما يَزداد من الأولاد بعدُ. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بنُ أبي جمرة نَفَعَ الله به: استَعارَ للغَيبِ: مفاتيح؛ اقتداء بما نَطَقَ به الكتاب العزيز: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وليُقَرِّب الأمر على السّامع، لأَنَّ أُمور الغَيب لا يُحصِيها إلّا عالمها، وأقرَبُ الأشياء إلى الاطِّلاع على ما غابَ: الأبواب، والمفاتيح أيسَر الأشياء لفتح الباب، فإذا كان أيسَر الأشياء لا يُعرَف موضعها، فما فوقها أحرَى أن لا يُعرَف. قال: والمراد بنَفي العِلم عن الغَيب الحقيقيّ، فإنَّ لبعضِ الغُيوب أسباباً قد يُستَدَلُّ بها عليها، لكن ليس ذلك حقيقيّاً، قال: فلمَّا كان جميع ما في الوجود محصوراً في عِلمه، شَبَّهَه المُصطَفَى بالمخازِنِ واستَعارَ لبابها المفتاح، وهو كما قال تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَّابِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. قال: والحِكْمة في جَعْلها خمساً: الإشارة إلى حَصرِ العَوالم فيها، ففي قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ اَلْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] إشارة إلى ما يزيد في النَّفْس ويَنقُص، وخَصَّ الرَّحِم بالذِّكرِ لكَونِ الأكثر يَعِرِفُونَها بالعادةِ، ومع ذلك فنَفَى أن يَعِرِف أحدٌ حقيقتها، فغيرها بطريق الأولى. وفي قوله: ((ولا يَعلَم متى يأتي المطر)) إشارة إلى أُمور العالَمِ العُلويّ، وخصَّ المطر مع أنَّ له أسباباً قد تَدُلّ بجري العادة على وقوعه، لكنّه من غير تحقیق. وفي قوله: ((ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرض تموتُ)) إشارة إلى أُمور العالم السُّفليّ، مع أنَّ عادةً أكثر الناس أن يموت بيلدِهِ، ولكن ليس ذلك حقيقةً، بل لو ماتَ في بلده لا يَعلَم في أيّ بُقْعَة يُدفَن منها ولو كان هناك مَقبَرَةٌ لأسلافهِ، بل قَبرُّ أَعَدَّه هو له. وفي قوله: ((ولا يَعلَم ما في غَد إلّا الله)) إشارة إلى أنواع الزّمان وما فيها من الحوادث، وعَبَّرَ بلفظِ (غَد)) لتكونَ حقيقَته أقرَبَ الأزمِنَة، وإذا كان مع قُربِه لا يُعلَم حقيقةُ ما يَقَع فيه مع إمكان الأمارة والعلامة، فما بَعُدَ عنه أولى. ٢٤٥ باب ٥/ح ٧٣٨١ كتاب التوحيد وفي قوله: ((ولا يَعلَم متى تقوم السّاعة إلّا الله)) إشارة إلى علوم الآخِرة، فإنَّ يوم القيامة أوَّلها، وإذا نُفي عِلمُ الأقرَب انتَفَى عِلمُ ما بعده، فجَمَعَت الآية أنواع الغُيوب، وأزالَت جميع الدَّعاوى الفاسِدَة، وقد بيَّن بقوله تعالى في الآية الأخرى وهي قوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] أنَّ الاطلاع على شيءٍ من هذه الأُمور لا يكون إلّا بتوقيف (١)، انتهى مُلخَّصاً. ٥ - باب قولِ الله تعالى: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] ٧٣٨١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا مُغِيرةُ، حدّثنا شَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ، قال: قال عبدُ الله: كنَّا نُصَلّي خَلْفَ النبِّ ◌َ ◌ّهِ فنقولُ: السَّلامُ على الله، فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((إنَّ الله هو السَّلامُ، ولكنْ قولوا: التَّحِيّاتُ لله والصَّلَواتُ والطَّيِّاتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَ كاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسوله». قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿السَّلَمُ اُلْمُؤْمِنُ﴾)) كذا للجميع، وزاد ابن بَطّال: ((المُهَيمِن))، وقال: غَرَضه بهذا الباب إثباتُ أسماءٍ / من أسماء الله تعالى، ثمَّ ذكر بعض ما ٣٦٦/١٣ وَرَدَ في معانيها، وفيما ذكره نَظَر، سَلَّمنا لكنْ وظيفةُ الشّارح بيان وجه تخصيص هذه الأسماء الثَّلاثة بالذِّكرِ دون غيرها، وإفرادِها بتَرَجَمَةٍ، ويُمكِن أن يكون أرادَ بهذا القَدْر جميعَ الآيات الثَّلاث المذكورة في آخر سورة الحَشر، فإنَّهَا خُتمَت بقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقد قال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فكأنَّه بعد إثبات حقيقة القُدْرة والقوّة والعِلم، أشارَ إلى أنَّ الصِّفات السَّمعيَّة ليست محصورةً في عَدَد مُعيَّن، بدليلِ الآية المذكورة، أو أرادَ الإشارةَ إلى ذِكر الأسماء التي تَسَمَّى الله تعالى بها وأُطلِقَت مع ذلك على المخلوقين، فالسَّلام ثَبَتَ في القرآن وفي الحديث الصَّحيح أنَّه من أسماء الله تعالى، وقد أُطلِقَ على التَّحيَّة الواقعَة بين المؤمنين، (١) في (ع) و(س): بتوفيق، والمثبت من (أ)، وهي أوجه. ٢٤٦ باب ٥/ح ٧٣٨١ فتح الباري بشرح البخاري والمؤمن يُطلَق على مَن اتَّصَفَ بالإيمان، وقد وَقَعا معاً من غير تَّخُلُّل بينهما في الآية المشار إليها، فناسب أن يذكرهما في ترجمةٍ واحدة. وقال أهل العلم: معنى السَّلام في حَقّه سبحانه وتعالى: الذي سَلِمَ المؤمنونَ من عُقوبَته، وكذا في تفسير المؤمن: الذي أمِنَ المؤمنونَ من عُقوبَته، وقيل: السَّلام مَن سَلِمَ من كلِّ نَقص وبَرِئَ من كلِّ آفَةٍ وعَيب، فهي صِفَةٌ سَلبيَّة، وقيل: المسلِّم على عباده لقوله: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، فهي صِفَةٌ كلاميَّة، وقيل: السَّلام الذي سَلمَ الخلقُ من ظُلمه، وقيل: منه السَّلامةُ لعبادِه فهي صِفَةٌ فعليَّة، وقيل: المؤمن الذي صَدَّقَ نفسه وصَدَّقَ أولياءَه، وتصديقُه: عِلمُه بأنَّه صادِقٌ وأنَّهم صادِقونَ، وقيل: الموحِّد لنفسِهِ، وقيل: خالق الأمن، وقيل: واهب الأمن، وقيل: خالق الطُّمَأنينَةِ في القلوب. وأمّا ((المُهَيمِن)) فإن ثَبَتَ في الرّواية فقد تقدَّم ما فيه في التَّفسير، وممّا يُستَفاد أنَّ ابن قُتَيبة ومَن تَبِعَه كالخطَّبِيِّ زَعَموا أنَّه مُفَيعِل من الأمن، قُلِبَت الهمز هاء، وقد تَعقَّبَ ذلك إمامُ الحرمَين، ونَقَلَ إجماعَ العلماء على أنَّ أسماء الله لا تُصَغَّرُ، ونَقَلَ البَيْهَقيُّ عن الحَلِيمِيّ: أنَّ المُهَيمِن معناه: الذي لا يَنقصُ الطّائعَ من ثوابه شيئاً ولو كَثُرَ، ولا يزيد العاصي عِقاباً على ما يَستَحِقْه، لأنَّه لا يجوز عليه الكذب، وقد سَمَّى الثَّواب والعِقاب جزاء، وله أن يَتَفَضَّل بزيادةِ الثَّواب ويَعفو عن كثيرٍ من العِقاب. قال البيهقيُّ: هذا شرح قولِ أهل التَّفْسير في المُهَيمِن أنَّه الأمين، ثمَّ ساقَ(١) من طريق التَّميميّ(٢) عن ابن عبّاس في قوله: ((مُهَيمِناً عليه)) قال: مُؤتَناً، ومن طريق عليّ بن أبي طَلْحة عن ابن عبّاس: المُهَيمِن: الأمين، ومن طريق مجاهد قال: المُهَيمِن: الشّاهد. وقيل: المُهَيمِن: الرَّقيب على الشيء والحافظ له، وقيل: الهَيَمَنة: القيام على الشيء، قال الشّاعر: (١) في ((الأسماء والصفات)) له (١٠٨ - ١١٠). (٢) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: التّيمي، والمثبت من (أ) على الصواب، والتميمي هذا الذي يحدّث في التفسير اسمه: أَرْبَدة، ويقال: أرْبد، كان يجالس ابن عباس، ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ولم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، فهو في عداد المجهولين. انظر ترجمة أربدة من ((تهذيب الكمال)) ٣١٠/٢. ٢٤٧ باب ٦/ح ٧٣٨٢ كتاب التوحيد ألا إنَّ خِيرَ الناسِ بعد نبيّه مُهَيمِنُهُ التّاليهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ يريد القائمَ على الناس بعده بالرِّعايةِ لهم. انتهى، ويَصِحّ أن يريد الأمين عليهم، فيوافق ما تقدَّمَ. ثم ذَكَر حديث ابن مسعود في التَّشْهُّد. وسنده كلّه كوفيّونَ، وأحمد بن يونس: هو ابن عبد الله بن يونس اليَربُوعيّ نُسِبَ لجدِّه، وزُهَير: هو ابن معاوية الجُعْفيُّ، ومُغِيرة: هو ابن مِقْسَم الضَّبِّيِّ، وشَقِيق بن سَلَمةَ: هو أبو وائل مشهور بكُنيَتِه وباسمِه معاً. وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أحمد بن يحيى الحُلْوانيّ عن أحمد بن يونس فقال: حدَّثنا زُهَير بن معاوية حدَّثنا مُغيرة الضَّبّيّ، وساقَ المتن مِثْلَه سواء، وضاقَ على الإسماعيليّ مَرَجُه فاكتَفَی بروایةِ عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرير بن عبد الحميد عن مُغيرة، وساقَه نحوه من رواية زُهَير، وقد أخرجه النَّسائيُّ (١١٧٠) من طريق شُعْبة عن مُغيرة بسندِه. وقوله في المتن: ((فنقول: السَّلامُ على الله)) هكذا اختَصَرَه مُغيرة، وزاد في رواية الأعمَش (٨٣٥): ((من عباده))، وفي لفظ مضى في الاستئذان (٦٢٣٠): ((قبل عباده: السَّلام على جِبريل ... )) إلى آخره. وقد تقدَّم بيان ذلك مُفصَّلاً في كتاب الصلاة (٨٣١) في أواخر صِفَة الصلاة من قبل كتاب الجُمُعة ولله الحمد. ٦ - باب قول الله تعالى: ﴿ مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] فيه: ابنُ عمَرَ، عن النبيِّ ◌ِّهِ. ٧٣٨٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((يَقْبِضُ الله الأرضَ يومَ القيامةِ، ويَطْوي السماءَ بَيَمِينِهِ، ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ، أينَ ملوكُ الأرضِ؟». وقال شُعَيبٌ والزُّبَيْدِيُّ وابنُ مُسافِرٍ وإسحاقُ بنُ يحيى، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، مِثْلَه. ٣٦٧/١٣ ٢٤٨ باب ٦/ح ٧٣٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾)) قال البَيْهَقيُّ: الملِك والمالك هو الخاصُّ المُلك، ومعناه في حَقّ الله تعالى: القادرُ على الإيجاد، وهي صِفَةٌ يَستَحِقّها لذاته، وقال الرَّاغِب: الملِك التَّصِف بالأمرِ والنَّهي، وذلك يَخْتَصّ بالناطِقِين، ولهذا قال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ولم يَقُل مَلِك الأشياء، قال: وأمّا قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الَّيْنِ﴾ فتقديره: الملك في يوم الدِّين، لقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليَومَ﴾ [غافر: ١٦]، انتھی. ويحتمل أن يكون خَصَّ الناس بالذِّكرِ في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، لأنَّ المخلوقات جَادٌ ونامٍ، والنامي صامتٌ وناطِقٍ، والناطِقِ مُتَكلِّمٌ وغير مُتَكلِّم، فأشرَفُ الجميع المتكلِّمُ، وهم ثلاثةٌ: الإنس والجِنّ والملائكة، وكلُّ مَن عَداهم جائزٌ دخولُه تحت قَبضَتهم وتَصَرُّفهم، وإذا كان المراد بالناسِ في الآية المتكلِّم، فمَن مَلَكوه في مُلك مَن مَلَكَهم، فكان في حُكم ما لو قال: مَلِك كلِّ شيء مع التَّنويه بذِكر الأشرَف، وهو المتكلِّم. قوله: ((فيه ابنُ عمر، عن النبيّ وَلَ﴾)) أي: يَدخُل في هذا الباب حديث ابن عمر، ومُرادُه حديثه الآتي (٧٤١٢) بعد اثني عشر باباً في ترجمة قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾ [ص: ٧٥]، وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. ثمَّ ذكر حديث أبي هريرةَ: ((يَقبِض الله الأرض يومَ القيامة ويَطوي السماء بيَمینِهِ، ثمَّ يقول: أنا الملِك أينَ ملوك الأرض؟» أخرجه من رواية يونس وهو ابنُ يزيد عن ابن شِهاب بسندِه، ثمَّ قال: وقال شُعَيب والزُّبَيديّ وابنُ مُسافر وإسحاق بن يحيى عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمَةَ مِثْلَه، كذا وَقَعَ لأبي ذرٍّ وسَقَطَ لغيرِه لفظ: مِثله، وليس المراد أنَّ أبا سَلَمةَ أرسَلَه، بل مُراده أنَّه اختُلِفَ على ابن شِهاب ــ وهو الزُّهْريُّ - في شيخه، فقال يونس: هو سعيد بنُ المسيّب، وقال الباقونَ: أبو سَلَمةَ، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرةَ. فأمّا رواية شُعَيب - وهو ابن أبي حمزة الحِمصيُّ - فسَتأتي (٧٤١٣) في الباب المشار إليه في الحديث المعلَّق آنِفاً، فإنَّه قال هناك: وقال أبو اليَمَان: أخبرنا شُعَيب، فذكر طَرَفاً من المتن، وقد وَصَلَه الدَّارِمِيُّ (٢٧٩٩) قال: حدَّثنا الحَكَم بن نافع، وهو أبو اليَمَان، فذكره، ٢٤٩ باب ٦/ح ٧٣٨٢ كتاب التوحيد وفيه: سمعتُ أبا سَلَمَةَ يقول: قال أبو هريرةَ، وكذا أخرجه ابن خُزيمةَ في كتاب التَّوحيد(١) من ((صحيحه): عن محمَّد بن يحيى الذُّهلِيِّ عن أبي اليَمَان. وأمّا رواية الزُّبَيديّ بضمِّ الزّاي بعدها موخَّدة، وهو محمَّد بن الوليد الحِمِصُّ، فوَصَلَها ابن خُزَيمةَ (١٦٨/١- ١٦٩) أيضاً من طريق عبد الله بن سالم عنه عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرةَ. وأمّا طريق ابن مُسافر وهو عبد الرَّحمن بن خالد بن مُسافر الفَهْميّ أميرُ مِصر، نُسِبَ لجَدِّهِ، فتقدَّمَت موصولة في تفسير سورة الزُّمَر (٤٨١٢) من طريق اللَّيث بن سعد عنه کذلك. وأمّا رواية إسحاق بن يحيى وهو الكَلبيّ فوَصَلَها الذُّهلِيُّ في ((الزُّهْريّات))، قال الإسماعيليّ: وافَقَ الجماعة عُبَيَد الله بنُ [أبي](٢) زياد الرُّصافيّ في أبي سَلَمَةَ. قلت: وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الصَّدَفيّ عن الزُّهْريِّ كذلك، ونَقَلَ ابن خُزيمةَ (١٦٩/١) عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقَينِ محفوظان. انتهى، وصنيع البخاريّ يقتضي ذلك، وإن كان الذي تَقتَضيه القواعد ترجيحَ رواية شُعَيب لگَثْرةِ/ من تابَعَه، لكنَّ ٣٦٨/١٣ يونس كان من خَواصِّ الزُّهْرِيِّ الملازِمینَ له. قال ابن بَطّال: قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ داخل في معنى النَّحيّات الله، أي: المُلك لله، وكأنَّهِ وَ﴿ أَمَرَهم بأن يقولوا: التَّحَيّات لله، امتثالاً لأمرِ ربّه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾، ووَصْفُه بأنَّه مَلِكُ النَّاس يحتمل وجهَينِ: أحدهما: أن يكون بمعنى القُدْرة فيكون صِفَةَ ذات، وأن يكون بمعنى القَرْ والصَّرف عمّا يريدون فيكون صِفةً فعل. قال: وفي الحديث إثباتُ اليمين صِفَةً لله تعالى من صفات ذاته، وليست جارحَة، خِلَافاً (١) هو في كتاب ((التوحيد)) ١٦٧/١-١٦٨. (٢) سقطت من الأصلين و (س). ٢٥٠ باب ٦/ح ٧٣٨٢ فتح الباري بشرح البخاري للمُجَسِّمة. انتهى مُلخَّصاً، والكلام على اليمين يأتي في الباب المشار إليه (١)، ولم يُعرِّج على التَّوفيق بين الحديث والتَّرجمة، والذي يَظهَر لي أنَّه أشارَ إلى ما قاله شيخه نُعَيم بن حَمَّاد الخُزَاعِيّ، قال ابن أبي حاتم في كتاب ((الردّ على الجَهميَّةِ)): وَجَدت في كتاب أبي عن(٢) نُعَيم بن حَمَّاد قال: يُقال للجَهميَّةِ: أخبِرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خَلْقه: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾ فلا يُجيبه أحد، فيَرُدُّ على نفسه ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتِهم، أفَهذا مخلوق؟ انتهى، وأشارَ بذلك إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الله يَخْلُق كلاماً فيُسمِعُه مَن شاءَ، بأنَّ الوقت الذي يقول فيه: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾ لا يَبِقَى حينَذٍ مخلوق حَيّاً، فيُجيب نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فَثَبَتَ أنَّه يتكلَّم بذلك، وكلامه صِفَةٌ من صفات ذاته فهو غير مخلوق. وعن أحمد بن سَلَمةَ عن إسحاق بن راهويه، قال: صَحَّ أنَّ الله يقول بعد فناء خلقه: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يُجِيبُه أحد، فيقول لنفسِهِ: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قال: ووَجَدت في كتابٍ عند أبي عن هشام بن عُبَيد الله الرَّازيِّ قال: إذا ماتَ الخَلق ولم يَبقَ إلّا الله وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾ فلا يُجيبه أحدٌ، فيَرُدُّ على نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قال: فلا يَشُكّ أحدٌ أنَّ هذا كلام الله وليس بوَحي إلى أحد، لأنَّه لم تَبَقَ نفسٌ فيها روح إلّا وقد ذاقَت الموت، والله هو القائل وهو المجيب لنفسِه. قلت: وفي حديث الصُّور الطّويل الذي تقدَّمَت الإشارة إليه في أواخر كتاب الرِّقاق في صِفَة الحَشر (٣): ((فإذا لم يَبْقَ إلّا الله، كان آخِراً كما كان أوَّلاً، طَوَى السماء والأرض، ثمَّ دَحَاهما، ثمَّ تَلَقَّفَهما، ثمَّ قال: أنا الجَبّار، ثلاثاً، ثمّ قال: لمن المُلك اليوم؟ ثلاثاً، ثمّ قال لنفسِهِ: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ ﴾) قال الطَّبَيُّ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُم بَِزُونَّ لَا يَخْنَى عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَّوْمَ﴾ [غافر: ١٦] يعني: يقول الله: لمن المُلْك؟ فَتَرَكَ ذِكرَ ذلك استغناءً (١) في باب (١٩) ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾. (٢) لفظة ((عن)) تحرَّفت في (ع) و (س) إلى: عمر. (٣) في باب (٤٣) نفح الصور. ٢٥١ باب ٧ كتاب التوحيد لدلالةِ الكلام عليه، قال: وقوله: ﴿لِلَّهِ اُلْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ذكر أنَّ الرَّبّ جلَّ جَلاله هو القائل ذلك مُجيباً لنفسِه، ثمَّ ذكر الرّواية بذلك (٢٤/ ٢٧) من حديث أبي هريرةَ الذي أشرتُ إليه، وبالله التّوفیق. ٧ - باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، ﴾ [المنافقون: ٨] ومَنْ حَلَفَ بعِزّةِ الله وصفاته قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا ٣٦٩/١٣ يَصِفُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ،﴾)) أمّا الآية الأولى فوَقَعَت في عِدَّة سَوَر، وتَكَرَّرَت في بعضها، وأوَّل موضع وَقَعَ فيه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم (٤)، وأمّا مُطلَق (العزيز الحكيم)) فأوَّل ما وَقَعَ في البقرة (١٢٩) في دعاء إبراهيم عليه السلام لأهلِ مكَّة: ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية، وآخرها: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وتكرَّر (العَزيز الحكيم)) و((عَزيز حَكيم)) بغيرِ لام فيهما في عِدَّة من السّوَر. وأمّا الآية الثّانية ففي إضافة العِزَّة إلى الرُّبوبيَّة، إشارةٌ إلى أنَّ المراد بها هنا: القَهْر والغَلَبة، ويحتمل أن تكون الإضافة للاختصاص، كأنَّه قيل: ذو العِزَّة، وأنَّها من صفات الذّات، ويحتمل أن يكون المراد بالعِزَّةِ هنا: العِزَّة الكائنَة بين الخَلق، وهي مخلوقة، فتكون من صفات الفعل، فالرَّبّ على هذا بمعنى الخالق، والتَّعريف في العِزَّة للجِنسِ، فإذا كانت العِزَّة كلُّها لله فلا يَصِحّ أن يكون أحدٌ مُعتَزّاً إلّا به، ولا عِزَّة لأحدٍ إلّا وهو مالکھا. وأمّا الآية الثّالثة فيُعرَف حُكمُها من الثّانية، وهي بمعنى الغَلَبة، لأنَّها جاءَت جواباً لمن ادَّعَى أَنَّه الأعَزّ وأنَّ ضِدّه الأذَلّ، فيُردُّ عليه بأنَّ العِزَّة لله ولرسوله وللمُؤمِنين، فهو كقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَاْ وَرُسُلِّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ٢٥٢ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ومَن حَلَفَ بعِزَّةِ الله وصفاته)) كذا للأكثر، وفي رواية المُستَملي: ((وسُلطانه)) بَدَل و((صفاته))، والأوَّل أولى، وقد تقدَّم في الأيمان والنُّذُور ((باب الخَلِفِ بعِزَّةِ الله وصفاته وكلامه»(١)، وتقدّم توجيهه هناك. قال ابن بَطّال: العزيز يَتَضَمَّن العِزَّة، والعِزَّة يحتمل أن تكون صِفَةَ ذات بمعنى القُدرة والعَظَمَة، وأن تكون صِفَةَ فعل بمعنى القَهْر لمخلوقاتِه والغَلَبةِ لهم، ولذلك صَخَّت إضافة اسمه إليها، قال: ويَظهَر الفَرق بين الحالِف بعِزَّةِ الله التي هي صِفَة ذاته والحالِفِ بعِزَّةِ الله التي صِفَة فعلهِ، بأنَّه يَحِنَث في الأُولى دون الثّانية، بل هو مَنهيٌّ عن الحَلِف بها كما نُّهيَ عن الحَلِفِ بحَقِّ السماء وحَقِّ زيد. قلت: وإذا أطلَقَ الحالِفُ انصَرَفَ إلى صِفَة الذّات وانعَقَدَت الیمین، إلّا إن قَصَدَ خِلاف ذلك، بدلیلِ أحاديث الباب. وقال الرَّاغِب: العزيز الذي يَقهَر ولا يُقْهَر، فإنَّ العِزَّة التي لله هي الدّائمة الباقية، وهي العِزَّة الحقيقيّة الممدوحة، وقد تُستَعار العِزَّة للحَمَيَّةِ والأنَفَة فيُوصَف بها الكافر والفاسِقِ، وهي صِفَةٌ مذمومة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وأمّا قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾[فاطر: ١٠] فمعناه: مَن كان يريد أن يَعزّ فليكتَسِب العِزَّة من الله، فإنَّا له ولا تُنال إلّا بطاعتِهِ، ومن ثَمَّ أثبَتَها لرسولِه وللمُؤمِنين، فقال في الآية الأُخرى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقد تَرِدُ العِزَّةُ بمعنى الصُّعوبة، كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وبمعنى الغَلَبة، ومِنه: ﴿وَعَزَّبِىِ فِىِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، وبمعنى القِلَّة، كقولهِم: شاة عَزُوز: إذا قَلَّ لَبَنُها، وبمعنى الامتناع، ٣٧٠/١٣ ومنه قولهم: أرض عَزَاز/ بفتح أوَّله مُفَّفاً، أي: صُلْبة. وقال البَيهَقيُّ: العِزَّة تكون بمعنى القوَّة فترجع إلى معنى القُدرة، ثمَّ ذكر نحواً ممّاً ذكره ابن بَطّال، والذي يَظهَر أنَّ مُراد البخاريّ بالتَّرجمةِ إثبات العِزَّة لله، رَدّاً على مَن قال: إنَّه العزيز بلا ◌ِزَّة، كما قالوا: العليم بلا عِلم. (١) باب رقم (١٢). ٢٥٣ باب ٧/ح ٧٣٨٣ -٧٣٨٤ كتاب التوحيد ثُمَّ ذکر في الباب خمسة أحاديث: وقال أنسِّ: قال النبيُّ ◌َّ: ((تقولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ، وعِزَّتِكَ)). وقال أبو هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّ: « يَبْقَى رجلٌ بينَ الجنَّةِ والنار آخِرُ أهلِ النار دخولاً الجنَّةَ، فيقولُ: رَبِّ اصْرِفْ وجهي عن النار، لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَها)) قال أبو سعيدٍ: إنَّ رسولَ اللهِوَ لّ قال: ((قال الله عزَّ وجلَّ: لكَ ذلك وعَشَرةُ أمثالِهِ)). وقال أيوبُ: ((وعِزَّتِّكَ لا غِنَى بِي عن بَرَ كَتِكَ)). ٧٣٨٣- حدّثنا أبو مَعمٍَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا حُسَينٌ المعلِّمُ، حدَّثني عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ، عن يحيى بنِ يَعمَرَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ نََّ كانَ يقولُ: ((أعوذُ بعِزَّتِكَ الذي لا إلهَ إلا أنتَ، الذي لا يموتُ، والجِنُّ والإنسُ يموتونَ)). ٧٣٨٤- حدَّثْنا ابنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا حَرَمِيٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((يُلْقَى في النار)). وقال لي خليفةُ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ. وعن مُعتَمِرٍ، سمعتُ أبي، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا يزال يُلْقَى فيها ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيٍ﴾ [ق: ٣٠] حتَّى يَضَعَ فيها رَبُّ العالمينَ قَدَمَه، فَيَنْزَوي بعضُها إلى بعضٍ، ثمَّ تقولُ: قَدْ قَدْ، بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، ولا تزالُ الجنَّةُ تَفْضُلُ، حَتَّى يُنْشِئَ الله لها خلقاً، فيُسْكِنَهم فضْلَ الجنَّةِ)). الحديث الأوَّل: قوله: ((وقال أنس: قال النبيّ بَّهِ: تقول جَهَنَّم: قَطْ قَطْ وعِزَّتِك)) هذا طَرَف من حديثٍ تقدَّم موصولاً (٤٨٤٨) في تفسير سورة ق مع شرحه، ویأتي مزيد كلام فيه في ((باب قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]))(١) وقد ذكره موصولاً هنا في آخر الباب، والمراد منه أنَّ النبيّ وَّ نَقَلَ عن جَهَنَّم أنَّهَا تَحَلِف بعِزَّةِ الله، وأقَرَّها على ذلك، فيَحصُل المراد، سواء كانت هي الناطقةُ حقيقةً أم الناطِقِ غيرُها کالموَگَّلينَ بها. (١) باب رقم (٢٥). ٢٥٤ باب ٧/ح ٧٣٨٤ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثّاني: قوله: ((وقال أبو هريرةَ ... )) إلى آخره، هو طَرَفٌ من حديثٍ طويل تقدَّم مع شرحه في آخِر كتاب الرِّقاق (٦٥٧٣)، والمراد منه قوله: ((لا وعِزَّتِك))، وتوجيهُه كما في الذي قبله. الحديث الثّالث: قوله: ((قال أبو سعيد ... )) إلى آخره، هو طَرَفٌ من حديثٍ مذكور في آخر حديث أبي هريرةَ (٦٥٧٣) الذي قبله، ويُستَفاد منه أنَّ أبا سعيد وافَقَ أبا هريرةَ على رواية الحديث المذكور، إلّا ما ذكره من الزّيادة في قوله: ((عَشَرة أمثاله)). الحديث الرَّابع: قوله: ((وقال أيوب عليه السلام: وعِزَّتِّك لا غِنَى بي(١) عن بَرَكَتك)) كذا في رواية الأكثر، وللمُستَمليّ: ((لا غَناء)) وهو بفتح الغَين المعجمة ممدوداً، وكذا لأبي ذرِّ عن السَّرَخسيّ، وتقدَّم بيانه في كتاب الأيمان والنُّذُور(٢) وهو طَرَف من حديث لأبي هريرةَ، وقد تقدَّم موصولاً في كتاب الطَّهارة (٢٧٩)، وأوَّله: ((بَينا أيوب يَغتَسِل))، وتقدَّم أيضاً في أحاديث الأنبياء (٣٣٩١) مع شرحه، وتقدَّم توجيه الدّلالة منه في الأيمان والنُّذور، ووَقَعَ في رواية الحاكم (٢/ ٥٨٢): ((لمَّا عاَى الله أيوبَ أمطَرَ عليه جَراداً من ذهبٍ)) الحديث. الحدیث الخامس: حديث ابن عباس. قوله: ((أبو مَعمَر)) هو عبد الله بن عَمرو المِنْقَريّ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، وعبد الوارث: هو ابن سعيد، وحُسَين المعلِّم: هو ابن ذَكْوانَ، ويحيى بن يَعمَر بفتح أوَّله والميم وسكون المهملة بينهما ويجوز ضَمُّ ميمه. قوله: ((كانَ يقول: أعوذ بعِزَّتِك الذي لا إله إلّا أنتَ)) قال الكِرْمانيُّ: العائد للموصولِ محذوف، لأنَّ المخاطَب نفس المرجوع إليه فيَحصُل الارتباط، ومثلُه: (١) في (أ): لي، والمثبت من (ع) و (س) والنسخة اليونينية دون إشارة إلى خلاف بين روايات الصحيح في هذا الموضع. (٢) تعليقاً في («باب (١٢) الحلف بعزة الله وصفاته)). ٢٥٥ باب ٧/ح ٧٣٨٤ كتاب التوحيد أنا الذي سَمَّتني أُمِّي حَيدَرَه(١) لأنَّ نَسَقِ الكلامِ: سَمَّته أمُّه. قوله: ((الذي لا يموت)) بلفظِ الغائب للأكثرِ، وفي بعضها بلفظِ الخِطاب. قوله: ((والجِنُّ والإنسُ يموتونَ)) استُدِلَّ به على أنَّ الملائكة لا تموت، ولا حُجَّة فيه، لأنَّه مفهوم لَقَب ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيُعارضه ما هو أقوى منه، وهو عُمُوم قوله تعالى: ﴿قُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، مع أنّه لا مانع من دخولهم في مُسمَّى الجِنّ لجامع ما بينهم من الاستتار عن عُيون الإنس، وقد تقدَّمَت بَقيَّة الكلام عليه في الدَّعَوات وفي الأيمان والنُّدور في الباب المشار إليه منه. ثمَّ ذَكَرَ حديثَ أنس من ثلاثة أوجُه عن قَتَادَةَ، وقد تقدَّم لفظ شُعْبة في تفسير قَ (٤٨٤٨)، وساقَه هنا على لفظ خليفة وهو ابن خَيّاط البصريّ، ولَقَبه شباب بفتح المعجَمة وتخفيف الموحّدة وآخره موخَّدة، ووَقَعَ في رواية شُعْبة عنه: ((لا يزال يُلقَى في النار))، وفي رواية سعيدٍ - وهو ابن أبي عَرُوبة - وسليمانَ - وهو التَّيْمِيُّ والدمُعتَمِر - كلاهما عن قَتَادَةَ: ((لا يزال يُلقَى فيها)) والضَّمير في هذه الرِّواية لغيرِ مذكورٍ قبله، وقد أخرجه أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق العبّاس بن الوليد عن يزيد بن زُرَيع، ومن طريق أبي الأشعَث عن المعتَمِر بهذَينِ السَّنَدَين، وفي أوَّله: ((لا تزال جَهَنَّم يُلقَى فيها)). قوله: ((حتَّى يَضَع فيها رَبُّ العالمينَ قَدمَه)) في رواية أبي الأشعَث: ((حتَّى يَضَعَ الله فيها قَدمَه))، وفي رواية عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيدٍ عند مسلم (٢٨٤٨/ ٣٨): ((حتَّى يَضَع فيها رَبُّ العِزَّة))، ولم يَقَع في رواية شُعْبة بيان مَن يَضَع، وتقدَّم في تفسير سورة قَ (٤٨٤٩) من حديث أبي هريرةَ: ((فَيَضَعِ الرَّبُّ / قَدَمَه عليها)) وذُكِرَ فيه شرحُه، وذُكِرَ مَن رواه بلفظِ ٣٧١/١٣ الرّجل وشرحُه أيضاً. (١) وعجزه: كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ المَنظَرَهْ والرجز لعلي بن أبي طالب، قاله في غزوة خيبر، كما في ((صحيح مسلم)) (١٨٠٧). ٢٥٦ باب ٧/ ح ٧٣٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وتقول: قد قد)) بفتح القاف وسكون الدّال وبكسرها أيضاً بغيرِ إشباع، وذَكَر ابنُ التِّين أنَّها رواية أبي ذَرّ، وتقدَّم في تفسير سورة قَ ذِكرُ مَن رواه بلفظ: ((قَدْني))، ومَن رواه بلفظ: ((قَطْ قَطْ))، وبيان الاختلاف فيها أيضاً وشرحُ معانيها مع بَقَيَّة الحديث. قوله: ((بعِزَّتِك وكَرَمِك)) كذا ثَبَتَ عند الإسماعيليّ في رواية يزيد بن زُرَيِعٍ عن سعيد ابن أبي عَرُوبة، ووَقَعَ في رواية عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد عند مسلم (٢٨٤٨/ ٣٨) بدون قوله: ((وكَرَمِك))(١)، ويُؤخَذ منه مشروعيَّة الْحَلِفِ بكَرَمِ الله كما يُشرَع الحَلِفُ بعِزَّةِ الله. قوله: ((ولا تزال الجنَّة تَفضُلُ)) كذا لهم بصيغةِ الفعل المضارع، ووَقَعَ في رواية المُستَملي بموحّدةٍ مكسورة وفاء مفتوحة وضاد مُعجَمة ساكنة، وكأنَّ الباء للمُصاحبة. قال الكِرْمانيُّ: رَوَى البخاريُّ هذا الحديث من ثلاثة طرق: الأولى: عن شيخه - يعني: ابنَ أبي الأسوَد، واسمه عبد الله بن محمَّد - بالتَّحديث، والثّانية: بالقولِ - يعني قوله: وقال لي خليفة - وكان ينبغي أن يزيد فيه (٢): بالقولِ المصاحب لحَرفِ الجرّ، للفَرقِ بينه وبين القول المجرَّد، قال: والثّالث: بالتَّعليق - يَعني قوله: وعن مُعتَمِر - وهذا (٣) الثّالث ليس تعليقاً، بل هو موصولٌ معطوفٌ على قوله: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، فالتَّقدير: وقال لي خليفة: عن مُعتَمِر، وبهذا جَزَمَ أصحاب ((الأطراف))، قال المِزّيُّ (٣٢٠/١): حديث ((لا يزال يُلقَى ... )) الحديث (خ) في التَّوحيد، قال لي خليفة: عن مُعتَمِر عن أبيه، وقال أبو نُعَيم في ((المستخرَج) بعد تخريجه: رواه البخاريُّ عن خليفة عن يزيد بن زُرَيع عن سعيد، وعن المعتَمِر عن أبيه، قال: وحديثُ سليمان التَّيْمِيِّ غيرُ مرفوع. قلت: وكذا لم يُصرِّح الإسماعيليّ برفعِه لمّا أخرجه من طريق أبي الأشعَث عن المعتَمِر. (١) كذا قال رحمه الله، لكن هذا الكلمة ثابتة في النسخ الخطية التي بين أيدينا من ((صحيح مسلم)). (٢) يعني الكرماني. (٣) في الأصلين و(س): ((لأن هذا»، ولا يستقيم الكلام بذلك، إذ لم يسبق للحافظ كلام يحتاج إلى تعليل، والأنسب للسياق ما أثبتنا، والله أعلم. ٢٥٧ باب ٨/ح ٧٣٨٥ كتاب التوحيد ٨- بابُ قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] ٧٣٨٥- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيج، عن سليمانَ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانَ النبيُّ نَّهِ يَدْعو منَ اللَّيْلِ: «اللهُمَّ لكَ الحمدُ أنتَ رَبُّ السَّماوات والأرضِ، لكَ الحمدُ أنتَ قَيِّم السَّماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، لكَ الحمدُ أنتَ نورُ السَّماوات والأرضِ، قولُكَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حَقٍّ، والجنَّةُ حَقٍّ، والنارُ حَقٍّ، والسّاعةُ حَقٍّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أَنَبْتُ، وبكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمتُ، فاغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أَخَّرتُ، وأسرَرتُ وأعلَنتُ، أنتَ إلهي لا إِلّهَ لِي غيرُكَ)). حدَّثنا ثابتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، بهذا، وقال: ((أنتَ الحقُّ وقولُكَ الحقُّ)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْحَقِّ﴾)) كأنَّه أشارَ بهذه التَّرجمة إلى ما وَرَدَ في تفسير هذه الآية أنَّ معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بكَلِمةِ الحقّ، وهو قوله: ﴿كُنْ﴾، ووَقَعَ في أوَّل حديث الباب: ((قولُك الحقّ)) فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ المراد بالقولِ: الكَلِمة، وهي (كُن))، والله أعلم. ونَقَلَ ابنِ التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ الباء هنا بمعنى اللّام، أي: لأجلِ الحقّ. وقال ابن بَطّال: المراد بالحقِّ هنا ضِدّ الهَزْل، والمراد بالحقِّ في الأسماء الحُسنَى: الموجود الثّابِت الذي لا يَزول ولا يَتغيَّر. وقال الرَّاغِب: الحقّ في الأسماء الحُسنَى الموجِد بحَسَب ما تَقْتَضيه الحِكْمة، قال: ويُقال لكلِّ / موجودٍ من فعلهِ بمُقتَضى الحِكْمة: حَقّ، ويُطلَق على الاعتقاد في الشيء المطابق لما دَلَّ ذلك ٣٧٢/١٣ الشيءُ عليه في نفس الأمر، وعلى الفعلِ الواقع بحَسَب ما يجب قَدراً وزماناً، وكذا القول، ويُطلَق على الواجب واللّازِم والّابِت والجائز. ٢٥٨ باب ٨/ح ٧٣٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ونَقَلَ الْبَيْهَقيُّ في كتاب ((الأسماء والصِّفات)) عن الحَلِيميّ قال: الحقّ ما لا يَسَعُ (١) إنكاره ويَلَزَم إثباته والاعتراف به، ووجود الباري أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يَسَعُ(١) جُحوده إذ لا مُثبَت تَظاهَرَت عليه البَيِّنَةُ الباهرةُ ما تَظاهَرَت على وجودهِ سبحانه وتعالى. وذكر البخاريّ فيه حديث ابن عبّاس في الدُّعاء عند قيام اللّيل، وفيه: «اللهُمَّ لك الحمدُ أنتَ رَبُّ السَّماوات والأرض))، وقد تقدَّم شرحه وبيانُ اختلاف ألفاظه في کتاب التَّهَجُّد (١١٢٠) قُبيل كتاب الجنائز، وذُكِرَ في كتاب الدَّعَوات (٦٣١٧) أيضاً. قال ابن بَطّال: قوله: ((رَبُّ السَّماوات والأرض)) يعني خالق السَّمَوات والأرض، وقوله: ((بالحقِّ)) أي: أنشَأهما بحَقٌّ، وهو كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: عَبَئاً. وقوله في السَّنَد: ((سفيان)) هو الثَّوْريّ، وابن جُرَيج: هو عبد الملك بن عبد العزيز المگّ. وقوله: ((عن سليمان)) هو ابن أبي مُسْلِم الأحوَل المكِّيّ، وفي رواية عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيجٍ: ((أخبَرَني سليمان)) وسيأتي (٧٤٩٩). وقوله في آخره: ((حدَّثنا ثابت بن محمَّد، حدَّثنا سفيان، بهذا)) يعني: بالسَّنَدِ المذكور والمتن. وقوله: ((وقال: أنتَ الحقّ، وقولك الحقّ)) يشير إلى أنَّ رواية قَبِيصَة سَقَطَ منها قوله: ((أنتَ الحقّ))، فإنَّ أوَّلها: ((قولك الحقّ))، وثَبَتَ قوله في أوَّله: ((أنتَ الحقّ)) في رواية ثابت بن محمَّد كما سيأتي سياقه بتمامه (٧٤٤٢) في («باب قوله الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يُؤْمَيِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢])) وكذا في رواية عبد الرَّزّاق المشار إليها، وكذا وَقَعَ في رواية يحيى بن آدم عن سفيان الثَّوْريّ عند النَّسائيِّ (ك٧٦٥٦)، والله أعلم. (١) تحرَّفت في (س) إلى: يسيغ. في الموضعين. ٢٥٩ باب ٩ كتاب التوحيد ٩ - بابٌ ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وقال الأعمَشُ، عن تَميم، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: الحمدُ لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، فأنزلَ الله تعالى على النبيِّ مَ له: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. قوله: ((بابٌ ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾)) قال ابن بَطّال: غَرَض البخاريّ في هذا الباب ٣٧٣/١٣ الردُّ على مَن قال: إنَّ معنى ((سَميع بصير)): عليم، قال: ويَلزَم مَن قال ذلك أن يُسوّيه بالأعمى الذي يَعلَمُ أنَّ السماء خضراء ولا يراها، والأصَمِّ الذي يَعلَمُ أنَّ في الناس أصواتاً ولا يَسمَعُها، ولا شَكَّ أنَّ مَن سَمِعَ وأبصَرَ أَدْخَلُ في صِفَة الكمال مَمَّن انفَرَدَ بأحدِهما دون الآخر، فصَحَّ أنَّ كَونَه سَميعاً بصيراً يُفيد قَدْراً زائداً على كَونِه عليماً، وكَونَه سَميعاً بصيراً يَتَضَمَّن أنَّه يَسمَع بسَمْعِ ويُبِصِر بِبَصَرٍ، كما تَضَمَّنَ كُونُه عليماً أنَّه يَعلَم بعِلم، ولا فرق بين إثبات كَونِهِ سَميعاً بصيراً وبين كَونِه ذا سَمْعٍ وبَصَر، قال: وهذا قول أهل السُّنَّة قاطِبة، انتھی. واحتَجَّ المعتَزِلِيُّ بأنَّ السَّمع يَنشَأ عن وصول الهواء المسموع إلى العَصَب المفروش في أصل الصِّماخ، والله مُنَزَّهُ عن الجَوارح. وأُجيبَ بأنّها عادةٌ أجراها الله تعالى فيمَن يكون حَيّاً، فيَخلُقْه الله عند وصول الهواء إلى المحَلّ المذكور، والله سبحانه وتعالى يَسمَع المسموعات بدون الوَسائط، وكذا يَرَى المرئيّات بدون المُقابلة وخروج الشّعاعِ، فذات الباري مع كَونه حَيّاً موجوداً لا تُشبِهِ الذَّوات، فكذلك صفاتُ ذاتِهِ لا تُشبِهِ الصِّفات. وسيأتي مزيدٌ لهذا في ((باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]))(١) . وقال البَيْهَقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)): السَّميع: مَن له سَمْعٌ يُدرِك به المسموعات، والبصير: مَن له بَصَر يُدرِك به المرئيّات، وكلٌّ منهما في حَقّ الباري صِفَةٌ قائمةٌ بذاته، وقد أفادَت الآية وأحاديث الباب الردّ على مَن زَعَمَ أنَّه سميعٌ بصيرٌ بمعنى: عليم، ثمَّ ساقَ (١) باب رقم (٢٢). ٢٦٠ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري (٣٩٠) حديث أبي هريرةَ الذي أخرجه أبو داود (٤٧٢٨) بسندٍ قويّ على شرط مسلم من رواية أبي يونس عن أبي هريرةَ: رأيتُ رسول الله وَّه يَقْرَؤُها، يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَنَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] ويَضَع إصبَعَيهِ، قال أبو يونس: وَضَعَ أبو هريرةَ إبهامَه على أُذُنُه والتي تليها على عينه. قال البَيْهَقيُّ: وأرادَ بهذه الإشارة تَّحقيقَ إثبات السَّمْع والبَصَر لله ببيان محلّهما من الإنسان، يريد أنَّ له سَمعاً وبَصَراً لا أنَّ المراد به العلم، فلو كان كذلك لَأشارَ إلى القلب، لأنَّه محلّ العلم، ولم يُرِد بذلك الجارحَة، فإنَّ الله تعالى مُنَزَّةٌ عن مُشابَهَة المخلوقينَ. ثمَّ ذكر لحديثِ أبي هريرةَ شاهداً من حديث عُقْبة بن عامر: سمعت رسول الله وَّل يقول على المِنْبَرَ: ((إنَّ رَبّنا سَميع بصير)) وأشارَ إلى عينَهِ، وسنده حسن(١)، وسيأتي في ((باب ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾ [طه: ٣٩)) حديث (٧٤٠٧): ((إِنَّ اللّه ليس بأعوَر)) وأشارَ بَيَدِه إلى عينه، وسيأتي شرح ذاكَ هناك، وفي ((صحيح مسلم)) (٢٥٦٤) عن أبي هريرةَ رَفَعَه: ((إِنَّ الله لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكنْ يَنظُر إلى قلوبكم))، وفي حديث أبي جُرَيِّ الْهُجَيميِّ رَفَعَه: ((إنَّ رجلاً مَمَّن كان قبلكم لَبِسَ بُردَتَينِ فَتَبَخْتَر فيهما، فَنَظَرَ الله إليه فمَقَتَه))، الحديث(٢). وقد مضى في اللِّباس (٥٧٩١) حديثُ ابن عمر رَفَعَهُ: ((لا يَنظُر الله إلى مَن جَرّ ثَوبِه خُيَلاء)، وفي الكتاب العزيز ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ووَرَدَ في السَّمْع قول المصلّي: ((سَمِعَ الله لمن حَدَه)) وسنده صحيح مُتَّفَق عليه(٣)، بل مقطوع بمشروعيَّتِّه في الصلاة. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث: أحدها: قوله: ((وقال الأعمَش: عن تميم)) هو ابن سَلَمةَ الكوفيّ، تابعيٌّ صغير، وثَّقه (١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)) ٥١٦/١، والطبراني في (الكبير)) ١٧/ (٧٧٥)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، ولم نقف عليه في المطبوع من كتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي. (٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في ((الكبير)) (٦٣٨٤)، وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)) (٢٠٦٣٥). (٣) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة.