Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ باب ٩ / ح ٧١٥٢ كتاب الأحكام وقال الطِّييُّ: الفاء في قوله: ((فلم يَخُطْها)) وفي قوله: ((فيموت)) مِثل اللّام في قوله: ﴿فَالَْقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: ((وهو غاشّ)) قَيدٌ للِفِعلِ مقصودٌ بالذِّكرِ، يريد أنَّ الله إنَّما ولّاه على عباده ليُديمَ لهم النَّصيحَة، لا لِيَغُشَّهم حتَّى يموتَ على ذلك، فمن قَلَبَ القضيّة استَحقَّ أن يُعاقَبَ. ٩ - بابٌ مَن شاقّ شَقَّ اللهُ علیه ٧١٥٢- حدَّثنا إسحاقُ الواسِطِيُّ، حدَّثْنا خالدٌ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن طَرِيفٍ أبِي تَمِيمةً، قال: شَهِدْتُ صَفْوانَ وجُندُباً وأصحابَه وهو يُوصِيهِم، فقالوا: هل سمعتَ مِن رسولِ الله وَلّم شيئاً؟ قال: سمعتُه يقولُ: ((مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به يومَ القيامةِ)) قال: ((ومَن شاقَّ شَقَّ اللهُ عليه يومَ القيامةِ)) فقالوا: أوْصِنا، فقال: إنَّ أوَّلَ ما يُنْتِنُ/ منَ الإنسان بَطْنُه، فمَنِ استَطاعَ أنْ لا يَأْكُلَ ١٢٩/١٣ إلا طَيِّاً فلْيفعل، ومَنِ استَطاعَ أنْ لا يُحَالَ بينَه وبينَ الجنَّةِ بمِلْءِ كَفٍّ مِن دَم هَراقَه فليفعل. قوله: ((بابٌّ مَن شاقَّ شَقَّ اللهُ عليه)) في رواية النَّسَفيّ: ((مَن شَقَّ)) بغير ألِف، والمعنى: مَن أدخَلَ على الناس المشَقَّة أدخَلَ الله عليه المشَقَّة، فهو من الجزاء بجِنسِ العمل. قوله: ((خالد)) هو ابن عبد الله الطّحّان. قوله: ((عن الجُرَيْرِيِّ)) بضمِّ الجيم: هو سعيد بن إياس، ولم يُخُرِّج البخاريُّ للعبّاسِ الجُرَيريِّ شيئاً وهو من هذه الطَّقة، وخالد الطَّحّان مَعدود فيمَن سَمِعَ من سعيد الجُرَيرِيِّ قبلَ الاختلاط، وكانت وفاة الجُرَيريِّ سنة أربع وأربعينَ ومئة، واختَلَطَ قبلَ مَوته بثلاثٍ سنين، وقال أبو عُبَيد الآجُرّيُّ عن أبي داود: مَن أدرَكَ أيوبَ فسماعه من الجُرَيريِّ جيّد. قلت: وخالدٌ قد أدرَكَ أيوب، فإنَّ أيوب لمَّا ماتَ كان خالدٌ المذكور ابنَ إحدى وعِشرينَ سنة. قوله: ((عن طَرِيف)) بالطّاءِ المهمَلة وزن عَظِيم. قوله: ((أبي تَميمة)) بالمثنّةِ وزن عَظِيمة، وهو ابن مُجَالِد بضمِّ الميم وتخفيف الجيم الهُجَيميّ بالجيم مُصغَّر، نسبة إلى بني الهُجَيم بطنٍ من تَميم، وكان مولاهم، وهو بصريّ، ما له في ٢٦٢ باب ٩ / ح ٧١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري البخاريّ عن أحد من الصَّحابة إلّا هذا الحديث، وله حديث آخَر تقدَّم في الأدب (٦٠٠٣) من روايته عن أبي عثمان النَّهديِّ. قوله: ((شَهِدْتُ صَفْوان)) هو ابن مُحُرِز بن زياد التّابعيُّ الثَّقةُ المشهور من أهل البصرة. قوله: ((وجُندُباً)) هو ابن عبد الله البَجَليُّ الصَّحابيُّ المشهور، وكان من أهل الكوفَة ثمَّ تَحَوَّلَ إلى البصرة، قاله الكلاباذيُّ. قوله: ((وأصحابَه)) أي أصحاب صفوان. قوله: ((وهو)) أي: جُندُب ((يُوصِيهِم)) ذكره المُِّّ في ((الأطراف)) بلفظ: شَهِدتُ صَفوان وأصحابه وجُندُباً يُوصِيهِم. ووَقَعَ في ((صحيح مسلم)) (٩٧) من طريق خالدِ بنِ عبد الله بن مُرِز عن عمّه صَفوان ابن مُحِرِز: أنَّ جُندُب بن عبد الله بَعَثَ إلى عَسعَسَ بنِ سَلامَة زمن فتنة ابن الزُّبَير فقال: اجَمَعْ لِي نَفَراً من إخواني حتَّى أُحدِّثُهم، فذكر القصَّة في تَحديثِه لهم بقصَّة الذي حَلَ على رجل فقال: لا إله إلّ الله فقَتَلَه، وأظُنّ أنَّ القِصَّتَينِ واحدة، ويَجمَعهما أنَّه حَذَّرَهم من التَّعَرُّض لقَتلِ المسلم، وزَمَنُ فتنة ابن الزُّبَير كانت عَقِبَ مَوت يزيد بن معاوية. ووَقَعَ عندَ الطََّرانيّ (١٦٨٥) من طريق ليث بن أبي سُلَيم عن صفوان بن مُحِرِز عن جُندُب بن عبد الله، أنَّه مَرَّ بقومٍ فقال: اتِنِي بِنَفَرِ من قُرَاء القرآن ولْيكونوا شيوخاً، قال: فأَتَيْتُه بنافع بن الأزرق، وأبي بلالٍ مِرداس، ونَفَرِ معهما ستَّةٍ أو ثمانية، فقال: إنّ سمعتُ رسول الله وَلَّد ... فذكَرَ الحديث. قلت: وأخرجه أيضاً (١٦٨١) من طريق الأعمش عن أبي تَميمة، أنَّه انطَلَقَ مع ◌ُندُبٍ إلى البصرة فقال: هل كنتَ تُدارس أحداً القرآن؟ قلت: نَعَم، قال: فائِنِي بهم، قال: فأتَيتُهُ بنافعٍ وأبي بلالٍ مِرداس ونَجدَة وصالح بن مِشْرَحِ، فأَنشَأ ◌ُحدِّث. قلت: وهؤلاءِ الأربعة من رُؤوس الخوارج الذينَ خَرَجوا إلى مَّة لنَصرِ ابن الزُّبَير لمَّا جَهَّزَ إليه يزيد بن معاوية الجيوش، فشَهِدوا معه الحِصار الأوَّل، فلمَّا جاءَهم الخبر بمَوتِ يزيد بن معاوية سَألوا ابن الزُّبَير عن قوله في عثمان، فأثنَى عليه، فغَضِبوا وفارَقوه، ٢٦٣ باب ٩ / ح ٧١٥٢ كتاب الأحكام فحَجُوا، وخَرَجَ نَجْدَةُ بالْيَمَامَةِ فَغَلَبَ عليها وعلى بعض بلاد الحِجاز، وخَرَجَ نافع بنُ الأزرق بالعراق فدامَت فِتْنَتَه مُدَّة، وأمّا أبو بلال مِرداس فكان خَرَجَ على عُبَيد الله بن زياد قبلَ ذلك فقَتَلَه. قوله: (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به يومَ القيامة)) قلت: تقدَّم هذا المتن من حديث جُندُبٍ من وجهٍ آخَر مع شرحه في ((باب الرّياء والسُّمعة)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٩٩) وفيه: ((ومَن راءی)) ولم يقع فيه مقصودُ هذا الباب. قوله: ((ومَن شاقَّ شَقَّ/ اللهُ عليه)) كذا للكُشميهَنيّ، وللسَّرَخسيِّ والمستَملي: ((ومَن يُشاققْ ١٣٠/١٣ يَشِفُقِ اللهُ عليه)) بصيغة المضارعَة وبفَكِّ القاف في الموضعين، وفي رواية الطَّبَرانيّ (١٦٨٢) عن أحمد بن زُهَير التُّتَريّ عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاريّ فيه: ((ومَن شاقَقَ(١) يَشُقُّ الله علیه)). قوله: ((فقالوا: أوْصِنا، فقال: إنَّ أوَّل ما يُنْتِنُ من الإنسان بَطْنُه)) يعني: بعد الموت، وصَرَّحَ به في رواية صفوان بن مُحُرِز عن جُندُب، ولفظه: ((واعلموا أنَّ أوَّل ما يُنِن من أحدكم إذا ماتَ بطنُه)). قوله: ((فمَن استَطاعَ أنْ لا يَأْكُل إلّا طيّباً فليفعل)) في رواية صَفوان: فلا يُدخِلْ بطنَه إلّا طيِّباً. هكذا وَقَعَ هذا الحديث من هذا الوجه موقوفاً، وكذا أخرجه الطَّبَرانيُّ من طريق قَتَادَةَ عن الحسن - هو البصريّ - عن جُندُب موقوفاً (٢)، وأخرجه (١٦٨٥) من طريق صَفْوان (١) في (ع) و(س): يشاقق، والمثبت من (أ) و((معجم)) الطبراني. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، والصواب أنه عند الطبراني مرفوع، فقد أخرجه في ((الكبير)) (١٦٦٢) من طريق أبي كامل الجحدري، وفي «الأوسط)) (٨٤٩٥) من طريق أبي بكر بن أبي الأسود، كلاهما عن أبي عوانة، عن قتادة، بهذا الإسناد مرفوعاً، وقد نصَّص البيهقي في ((شعب الإيمان)) على أن أبا كامل رواه عن أبي عوانة مرفوعاً، قال البيهقي: والصحيح موقوف. قلنا: وقد أخرجه هو في ((الشعب)) (٥٣٥٠) من طريق أبي بكر بن أبي الأسود عن أبي عوانة مرفوعاً. وأما الموقوف فقد أخرجه النسائي في ((جزء)) فيه مجلسا إملاء برقم (٣) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، أن جندباً قال ... ، فذكره موقوفاً. ٢٦٤ باب ٩ / ح ٧١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ابن مُحُرِز، وسياقه يَحَتَمِل الرَّفع والوَقْف، فإنَّه صَدَّرَ بقولِه: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((مَنْ سَمَّعَ ... )) الحديث ((واعلَموا أنَّ أوَّل ما يُنِن)). ويُنِن بنونٍ ومُثنّة وضمّ أوَّله من الرُّباعيّ، وماضيه: أنتَنَ ونَتُنَ، والنَّتَن: الرَّائحَة الكريهة. قوله: ((ومَن استَطاعَ أنْ لا يُحال بينَه وبينَ الجَنَّ بمِلْءٍ كَفّ)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: ((يَجول)) وبلفظ: ((مِلء)) بغير موخَّدة، ووَقَعَ في رواية كَرِيمةَ والأَصِيليّ: (كَفّه)». قوله: ((من دَمِ هَراقَه)) أي: صَبَّهُ ((فلَفعَل)) قال ابن التِّين: وَقَعَ في روايتنا: ((أهراقَه)) وهو بفتح الهمزة وكسرها. قلت: هي لمن عَدا أبا ذَرّ. كذا وَقَعَ هذا المتن أيضاً موقوفاً، وكذا أخرجه الطَّبَرانيُّ من طريق صفوان بن مُرِز ومن طريق قَتَادةَ عن الحسن عن جُندُب موقوفاً(١)، وزاد الحسن بعدَ قوله: يُهريقه: ((كَأَنَّما يَذْبَح دَجاجة، كلَّما تقدَّم لبابٍ من أبواب الجنَّة حالَ بينَه وبينَه)). ووَقَعَ مرفوعاً عندَ الطَّبَرانيّ أيضاً (١٦٦١) من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جُندُب، ولفظه: تعلمونَ أنّ سمعتُ رسول الله وَّهِ يقول: ((لا يَحَولَنَّ بين أحدكم وبَين الجَنَّة وهو يراها مِلءُ كَفِّ دَمٍ من مسلمٍ أهراقَه بغير حِلُّه))، وهذا لو لم يَرِدِ مُصرَّحاً برَفعِه لكان في حُكم المرفوع، لأَنَّه لا يُقال بالرَّأي، وهو وعيدٌ شديدٌ لقَتلِ المسلم بغير حَقٌّ. قال الکِرمانيُّ في معنى قوله: «مِلء کفٍّ من دم)): هو عبارة عن مِقدار دَم إنسانٍ واحد. كذا قال، ومن أينَ هذا الحَصر؟ والمتَبادَر أنَّ ذِكر مِلء الكَفّ كالمثال، وإلّا فلو كان دونَ ذلك لکان الحکم کذلك. وعندَ الطَّبَرانيِّ (١٦٨١) من حديث الأعمش عن أبي تميمة: قال رسول الله وَ لات: ((لا يَحولَنَّ بين أحدكم وبينَ الجنَّة)) فذكر نحو رواية الْجُرَيريّ، وزاد في آخره: قال: فَبَكَى القوم، فقال جُندُب: لم أرَ كاليومٍ قَطّ قوماً أحقّ بالنَّجاةِ من هؤلاءِ إن كانوا صادِقِينَ. (١) انظر التعليق السابق. ٢٦٥ باب ١٠ كتاب الأحكام قلت: ولعلَّ هذا هو السّرّ في تَصديره كلامَه بحديث: ((مَن سَمَّعَ)) وكأنّه تَفرَّسَ فيهم ذلك، ولهذا قال: إن كانوا صادِقين، ولقد صَدَقَت فِراسَتُه، فإنَهم لمَّا خَرَجوا بَذَلوا السَّيف في المسلمين، وقَتَلوا الرِّجال والأطفال وعَظُمَ البلاء بهم، كما تقدَّمَت إليه الإشارة في كتاب المحاربينَ(١). قال ابن بَطّال: المُشاقّة في اللُّغة مُشتَقَّة من الشِّقاق، وهو الخِلاف، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، والمراد بالحديث: النَّهيُ عن القول القَبيح في المؤمنين، وكَشفِ مُساوِئهم وعُيوبِهِم، وتركُ مُالَفَة سبيل المؤمنينَ ولُزومُ جماعَتهم، والنَّهيُّ عن إدخال المشَقَّة عليهم والإضرارِ بهم. قال صاحب ((العَين)»: شَقَّ الأمرُ عليك مَشَقَّةُ: أضَرَّ بك. انتهى، وظاهره أنَّه جَعَلَ المشَقَّة والمُشاقّة بمعنَى واحد، وليس كذلك، فقد جَوَّزَ الخطَّبيُّ في هذا أن تكون المشَقّة من الإضرار، فَيَحمِل الناسَ على ما يَشُقّ عليهم، وأن تكون من الشِّقاق وهو الخِلاف ومُفارَقة الجماعة، وهو أن يكون في شِقٌّ، أي: ناحيةٍ عن الجماعة، ورَجَّحَ الدَّاووديُّ الثّاني، ومن الأوَّل قوله بَّ في حديث عائشة: «اللهُمَّ مَن وَليَ من أمرِ أمَّتي شيئاً فشَقَّ عليهم فاشقُق عليه)) أخرجه مسلم (١٨٢٨). ووَقَعَ لغيرِ أبي ذرٍّ في آخر هذا الحديث: قلت: لأبي عبد الله: مَن يقول: سمعت رسول الله/ وَّله؟ جُندُب؟ قال: نَعَم جُندُب. انتهى، وأبو عبد الله المذكور: هو المصنّف، ١٣١/١٣ والسّائل له: الفِرَبِريّ، وقد خَلَت رواية النَّسَفيِّ عن ذلك. وقد سَبَقَ من الطَّرق التي أورَدتُها ما يُصرِّح بأنَّ جُندُباً هو القائل، وليس فيمَن سُمّيَ في هذه القصَّة أحدٌ من الصَّحابة غيره. ١٠ - باب القضاءِ والفُتْيا في الطَّرِيقِ وقَضَى يحيى بنُ يَعْمَرَ في الطَّرِيقِ. وقَضَى الشَّعْبيُّ على باب داره. (١) بل في كتاب استتابة المرتدين ((باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم))، قبل الحديث (٦٩٣٠). ٢٦٦ باب ١٠ / ح ٧١٥٣ فتح الباري بشرح البخاري ٧١٥٣ - حدَّثنا عُثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ عُ، قال: بينما أنا والنبيُّ ◌َّ خارجان منَ المسجدِ، فَلَقِيَنا رجلٌ عندَ سُدّةٍ المسجدِ، فقال: يا رسولَ الله، متى السّاعةُ؟ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما أعدَدْتَ لها؟)) فكأنَّ الرجلَ استكان، ثمَّ قال: يا رسولَ الله ما أعدَدْتُ لها كبيرَ صيام ولا صلاةٍ ولا صَدَقةٍ، ولكنّي أُحِبُّ الله ورسولَه، قال: «أنتَ مع مَن أحبَيْتَ)». قوله: ((باب القضاء والفُتْيا في الطَّريق)) كذا سوَّى بينهما، والأثَران المذكوران في التَّرجمة صريحان فيما يَتَعلَّق بالقضاء، والحديث المرفوع يُؤْخَذ منه جواز الفُتيا فيَلحَق به الحُكم. قوله: ((وقَضَى يحيى بن يَعْمَرَ)) بفتح الميم: هو التّابعيُّ الجَليل المشهور، وكان من أهل البصرة فانتَقَّلَ إلى مَروٍ بأمرِ الحجّاجِ، فَوَليَ قضاء مَروٍ لقُتَيبةَ بن مسلم، وكان من أهل الفَصاحَة والوَرَع، قال الحاكم: قَضَى في أكثر مُدُن خُراسان، وكان إذا تَحوَّلَ إلى بلدٍ اسْتُخْلِفَ في التي انتَقَلَ منها. قوله: ((في الطَّريق)) وَصَلَه محمَّد بن سعد في ((الطَّقات)) (٧/ ٣٦٨) عن شَبَابَةً عن موسى بن يسار قال: رأيت يحيى بن يَعمَرَ على القضاء بمَروٍ، فرُبَّما رأيتُه يقضي في السُّوق وفي الطَّريق، ورُبّما جاءَه الخصمان وهو على حمارٍ فيقضي بينهما. وأخرج البخاريّ في ((التّاريخ)) (٣٥٣/٢) من طريق حُميد بن أبي حَكِيم أنَّه رأى يحيى ابن یَعمَرَ یقضي في الطَّريق. قوله: ((وقَضَى الشَّعْبيّ على باب داره)) قال ابن سعد في ((الطَبقات)) (٦/ ٢٥٢): أخبرنا أبو نُعَيم حدَّثنا أبو إسرائيل: رأيت الشَّعْبيّ يقضي عندَ باب الفيل(١). وأخرج الكرابيسيُّ في ((القضاء)) من وجهٍ آخَر عن الشَّعْبيّ: أنَّ عليّاً قَضَى في السُّوق. وأخرج من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن: أنَّه مرَّ على قومٍ وهو على راحلته، فَتَظَلَّموا مِن كَرِيٍّ لهم، فَنَزَلَ فَقَضَى بِينَهم، ثمَّ رَكِبَ فمَضَى إلى مَنزِلِه. (١) زاد هنا في (س) لفظة: بالكوفة، ولم ترد هذه الكلمة في الأصلين ولا في «الطبقات)). ٢٦٧ باب ١٠ / ح ٧١٥٣ كتاب الأحكام ثم ذَكَر حديث سالم بن أبي الجَعْد عن أنسٍ في الذي سَألَ النَّبِيَّ وَّ متى السّاعة، وقد تقدَّم من وجه آخَر عن سالم في كتاب الأدب مشروحاً (٦١٦٧ و٦١٧١). وقوله هنا: ((فلَفيَنا رجلٌ عند سُدَّة المسجد)) السُّدَّة، بضمِّ السّين وتشديد الدّال المهمَلتَين: هي باب الدّار، وقيل لإسماعيلَ بن عبد الرَّحمن: السُّدِّيّ؛ لأنَّه كان يبيع المقانع عندَ سُدَّة مَسجِد الكوفَة، وهي ما يَبقَى من الطّاق المسدود، وقيل: هي المِظَلَّة على البابِ لوِقاية المطر والشمس، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: عَتَبته، وقيل: السّاحَة أمام الباب. وقوله: ((ما أعدَدْتَ لها؟)) كذا لأبي ذَرّ، ولغيرِهِ: ((عَدَّدت)) وهو بالتَّشديد مِثل ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَذَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] أي: هَيَّه. وقوله: (استكان)) أي: خَضَعَ، وهو استَفعَلَ من السُّكون الدّالّ على الخُضوع. قال ابن التِّين: لعلَّ سبب سؤال الرجل عن السّاعة إشفاقاً ممّا يكون فيها، ولو سَألَ استِعجالاً لدَخَلَ في قوله تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وقوله: ((كبير عمل(١)) بالموخَّدةِ للأكثر، وبالمثلَّثةِ لبعضِهِم. قال ابن بَطّال: في حديث أنس جوازُ سكوت العالم عن جواب السّائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تُعرَف، أو كانت / مَّا لا حاجةَ بالناسِ إليها، أو كانت ممَّا يُحْشَى منها الفتنة، أو ١٣٢/١٣ سوء التّأويل، ونُقِلَ عن المهلَّب الفُتيا في الطَّريق وعلى الدّابَّة، ونحو ذلك من التَّواضُع، فإن كانت لضعيفٍ فهو محمود، وإن كانت لرجلٍ من أهل الدُّنيا، أو لمن يُحْشَى لسانُه فهو مكروه. قلت: والمثال الثّاني ليس بجيِّدٍ؛ فقد يترتَّب على المسؤول من ذلك ضَرَرٌ فيُجيب لِيَأْمَنَ شَرّه، فيكون في هذه الحالة محموداً. قال: واختُلِفَ في القضاء سائراً أو ماشياً، فقال أشهَب: لا بأس به إذا لم يَشغَله عن الفَهْم. وقال سَحنُون: لا يَنْبَغِي. وقال ابن حَبِيب: لا بأس بما كان يسيراً، وأمّا الابتداء بالنَّظَرِ (١) لفظة ((عمل)) ليست في رواية سالم بن أبي الجعد، وإنما ذكرت من وجوه أخرى عن أنس كما في ((مسند أحمد» (١٢٠١٣) و(١٢٧١٥) و(١٣٣٦٢). ٢٦٨ باب ١١ / ح ٧١٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ونحوه فلا. قال ابن بَطّال: وهو حسن، وقول أشهَب أشبَهُ بالدَّليل. وقال ابن التِّين: لا يجوز الحُكم في الطَّريق فيما يكون غامضاً. كذا أطلَقَ والأَشبَهُ التَّفصيل. وقال ابن المنيِّر: لا تَصِحّ حُجَّة مَن مَنَعَ الكلام في العِلم في الطَّريق، وأمّا الحكاية التي تُحكَى عن مالك في تَعزيرِه الحاكمَ الذي سَألَه في الطَّريق، ثمَّ حدَّثه، فكان يقول: ودِدتُ لو زادني سياطاً وزادني تَحديثاً، فلا يَصِحّ. ثمَّ قال: ويحتمل أن يُفرَّق بينَ حالة النَّبِيّ وَّ وحالة غيره، فإنَّ غيره في مَظِنَّهُ أن يَتَشاغَل بلَغِ الطُّرقات. وقد تقدَّم في كتاب العِلم ترجمة: ((الفُتيا على الدّابَّة)) (٨٣)، ووَقَعَ في حديث جابرِ الطّويل فِي حَجَّة الوَداعِ عندَ مسلم (١٢٧٣): وطافَ رسولُ الله ◌َّه على راحلته ليراه الناسُ ولُيُشِرِفَ لهم لَيَسألوه. والأحاديث في سؤال الصَّحابة وهو سائرٌ ماشياً وراكباً كثيرة. ١١ - باب ما ذُكِرَ أنَّ النبيَّ ◌َ لّ لم یکن له بوَّابٌ ٧١٥٤- حذَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ يقولُ لامَرَأَةٍ مِن أهلِهِ: تَعرِفِينَ فلانةَ؟ قالت: نَعَم، قال: فإنَّ النبيَّ نَّهِ مَّ بها وهي تَبْكي عندَ قَبْرٍ، فقال: ((اتَّقي الله واصبِرِي)) فقالت: إليكَ عنِّي، فإنَّكَ خِلْوٌ مِن مُصِيبَتي، قال: فجاوَزَها ومَضَى، فمرَّ بها رجلٌ، فقال: ما قال لكِ رسولُ اللهِ وَّهِ؟ قالت: ما عَرَفْتُه، قال: إنَّه لَرسولُ الله ◌َِّ، قال: فجاءَتْ إلى بابه فلم تَجِدْ عليه بوَّاباً، فقالت: يا رسولَ الله، والله ما عَرَفَتُكَ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ الصَّبْرَ عندَ أوَّلِ صَدْمةٍ)). قوله: ((بابُ ما ذُكِرٍ أن النبيَّ وَيُّه لم يكن له بّاب)) ذَكَر فيه حديث أنس في قصَّة المرأة التي جاءَت تَعَذِر عن قولها: إليك عنِّي، لمَّا أمَرَها النَّبِيُّ وَّهـ ووَجَدَها تبكي عند قبر - بالصَّبر، ففي الحديث: فجاءَت إلى بابه فلم تَجِد عليه بوَّاباً. قوله: ((إنَّ الصَّبر عندَ أوَّل صَدْمَة)) في رواية الكُشمِيهَنِيِّ هنا: ((إنَّ الصَّبر عند الصَّدمَة الأولى))، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((باب زيارة القبور)) من كتاب الجنائز (١٢٨٣)، وأنَّ المرأة لم تُسمَّ، وأنَّ المقبور كان ولدَها ولم يُسمَّ أيضاً، وأنَّ الذي ذَكَر لها أنَّ الذي خاطَبَها هو النَّبِيّ وَّ: هو الفضل بن العبَّاس. ٢٦٩ باب ١١ / ح ٧١٥٤ كتاب الأحكام ووَقَعَ هنا أنَّ أنس بن مالك قال لامرأةٍ من أهله: هل تَعرِفينَ فلانَة؟ يعني: صاحبة هذه القصَّة، ولم أعرِف اسم المرأة التي من أهل أنسٍ أيضاً. وقولها: ((إليك عنِّي)) أي: كُفَّ نفسك ودَعني. وقولها: ((فإِنَّك خِلْوٌ)) بكسر المعجَمَة وسكون اللّام، أي: خالٍ من هَمّي. قال المهلَّب: لم يَكُن لِلنَّبِّ وَّهِ بَوَّابٌ راتب، يعني: فلا يَرِد ما تقدَّم في المناقب (٣٦٧٤) من حديث أبي موسى أنَّه كان بوَّاباً للَّبِّوَِّ لِمَّا جَلَسَ على القُفّ، قال: فالجمع بينهما أنَّه إذا لم يَكُن في شُغلِ من أهله ولا انفِرادٍ لشيءٍ من أمره، أنَّه كان يرفع حِجابه بينَه وبينَ الناس، ويَبرُز لطالِبِ الحاجة إليه. وقال الطَّبَرِيُّ: دَلَّ حديث عمر حينَ استَأذَنَ له الأسوَد/- يعني: في قصَّة حَلِفِه ◌َِّ أن ١٣٣/١٣ لا يَدخُل على نسائه شَهراً كما تقدَّم في النِّكاح (٥٢٠١) - أَنَّه ◌َّرِ كان في وقت خَلوَته بنفسِه يَتَّخِذ بوَّاباً، ولولا ذلك لاستأذَنَ عمر لنفسِه ولم يَحتَج إلى قوله: يا رَباح استأذِن لي. قلت: ويحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنَّه خَشِيَ أن يكون وَجَدَ علیه بسببٍ ابنته، فأرادَ أن يَخْتَبِرَ ذلك باستئذانه عليه، فلمَّا أذِنَ له اطمَأنَّ وتَبَسَّطَ في القول كما تقدَّم بيانه. وقال الكِرمانيُّ ملخِّصاً لما تقدَّمَ: معنى قوله: لم يَجِد عليه بوَّاباً: أنَّه لم يَكُن له بوَّابٌ راتب، أو في حُجرَته التي كانت مَسكناً له، أو لم يَكُن البوَّاب بتعيينِهِ بل باشَرا ذلك بأَنفُسِهِما، يعني: أبا موسى ورَباحاً. قلت: الأوَّل كافٍ، وفي الثّاني نَظَر؛ لأنَّه إذا انتَفَى في الحُجرَة مع كَونها مَظِنَّة الخَلوَة فانتفاؤُه في غيرها أولى، وإن أرادَ إثبات البَوَّاب في الحُجرَة دونَ غيرها كان بخِلَاف حديث الباب، فإنَّ المرأة إنَّما جاءت إليه وهو في منزِلِ سَکَنِه فلم تَجِد علیه بوَّاباً، وفي الثّالث أيضاً نَظَر؛ لأنَّه على تقدير أنَّهما فعَلا ذلك من قِبَل أنفُسِهما بغير أمره، لكنَّ تقريره هما على ذلك يُفيدُ مشروعيَّتَه، فيُمكِن أن يُؤخَذ منه الجواز مُطلَقاً، ويُمكِن أن يُقيَّد بالحاجةِ، وهو الأولى. وقد اختُلِفَ في مشروعيَّة الْحُجّاب للحُكّام، فقال الشافعيّ وجماعة: يَنبَغي للحاكمِ أن لا يَتَّخِذ حاجباً، وذهب آخرونَ إلى جوازه، وُلَ الأوَّل على زمن سكون الناس واجتماعهم ٢٧٠ باب ١١ / ح ٧١٥٤ فتح الباري بشرح البخاري على الخير وطَواعِيَتَهم للحاكم، وقال آخَرونَ: بل يُستَحَبّ ذلك حينَئذٍ ليُرتِّبَ الخصوم، ويَمنَع المستطيل، ويَدفَع الشّریر. ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاووديِّ قال: الذي أحدثَه بعض القُضاة من شِدَّة الحُجّاب وإدخالٍ بطائقِ الخصوم لم يَكُن من فعل السَّلَف. انتهى، فأمّا اتّخاذ الحاجب فقد ثَبَتَ في قصَّة عمر في مُنازَعَة العَبَّاس وعليٍّ أنَّه كان له حاجبٌ يُقال له: يَرفا، ومَضَى ذلك في فرض الحُمُس واضحاً (٤٠٣٣). ومنهم مَن قَيَّدَ جوازه بغير وقت جُلوسه للنّاسِ لفَصلِ الأحكام. ومنهم مَن عَمَّمَ الجواز كما مَضْى. وأمّا البطائق فقال ابن التِّين: إن كان مُرادُه البطائقَ التي فيها الإخبار بما جَرَى فصحيح، يعني: أنَّه حادث، قال: وأمّا البَطائق التي تُكتَب للسَّبَقِ ليَبدَأ بالنَّظَرِ في خُصومَة مَن سَبَقَ فهو من العَدل في الحُكم. وقال غيره: وظيفة البوَّاب أو الحاجب أن يُطالِعِ الحاكمَ بحالٍ مَن حَضَرَ، ولا سيّما من الأعيان، لاحتمالِ أن يَجيء مُخاصاً والحاكم يَظُنّ أنَّه جاءَ زائراً، فيُعطيه حَقّه من الإكرام الذي لا يجوز لمن يجيء مُخاصاً، وإيصال الخبر للحاكمِ بذلك إمّا بالمشافَهَةِ وإمّا بالمكاتَبة. ويُكرَه دَوام الاحتجاب، وقد يَجِرُم، فقد أخرج أبو داود (٢٩٤٨) والتِّرمِذيّ (١٣٣٣) بسَنَدٍ جيّد عن أبي مريم الأسَديِّ أنَّه قال لمعاويةَ: سمعتُ رسولَ الله وَلَّ يقول: ((مَن ولّاه الله من أمرِ الناس شيئاً فاحتَجَبَ عن حاجَتهم، احتَجَبَ الله عن حاجَته يوم القيامة)) وفي هذا الحديث وعيدٌ شديدٌ لمن كان حاكماً بينَ الناس فاحتَجَبَ عنهم لغيرِ عُذر، لما في ذلك من تأخير إيصال الحقوق أو تَضييعها. واتَّفَقَ العلماء على أنَّه يُستَحَبّ تقديم الأسبَق فالأسبق، والمسافرِ على المقيم ولا سيَّما إن خَشِيَ فوات الرُّفقة، وأنَّ مَنِ اتَّخَذَ بوَّاباً أو حاجباً أن يَتَّخِذه ثقةً عَفيفاً أميناً عارفاً حسنَ الأخلاق عارفاً بمقادير الناس. ٢٧١ باب ١٢ / ح ٧١٥٥ كتاب الأحكام ١٢ - باب الحاكم يَحِكُمُ بالقتلِ على مَن وَجَبَ عليه دونَ الإمامِ الذي فوقَهُ ٧١٥٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ خالد، حدَّثنا محمَّد بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أبي، عن ١٣٤/١٣ ثُمامةَ، عن أنسٍ، قال: إنَّ قيسَ بنَ سعدٍ كان يكونُ بينَ يَدَىِ النبيِّ وَّه بِمَنْزِلةِ صاحبِ الشُّرَطَة منَ الأميرِ. قوله: ((باب الحاكمِ تَحِكُم بالقتلِ على مَن وَجَبَ عليه دون الإمام الذي فوقَه)) أي: الذي ولّاه من غير احتياج إلى استئذانه في خُصوص ذلك. ذكر فيه ثلاثةَ أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((حَدَّثَنا محمَّد بن خالد)) قال الحاكم والكلاباذيّ: أخرج البخاريّ عن محمَّد بن يحيى الذَّهليِّ فلم يُصرِّح به، وإنَّما يقول: حدَّنا محمَّد، وتارَة: محمَّد بن عبد الله، فيَنسُبه لجدِّه، وتارَة: حدَّثنا محمّد بن خالد، فكأنَّه نَسَبَه إلى جَدّ أبيه، لأنَّه محمَّد بن يحيى بنُ عبد الله بن خالدٍ بن فارس. قلت: ويُؤيِّده أنَّه وَقَعَ منسوباً في حديثٍ آخَر أخرجه عند الأكثر في الطِّبّ (٥٧٣٩): عن محمَّد بن خالد، حدَّنا محمّد بن وَهْب بن عَطيَّة، فَوَقَعَ في رواية الأَصِيليّ: حدَّثنا محمَّد بن خالد الذُّهليُّ، وكذا هو في نُسخَة الصَّغَانيّ، وأخرج ابنُ الجارود الحديث المذكور عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ عن محمَّد بن وَهْبِ المذكور، وقال خَلَف في ((الأطراف)): هو محمَّد بن خالد بن جَبَةَ الرَّافقيّ، وتَعقَّبَه ابن عساكر فقال: عندي أنَّه الذُّهلِيُّ. وقال المِزِّيُّ في ((التَّهذيب)): قول خَلَف: إنَّه الرَّافقيّ ليس بشيءٍ. قلت: قد ذكر أبو أحمد ابن عَديّ في شيوخ البخاريّ محمَّد بن خالد بن جَبَلَةَ، لكن عَرَّفَه بروايتِهِ عنه عن عُبَيد الله بن موسى، والحديث الذي أشارَ إليه وَقَعَ في ((التَّوحيد)) (٢٥١١) لكن قال فيه: حدَّثنا محمَّد بن خالد فقط ولم يَنسُبه لجدِّه جَبَلَةَ، وهو بفتح الجيم والموخَّدة، ولا لبلدِه الرَّافِقة وهي بفاءٍ ثمَّ قاف. وقد ذكر الدّارَ قُطنيُّ أيضاً في شيوخ البخاريّ محمَّد بن خالد الرّافقيّ، وأخرج النَّسائيُّ ٢٧٢ باب ١٢ / ح ٧١٥٥ فتح الباري بشرح البخاري (١١٦٧) عنه فنَسَبَه لجدِّه فقال: أخبرنا محمَّد بن جَبَةَ، فقال المِّيُّ في ترجمته: هو محمَّد بن خالد بن جَبَةَ الرَّافقيّ، وقد أخرج البخاريّ (١٩٥٢) عن محمَّد بن خالد عن محمَّد بن موسى بن أعين حديثاً، فقال الِيُّ في ((التَّهذيب)): قيل: هو الرَّافقيّ، وقيل: هو الذُّهليُّ وهو أشبَهَ، وسَقَطَ محمّد بن خالد من هذا السَّند من أطراف أبي مسعود فقال: ((خ)) في الأحكام عن محمّد بن عبد الله الأنصاريّ نفسه عن أبيه. قال المِّيُّ في ((الأطراف)): كذا قال أبو مسعود، يعني والصَّواب ما وَقَعَ في جميع النُّسَخِ أنَّ بينَ البخاريّ وبينَ الأنصاريّ في هذا الحديث واسِطَة وهو محمَّد بن خالد المذكور، وبه جَزَمَ خَلَف في ((الأطراف)) أيضاً كما تقدَّم، والله أعلم. قلت: ويُؤيِّد كَونَه عن الذُّهلِيِّ أنَّ التِّرمِذيّ أخرجه في المناقب (٣٨٥٠) عن محمَّد بن يحيى وهو الذُّهلُّ به. قوله: ((حَدَّثَنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ)» هكذا للأكثَر، وفي رواية أبي زيد المَروزيّ: حدَّثنا الأنصاريُّ محمَّد، فقَدَّمَ النِّسبة على الاسم، ولم يُسمِّ أباه. قوله: (حَدَّثَني أبي)) في رواية أبي زيد: حدَّثنا، وهو عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس، وثُمامة شيخُه هو عَمُّ أبيه، وقد أخرج البخاريُّ عن الأنصاريِّ بلا واسِطَة عِدَّةَ أحاديث؛ في الَّكاة (١٤٥٠) والقصاص (٦٨٩٤) وغيرهما (٥٨٧٨ و ٦٩٥٥)، وروى عنه بواسِطَةٍ في عِدَّةٍ؛ في الاستسقاء (١٠١٠) وفي بدء الخلق (٣٢٣٤ و٣٢٨٠) وفي شُهود الملائكَة بدراً (٣٩٩٦) وغيرها (٢٧٣٧ و٤٦١٠ و٤٧٨٣). قوله: ((إنَّ قيس بن سَعْد)) زاد في رواية المروزيّ: ابن عُبادةَ، وهو الأنصاريُّ الْخَزْرَجيّ ١٣٥/١٣ الذي كان/ والده رئيسَ الخَزْرَج. وصنيعُ التِّرمِذيّ يُوهِم أنَّه قيس بنُ سعد بن معاذ، فإنَّه أخرج حديث الباب في مناقب سعد بن معاذ، فلا يُغتَرَّ بذلك. قوله: ((كان يكون بينَ يَدَي النَّبِيّ وَلّ)) قال الكِرمانيُّ: فائدة تَكرار لفظ الكَون: إرادةُ بيان الدَّوام والاستمرار. انتهى، وقد وَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ وابن حِبّان (٤٥٠٨) والإسماعيليّ ٢٧٣ باب ١٢ / ح ٧١٥٥ كتاب الأحكام وأبي نُعَيم وغيرهم من طرق عن الأنصاريّ بلفظ: كان قيس بن سعد من(١) النَّبِيّ فِظَهَرَ أنَّ ذلك من تَصرُّف الرُّواة. صَلَى اللّهِ وَسَيَّام قوله: ((بمَنْزِلةِ صاحب الشُّرَطَة من الأمير)) زاد الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن مرزوق عن الأنصاريّ: لما يُنَفِّذ من أُموره، وهذه الزّيادة مُدرَجة من كلام الأنصاريّ، بَيَّن ذلك التِّرمِذيّ؛ فإنَّه أخرج الحديث عن محمَّد بن مرزوق إلى قوله: الأمیر، ثمَّ قال: قال الأنصاريّ: لما يَلي من أُموره. وقد خَلَت سائر الرِّوايات عنها، وقد تَرجَمَ ابن حِبّان لهذا الحديث ((احتراز المصطَفَى من المشرِكينَ في مَجَلِسه إذا دخلوا عليه))، وهذا يَدُلّ على أنَّه فِهِمَ من الحديث أنَّ ذلك وَقَعَ لقيسٍ بن سعد على سبيل الوظيفة الرَّاتبة، وهو الذي فهِمَه الأنصاريُّ راوي الحديث، لكن يُعكِّر عليه ما رواه (٢) الإسماعيليّ فقال: حدَّثنا الْهَثَم بن خَلَف عن محمَّد بن المثنَّى عن الأنصاريّ حَدَّثَني أبي عن ثُمامة، قال الأنصاريّ: ولا أعلَمه إلّا عن أنسٍ قال: لمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ كان قيس بنُ سعدٍ فِي مُقدِّمَته بمَنْزِلِةِ صاحب الشُّرطَة من الأمير، فكَلَّمَ سعدٌ النَّبِيّ وَِّيه في قيسٍ أن يَصِرِفَه من الموضع الذي وضَعَه فيه تَخَافَة أن يُقدِم على شيءٍ، فصَرَفَه عن ذلك. ثمَّ أخرجه الإسماعيليُّ عن أبي يَعلى ومحمَّد بن أبي سُوَيدٍ جميعاً، عن محمّد بن المثنَّى عن الأنصاريّ بمِثلِ لفظ محمَّد بن مرزوق، بدون الزّيادة التي في آخره، قال: ولم يَشُكّ في كَونه عن أنس. قلت: وكذا أخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٤٥٠٨) من طريق بِشر بن آدم ابن بنت السَّان عن الأنصاريّ، لكن لم يَنْفَرِد الهَثَم ولا شيخُه محمَّد بن المثنَّى بالزّيادة المذكورة، فقد أخرجه ابن مَندَه في ((المعرِفَة)) عن محمَّد بن عيسى قال: حدَّثنا أبو حاتم الرَّازيُّ عن الأنصاريّ بطولِهِ، فكأنَّ القَدر المحَقَّق وَصْلُه من الحديث هو الذي اقتَصَرَ عليه البخاريُّ وأكثرُ مَن (١) وقع بدل لفظة (من)) في (س) عبارة: ((بين يدي))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا من الأصلين ومصادر تخريجه. (٢) في (أ) و(س): زاده، والمثبت من (ع). ٢٧٤ باب ١٢ / ح ٧١٥٥ فتح الباري بشرح البخاري أخرج الحديث، وأمّا الزّيادة فكان الأنصاريُّ يَتَردَّد في وَصلِها، وعلى تقدير ثُبُوتها، فلم يقع ذلك لقيسٍ بن سعد إلّا في تلك المرّة، ولم يَستَمِرّ مع ذلك فيها. والشُّرُطَة - بضمِّ المعجَمَة والرّاءِ(١) والنِّسبة إليها شُرُطيّ بضمَّتَين، وقد تُفْتَح الرَّاء فيهما -: هم أعوان الأمير، والمراد بصاحبِ الشُّرطَة: كبيرُهم، فقيلَ: سُمُّوا بذلك لأنَهم رُذالة الجُند، ومنه في حديث الزّكاة: ((ولا الشَّرَط اللَّئيمة)) (٢) أي: رَديء المال، وقيل: لأنَّهم الأشِدّاء الأقوياء من الجُند، ومنه في حديث الملاحم ((ويُشتَرَط شُرِطَةٌ للمَوتِ))(٣) أي: مُتَعاقِدونَ على أن لا یفِرُّوا ولو ماتوا. قال الأزهَريّ: شُرَطُ كلِّ شيءٍ: خيارُه، ومنه الشُّرَط لأنَّهم نُخبة الجُند. وقيل: هم أوَّل طائفة تَتقدَّم الجَيش وتَشهَد الوَقعَة، وقيل: سُمّوا شُرَطاً لأنَّ لهم علاماتٍ يُعرَفونَ بها من هَيْئَةٍ ومَلَبَس، وهو اختيار الأصمعيّ، وقيل: لأنَّهم أعَدّوا أنفُسهم لذلك، يُقال: أَشَرَطَ فلانٌ نفسَه لأمرِ كذا: إذا أعَدَّها، قاله أبو عُبَيد. وقيل: مأخوذٌ من الشَّريط وهو الحَبَل المبرَم، لما فيه من الشِّدَّة. وقد استُشكِلَت مُطابقة الحديث للتَّرجمة، فأشارَ الكِرمانيُّ إلى أنَّها تُؤْخَذ من قوله: ((دونَ الحاكم)) لأنَّ معناه: عندَ. وهذا جيّد إن ساعَدَته اللُّغة، وعلى هذا فكأنَّ قیساً كان من وظيفته أن يَفعَل ذلك بحَضرَة النَّبِيّ ◌َلَّ بِأمرِه، سواء كان خاصّاً أم عاماً. قال الكِرمانيُّ: ويحتمل أن تكون ((دونَ)) بمعنى ((غير))، قال: وهو الذي يَحَتَمِله الحديث الثّاني لا غير. قلت: فيَلزَم أن يكون استَعمَلَ في التَّرجمة ((دونَ)) في مَعنَيين. (١) الظاهر أن الحافظ رحمه الله قد تفرد بهذا الضبط، ولم نقع على أحد من شراح الحديث أو أصحاب معاجم اللغة أنه ضبطه بضمتين، وإنما ضبطوها بضم الشين وفتح الراء وسكونها، وزن غُرْفَة ورُطَبَة، وأجمعوا على أن النسبة إليها شُرطي بضم الشين وفتح الراء وسكونها، إلا ما وقع من العيني فقال في النسبة: بضمتين، ولعله تبع الحافظ في ذلك، مع أنه قال في الشرطة: بضم الشين المعجمة وفتح الراء، والله أعلم. (٢) أخرجه أبو داود (١٥٨٢) من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري. (٣) أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق (٢٠٨١٢)، وأبو يعلى (٥٢٥٣) من حديث ابن مسعود، وأخرجه مسلم (٢٨٩٩) بلفظ: ((فيشترط المسلمون شرطة للموت)). ٢٧٥ باب ١٢ / ح ٧١٥٦ - ٧١٥٧ كتاب الأحكام وفي الحديث تَشبيه ما مضى بما حَدَثَ بعدَه، لأنَّ صاحب الشُّرطَة لم يَكُن موجوداً في العَهد النبويِّ عندَ أحدٍ من العُمّال، وإِنَّمَا حَدَثَ في دولة بني أُميَّة، فأرادَ أنسُ تقريب/ حال ١٣٦/١٣ قيسٍ بن سعد عند السّامعين، فشَبَّهَه بما يَعهَدونَه. الحديث الثاني: ٧١٥٦- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن قُرّةَ، حدَّثْني مُميدُ بنُ هلالٍ، حدَّثنا أبو بُرْدَةَ، عن أبي موسى: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ بَعَثَه وأتبَعَه بِمُعاذٍ. قوله: ((عن أبي موسى: أنَّ النَّبِيَّ ◌ِّ بَعَثَه وأتبَعَه بمُعاد)) هذه قِطعة من حديث طويل تقدَّم في استِتابة المرتَدّينَ (٦٩٢٣) بهذا السَّند، وأوَّلُه: أقبَلتُ ومعي رجلانٍ من الأشعَرِيِّين ... الحديث، وفيه بعدَ قوله: ((لا نَستَعمِل على عملنا مَن أرادَه، ولكن اذهب أنتَ يا أبا موسى)»: ثُمَّ أتبَعَه معاذ بن جبل، وفيه قصَّة اليهوديّ الذي أسلَمَ ثَمَّ ارتَدَّ، وهي التي اقتَصَرَ عليها هنا بعدَ هذا. الحديث الثالث: ٧١٥٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ الصَّاح، حدَّثنا محبوبُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا خالدٌ، عن مُمیدِ بنِ هلالٍ، عن أبي بُرْدَ، عن أبي موسى: أنَّ رجلاً أسلَمَ ثَمَّ تَهَوَّد، فأتى مُعاذُ بنُ جبلٍ. وهو عندَ أبي موسى. فقال: ما لهذا؟ قال: أسلَمَ ثمَّ تَهوَّد، قال: لا أجلِسُ حتَّى أقتُلَه؛ قضاء الله ورسوله آلام قوله: ((محبوب)). بِمُهمَلةٍ وموحَّدتَينِ - ابن الحسن بن هلال، بصريٌّ، واسمه: محمّد، ومحبوب لَقَبٌ له وهو به أشهر، وهو مُتَلَف الاحتجاج به، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع وهو في حُكم المتابَعَة، لأنَّه تقدَّم في استِتابة المرتَدّينَ من وجهٍ آخَر عن حُميدٍ بن هلال. قوله: ((حَدَّثَنَا خالد)) هو الحدَّاءُ. قوله: ((أَنَّ رجلاً أسلَمَ ثُمَّ تَهُوَّد)) قد تقدَّم شرحُه هناك مُستَوفَّى. قوله: ((لا أجلِسُ حتَّى أقتُله، قضاءُ الله ورسوله)) قد تقدَّم هناك: فأمَرَ به فقُتِلَ. وبذلك يَتِمّ مُرادُ التَّرجمة والردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ الحدود لا يُقيمُها عُمَال البلاد إلّا بعدَ مُشاوَرَة الإمام الذي وَلا هم. ٢٧٦ باب ١٣ / ح ٧١٥٨ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطّال: اختَلَفَ العلماء في هذا الباب، فذهب الكوفيّونَ إلى أنَّ القاضيَ حُكمُه حُكمُ الوكيل؛ لا يُطلِقِ يده إلّا فيما أذِنَ له فيه، وحُكمُه عندَ غيرهم حُكُمُ الوَصِيّ؛ له التَّصَرُّف في كلِّ شيءٍ، ويُطلِقِ يده على النَّظَر في جميع الأشياء إلّا ما استُثِي. ونَقَلَ الطَّحَاويُّ عنهم أنَّ الحدود لا يُقيمُها إلّا أُمراء الأمصار، ولا يُقيمها عاملُ السَّواد ولا نحوه. ونَقَلَ ابن القاسم: لا تُقام الحدود في المياه، بل تُجَب إلى الأمصار، ولا يُقام القِصاص في القتل في مِصرَ كلِّها إلّا بالفُسطاط، يعني: لكَونها مَنزِلَ مُتَوَلِّي مِصر. قال: أو يَكتُب إلى والي الفسطاط بذلك، أي: يَستَأذِنه. وقال أشهَب: بل مَن فَوَّضَ له الوالي ذلك من عُمَال المياه جازَ له أن يَفعَلَه. وعن الشافعيّ نحوه. قال ابن بَطّال: والحُجَّة في الجواز: حديثُ مُعاذ، فإنَّه قتل المرتَدّ دونَ أن يَرَفعَ أمَرَه إلى النَّبِيّ ◌َلِّ. ١٣ - بابٌ هل يَقْضي القاضي أو يُفْتي وهو غَضْبانُ؟ ٧١٥٨ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ عُمَيرٍ، سمعتُ عبد الرَّحمنِ بنَ أبي بَكْرةَ، قال: كَتَبَ أبو بَكْرةَ إلى ابنِهِ - وكان بسِجِسْتَانَ - بأنْ لا تَقْضِيَ بينَ اثْنَينِ وأنتَ غَضْبانُ، فإنّ سمعتُ النبيَّنَ لَه يقولُ: ((لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بينَ اثنَيْنِ وهو غَضْبانُ)). قوله: ((بابٌ هل يَقْضي القاضي أو يُفْتِي وهو غَضْبان؟)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((الحاكم))، ذَكَر فيه ثلاثةَ أحاديث: ١٣٧/١٣ أحدها: قولُه: ((كَتَبَ أبو بَكْرَةٍ)) يعني: والِدَ عبد الرّحمن الرَّاوي المذكور. قوله: ((إلى ابنه)) كذا وَقَعَ هنا غيرَ مُسَمَّى، ووَقَعَ في ((أطراف)) الِّيّ: إلى ابنه عُبَيد الله، وقد سُمِّيَ في رواية مسلم (١٧١٧) ولكن بغير هذا اللَّفظ، أخرجه من طريق أبي عَوانَة عن عبد الملك بن عُمَير عن عبد الرَّحمن قال: كَتَبَ أبي وكتبتُ له إلى عُبَيد الله بن أبي بكرَة. ووَقَعَ في ((العُمدَة)): كتَبَ أبي وكَتَبتُ له إلى ابنه عُبَيد الله ... إلى آخره، وهو موافق لسياق ٢٧٧ باب ١٣ / ح ٧١٥٨ كتاب الأحكام مسلم إلّا أنَّه زاد لفظ ((ابنه)). قيل: معناه: كَتَبَ أبو بكرَة بنفسِه مرَّة، وأمَرَ ولده عبدَ الَّحمن أن يَكتُب لأخيه فكَتَبَ له مرَّةً أُخرى. قلت: ولا يَتعيَّن ذلك، بل الذي يَظهَر أنَّ قوله: كَتَبَ أبي، أي: أمَرَ بالكتابة، وقوله: وكَتَبتُ له، أي: باشَرتُ الكتابة التي أمَرَ بها، والأصل عَدَمِ التعدُّد، ويُؤيِّدهُ قولُه في المتن المكتوب: إنّي سمعت، فإنَّ هذه العِبارة لأبي بكرَة لا لابنِهِ عبدِ الرَّحمن، فإنَّه لا صُحبة له، وهو أوَّل مولود وُلِدَ بالبصرة، كما تقدَّم في الكلام على قول أبي بكرَة: لو دخلوا عليَّ ما بَهِشْتُ لهم بقَصَبة (٧٠٧٨). قوله: ((وكان بسِجِسْتانَ)) في رواية مسلم: وهو قاضٍ بسِجِستانَ، وهي جملة حاليَّة، وسِجِستان بكسر المهمَلة والجيم على الصَّحيح بعدهما مُثنّة ساكنة، وهي إلى جِهَة الهِند بينها وبَين كِرْمان متّةُ فرسَخ، منها أربعونَ فرسَخاً مَفازة ليس فيها ماء، ويُنسَب إليها: سِجِستانيّ وسِجْزِيّ(١)، بزايٍ بَدَل السّين الثّانية والتّاء، وهو على غير قياس، وسِجِستان لا تُصرَف للعَلَمَيَّةِ والعُجمَة، أو زيادة الألف والنّون. قال ابن سعد في ((الطَّبقات)): كان زيادٌ في ولايته على العراق قَرَّبَ أولاد أخيه لأُمِّه أبي بكرَة، وشَرَّفَهم وأقطَعَهم، ووَلَّى عُبَيد الله بنَ أبي بكرَةَ سِجِستانَ، قال: وماتَ أبو بكرَة في ولاية زیاد. قوله: ((أنْ لا تَقْضِي بينَ اثْنَينِ وأنتَ غَضْبان)) في رواية مسلم: أن لا تَحِكُم. قوله: ((لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْن اثْنَينِ وهو غَضْبان)» في رواية مسلم: ((لا يحكم أحد)» والباقي سواء، وفي رواية الشافعيّ (١٧٧/٢) عن سفيان بن عُيَينَةَ عن عبد الملك بن عُمَيرٍ بسَنَدِهِ: ((لا يقضي القاضي أو لا يَحكم الحاكم بينَ اثنَينِ وهو غَضبان)» ولم يَذكُر القصَّة. والحَكَم بفتحَتَينِ: هو الحاكم، وقد يُطلَق على القَيِّم بما يُسنَد إلیه. قال المهلَّب: سبب هذا النَّهي أنَّ الحُكم حالةَ الغضب قد يَتَجاوَز بالحاكمِ إلى غير الحقّ، فُمُنِعَ، وبذلك قال فُقَهاء الأمصار. (١) تحرفت في (س) إلى: وسجزتي. ٢٧٨ باب ١٣ / ح ٧١٥٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن دقيق العيد: فيه النَّهي عن الحُكم حالةَ الغضب لما يَحَصُل بسببِه من التغيُّر الذي يَخْتَلُّ به النَّظَر، فلا يَحَصُل استيفاء الحُكم على الوجه، قال: وعَدّاه الفُقَهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يَحَصُل به تَغُر الفِكر، كالجوع والعَطَش المفرِطَين، وغَلَبةِ النُّعاس، وسائرِ ما يَتَعلَّق به القلب تَعلُّقاً يَشغَلِه عن استيفاء النَّظَرِ، وهو قياس مَظِنَّة على مَظِنَّة، وكأنَّ الِحِكمَة في الاقتصار على ذِكر الغضب لاستيلائه على النَّفس وصُعوبة مُقاوَمَته، بخِلَاف غيره. وقد أخرج البَيْهَقيُّ (١٠٥/١٠- ١٠٦) بسَنَدٍ ضعيف عن أبي سعيدٍ رَفَعَه: ((لا يقضِي القاضي إلّ وهو شَبعان رَيّان))، وقول الشَّيخ: وهو قياس مَظِنَّة على مَظِنَّة، صحيح، وهو استِنباط معنَى دَلَّ عليه النَّصّ، فإِنَّه لمَّا نَهَى عن الحُكم حالةَ الغضب فُهِمَ منه أنَّ الحُكم لا يكون إلّا في حالة استقامة الفِكر، فكانت عِلَّةُ النَّهي المعنى المشتَرَكَ وهو تَغْيُر الفِكر، والوصف بالغضبِ يُسمَّى عِلَّةً بمعنى أنَّه مُشتَمِل عليه، فأُلحِقَ به ما في معناه كالجائع. ١٣٨/١٣ قال الشافعيّ / في ((الأُم)): أكرَهُ للحاكم أن يَحِكُم وهو جائعٌ أو تَعِبٌّ أو مَشغولُ القلب، فإِنَّ ذلك يُغيِّر العَقل(١). فرْع: لو خالَفَ فَحَكَمَ في حال الغضب صَحَّ إن صادَفَ الحقَّ مع الكراهة، هذا قول الجُمهور، وقد تقدَّم (٢٣٥٩) أنَّه ◌ِهِ قَضَى للزُّبَيرِ بشِراج الحَرَّة بعدَ أن أغضَبَه خَصمُ الزُّبَير، لكن لا حُجَّة فيه لرفع الكراهَة عن غيره؛ لعِصمَتِهِ وََّ، فلا يقول في الغضب إلّا كما يقول في الرِّضا(٢). قال النَّوَويّ في حديث اللُّقَطَةِ(٣): فيه جواز الفَتَوَى في حال الغضب، وكذلك الحُكمُ ويَنْفُذ، ولكنَّه مع الكراهَة في حَقِّنا ولا يُكرَه في حَقّ ◌َِّ؛ لأنَّه لا يُخَافُ عليه في الغضب ما (١) في (س): القلب. (٢) كما جاء في قصة عبد الله بن عمرو في كتابة الحديث عندما قال له الصحابة: إن رسول الله پڼ یغضب كما يغضب البشر، فقال له النبي ◌َّ ز: ((والذي نفسي بيده ما يخرج مما بينهما - يعني شفتيه - إلا حقّ، فاكتب))، أخرجه أبو داود (٣٦٤٦) والحاكم ١/ ١٠٣ واللفظ له. (٣) في شرحه على مسلم الحديث رقم (١٧٢٢). ٢٧٩ باب ١٣ / ح ٧١٥٩ - ٧١٦٠ كتاب الأحكام يُخَافُ على غيره، وأبعَدَ مَن قال: يُحِمَل على أنَّه تَكلَّمَ في الحُكم قبلَ وصوله في الغضب إلى تَغيُّر الفِکر. ويُؤخَذ من الإطلاق أنَّه لا فرقَ بينَ مراتب الغضب ولا أسبابِه، وكذا أطلَقَه الجُمهور، وفَصَّلَ إمام الحرمَينِ والبَغَويُّ، فقَّدا الكراهَة بما إذا كان الغضب لغيرِ الله، واستَغرَبَ الرُّويانيُّ هذا التَّفصيل، واستَبعَدَه غيرُه لمُخالَفَتِهِ لظَواهِر الحديث، وللمعنى الذي لأجلِه نُهيَ عن الحُكم حالَ الغضب. وقال بعض الحنابلة: لا يَنفُذ الحُكم في حالة الغضب، لتُبوت النَّهي عنه، والنَّهي يَقتَضي الفساد، وفَصَّلَ بعضهم بين أن يكون الغضب طَرَأْ عليه بعدَ أن استَبَانَ له الحُكم، فلا يُؤَثِّر وإلّا فهو مَحَلُّ الْخِلَاف، وهو تفصيلٌ مُعتبَر. وقال ابن المنيِّر: أدخَلَ البخاريّ حديث أبي بكرَة الدّالَّ على المنع، ثمَّ حديث أبي مسعودٍ الدّالَّ على الجواز، تنبيهاً منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصّاً بالنَِّّ وَِّ، لوجودِ العِصمَة في حَقّه والأمنِ من التعدّي، أو أنَّ غَضَبه إنَّما كان للحَقِّ، فمَن كان في مِثل حاله جازَ وإلّا مُنِعَ، وهو كما قيل في شَهادة العدوّ إن كانت دُنيَويَّةً رُدَّت، وإن كانت دينيَّةً لم تُرَدّ. قال(١) ابن دقيق العيد وغيره: وفي الحديث أنَّ الكتابة بالحديث كالسَّماع من الشَّيخ في وجوب العمل، وأمّا في الرّواية فمَنَعَ منها قوم إذا تَّجَرَّدَت عن الإجازة، والمشهور الجواز. نَعَم الصَّحيح عندَ الأداء أن لا يُطلَق الإخبار، بل يقول: كَتَبَ إليَّ أو كاتَبني أو أخبَرني في كتابه. وفيه ذِكر الحُكم مع دليله في التَّعليم، وَجِيء مِثْلُه في الفَتوَى. وفيه شَفَقةُ الأب على ولدِه، وإعلامُه بما ينفعه، وتحذیرُه من الوقوع فيما يُنگر. وفيه نَشرُ العِلم للعَمَلِ به والاقتداءِ وإن لم يُسأل العالم عنه. ٧١٥٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قیس ابنِ أبي حازمٍ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، (١) تحرفت في (س) إلى: قاله، وهو خطأ ترتب عليه أن قول ابن دقيق العيد هو ما قبل ((قاله))، والصواب ما أثبتنا كما في الأصلين. وانظر: «إحكام الأحكام)» ٢٧٣/٢. ٢٨٠ باب ١٤ / ح ٧١٦١ فتح الباري بشرح البخاري إنّي والله لأَنْأَخَّرُ عن صلاةِ الغَدَاةِ مِن أجلِ فلانٍ؛ ممّا يُطِيلُ بنا فيها. قال: فما رأيتُ النبيَّ ◌َ قَطُّ أشدَّ غَضَباً في مَوْعِظةٍ منه يومَئذٍ، ثمَّ قال: ((يا أيُّها الناسُ، إنَّ منكم مُنَفِّرِينَ، فأيُّكم ما صَلَّى بالناسِ فَلْيوجِز، فإنَّ فيهمُ الكبيرَ والضَّعِيفَ وذا الحاجةِ)). ٧١٦٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي يعقوبَ الكِرْمانيُّ، حذَّثنا حسَّانُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يونسُ، قال محمَّدٌ: أخبرني سالمٌ، أنَّ عبد الله بنُ عمرَ أخبَرَه: أنَّه طَلَّقَ امَرَأتَه وهي حائضٌ، فذكر عمرُ للنبِّ وَّةِ، فَتَغْيَّظَ فيه رسولُ اللهَِّ، ثُمَّ قال: ((لِيُراجِعْها ثمَّ لْيُمسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثمَّ تَّحِضَ فَتَطْهُرَ، فإنْ بَدا له أنْ يُطلِّقَها فِلْيُطلِّقْها)). الحديث الثاني: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك. قوله: (جاءَ رجل)) تقدَّم في ((باب تخفيف الإمام)) من أبواب الإمامة (٧٠٢) أنَّه لم يُسمَّ، ووَهِمَ مَن قال: إنَّه حَزْم بن كَعب، وإنَّ المراد هنا بفلانٍ هو معاذ بن جبل، وتقدَّم شرح الحديث هناك مُستَوَى، وتقدَّم القول في الغضب في ((باب الغضب في المَوعِظَة)) من كتاب العِلم (٩٠). الحديث الثالث: حديث ابنِ عمر في طلاق امرأتِه وهي حائض. قوله: ((یونس)) هو ابن یزید الأيليُّ. قوله: ((فتَغْيَّظَ فيه)) وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: عليه، والضَّمير في قوله: ((فيه)) يعود للِفِعلِ المذكور وهو الطَّلاق الموصوف، وفي: ((عليه)) للفاعلِ وهو ابن عمر، وقد تقدَّم الحديث مشروحاً في كتاب الطَّلاق (٥٢٥١-٥٢٥٣). ١٤ - باب مَن رأى للقاضي أنْ يَحِكُمَ بعِلمِه في أمرِ الناسِ إذا لم يَخَفِ الظُّنُونَ والتُّهَمة كما قال النبيُّ وَّهِنْدِ: ((خُذي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمعروفِ)) وذلك إذا كان أمراً مشهوراً. ٧١٦١ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: جاءَتْ هِنْدٌ بنتُ عُنْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، فقالت: يا رسولَ الله، والله ما كان على ظَهْرِ الأرضِ ١٣٩/١٣ أهلُ خِباءٍ أحَبَّ إليّ أنْ/ يَذِلُوا مِن أهلِ خِبائكَ، وما أصبَحَ اليومَ على ظَهْرِ الأرضِ أهلُ خِباءٍ