Indexed OCR Text
Pages 1-20
فَبَحُ النَّطِى بشرح صحيح البخاريّ تأليفٌ الإِكَّامِ الْحَافِظِ شَهَابِ الِّينِ أحَ بْن عَلَيّ بْنِ حَجَرِالسَّقَلَافِي ٫٠٠ ٠٠ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أُشْرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاجَعه شُغَيْت الأبُوُوطُ عَادكُ مَرِّشْد شارك في تخريج نصوص حقّ هَذَا الجزء وضّجَهُ وعَلّ عَلَيْهٌ عية التحية أُخْبُدْ بِرْهُومٌ محمَتُ كَائِل قره بَلَكِيٌ الجزءُ الَّبْعِ وَالْعِشِرُونُ الرسالة العالمية - : 3 : فَبُ النَّطِ بشرّع صحِيُّح البُخاريّ ٢٤ جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة لِلنّاشِرْ الطبعَة الأولىُ ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م ـلية دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة و التسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها الا بادن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. M-Rossiot N-A'ismisk m. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalahonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112- 319039- 818615 P.O. BOX:117460 ٥ ح ٧٢٦٨ - ٧٢٧٢ كتاب الاعتصام بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢٤٥/١٣ كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنّة ٧٢٦٨- حدَّثنا الحُميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن مِسعَرٍ وغيرِه، عن قيسِ بنِ مُسلِمٍ، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ، قال: قال رجلٌ منَ اليهودِ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنينَ، لو أنَّ علينا نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: ٣] لَاتَّخِذْنا ذلك اليومَ عِيداً، فقال عمرُ: إنّي لَأَعلَمُ أيَّ يومٍ نَزَلَتْ هذه الآيةُ، نَزَلَتْ يومَ عَرَفَةَ في يومٍ مُمعةٍ. سَمِعَ سفيانُ مِسعَراً، ومِسعَرٌ قيساً، وقيسُ طارقاً. ٧٢٦٩ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ: أنَّ سَمِعَ عمرَ الغَدَ حينَ بابِعَ المسلمونَ أبا بكرٍ، واستَوَى على مِنِْ رسولِ الله وَّ تَشَهَّدَ قبلَ أبي بكرٍ، فقال: أمّا بَعْدُ، فاختارَ اللهُ لرسولِهِ وَّرِ الذي عندَه على الذي عندَكم، وهذا الكتابُ الذي هَدَى اللهُ به رسولَكم، فخُذُوا بِه تَهْتَدوا، وإِنَّمَا هَدَى اللهُ به رسولَه. ٧٢٧٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن خالٍ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ضَمَّني إليه النبيُّ ◌َ، وقال: «اللهُمَّ عَلِّمْه الكِتابَ)). ٧٢٧١- حذَّثنا عبدُ الله بنُ صَبّاح، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ عَوْفاً، أنَّ أبا المِنْهال حَدَّثَه، أَنَّه سَمِعَ أبا بَرْزةَ قال: إنَّ الله يُغنِيكم بالإسلامِ وبمحمَّدٍ شَيّ. قال أبو عبدِ الله: وَقَعَ هاهنا: يُغنِيكم، وإنَّما هو: نَعَشَكم، يُنظَرُ في أصلِ كتاب الاعتصامِ. ٧٢٧٢- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كَتَبَ إلى عبدِ الملِكِ بنِ مروانَ يُبَايِعُهُ: وأُقِرُّ بذلك بالسَّمْع والطّاعةِ على سُنّةِ الله وسُنّةِ رسولِه فيما استطعتُ. ٦ ح ٧٢٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة))، الاعتصام: افتِعالٌ من العِصمة، والمراد امتثالُ قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اُللَّهِ جَمِيعًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، قال الكِرْمانيُّ: هذه التَّرجمة مُنْتَزَعَة من قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ لأنَّ المراد بالحبل: الكتاب والسُّنَّة على سبيل الاستعارة، والجامع كَونُهما سبباً للمقصودِ، وهو الثَّواب والنَّجاة من العذاب، كما أنَّ الحبل سبب لحصولِ المقصود به من السَّقْي وغيره. والمراد بالكتاب: القرآن المتعبَّد بتِلاوَتِهِ، وبالسُّنَّة: ما جاءَ عن النبيّ ◌َ لّهِ من أقواله وأفعاله وتقريره وما هَمَّ بفعْلِهِ، والسُّنَّة في أصل اللُّغة: الطَّريقة، وفي اصطلاح الأَصوليّينَ والمحدِّثينَ ما ٢٤٦/١٣ تقدَّمَ، وفي اصطلاح بعض الفُقَهاء: ما يُرادِف/ المستحَبَّ. قال ابن بَطّال: لا عِصمةَ لأحدٍ إلّا في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله، أو في إجماع العلماء على معنّى في أحدهما؛ ثمَّ تَكلَّمَ على السُّنَّة باعتبار ما جاءَ عن النبيّ ◌َّهِ، وسيأتي بيانُه بعد باب. ثمَّ ذکر فیه خمسة أحادیث: الحديث الأول: قوله: ((سُفْيان، عن مِسعَر وغيرِه)) أمّا سفيان: فهو ابن عُيَينَةَ، ومِسعَر: هو ابن كِدَامِ، بكسر الكاف وتخفيف الدّال، و((الغيرُ)) الذي أُبِهِمَ معه لم أرَ مَن صَرَّحَ به، إلّا أنَّه يحتمل أن يكون سفيانَ الثَّوْريّ، فإنَّ أحمد أخرجه (٢٧٢) من روايته عن قيس بن مسلم، وهو الجَدَليّ بفتح الجيم والمهمَلة، كوفيّ يُكنَى أبا عَمرو، كان عابداً ثقة ثَبتاً وقد نُسِب إلى الإرجاء، وفي الرُّوَاة قيسُ بن مسلم آخَرُ لكنَّه شاميٌّ غير مشهور، رَوَى عن عُبادةَ بن الصّامت وحديثُه عنه في كتاب ((خَلقِ الأفعال)) البُخاريِّ (٤٠٣)، وطارق بن شِهَاب: هو الأحمسيُّ، معدود في الصَّحابة، لأنَّه رأى النبيَّ ◌َّهِ وهو كبير، لكن لم يَئْبُت له منه سماع. قوله: ((قال رجل من اليهود)) تقدَّم الكلام عليه في كتاب الإيمان (٤٥)، وفي تفسير ٧ ح ٧٢٧٢ كتاب الاعتصام سورة المائدة (٤٦٠٦) معَ شرح سائر الحديث، وحاصل جواب عمر: إنّا اتخذنا ذلك اليوم عيداً، على وَفْقِ ما ذَكَرتَه. قوله: ((سَمِعَ سُفْيَانُ مِسعَراً، ومِسعَرٌ قيساً، وقيسُ طارقا) هو كلام البخاريّ، يشير إلى أنَّ العَنعَنَة المذكورة في هذا السَّند محمولة عنده على السَّماع، لاطِلاعِه على سماع كلّ منهم من شيخه، وقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ظاهره يَدُلّ على أنَّ أُمور الدِّين كَمَلَت عند هذه المقالة، وهي قبلَ موته وَ لَهَ بنحو ثمانينَ يوماً، فعلى هذا لم يَنْزِل بعد ذلك مِن الأحكام شيء، وفيه نَظَر، وقد ذهب جماعة إلى أنَّ المراد بالإكمال: ما يَتعلَّق بأُصولِ الأركان لا ما يَتَفَرَّع عنها، ومن ثَمَّ لم يكن فيها مُتَمسَّك لمُنكِري القياس، ويُمكِن دَفعُ حُجَّتهم على تقدير تسليم الأوَّل، بأنَّ استعمال القياس في الحوادث مُتَلَقَّى من أمر الكتاب، ولو لم يكن إلّا عُموم قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقد وَرَدَ أمُرُه بالقياسِ وتقريرُه عليه (١)، فاندَرَجَ في عُموم ما وُصِفَ بالكمال. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاووديِّ أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَآ إِلَكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل :٤٤] قال: أَنزَلَ سبحانه وتعالى كثيراً من الأُمور مجمَلاً، ففَسَّرَ نبُّه ما احتيجَ إليه في وقته، وما لم يَقَعْ في وقته وَكَلَ تفسيرَه إلى العلماء بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. الحديث الثاني: قوله: ((أَنَّه سَمِعَ عمرَ بن الخطّاب ﴿هَ الغَدَ حين بايعَ المسلمونَ أبا بَكْر ◌َـ ضوعنه)) (حين)) يَتعلَّق بـ(سَمِعَ))، والذي يَتعلَّق بالغَدِ محذوف، وتقديره: من وفاة النبيّ ◌َّ، كما تقدَّم بيانُه في (باب الاستخلاف)) في أواخر كتاب الأحكام (٧٢١٩)، وسياقه هناك أتمُّ، وزاد في هذه الرِّواية: فاختارَ اللهُ لرسولِه الذي عنده على الذي عندكم، أي: الذي عنده من الثَّواب والكرامة على الذي عندكم من النَّصَب. (١) انظر الحديث السالف برقم (١٨٥٢) وشرحه، وانظر ((الفقيه والمتفقه)) للبغدادي ١/ ٤٦٧ وما بعدها في ((باب القول في الاحتجاج لصحيح القياس ... )). ٨ ح ٧٢٧٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس، تقدَّم شرحه في كتاب العلم (٧٥) وبيان مَن رواه بلفظِ التَّأويل، ويأتي معنى التَّأويل في باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانْ فَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] من كتاب التَّوحيد (٧٥٥٣) إن شاءَ الله تعالى. الحديث الرابع: حديث أبي بَرْزة، وهو مُختصَر من الحديث الطَّويل المذكور في أوائل كتاب الفتن في ((باب إذا قال عند قوم شيئاً ثمَّ خَرَجَ فقال بخِلَافه)»، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى هناك (٧١١٢). وقوله هنا: ((إنَّ الله يُغنِيكم بالإسلام)) كذا وَقَعَ بضمٍّ أوَّله ثمَّ غين مُعجَمة ساكنة ثمَّ نون، ونَّه أبو عبد الله - وهو المصنِّف - على أنَّ الصَّواب بنونٍ ثمَّ عين مُهمَلة مفتوحَتَينِ ثمَّ شین مُعجَمة. قوله: ((يُنظَر في أصل كتاب الاعتصام)) فيه إشارة إلى أنَّه صَنَّفَ كتاب الاعتصام مُفرَداً، وكَتَبَ منه هنا ما يَلِيق بشرطِه في هذا الكتاب، كما صَنَعَ في كتاب ((الأدب المفرد)»، فلمَّا رأى هذه اللَّفظَة مُغايرة لما عنده أنَّه الصَّواب، أحالَ على مُراجَعَة ذلك الأصل، وكأنَّه كان ٢٤٧/١٣ في هذه الحالة غائباً عنه، فأمَرَ بمُراجَعَتِهِ وأن يُصلَح منه، وقد وَقَعَ/ له نحوُ هذا في تفسير: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ [الشرح: ٣]، ونبَّهتُ عليه في تفسير سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ ذِكْر حديث أبي بَرْزة هذا هنا إنَّما يُستَفاد منه تثبيتُ خبر الواحد، وهو غَفْلة منه، فإنَّ حُكْم تثبيت خبر الواحد انقَضَى، وعَقَّبَ بالاعتصام بالكتابِ والسُّنَّة، ومُناسَبة حديث أبي بَرْزة للاعتصام بالكتابِ من قوله: إنَّ الله نَعَشَكم بالكتاب، ظاهرة جدّاً، والله أعلم. الحديث الخامس: حديث ابن عمر في مُكاتَبته لعبدِ الملِك بالبيعةِ له، وقد تقدَّم بأتمَّ من هذا السِّياق معَ شرحه في ((باب كيف يُبايع الإمام)) من أواخر كتاب الأحكام (٧٢٠٥)، ومن ثَمَّ يَظهَر المعطوف عليه بقوله هنا: وأُقِرُّ لك، وبيَّنتُ هناك أنَّ ذلك كان بعد قتل عبد الله بن الزُّبَيرِ، والغرض منه هنا استعمالُ سُنَّة الله ورسوله في جميع الأُمور. ٩ باب ١/ح ٧٢٧٣ كتاب الاعتصام ١ - باب قولِ النبيِّ ◌َّ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ)) ٧٢٧٣- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد ابنِ المسيّبِ، عن أبي هُرَيرَةَ عَُّ، أنَّ رسولَ الله وَلّه قال: «بُعِثْتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ، ونُصِرتُ بالرُّغْبِ، وبَيْنا أنا نائمٌ رأيتني أَتِيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ، فُوُضِعَتْ في يَدِي)). قال أبوهُرَيرةَ: فقد ذَهَبَ رسولُ الله وَّه وأنتم تَلْغَئونَها؛ أو تَرْغَثونَها، أو كلمةً تُشْبِهُها. قوله: ((باب قول النبيّ ◌َلّ: يُعِثْت بجَوامِعِ الكَلِمِ)) ذكر فيه حديثَينِ لأبي هريرةً: أحدُهما: بلفظِ التَّرجمة، وزاد: ((ونُصِرتُ بالرُّعب، وبينا أنا نائم رأيتُني أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض))، وتقدَّم تفسير جوامع الكَلِم في ((باب المفاتيح في اليد)) من كتاب التَّعبير (٧٠١٣)، وفيه تفسيرها عن الزُّهريّ، وحاصله: أنَّه ◌َلِ كان يتكلَّم بالقولِ المُوجَز القليلِ اللَّفظ الكثيرِ المعاني، وجَزَمَ غيرُ الزُّهريِّ بأنَّ المراد بجوامع الكَلِمِ القرآن، بقَرِينةِ قوله: (بُعِثْت)، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللَّفظ واتِّساع المعاني، وتقدَّم شرح ((نُصِرتُ بالرُّعبِ)) في كتاب التيمُّم (٣٣٥). قوله: ((فوُضِعَتْ في يَدِي)) أي: المفاتيح، وتقدَّم تفسير المراد بها في ((باب النَّفخ في المنام)) من كتاب التَّعبير (٧٠٣٧). قوله: ((قال أبو هريرةَ)) هو موصول بالسَّندِ المذكور أوَّلاً. وقوله: ((فذهبَ)) أي: ماتَ. وقوله: ((وأنتم تَلْغَئونَها، أو تَرْغَثُونَها، أو كَلِمة تُشِهِها)) فالأُولى بلام ساكنة ثمَّ غين مُعجَمة مفتوحة ثمَّ مُثَلَّئة، والثّانية مِثلُها لكن بَدَل اللّام راء، وهي من الرَّغْث كِناية عن سَعَة العَيش، وأصله من رَغَثَ الجَدْيُ أمَّه: إذا ارتَضَعَ منها، وأرغَثَته هي: أرضَعَته، ومن ثَمَّ قيل: رَغُوث، وأمّا التي باللّام فقيلَ: إنَّها لُغة فيها، وقيل: تصحيف، وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزنِ عَظيم، وهو الطَّعام المخلوط بالشَّعير، ذكره صاحب ((المحكم)) عن ثَعلَب، والمراد: يَأْكُلُونَها كيفما اتَّفَقَ، وفيه بُعدٌ. ١٠ باب ١/ح ٧٢٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن بَطّال: وأمّا لغث باللّام فلم أجِدْه فيما تَصَفَّحت من اللُّغة. انتهى، ووَجَدتُ في حاشية من كتابه: هما لُغَتان صحيحتان فصيحتان معناهما: الأكل بالنَّهَم، وأفادَ الشَّيخ مُغَلْطاي عن كتاب ((المنتهَى)) لأبي المعالي اللُّغَويّ: لَغَثَ طعامَه وَلَعَثَ، بالغَينِ والعين، أي: ٢٤٨/١٣ المعجَمة والمهمَلة: إذا فرَّقَه، قال: واللَّغيث: ما يَبقَى في الكَيل من / الحَبّ، فعلى هذا فالمعنى: وأنتم تَأْخُذونَ المال فتُفرِّقونَه بعد أن تَحُوزُوه، واستَعارَ للمالِ ما الطَّعام، لأنَّ الطَّعام أهَمُّ ما يُقتَنَى لأجلِه المال، وزَعَمَ أنَّ في بعض نُسَخ ((الصَّحيح)): وأنتم تَلعَقوَها، بمُهمَلةٍ ثمَّ قاف. قلت: وهو تصحيف ولو كان له بعض اتّجاهِ. والثّالثة جاءَت من رواية عَقيل في كتاب الجهاد (٢٩٧٧) بلفظ: تَنَئِلونَها، بمُثنّةٍ ثمَّ نون ساكنة ثمَّ مُثّة، ولبعضِهم بحذفِ المثنَّاة الثّانية: من النَّثْل، بفتح النُّون وسكون المثلّثة: وهو الاستخراج، نَثَلَ كِنانَتَه: استَخرَجَ ما فيها من السِّهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرِجَ تُرابَها، فمعنى تَتَثِلونَها: تَستَخرِ جونَ ما فيها وتتمتَّعونَ به، قال ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: هذا المحفوظ في هذا الحديث، قال النَّوَويّ: يعني ما فُتِحَ على المسلمينَ من الدُّنيا وهو يَشْمَل الغنائم والكُنوز، وعلى الأوَّل اقتَصَرَ الأكثر، ووَقَعَ عند بعض رواة مسلم (٦/٥٢٣) بالميم بدلَ النُّون الأولى، وهو تحريفٌ. الحديث الثاني: ٧٢٧٤- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((ما منَ الأنبياءِ نبيٌّ إلَّا أُعْطِيَ منَ الآياتِ ما مِثْلُهُ أُومِنَ - أو آمَنَ - عليه البشرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُهُ وَحْياً أوْ حاهُ الله إليّ، فأرجو أنّي أكثُرُهم تابعاً يومَ القيامةِ)). قوله: ((عن سعيد)) هو ابن أبي سعيد المقبريُّ، واسم أبي سعيد: کَیْسانُ. قوله: ((ما مِثْلُه أُومِنَ - أو آمَنَ - عليه البشرُ)) ((أو)) شَكٌّ مِن الرَّاوي، فالأولى بضمِّ الهمزة وسكون الواو وكسر الميم، مِن الأَمْن، والثّانية بالمدِّ وفتح الميم، من الإيمان، وحكى ابن قُرْقُولٍ: أنَّ في رواية القابِسيّ بفتح الهمزة وكسر الميم بغيرِ مَدّ، من الأمان، ١١ باب ١/ح ٧٢٧٤ كتاب الاعتصام وصَوَّبَهَا ابن التِّين فلم يُصِبْ. وقوله: ((وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُه)) في رواية المُستَملي: ((أُوتِيت)) بحذفِ الهاء، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوفَّى في أوائل فضائل القرآن (٤٩٨١) بحمد الله تعالى، ومعنى الحَصْر في قوله: ((إنَّما كان الذي أُوتيته)) أنَّ القرآن أعظمُ المعجِزات وأفيَدُها وأدوَمُها، لاشتمالِه على الدَّعوة والحُجَّة ودَوَام الانتفاع به إلى آخر الدَّهر، فلمَّا كان لا شيءَ يُقارِبه، فضلاً عن أن يُساوِيَه، كان ما عَدَاه بالنِّسبةِ إليه كأن لم يَقَعْ. قيل: يُؤخَذ من إيراد البخاريّ هذا الحديث عَقِبَ الذي قبله: أنَّ الرَّاجح عنده أنَّ المراد بجوامع الكَلِم القرآن، وليس ذلك بلازِم، فإنَّ دخول القرآن في قوله: ((بُعِثتُ بجوامع الكَلِم)) لا شَكَّ فيه، وإنَّما النِّراع: هل يَدخُل غيرُه من كلامه من غير القرآن؟ وقد ذَكَروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قولَه تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِ اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك. ومن أمثلة جوامع الكَلِم من الأحاديث النبويَّة حديث عائشة: ((كلَّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رَةُّ)(١)، وحديث: (كلّ شَرْط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ))(٢)، مُتَّفَق عليهما، وحديث أبي هريرةَ: ((وإذا أمَرتُكم بأمرٍ فَأَتُوا منه ما استطعتُم))، وسيأتي شرحه قريباً (٧٢٨٨)، وحديث المقدام: ((ما مَلَأَ ابنُ آدم وِعاءً شَرّاً من بطنه)) الحديث، أخرجه الأربعة(٣) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٧٤) والحاكم (٤/ ١٢١)، إلى غير ذلك ممّا يَكثُر بالسَّبُّع، وإنَّما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرَّف الرُّواة في ألفاظه، والطَّريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلَّ مخارجُ الحديث وتَتَّفِقَ ألفاظُه، وإلّا فإنَّ مخارج الحديث إذا كَثُرَت قَلَّ أن تَتَّفِقِ ألفاظه، لتَوارُدِ أكثر (١) عند البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨). (٢) عند البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١١٤١). (٣) ابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٣٧) و (٦٧٣٨)، ولم يخرجه أبو داود، فنسبته إلى الأربعة ذهولَ من الحافظ رحمه الله. ١٢ باب ٢/ح ٧٢٧٥ فتح الباري بشرح البخاري الرُّواة على الاقتصار على الرِّواية بالمعنى، بحَسَبِ ما يَظهَر لأحدِهم أنَّه وافٍ به، والحامل لأكثرِهم على ذلك أنَّهم كانوا لا يَكتُبُونَ، ويَطُول الزَّمان فيَتَعلَّق المعنى بالذِّهنِ فِيَرَتَسِم فيه، ولا يَستَحِضِرِ اللَّفظَ فيُحدِّث بالمعنى لمصلحة التَّبليغ، ثمَّ يَظهَر من سِيَاق مَن هو أحفَظُ منه أنَّه لم يُوفِ بالمعنى. ٢ - باب الاقتداءِ بسُنَن رسولِ الله وَالآم وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] قال: أئمّةً نَقْتَدي بمَنْ قبلَنا، ويَقْتَدي بنا مَن بعدَنا. وقال ابنُ عَوْنٍ: ثلاثٌ أُحِبُّهنَّ لنفسي ولإخواني: هذه السُّنَّةُ أنْ يَتعلَّموها ويَسْألوا عنها، والقرآنُ أنْ يَتَفَهَّموه ويَسْألوا عنه، ويَدَعوا الناسَ إلّا مِن خيرٍ. ٧٢٧٥ - حدَّثنا عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن واصلٍ، عن أبي وائلٍ، قال: جَلَستُ إلى شَيْبةَ في هذا المسجدِ، قال: جَلَسَ إليَّ عمرُ في مجلسِكَ هذا، فقال: هَمَمتُ أنْ لا أَدَعَ فيها صَفْراءَ ولا بيضاءَ إلا قَسَمتُها بينَ المسلمينَ، قلتُ: ما أنتَ بفاعلٍ، قال: لِمَ؟ قلتُ: لم يَفْعَلْه صاحباكَ، قال: هما المَرْءانِ يُقتَدَى بهما. قوله: ((باب الاقتداء بسُنَنِ رسول الله وَّ)) أي: قَبُولها والعمل بما دَلَّت عليه، فأمّا أقواله وَّ فَتَشْتَمِل على أمر ونهي وإخبار، وسيأتي حكمُ الأمر والنَّهي في باب مُفرَد، وأمّا أفعاله فتأتي أيضاً في باب مُفرَدٍ قريباً (٧٢٩٨). ٢٥١/١٣ قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ قال: أئمَّةً نَقْتَدي بمَن قبلنا ويَقْتَدي بنا مَن بَعْدنا)) كذا للجميع بإبهام القائل، وقد ثَبَتَ ذلك من قول مجاهد، أخرجه الفريابيّ والطَّبَريّ (٥٢/١٩) وغيرهما من طريقه بهذا اللَّفظ بسندٍ صحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٤٢) من طريقه بسندٍ صحيح أيضاً، قال: يقول: اجعلنا أئمّة في التَّقْوَى حتَّى نَأْتمَّ بمَن كان قبلنا ويأتمَّ بنا مَن بعدنا، وللطَّبَرَيِّ وابن أبي حاتم (٢٧٤٢/٨) من طريق عليّ بن أبي طَلْحة عن ابن عبّاس: أنَّ المعنى: اجعلنا أئمّة التَّقْوَى لأهلِه يَقْتَدونَ بنا، لفظ الطَّبَريّ، ١٣ باب ٢/ح ٧٢٧٥ كتاب الاعتصام وفي رواية ابن أبي حاتم: اجعَلنا أئمَّة هُدًى لِيُهتَدَى بنا ولا تَجعَلنا أئمّة ضلالة؛ لأنَّه قال تعالى لأهلِ السَّعادة: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال لأهلٍ الشَّقاوَة: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أنَّهم سألوا أن يكونوا للمُتَّقِينَ أئمّة، ولم يَسألوا أن يَجعَل المتَّقينَ لهم أئمَّة، ثمَّ تَكلَّمَ الطَّبَرِيُّ على إفراد ((إماماً)) معَ أنَّ المراد جماعة بما حاصله: أنَّ الإمام اسمُ چِنس، فيتناوَل الواحد فما فوقه. وأخرج عبد بن حُميدٍ بسندٍ صحيح عن قَتَادَةَ في قوله: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ أي: قادةً في الخير ودعاة هُدَى يُؤتَمّ بنا في الخير، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ: ليس المراد أن نَؤُمّ الناس، وإنَّما أرادوا: اجعلنا أئمَّة لهم في الحلال والحرام يَقتَدونَ بنا فيه، ومن طريق جعفر بن محمَّد: معناه: اجعلني رِضاً، فإذا قلتُ صَدَّقوني وقَبِلوا مِنِّي. تنبيه: اقتَصَرَ شيخنا ابن الملقِّن في ((شرحه)) تَبَعاً لمن تقدَّمَه على عَزْو التَّفسير المذكور أوَّلاً للحسنِ البصريّ، ولم أرَ له عنه سَنَداً، والثّاني للضَّحّاك، وقد صَحَّ عن ابن عبّاس، ورواه ابن أبي حاتم عن عِكْرمة وسعيد بن جُبَير، ونَقَلَه ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي صالح وعبد الله بن شَوذَب. قوله: ((وقال ابن عَوْن)) هو عبد الله البصريّ من صِغار التّابعينَ ((ثلاث أُحِبُّهُنَّ النفسي ... )) إلى آخره، وَصَلَه محمَّد بنُ/ نَصْر المروَزيُّ في كتاب ((السُّنَّة)) (١٠٦)، والجَوزَقيّ ٢٥٢/١٣ من طريقه، قال محمّد بن نَصْر: حدَّثنا يحيى بن يحيى حدَّثنا سُلَيم بن أخضر: سمعت ابن عَوْن يقول غير مرَّة ولا مرَّتَينِ ولا ثلاث: ثلاث أُحِبّهُنَّ لنفسي ... الحديث، ووَصَلَه أبو القاسم اللّالكائيّ في كتاب ((السُّنَّة)) (٣٦) من طريق القَعْنبيّ سمعت حمَّد بن زيد يقول: قال ابن عَون. قوله: «ولإخواني» في رواية حمّاد: ولأصحابي. قوله: ((هذه السُّنَّة)) أشارَ إلى طريقة النبيّ وَ ﴿ إشارةً نوعيَّة لا شخصيَّة. ١٤ باب ٢/ح ٧٢٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((أن يتعلَّموها ويَسألوا عنها)) في رواية يحيى بن يحيى: هذا الأثَر عن رسول الله وَله فَتَبَعه ويَعمَل بما فيه. قوله: ((والقرآن أنْ يَتَفَّموه ويَسألوا الناس عنه)» في رواية يحيى: فيَتَدَبَّروه، بَدَل فيَتَفْهَّموه، وهو المراد. قوله: ((وَدَعوا الناس إلّا من خير)) كذا للأكثرِ بفتح الدّال من: يَدَعوا، وهو من الوَدْع بمعنى التَّرك، ووَقَعَ في رواية الكُشمِيهَنِيِّ بسكونِ الدّال من الدُّعاء، وكذا هو في نُسخَة الصَّغَانِيّ، ويُؤيِّد الأوَّلَ أنَّ في رواية يحيى بن يحيى: ورجل أقبَلَ على نفسه ولَهَا عن الناس إلّا من خير، لأنَّ في ترك الشّ خيراً كثيراً. قال الكِرْمانيُّ: قال في القرآن: يَتَفْهَّموه، وفي السُّنَّة: يَتعلَّموها، لأنَّ الغالب أنَّ المسلم يَتعلَّم القرآن في أوَّل أمره، فلا يحتاج إلى الوَصِيَّة بتَعلُّمِه، فلهذا أوصَى بتَفْهُّمِ معناه وإدراكِ منطوقه. انتهى، ويحتمل أن يكون السَّبَب أنَّ القرآن قد جُمعَ بين دَفَّتَي المصحَف، ولم تكن السُّنَّة يومئذٍ جُمِعَت، فأرادَ بتَعلُّمِها جمعَها ليَتمكَّن من تَفْهُّمها، بخِلَاف القرآن، فإنَّه مجموع فليُبادِرْ لتَفْهُّمِه. ثمَّ ذکر فیه ثلاثة عشر حديثاً: الحديث الأول: قوله: ((عَمْرو بن عبَّاس) بموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلة: هو الباهليّ، بصريّ يُكنَی أبا عثمان، من طَبَقة عليّ بن المَدِيني، وعبد الرّحمن: هو ابن مَهديّ، وسفيان: هو الثَّوْريّ، وواصل: هو ابن حَيَّن، وتقدَّم تصريح الثَّوْريّ عنه بالتَّحديثِ في كتاب الحجّ (١٥٩٤)، وأبو وائل: هو شَقِيق بن سَلَمةَ. قوله: ((جلستُ إلى شَيْبةٍ)) هو ابن عثمان بن طَلْحة العبدَريّ حاجب الكعبة، وقد تقدَّم نَسَبُه عند شرح حديثه في ((باب كِسوَة الكعبة)) من كتاب الحجّ (١٥٩٤)، وليس له في ((الصحيحين)) إلّا هذا الحديث عند البخاريّ وحده. قوله: ((أنْ لا أَدَعَ فيها)) الضَّمير للكعبةِ وإن لم يَجرِ لها ذِكرٌ، لأنَّ المراد بالمسجدِ في قول ١٥ باب ٢/ ح ٧٢٧٦ - ٧٢٧٧ كتاب الاعتصام أبي وائل: ((جَلَست إلى شَيْبة في هذا المسجد)) نفس الكعبة، فكأنَّه أشارَ إليها، فقد تقدَّم في رواية الحجّ في هذا الحديث: على كُرسيّ في الكعبة، أي: عند بابها كما جَرَت به عادة الحَجَبة. قال ابن بَطّال: أرادَ عمرُ قِسمَة المال في مصالح المسلمين، فلمَّا ذَكَّرَه شَيْبة أنَّ النبيّ وَلـ وأبا بكر بعده لم يَتعرَّضا له لم يَسَعْه خِلَافُهما، ورأى أنَّ الاقتداء بهما واجب. قلت: وتمامه: أنَّ تقرير النبيّ وَلِّ مُنزّلٌ مَنزِلة حُكمه باستِمرار ما تَرَكَ تغييرَه، فيجب الاقتداء به في ذلك لعُمومٍ قوله تعالى: ﴿وَتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وأمّا أبو بكر فدَلَّ عَدَم تَعرُّضه على أنَّه لم يَظْهَر له من قوله وَّ ولا من فعله ما يعارض التَّقريرَ المذكور، ولو ظَهَرَ له لَفَعَلَه، لا سيَّما معَ احتياجه للمالِ لِقِلَّتِهِ في مُدَّته، فيكون عمر معَ وجود كَثْرة المال في أيامه أَولى بعَدَمِ التعرُّض. ٧٢٧٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سألتُ الأعمَشَ، فقال: عن زيدِ بنِ وَهْب، سمعتُ حُذَيفةَ يقولُ: حدَّثْنا رسولُ اللهِلَّهِ: ((أنَّ الأمانةَ نَزَلَتْ منَ السماءِ في جَذْرِ قلوبِ الرِّجال، ونَزَلَ القرآنُ، فقَرُؤُوا القرآنَ وعَلِمُوا مِنَ السُّنّةِ)). ٧٢٧٧- حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا عَمْرو بنُ مُرّةَ، سمعتُ مُرّةَ الهَمْدانيَّ يقولُ: قال عبدُ الله: إنَّ أحسَنَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّدٍ وَّهه وشَرَّ الأُمورِ مُحدَثاتُها، و﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤]. الحديث الثاني: حديث حُذَيفة في الأمانة، تقدَّم شرحُه في كتاب الفتن (٦٤٩٧). الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن مُرَّةٍ)) هو الجَمَليّ، بفتح الجيم وتخفيف الميم، ومُرَّةُ شيخه: هو ابن شَرَاحِيلَ، ويُقال له: مُرَّة الطَّيِّب بالتَّشديد، وهو الهَمْدانيُّ بسكونِ المیم، وليس هو والد عمرو الراوي عنه. قوله: ((وأحْسَنُ الهَدْي هَدْيُ محمَّد)) بفتح الهاء وسكون الدّال للأكثر، وللگُشمِیھنيّ بضمِّ الهاء مقصور، ومعنى الأوَّل: الهَيئَة والطَّريقة، والثّاني: ضِدّ الضَّلال. ١٦ باب ٢/ح ٧٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وشَرّ الأُمور مُحدَثاتها ... )) إلى آخره، تقدَّم هذا الحديث بدون هذه الزّيادة في كتاب الأدب (٦٠٩٨)، وذَكَرتُ ما يَدُلّ على أنَّ البخاريّ اختَصَرَه هناك. وممّا أُنبِّه عليه هنا قبل شرح هذه الزّيادة: أنَّ ظاهر سياق هذا الحديث أنَّه موقوف، لكنَّ القَدْر الذي له حُكم الرَّفع منه قوله: ((وأحسَنُ الهدي هَذْي محمَّد ◌َّ))، فإنَّ فيه ٢٥٣/١٣ إخباراً عن صِفَة من صفاته بَّهَ، وهو / أحد أقسام المرفوع وقَلَّ مَن نَبَّه على ذلك، وهو كالمتَّفَقِ عليه، لتخريج المصنِّفِينَ المقتَصِرِينَ على الأحاديثِ المرفوعةِ الأحاديثَ الواردة في شَرائِله ◌َّ، فإنَّ أكثرها يَتعلَّق بصِفَةِ خَلْقه وذاته كوجهِه وشَعره، وكذا بصِفَةِ خُلُقه كحِلمِه وصَفْحه، وهذا مُندَرِج في ذلك، معَ أنَّ الحديث المذكور جاءَ عن ابن مسعود مُصرّحاً فيه بالرَّفع من وجه آخَر، أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) لكن ليس هو على شَرْط البخاريّ، وأخرجه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر مرفوعاً أيضاً بزيادةٍ فيه، وليس هو على شَرْطه أيضاً، وقد بَيَّنتُ ذلك في كتاب الأدب في ((باب الهدي الصالح)) (٦٠٩٨). و((المحدثات)) بفتح الدّال جمع: مُحدَثة، والمراد بها: ما أُحدِث وليس له أصل في الشّرع، ويُسمَّى في عُرْف الشَرع: بِدْعة، وما كان له أصل يَدُلّ عليه الشَّرع فليس بِدعَةٍ، فالبِدعَة في عُرْف الشّرع مذمومة بخِلَاف اللُّغة، فإنَّ كلّ شيء أُحدِث على غير مثال يُسمَّى بِدْعة، سواء كان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدَث الذي وَرَدَ في حديث عائشة: ((مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَةٌ)) كما تقدَّم شرحه (٢٦٩٧)، ومضى بيان ذلك قريباً في كتاب الأحكام(١). وقد وَقَعَ في حديث جابر المشار إليه: ((وكلّ بِدْعة ضلالة))، وفي حديث العرباض بن سارية: ((وإيّاكم ومُحدَثاتِ الأُمور، فإنَّ كلّ بِدْعة ضلالة))، وهو حديث أوَّله: وَعَظَنا رسول الله وَ ﴿ مَوعِظَة بليغة، فذكره وفيه هذا، أخرجه أحمد (١٧١٤٥) وأبو داود (٤٦٠٧) والِّرمِذيّ (٢٦٧٦) وصَحَّحَه وابن ماجَهْ (٤٢) وصحَّحه أيضاً ابن حِبّان (٥) والحاكم (١) بين يدي الحديث رقم (٧٣٥٠). ١٧ باب ٢/ح ٧٢٧٧ كتاب الاعتصام (٩٥/١-٩٧)، وهذا الحديث في المعنى قريبٌ من حديث عائشة المشار إليه، وهو من جوامع الكلِم. قال الشافعيّ: البِدعَة بِدعَتان: محمودة ومذمومة، فما وافَقَ السُّنَّةَ فهو محمود، وما خالَفَها فهو مذموم، أخرجه أبو نُعَيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجُنَيد عن الشافعيّ، وجاءَ عن الشافعيّ أيضاً ما أخرجه البَيْهَقيُّ في ((مناقبه)) قال: المحدَثات ضَرْبانٍ: ما أُحدِث يُخالِف كتاباً أو سُنَّة أو أثَراً أو إجماعاً، فهذه بِدْعة الضَّلال، وما أُحدِث من الخير لا يُخَالِفِ شيئاً من ذلك، فهذه مُحدَثة غير مذمومة. انتهى، وقَسَّمَ بعضُ العلماء البِدعَة إلى الأحكام الخمسة، وهو واضح. وثَبَتَ عن ابن مسعود أنَّه قال: قد أصبَحتُم على الفِطْرة، وإنَّكم ستُحدِثونَ ويُحدَث لكم، فإذا رأيتُم مُحدَثة فعليكم بالهَدْي الأوَّل(١). فمَّا حَدَثَ تدوينُ الحديث، ثمَّ تفسير القرآن، ثمَّ تدوين المسائل الفقهيَّة المَوَلَّدَة عن الرَّأي المَحْض، ثمَّ تدوين ما يَتعلَّق بأعمالِ القلوب، فأمّا الأوَّل فأنكَرَه عمر وأبو موسى وطائفة، ورَخَّصَ فيه الأكثرونَ، وأمّا الثّاني فأنكَرَه جماعة من التّابعينَ كالشَّعْبِيّ، وأمّا الثّالث فأنكَرَه الإمام أحمد وطائفة يسيرة، وكذا اشتَدَّ إنكارُ أحمد للَّذي بعده. ومَّا حَدَثَ أيضاً تدوينُ القول في أُصول الدِّيانات، فَتَصَدَّى لها المُثِتَة والنُّفَاة، فبالَغَ الأوَّل حتَّى شَبََّ وبالغَ الثّاني حتَّى عَطَّلَ، واشتَدَّ إنكار السَّلَف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعيّ، وكلامُهم في ذَمّ أهل الكلام مشهور، وسببه أنَّهم تَكلَّموا فيما سَكَتَ عنه النبيُّ ◌َله وأصحابه، وثَبَتَ عن مالك: أنَّه لم يكن في عَهْد النبيّ ◌َّل وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء؛ يعني بِدَعَ الخوارج والرَّوافض والقَدَرِيَّة. وقد تَوسَّعَ مَن تَأخَّرَ عن القُرون الثَّلاثة الفاضلة في غالب الأُمور التي أنكَرَها أئمّة الّابعينَ وأتباعهم، ولم يَقتَنِعوا بذلك حتَّى مَزَجوا مسائلَ الدّيانة بكلام اليونان، وجَعَلوا كلام الفلاسفة أصلاً يَرُدّونَ إليه ما خالَفَه من الآثار بالتَّويل، ولو كان مُستَكرَهاً، ثمَّ لم (١) أخرجه المروزي في ((السُّنة)) (٨٠)، وابن بطّة في ((الإبانة)) (١٨٠) وغيرهما. ١٨ باب ٢/ح ٧٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري يَكتَفوا بذلك حتَّى زَعَموا أنَّ الذي رَتَّبوه هو أشرَفُ العلومَ وأَوْلاها بالتَّحصيل، وأنَّ مَن لم يستعمل ما اصطَلَحوا عليه فهو عامّيٌّ جاهل، فالسَّعيد مَن تَمَسَّكَ بما كان عليه السَّلَف واجتَنَبَ ما أحدَثَه الْخَلَف، وإن لم يكن له منه بُدُّ فليَكتَفِ منه بقَدْرِ الحاجة، ويجعل الأوَّلَ المقصودَ بالأصالة، والله الموفِّق. وقد أخرج أحمد (١٦٩٧٠) بسندٍ جيّدً (١) عن غُضَيف بن الحارث قال: بَعَثَ إليَّ عبدُ الملِك ٢٥٤/١٣ ابن مروان فقال: إنّا قد جَمَعْنا الناس على رَفْع الأيدي على المِنْبَر يوم الجُمُعة، / وعلى القَصَص بعد الصُّبح والعصر، فقال: أما إنَّهما أمثل بِدَعكم عندي، ولست بمُجيبِكم إلى شيء منهما لأنَّ النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((ما أحدَثَ قومٌ بِدْعةً إلَّ رُفِعَ من السُّنَّةَ مِثْلُها)) فَتَمسُّكُ بسُنَّةٍ خيرٌ من إحداثٍ بِدْعةٍ. انتهى، وإذا كان هذا جوابَ هذا الصَّحابيّ في أمر له أصل في السُّنَّةَ، فما ظنُّك بما لا أصلَ له فيها، فكيف بما يَشتَمِل على ما يُخَالِفِها؟! وقد مضى في كتاب العلم (٦٨): أنَّ ابن مسعود كان يُذكِّرِ الصَّحابة كلَّ خميس لئلّاً يَمَلُّوا، ومضى في كتاب الرِّقاق(٢): أنَّ ابن عبّاس قال: حَدِّث الناسَ كلَّ جُمعة، فإن أبيتَ فمرَّتَين، ونحوه وصيّة عائشة لعُبَيدِ بن عُمَير (٣)، والمراد بالقَصَص: التَّذكير والوَعْظ، وقد كان ذلك في عَهْد النبيّ ◌َّ، لكن لم يكن يجعله راتباً كخُطْبة الجُمعة، بل بحَسَب الحاجة. وأمّا قوله في حديث العِرباض: ((فإنَّ كلّ بِدْعة ضلالة)) بعد قوله: ((وإيّاكم ومُحُدَثات الأُمور))، فإنَّه يَدُلّ على أنَّ المُحدَثة تُسمَّى بِدْعة، وقوله: ((كلّ بِدْعة ضلالة)) قاعدَة شَرعيَّة كُلّيَّة بمنطوقِها ومفهومها، أمّا منطوقها فكأن يقال: حُكْم كذا بِدْعة وكلّ بِدْعة ضلالة، (١) كلّا ليس كذلك، ففي سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني الشامي، والجمهور على تضعيفه، وضعّفه الحافظ نفسه في «التقریب)). (٢) بل في الدعوات (٦٣٣٧). (٣) عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٦٣/٥ قالت له: خفف فإن الذِّكر ثقيل. وعند أبي يعلى (٤٤٧٥) قالت للسائب: وإذا أتيتَ قوماً يتحدثون فلا تقطعنَّ حديثهم، ولا تُمِلَّ الناسَ من كتاب الله، ولا تحدِّث في الجمعة الّ مرةً فإن أَبیتَ فمرَّتین. ١٩ باب ٢/ح ٧٢٧٨ - ٧٢٨٠ كتاب الاعتصام فلا تكون من الشّرع لأنَّ الشَّرع كلّه هُدَى، فإن ثَبَتَ أنَّ الحُكْم المذكور بِدْعة صَخَّت المقدِّمتان، وأنتَجَتا المطلوب، والمراد بقوله: ((كلّ بِدْعة ضلالة)) ما أُحدِث ولا دليلَ له من الشَّرع بطريقٍ خاصٍّ ولا عامّ. وقوله في آخر حديث ابن مسعود: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ * أرادَ خَتْم مَوعِظَته بشيءٍ من القرآن يُناسِب الحال. وقال ابن عبد السَّلام في أواخر ((القواعد)): البِدعَة خمسة أقسام: فالواجبة: كالاشتغالِ بالنَّحوِ الذي يُفهَم به كلام الله ورسوله، لأنَّ حِفظ الشَّريعة واجب، ولا يَتَأَتَّى إلّا بذلك فيكون من مُقدِّمة الواجب، وكذا شرحُ الغريب وتدوين أُصول الفقه، والتَّوَصُّل إلى تمييز الصَّحيح والسَّقيم. والمحرَّمة: ما رَتَّبَه مَن خالَفَ السُّنَّة من القَدَريَّة والمرجِثَة والمشبّهة. والمندوبة: كلّ إحسان لم يُعهَد عينُه في العَهْد النبويّ، كالاجتماع على التَّراويح، وبناء المدارس والرُّبُط، والكلام في التَّصَوُّف المحمود، وعَقْد مجالس المناظرة إن أُرِيدَ بذلك وجهُ الله. والمباحة: كالمصافَحَةِ عَقِبَ صلاة الصُّبح والعصر، والتوسُّع في المستلَذّات من أكل وشرب ومَلَس ومَسكن، وقد يكون بعض ذلك مكروهاً أو خِلَاف الأَوْلى، والله أعلم. ٧٢٧٨، ٧٢٧٩- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن عُبَيدِ الله، عن أبي هُرَيرةَ وزيدِ بنِ خالٍ، قالا: كنّا عندَ النبيِّ ◌َّةِ، فقال: ((لَأَقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله)). ٧٢٨٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حَدَّثنا فُلَيْحٌ، حذَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، أَنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((كلُّ أَمَّتِي يَدخُلونَ الجنَّةَ، إلّا مَن أبى)) قالوا: يا رسولَ الله، ومَن يَأْبَى؟! قال: «مَن أَطاعَنِي دَخَلَ الجنَّةَ، ومَن عَصَاني فقد أبى)). الحديث الرابع والخامس: حديث أبي هريرةَ وزيد بن خالد الجُهَنيّ في قصَّة العَسِيف قالا: ٢٠ باب ٢/ح ٧٢٨٠ فتح الباري بشرح البخاري كنَّا عند رسول الله وَّه فقال: «لَأقضيَنَّ بينكما بكتابِ الله))، وهذا يُوهِم أنَّ الخِطاب لهما، وليس كذلك، وإنَّما هو لوالدِ العَسيف والذي استَأجَرَه لمَّا تَّحاكما بسبب زِنى العَسيف بامرأة الذي استَأجَرَه، والقَدْر المذكور هنا طَرَف من القصّة المذكورة، واقتَصَرَ البخاريّ هنا عليه لدخولِه في غَرَضه من أنَّ السُّنَّة يُطلَق عليها كتابُ الله، لأنَّها بوَحْيِه وتقديره، لقولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك معَ شرح الحديث في كتاب المحاربينَ المتعلّق ببيان الحدود (٦٨٤٢). الحديث السادس: قوله: ((فُلَيح)) بالفاءِ والمهمَلة مُصغَّر: هو ابن سليمان المدنيّ، وشيخه هلال بن عليّ: هو الذي يُقال له: ابن أبي ميمونة. قوله: ((كلّ أمَّتي يَدخُلون الجنَّة إلّا مَن أبَى)) بفتح الموخَّدة، أي: امتَنَعَ، وظاهره أنَّ العُموم مُستَمِّ، لأنَّ كلَّا منهم لا يَمتَنِعِ من دخول الجنَّةَ، ولذلك قالوا: ومَن يَأْبَى؟ فبيَّن لهم أنَّ إسناد الامتناع إليهم عن الدُّخول مَجَازٌ عن الامتناع عن سُنَّه، وهو عِصيانُ الرَّسول وَلَّه وقد تقدَّم في أوَّل الأحكام (٧١٣٧) حديث أبي هريرةَ أيضاً مرفوعاً: ((مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله))، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى. وأخرج أحمد والحاكم (١/ ٥٥ و٢٤٧/٤) من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الأعرج عن أبي هريرةَ رَفَعَه: (لتَدخُلُنَّ الجنَّة إلّا مَن أبى وشَرَدَ على الله شِرادَ البعير)) (١) وسنده على شرط الشَّيخَين، وله شاهد عن أبي أُمامةَ عند الطََّرَانيّ(٢) وسنده جيِّد، والموصوف بالإباءِ - وهو الامتناع - إن كان كافراً فهو لا يَدخُل الجنَّة أصلاً، وإن كان مسلماً فالمراد مَنعُه من ٢٥٥/١٣ دخولها معَ أوَّل داخل إلّا مَن شاءَ / الله تعالى. (١) أخرجه الحاكم في الموضع الأول من طريق أحمد، ولم يقع في ((مسنده)) من هذا الطريق، وهو فيه برقم (٨٧٢٨) كرواية البخاري من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة، دون قوله: ((وشرد ... إلخ)). (٢) في ((الأوسط)) (٣١٤٩)، وهو عند أحمد أيضاً برقم (٢٢٢٢٦)، وله شاهد آخر من حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان (١٧)، ورجاله ثقات.