Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ باب ١٤ / ح ٧٠٨٧ كتاب الفتن قوله: ((حدَّثنا حاتم)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُثنّة: هو ابن إسماعيل الكوفيّ نَزِيلُ المدينة، ويزيد بن أبي عُبيد؛ في رواية القَعْنبيِّ عن حاتم: أخبرنا يزيد بن أبي عُبيد، أخرجها أبو نُعيم. قوله: ((عن سَلَمة بن الأكْوَع أنَّ دَخَلَ على الحجّاج)) هو ابن يوسف الثَّقفيّ، الأمير المشهور، وكان ذلك لمَّا وَلِيَ الحجّاجُ إمرةَ الحِجاز بعد قتلِ ابن الزُّبَير، فسارَ من مكّة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين. قوله: ((ارتَدَدْتَ على عَقِبَيَكَ)) كأنَّه أشارَ إلى ما جاءَ من الحديث في ذلك كما تقدَّم عندَ عَدِّ الكبائر في كتاب الحدود (٦٨٥٧)، فإنَّ من جملة ما ذُكِرَ في ذلك: مَن رَجَعَ بعدَ هِجْرته أعرابيّاً، وأخرج النَّسائيّ (٥١٠٢) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: (لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه)) الحديث، وفيه: ((والمرتَدّ بعدَ هِجْرته أعرابيّا))، قال ابن الأثير في ((النِّهاية)): كان مَن رَجَعَ بعدَ هِجْرته إلى موضعه من غير عُذْر، يَعُدّونَه كالمرتَدّ، وقال غيره: كان ذلك من جَفاء الحجّاج حيثُ خاطَبَ هذا الصحابيَّ الجليل بهذا الخِطاب القَبيح من قبل أن يَستَكْشِفَ عن عُذْره، ويقال: إنَّه أرادَ قتلَه، فبيَّن الجهة التي يريد أن يجعله مُستَحِقّاً للقتلِ بها. وقد أخرج الطََّرانيُّ (٢٠٧٤) من حديث جابر بن سَمُرة رَفَعَه: ((لَعَنَ الله مَن بَدَا بعدَ هِجْرته)) إلّا في الفِتْنَةِ، فإنَّ البَدْو خيرٌ من المُقَام في الفِتْنة. قوله: ((قال: لا)) أي: لم أسكُن الباديةَ رُجوعاً عن هِجْرتي ((ولكنَّ)) بالتَّشديد والتَّخفيف. قوله: ((أَذِنَ لي في البَدْو)) في رواية حَمَّاد بن مَسْعَدة عن يزيد بن أبي عُبيد عن سَلَمة: أنَّه اسْتَأْذَنَ رسولَ اللهِوَّهِ فِي البَداوة فَأَذِنَ له، أخرجه الإسماعيليّ، وفي لفظ له: استَأَذَنتُ النبيَّ وَّه وقد وَقَعَ لسَلَمَةَ في ذلك قصَّة أُخرى مع غير الحجّاج، فأخرج أحمد (١٦٥٥٣) من طريق سعيد بن إياس بن سَلَمة أنَّ أباه حدَّثه قال: قَدِمَ سَلَمةُ المدينةَ فَلَقِيَه بُرَيدةُ بن الحُصَيب فقال: ارتَدَدْتَ عن هِجْرتك، فقال: مَعاذَ الله، إنّ في إذنٍ من رسول الله وَِّ، سمعتُه يقول: ((ابدُوا يا أسلَمُ)) - أي: القبيلة المشهورة التي منها سَلَمة وأبو بَرْزة وبُرَيدة المذكور - قالوا: إنّا نَخاف أن يَقْدَحَ ذلك في هِجْرتنا، قال: ((أنتم مُهاجِرونَ حيثُ كنتُم)». ٨٢ باب ١٤ / ح ٧٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري وله شاهد من رواية عَمْرو بن عبد الرَّحمن بن جَرْهَد قال: سمعت رجلاً يقول لجابرِ: مَن بَقِيَ من أصحاب رسول الله وَّرَ؟ قال: أنسُ بن مالك وسَلَمة بن الأكْوَع، فقال رجل: أمّا سَلَمة فقد ارتَدَّ عن هِجْرته، فقال: لا تَقُلْ ذلك، فإنّي سمعت رسول الله ◌َّ يقول لأسلَمَ: (ابدُوا)) قالوا: إنّا نَخاف أن نَرْتَدَّ بعدَ هِجْرتنا، قال: ((أنتم مُهاجِرونَ حيثُ كُم))(١)، وسند كلٍّ منهما حسنٌ. قوله: ((وعن يزيد بن أبي عُبيد)) هو موصولٌ بالسَّندِ المذكور. قوله: (لمّا قُتِلَ عثمانُ بن عَفّانَ خَرَجَ سَلَمةُ إلى الرَّبَذِ)) بفتح الرَّاء والموخَّدة بعدَها مُعجَمة: موضعٌ بالباديةِ بينَ مكّة والمدينة. ويُستَفاد من هذه الرِّواية مُدّة سُكنَى سَلَمة الباديةَ، وهي نحو الأربعينَ سنة، لأنَّ قتل عثمان كان في ذي الحِجّة سنة خمس وثلاثين، وموت سَلَمة سنة أربع وسبعين على الصَّحيح. قوله: ((فلم يزلْ بها)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: هناك ((حتَّى قبلَ أنْ يموت بلَیالٍ)) كذا فيه ٤٢/١٣ بحَذْفِ ((كان)» بعدَ قوله: ((حتَّى))/ وقبلَ قوله: ((قبلَ)) وهي مُقدَّرة، وهو استعمال صحيح. قوله: (نَزَلَ المدينةَ)) في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: فَنَزَلَ، بزيادةِ فاء، وهذا يُشعِرِ بأنَّ سَلَمة لم يَمُتْ بالباديةِ كما جَزَمَ به يحيى بن عبد الوهّاب بن مَندَهْ في الجزء الذي جَمَعَه في آخر مَن ماتَ من الصحابة، بل ماتَ بالمدينة كما تَقَتَضيهِ روايةُ يزيد بن أبي عُبيد هذه، وبذلك جَزَمَ أبو عبد الله بن مَندَهْ في ((معرفة الصحابة))، وفي الحديث أيضاً رَدٌّ على مَن أَرَّخَ وفاة سَلَمة سنة أربع وستّين، فإنَّ ذلك كان في آخر خِلَافة يزيد بن معاوية، ولم يكن الحجّاجِ يومَئذٍ أميراً ولا ذا أمرٍ ولا نَهْي. وكذا فيه رَدٌّ على الهَثَم بن عَدِيّ حيثُ زَعَمَ أنَّه ماتَ في آخر خِلَافة معاوية، وهو أشدُّ غَلَطاً من الأوَّل إنْ أرادَ معاوية بن أبي سفيان، وإن أرادَ معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عينُ القول الذي قبله، وقد مَشَى الكِرْمانيُّ على ظاهره فقال: ماتَ سنة ستّينَ وهي السَّنة التي ماتَ فيها معاوية بن أبي سفيان؛ كذا جَزَمَ به والصَّوابُ خِلافُه. (١) أخرجه أحمد أيضاً برقم (١٤٨٩٢). ٨٣ باب ١٤ / ح ٧٠٨٧ -٧٠٨٨ كتاب الفتن وقد اعتَرَضَ الذَّهَبِيُّ على مَن زَعَمَ أنَّه عاشَ ثمانينَ سنة وماتَ سنة أربع وسبعين، لأَنَّه يَلْزَمُ منه أن يكون له في الحُدَيبية اثنتا عشرةَ سنةً، وهو باطل، لأنَّه ثَبَتَ أنَّه قاتَلَ يومَئذٍ وبايَعَ. قلت: وهو اعتراض مُتَّجِه، لكنْ يَنْبَغي أن يَنصَرِفَ إلى سنة وفاته لا إلى مَبْلَغ عُمُره، فلا يَلزَم منه رُجْحانُ قول مَن قال: ماتَ سنة أربع وستّين، فإنَّ حديث جابر يَدُلّ على أنَّه تَأَخَّرَ عنها لقولِه: لم يَبْقَ من الصحابة إلّا أنس وسَلَمة، وذلك لائقٌ بسنةٍ أربع وسبعينَ، فقد عاشَ جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعينَ على الصَّحيح، وقيل: ماتَ في التي بعدها، وقيل: قبلَ ذلك. ٧٠٨٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي صَعْصَعةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾ أنَّه قال: قال رسولُ الله وَّةَ: «يُوشِكُ أن يكونَ خيرَ مالِ المسلمٍ غَنَمٌّ، يَتَبَعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». ثمَّ ذكر حديثَ أبي سعيد: ((يُوشِك أن يكون خيرَ مال المسلم غَنَمٌ)) الحديث، وفي آخره: ((يَفِرٌ بدينِه من الفتن)»، وقد تقدَّم بعض شرحه في ((باب العُزْلة)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٩٥)، وأشارَ إلى حَمْل صنيع سَلَمة على ذلك، لكَوْنِه لمَّا قُتِلَ عثمان ووَقَعَت الفتن، اعتَزَلَ عنها وسَكَنَ الرَّبَذَةَ وتَأهَّلَ بها، ولم يُلابِس شيئاً من تلك الحروب، والحقُّ حملُ عمل كلّ أحدٍ من الصحابة المذكورينَ على السَّداد، فمَن لابَسَ القتالَ، اَّضَحَ له الدَّليل لُبوت الأمر بقتالِ الفئة الباغية، وكانت له قُدْرة على ذلك، ومَن قَعَدَ، لم يَتَّضِح له أيّ الفِتَتَيْنِ هي الباغية، أو (١) لم تكن له قُدْرة على القتال. وقد وَقَعَ لخُزَيمَةَ بن ثابت أنَّه كان مع عليٍّ وكان مع ذلك لا يقاتل، فلمَّا قُتِلَ عَّار قاتَلَ حينَذٍ، وحَدَّثَ بحديث: ((يقتل عمَّاراً الفِتَةُ الباغيةُ))، أخرجه أحمد (٢١٨٧٣) وغيره(٢). (١) في (ع) مكان ((أو)): إذا، وفي (س): وإذا، وكلاهما خطأ. (٢) قد سلف في الجزء الثاني ص٣٦٨- ٣٦٩ تخريج هذا الحديث عن غير واحدٍ من الصحابة، وانظر تمام شواهده عند حدیث عبد الله بن عمرو في «مسند أحمد)» (٦٤٩٩). ٨٤ باب ١٤ / ح ٧٠٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((يُوشِك)) هو بكسر الشّين المعجمة، أي: يُسرِع، وَزنَه ومعناه، ويجوز ((ُوشَك)) بفتح الشِّين، وقال الجَوْهريّ: هي لُغة رديئة. وقوله: ((أن يكون خيرَ مال المسلم)) يجوز في ((خير)) الرَّفعُ والنَّصْب، فإنْ كان ((غنم)) بالرَّفع فالنَّصْب، وإلّا فالرَّفع، وتقدَّم بيان ذلك في كتاب الإيمان أوَّل الكتاب (١٩)، والأشهَرُ في الرِّواية ((غنمٌ)) بالرَّفع، وقد جَوَّزَ بعضهم رَفْع ((خير)) مع ذلك على أن يُقدَّر في ((يكون)» ضميرُ الشَّأْن، و((غَنَم)) و (خَيْر)) مُبْتَدَأ وخَبَرَ، ولا يَخْفَى تَكلُّفه. وقوله: ((شَعَفَ الجبال)) بفتح الشِّين المعجمة والعَين المهمَلة بعدَها فاء: جمعُ شَعَفَة، كأَكَمِ وأكَمَة: رُؤوس الجبال، والمَرْعَى فيها والماء - ولا سيّما في بلاد الحجاز - أيسَرُ من غيرها، ووَقَعَ عندَ بعض رواة ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٧٠) بضمٍّ أوَّله وفتح ثانيه وبالموحّدةِ بَدَلَ الفاء: جمع شُعْبة، وهي ما انفَرَجَ بينَ جبلَينٍ، ولم يَخْتَلِفوا في أنَّ الشِّين مُعجَمة، ووَقَعَ لغيرِ مالك كالأوَّلِ لكنَّ السّين مُهمَلة، وسَبَقَ بيان ذلك في أواخر علامات النَّبَوّة (٣٦٠٠)، وقد وَقَعَ في حديث أبي هريرة عندَ مسلم (١٨٨٩) نحو هذا الحديث ولفظه: ((ورجلٌ في رَأْس شُعْبة من هذه الشِّعاب)). قوله: ((يَفِرّ بدينِهِ من الفِتَن)) قال الكِرْمانيُّ: هذه الجملة حاليّة، وذو الحال الضَّمير المستَِرِ في (يَتَبَع))، أو ((المسلم)) إذا جَوَّزْنا الحالَ من المضاف إليه، فقد وُجِدَ شَرْطُه وهو شِدّة الملابسة، وكأنّه جُزْء منه، واتّحاد الخير بالمالِ واضح، ويجوز أن تكون استثنافیّة وهو واضح، انتهى. والخبر دالٌّ على فضيلة العُزْلة لمن خافَ على دينه، وقد اختَلَفَ السَّلَف في / أصل العُزْلة: فقال الجمهور: الاختلاط أولى، لما فيه من اكتِساب الفوائد الدِّينيّة للقيام بشَعَائر الإسلام، وتكثير سَوَاد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعِيَادة وغير ذلك. ٤٣/١٣ وقال قوم: العُزْلة أَولى لتَحقَّقِ السَّلامة بشَرْطِ معرفة ما يَتعيَّن، وقد مضى طَرَفُ من ذلك في ((باب العُزلة)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٩٤)، وقال النَّوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يَغْلِبُ على ظنّه أنَّه يقع في معصية، فإنْ أشكَلَ الأمرُ، فالعُزلة أَولِى. ٨٥ باب ١٥ / ح ٧٠٨٩ كتاب الفتن وقال غيره: يَخْتَلِفِ باختلاف الأشخاص، فمنهم مَن يَتَحَتَّم عليه أحدُ الأمرَين، ومنهم مَن يَتَرَجَّح وليس الكلامُ فيه، بل إذا تَساوَيَا فيَختَلِف باختلاف الأحوال، فإنْ تَعارَضا اختَلَفَ باختلاف الأوقات، فممَّن يَتَحَتَّم عليه المخالطةُ مَن كانت له قُدْرة على إزالة المنكَر، فيجب عليه إمّا عَيْناً وإمّا كِفايةً بحَسَبِ الحال والإمكان، ومَمَّن يَتَرَجَّح مَن يَغلِبُ على ظنّه أنَّه يَسلَمُ في نفسه إذا قامَ في الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، وثمّن يَستَوي مَن يَأْمَن على نفسه ولكنَّه يَتَحقَّق أنَّه لا يُطاع، وهذا حيثُ لا يكون هناك فِتْنة عامّة، فإنْ وَقَعَت الفِتْنَة تَرَجَّحَت العُزلة لما يَنشَأُ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبةُ بأصحابِ الفِتْنة فتَعُمّ مَن ليس من أهلها كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]. ويُؤيِّد التَّفصيلَ المذكور حديثُ أبي سعيد أيضاً: ((خيرُ الناس رجلٌ جاهَدَ بنفسِه وماله، ورجل في شِعْب من الشِّعاب يَعْبُد رَبَّه ويَدَعُ الناسَ من شَرّه))، وقد تقدَّم في ((باب العُزْلة)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٩٤)، وحديث(١) أبي هريرة الذي أشَرْتُ إليه آنِفاً، فإنَّ أوَّله عندَ مسلم (١٢٥/١٨٨٩): ((خَيْر مَعَاشٍ(٢) الناس رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله)) الحديث وفيه: ((ورجل في غُنيمة)) الحديث، وكأنَّه وَرَدَ في أيِّ الكَسْب أطيَبُ، فإنْ أُخِذَ على عمومه، دَلَّ على فضيلة العُزْلة لمن لا يَتأَتَّى له الجهادُ في سبيل الله، إلّا أن يكون قُيِّدَ بزمان وقوع الفتن، والله أعلم. ١٥ - باب التَّعوُّذِ منَ الفِتَن ٧٠٨٩- حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ ﴾، قال: سَأَلُوا النبيَّ وَِّ حَتَّى أَحفَوْه بالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ النبيُّ ◌َّ ذاتَ يومِ المِبرَ، فقال: ((لا تَسْألوني عن شيءٍ إلا بَيَّنَتُ لكم))، فجَعَلْتُ أَنظُرُ يَمِيناً وشِمالاً، فإذا كلُّ رجلٍ رَأْسُه في ثَوْبِهِ بَيْكي، فأنشَأَ رجلٌ كان إذا لاحَى يُدْعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: يا نبيَّ الله، مَن أَبي؟ فقال: ((أبوكَ حُذَافةُ)) ثمَّ أنشَأَ عمرُ (١) سقطت الواو في ((وحديث)) من الأصلين و(س)، ولا يستقيم الكلام إلا بها. (٢) تحرف في (س) إلى: معاشر، بالراء في آخره. ٨٦ باب ١٥ / ح ٧٠٨٩ -٧٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري فقال: رَضِينا بالله رَبّاً، وبالإسلام دِيناً، وبمحمَّدٍ رسولاً، نعوذُ بالله مِن سُوءِ الفِتَنِ، فقال النبيُّ وَسلّ: ((ما رأيتُ في الخيرِ والشّرِّ كاليوم قَطُّ! إِنَّه صُوِّرَتْ لِيَ الجنَّةُ والنارُ، حتَّى رأيتُهما دونَ الحائطِ)). قال قَتَادةُ: يُذكَرُ هذا الحديثُ عندَ هذه الآيةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ٧٠٩٠- وقال عبَّاسِ النَّرْسِيُّ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، أنَّ أنساً حدَّثُهُم: أنَّ نبيَّ الله ◌َّةٍ ... بهذا. وقال: كلُّ رجلٍ لاقّاً رَأْسَه في ثَوْبِهِ بَيْكي، وقال: عائذاً بالله مِن سُوءِ الفِتَنِ، أو قال: أعوذُ بالله مِن سَوْأَى الفِتَنِ. ٧٠٩١ - وقال لي خَلِيفةُ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ ومُعتَمِرٌ، عن أبيه، عن قَتَادَ، ٤٤/١٣ أنَّ أنساً حدَّثُهُم عن النبيِّ ◌َ ... بهذا، وقال: عائذاً بالله مِن شَرِّ الفِتَنِ. قوله: ((باب التَّعوُّذ من الفِتَن)) قال ابن بَطّال: في مشروعيّة ذلك الردُّ على مَن قال: اسألوا اللهَ الفِتْنَة فإنَّ فيها حَصَادَ المنافقين، وزَعَمَ أنَّه وَرَدَ في حديثٍ، وهو لا يَثْبُتِ رَفْعُه بل الصَّحیح خلافه. قلت: أخرجه أبو نُعيم من حديث عليّ بلفظ: ((لا تَكْرَهوا الفِتْنة في آخر الزمان، فإنّها تُبير المنافقينَ) (١)، وفي سنده ضعيف ومجهول، وقد تقدَّم في الدَّعَواتِ عِدّة تَراجِمَ للَّعُّذِ من عِدّة أشياء: منها الاستِعاذة من فِتْنة الغِنَى، والاستعاذة من فِتْنة الفَقْر، والاستِعاذة من أرذَل العُمر، ومن فِتْنة الدُّنيا، ومن فِتْنة النار، وغير ذلك، قال العلماء: أرادَ بَِّ مشروعيّةَ ذلك لأُمَّتِه. قوله: ((هشام)) هو الدَّسْتُوائيُّ. (١) سلف تخريجه في الجزء الثاني ص٣٦٩، ونقل الحافظ هناك عن ابن وهب أنه سُئل عنه قديماً فقال: إنه باطل. قلنا: وقد ذكره غير واحد في الأحاديث الموضوعة، وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة في ((أحاديث القُصّاص)) (٣٩): هذا ليس معروفاً عن النبي وَل. ٨٧ باب ١٥ / ح ٧٠٨٩-٧٠٩١ كتاب الفتن قوله: ((عن أنس)) في رواية سليمانَ التَّيْمِيِّ عن قَتَادة: أنَّ أنساً حدَّثهم. قوله: ((أحفَوْه)) أي: ألخُّوا عليه في السُّؤال، وعندَ الإسماعيليّ في رواية من هذا الوجه: ألحَفُوه أو أحفَوْه بالمسألة. قوله: ((ذاتَ يومِ المِبرَ)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ذاتَ يوم على المِبَرَ. قوله: (فإذا كلُّ رجل رَأْسُه فِي ثَوْبه)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: لافِّ رَأْسَه في تَوْبه، وتقدَّم في تفسير المائدة (٤٦٢١) من وجه آخَر: لهم خَنين، وهو بالمعجَمة، أي: من البكاء. قوله: ((فأنشَأَ رجل)) أي: بَدَأ الكلامَ، وفي رواية الإسماعيليّ: فقامَ رجل، وفي لفظ له: فأتی رجلٌ. قوله: ((كان إذا لاحَى)) بفتح المهمَلة من المُلاَحاة: وهي المُماراةُ والمُجادَلةُ. قوله: ((أبوك خُذَافة)) في رواية مُعتَمِر: سمعت أبي عن قَتَادة، عندَ الإسماعيليّ، واسم الرجل خارجةُ. قلت: والمعروف أنَّ السّائل عبد الله أخو خارجة، وتقدَّم في تفسير المائدة (٤٦٢١) مَن قال: إنَّه قيس بن حُذافة، وعندَ أحمد (١٠٥٣١) من رواية محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لا تَسْألوني عن شيء إلّا أخبَرَتُكم به)) فقال عبدُ الله بن حذافة: مَن أبي يا رسول الله؟ قال: «حُذافة بن قيس)) فَرَجَعَ إلى أمّه فقالت له: ما حَلَك على الذي صَنَعتَ؟ فقد كنَّا في جاهليّة، فقال: إنّ كنت لَأُحِبُّ أن أُعِلِمَ مَن هو أبي مَن كان مِن الناس. قوله: ((ثُمَّ أَنشَأ عمرُ)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، وتقدَّم في تفسير سورة المائدة (٤٦٢١) من طريق أُخرى أتمّ من هذا، وعندَ الإسماعيليّ من طريق مُعتَمِر المذكور من الزّيادة: فَأَرَمَّ - براءِ مفتوحة ثمَّ ميم ثقيلة - وخَشُوا أن يكونوا بينَ يَدَيْ أمر عظيم، قال أنس: فجَعَلْتُ أْتَفِت يميناً وشمالاً فلا أرى كلّ رجل إلّا قد دَسَّ رأسه في ثوبه يَبْكي، وجَعَلَ رسول الله وَلَه يقول: ((سَلُوني)) فذكر الحديث، وعندَ أحمد (١٢٨٢٠) عن أبي عامر العَقَديّ عن هشام بعدَ قوله: ((أبوك حُذافة)): فقال رجل: يا رسول الله، في الجنَّة أنا أو في النار؟ قال: ((في ٨٨ باب ١٥ / ح ٧٠٨٩ -٧٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري النار))، وسيأتي ذلك في كتاب الاعتصام (٧٢٩٤) من رواية الزُّهْريّ عن أنس. قوله: ((من سُوءِ الفِتَن)) بضمِّ السّين المهمَلة بعدَها واو ثمَّ همزة، وللكُشمِیھَنيّ: شَرّ، بفتح المعجَمة وتشديد الرَّاء. قوله: ((صُوِّرَتِ الجنَّة والنار)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((صُوِّرَتْ لي)). قوله: ((دونَ الحائط)) أي: بينَه وبينَ الحائط، وزاد في رواية الزُّهْريّ عن أنس: ((فلم أرَ كاليومٍ في الخير والشرّ))، وسيأتي بيانه في كتاب الاعتصام. قوله: ((قال قَتَادةُ: يُذكَر هذا الحديث عندَ هذه الآية: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)) هو بضمِ أوَّل ((يُذكَر)) وفتح الكاف، ووَقَعَ في رواية الگُشمِیھَنيّ: فكان قَتَادةُ يَذْكُر، بفتح أوَّله وضمّ الكاف، وهي أوجَه، وكذا وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ. قوله: ((وقال عبَّاس)) هو بموخَّدةٍ ومُهمَلة: وهو ابن الوليد، والنَّرْسِيُّ بفتح النُّون ثمّ ٤٥/١٣ سين مُهمَلة، ومَضَى في علامات النُّبوّة له حديثٌ/ (٣٦٣٤) وفي أواخر المغازي (٤٣٤٦) في ((باب بَعْث مُعاذ وأبي موسى إلى اليَمَن)) آخَر، ومَن جاءَ بهذه الصّورة فيما عَدَا هذه المواضع الثَّلاثة في البخاريّ، فهو عيَّاش بن الوليد الرَّقّامُ بمُثنّاةٍ تحتانيّة وآخره مُعجَمة، ويزيد شيخه: هو ابن زُرَيع، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة، وقد وَصَلَه أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) من رواية محمَّد بن عبد الله بن رُسْتَهْ - بضمِّ الرَّاء وسكون المهمَلة بعدَها مُثنّاة مفتوحة - قال: حدَّثنا العبّاس بن الوليد به، وذلك يُعيِّ كَوْنَه بالمهمَلة، لأنَّ الذي بالشِّينِ المعجمة ليس فيه الألف واللام. قوله: ((بهذا)) أي: بهذا الحديث الماضي، ثمَّ بيَّن أنَّ فيه زيادة قوله: ((لاقّاً)) فدَلَّ على أنَّ زيادتها في الأوَّل وَهْمٌ من الگُشمِیھنيّ. قوله: ((وقال عائذاً ... )) إلى آخره، بيَّن أنَّه في رواية سعيد بالشكِّ في سُوء وسَوْأى. قوله: ((عائذاً بالله)) هكذا وَقَعَ بالنَّصب، وهو على الحال، أي: أقول ذلك عائذاً، أو على ٨٩ باب ١٦ / ح ٧٠٩٢ -٧٠٩٣ كتاب الفتن المصدَر أي: عِياذاً، وجاءَ في رواية أُخرى بالرَّفع، أي: أنا عائٌ. قوله: ((وقال لي خليفة)) هو ابن خَيّاط العُصْفُريُّ، وأكثر ما يُرِّج عنه البخاريُّ یقعُ بهذه الصّيغة لا يقول: حدَّثنا ولا أخبَرَنا، وكأنَّه أخَذَ ذلك عنه في المذاكرة، وقوله: ((سعید» هو ابن أبي عَرُوبةَ، ومُعتَمِر: هو ابن سليمان التَّيْميُّ. قوله: ((عن أبيه)) يعني: عن أبي مُعتَمِر، وذكر هذه الطَّريق الأُخرى لقولِه في آخره: ((من شَرّ الفتن)) بالشّينِ المعجَمة والرَّاء، وقد تقدَّم التَّنبيه على المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في تفسير المائدة، وأنَّ بقيّة شرحه يأتي في كتاب الاعتصام، إن شاء الله تعالى. ١٦ - باب قولِ النبيِّ وَّ: ((الفِتْنَةُ مِن قِبَلِ المشرقِ)) ٧٠٩٢ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ وَِّ: أنَّه قامَ إلى جَنْبِ المِبَرِ، فقال: ((الفِتْنةُ هاهنا، الفِتْنَةُ هاهنا، مِن حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيطانِ)) أو قال: ((قَرْنُ الشمس)). ٧٠٩٣ - حدَّثْنَا قُتَبِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا لَيْثٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله وَّه وهو مُستَقِبِلٌ المشرقَ يقولُ: ((ألا إنَّ الِفِتْنَةَ هاهنا، مِن حَيْثُ يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيطان)). ٤٦/١٣ قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّ: الفِتْنة من قِبَلِ المشرق)) أي: من چِهَته. ذکر فیه ثلاثة أحاديث: الأوَّل: ذكره من وجهين، وقد ذكرتُ في شرح حديث أُسامة في أوائل كتاب الفتن (٧٠٦٠) وجه الجمع بينَه وبينَ قوله بَطَّ: ((إنّ لَأرَى الفتن خِلالَ بيوتكم)) وكان خِطابُه ذلك لأهلِ المدينة. قوله: ((عن النبيّ ◌ََّ أَنَّه قامَ إلى جَنْب الِبَرَ)) في رواية عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عندَ الثِّرمِذيّ (٢٢٦٨): أنَّ النبيّ ◌َّهِ قامَ على المِنبَرَ، وفي رواية شُعَيب عن الزّهْريّ كما تقدَّم في مناقب قُرَيش (٣٥١١) بسندِه: سمعت رسول الله ◌َّ يقول وهو على المِنْبَرَ، وفي رواية ٩٠ باب ١٦ / ح ٧٠٩٢ - ٧٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ عندَ مسلم (٤٧/٢٩٠٥): أنَّ رسول الله وَلَه قال وهو مُستَقْبِل المشرق. قوله: ((الفِتْنَة هاهنا، الفِتْنة هاهُنا)) كذا فيه مرَّتَين، وفي رواية يونُسَ: ((ها إنَّ الِفِتْنة هاهنا» أعادها ثلاث مرَّات. قوله: «من حیثُ یَطلُع قَزْنُ الشَّیطان، أو قال: قَرْن الشمس» کذا هنا بالشكّ، وفي رواية عبد الرَّزّاق: ((هاهنا أرض الفتن)) وأشارَ إلى المشرق، يعني: حيثُ يَطلُع قَرْن الشَّيطان، وفي رواية شُعَيب: ((ألا إنَّ الفِتْنة هاهنا - يشير إلى المشرق - حيثُ يَطلُع قَرْن الشَّيطان))، وفي رواية يونس مِثْل مَعمَر لكنْ لم يَقُلْ: أو قال: ((قَرْن الشمس))، بل قال: ((يعني المشرق))(١). ولمسلمٍ (٢٩٠٥) من رواية عِكْرمة بن عَّر عن سالم: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله وَل﴿ يشير بَيَدِه نحو المشرق ويقول: ((ها إنَّ الفِتْنة هاهنا - ثلاثاً - حيثُ يَطلُع قَرْن الشَّيطان))(٢)، وله من طريق حَنْظَلة عن سالم مِثْله لكنْ قال: ((إنَّ الفِتْنَة هاهنا» ثلاثاً، وله من طريق فُضَيل بن غَزْوانَ: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصَّغيرة وأركبَكم للكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله والدول يقول: ((إنَّ الِفِتْنَة تجيء من هاهُنا - وأومَأْ بَيَدِه نحو المشرق - من حيثُ يَطلُع قَرْنا الشَّيطان)) كذا فيه بالتَّنية، وله(٣) في صِفَة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مِثْل سياق حَنْظَلة سواء، وله نحوه من رواية سفيان الثَّوْريّ عن عبد الله بن دينار، أخرجه في الطَّلاق (٥٢٩٦)، ثمَّ ساقَ هنا من رواية اللَّيث عن نافع عن ابن عمر مِثْلَ رواية يونس إلّا أنَّه قال: ((ألا إنَّ الفِتْنة هاهُنا)) ولم يُكرِّر، وكذا لمسلمٍ (٤٥/٢٩٠٥)، وأورَدَه الإسماعيليّ من رواية أحمد بن يونس عن اللَّيث فكَرَّرَها مرَّتَين. (١) وهذا اللفظ عند مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن سالم برقم (٢٩٠٥) (٤٨) لا من طريق يونس. (٢) هذا اللفظ عند مسلم لحنظلة عن سالم، أما رواية عكرمة بن عمار عنده فهي بلفظ: خرج رسول الله وَل من بيت عائشة فقال: ((رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان)) يعني المشرق. (٣) أي: للبخاري سلف برقم (٣٢٧٩). ٩١ باب ١٦ / ح ٧٠٩٤ كتاب الفتن الحديث الثاني: ٧٠٩٤ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدّثنا أزهَرُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ذكر النبيُّ وَّ: («اللهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهُمَّ بارِكْ لنا في يَمَنِنا» قالوا: وفي نَجْدِنا! قال: «اللهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللّهُمَّ بارِكْ لنا في يَمَنِنا» قالوا: يا رسولَ الله، وفي نَجْدِنا! فأظُنُّه قال في الثّالثةِ: «هناك الزَّازِلُ والِفِتَنُ، وبها يَطلُعُ قَرْنُ الشَّيطان)». قوله: ((عن ابن عَوْن)) هو عبد الله ((عن نافع، عن ابن عمر، قال: ذكر النبيُّ ◌َّ: اللهُمَّ بارِْ لنا في شامِنا، الحديثَ)) كذا أورَدَه عن عليّ بن عبد الله عن أزهَرَ السَّان، وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٩٥٣) عن بِشْر بن آدم ابن بنت أزهَر، حدَّثني جَدّي أزهَرُ بهذا السَّند: أنَّ رسول اللهِ وَل قال، ومِثْله للإسماعيليِّ من رواية أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقيِّ عن أزهَر(١)، وأخرجه من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عَوْن عن أبيه كذلك(٢)، وقد تقدَّم من وجه آخَر عن ابن عَوْن في الاستِسْقاء (١٠٣٧) موقوفاً، وذكرتُ هناك الاختلاف فيه. قوله: ((قالوا: يا رسول الله وفي نَجْدِنا، فأظُنُّه قال في الثّالثة: هناك الزَّلازِل والفِتَن، وبها يَطلُع قَرْن الشَّيطان)) وَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ والدَّوْرَقِيّ بعدَ قوله: وفي نَجْدنا: قال: «اللهُمَّ بارِكْ لنا في شامنا وبارك لنا في يَمَنِنا» قالوا: وفي نَجْدِنا؟ قال: ((هناك ... )) فذكره، لكنْ شَكَّ هل قال: بها أو منها، وقال: يَخْرُج، بَدَلَ: يَطلُع. وقد وَقَعَ في رواية الحسين بن الحسن في الاستِسْقاء (١٠٣٧) مِثْلُه في الإعادة مرّتين، وفي رواية ولد ابن عَوْن: فلمَّا كان الثّالثة أو الرَّابعة قالوا: يا رسول الله وفي نَجْدنا؟ قال: ((بها الزَّلازِل والفتن، ومنها يَطلُع قَرْن الشَّيطان)). قال المهلَّب: إنَّما تَرَكَ وَِّ الدُّعاءَ لأهل المشرق ليَضعُفوا عن الشرّ الذي هو موضوع في جِهَتهم لاستيلاءِ الشَّيطان بالفتن. (١) وأخرجه أيضاً أبو يعلى الموصلي في ((معجمه)) (٧٨) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، بهذا الإسناد. (٢) وأخرجه أيضاً من هذا الطريق الطبراني في ((الكبير)) (١٣٤٢٢) لكن قال فيه: عراقنا، بدل: نجدنا. وعبيد الله بن عبد الله بن عون قال أبو حاتم: صالح الحديث. ٩٢ باب ١٦ / ح ٧٠٩٥ فتح الباري بشرح البخاري وأمّا قوله: ((قَرْن الشمس)) فقال الذَّاوُوديُّ: للشمس قَرْن حقيقةً، ويحتمل أن يريد بالقَرْنِ قوّةَ الشَّيطان وما يستعين به على الإضلال، وهذا أوجَهَ، وقيل: إنَّ الشَّيطان يَقْرِن رأسَه بالشمس عندَ طُلوعها ليَقَعَ سجودُ عَبَدَتِها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تَطلُع الشمس بينَ قَرْنَیِهِ. وقال الخطَّبيُّ: القَرْن: الأُمّة من الناس يَحدُثونَ بعدَ/ فَناءِ آخَرين، وقَرْن الحيوان(١) أن ٤٧/١٣ يُضرَب المثَل فيما لا يُحمَد من الأُمور. وقال غيره: كان أهل المشرق يومَئذٍ أهل كُفْر، فأخبَرَ وَلِ أَنَّ الِفِتْنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبَرَ، وأوَّل الفتن كان من قِبَل المشرق، فكان ذلك سبباً للفُرْقةِ بينَ المسلمين، وذلك ممّا يُحِبّه الشَّيطان ويَفْرَح به، وكذلك البِدَعِ نَشَأَت من تلك الجهة، وقال الخطَّبيُّ: نَجْد من جهة المشرق، ومَن كان بالمدينة كان نَجْدُه باديةَ العراق ونواحيها، وهي مَشْرِق أهل المدينة، وأصل النَّجْد: ما ارتَفَعَ من الأرض، وهو خِلَاف الغَوْر، فإنَّه ما انخَفَضَ منها، وتهامةُ كلُّها من الغَوْر، ومگّة من تهامة، انتھی. وعُرِفَ بهذا وَهَاءُ ما قاله الدَّاوُودِيُّ أنَّ نَجْداً من ناحية العراق، فإنَّ تَوهَّمَ أنَّ نَجْداً موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كلُّ شيء ارتَفَعَ بالنِّسبة إلى ما يَليهِ يُسمَّى المرتَفِع نَجْداً، والمنخَفِض غَوْراً. الحديث الثالث: ٧٠٩٥ - حدَّثنا إسحاقُ الواسِطيُّ، حدَّثنا خالدٌ، عن بيانٍ، عن وَبَرةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن سعيدِ بنِ جُبٍّ، قال: خَرَجَ علينا عبدُ الله بنُ عمرَ، فَرَجَوْنا أنْ يُحدِّثَنَا حديثاً حسناً، قال: فبادَرَنا إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، حدِّثنا عن القتال في الفِتْنَةِ، واللهُ يقولُ: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فقال: هل تَذْري ما الفِتْهُ نَكِلَتْكَ أمُّكَ؟ إنَّما كان محمَّدٌ وَ يقاتلُ المشركينَ، وكان الدُّخولُ في دِينِهِم فِتْنَةً، وليس كقتالِكم على المُلْكِ. (١) في (أ) و(س): قرن الحية، والمثبت من (ع) وهو الموافق لما في ((غريب الحديث)) للخطابي ٢٩٥/٢. ٩٣ باب ١٦ / ح ٧٠٩٥ كتاب الفتن قوله: ((حدَّثنا إسحاق الواسِطيُّ)) هو ابن شاهين، وخالد: هو ابن عبد الله، وبَيَان بموحّدةٍ ثمَّ تحتانيّة خفيفة: هو ابن عَمْرو، ووَبَرةُ بفتح الواو والموخَّدة عندَ الجميع، وبه جَزَمَ ابن عبد البَرّ، وقال عِيَاض: ضَبَطْناه في مسلم بسكونِ الموحّدة. قوله: ((أنْ يُحدِّثَنَا حديثاً حَسَناً) أي: حسن اللَّفظ يَشْتَمِل على ذِكْرِ الرَّحمة(١) والرُّخْصة، فشَغَلَه الرجل فصَدَّه عن إعادته حتَّى عَدَلَ إلى التحدُّث عن الفِتْنة. قوله: ((فقامَ إليه رجل)) تقدَّم في الأنفال (٤٦٥١) أنَّ اسمه حَكيم، أخرجه البيهقيُّ (١٩٢/٨) من رواية زُهَير بن معاوية عن بيان: أنَّ وَبَرة حدَّثه، فذكره، وفيه: فمَرَرْنا برجلٍ يُقال له: حَکیم. قوله: ((يا أبا عبد الرَّحمنِ)) هي كُنْية عبد الله بن عمر. قوله: ((حَدِّثْنا عن القتال في الفِتْنة، واللهُ يقول)) يريد أن يَحَتَجّ بالآيةِ على مشروعيّة القتال في الفِتْنة، وأنَّ فيها الردّ على مَن تَرَكَ ذلك كابنِ عمر، وقوله: ((ثَكِلَتْك أمّك)) ظاهره الدُّعاء، وقد يَرِدُ مَوْرِدَ الَّجْر كما هنا، وحاصل جواب ابن عمر له: أنَّ الضَّمير في قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٩] للكفّار، فأمَرَ المؤمنينَ بقتالِ الكافرينَ حتَّى لا يَبقَى أحد يُفْتَن عن دين الإسلام ويَرتَدّ إلى الكفر، ووَقَعَ نحو هذا السُّؤال من نافع بن الأزرق وجماعة لعِمْرانَ بن حُصَينٍ، فأجابَهم بنحو جواب ابن عمر، أخرجه ابن ماجَهْ (٣٩٣٠)، وقد تقدَّم في سورة الأنفال من رواية زُهَير بن معاوية عن بيان بزيادة، فقال بَدَلَ قوله: ((وكان الدُّخول في دينِهِم فِتْنة)): فكان الرجل يُفتَن عن دينه، إمّا يقتلونَه وإمّا يُوثقونَه، حتَّى كَثُرَ الإسلام فلم تكنْ فِتْنة(٢)؛ أي: لم يَبْقَ فِتْنة، أي: من أحد من الكفَّار لأحدٍ من المؤمنينَ، ثمَّ ذکر سؤاله عن عليّ وعثمان وجواب ابن عمر. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: الترجمة. (٢) في عزو هذه الزيادة للبخاري فيها سلف في الأنفال برقم (٤٦٥١) ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، وإنما هي عند البيهقي في ((سنته)) ٨/ ١٩٢. ٩٤ باب ١٧ فتح الباري بشرح البخاري وقوله هنا: ((وليس كقتالِكم على المُلْك)) أي: في طلب المُلْك، يشير إلى ما وَقَعَ بينَ مروان ثمَّ عبد الملك ابنه وبينَ ابن الزُّبَير وما أشبه ذلك، وكان رأيُ ابن عمر تركَ القتال في الفِتْنَة، ولو ظَهَرَ أنَّ إحدى الطّائفتَينِ مُقّة والأُخرى مُبْطِلة، وقيل: الفِتْنَة مُخْتَصّة بما إذا وَقَعَ القتال بسببِ التَّغالُب في طلب المُلْك، وأمّا إذا عُلِمَت الباغيةُ فلا تُسمَّى فِتْنة، وتَجِب مُقاتَلَتها حتَّى تَرجِعَ إلى الطّاعة، وهذا قول الجمهور. ١٧ - باب الفِتْنة التي تموجُ كمَوْجِ البحر وقال ابنُ عُيَنَةَ، عن خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانوا يَستَحِبّونَ أنْ يَتَمثَّلُوا بهذِه الأبيات عندَ الفِتَنِ، قال امرُؤُ القيسِ: الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فَتِيّةً تَسْعَى بِزِينَتِها لكلِّ جَهولٍ حتَّى إذا اشتَعَلَتْ وشُبَّ ضِرامُها وَلَّتْ عجوزاً غيرَ ذات حَليلٍ شَمْطاءَ يُنكَرُ لونُها وتَغيَّرَت مكروهةً للشَّمِّ والتَّقبيلِ ٤٨/١٣ قوله: (باب الفِتْنَة التي تَوجِ كمَوْج البحر)) كأنَّه يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٤/١٥) من طريق عاصم بن ضَمْرة عن عليّ قال: وَضَعَ الله في هذه الأُمّة خمس فِتَن - فذكر الأربعة - ثَّ فِتْنَةً تموج كمَوْجِ البحر، وهي التي يُصبح الناس فيها كالبهائم؛ أي: لا عقول لهم، ويُؤْيِّده حديث أبي موسى: ((تذهب عقول أكثر ذلك الزّمان))(١)، وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٥/ ٧٠) من وجه آخر عن حُذَيفة قال: لا تَضُرُّك الفِتْنة ما عَرَفْتَ دينَك، إنَّما الفِتْنَة إذا اشتَبَهَ عليك الحقُّ والباطل. قوله: ((وقال ابن عُيَينةَ)) هو سفيان، وقد وَصَلَه البخاريّ في ((التّاريخ الصَّغير)) عن عبد الله بن محمَّد المُسنَديّ: حدَّثنا سفيان بنُ عُيَينَ. قوله: «عن خَلَف بن حَوْشَبٍ» بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة ثمَّ موخَّدة بوَزْنِ جعفر، وخلفٌ کان من أهل الكوفة، روى عن جماعة من كِيار التّابعين، وأدرَكَ بعضَ الصحابة، لكنْ لم أجِدْ (١) أخرجه أحمد (١٩٦٣٦)، وابن ماجه (٣٩٥٩)، وإسناده صحيح. ٩٥ باب ١٧ كتاب الفتن له رواية عن صحابيّ، وكان عابداً، وثَّقْه العِجْلِيُّ، وقال النَّسَائيُّ: لا بأس به، وأثنَى عليه ابن عُيَينةَ والرَّبيع بن أبي راشد، وروى عنه أيضاً شُعْبة، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضعُ. قوله: ((كانوا يَسْتَحِبّونَ أنْ يَتَمَثَّلوا بهذه الأبيات عندَ الفِتَن)» أي: عندَ نزولها. قوله: ((قال امرُؤُ القيس)) كذا وَقَعَ عندَ أبي ذرٍّ في نُسْخة، والمحفوظ أنَّ الأبيات المذكورة العَمِرِو بن مَعْدِي كَرِب الزُّبَيديّ كما جَزَمَ به أبو العَبَّاس المبَرِّد في ((الكامل))، وكذا رُويُناه في كتاب ((الغُرَر من الأخبار)) لأبي بكر محمد بن خَلَف القاضي المعروف بوَكيعٍ، قال: حدَّثنا مَعْدان بن عليّ حدَّثنا عَمْرو بن محمَّد الناقد حدَّثنا سفيان بن عُبَينَةَ عن خَلَف بن حَوْشَبٍ قال: قال عَمْرو بن معدي كَرِب، وبذلك جَزَمَ السُّهَيلِيُّ في ((الرَّوْض))، ووَقَعَ لنا موصولاً من وجه آخَرَ وفيه زيادة، رُوِّيناه في ((فوائد الميمون بن حمزة المِصْريّ)) عن الطَّحَاويِّ فيما زاده في ((السُّنَن)) (٤٢٣) التي رواها عن المُزَنيِّ عن الشافعيّ فقال: حدَّثنا الْمَنيُّ حدَّثنا الحُميديُّ عن سفيان عن خَلَف بن حَوْشَبٍ قال: قال عيسى ابن مريم للحَوَارِيِّينَ: كما تَرَكَ لكم الملوك الحِكْمة فاترُكوا لهم الدُّنيا، وكان خَلَف يقول: يَنبَغي للنّاسِ أن يَتَعلَّموا هذه الأبيات في الفِتنة. قوله: ((الحربُ أوَّلُ ما تكون فَتَيّة)) بفتح الفاء وكسر المثنّاة وتشديد النَّحتانيّة، أي: شابّة، حكى ابن التِّين عن سِيبويه: الحرب مُؤَنَّثة، وعن المبَرِّد: قد تُذكَّر، وأنشَدَ له شاهداً، قال: وبعضهم يرفع ((أوَّل)) و((فَتّة)) لأنَّه مَثَل، ومَن نَصَبَ ((أوَّل)) قال: إنَّه الخبر، ومنهم مَن قَدَّرَه: الحرب أوَّل ما تكون أحوالها إذا كانت فتّة، ومنهم مَن أعرَبَ ((أوَّل)) حالاً. وقال غيره: يجوز فيه أربعة أوجُه: رَفْع ((أوَّل)) ونَصْب ((فتيّة)) وعَكْسه، ورَفْعهما جميعاً، ونَصْبُهُما، فمَن رَفَعَ ((أَوَّل)) ونَصَبَ ((فتيّة))، فتقديره: الحربُ أوَّلُ أحوالها إذا كانت فتيّةً، فالحرب مُبتَدَأ وأوَّل مُبتَدَأ ثانٍ، وفَتَّةً حال سَدَّتْ مَسَدَّ الخبر، والجملة خبر الحرب، ومَن عَكَسَ فتقديره: الحربُ في أوَّل أحوالها فتيّةُ، فالحرب مُبتَدَأ وفَتّة خبرها، وأوَّلَ منصوب ٩٦ باب ١٧ فتح الباري بشرح البخاري على الظَّرْف، ومَن رَفَعَهما فالنَّقدير: الحربُ أوَّلُ أحوالها، فأوَّل مُبتَدَأ ثانٍ أو بَدَل من الحرب وفَتْيّة خَبَرَ، ومَن نَصَبَهمَا جَعَلَ أوَّلَ ظَرْفاً وفَتّةً حالاً، والتَّقدير: الحرب في أوَّل أحوالها إذا كانت فتّةً، و((تَسْعَى)) خبر عنها، أي: الحرب في حال ما هي فتّة، أي: في وقت وقوعها تَغُرُّ(١) مَن لم يُجرِّبها حتَّى يَدخُلَ فيها فتُهلِكه. قوله: (بزِينَتِّها)) كذا فيه من الزّينة، ورواه سِيبويه: بِزَّتِها، بموخَّدةٍ وزاي مُشدَّدة، والبِزّة: اللِّباس الجيّد. قوله: ((إذا اشتَعَلَتْ)) بشينٍ مُعجَمة وعَيْن مُهمَلة كِناية عن هَيَجانها، ويجوز في ((إذا)» أن تكون ظَرْفيّة وأن تكون شَرْطيّة والجواب: وَّت. وقوله: ((وشُبَّ ضِرامُها)) هو بضمِّ الشّين المعجَمة ثمَّ موخَّدة، تقول: شُبَّت الحربُ: إذا اتَّقَدَتْ، وضِرامُها بكسر الضّاد المعجَمة، أي: اشتعالها. قوله: ((ذات حَليل)) بحاءٍ مُهمَلة، والمعنى: أنَّها صارتْ لا يَرغَب أحدٌ في تزويجها، ومنهم مَن قاله بالخاءِ المعجَمة. قوله: (شَمْطاءَ)) بالنَّصب، هو وصفُ العجوز، والشَّمَط بالشّينِ المعجَمة: اختلاط الشَّعر الأبيض بالشَّعرِ الأسود، وقال الدَّاوُوديُّ: هو كِناية عن كَثْرَة الشَّيب. ٥٠/١٣ وقوله: ((يُنكَر لَوْنُها)) أي: يُبْدَل حُسْنُها بقُبْحٍ، ووَقَعَ في رواية الحُميديّ (٢): شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسها، بَدَل قوله: يُنكر لَوْنها، وكذلك أنشَدَه السُّهَيلِيُّ في ((الرَّوْض)). وقوله: ((مكروهة للشَّمِّ والتَّقبيل)) يَصِف فاها بالبَخَرِ مُبالَغةً في التَّنفير منها، والمراد بالتَّمِثُّلِ بهذه الأبيات استِحْضار ما شاهَدوه وسَمِعوه من حال الفِتْنة، فإنَّهم يَتَذَكَّرُونَ بإنْشادِها ذلك فيَصُدّهم عن الدُّخول فيها، حتَّى لا يَغْتَرّوا بظاهر أمرِها أوَّلاً. (١) تحرف في (س) إلى: يفر، بالفاء. (٢) في ((السنن المأثورة)) للطحاوي (٤٢٣). ٩٧ باب ١٧ / ح ٧٠٩٦ كتاب الفتن ثمَّ ذکر فیه ثلاثة أحادیث: أحدُها: حديث حُذَيفة. ٧٠٩٦- حذَّثنا عمرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثْنَا شَقِيقٌ، سمعتُ حُذَيفةَ يقولُ: بَيْنا نحنُ جُلوسٌ عندَ عمرَ إذ قال: أيُّكم يَحفَظُ قولَ النبيِّ وَّ فِي الْفِتْنِةِ؟ قال: ((فِتْنةُ الرجلِ في أهلِهِ ومالِه ووَلَدِه وجارِهِ، تُكفِّرُها الصلاةُ والصَّدَقَةُ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَرِ)) قال: ليس عن هذا أسألُكَ، ولكنِ التي تَموجُ كمَوْجِ البحرِ، قال: ليس عليكَ منها بَأْسٌُ يا أميرَ المُؤْمِنينَ، إِنَّ بِينَكَ وبينَها باباً مُغلَقاً، قال عمرُ: أَيُكسَرُ البابُ أم يُفتَحُ؟ قال: بل يُكسَرُ، قال عمرُ: إذاً لا يُغلَقَ أبداً، قلتُ: أجَلْ، قلنا لحُذَيفةَ: أكان عمرُ يَعلَمُ البابَ؟ قال: نَعَم، كما يَعلمُ أنَّ دونَ غَدٍ ليلةً، وذلك أنّي حَدَّثْتُه حديثاً ليس بالأغاليطِ؛ فِهِبْنا أنْ نَسألَه مَنِ البابُ، فأمَرْنا مسروقاً فسَأْلَه، فقال: مَنِ البابُ؟ قال: عمرُ. قوله: ((حدَّثْنا شَقِيق)) هو أبو وائل بن سَلَمةِ الأسَديُّ، وقد تقدَّم في الزّكاة (١٤٣٥) من طريق جَرير عن الأعمَش عن أبي وائل. قوله: ((سمعتٌ حُذَيفة يقول: بينا نحنُ جُلوسٌ عندَ عمر)) تقدَّم شرحه مُستَوقَ في علامات النُّبوّة (٣٥٨٦)، وسياقه هناك أتمُّ. وخالَفَ أبو حمزة السُّكَّرِيُّ أصحابَ الأعمَش فقال: عن أبي وائل عن مسروق قال: قال عمر (١). وقوله هنا: ((ليس عن هذا أسألُك)) وَقَعَ في رواية رِبْعيٍّ بن حِراش عن حُذَيفة عندَ الطَّبَرانيِّ (٣٠٢٤): لم أسأل عن فِتْنة الخاصّة. وقوله: ((ولكنِ التي تَوجِ كمَوْج البحر، فقال: ليس عليك منها بَأْس)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: عليكم، بصيغة الجمع، ووَقَعَ في رواية رِبْعيٍّ، فقال حُذَيفة: سمعته يقول: ((يأتيكم بَعْدِي فِتَنْ كَمَوْجِ البحر يَدْفَع بعضُها بعضاً)، فيُؤْخَذ منه جهة التَّشبيه بالمَوْج وأنَّه ليس المراد به الكَثْرة فقط، وزاد في رواية رِبْعِيٍّ: فَرَفَعَ عمرُ يده فقال: اللهُمَّ لا تُدرِكني، فقال حُذَيفة: لا تَخَفْ. (١) أخرجه من هذا الطريق إسماعيل الأصبهاني في ((دلائل النبوة)) (١٧١) من طريق علي بن الحسن بن شقیق عن أبي حمزة السكري بهذا الإسناد. ٩٨ باب ١٧ / ح ٧٠٩٦ -٧٠٩٧ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((إذاً لا يُغلَقَ أبداً؟ قلت: أجَلْ)) في رواية رِبْعيٍّ: قال حُذَيفة: كسراً ثمَّ لا يُغلَق إلى يوم القيامة. قوله: ((كما يعلَم أنَّ دونَ غَدٍ ليلةً)) أي: علمه علماً ضَروريّاً مِثْل هذا. قال ابن بَطّال: إنَّما عَدَلَ حُذَيفة حينَ سَأَلَه عمر عن الإخبار بالفِتْنة الكُبْرى إلى الإخبار بالفِتْنة الخاصّة، لئلّ يُغَمَّ ويَشتَغِل باله، ومن ثَمَّ قال له: إنَّ بينَك وبينَها باباً مُغلَقاً، ولم يقل له: أنتَ الباب، وهو يعلم أنَّه الباب، فعَرَّضَ له بما فَهِمَه ولم يُصرِّح، وذلك من حُسْن أدبه. وقول عمر: إذا كُسِرَ لم يُغلَق، أخَذَه من جهة أنَّ الكسر لا يكون إلّا غَلَبة، والغَلَبة لا تقع إلّا في الفِتْنَة، وعلمَ من الخبر النبويّ أنَّ بأس الأُمّة بينَهم واقع، وأنَّ الهَرْج لا يزال إلى يوم القيامة كما وَقَعَ في حديث شدَّادِ رَفَعَه: ((إذا وُضِعَ السَّيف في أمَّتي، لم يُرفَع عنها إلى يوم القيامة)). قلت: أخرجه الطََّرِيُّ(١) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٥٧٠). وأخرج الخطيب في ((الرُّواة عن مالك)): أنَّ عمر دَخَلَ على أمّ كُلْثوم بنت عليّ فوَجَدَها تَبْكي فقال: ما يُبكيكِ؟ قالت: هذا اليهوديّ - لكَعْبِ الأحبار - يقول: إنَّك باب من أبواب جَهنَّم، فقال عمر ما شاءَ الله، ثمَّ خَرَجَ فأرسَلَ إلى كعب فجاءَه فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا يَنْسَلِخُ ذو الحِجّة حتَّى تَدخُل الجنَّة. فقال: ما هذا، مرَّة في الجنَّة ومرَّة في النار! فقال: إنّ لنَجِدُك في كتاب الله(٢) على باب من أبواب جَهنَّم تَمنَعُ الناسَ أن يَقتَحِموا فيها، فإذا مِتَّ اقتَحَموا. قوله: ((فأمَرْنا مسروقاً)) احتَجَّ به مَن قال: إنَّ الأمر لا يُشتَرَط فيه العُلوّ ولا الاستعلاء. الحديث الثاني: ٧٠٩٧- حذَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ الله، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي موسى الأشعَريِّ، قال: خَرَجَ النبيُّ وَ لَهَ إلى حائطٍ من حوائطِ المدينةِ (١) أخرجه الطبري في «تفسيره)) ٢٢٣/٧، وأخرجه أيضاً أحمد في «مسنده)) (١٧١١٥)، وانظر تمام الكلام فيه هناك. (٢) زاد في (ع): التوراة. ٩٩ باب ١٧ / ح ٧٠٩٧ كتاب الفتن لحاجَتِهِ، وخَرَجْتُ في إثرِه، فلمَّا دَخَلَ الحائطَ جَلَستُ على بابه، وقلتُ: لأكونَنَّ اليومَ بَوَّابَ النبيِّ وَّةِ، ولم يأمُّرْنِي، فذهب النبيُّ نَّهِ وَقَضَى حاجَتَه، وجَلَسَ على قُفِّ البئرِ فَكَشَفَ عن ساقَيْهِ ودَلاهما في البئرِ، فجاءَ أبو بكرٍ يَستَأْذِنُ عليه ليَدخُلَ، فقلتُ: كما أنتَ حتَّى أستَأْذِنَ لكَ، فَوَقَفَ فجئتُ إلى النبيِّ وَّةِ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، أبو بكرٍ يَستَأذِنُ عليكَ، قال: ((ائذَنْ له، وبَشِّرْهِ بالجنَّةِ)) فدَخَلَ، فجاءَ عن يَمِينِ النبيِّ وَّةِ، فَكَشَفَ عن ساقَيْهِ ودَلَّاهما في البئرِ، فجاءَ عمرُ: فقلتُ: كما أنتَ حتَّى أستَأْذِنَ لكَ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((ائَذَنْ له، وبَشِّرْه بالجنَّةِ)) فجاءَ عن يَسَار النبيِّ ◌َّةِ، فَكَشَفَ عن ساقَيْهِ فَدَلّهما في البئرِ، فامتَلأَ القُفُّ فلم يكن فيه تَجلِسٌ، ثمَّ جاءَ عُثمانُ، فقلتُ: كما أنتَ حتَّى أستَأْذِنَ لكَ، فقال النبيُّ ◌َِّ: («ائَذَنْ له، وبَشِّرْه بالجنَّةِ معها بلاءٌ يُصِيبُهُ)) فدَخَلَ فلم يَجِدْ معهم مَجلِساً، فَتَحوَّلَ حتَّى جاءَ مُقابلَهم على شَفَةِ البئرِ، فكَشَفَ عن ساقَيْه ثمَّ دَلاهما في البئرِ، فجَعَلتُ أتمنّى أخاً لي وأَدعو الله أنْ يأتيَ. قال ابنُ المسيّبِ: فَتَأَوَّلتُ ذلك قُبُورَهُم، اجتَمَعَتْ هاهُنا وانفَرَدَ عثمانُ. قوله: ((عن شَرِيك بن عبد الله)) هو ابن أبي نَمِر، ولم يُخُرِّج البخاريّ عن شَرِيك بن عبد الله النَّخَعيِّ القاضي شيئاً. قوله: ((خَرَجَ النبيُّ ◌َله إلى حائطٍ من حوائط المدينة لحاجَتِهِ)) تقدَّم اسم الحائط المذكور مع شرح الحديث في مناقب أبي بكر (٣٦٧٤). وقوله هُنا: (لَأكونَنَّ اليومَ بوَّابَ النبيّ وَّه ولم يأمُرني)) قال الدَّاوُوديُّ: في الرِّواية الأُخرى: أمَرَني بحِفْظِ الباب(١)، وهو اختلاف، ليس المحفوظ إلّا أحدُهما. وتُعقِّبَ بإمكان الجمع بأنَّه فعل ذلك ابتداءً من قِبَل نفسه، فلمَّا استَأْذَنَ أوَّلاً لأبي بكر وأمَرَه النبيّ ◌َّ أن يَأْذَن له ويُشِّره بالجنَّةِ، وافق ذلك اختیار النبيّ ◌َّ ◌ِحِفْظِ الباب علیه، لگوْنِه کان في حال خَلْوة، وقد كَشَفَ عن ساقه وكلَّ رِجْلَيه فأمَرَه بحِفْظِ الباب، فصادَفَ أمرُه ما كان أبو موسى ألْزَمَ نفسه به قبلَ الأمر. (١) هذه الرواية من حديث أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري، وقد سلفت عند البخاري برقم (٣٦٩٥) وستأتي برقم (٧٢٦٢). ١٠٠ باب ١٧ / ح ٧٠٩٧ فتح الباري بشرح البخاري ويحتمل أن يكون أطلَقَ الأمرَ على التَّقرير،/ وقد مضى شيء من هذا في مناقب أبي بكر (٣٦٧٤). وقوله هُنا: ((وجَلَسَ على قُفِّ البئر)) في رواية غير الكُشْمِيهَنيّ: في، بَدَل: على، والقُفّ: ما ارتَفَعَ من مَثْن الأرض(١)، وقال الدَّاوُوديُّ: ما حولَ البئر. قلت: والمراد هنا مكانٌ يُبنَى حولَ البئر للجلوس، والقُفّ أيضاً: الشَّيء اليابس، وفي أودية المدينة وادٍ يُقال له: القُفّ، وليس مراداً هنا. وقوله: ((فَدَخَلَ، فجاءً عن يمينِ النبيّ ◌َّه)) في رواية الكُشمِيهَنِيّ: فَجَلَسَ، بَدَلَ: فجاءَ. وقوله: «فامتلأ القُفُّ» في رواية الگُشمِیھنیّ: وامتلأ، بالواو. والمراد من تخريجه هنا الإشارةُ إلى أنَّ قوله في حَقّ عثمان: ((بلاءٌ يُصيبه)) هو ما وَقَعَ له من القتل الذي نَشَأَت عنه الفتنُ الواقعة بينَ الصحابة في الجمل ثمَّ في صِفّينَ وما بعد ذلك. قال ابن بَطّل: إنَّما خُصَّ عثمان بذِكْر البلاء مع أنَّ عمر قُتِلَ أيضاً، لكَوْنِ عمرَ لم يُمْتَحَن بِمِثْلِ ما امتُحِنَ عثمان من تَسَلُّط القوم الذينَ أرادوا منه أن يَنْخَلِعِ من الإمامة، بسببٍ ما نَسَبوه إليه من الجَوْر والظُّلْم مع تَنَصُّله من ذلك واعتذاره عن كلّ ما أورَدُوه عليه، ثمَّ هجومِهم عليه في داره وهَتْكِهِم ◌ِتْرَ أهله، وكلِّ ذلك، زيادةً على قَتْله. قلت: وحاصله أنَّ المراد بالبلاءِ الذي خُصَّ به الأُمور الزائدة على القتل، وهو كذلك. قوله: ((قال: فَتَأوَّلْتُ ذلك قُبورَهم)) في رواية الكُشْمِيهَنيّ: فأوَّلْتُ، قال الدَّاوُودُّ: كان سعيد بن المسيّب لجَوْدَتِه في عِبارة الرُّؤْيا يستعمل التَّعبير فيما يُشبِهِها. قلت: ويُؤخَذ منه أنَّ التَّمثيل لا يَستَلْزِمِ التَّسْويةَ، فإنَّ المراد بقوله: اجتَمَعوا، مُطلَق الاجتماع لا خُصوصُ كَوْن أحدِهما عن يمينه والآخَرِ عن شِماله كما كانوا على البئر، وكذا عثمان انفَرَدَ قبره عنهم، ولم يَستَلِزِم أن يكون مُقابِلَهم. (١) تحرف في (س) إلى: متن البئر. ومتن الأرض: ظهرها أو سطحها. ٥١/١٣