Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢ - ٧٠٤٣
كتاب التعبير
قوله: ((تابَعَه هشام)) يعني: ابن حسَّان ((عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قوله)) يعني: موقوفاً (١).
قوله: ((مَن تَحَلَّمَ)) أي: مَن تَكلَّفَ الحُلْم.
قوله: ((بحُلْمٍ لم يَرَه، كُلِّفَ أن يَعْقِد بين شَعيرَتَينٍ ولن يفعل)) في رواية عبَّاد بن عبَّاد عن
أيوب عندَ أحمد (١٨٦٦): ((عُذِّبَ حتَّى يَعقِد بين شَعيرتَين، وليس عاقداً))، وعنده في رواية
هَّام عن قَتَادة: ((مَن تَحَلَّمَ كاذباً دُفِعَ إليه شَعيرةٌ، وعُذِّبَ حتَّى يَعِقِد بين طَرَفَيها وليس
بعاقٍ))، وهذا مما يدلّ أنَّ الحديث عندَ عكرمة عن ابن عبّاس وعن أبي هريرة معاً، لاختلاف
لفظ الرِّواية عنه عنهما، والمراد بالتكليف: نوعٌ من التَّعذيب.
قوله: (ومَن استَمَعَ إلی حدیث قوم وهم له كارهونَ، أو یَفِرّونَ منه» في روایة عبَّاد بن
عبّاد: ((قومٍ يَفِرُونَ منه)) ولم يَشُكّ.
قوله: ((صُبَّ في أُذُنه الأنُك يومَ القيامة)) في رواية عبَّاد: «صُبَّ في أُذُنُه يومَ القيامة عذابٌ))،
وفي رواية هَمَّام: ((ومَن استَمَعَ إلى حديث قومٍ ولا يُعجِبهم أن يَستَمِع حديثَهم، أُذِيبَ في أُذُنه
الآنُك)).
قوله: ((ومَن صَوَّرَ صورة عُذِّبَ، وكلِّفَ أن يَنفُخ فيها وليس بنافخ)) في رواية عبَّاد وكذا في
رواية همَّامٍ: ((ومَن صَوَّرَ صورةً عُذِّبَ يومَ القيامة حتَّى يَنفُخ فيها الرّوح، وليس بنافخٍ فيها)).
وهذا الحديث قد اشتَمَلَ على ثلاثة أحكام: أوَّلها: الكذب على المنام، ثانيها: الاستماع
لحديثِ مَن لا يريد استماعه، ثالثها: التَّصوير. وقد تقدَّم في أواخر اللِّباس (٥٩٦٣) من طريق
النَّضر بن أنس عن ابن عبّاس حديث: ((مَن صَوَّرَ صورةً)) وتقدَّم شرحه هناك.
وأمَّا الكذب على المنام، فقال الطَّبَريُّ: إنَّما اشتَدَّ فيه الوعيد مع أنَّ الكذب في اليقظة قد
يكون أشدَّ مَفْسَدةً منه، إذ قد يكون شهادةً في قتلِ أو حَدٍّ أو أخذ مالٍ، لأنَّ الكذب في المنام
كذِبٌ على الله أنَّه أراه ما لم يَرَه، والكذب على الله أشدّ من الكذب على المخلوقينَ، لقوله تعالى:
(١) هذه المتابعة لم يرها الحافظ رحمه الله كما صرَّح به في مقدمة شرحه، وقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٧٦/٦
قطعة من الحدیث من طريق هشام بن حسان، لکن رفعه، فالله تعالى أعلم.

٥٢٢
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢-٧٠٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ ﴾ [هود:١٨] الآية، وإنّما كان الكذب في
المنام كذِباً على الله لحديث: ((الرُّؤيا جُزءٌ من النُّة)(١) وما كان من أجزاء النُّة فهو من قِبَل الله
تعالى. انتهى ملخَّصاً.
وقد تقدَّم في بابٍ قبل ((باب ذِكْر أسلم وغِفَار)) (٣٥٠٩) شيءٌ من هذا في الكلام على
حديث واثِلة الآتي التَّنبيه عليه في ثاني حديثَي الباب، وقال المهَلَّبُ: في قوله: ((كلِّفَ أن
يَعْقِد بين شَعيرتَينِ)) حُجّةٌ للأشعَرِيَّة في تجويزهم تكليف ما لا يُطاق، ومثله في قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، وأجابَ مَن مَنَعَ ذلك
بقولِه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أو حَمَلُوه على أُمور الدُّنيا
وحَمَلُوا الآية والحديث المذكورينِ على أُمور الآخرة. انتهى ملخَّصاً، والمسألة مشهورة فلا
نُطیل بها.
والحقّ أنَّ التكليف المذكور في قوله: ((كُلِّفَ أن يَعقِد)) ليس هو التكليفَ المصطَلَح، وإنَّما هو
كناية عن التَّعذيب كما تقدَّم. وأمّا التكليف المستفاد من الأمر بالسُجودِ فالأمر فيه على سبيل
التَّعجيز والتَّوبيخ، لكَونِم أُمِروا بالسُّجودِ في الدُّنيا وهم قادرونَ على ذلك فامتَنَعوا، فأُمِروا به
حيثُ لا قدرة لهم عليه تعجيزاً وتَوبيخاً وتعذيباً.
وأمَّا الاستماع فتقدَّم السَّبيه عليه في الاستئذان (٦٢٨٨) في الكلام على حديث: ((لا يَتَنَاجَی
٤٢٩/١٢ اثنان دونَ ثالث))، وقد قُيِّدَ ذلك في حديث الباب لمن يكون كارهاً لاستماعِه، فأخرج/ مَن
يكون راضياً، وأمَّا مَن جَهِلَ ذلك فيمتنع حَسماً للمادّة.
وأمَّا الوعيد على ذلك بصَبِّ الآنُّك في أُذُنه، فمن الجزاء من جِنس العمل. والآنُك
بالمدِّ وضمّ النُّون بعدَها كاف: الرَّصاص المذاب، وقيل: هو خالص الرَّصاص. وقال
الدَّاوُوديُّ: هو القصدير.
وقال ابن أبي جَمْرة: إنَّما سَمَاه حُلْماً ولم يُسمِّ رُؤيا لأَنَّه اذَّعَى أَنَّه رأى ولم يَرَ شيئاً، فكان
(١) تقدم عن عدة من الصحابة في هذا الكتاب (٦٩٨٣) و(٦٩٨٧) و(٦٩٨٨) و(٦٩٨٩) و(٦٩٩٤).

٥٢٣
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢-٧٠٤٣
كتاب التعبير
كاذباً والكذب إنَّما هو من الشّيطان، وقد قال: إنَّ الحُلم من الشّيطان، کما مضى في حديث أبي
قَتَادة (٦٩٨٤)، وما كان من الشَّيطان فهو غير حَقّ، فصَدَّقَ بعضُ الحديث بعضاً.
قال: ومعنى العَقد بين الشَّعيرتَين: أن يَفتِل إحداهما بالأُخرى، وهو ممَّا لا يُمكِن عادةً.
قال: ومُناسَبة الوعيد المذكور للكاذبِ في مَنامه وللمصوِّر أنَّ الرُّؤيا خلقٌ من خلق الله
وهي صورةٌ مَعنَويَّة فأدخَلَ بكذِهِ صورةً لم تقع، كما أدخَلَ المصَوِّر في الوجود صورةً
ليست بحقيقيَّةٍ، لأنَّ الصّورة الحقيقيّة هي التي فيها الرّوح، فكُلِّفَ صاحبُ الصّورة
اللَّطيفة أمراً لطيفاً، وهو الاتّصال المعَبَّر عنه بالعَقدِ بين الشَّعيرتَين، وكُلِّفَ صاحب الصّورة
الكثيفة أمراً شديداً، وهو أن يُتِمَّ ما خَلَقَه بزَعمِه بنَفخ الرّوح، ووَقَعَ وعيد كلٍّ منهما بأنَّه
يُعذّب حتَّى يفعل ما كُلِّفَ به وهو ليس بفاعلٍ، فهو كِنايةٌ عن تعذيب كلٍّ منهما على
الدَّوام. قال: والحكمة في هذا الوعيد الشَّديد أنَّ الأوَّل كَذَب على جِنس النُّبوّة، وأنَّ الثّانيَ
نازَعَ الخالق في قُدرَته.
وقال في مُستَمِع حديث مَن يَكرَه استماعَه: يَدخُل فيه مَن دَخَلَ مَنزِله وأغلَقَ بابه وتَحَدَّث
مع غيره، فإنَّ قَرِينة حاله تَدُلّ على أنَّه لا يريد للأجنبيِّ أن يَستَمِعِ حديثه، فمَن يَستَمِع إليه
يَدخُل في هذا الوعيد، وهو كمَن يَنظُرُ إليه من خَلَل الباب، فقد وَرَدَ الوعيد فيه، ولأنَّهم
لو فقَؤوا عينَه لكانت هَدَراً. قال: ويُستَثَنَى من عموم مَن يَكرَه استماعَ حديثه مَن تَحدَّث مع
غيره جَهراً، وهناك مَن يَكرَه أن يسمَعَه فلا يَدخُل المستَمِع في هذا الوعيد، لأنَّ قَرِينة الحال
وهي الجهر تقتضي عَدَم الكراهة فيَسُوغ الاستماع.
قال: وفي الحديث أنَّ مَن خَرَجَ عن وصف العُبوديَّة استَحقَّ العُقوبة بقَدرِ جُرْمِه، وفيه
تنبيه على أنَّ الجاهل في ذلك لا يُعذَر بجهلِهِ، وكذا مَن تأوَّلَ فيه تأويلاً باطلاً، إذ لم يُفرِّق في
الخبر بين مَن يَعلم تحريم ذلك وبین مَن لا يَعلَمه. کذا قال.
ومن اللَّطائف ما قال غيره: إنَّ اختصاص الشَّعير بذلك لما في المنام من الشُّعور بما دَلَّ عليه،
فحَصَلَت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق.

٥٢٤
باب ٤٥/ح ٧٠٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن مسلم)) هو الطّوسُّ نَزيل بغداد، ماتَ قبلَ البخاريّ بثلاث سنين،
وعبد الصَّمَد: هو ابن عبد الوارث بن سعيد، وقد أدرَكَه البخاريّ بالسِّنّ، وماتَ قبلَ أن
يَرحَل البخاريّ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الوارث بن عبد الصَّمَد بن
عبد الوارث عن أبيه، وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار مُتَلَف فيه: قال ابن المَدِينيّ:
صَدُوق، وقال يحيى بن مَعِين: في حديثه عندي ضعف، وقال الدّارَ قُطنيُّ: خالَفَ فيه
البخاريُّ الناسَ وليس بمتروكٍ.
قلت: عُمدة البخاريّ فيه كلام شيخه عليٍّ، وأمَّا قول ابن مَعِين فلم يُفسِّرِه ولعلَّه عَنَى
حديثاً مُعيَّناً، ومع ذلك فما أخرج له البخاريّ شيئاً إلا وله فيه مُتابع أو شاهد.
فأمَّا المتابع فأخرجه أحمد (٥٩٩٨) من طريق حَيْوةً عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد
المدنيّ عن عبد الله بن دينار به، وأتمّ منه، ولفظه: «أفرَى الفِرَى مَن ادَّعى إلى غير أبيه،
وأفَرَى الفِرَى مَن أَرَى عَينَه ما لم تَرَ)) وذكر ثالثةً، وسنده صحيح، وأمَّا شاهده فمَضَى في
مناقب قُرَيش(١) من حديث واثلة بن الأسقَع بلفظ: ((إنَّ من أعظَم الفِرَى أن يَدَّعَي الرجلُ
إلى غير أبيه، أو يُري عَينَيه ما لم تَرَ)) وذكر فيه ثالثةً، غير الثّالثة التي في حديث ابن عمر (٢)
عندَ أحمد، وقد تقدَّم بيان ذلك هناك.
قوله: ((إنَّ من أفرَى الفِرَى)) أفرَى: أفعَل تفضيل، أي: أعظَم الكذبات، والفِرَى، بکسر
الفاء والقصر: جمع فِرية، قال ابن بَطّال: الفِرية: الكِذبة العظيمة التي يُتَعَجَّب منها. وقال
الطِّييُّ بإراءةِ الرجل عينيه: وَصَفَهما بما ليس فيهما، قال: ونسبة الكِذبات إلى الكذب
للمُبالَغة، نحو قولهم: ليلٌ أليل.
قوله: ((أن يُريَ)) بضمٍّ أوَّله وكسر الرَّاء.
(١) بل في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل برقم (٣٥٠٩).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ابن معمر.

٥٢٥
باب ٤٦/ح ٧٠٤٤-٧٠٤٥
كتاب التعبير
قوله: ((عينه ما لم تَرَ)) كذا فيه بحذفِ الفاعل وإفراد العين، ووَقَعَ في بعض النَّسَخ: ((ما لم
تَرَيا)) بالتَّثنية، ومعنى نِسبة الرُّؤيا إلى عينَه مع أنَّهما لم تَرَيا شيئاً أنَّه أخبر عنهما بالرُّؤية وهو
كاذب، وقد تقدَّم بيان كَون هذا الكذب أعظَم الأكاذيب في شرح الحديث الذي قبله.
٤٦ - باب إذا رأی ما یُکرہ فلا يخبر بها، ولا يذكرها
٧٠٤٤ - حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبِيع، حذَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ رَبِّه بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا
سَلَمَةَ، يقول: لقد كنتُ أَرَى الرُّؤْيا فْتُمْرِضُني، حتَّى سمعتُ أبا قَتَادَةَ يقول: وأنا كنتُ أرى
الرُّؤْيا تُمْرِضُني، حتَّى سمعتُ النبيَّ نَّه يقول: ((الرُّؤْيا الحسنةُ منَ الله، فإذا رَأى أحدُكم ما
يُحِبُّ فلا يُحدِّث به إلّا مَن يُحِبُّ، وإذا رَأى ما يَكْرَه فلْيَتَعَوَّذ بالله من شَرِّها ومن شَرِّ الشَّيطان،
ولْيَتْفُل ثلاثاً، ولا يُحدِّث بها أحداً، فإنَّها لن تَضُرَّه)).
٧٠٤٥ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازمِ والدَّراوَرْدِيُّ، عن یزیدَ بنِ عَبدِ الله،
عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، أَنَّه سمعَ رسولَ اللهَوَه يقول: ((إذا رَأى أحدُُمُ
الرُّؤْيَا يُحِبُّها فإنَّهَا منَ الله، فلْيَحْمَدِ الله عليها، ولْيُحدِّث بها، وإذا رَأى غيرَ ذلك ممّا يَكْرَه فأَما هي منَ
الشَّيطان، فلْيَستَعِذْ من شَرِّها، ولا يَذْكُرْها لأحدٍ، فإنََّا لا تَضُرُّه)).
قوله: ((باب إذا رَأى ما يَكْرَه فلا يُخبِرِ بها، ولا يَذْكُرها)) كذا جَمَعَ في التَّرجمة بين لفظَي الحديثَين، ٤٣١/١٢
لكن في التَّرجمة: ((فلا يُحْبِرِ))، ولفظ الحديث: ((فلا يُحدِّث)) وهما مُتَقاربان(١).
وذکر فیه حدیثین:
الأول: قوله: ((عن عبد رَبّه بن سعيد)) هو الأنصاريّ أخو يحيى، وأبو سَلَمة: هو ابن
عبد الرَّحمن بن عَوْفٍ.
قوله: ((لقد كنت أرَى الرُّؤْيا فتُمْرِضُني)) عندَ مسلم (١/٢٢٦١) في رواية سفيان عن
الزُّهْريّ عن أبي سَلَمة: كنت أرَى الرُّؤْيا أُعرَى منها غيرَ أنّ لا أُزَمَّل. قال النَّوويّ: معنى
أَعْرَى، وهو بضمِّ الهمزة وسكون المهمَلة وفتح الرَّاء: أُحَمّ لخوفي من ظاهرها في ظنّي، يقال:
(١) قلنا: قد ورد بلفظ الإخبار عند أحمد (٢٢٥٢٥) في حديث أبي قتادة.

٥٢٦
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
عُرِيَ، بضمٍّ أوَّله وكسر ثانيه مُخُفَّفاً، يَعرَى، بفتحَتَين: إذا أصابه عُراء، بضمٌّ ثمَّ فتح ومَدّ،
وهو نَفْض الحُمَّى، ومعنى لا أُزَمَّل، وهو بزايٍ وميم ثقيلة: أُلفَّفُ من بَرْد الْحُمَّى. ووَقَعَ
مِثله عندَ عبد الرَّزّاق (٢٠٣٥٣) عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن أبي سَلَمة، ولكن قال: ألقَى
منها شِدّةً، بدلَ: أُعَرَى منها، وفي رواية سفيان عن الزُّهْريّ: غيرَ أنّي لا أُعاد(١)، وعندَ
مسلم (٢٢٦١/ ٢) أيضاً من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن أبي سَلَمة: إن كنت لَأَرَى
الرُّؤيا أثقَل عليَّ من جبل.
قوله: ((حتَّى سمعت أبا قَتَادةَ يقول: وأنا كنت أرَى الرُّؤْيا)» في رواية المُستَمْلي: لَأَرَى،
بزيادة اللّام، والأُولى أولى.
قوله: ((فلا يُحدِّث بها إلّا مَن يُحِبّ)) قد تقدَّم أنَّ الحكمة فيه أنَّه إذا حدَّث بالرُّؤيا الحسنة مَن
لا يُحِبّ قد يُفسِّرها له بما لا يُحِبّ، إمّا بُغضاً وإمّا حَسَداً، فقد تقع عن تلك الصِّفة، أو يَتَعَجَّل
لنفسِه من ذلك حُزْناً ونَكَداً، فَأُمِرَ بتَركِ تحديث مَن لا يُحِبّ بسببٍ ذلك.
الحديث الثاني: حديث أبي سعيد.
قوله: ((حدَّثنا ابن أبي حازم والدَّراورديّ)) تقدَّم في ((باب الرُّؤْيا من الله)) (٦٩٨٤): أنَّ
اسم كلّ منهما عبد العزيز.
قوله: ((حدَّثنا(٢) يزيد بن عبد الله)) زاد في رواية المُستَمْلي: ابن أُسامة بن الهادِ اللَّينيّ، وقد
تقدَّم شرح الحديث في الباب المشار إليه (٦٩٨٤).
٤٧ - باب مَن لم ير الرّؤيا لأوّل عابرٍ إذا لم يُصِب
٧٠٤٦ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله ابنِ
عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما كان يُحدِّثُ: أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله وَّل فقال: إنّ
(١) لم نقف عليه من رواية سفيان عن الزهري بهذا اللفظ، وأُعاد الظاهر أنه من العيادة أي: عيادة المريض،
يعني لم تبلغ بي الشدة أن يعودني أحدٌ.
(٢) كذا وقع للحافظ بصيغة التحديث، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري أنه بالعنعنة،
وكذلك جاء في الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذر الهرويّ.

٥٢٧
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
رأيتُ اللَّيلةَ في المنامِ ظُلّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ والعَسَلَ، فأَرَى الناسَ يَتَكَفَّفونَ منها، فالمستَكثِرُ
والمستَقِلُّ، وإذا سببٌ واصلٌ منَ الأرضِ إلى السماءِ، فأراكَ أَخَذْتَ به فعَلَوْتَ، ثمَّ أخَذ به رجلٌ
آخَرُ فعَلا به، ثمَّ أخَذَ به رجلٌ آخَرُ فعَلا به، ثمَّ أَخَذَ به رجلٌ آخَرُ فانقَطَعَ، ثمَّ وُصِلَ، فقال أبو
بكرٍ: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ، والله لَتَدَعْنِّي فأعبُرَها، فقال النبيُّ وَّةِ: ((اعبرها)) قال: أمَّا الظَّلَةُ
فالإسلامُ، وأمَّا الذي يَنْطِفُ منَ العَسَلِ والسَّمْنِ فالقرآنُ حَلاوَتُه تَنْطِفُ، فالمستَكثِرُ منَ القرآنِ
والمستَقِلُّ، وأمَّا السَّبُ الواصلُ منَ السماءِ إلى الأرضِ فالحقُّ الذي أنتَ عليه، تَأْخُذُ به فيُعْلِيكَ الله،
ثُمَّ يأخُذُ به رجلٌ مِن بعدِكَ فَيَعْلُو به، ثمَّ يأخُذ به رجلٌ آخَرُ فِيَعْلُو به، ثمَّ يأْخُذُ بهِ رجلٌ آخَرُ
فيَنْقَطِعُ به، ثمَّ يوَصَّلُ له فيَعْلُو به، فأخبِرْني يا رسولَ الله بأبي أنتَ، أصَبتُ أم أخطَأْتُ؟ قال
النبيُّ ◌ََّ: ((أَصَبْتَ بعضاً وأخطأت بعضاً) قال: فوالله يا رسولَ الله لَتُحدِّثَنّي بالذي أخطَاتُ،
قال: ((لا تُقْسِم)».
قوله: ((باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب)) كأنه يشير إلى حديث أنس قال: قال ٤٣٢/١٢
رسول الله مَّةِ، فذكر حديثاً فيه: والرؤيا لأول عابٍ، وهو حديثٌ ضعيفٌ فيه يزيد الرقاشي(١)،
ولکن له شاهد أخرجه أبو داود (٥٠٢٠) والترمذي (٢٢٧٨ و٢٢٧٩) وابن ماجه (٣٩١٤)
بسند حسن، وصححه الحاكم (٤/ ٣٩٠) عن أبي رَزِینِ العقيلي رفعه: «الرؤیا علی رِجل طائر ما
لم تُعبَّر فإذا عُبِرت وقعتْ)) لفظ أبي داود، وفي رواية الترمذي: ((سقطت))، وفي مرسل أبي
قلابة عند عبد الرزاق (٢٠٣٥٤): «الرؤيا تقعُ على ما تُعبَّر، مَثَل ذلك مَثَل رجُلٍ رفع رِجْله
فهو ينتظر متى يضعُها))، وأخرجه الحاكم (٣٩١/٤) موصولاً بذكر أنس. وعند سعيد بن
منصور بسندٍ صحيحٍ عن عطاء: كان يقال: الرؤيا على ما أُوِّلَتْ.
وعند الدارمي (٢١٦٣) بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: كانت امرأةٌ من
أهل المدينة لها زوجٌ تاجر يختلف - يعني في التجارة - فأتت رسول الله وَلل فقالت: إن
زوجي غائبٌ وتركني حاملاً، فرأيتُ في المنام أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاماً أعور،
فقال: ((خير، يرجع زوجك إن شاء الله صالحاً وتلدين غلاماً براً)) فذكرتْ ذلك ثلاثاً، فجاءت
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩١٥).

٥٢٨
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
ورسول الله و لل غائب، فسألتُها فأخبرتني بالمنام، فقلت: لئن صَدَقتْ رؤياك لیموتن زوجُك
وتلدين غلاماً فاجراً، فقعدت تبكي، فجاء رسول الله وسلم فقال: ((مه يا عائشة! إذا عبرتُم
للمسلم الرؤیا فاعبروها علی خیر، فإن الرؤیا تكون على ما يعُرها صاحبها».
وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله وَه
فقالت: إني رأيتُ كأن جائز(١) بيتي انكسر، وكان زوجها غائباً، فقال: ((ردَّ اللهُ عليك زوجك))
فرجع سالماً، الحديث، ولكن فيه أن أبا بكر أو عمر هو الذي عَبَر لها الرؤيا الأخيرة، وليس فيه
الخبر الأخير المرفوع.
فأشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيباً في تعبيره، وأخذه من قوله وله
لأبي بكر في حديث الباب: ((أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً) فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو
بَيَّنه له لكان الذي بَيَّنه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول.
قال أبو عبيد وغيره: معنى قوله: ((الرؤيا لأول عابر)): إذا كان العابر الأول عالماً فعَبَّر
فأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير
المنام، ليُتوصَّل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن
لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده ویبیِّن ما جهل الأول.
قلت: وهذا التأويل لا يساعده حديث أبي رَزين: ((إن الرؤيا إذا عُبِّرت وقعت)) إلّا أن
يُدَّعَی تخصیص (عبرت)) بأن عابرها یکون عالماً مصيباً، فيعگِّر عليه قوله في الرؤيا
المكروهة: ((ولا يحدِّث بها أحداً) فقد تقدم في حكمة هذا النهي أنه ربما فسَّرها تفسيراً
مكروهاً على ظاهرها مع احتمال أن تكون محبوبةً في الباطن، فتقع على ما فسَّر، ويمكن
الجواب بأن ذلك يتعلّق بالرائي، فله إذا قصها على أحدٍ ففسرها له على المكروه أن يبادر
فيسأل غيره ممن يصيب، فلا يتحتّم وقوع الأول، بل يقع تأويل من أصاب، فإن قصَّر
الرائي فلم يسألِ الثاني، وقعت على ما فسَّر الأول.
(١) الجائز: هو الخشبة التي توضع عليها أطراف العوارض في سقف البيت، وفي (س): جائزة بيتي انكسرت،
وكلاهما صحیح، يقال: جائز وجائزة.

٥٢٩
باب ٤٧/ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
ومن أدب المعبِّر ما أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٥٦): عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: فإذا
رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خيرٌ لنا وشرّ لأعدائنا، ورجاله ثقات ولكن سنده
منقطع.
وأخرج الطبراني (٨١٤٦) والبيهقي في ((الدلائل)) (٣٦/٧-٣٨) من حديث ابن زِمْل
الجهني - بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام ولم يسمَّ في الرواية، وسماه أبو عمر في
((الاستيعاب)): عبدَ الله (١) - قال: كان النبي ◌َّ- إذا صلى الصبح قال: ((هل رأى أحدٌ منكم
شيئاً؟)) قال ابن زِمْل: فقلت: أنا يا رسول الله، قال: ((خيراً تلقاه وشرّاً تتوقّاه، وخيرٌ لنا وشرّ على
أعدائنا، والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك)) الحديث، وسنده ضعيف جدّاً.
وذكر أئمة التعبير أن/ من أدب الرائي أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على وضوءٍ ٣٣/١٢
على جنبه الأيمن، وأن يَقْرأ عند نومه ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَلَيْلِ﴾ ﴿وَالِنِينِ﴾ وسورة الإخلاص
والمعوذتين، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من سيّء الأحلام، وأَستجير بك من تلاعُب
الشيطان في اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحةً صادقةً نافعةً حافظةً غير منسيةٍ،
اللهم أرني في منامي ما أحب.
ومن أدبه أن لا يقصَّها على امرأةٍ ولا عدوٍّ ولا جاهلٍ، ومن أدب العابر أن لا يعبرها عند
طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال ولا في الليل.
قوله: ((عن يونس)) هو ابن يزيد الأيليّ، ولم يقع لي من رواية اللَّيث عنه إلّا في البخاريّ(٢).
وقد عَسُرَ على أصحاب ((المستخرجات)) كالإسماعيليِّ وأبي نُعَيم وأبي عَوَانة(٣) والبَرْقانيّ،
(١) وذكر الحافظُ في ((نتائج الأفكار)) ٣/ ١٣٢ أنه وقع مُسمَّى بذلك في رواية أبي علي بن السكن، وأنه قال: هو
حديث طويل في تعبير الرؤيا، وهو منکر.
(٢) قد أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٩/١٠، وفي ((دلائل النبوة)) ٣٤٦/٦ من طريق عُبيد بن شريك عن
یحیی بن بکیر عن اللیث، به.
(٣) لم نقف على أنَّ لأبي عوانة مستخرجاً على البخاري، وإنما مستخرجُه على مسلم، فلا يستقيم إدراجه في جملة
من استخرج على البخاري، والحديث من طريق ابن وهب عند مسلم (٢٢٦٩)، واستخرجه أبو عوانة
برقم (٥٩٨٦).

٥٣٠
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
فأخرجوه من رواية ابن وهب، وأخرجه الإسماعيليّ أيضاً من رواية عبد الله بن المبارك
وسعید بن یحیی، ثلاثتهم عن يونس.
قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُثْبةَ)) في رواية ابن وهب(١): أنَّ عُبيد الله بن عبد الله
ابن عُتبةَ أخبَرَه.
قوله: ((أنَّ ابن عبّاس كان يُحدِّث)) كذا لأكثر أصحاب الزُّهْريّ، وتَرَدَّدَ الزُبيديّ هل هو عن
ابن عبّاس أو أبي هريرة؟ واختُلِفَ على سفيان بن عُبَينَةَ ومَعمَر، فأخرجه مسلم (٢٢٦٩) عن
محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن عُبيد الله عن ابن عبّاس أو أبي هريرة،
قال عبد الرَّزّاق: كان مَعمَر يقول أحياناً: عن أبي هريرة، وأحياناً يقول: عن ابن عبّاس، وهكذا
ثَبَتَ في ((مُصنَّف عبد الرَّزّاق)) (٢٠٣٦٠) رواية إسحاق الدَّبَري(٢).
وأخرجه أبو داود (٣٢٦٨ و٤٦٣٢) وابن ماجَهْ (٣٩١٨/م) عن محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيِّ
عن عبد الرَّزّاق فقال فيه: عن ابن عبّاس قال: كان أبو هريرة يُحدِّث، وهكذا أخرجه
البَزَّار (٧٦١٠) عن سَلَمة بن شَبيب عن عبد الرَّزّاق(٣)، وقال: لا نَعلم أحداً قال: عن
عُبيد الله عن ابن عبّاس عن أبي هريرة إلّا عبد الرَّزّاق عن مَعمَر، ورواه غير واحدٍ فلم
یذكروا أبا هريرة. انتھی.
وأخرجه الذُّهْلِيُّ في ((العِلَل)) عن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه عن عبد الرَّزّاق،
فاقتَصَرَ على ابن عبّاس ولم يَذكُر أبا هريرة، وكذا قال أحمد في ((مُسنَده)) (٢١١٤). قال
إسحاق: عن عبد الرَّزّاق: كان مَعمَر يَتَرَدَّد فيه حتَّى جاءه زَمْعة بكتابٍ فيه: عن الزُّهْريّ،
کما ذَكَرناه، فكان لا يَشُكّ فیه بعدَ ذلك.
(١) عند مسلم (٢٢٦٩) وغيره.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنَّ رواية عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر عن الزهري عن عُبيد الله بن عبد الله
عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً، فذكره، وجهاً واحداً، وكذلك أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٢٨٣) من طريق
إسحاق الدَّبَري عن عبد الرزاق. فظهر أنَّ الحافظ واهم فيما قال، والله أعلم.
(٣) فات الحافظ رحمه الله أنَّ الترمذي رواه كذلك (٢٢٩٣) عن الحسين بن محمد عن عبد الرزاق، وكذلك البغوي
في ((شرح السنة)) (٣٢٨٣) من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق.

٥٣١
باب ٤٧/ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
وأخرجه مسلم (٢٢٦٩/ ١٧) من طريق الزُّبَيديّ أخبرني الزُّهْريّ عن عُبيد الله أنَّ ابن
عبَّاس أو أبا هريرة، هكذا بالشكّ. وأخرجه مسلم (٢٢٦٩/ ١٧) عن ابن أبي عمر عن سفيان
ابن عيينةً مِثل روایة یونس.
وذکر الحميدُّ (٥٣٦) أنَّ سفيان بن عُیینةً کان لا یذکُر فیه ابن عبّاس، قال: فلمَّا كان في
آخر زمانه أثبَتَ فيه ابن عبّاس، أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه)) (٥٩٨٧) من طريق الحُميديِّ
هكذا. وقد مضى ذِكْر الاختلاف فيه على الزُّهْرِيّ مُستَوعَباً حيثُ ذكره المصنّف في ((باب رُؤیا
الليل)) (٧٠٠٠)، وبالله التَّوفيق.
قال الذُّهْلُّ: المحفوظ رواية الزُّبَيديّ. وصنيع البخاريّ يقتضي ترجيح رواية يونس ومَن
تابَعَه، وقد جَزَمَ بذلك في الأيمان والنُّذُور(١) حيثُ قال: وقال ابن عبّاس: قال النبيّ ◌َّ لأبي
بکر: ((لا تُقسِم))، فجَزَمَ بأنَّه عن ابن عبّاس.
قوله: ((أنَّ رجلاً) لم أقِفْ على اسمه، ووَقَعَ عند مسلم (٢٢٦٩/ ١٧) زيادة في أوَّله من طريق
سليمان بن كثير عن الزُّهْريّ، ولفظه: أنَّ رسول الله وَلَه كان ممَّا يقول لأصحابه: ((مَن رأى
منكم رُؤيا فليقُصَّها أعبُرْها له)) فجاء رجلٌ فقال. قال القُرطُبيّ: معنى قوله: ((فليقُصَّها)) لیَذكُر
قِصَّتها ويَتَّبَّعِ جُزئيّاتها حتَّى لا يَتْرُك منها شيئاً، من قَصَصتُ الأثرَ: إذا اتَّبَعتَه، وأعبرها، أي:
أُفسِّرها.
ووَقَعَ بيان الوقت الذي وَقَعَ فيه ذلك في رواية سفيان بن عُيَينَةَ عند مسلم أيضاً
(١٧/٢٢٦٩) ولفظه: جاء رجل إلى النبيّ ◌َ لّ مُنصَرَفَه من أُحُد. وعلى هذا فهو من مراسيل
الصحابة سواء كان عن ابن عبّاس، أو عن أبي هريرة، أو من رواية ابن عبّاس عن أبي هريرة،
لأنَّ كلَّ منهما لم يكن في ذلك الزَّمان بالمدينة، أمَّا ابن عبّاس فكان صغيراً مع أبويه بمكّةَ، فإنَّ
مَولِده قبلَ الهجرة بثلاث سنين على الصَّحيح، وأُحُد كانت في شؤَّال في السَّنة الثّالثة، وأمَّا / أبو ٤٣٤/١٢
هريرة، فإنَّما قَدِمَ المدينة زمن خَيْبرَ في أوائل سنة سبع.
(١) بين يدي الحديث (٦٦٥٤).

٥٣٢
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إنّ رأيت)) كذا للأكثر، وفي رواية ابن وهب: ((إنّى أَرَى))، كأَنَّه لقوّة تَحقُّقه الرُّؤيا
کانت ◌ُمَّلة بين عينيه حتَّى کأنَّه يراها حينئذٍ.
قوله: (ظُلّة)) بضمِّ الظّاء المعجَمة، أي: سحابة لها ظُلَّة، وكلّ ما أظَلَّ من سقيفةٍ ونحوها
يُسمَّى ظُلّةً. قاله الخطَّابِيّ. وقال ابن فارس: الظُّلّة أوَّل شيءٍ يُظِلّ.
زاد سليمان بن كثير في روايته عندَ الدَّارِميّ(١) (٢١٥٦) وأبي عَوَانة(٢)، وكذا في رواية
سفيان بن عُيَينةَ(٣) عندَ ابن ماجَهْ (٣٩١٨): بين السماء والأرض.
قوله: ((تَنْطِفِ السَّمْنَ والعَسَلَ)) بنونٍ وطاء مكسورة ويجوز ضَمّها، ومعناه: تَقطُر بقافٍ
وطاء مضمومة ويجوز كسرها، يقال: نَطَفَ الماء: إذا سالَ. وقال ابن فارس: ليلةٌ نَطُوفٌ:
أمطرت إلى الصُّبح.
قوله: ((فأرَى الناس يَتَكَفَّفونَ مِنْها)) أي: يأخذونَ بأكُفِّهم، في رواية ابن وهب: بأيديهم،
قال الخليل (٤): تَكَفَّفَ: بَسَطَ كَفّه ليأخُذَ، وَوَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ (٢٢٩٣) من طريق مَعمَر:
يَستقونَ، بمُهمَلةٍ ومُثنّاة وقاف، أي: يأخُذونَ في الأسقية.
قال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون معنى يَتَكَفَّفونَ: يأخذونَ كِفايتهم، وهو أليق بقولِه بعدَ
ذلك: فالمستَكثِرِ والمستَقِلّ. قلت: وما أدري كيفَ جَوَّزَ أخذ كَفَی من کفف، ولا حُجّة فيما
احتَجَّ به لما سيأتي.
قوله: «فالمستكثِر والمستقِّ» أي: الآخِذ کثیراً والآخذ قليلاً، ووقع في روایة سلیمان بن کثیر
(١) ومن طريقه أخرجه مسلم (٢٢٦٩) لكنه لم يسق لفظه.
(٢) هو في كتاب الرؤيا عنده، وهو في جملة ما لم يُعثر عليه من كتاب أبي عوانة، فطبع الكتاب خالياً عنه، وقد
خرَّجه الحافظ مبيناً طرقه في «إتحاف المهرة)) (٨٠٢٠).
(٣) بل في رواية معمر عن الزهري، وروايته بإثر رواية سفيان بن عيينة عند ابن ماجه، فحصل للحافظ انتقال
نظر، والله أعلم.
(٤) هذه العبارة المذكورة في تفسير التكفف نقلها الحافظ من ابن بطال، غير أنَّ ابن بطال قال: قال صاحب
«العین)).

٥٣٣
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
بغير ألف ولام فيهما، وفي رواية سفيان بن حسين عندَ أحمد (٢١١٣): فمِن بين مُستَكثِرٍ
ومُستَقِلِّ وبين ذلك.
قوله: ((وإذا سبب)) أي: حَبلٌ.
قوله: ((واصل من الأرض إلى السماء)) في رواية ابن وهب: وأرَى سبباً واصلاً من السماء إلى
الأرض، وفي رواية سليمان بن كثير: ورأيت لها سبباً واصلاً، وفي رواية سفيان بن حسين: وكأنَّ
سبباً ليَ من السماء.
قوله: ((فأراك أخَذْت به فعَلَوْت)» في رواية سليمانَ بن كثير: فأعلاك الله.
قوله: ((ثُمَّ أخَذَ به)) كذا للأكثر، ولبعضِهم: ثمَّ أَخَذَه، زاد ابن وهب في روايته: من بعد،
وفي رواية ابن عُيَينَةَ وابن حسين: من بعدِك، في الموضعين.
قوله: ((فعَلا به)) زاد سليمان بن كثير: فأعلاه الله، وهكذا في رواية سفيان بن حسين في
الموضعين.
قوله: ((ثُمَّ أخَذَ به رجلٌ آخَر فانقَطَعَ» زاد ابن وهب هنا: به، وفي رواية سفيان بن
حسين: ثمَّ جاء رجلٌ من بعدِكم فأخَذَ به فقُطِعَ به.
قوله: (ثُمَّ ◌ُصِلَ)) في رواية ابن وهب: فُصِلَ له، وفي رواية سليمان: فقُطِعَ به ثمَّ وُصِلَ
له فاتَّصَلَ، وفي رواية سفيان بن حسین: ثمَّ وُصِلَ له.
قوله: ((بأبي أنتَ) زاد في رواية مَعمَر: وأُمّي.
قوله: ((والله ◌َتَدَعَنّي)) بتشديد النّون، وفي رواية سليمان: ائذن لي.
قوله: ((فأعبرها)» في رواية ابن وَهْبٍ: فَلَأَعبُرَنَّها، بزيادة التّأكيد باللّام والنّون، ونحوه في
رواية مَعمر، ومثله في رواية الُّبيديّ.
قوله: ((اعبُرُها)) في رواية سفيان عندَ ابن ماجَهْ: ((عَبِّرْها)) بالتَّشديد، وفي رواية سفيان
ابن حسين: فأذِنَ له، زاد سليمان: وكان من أعبَرَ الناس للرُّؤيا بعدَ رسول الله وَلّ.

٥٣٤
باب ٤٧/ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أمَّا الظَّلّة فالإسلام)) في رواية ابن وهب وكذا لمَعمَر والزُّبَيديّ: فظُلّة الإسلام،
ورواية سفيان کروایة اللَّیث وكذا سليمان بن کثیر، وهي التي يظهر ترجيحُها.
قوله: ((فالقرآن حَلاوته تَنْطِف)» في رواية ابن وهب: حَلاوته ولينُه، وكذا في رواية سفيان
ومَعمَر، وبيَّنْه سليمان بن كثير في روايته فقال: وأمَّ العَسَل والسَّمن، فالقرآن في حَلاوة العَسَل
ولين السَّمن.
قوله: ((فالمستَكْثِرِ من القرآن والمستَقِلّ)» زاد ابن وهب في روايته قبلَ هذا: وأمَّا ما يَتكفَّفُ
الناسُ من ذلك، وفي رواية سفيان: فالآخِذ من القرآن كثيراً وقليلاً، وفي رواية سليمان بن
كثير: فهُم حَلةُ القرآن.
قوله: ((وأمَّا السَّبب ... )) إلى آخره، في رواية سفيانَ بن حسين: وأمَّا السَّبب فما أنتَ عليه
تَعلو فيُعليك الله.
٤٣٥/١٢
قوله: «ثمَّ يأخُذ به رجلٌ)) زاد سفيان بن حسين وابن وهب: من بعدِك، زاد سفيان/بن
حسین: على مِنْهاچِك.
قوله: ((ثُمَّ يأخُذ به)) في رواية سفيانَ بن حسين: ثمَّ يكون من بعدِكما رجلٌ يأخُذ
مآخذكما.
قوله: ((ثمَّ يأخُذ به رجلٌ)) زاد ابن وَهْبٍ: آخرُ.
قوله: ((فُقْطَع به ثمَّ يوصَّل له فيَعْلو به)) زاد سفيانُ بن حسين: فيُعليه الله.
قوله: ((فأخبِرْني يا رسول الله بأبي أنتَ أصَبْتُ أم أخطَآتُ)) في رواية سفيان: هل أَصَبت
يا رسول الله أم أخطأت(١).
قوله: ((أصَبْتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً) في رواية سليمان بن كثير وسفيان بن حسين: ((أصبتَ
وأخطَأتَ)).
(١) هذا لفظ رواية سفيان بن عيينة عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٥٩٣)، وأما لفظ رواية سفيان بن حسين فهو:
أصبتُ يا رسول الله؟

٥٣٥
باب ٤٧/ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
قوله: ((قال: فوالله) زاد ابن وهب: يا رسول الله، ثمَّ اتَّفَقا: ((لَتُحدِّثني بالذي أخطَاتُ)) في
رواية ابن وهب: ما الذي أخطأت، وفي رواية سفيان بن عُبَينَةَ عندَ ابن ماجَهْ: فقال أبو بكر:
أقسَمتُ عليك يا رسول الله لَتُخبِرَنّي بالذي أصَبتُ مِن الذي أخطَّأْت، وفي رواية مَعمَر مِثله،
لكن قال: ما الذي أخطأت، ولم يَذكُر الباقي.
قوله: ((قال: لا تُقْسِم)) في رواية ابن ماجَهْ: فقال النبيّ وَّ: ((لا تُقسِم يا أبا بكر))، ومثله
المَعمَر، لكن دونَ قوله: ((يا أبا بكر))، وفي رواية سليمان بن كثير: ما الذي أصَبت وما الذي
أخطَأْت، فأبى أن يُخْبِرَه.
قال الدَّاوُوديُّ: قوله: ((لا تُقسِم)) أي: لا تُكَرِّر يمينَك، فإنّ لا أُخبِرُك.
وقال المهلَّب: توجيه تَعبير أبي بكر أنَّ الظُّلَّةِ نِعمةٌ من نِعَم الله على أهل الجنَّة، وكذلك
كانت على بني إسرائيل، وكذلك الإسلام يَقي الأَذَى ويَنعَم به المؤمن في الدُّنيا والآخرة،
وأمَّا العَسَل، فإنَّ الله جعله شِفاءً للنّاس، وقال تعالى أنَّ القرآن شفاءٌ لما في الصُّدُور، وقال
أنَّه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، وهو حُلوٌ على الأسماع كَحَلاوة العَسَل في المذاق، وكذلك جاء
في الحديث إنَّ في السَّمن شِفاءَ(١).
قال القاضي عِيَاض: وقد يكون عَبَرَ الظُّلّة بذلك لمَّا نَطَفت العَسَل والسَّمن اللَّذَينِ
عَبَرَهما بالقرآن، وذلك إنَّما كان عن الإسلام والشَّريعة، والسَّبب في اللُّغة: الحبل والعهد
والميثاق، والذينَ أخَذوا به بعدَ النبيّ وَليهِ واحداً بعدَ واحدٍ هم الخلفاء الثلاثة، وعثمان هو
الذي انقَطَعَ به ثمَّ اتَّصَلَ. انتهى ملخَّصاً.
(١) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه الحاكم ٤٠٤/٤، وأبو نعيم في ((الطب النبوي)) (٨٥٨) بلفظ:
((عليكم بألبان البقر وسمنانها، فإنَّ ألبانها وسمنانها دواء وشفاء)) واللفظ للحاكم، وروي أيضاً من حديث
مليكة بنت عمرو الزيدية، أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٤٥٠)، وأبوالقاسم البغوي في ((الجعديات))
(٢٧٧٦)، والطبراني ٢٥/ (٧٩)، وأبو نعيم في ((الطب النبوي)) (٧٦٨)، وغيرهم، بلفظ: ((ألبانها شفاء
وسمنها دواء))، ونحوه من حدیث صھیب عند أبي نعيم في ((الطب)) (٣٢٥) و(٧٦٦)، فالحديث خاصُّ
بسمن البقر دون غيره، وانظر ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (٨٥٤)، و((الأجوبة المرضية)) له (٤).

٥٣٦
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال المهلَّب: وموضع الخطأ في قوله: ثمَّ وُصِلَ له، لأنَّ في الحديث: ثمَّ وُصِلَ، ولم
يَذْكُر ((له)). قلت: بل هذه اللَّفظة وهي قوله: ((له)) وإن سَقَطَت من رواية اللَّيث عندَ
الأصِيلِيِّ وكَرِيمة، فهي ثابتة في رواية أبي ذرِّ عن شيوخه الثلاثة(١) وكذا في رواية النَّسَفيّ،
وهي ثابته في رواية ابن وهب وغيره، كلّهم عن يونس عندَ مسلم (٢٢٦٩) وغيره، وفي
رواية مَعمَر عندَ التِّرمِذيّ (٢٢٩٣)، وفي رواية سفيان بن عُيَينةَ عندَ النَّسائيِّ (ك٧٥٩٣)
وابن ماجَه (٣٩١٨)، وفي رواية سفيان بن حسين عندَ أحمد (٢١١٣)، وفي رواية سليمان بن
كثير عندَ الدَّارِمِيّ وأبي عَوَانة، كلّهم عن الزُّهْريّ، وزاد سليمان بن كثير في روايته: فُصِلَ
له فاتَّصَلَ.
ثَّ بنى المهلَّب على ما تَوقَّمَه فقال: كان ينبغي لأبي بكر أن يَقِف حيثُ وقَفَت الرُّؤيا، ولا
يَذكُر الموصول له، فإنَّ المعنى: أنَّ عثمان انقَطَعَ به الحبل ثمَّ وُصِلَ لغيره، أي: وُصِلَت الخلافة
لغيره. انتهى. وقد عَرَفت أنَّ لفظة ((له)) ثابتة في نفس الخبر، فالمعنى على هذا أنَّ عثمان كان
يَنْقَطِع عن اللَّحاق بصاحبَه بسببٍ ما وَقَعَ له من تلك القَضايا التي أنكَروها، فعَبَّرَ عنها
بانقطاع الحبل، ثمَّ وَقَعَت له الشَّهادة، فاتَّصَلَ بهم، فعَبَّرَ عنه بأنَّ الحبل وُصِلَ له فاتَّصَلَ
فالْتَحَقَ بهم، فلم يَتِمّ في تبيين الخطأ في التَّعبير المذكور ما تَوَّمَه المهلَّب.
والعَجَب من القاضي عِيَاض، فإنَّه قال في ((الإكمال)): قيل: خَطَؤُه في قوله: ((فِيُوصَل له))،
وليس في الرُّؤيا إلّا أنَّه يوصَل، وليس فيها ((له))، ولذلك لم يوصَل لعثمانَ، وإنَّما وُصِلَت
الخِلافة لعليٍّ، وموضع التَّعجُّب سكوته عن تَعقُّب هذا الكلام مع كَون هذه اللَّفظة، وهي
((له)، ثابتةً في ((صحيح مسلم)) (٢٢٦٩) الذي يتكلّم عليه. ثمَّ قال: وقيل: الخطأ هنا بمعنى
التَّرك، أي: تَرَكتَ بعضاً لم تُفسِّره.
وقال الإسماعيليّ: قيل: السَّبب في قوله: ((وأخطأت بعضاً)) أنَّ الرجل لمَّا قَصَّ على
النبيّ وَ ◌ّ رُؤياه كان النبيّ ◌َّهِ أَحقَّ/ بتعبيرها من غيره، فلمَّا طلبَ تَعبيرها كان ذلك خطأً،
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي في الیونینیة بإسقاطها، وجهاً واحداً، دون حكاية خلاف، وكذلك
سقطت من الأصل الخطي الذي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي.
٤٣٦/١٢

٥٣٧
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
فقال: (أخطأت بعضاً)) لهذا المعنى، والمراد بقوله: ((قيلَ)) ابن قُتَيبة فإنَّه القائل لذلك، فقال: إنَّما
أخطأ في مُبادَرَته بتفسيرها قبلَ أن يأمره به، ووافَقَه جماعةٌ على ذلك.
وتَعقَّبَه النَّوويّ تَبَعاً لغيره، فقال: هذا فاسدٌ، لأنَّهِ وَ ﴿ه قد أذِنَ له في ذلك، وقال:
((اعبرها)) قلت: مُراد ابن قُتَيبة أنَّه لم يأذن له ابتداءً، بل بادَرَ هو فسألَ أن يأذن له في
تَعبيرها فأذِنَ له، فقال: أخطأت في مُبادَرَتك للسُّؤال أن تَتَوَّى تَعبيرها، لا أنَّه أراد أخطَأت
في تَعبيرك، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر، لأنَّه خِلَاف ما يَتَبَادَر للسَّمع من جواب
قوله: هل أصَبت؟ فإنَّ الظّاهر أنَّه أراد الإصابة والخطأ في تَعبيره لا لكَونِه التَمَسَ التَّعبير،
ومن ثَمَّ قال ابن التِّين ومَن بعدَه: الأشبَه بظاهرِ الحديث أنَّ الخطأ في تأويل الزُّؤيا، أي:
أخطأت في بعض تأويلك. قلت: ويُؤيِّدِه تَبويب البخاريّ حيثُ قال: ((مَن لم يَرَ الرُّؤيا
لأوَّل عابِرٍ إذا لم يُصِب)).
ونَقَلَ ابن التِّين عن أبي محمَّد بن أبي زيد وأبي محمَّد الأصِيلِيِّ والدَّاوُوديّ نحو ما نَقَلَه
الإسماعيليّ، ولفظهم: أخطأ في سؤاله أن يَعبُرَها، وفي تَعبيره لها بحَضرة النبيّ ◌َلّ.
وقال ابن هُبَيرة: إنَّما كان الخطأُ لكَونِه أقسَمَ لَيَعْبُرَنَّهَا بِحَضرَة النبيّ ◌َ لِهِ، ولو كان الخطأ
في التَّعبير لم يُقِرّه عليه. وأمَّا قوله: ((لا تُقسِم)) فمعناه أنَّك إذا تَفَكَّرت فيما أخطأت به علمتَه.
قال: والذي يظهر أنَّ أبا بكر أراد أن يَعبُرها فيُسمِعَ رسولَ الله وَّ ما يقوله، فيَعرِف أبو بكر
بذلك عِلم نفسه(١) لتقرير رسول الله وَ ل﴾.
قال ابن التِّين: وقيل: أخطَأ لكَونِ المذكور في الرُّؤيا شيئينِ: العَسَل والسَّمن، فَفَسَّرَ هما
بشيءٍ واحد، وكان ينبغي أن يُفسِّرَهما بالقرآن والسُّنّة، ذُكر ذلك عن الطَّحَاويّ(٢).
قلت: وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتَّعبير، وجَزَمَ به ابن العربيّ. فقال: قالوا: هنا وَهِمَ
أبو بكر، فإنَّه جَعَلَ السَّمن والعَسَل معنّى واحداً وهما مَعنَيَان: القرآن والسُّنّة. قال: ويحتمل أن
يكون السَّمن والعَسَل العلمَ والعملَ، ويحتمل أن يكونا الفهمَ والحفظَ.
(١) وقع في الأصلين: معرفة علم نفسه. بزيادة لفظة ((معرفة))، ولا معنى لزيادتها.
(٢) قاله الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) بإثر (٦٧١).

٥٣٨
باب ٤٧/ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأيَّدَ ابن الجَوْزيّ ما نُسِبَ للطَّحَاويِّ بما أخرجه أحمد (٧٠٦٧) عن عبد الله بن عَمْرو
ابن العاص قال: رأيت فيما يرى النائمُ كأنَّ في إحدى إصبَعَيَّ سَمناً، وفي الأُخرى عَسَلاً
فألعَقُهما، فلمَّا أصبَحتُ ذكرتُ ذلك للنبيِّ وَّهِ فقال: ((تقرأ الكتابينِ النَّوراة والفُرقان))
فكان يقرؤُهما (١). قلت: ففَسَّرَ العَسَل بشيءٍ والسَّمْن بشيءٍ.
قال النَّوويّ: قيل: إنَّما لم يُبِرَّ النبيّ ◌َّهِ قَسَم أبي بكر لأنَّ إبرار القَسَم مخصوصٌ بما إذا لم
يكن هناك مَفْسَدة ولا مَشَقّة ظاهرة، فإن وُجِدَ ذلك فلا إبرار، ولعلَّ المفسَدة في ذلك ما
علمه من سبب انقطاع السَّبب بعثمانَ، وهو قتله وتلكَ الحروب والفتن المترَتِّة علیه، فكره
ذِكْرَها خَوفَ شُيوعها.
ويحتمل أن يكون سبب ذلك أنَّه لو ذکر له السّبب لَلَزِمَ منه أن یوبّخَہ بین الناس
لمُبادَرَتِهِ، ويحتمل أن يكون خَطَؤُه في تَرك تعيين الرِّجال المذكورين، فلو أبَرٌ قَسَمِه لَلَزِمَ
أن يُعيِّنَهم، ولم يُؤمَر بذلك إذ لو عَيَّنَهم لكان نَصّاً على خِلافَتهم، وقد سَبَقَت مَشِيئَةُ الله
أنَّ الخلافة تكون على هذا الوجه، فتَرَكَ تعيينَهم خَشْيَةَ أن يقع في ذلك مَفسَدة.
وقيل: هو عِلم غَيْبٍ، فجازَ أن يَخْتَصّ به ويُخْفيَه عن غيره، وقيل: المراد بقوله: ((أخطأت
وأصَبت)) أنَّ تَعبير الرُّؤيا مَرجِعه الظَّنّ، والظَّنّ يُخْطِئ ويُصيب، وقيل: لمَّا أراد الاستبداد ولم
يَصِرِ حتَّى يُفاد جازَ مَنعه ما يُستَفاد، فكان المنع كالتَّأديبِ له على ذلك.
قلت: وجميع ما تقدَّم من لفظ الخطأ والتَّوهُم والتّأديب وغيرها(٢) إنَّما أحكيه عن قائله،
ولست راضياً بإطلاقه في حَقّ الصِّيق، وقيل: الخطأ في خَلع عثمان، لأنَّ في المنام(٣) أنَّه آخِذٌ
بالسَّببِ فانقَطَعَ به، وذلك يدلّ على انخِلاعه بنفسِه، وتفسير أبي بكر بأنَّه يأخُذ به رجلٌ فَيَنقَطِع
به ثمَّ يوصَل له، وعثمان قد قُتِلَ قَهراً ولم يَخْلَع نفسَه، فالصَّواب أن يُحمَل وَصلُه على ولاية
(١) إسناده حسن وانظره في ((المسند)).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وغيرهما.
(٣) المثبت من الأصلين، ووقعت العبارة في (س): لأنه في المنام رأى، بزيادة الضمير المتصل في ((لأنه))،
وإقحام لفظة ((رأى))، فأصبحت العبارة قلقةً مُوهمة.
٦٠

٥٣٩
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
كتاب التعبير
غيره، وقيل: يحتمل أن يكون تَرَكَ إبرار القَسَم لما يَدخُل في النُّفوس لا سيَّما مِن / الذي انقَطَعَ في ٤٣٧/١٢
يده السَّببُ وإن كان وُصِلَ.
وقد اختُلِفَ في تفسير قوله: فقُطِعَ، فقيلَ: معناه قُتِلَ، وأنكَرَه القاضي أبو بكر بن العربيّ،
فَقال: ليس معنى قُطِعَ: قُتِلَ، إذ لو كان كذلك لَشارَكَه عمر بن الخطاب، لكنَّ قتل عمر لم یکن
بسببِ العُلوّ بل بجهة عَدَاوةٍ مخصوصة، وقَتْل عثمان كان من الجهة التي عَلا بها وهي الولاية،
فلذلك جَعَلَ قتله قطعاً، قال: وقوله: ثمَّ وُصِلَ، يعني: بولاية عليّ، فكان الحبل موصولاً ولكن
لم يَرَ فیه عُلوّاً، كذا قال. وقد تقدَّم البحث في ذلك.
ووَقَعَ في ((تنقيح الَّركَشِيّ)) ما نَصُّه: والذي انقَطَعَ به ووُصِلَ له هو عمر، لأنَّه لمَّا قُتِلَ
وُصِلَ له بأهلِ الشّورَى وبعثمانَ. كذا قال، وهو مَبنيٌّ على أنَّ المذكور في الخبر من الرّجال
بعدَ النبيّ ◌ُّ اثنان فقط، وهو اختصارٌ من بعض الرُّواة. وإلّا فعندَ الجمهور ثلاثة، وعلى ذلك
شَرَحَ مَن تقدَّم ذِكْره، والله أعلم.
قال ابن العربيّ: وقوله: ((أخطأت بعضاً) اختُلِفَ في تعيين الخطأ، فقيلَ: وجه الخطأ تَسوُّره
على التَّعبير من غير استئذان، واحتَمَلَه النبيّ ◌َلآ لمكانه منه.
قلت: تقدَّم البحث فيه. قال: وقيل: أخطأ لقَسَمِه عليه، وقيل: لَجَعلِه السَّمن والعَسَل
معنّى واحداً وهما مَعنَيان، وأيَّدوه بأنَّه قال: أخطأت بعضاً وأصَبت بعضاً، ولو كان الخطأ
في التقدُّم(١) أو في اليمين لمَا قال ذلك، لأنَّه ليس من الرُّؤيا.
وقال ابن الجَوْزيّ: الإشارة في قوله: ((أَصَبتَ وأخطَأْتَ)) لتعبيره الرُّؤيا، وقال ابن العربيّ:
بل هذا لا يَلزَم، لأَنَّه يَصِحّ أن يريد به: أخطَأْتَ في بعض ما جَرَى وأصَبتَ في البعض، ثمّ قال
ابن العربيّ: وأخبرني أبي أنَّه قيل: وجه الخطأ أنَّ الصَّواب في التّعبير أنَّ الرَّسول هو الظُّلّة،
والسَّمن والعَسَل القرآن والسُّنّة، وقيل: وجه الخطأ أنَّه جَعَلَ السَّبب الحقّ وعثمان لم يَنقَطِع به
(١) تحرفت العبارة في (أ) إلى: ولو كان الخطأ في اليسار أو في اليمين، وفي (س) تحرفت إلى: ولو كان الخطأ في التقديم
في اليسار أو في اليمين، والمثبت على الصواب من (ع) موافقاً لما في ((عارضة الأحوذي)) ٩/ ١٦٢.

٥٤٠
باب ٤٧/ ح ٧٠٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
الحقّ، وإنَّما الحقّ أنَّ الولاية كانت بالنُّة، ثمَّ صارت بالخِلافة فاتَّصَلَت لأبي بكر ولعمرَ، ثمَّ
انقَطَعَت بعثمانَ بما كان ظُنَّ به، ثمَّ صَحَّت براءَته فأعلاه الله ولَحِقَ بأصحابِهِ.
قال: وسألت بعض الشُّيوخ العارفينَ عن تعبين الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر فقال: مَن
الذي يَعِرِفُه، ولَئِن كان تَقَدُّم أبي بكر بين يَدَي النبيّ ◌َّ للتَّعبير خطأً، فالتَّقَدُّم بين يدي أبي بكر
لتعيينِ خَطَئِهِ أعظَمُ وأعظَمُ، فالذي يقتضيه الدّين والخَزم الكَفّ عن ذلك.
وقال الكِرْمانيُّ: إنَّما أقدموا على تبيين ذلك مع كَونِ النبيّ ◌َّه لم يُبيِّنه، لأنَّه كان يَلَزَم
من تبيينِهِ مَفسَدة إذ ذاكَ فزالت بعده، مع أنَّ جميع ما ذَكَروه إنَّما هو بطريق الاحتمال ولا
جَزم في شيءٍ من ذلك.
وفي الحديث من الفوائد أنَّ الرُّؤيا ليست لأوَّل عابرٍ كما تقدَّم تقريره، لكن قال
إبراهيم بن عبد الله الكِرْمانيُّ المعَبِر: لا يُغيِّر الزُّؤيا عن وجهها عِبارةُ عابرٍ ولا غيره،
وكيف يستطيع مخلوقٌ أن يُغيِّر ما كانت نُسخَته من أمّ الكتاب، غير أنَّه يُستَحَبّ لمن لم
يَتَدَرَّب في عِلم التَّويل أن لا يَتعرَّض لما سَبَقَ إليه مَن لا يُشَكُّ في أمانَته ودينه. قلت:
وهذا مَبنيّ على تسليم أنَّ المرائي تُنسَخ من أمّ الكتاب على وَفْق ما يَعبُرُها العارف، وما
المانع أنَّها تُنسَخ على وَفْقَ ما يَعبُرُها أوَّلُ عابرٍ.
وأنَّه لا يُستَحَبّ إبرار القَسَم إذا كان فيه مَفْسَدة.
وفيه أنَّ مَن قال: ((أُقْسِم)) لا كفَّارة عليه، لأنَّ أبا بكر لم يَزِد على قوله: ((أقسَمتُ)). كذا
قاله عِيَاض، ورَدَّه النَّوويّ بأنَّ الذي في جميع نُسَخ ((صحيح مسلم)) (١٧/٢٢٦٩) أنَّه قال:
فوالله يا رسول الله لَتُحدِّثَنِّي، وهذا صریحُ يمينٍ.
قلت: قد تقدَّم البحث في ذلك في كتاب الأيمان والنُّور (١).
قال ابن التّين: فيه أنَّ الأمر بإبرار القَسَم خاصٌّ بما يجوز الاطّلاع عليه، ومن ثَمَّ لم يُبِرّ قَسَمَ
أبي بكر لكَونِه سألَ ما لا يجوز الاطّلاع عليه لكلِّ أحدٍ. قلت: فيحتمل أن يكون مَنَعَه ذلك لمَّا
(١) بین یدي الحديث (٦٦٥٤).