Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ باب ١٠/ح ٧٣١٢ كتاب الاعتصام أو حتَّى يَأْيَ أمرُ الله)). قوله: ((بابٌ لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرينَ على الحقّ)) هذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه مسلم (١٩٢٠) عن ثَوْبان، وبعده: ((لا يَضُرّهم مَن خَذَلَم، حتَّى يأتيَ أمر الله وهم كذلك)»، وله (١٥٦ و١٩٢٣) من حديث جابر مِثلُه، لكن قال: «يقاتلونَ على الحقّ ظاهرینَ إلى يوم القيامة))، وله (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية المذكور في الباب نحوه. قوله: ((وهم أهل العِلْم)) هو من كلام المصنِّف، وأخرج التِّرمِذيّ (٢١٩٢) حديث الباب(١) ثمّ قال: سمعت محمَّد بنَ إسماعيل - هو البخاريّ - يقول: سمعت عليّ بن المَدِيني يقول: هم أصحاب الحديث، وذكر في كتاب ((خلق أفعال العباد)) عَقِب حديث أبي سعيد (٢٠٧) في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: هم الطّائفة المذكورة في حديث: ((لا تزال طائفة من أمَّتي))، ثمَّ ساقَه (٢٠٩) وقال: وجاءَ نحوه عن أبي هريرةَ ومعاوية وجابر وسَلَمَةَ بن نُفَيل وقُرَّة بن إياس، انتهى. وأخرج الحاكم في ((علوم الحديث)) بسندٍ صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَن هم، ومن طريق يزيد بن هارون مِثله. وزَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّه استَفادَ ذلك من حديث معاوية، لأنَّ فيه: ((مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْه في الدّين)) ، وهو في غاية البُعد، وقال الكِرْمانيُّ: يُؤخَذ من الاستقامة المذكورة في الحديث الثّاني، إذْ من ◌ُملة الاستقامة أن يكون التفقُّه، لأنَّه الأصل، قال: وبهذا ترتَبِط / الأخبار المذكورة في حديث معاوية، لأنَّ ٢٩٤/١٣ الإنفاق(٢) لا بدَّ منه؛ أي: المشار إليه بقوله: ((وإنَّما أنا قاسم ويُعطي اللهُ عزَّ وجلَّ)). قوله: ((حدَّثْنا عُبيد الله بن موسى)) هو العَبْسيّ - بالموخَّدِ ثمَّ المهملة - الكوفيّ، من کِبار شيوخ البخاريّ، وهو من أتباع التّابعينَ، وشيخه في هذا الحديث إسماعيل: هو ابن أبي خالد تابعيٌّ مشهور، وشيخ إسماعيلَ قيسُ: هو ابن أبي حازم، من كِبار التّابعين، وهو (١) من حديث قرة بن إياس. (٢) تصحَّفت في (س) إلى: الاتفاق. ١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري مُحَضَرَم أدرَكَ النبيَّ نَّه ولم يَرَه، ولهذا الإسناد حكمُ الثَّلاثيّات وإن كان رُباعيّاً، وقد تقدَّم بعد علامات النبوَّة ببابَينِ (٣٦٤٠) من رواية يحيى القَطّان عن إسماعيل أنزَلَ من هذا بدرجةٍ، ورجال سَنَد الباب كلُّهم كوفيّونَ، لأنَّ المغيرة وليَ إمرةَ الكوفة غير مرَّة، وكانت وفاتُه بها، وقد اتَّفَقَ الرُّواة عن إسماعيل على أنَّه عن قيس عن المغيرة، وخالَفَهم أبو معاوية فقال: عن سعيد، بَدَل المغيرة، فأورَدَه أبو إسماعيل الهَرَويُّ في ((ذَمّ الكلام))، وقال: الصَّواب قول الجماعة: عن المغيرة، وحديث سعدٍ عند مسلم (١٧٧/١٩٢٥) لكن من طریق أبي(١) عثمان عن سعد. قوله: ((لا تزال)) بالمثنَّةِ أوَّلَه، وفي رواية مسلم (١٩٢١) من طريق مروان الفَزَاريُّ عن إسماعيل: ((لن يزالَ قوم)) وهذه بالتَّحتانيَّةِ والباقي مِثْلُه، لكن زادَ: ((ظاهرينَ على الناس)). قوله: ((حتَّى يَأْتِيَهم أمرُ الله وهم ظاهرونَ)) أي: على مَن خالَفَهم، أي: غالبونَ، أو المراد بالظُّهورِ أنَّهم غير مُستَئِرِينَ بل مشهورونَ، والأوَّل أَولى، وقد وَقَعَ عند مسلم (١٩٢٢) من حديث جابر بن سَمُرة: ((لن يَبْرَحَ هذا الدّينُ قائماً تقاتل عليه عِصابةٌ من المسلمينَ حتَّى تقوم السّاعة))، وله (١٩٢٤) في حديث عُقْبة بن عامر: ((لا تزال عِصابة من أمَّتي يقاتلونَ على أمر الله قاهرينَ لعدوِّهم، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم حتَّى تأتيَهم السّاعة)). وقد ذَكَرتُ الجمعَ بينه وبين حديث: ((لا تقوم السّاعة إلّا على شِرَار الناس)) في أواخر كتاب الفتن(٢)، والقصَّة التي أخرجها مسلم (١٩٢٤) أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو: ((لا تقوم السّاعة إلّا على شِرار الخلق، هم شَرٌّ من أهل الجاهليَّة، لا يَدعُونَ اللهَ بشيءٍ إلّا رَدَّه عليهم))، ومُعارَضَة عُقْبة بن عامر له بهذا الحديث، فقال عبد الله: أجَلْ، ثمَّ يَبعَث الله ريحاً كريحِ المِسك، فلا تَتُك نفساً في قلبه مثقالُ حَبَّ من إيمان إلّا قَبَضَته، ثُمَّ يَبقَى شِرار الناس عليهم تقوم السّاعة. (١) تحرَّفت في (س) إلى: ابن. (٢) عند شرح الحديث رقم (٧١١٦). ١٠٣ باب ١٠/ح ٧٣١٢ كتاب الاعتصام وقد أشرت إلى هذا قريباً في الكلام على حديث قَبض العلم (٧٣٠٧)، وأنَّ هذا أَولى ما يُتَمسَّك به في الجمع بين الحديثَينِ المذكورَين، وذَكَرتُ ما نَقَلَه ابن بَطّال عن الطَّبَرِيِّ في الجمع بينهما: أنَّ شرار الناس الذينَ تقوم عليهم السّاعة يكونون بموضعٍ مخصوص، وأنَّ موضعاً آخر يكون به طائفة يقاتلونَ على الحقّ لا يَضُرّهم مَن خالَفَهم. ثمَّ أورَدَ من حديث أبي أُمامةَ نحوَ حديث الباب، وزاد فيه: قيلَ: يا رسول الله، وأينَ هم؟ قال: ((بيت المقدِس))(١) وأطالَ في تقرير ذلك، وذكرتُ أنَّ المراد بأمرِ الله: هُبوب تلك الرّيح، وأنَّ المراد بقيام السّاعة: ساعَتُهم، وأنَّ المراد بالذينَ يكونون ببيت المقدس: الذينَ يَحصُرهم الدَّجّال إذا خَرَجَ، فَيَنزِل عيسى إليهم فيقتل الدَّجّال، ويَظهَر الدِّين في زمن عيسى، ثمَّ بعد موت عيسى تَهُبّ الرّيح المذكورة، فهذا هو المعتمَد في الجمع، والعلم عند الله تعالى. قوله: (حدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أویس، وابن وَهْب: هو عبد الله، ویونس: هو ابن یزید، وُميدُ: هو ابن عبد الرّحمن بن عَوف. قوله: ((سمعت معاوية بن أبي سُفْيان يخطُب)) في رواية عُمَير بن هانئ: سمعت معاوية على المِنِبَرَ يقول (٢)، وقد مضى في علامات النبوَّة (٣٦٤١)، ويأتي في التَّوحيد (٧٤٦٠)، وفي رواية يزيد بن الأصَمّ: سمعت معاوية، وذكر حديثاً، ولم أسمعه رَوَى عن النبيّ ◌َّ على مِنْبَرَه حديثاً غيره، أخرجه مسلمٌ (١٧٥/١٩٢٣). قوله: ((مَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهْه في الدّين)) تقدَّم شرح هذا في كتاب العلم (٧١)، وقوله: ((وإنَّما أنا قاسمٌ ويُعطي اللهُ)) تقدَّم في العلم بلفظ: ((والله المعطي))، وفي فرض الخُمُس من وجه آخَر (٣١١٦): ((والله المعطي وأنا القاسم)) وتقدَّم شرحه هناك أيضاً. قوله: ((ولن يزال أمر هذه الأُمَّة مستقيماً حتَّى تقومَ السّاعة، أو حتَّى يأتيَ أمرُ الله)) في / رواية ٢٩٥/١٣ عُمَير بن هانئ: ((لا تزال طائفة من أمَّتي قائمةً بأمرِ الله)) وتقدَّم بعد بابينٍ من باب علامات (١) انظر تخريجه والكلام عليه في «مسندأحمد)) (٢٢٣٢٠). (٢) هي بهذا اللفظ عند مسلم (١٩٢٣) (١٧٤). ١٠٤ باب ١٠/ح ٧٣١٢ فتح الباري بشرح البخاري النبوّة (٣٦٤١) من هذا الوجه بلفظ: ((لا يزال من أمَّتي أمَّة قائمة بأمرِ الله، لا يَضُرّهم مَن خَذَلَم حتَّى يأتيَهم أمر الله وهم على ذلك)) وزاد: قال عُمَير: فقال مالك بن يُامِر: قال معاذ: ((وهم بالشّام))، وفي رواية يزيد بن الأصَمّ: ((ولا تزال عِصابة من المسلمينَ ظاهرينَ على مَن ناوَأهم إلى يوم القيامة)). قال صاحب ((المشارق)) في قوله: ((لا يزال أهل الغَرْب)) - يعني: الرِّواية التي في بعض طرق مسلم (١٩٢٥)، وهي بفتح الغَين المعجمة وسكون الرَّاء: ذكر يعقوبُ بن شَيْبة عن عليّ ابن المَدِيني قال: المراد بالغَرْب: الدَّلْو، أي: العَرَب بفتح المهمَلتَينِ؛ لأنَّهم أصحابها لا يَستَقي بها أحد غيرهم، لكن في حديث معاذ: ((وهم أهل الشّام))، فالظّاهر أنَّ المراد بالغَرْب البلد؛ لأنَّ الشّامِ غَربيّ الحِجاز؛ كذا قال، وليس بواضحٍ. ووَقَعَ في بعض طرق الحديث: ((المغرب)) بفتح الميم وسكون المعجَمة(١)، وهذا يَرُدّ تأويلَ الغَرْب بالعرب، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نَقَلَه بالمعنى الذي فَهِمَه أنَّ المراد الإقليمُ لا صِفَة بعض أهله، وقيل: المراد بالغَربِ أهل القوَّة والاجتهاد في الجهاد، يقال: في لسانه غَرْب، بفتح ثمَّ سكون، أي: حِدَّة، ووَقَعَ في حديث أبي أُمامةَ عند أحمد (٢٢٣٢٠): ((أَّهم ببيتِ المقدِس)) وأفاد بنسبتِه (٢) إلى المقدِس، وللطَّبَرانيّ (٧٥٤/٢٠) من حديث البَهْزي(٣) نحوه، وفي حديث أبي هريرةَ في («الأوسط)) (٤٧) للطَّبَرانيّ: ((يقاتلونَ على أبواب دِمَشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولَه، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَم، ظاهرينَ إلى يوم القيامة)) (٤). قلت: ويُمكِن الجمعُ بين الأخبار بأنَّ المراد قوم يكونون ببيتِ المقدِس، وهي شاميَّة، (١) وقع هذا في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي عوانة (٧٥١٠) وغيره. (٢) قوله: ((وأفاد بنسبته)) تحرَّف في (س) إلى: وأضاف بيت. (٣) تحرفت في (س) إلى: النَّهدي. (٤) وإسناده ضعيف لا يصح، وأخرجه أيضاً أبو يعلى في («مسنده)) (٦٤١٧)، وابن عدي في ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٧/ ٨٤. ١٠٥ باب ١٠/ح ٧٣١٢ كتاب الاعتصام ويَسقُونَ بالدَّلو، وتكون لهم قوَّة في جهاد العدوّ وحِدَّةٌ وجِدٌّ. تنبيه: أَتَّفَقَ الشُّرَاحِ على أنَّ معنى قوله: ((على مَن خالَفَهم)) أنَّ المرادِ عُلوُّهم عليهم بالغَلَبَةِ، وأبعَدَ مَن أبدَعَ فَرَدَّ على مَن جَعَلَ ذلك مَنقَبةً لأهل الغَرْبِ أَنَّه مَذَمَّة، لأنَّ المراد بقوله: ((ظاهرينَ على الحقّ)) أنَّهم غالبونَ له، وأنَّ الحقّ بين أيديهم كالميِّت، وأنَّ المراد بالحديث ذُّ الغَرْب وأهله لا مدحهم. قال النَّوَويّ: فيه أنَّ الإجماع حُجَّة، ثمَّ قال: يجوز أن تكون الطّائفة جماعةً متعدِّدة من أنواع المؤمنينَ ما بين شجاع، وبصير بالحربِ، وفقيه، وحُدِّث، ومُفسِّر، وقائم بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يَلزَمُ أن يكونوا مُجْتَمعينَ في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قُطْر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعضٍ منه دون بعض، ويجوز إخلاءُ الأرض كلِّها من بعضهم أوَّلاً فأوَّلاً إلى أن لا يَبقَى إلّا فِرْقة واحدة ببلدٍ واحد، فإذا انقَرَضوا جاءَ أمر الله، انتهى مُلخَّصاً معَ زیادة فيه. ونَظِير ما نَّه عليه ما ◌َلَ عليه بعضُ الأئمّة حديث: ((إنَّ الله يَبعَث لهذه الأمَّة على رأس كلّ مئة سنة مَن يُجِدِّد لها دينَها))(١) أنَّه لا يَلزم أن يكون في رأس كلّ مئة سنةٍ واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطّائفة، وهو مُتَّجِه، فإنَّ اجتماع الصِّفات المحتاج إلى تجديدها لا يَنحَصِر في نوع من أنواع الخير، ولا يَلزَم أنَّ جميع خصال الخير كلّها في شخص واحد، إلّا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنَّه كان القائمَ بالأمرِ على رأس المئة الأولى باتِّصافه بجميع صفات الخير وتَقَدُّمه فيها، ومن ثَمَّ أطلَقَ أحمدُ أنَّهم كانوا يَحمِلونَ الحديث عليه، وأمّا مَن جاءَ بعده فالشافعيُّ وإن كان مُتَّصِفاً بالصِّفات الجميلة، إلّا أنَّه لم يكن القائمَ بأمرِ الجهاد والحُكْم بالعَدْل، فعلى هذا كلّ مَن كان مُتَّصِفاً بشيءٍ من ذلك عند رأس المئة هو المراد، سواء تَعدَّدَ أم لا. (١) أخرجه أبو داود (٤٢٩١) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح. ١٠٦ باب ١١/ح ٧٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري ١١ - بابٌ في قولِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] ٧٣١٣ - حدَّثْنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقولُ/ لمَّا نَزلَ على رسولِ الله ◌َّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن ٢٩٦/١٣ فَوْقِكُمْ﴾ قال: ((أَعوذُ بوجهِكَ)) ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: ((أَعوذُ بوجهِكَ))، فلمَّا نَزَّلَت: ﴿أَوْ يَلِْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: ((هاتانِ أهَوَنُ - أو أيسَرُ)). قوله: ((بابٌ في قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلِْسَكُمْ شِيَعًا﴾)» ذكر فيه حديث جابر في نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في تفسير سورة الأنعام (٤٦٢٨)، ووجه مُناسَبته لما قبلَه أنَّ ظُهور بعض الأُمَّة على عدوِّهم دونَ بعض يقتضي أنَّ بينهم اختلافاً، حتَّى انفَرَدَت طائفة منهم بالوصف، لأنَّ غَلَبة الطّائفة المذكورة إن كانت على الكفَّار، ثَبَتَ المدَّعَى، وإن كانت على طائفة من هذه الأُمَّة أيضاً، فهو أظهَرُ في ثُبُوت الاختلاف، فذُكِرَ بعده أصل وقوع الاختلاف وأنَّه وََّ كان يريد أن لا يَقَع، فأعلَمَه الله تعالى أنَّه قَضَى بوقوعِه، وأنَّ كلّ ما قَدَّرَه لا سبيل إلى دفعه(١). قال ابن بَطّال: أجابَ الله تعالى دعاءَ نبيّه في عَدَم استئصال أمَّته بالعذاب، ولم يُحِبه في أن لا يُلبَسهم شِيَعاً، أي: فِرَقاً مُخْتَلِفِينَ، وأن لا يُذيقَ بعضهم بأس بعض، أي: بالحربِ والقتل بسببٍ ذلك، وإن كان ذلك من عذاب الله، لكنَّه أخَفُّ من الاستئصال، وفيه للمُؤمِنينَ كفَّارة. ١٢ - باب مَن شَبَّهَ أصلاً معلوماً بأصلٍ مُبَيَّنٍ وقد بيَّن النبي ◌ِِّ حكمَهما ليُفهِمَ السّائلَ ٧٣١٤- حدَّثْنا أصبَغُ بنُّ الفَرَج، حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُرَيرةَ: أَنَّ أعرابيّاً أَتَى رسولَ الله وَّمِ فقال: إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاماً أسوَدَ، وإنّي أنكَرتُه، فقال له رسولُ الله ◌ِهِ: ((هَلْ لكَ مِن إبلٍ؟)) قال: نَعَم، قال: ((فما (١) تحرَّفت في (س) إلى: رفعه. ١٠٧ باب ١٢/ح ٧٣١٤ -٧٣١٥ كتاب الاعتصام ألْوانُها؟» قال: حُمْرٌ، قال: ((هَلْ فيها مِن أَوْرَقَ؟)) قال: إنَّ فيها لَوُرْقاً، قال: ((فَأَنَّى تُرَى ذلك جاءَها؟)) قال: يا رسولَ الله، عِرْقٌ نَزَعَها، قال: ((ولعلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَه)) ولم يُرخِّصْ له في الانتفاء منه. ٧٣١٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ مُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسِ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى النبيِّ وَّه فقالت: إنَّ أمّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجّ، فماتتْ قبلَ أنْ تَحَّ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: ((نَعَم حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّكِ دَينٌ أكنتِ قاضيَتَه؟» قالت: نَعَم، فقال: ((فاقْضُوا الذي له، فإنَّ الله أحَقُّ بالوَفاءِ)). قوله: ((باب مَن شَبَّ أصلاً معلوماً بأصلٍ مُّبِيَّن، وقد بيَّن النبيّ ◌َّرَ حُكمَهما ليُفهِمَ السّائل» في رواية الكُشمِيهَنِيِّ والإسماعيليّ والجُرْجانيّ: قد بيَّن الله، بحذفِ ((الواو)» وبحذفٍ (النبيّ))، والأوَّل أَولى، وحذفُ الواو يوافق ترجمة المصنّف الماضية(١)، قال: ممَّا عَلَّمَه الله ليس برأيٍ ولا تمثيل، أي: أنَّ الذي وَرَدَ عنه من التَّمثيل إنَّما هو تشبيه أصل بأصلٍ، والمشبَّه أخفَى عند السّائل من المشبّه به، وفائدة التَّشبيه التَّقريب لفَهْم السّائل، وأورَدَه النَّسَفي(٢) بلفظ: ((مَن / شَبَّ أصلاً معلوماً بأصلِ مُبهَم، قد بيَّن الله حكمهما، ليُفهِم السائل))، وهذا ٢٩٧/١٣ أوضحُ في المراد. ذكر فيه حديث أبي هريرةَ في قصَّة الذي قال: إنَّ امرأتي وَلدَت غلاماً أسود، وقد تقدَّمَت الإشارة إليه قريباً(٣)، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللِّعان (٥٣٠٥). وحديث ابن عبّاس في قصَّة المرأة التي ذكرت أنَّ أمّها نَذَرَت أن تَحُجّ فماتت: أفأحُجُ عنها؟ وقد تقدَّمَت الإشارة إليه قريباً أيضاً، وتقدَّم شرحه مُستَوَ في الحجّ (١٨٥٢). (١) يعني الباب رقم (٩). (٢) تحرَّف في (س) إلى: النسائي. (٣) في أواخر شرح الباب رقم (٨). ١٠٨ باب ١٢/ح ٧٣١٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطّال: التَّشبيه والتَّمثيل هو القياس عند العرب، وقد احتَجَّ المُزَنِيُّ بهذَينِ الحديثَينِ على مَن أنكَرَ القياس، قال: وأوَّل مَن أنكَرَ القياس إبراهيمُ النَّظَّام وتَبِعَه بعض المعتَزِلة، وثمَّن يُنسَب إلى الفقه داودُ بن عليّ، وما اتَّفَقَ عليه الجماعة هو الحُجَّة، فقد قاسَ الصَّحابة فمَن بعدهم من التّابعينَ وفُقَهاء الأمصار، وبالله التَّوفيق، وتَعقَّبَ بعضهم الأوَّلِيَّةَ التي اذَّعاها ابن بَطّال بأنَّ إنكار القياس ثَبَتَ عن ابن مسعود من الصَّحابة، ومن التّابعينَ عن عامر الشَّعْبيّ من فُقهاء الكوفة، وعن محمَّد بن سِيرِين من فُقهاء البصرة. وقال الكِرْمانيُّ: عَقْدُ هذا الباب وما فيه يَدُلّ على صِحَّة القياس، وأنَّه ليس مذموماً، لكن لو قال: مَن شَبَّه أمراً معلوماً، لَوافَقَ اصطلاحَ أهل القياس، قال: وأمّا الباب الماضي المشعِرِ بذَمِّ القياس وكراهته، فطريق الجمع بينهما أنَّ القياس على نوعين: صحيح، وهو المشتَمِل على جميع الشَّرائط، وفاسِد، وهو بخِلَاف ذلك، فالمذموم هو الفاسِد، وأمّا الصَّحیح فلا مَذَمَّة فیه بل هو مأمور به، انتھی. وقد ذكر الشافعيّ شرطَ مَن له أن يقيس فقال: يُشتَرَط أن يكون عالماً بالأحكام من كتاب الله تعالى وبناسخِه ومنسوخه وعامّه وخاصّه، ويَستَدِلّ على ما احتَمَلَ التَّأويلَ بالسُّنَّةِ وبالإجماع، فإن لم يكن فبالقياسِ على ما في الكتاب، فإن لم يكن فبالقياسِ على ما في السُّنَّة، فإن لم يكن فبالقياسِ على ما اتَّفَقَ عليه السَّلَف وإجماع الناس ولم يُعرَف له مُخَالِف. قال: ولا يجوز القولُ في شيء من العلم إلّا من هذه الأوجُه، ولا يكون لأحدٍ أن يقيسَ حتَّى يكون عالماً بما مضى قبله من السُّنَن، وأقاويل السَّلَف، وإجماع الناس واختلاف العلماء، ولسان العرب، ويكون صحيح العقل ليُفرِّق بين المشتَبِهات ولا يَعجَل، ويَستَمِع ◌َمَّن خالَفَه ليَتَنَبَّه بذلك على غَفلةٍ إن كانت، وأن يَبلُغ غایة جَهْده، ويُنصِف من نفسه حتَّی يُعرَفَ من أينَ قال ما قال. ١٠٩ باب ١٢/ح ٧٣١٥ كتاب الاعتصام والاختلاف على وجهَينٍ: فما كان منصوصاً، لم يَحِلَّ فيه الاختلاف عليه، وما كان يحتمل التَّأويل أو يُدرَكُ قياساً فذهب المتأوِّل أو القائس إلى معنَى يحتمل وخالَفَه غيره، لم أقلْ: إِنَّه يُضَيَّق عليه ضِيقَ المخالِفِ للنَّصّ، وإذا قاسَ مَن له القياس فاختَلَفوا، وَسِعَ كلّا أن يقول بمَبلَغِ اجتهاده، ولم يَسَعه اتِّائعُ غيره فیما أدّاه إليه اجتهاده. وقال ابن عبد البَرّ في ((بيان العلم)» بعد أن ساقَ هذا الفصل: قد أتى الشافعيُّ رحمه الله في هذا الباب بما فيه كِفايةٌ وشِفاء، والله الموفقِّق. وقال ابن العربيّ وغيره: القرآن هو الأصل، فإن كانت دلالتُه خَفيَّة، نُظِرَ في السُّنَّة، فإن بيَّنَتَه وإلّا فالجَليُّ من السُّنَّة، وإن كانت الدّلالة منها خَفيَّة، نُظِرَ فيما اتَّفَقَ عليه الصَّحابة، فإن اختَلَفُوا رَجَّحَ، فإن لم يُوجَد عَمِلَ بما يُشبِهِ نَصَّ الكتاب والسُّنة، ثمَّ السُّنَّة، ثُمَّ الاتِّفاق، ثمَّ الرَّاجح؛ كما سُقتُه عنه في شرح حديث أنس: ((لا يأتي عام إلّ والذي بعده شَر منه)) في أوائل كتاب الفتن (٧٠٦٨). وأنشَدَ ابن عبد البَرّ لأبي محمَّد اليزيديّ النَّحويّ المقرِئ المشهور برواية أبي عمرو بن العلاء، من أبيات طويلة في إثبات القياس: لا تكن كالحمار تَحمِلُ أسْفا راًكما قد قرأتَ في القرآنِ إنَّ هذا القياس في كلِّ أمرٍ عندَ أهل العقول كالميزانِ لا يجوز القياسُ في الدِّين إلّ لفقيهِ لدينِه صَوّانِ/ عن فلان وقولُه عن فلانٍ لیس یُغني عن جاهل قولُ راوٍ إن أتاه مُستَرشدٌ أفتاه بحديثَينِ فيهما مَعنّيَانِ إنَّ من تَحمِل الحديثَ ولا يَعـــرِفُ فيه المرادَ كالصَّيدَلاني حَكَّمَ اللهُ في الجزاء ذَوَيْ عَدْ لٍ لِذِي الصَّيدِ بالذي يَرَیانِ قال فيه فليَحكُمِ العَدْلانِ لم يُوقِّت ولم يُسمِّ ولكنْ ولنا في النبيِّ صَلَّى عليه اللَّهُ والصالحون كلَّ أوانٍ ٢٩٨/١٣ ١١٠ باب ١٢/ ح ٧٣١٥ فتح الباري بشرح البخاري اقضٍ بالرَّأي إن أتى الخَصْمانِ أُسوَةٌ في مقالةٍ لمعاذٍ إلى الأشعَريِّ في تِبیانِ وكتابِ الفاروقِ يرحمه الله ثمَّ قُلْ بالصَّوابِ والعِرفانِ قِسْ إذا أشكَلَتْ عليك أُمورٌ وتَعقَّبَ بعضهم الأوَّليَّةَ التي اذَّعاها ابن بَطّال بأنَّ إنكار القياس ثَبَتَ عن ابن مسعود من الصَّحابة، ومن الّابعينَ عن عامر الشَّعْبيّ من فُقَهاء الكوفة، وعن محمّد بن سِيرِين من فُقَهاء البصرة وذلك مشهور عنهم (١)، نَقَلَه ابن عبد البَرّ ومِن قبله الدَّارِميُّ وغيره عنهم وعن غيرهم، والمذهَب المعتدِل ما قاله الشافعيّ: إنَّ القياس مشروع عند الضَّرورة، لا أنَّه أصلٌ برأسِه. ١٣ - باب ما جاءَ في اجتهادِ القَضاءِ بما أنزلَ الله تعالى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ومَدَحَ النبيُّ نَّهِ صاحبَ الحِكْمة حينَ يقضي بها ويُعلِّمُها ولا يتكلَّفُ مِن قِبَلِهِ ومُشاوَرةِ الخلفاءِ وسؤالِهم أهلَ العِلْم ٧٣١٦- حدَّثْنَا شِهَابُ بنُ عبَّادٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُميدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن عبدِ الله قال: قال رسولُ الله وَّ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه اللهُ مالاً فسُلِّطَ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، وآخرُ آتاه اللهُ حِكْمةً فهو يَقْضى بها ويُعلِّمُها». ٧٣١٧- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ قال: سألَ عمرُ بنُ الخطَّب عن إِمْلاصِ المرأةِ: هي التي يُضرَبُ بَطنُها فتُلْقي جَنِيناً، فقال: أَيُّكُم سَمِعَ منَ النبيِّ وَِّ فيه شيئاً؟ فقلتُ: أنا، فقال: ما هو؟ قلتُ: سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقولُ: ((فيه غُرّةٌ، عبدٌ أو أَمَةٌ))، فقال: لا تَبَرَحْ حتَّى تَجِئَنِي بِالمَخْرَجِ فیما قلتَ. ٧٣١٨- فخَرَجتُ فَوَجَدتُ محمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، فِئتُ به فشَهِدَ معي: أنَّ سَمِعَ النبيَّ ◌َل يقولُ: ((فيه غُرَّةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ)). (١) سلفت الإشارة إلى هذا التعقب عند إيراد قول ابن بطال قبل قليل. ١١١ باب ١٣/ح ٧٣١٦ -٧٣١٨ كتاب الاعتصام تابَعَه ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، عن عُرْوةَ، عن المغيرةِ. ٢٩٩/١٣ قوله: ((باب ما جاءَ في اجتهاد القَضَاء)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ وابن بَطّال وطائفة: القَضَاء بفتح أوَّله والمدّ وإضافة الاجتهاد إليه بمعنى الاجتهاد فيه، والمعنى: الاجتهاد في الحُكم بما أنزلَ الله تعالى، أو فيه حذف تقديره: اجتهاد مُتَوَلّ القضاء، ووَقَعَ في رواية غيرهم: ((القُضاة» بصيغةِ الجمع، وهو واضح لكن سيأتي بعد قليل التَّرجمة لاجتهادِ الحاكم فيَلزَم التَّكرار، والاجتهاد: بَذْل الْجَهْد في الطَّلَب، واصطلاحاً: بَذْل الوُسْع للتَّوصُّل إلى معرفة الحُكم الشَّرعيّ. قوله: (بما أَنزَلَ الله، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾) كذا للأكثر، وللنَّسَفيِّ: ﴿بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ الآية، وترجَمَ في أوائل الأحكام (٧١٤١) للحديث الأوَّل من الباب ((أجر مَن قَضَى بالحِكْمَةِ، لقولِ الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧])) وفيه إشارة إلى أنَّ الوصف بالصِّفتَينِ ليس واحداً، خِلَافاً لمن قال: إحداهما في النَّصارى، والأُخرى في المسلمين، والأُولى لليهودِ، والأظهَرُ العُموم، واقتَصَرَ المصنِّف على تِلاوَة الآيتَينِ لإمكان تَناوُلهما المسلمينَ بخِلَاف الأُولى، فإنََّا فِي حَقّ مَن استَحلَّ الحُكم بخِلَاف ما أنزلَ الله تعالى، وأمّا الآخِرَتان فهما لأعمَّ من ذلك. قوله: ((ومَدَحَ النبيُّ ◌َّهِ صاحبَ الِحِكْمَة حين يَقْضى بها ويُعلِّمُها ولا يتكلَّف مِن قِله)) يجوز في مَدَح فتح الدّال على أنَّه فعل ماضٍ، ويجوز تسكينها على أنَّه اسم والحاء مجرورة، وهو مُضاف للفاعل، واختُلِفَ في ضبط ((قِبَله))، فلِلأكثرِ بفتح الموحّدة بعد القاف المكسورة، أي: من جِهَته، وللكُشمِيهَنيّ بتحتانيَّةٍ ساكنة بَدَل الموحَّدة، أي: من كلامه، وعند النَّسَفيِّ: من قِبَل نفسه. قوله: ((ومُشاوَرةٍ الخلفاء وسؤالهم أهلَ العِلْم)) ذكر فيه حديثَينِ: الأوَّل للشِّقِّ الأوَّل، والثّاني للثّاني. الأول: حديث ابن مسعود: «لا حَسَد إلّا في اثنتَينٍ)) وقد تقدَّم سَنَداً ومَتناً في أوَّل كتاب ١١٢ باب ١٣/ح ٧٣١٨ فتح الباري بشرح البخاري الأحكام (٧١٤١)، وترجَمَ له: أجر مَن قَضَى بالحِكْمة، وتقدَّم الكلام عليه ثَمَّةَ. ثانيهما: حديث المغيرة قال: سألَ عمرُ عن إملاص المرأة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في أواخر الدّيَات (٦٩٠٧) أخرجه عالياً عن عُبيد الله بن موسى عن هشام بن عُرْوة، ومن وجهَينٍ آخَرَینِ (٦٩٠٥ و ٦٩٠٨) عن هشام. وقوله هنا: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن سَلَامٍ كما جَزَمَ به ابن السَّكَن. وقد أخرج البخاريّ في النِّكاح (٥٢٠٦) حديثاً عن محمّد بن سَلَام منسوباً لأبيه عند الجميع عن أبي معاوية، فهذه قَرِينة تُؤيِّد قولَ ابن السَّكَن، واحتمالُ كَونِه محمَّد بن المشَّى بعيد، وإن كان أخرج في الطَّهارة (٢١٨) عن محمَّد بن خازِم بمُعجَمتَينِ حديثاً، وهو أبو معاوية، لكنَّ المهمَلَ إنَّما يُحمَل على مَن يكون لمن أهملَه به اختصاص، واختصاص البخاريِّ بمحمَّدٍ بن سَلّامٍ مشهور. وقوله في آخره: ((تابَعَه ابن أبي الزِّناد)) يعني: عبد الرَّحمن ((عن أبيه)) وهو عبد الله بن ذَكْوانَ، وهو بكُنَتِه أشهر، وسَقَطَ هذا للنَّسَفيّ. قوله: ((عن عُرْوة، عن المغيرة)) كذا للأكثرِ وهو الصَّواب، ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنيِّ: عن الأعرج عن أبي هريرةَ، وهو غَلَط، فقد رُويناه موصولاً عن البخاريّ نفسه، وهو في الجزء الثّالث عشر من ((فوائد الأصبهانيّين)) عن المحامليّ، قال: حدَّنا محمَّد بن إسماعيل البخاريّ حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسِيّ حدَّثني ابن أبي الزِّناد عن أبيه عن عُرْوة عن المغيرة، وكذلك أخرجه الطََّرانيّ(١) من وجه آخرَ عن عبد الرّحمن بن أبي الزِّناد، ولم يُنبِّه الحميديّ في (الجمع)) ولا المِّيُّ في ((الأطراف)) ولا أحدٌ من الشُّرّاح على هذا الموضع. (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) مرتين ٢٠/ (٨٨٣) و(١٠٥٧) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، لكنه وضعه في المرة الأولى في ترجمة عروة بن المغيرة عن المغيرة، والمرة الثانية في ترجمة عروة بن الزبير عن المغيرة. والخلاف في عروة قديم، انظر التعليق على ((مسند أحمد)) عند الحديث رقم (١٨١٥٦). ١١٣ باب ١٣/ح ٧٣١٨ كتاب الاعتصام قال ابن بَطّال: لا يجوز للقاضي الحُكمُ إلّ بعد طَلَب حُكم الحادثة من الكتاب أو السُّنَّة، فإن عَدِمَه رَجَعَ إلى الإجماع، فإن لم يَجِدْه نَظَرَ هل يَصِحّ الحملُ على بعض الأحكام المقرَّرة لعِلَّةٍ تَجِمَعُ بينهما، فإن وَجَدَ ذلك لَزِمَه القياسُ عليها، إلّا إن عارَضَتها عِلَّةُ أُخرى فيَلزَمه التَّرجيح، فإن لم يَجِدْ عِلَّ اسْتَدَلَّ بشواهد الأُصول وغَلَبة الأشباه (١)، فإن لم يَتَوجَّه له شيء من ذلك رَجَعَ إلى حُكم العقل، قال: هذا قول ابن الطَّيِّب، يعني: أبا بكر الباقِلَّانيّ. ثمَّ أشارَ إلى إنكار / كلامه الأخير بقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ٣٠٠/١٣ وقد علم الجميعُ بأنَّ النُّصوص لم تُحِطْ بجميع الحوادث، فعَرَفْنا أنَّ الله قد أبانَ حُكمَها بغيرِ طريق النَّصّ وهو القياس، ويُؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] لأَنَّ الاستنباط هو الاستخراجُ وهو بالقياس، لأنَّ النَّصّ ظاهرٌ، ثمَّ ذكر فصلاً في الردّ على مُنكِرِي القياس وألزَمَهم التَّنَاقُض، لأنَّ من أصلِهِم إذا لم يُوجَد النَّصُّ الرُّجوعَ إلى الإجماع، قال: فَيَلزَمهم أن يأتوا بالإجماع على تركِ القول بالقياسِ، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك، فوَضَحَ أنَّ القياس إنَّما يُنكَرِ إذا استُعمِلَ مع وجود النَّصّ أو الإجماع، لا عند فَقْد النَّصّ والإجماع. وبالله التَّوفيق. ١٤ - باب قولِ النبيِّ وَّهِ: (لَتَشَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قبلَكم)) ٧٣١٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هُرَيرةَ . ه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لا تقومُ السّاعةُ حتَّى تَأْخُذَ أَمَّتِي بأَخْذِ القُرونِ قبلَها، شِبْراً بشِبْرٍ، وذِراعاً بِذِرَاعٍ)) فِقِيلَ: يا رسولَ الله، كفارسَ والرُّومِ؟ فقال: ((ومَنِ الناسُ إلّا أُولئكَ؟». ٧٣٢٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا أبو عمرَ الصَّنْعانُّ منَ الْيَمَنِ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، عن النبيِّبَّه قال: ((لَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قبلَكم شِبْراً شِبْراً، وذِراعاً ذراعاً، حتَّى لو دَخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعتُموهُم)) قلنا: يا رسولَ الله، اليهودُ والنَّصارى؟ قال: ((فمَنْ؟)). (١) في (س): الاشتباه. ١١٤ باب ١٤ /ح ٧٣١٩ - ٧٣٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّهُ: لَتَتَّبِعُنَّ) بمُثنّاتَينِ مفتوحَتَينِ ثمَّ موخَّدة مكسورة وعين مُهمَلة مضمومة ونون ثقيلة، وأصله: تَشَِّعونَ ((سَنَنَ)) بالمهمَلةِ والنُّون بعدها نون أُخرى ((مَن كانَ قبلَكم)) بفتح اللام، ولفظ التَّرجمة مُطابِقٍ للفظِ الحديث الثّاني. قوله: ((عن المَقْبُريِّ) هو سعيد، وسَمّاه الإسماعيليُّ في روايته عن إبراهيم بن شَرِيك عن أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه. قوله: ((لا تقوم السّاعة حتَّى تَأْخُذَ أَمَّتِي بأخْذَ القُرون قبلها)) كذا هنا بموخَّدةٍ مكسورة وألِف مهموزة وخاء مُعجَمة ثمَّ مُعجَمة، والأخذ بفتح الألف وسكون الخاء على الأشهَر: هو السِّيرة، يقال: أخَذَ فلانٌ بأخذِ فلان، أي: سارَ بسيرتِهِ، وما أخَذَ أَخْذَه، أي: ما فعل فعلَه ولا قَصَدَ قصدَه، وقيل: الألف مُثلَّة، وقرأه بعضهم: ((إِخَذ)) بفتح الخاء جمع: إخْذَة بكسر أوَّله، مثل: كِسْرة وكِسَر. ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ على ما حكاه ابن بَطّل: ((بما أخَذَ القُرونُ)) بموخَّدةٍ و((ما)) الموصولة، و((أخَذَ)) بلفظِ الفعل الماضي، وهي رواية الإسماعيليّ، وفي رواية النَّسَفيِّ: ((مَأْخَذ)» بميم مفتوحة وهمزة ساكنة. والقُرون: جمع قَرْن بفتح القاف وسكون الرَّاء: الأُمَّةُ من الناس، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذِئب: ((الأُمَم والقُرون)). قوله: ((شِبْراً بشِيْرٍ، وذِراعاً بذِراعٍ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((شِبراً شِبراً، وذِراعاً ذِراعاً». قوله: ((فقيلَ: يا رسول الله)) في رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الصَّمَد بن النُّعمان عن ابن أبي ذِئب: فقال رجل، ولم أقِفْ عليه مُسَمِّی. قوله: ((كفارسَ والرُّوم)) يعني: الأُمَّتَينِ المشهورتَينِ في ذلك الوقت، وهم الفُرس ومَلِكهم كِسرَى، والرُّوم ومَلِكهم قَصَر، وفي رواية الإسماعيليّ المذكورة: ((كما فَعَلَت فارسُ والرّومُ)). ١١٥ باب ١٤/ح ٧٣٢٠ كتاب الاعتصام قوله: ((ومَن الناسُ إلّا أولئكَ؟)) أي: فارس والرّوم، لكونهم كانوا إذ ذاكَ/ أكبرَ ملوك ٣٠١/١٣ الأرض وأكثرَهم رَعيَّة وأوسَعَهم بلاداً. قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن عبد العزيز)) هو الرَّمْلِيّ، و((أبو عمر الصَّنعانيُّ)) بمُهمَلةٍ ثمَّ نون: هو حفص بنُ مَيسَرة. وقوله: ((من اليَمَن)) أي: هو رجل من اليمن، أي: هو من صَنْعاء اليمن لا من صَنعاء الشّام، وقيل: المراد: أصلُه من اليمن، وهو من صَنعاء الشّام ونَزَلَ عَسقَلانَ. قوله: ((لَتَشَِّعُنَّ سَنَنَ)) بفتح السِّين للأكثر، وقال ابن التِّين: قرأناه بضمِّها، وقال المهلَّب: بالفتح أولى، لأَنَّه الذي يُستَعمَل فيه الذِّراع والشِّبر: وهو الطَّريق. قلت: وليس اللَّفظ الأخير ببعيدٍ من ذلك. قوله: (شِبْراً شِبْراً، وذِراعاً ذِراعاً) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((شِبراً بشِيرِ، وذِراعاً بذِراعٍ» عكسُ الذي قبله، قال عِيَاض: الشِّبر والذِّراع والطَّريق ودخول الجُحْر تمثيلٌ للاقتداءِ بهم في كلّ شيء مَّا نَهَى الشَّرُ عنه وذَمَّه. قوله: ((جُحْر)) بضمِّ الجيم وسكون المهمَلة، والضَّبُّ الحيوان المعروف، تقدَّم الكلام عليه في ذِكر بني إسرائيل (٣٤٥٦). قوله: ((قلنا)) لم أقِفْ على تعيين القائل. قوله: ((قال: فمَن؟)) هو استفهامُ إنكارٍ، والتَّقدير: فمَن هم غيرُ أولئكَ، وقد أخرج الطََّرانيُّ(١) من حديث المُستَورِد بن شدَّد رَفَعَه: ((لا تَترُك هذه الأُمَّة شيئاً من سَنَن الأوَّلينَ حتَّى تأتيَه))، ووَقَعَ في حديث عبد الله بن عمرٍو عند الشافعيّ(٢) بسندٍ صحيح: ((لَتْركَبُنَّ سُنَّةً مَن کان قبلکم حُلوَها ومُرَّها». (١) في ((الأوسط)) (٣١٣). (٢) في (السنن المأثورة)) (٣٩٨). ١١٦ باب ١٤/ح ٧٣٢٠ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطّال: أعلَمَ وَِّ أَنَّ أَمَّته ستتَبِعُ المحدَثات من الأُمور والبِدَع والأهواء كما وَقَعَ للأُمَمِ قبلهم، وقد أنذَرَ في أحاديث كثيرة بأنَّ الآخِرَ شَرّ، والسّاعة لا تقوم إلّا على شِرار الناس، وأنَّ الدِّين إِنَّمَا يَبقَى قائماً عند خاصَّة من الناس. قلت: وقد وَقَعَ مُعظَم ما أنذَرَ بِهِ وَّ وسيقعُ بَقِيَّة ذلك. وقال الكِرْمانيُّ: حديث أبي هريرةَ مُغاير لحديثِ أبي سعيد؛ لأنَّ الأوَّل فُسِّر بفارسَ والرّوم، والثّاني باليهودِ والنَّصارى، لكنَّ الرُّومِ نصارَى، وقد كان في الفُرس يهود، أو ذَكَرَ ذلك على سبیل المثال، لأنّه قال في السُّؤال: کفارس؟ انتھی. ويعكِّر عليه جوابُهُ وَّه بقوله: ((ومَن الناسُ إلَّ أولئكَ؟)) لأنَّ ظاهره الحَصْر فيهم، وقد أجابَ عنه الكِرْ مانيُّ بأنَّ المراد حصر الناس المعهود من المتبوعينَ. قلت: ووجهه أنَّه وَِّ لمَّا بُعِثَ كان مُلكُ البلاد مُنحَصِراً في الفُرس والرّوم وجميع مَن عَدَاهم من الأُمَم من تحت أيديهم، أو كَلا شيءٍ بالنِّسبةِ إليهم، فصَحَّ الخَصرُ بهذا الاعتبار، ويحتمل أن يكون الجواب اختَلَفَ بحَسَبِ المقام، فحيثُ قيل: فارس والرّوم، كان هناك قَرِينة تتعلَّق بالحُكم بين الناس وسياسَة الرَّعيَّة، وحيثُ قيل: اليهود والنَّصارى، كان هناك قَرِينة تتعلَّق بأُمورِ الدِّيانات أُصولها وفُروعها، ومن ثَمَّ كان في الجواب عن الأوَّل: ((ومَن الناس إلّا أولئكَ))، وأمّا الجواب في الثّاني بالإبهام، فيُؤيِّد الحملَ المذكور، وأنَّه كان هناك قَرِينة تتعلَّق بما ذكرت. واستَدَلَّ ابن عبد البَرّ في ((باب ذَمّ القول بالرَّأي إذا كان على غير أصل)) بما أخرجه من ((جامع ابن وَهْب)): أخبَرني يحيى بن أيوب عن هشام بن عُرْوة أنَّه سَمِعَ أباه يقول: لم يزل أمرُ بني إسرائيل مُستَقيماً حتَّى حَدَثَ فيهم الموَلَّدونَ أبناءُ سَبَايا الأُمَم، فأحدثوا فيهم القول بالرَّأي وأضَلُّوا بني إسرائيل، قال: وكان أَبي يقول: السُّنَنَ السُّنَنَ، فإنَّ السُّنَن قِوامُ الدِّين. وعن ابن وَهْب: أخبَرَني بكر بن مُضَر عمَّن سَمِعَ ابنَ شِهاب الزّهْريّ وهو يَذكُر ما ١١٧ باب ١٥/ح ٧٣٢١ كتاب الاعتصام وَقَعَ الناسُ فيه من الرَّأي وتركهم السُّنَن، فقال: إنَّ اليهود والنَّصارى إنَّما سُلِخُوا(١) من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقُوا(٢) الرَّأيَ وأخذوا فيه. وأخرج ابن أبي خَيْئمةَ من طريق مكحول عن أنس: قيلَ: يا رسول الله، متى يُترَك الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكر؟ قال: ((إذا ظَهَرَ فيكم ما ظَهَرَ في بني إسرائيل، إذا ظَهَرَ الإدهانُ في خياركم والفُحشُ في شِراركم، والمُلْك في صِغاركم، والفقه في رُذَالِكم))(٣)، وفي ((مُصنَّ قاسم بن أصبَغَ)) بسندٍ صحيح عن عمر: فساد الدِّين إذا جاءَ العلمُ من قِبَل الصَّغیر استعصی علیہ الکبیر،/ وصلاحُ الناس إذا جاءَ العلمُ من قِبَل الكبیر تابعَه علیه ٣٠٢/١٣ الصَّغير. وذكر أبو عُبَيد أنَّ المراد بالصِّغَرِ في هذا صِغَر القَدْرِ لا السِّنّ، والله أعلم. ١٥ - باب إِثْم مَن دَعَا إلى ضلالةٍ أو سَنَّ سُنّةً سَيِّئَةً لقولِ الله تعالى: ﴿وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]. ٧٣٢١ - حدَّثْنا الحُميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنا الأعمَشُ، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ الله قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((ليسَ مِن نفسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً، إلّا كانَ على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ منها - وَرُبَّما قال سفيانُ: مِن دَمِها - لأَنَّه أوَّلُ مَن سَنَّ القتلَ أوَّلاً)). قوله: (بابُ إِثْم مَنِ دَعَا إلى ضلالةٍ، أو سَنَّ سُنَّ سَيَِّةٌ، لقولِ الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾﴾)) وَرَدَ فيما ترجَمَ به حديثان بلفظِهِ وليسا على شرطه، واكتَفَى بما يُؤَدّي معناهما وهما ما ذكره من الآية والحديث. فأمّا حديث: ((مَن دَعَا إلى ضلالة)) فأخرجه مسلم (٢٦٧٤) وأبو داود (٤٦٠٩) والتِّرمِذيّ (٢٦٧٤) من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله وَلّ: ((مَن دَعَا إلى هُدَى كان له من الأجر مِثلُ أُجور مَن تَبِعَه لا يَنقُص ذلك (١) في (س): انسلخوا. (٢) في (س): استقلّوا. (٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٥٥٥) من طريق مكحول، به. ١١٨ باب ١٥/ح ٧٣٢١ فتح الباري بشرح البخاري من أُجورهم شيئاً، ومَن دَعَا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مِثلُ آثام مَن تَبِعَه لا يَنقُص ذلك من آثامهم شيئاً». وأمّا حديث: ((مَن سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة)) فأخرجه مسلم (٢٦٧٣/ ١٥) من رواية عبد الرَّحمن ابن هلال عن جَرِير بن عبد الله البَجَليِّ في حديثٍ طويلٍ قال فيه: فقال رسول الله وَ له ((مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعده من غير أن يَنقُص من أُجورهم شيئاً، ومَن سَنَّ في الإسلام سُنَّة سَيِّئَةً كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها بعده من غير أن يَنقُص من أوزارهم شيئاً))، وأخرجه من طريق المنذر بن جَرير عن أبيه مِثله، لكن قال: ((شيءٌ) في الموضعين بالرَّفع، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٦٧٥) من وجهٍ آخَر عن جَرِير بلفظ: ((مَن سَنَّ سُنَّة خيرٍ، ومَن سَنَّ سُنَّةَ شَرّ)). وأمّا الآية فقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال: حَمْلُهم ذُنوبَ أنفُسِهِم وذُنوبَ مَن أطاعَهم، ولا يُفِّف ذلك عمَّن أطاعَهم شيئاً، وأخرج عن الرَّبيع بن أنس أنَّه فَسَّرَ الآية المذكورة بحديثِ أبي هريرةَ المذكور، ذكره مُرسَلاً بغيرِ سَنَدٍ (١). وأمّا حديث الباب عن عبد الله بن مَسْعود فقد مضى شرحُه في أوَّل كتاب القصاص (٦٨٦٧) وتقدَّم البحث في المراد بالمُفارِقِ للجماعةِ المذكور فيه. قال المهلَّب: هذا الباب والذي قبله في معنى التَّحذير من الضَّلال، واجتناب البِدَع ومُحُدَثات الأُمور في الدِّين، والنّهي عن مُخالَفة سبيل المؤمنينَ. انتهى، ووجْهُ التَّحذيرِ أنَّ الذي يُحدِث البِدعَة قد يَتَهاوَن بها لِخِفَّةِ أمرها في أوَّل الأمر، ولا يَشعُر بما يَتَرتَّب عليها من المفسَدَة، وهو أن يَلحَقه إثمُ مَن عَمِلَ بها مِن بعدِه، ولو لم يكن هو عَمِلَ بها بل لگونِه كان الأصلَ في إحداثها. (١) وهو عند الطبري ١٤/ ٩٦. ١١٩ باب ١٦ كتاب الاعتصام ١٦ - باب ما ذَكَرَ النبيُّنَّهِ وَحَضَّ على اتّفاق أهلِ العِلْمِ، وما اجتَمَعَ عليه الحَرَمان مَكّةُ والمدينةُ، وما كانَ بهما مِن مَشاهدِ النبيِّ وَلـ والمهاجِرِينَ والأنصار، ومُصَلَّى النبيِّ وَّه وَ الِنْبِرِ والقَبْر قوله: ((بابُ ما ذَكَر النبيُّ بِّهِ وَحَضَّ)) بمُهمَلةٍ وضاد مُعجَمة ثقيلة، أي: حَرَّضَ بالمهمَلةِ ٣٠٦/١٣ وتشديد الرَّاء. وقوله: ((على اتّفاق أهل العِلْم)) قال الکِرْمانيُّ: في بعض الرِّوايات: وما حَضَّ علیه من اتّفاقٍ، وهو من باب تَنازُعِ العامِلَينِ، وهما ذَكَر وحَضَّ. قوله: ((وما اجْتَمَعَ عليه الحَرَمان مكَّة والمدينة، وما كانَ بهما من مَشاهِد النبيِّ ◌َّهِ والمهاجِرِينَ والأنصار» في رواية الگُشميهنيّ: وما أجمعَ، بهمزة قطع بغیرِ تاء، وعنده: وما كان بها، بالإفرادِ، والأوَّل أولى، قال الكِرْمانيُّ: الإجماع: هو اتِّفاق أهل الحلِّ والعَقد، أي: المجتهدِينَ من أمَّة محمَّدٍ على أمرٍ من الأُمور الدِّينِيَّة، واتّفاقُ مُجُتَهِدي الحرمَينِ دون غيرهم ليس بإجماعٍ عند الجمهور، وقال مالك: إجماع أهل المدينة حُجَّة، قال(١): وعِبارةُ البخاريّ مُشعِرةٌ بأنَّ اتِّفاق أهل الحرمَينِ كِلَيهما إجماع. قلت: لعلَّه أرادَ التَّرجيح به لا دَعوَى الإجماع، وإذا قال بحُجِّيَّةِ إجماع أهل المدينة وحدَها مالكٌ ومَن تَبِعَه فهم قائلونَ به إذا وافَقَهم أهلُ مكَّة بطريق الأولى، وقد نَقَلَ ابن التِّين عن سَحْنون اعتبار إجماع أهل مكَّة معَ أهل المدينة، قال: حتَّى لو أنَّفَقوا كلُّهم وخالَفَهم ابن عبّاس في شيءٍ لم يُعَدّ إجماعاً، وهو مَبنيٌّ على أنَّ نُدْرة المخالِف تُؤَثِّرُ فِي تُبُوت الإجماع. قوله: ((ومُصَلَّى النبيِّوَّهِ وَالِمِنَرِ والقَبْر)) هذه الثَّلاثة مجرورة عَطفاً على قوله: مَشاهِد. ثُمَّ ذَكَر فيه أربعةً وعشرينَ حديثاً: الحديث الأول: حديث جابر. ٧٣٢٢- حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن محمَّدٍ بنِ المنكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله (١) يعني: الكرماني. ١٢٠ باب ١٦/ح ٧٣٢٢ فتح الباري بشرح البخاري السَّلَمِيِّ: أنَّ أعرابيّاً بايعَ رسولَ الله وََّ على الإسلام، فأصابَ الأعرابيّ وعْكٌ بالمدينةِ، فجاءَ الأعرابُّ إلى رسولِ اللهِ وَ له فقال: يا رسولَ الله أَقِلْنِي بَيْعَتَي. فأَبَى رسولُ الله ◌َّهِ، ثُمَّ جاءَه فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَّى، ثمَّ جاءَه فقال: أقِلْنِي بَيْعَتي. فأَبَى، فخَرَجَ الأعرابيُّ، فقال رسولُ اللهِّ: ((إنَّما المدينةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها، وتَنْصَعُ طَيِّبَها». قوله: ((إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس. قوله: ((السَّلَميّ)) بفتح المهمَلة واللّام. قوله: ((أنَّ أعرابيّا)) تقدَّم القول في اسمه وفي أيِّ شيءٍ استقال منه، وضَبْط ((تَنْصَعُ)) في أواخر الحجّ في فضل المدينة (١٨٨٣)، وكذا قوله: ((كالكِيرِ)) معَ سائر شرحه ولله الحمد. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: فيه تفضيلُ المدينة على غيرها بما خَصَّها الله به من أنَّها تنفي الخَبَث، ورَتَّبَ على ذلك: القولَ بحُجِّيَّةِ إجماع أهل المدينة، وتُعقّبَ بقولِ ابن عبد البَرّ: إِنَّ الحديث دالٌّ على فضل المدينة، ولكن ليس الوصف المذكور عامّاً لها في جميع الأزمِنَة، بل هو خاصٍّ بزَمَنِ النبيِّ وَّهِ؛ لأنه لم يكن يَخْرُج منها رَغبةً عن الإقامة معه إلّا مَن لا خير فيه. وقال عِيَاضُ نحوه، وأيَّدَه بحديثٍ أبي هريرةَ الذي أخرجه مسلم (١٣٨١): ((لا تقوم السّاعةُ حتَّى تنفي المدينةُ شِرارَها، كما يَنْفي الكِير خَبَث الفِضَّة)) قال: والنار إنَّما تُخِرِج الخَبَث والرَّديء، وقد خَرَجَ من المدينة بعد النبيِّ وَِّ جماعةٌ من خيار الصَّحابة، وقَطَنوا غيرها وماتوا خارجاً عنها، كابنٍ مسعودٍ وأبي موسى وعليٍّ وأبي ذرِّ وعَّار وحُذَيفة وعُبادةَ ابن الصّامت وأبي عُبَيدة ومعاذٍ وأبي الدَّرداء وغيرهم، فدَلَّ على أنَّ ذلك خاصٌّ بزَمَنِهِ وَيه بالقَيدِ المذكور، ثمَّ يَقَع تمام إخراج الرَّديء منها في زمن مُحاصَرَة الدَّجّال، كما تقدَّم بيان ذلك واضحاً في أواخر كتاب الفتن (٧١٢٤) وفيه: فلا يَبقَى مُنافقٌ ولا مُنافقةٌ إلَّا خَرَجَ إليه، فذلك يوم الخَلَاص. الحديث الثاني: ٧٣٢٣ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن