Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٣٥/ح ٧٠٢٩
كتاب التعبير
من شيء أمِنَ منه، ومَن رأى أنَّه قد أمِنَ من شيء فإنَّه يَخافُ منه.
وذکر فیه حديث ابن عمر في رُؤياه من طريق نافع عنه، وقد مضى شرحه قريباً (٧٠١٥).
قوله: ((إنَّ رجالاً)) لم أقِفْ على أسمائهم.
قوله: ((فيقول فيها)) أي: يَعبُها.
قوله: ((حديث السِّنّ)) أي: صغيره، وفي رواية الكُشمِيهنيّ: حَدَث السِّنّ، بفتح الدّال.
قوله: ((وبيتي المسجد)) يعني أنَّه كان يأوي إليه قبلَ أن يَتزوَّج.
قوله: ((فلما اضطجَعْتُ ليلةً)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ذاتَ ليلةٍ (١).
قوله: ((إذ جاءني مَلَكان)) لم أقِفْ على تسميتهما. قال ابن بَطّال: يُؤْخَذ منه الجزم بالشَّيءِ
وإن كان أصله الاستدلال، لأنَّ ابن عمر اسْتَدَلَّ على أنَهما مَلَكان بأنَّهما وقَفاه على جَهنَّم ووعَظاه
بها، والشَّيطان لا يَعِظ ولا يُذكِّر الخيرَ.
قلت: ويحتمل أن يكونا أخبَرَاه بأنَّهما مَلَكان، أو اعتَمَدَ النبيُّ وَّه مما قصَّت عليه حفصة،
فاعتَمَدَ على ذلك.
قوله: ((مِقْمَعة)) بكسر الميم، والجمع: مقامع، وهي كالسّياطِ من حديد رُؤوسها مُعوجّة، قال
الجَوْهريّ: المِقِمَعةُ كالِحِجَن. وأغرَبَ الدَّاوُوديُّ فقال: المِقِمَعة والمِقِرَعة واحدٌ.
قوله: ((لم تُرَغْ)) أي: لم تَفزَع، في رواية الكُشمِيهنيّ: لن تُراعَ، فعلى الأوَّل ليس المراد أنَّه
لم يقع له فزَع، بل لمَّا كان الذي فزِعَ منه لم يَستَمِرّ فكأنَّه لم يفزَع (٢)، وعلى الثّانية فالمراد أنَّك
لا رَوْعَ علیك بعدَ ذلك.
(١) هذا عكس ما جاء في اليونينية، حيث نسب هذه الرواية للحمُّويّ والمستملي، والأخرى للكُشميهني،
وقد نبّه على ذلك القسطلاني.
(٢) ويمكن أن يكون معنى الأول: لا تَفْزِعْ، فاستعمل ((لم)) بمعنى ((لا))، فيكون نفياً بمعنى النهي، كما قال الشراح
في قوله وَله: «لم تُراعُوا)»، ولم نقف على من نبَّه عليه من الشرَّاح هنا، فلله الحمد وله المنّة، ثم هذا الفعل من
الأفعال التي تبنى للمجهول والمرفوع بها فاعل مثل مُرَع ويُولَعُ ونحوهما.

٥٠٢
باب ٣٥/ح ٧٠٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطّال: إنَّما قال له ذلك لِما رأى منه من الفَزَع، ووثِقَ بذلك منه، لأنَّ الملَك لا
يقول إلّا حقّاً. انتھی.
ووَقَعَ عندَ ابن أبي شَيْبة من رواية جَرِير بن حازم عن نافع: فَلَقَيَهَ مَلَك وهو يُرعَد، فقال: لم
تُرَع(١).
٤١٩/١٢
ووَقَعَ عندَ كثير من الرُّواة: لن تُرَع، / بحرفِ لن مع الجزم، ووجَّهَه ابن مالك بأنَّه سَكَّنَ
العين للوقف، ثمَّ شَبَّهَه بسكونِ الجزم فحَذَفَ الألف قبلَه، ثمَّ أجرَى الوصلَ مُجُرَى الوقف،
ويجوز أن يكون جَزَمَه بلَن، وهي لُغة قليلة حكاها الكِسائيّ، وقد تقدَّم شيء من ذلك في
الكلام على هذا الحديث في كتاب التَّهَجُّد (١١٢١).
قوله: ((كَطَيِّ البئر له قُرون)) في رواية الكُشمِيهنيّ: لَا، وقُرون البئر: جَوانبها التي تُبنَى من
حجارة توضع عليها الخشبة التي تُعلَّقَ فيها البَكْرة، والعادة أنَّ لكلِّ بثر قَرَين.
وقوله: (وأرَى فيها رجالاً مُعلَّقينَ)) في رواية سالم التي بعدَ هذا (٧٠٣٠): فإذا فيها ناس
عَرَفت بعضهم. قلت: ولم أقِفٍ في شيء من الطّرق على تسمية أحد منهم.
(١) كذا أورد الحافظ هذه الرواية ضمن الكلام على الروايات الواردة في عبارة ((لم تُرَع))، وإيراده لها هنا مع
سكوته عنها يدل على أنه ظن لفظها من الرَّوع أيضاً، وهو خطأ ناشئ عن تحريف وتصحيف حصلا
لديه رحمه الله، فأما التحريف ففي لفظة ((يرعد))، حيث تحرفت عن ((يَزَعُهُ))، وأما التصحيف ففي عبارة
(َ ترغْ))، حيث تصحفت عن ((لِمَ تَزِعُ؟)) بالاستفهام والوَزْع الذي بمعنى الكفّ والمنع، ولفظ هذه
الرواية كما رواها ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١١/ ٨١ عن نافع: أنَّ ابن عمر رأى رؤيا كأن ملكاً انطلق به
إلى النار، فلقيه ملكٌ آخر وهو يَزَعْهُ، فقال: لِمَ تَزَعُ؟! هذا نِعْمَ الرجلُ لو كان يصلي من الليل. قلنا:
فكانَ الخطاب في هذه الرواية موجّهاً من أحد الملكين للآخر منهما، وقد أورد هذه الروايةَ ابنُ عبد البر
في ((التمهيد)) ١١٨/١ شاهداً لبيان معنى ((يَزَع جبريلُ الملائكةَ)) في أثر رواه مالك في «موطئه» ٤٢٢/١،
وكذا أوردها القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) عند شرح حديث الباب ٧/ ٥١٧، مبيناً أنّ روايتها من
الوَزْع بمعنى الكَفّ، وأنه يظنها وهماً، ولم يتفطّن لذلك الشيخ عوامة في طبعته من ((المصنف))
(٣١١٦٢)، ولا الشيخان الجمعة واللحيدان في طبعتهما أيضاً (٣١٠٤٠)، فأوردوا اللفظ الثاني مُصحَّفاً
إلى (لم ترع)) بالنفي والرَّوْع، مع أنهم أوردوا اللفظ الأول على الصواب من الوَزْعِ، فلله الحمد وله المنة
على ما وَقَّقَ.

٥٠٣
باب ٣٦/ح ٧٠٣٠
كتاب التعبير
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث أنَّ بعض الزُّؤيا لا يحتاج إلى تَعبير، وعلى أنَّ ما فُسِّرَ في
النَّوم فهو تفسيره في اليَقَظة، لأنَّ النبيَّ وَّه لم يَزِد في تفسيرها على ما فَسَّرَها الملَك.
قلت: يشير إلى قوله و له في آخر الحديث: ((إنَّ عبد الله رجل صالح))، وقول الملَك قبلَ
ذلك: نِعِمَ الرجل أنتَ لو كنت تُكثِرِ الصلاة. ووَقَعَ في الباب الذي بعدَه أنَّ الملَك قاله له:
لم تُرَع، إنَّك رجل صالح، وفي آخره أنَّ النبيَّ ◌َٹے قال: ((إنَّ عبد الله رجل صالح لو كان يُكثِر
الصلاة مِن اللَّيل)».
قال: وفيه وقوع الوعيد على تَرك السُّنَن، وجواز وقوع العذاب على ذلك. قلت: هو
مشروط بالمواظَبة على التَّرك رَغبةً عنها، فالوعيد والتَّعذيب إنَّما يقع على المحرِّم، وهو
التَّرك بقيد الإعراض.
قال: وفيه أنَّ أصل التَّعبير من قِبَل الأنبياء، ولذلك تَنَّى ابن عمر أن يرى رُؤيا فيَعبُرها
له الشّارع ليكونَ ذلك عندَه أصلاً. قال: وقد صَرَّحَ الأشعَريّ بأنَّ أصل التَّعبير بالتَّوقيفِ
من قِبَل الأنبياء وعلى ألسِنَتهم. قال ابن بَطّال: وهو كما قال، لكنَّ الوارد عن الأنبياء في
ذلك وإن كان أصلاً فلا يَعُمّ جميع المرائي، فلا بُدَّ للحاذِقِ في هذا الفَنّ أن يَستَدِلَّ بحُسْنِ
نظره، فَيَرُدّ ما لم يُنصَّ عليه إلى حُكم التَّمثيل، ويَحَكُم له بحُكمِ الشَّبِيهِ الصحيح(١)، فيُجعَل
أصلاً يُلحَق به غیرُه، كما يفعل الفقيه في فُروع الفقه.
وفيه جواز المبيت في المسجد. ومشروعيَّة النّيابة في قَصّ الرُّؤيا. وتأتُّب ابن عمر مع
النبيّ وَّ﴿ ومَهابَته له، حيثُ لم يَقُصّ رُؤياه بنفسِه، وكأنَّه لمَّا هالَتْه لم يُؤثِرِ أن يَقُصَّها بنفسِهِ،
فقَصَّها على أُخته لإدلاله عليها. وفضل قيام اللّيل. وغير ذلك مما تقدَّم ذِكْره وبسطه في كتاب
التَّهَجُّد، والله أعلم.
٣٦ - باب الأخذ على اليمين في النّوم
٧٠٣٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ،
عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كنتُ غلاماً شابّاً عَزَباً في عَهْدِ رسولِ الله وَِّ، وكنتُ أبِيتُ في
(١) تحرَّفت العبارة في الأصلين و(س) إلى: النسبة الصحيحة.

٥٠٤
باب ٣٧/ح ٧٠٣١ -٧٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
المسجدِ، فكان مَن رَأى مَناماً قَصَّه على النبيِّ وَّةِ، فقلتُ: اللهمَّ إن كان لي عندكَ خيرٌ فأرِنِي
مَناماً يُعبِّرُه لي رسولُ الله وَّةِ، فِنِمْتُ، فرأيتُ مَلَكَيْنِ أتياني فانطَلَقَابِي، فَلَقِيَهما مَلَكٌ آخَرُ، فقال
لي: لَمْ تُرَعْ، إِنَّكَ رجلٌ صالحٌ، فانطَلَقا بي إلى النار، فإذا هي مَطْوِيَّةٌ كطَيِّ البئرِ، فإذا فيها ناسُ قد
عَرَفتُ بعضَهم، فأخَذا بي ذاتَ اليَمِينِ، فلمَّا أصبَحْتُ ذكرتُ ذلك لحفصةَ.
٧٠٣١ - فَزَعَمَت حفصةُ أنَّهَا قَصَّتْها على النبيِّ وَّةِ، فقال: ((إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ، لو كان
يُكْثِرُ الصلاةَ منَ اللَّيلِ)».
قال الزُّهْريُّ: فكان عبدُ الله بعدَ ذلك يُكْثِرُ الصلاةَ منَ اللَّيلِ./
٤٢٠/١٢
قوله: ((باب الأخذ على اليمين في الثَّوم)) وفي رواية: باليمين.
ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبلُ من طريق سالم وهو ابن عبد الله بن عمر عنه، وقد
تقدَّم مُستَوفَّى في الذي قبلَه، ولله الحمد.
ويُؤخَذ منه أنَّ مَن أُخِذَ في مَنامه إذا سارَ على يمينه يُعبّر له بأنَّه من أهل اليمين.
والعَزَب بفتح المهمَلة والزّاي ثمَّ موخَّدة: مَن لا زوجة له، ويقال له: الأعزَب، بقِلّةٍ
في الاستعمال.
وقوله: ((أخَذاني)» بالنّونِ، وفي رواية بالموخَّدة.
٣٧ - باب القَدَح في النّوم
٧٠٣٢ - حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثْنا لَيثٌ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّةِ، يقول: ((بينا أنا نائمٌ أَنِيتُ بَقَدَحِ
لَبَّنٍ، فشَرِبتُ منه، ثمَّ أعطَيتُ فضلي عمرَ بنَ الخطّابِ)) قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسولَ الله؟ قال: ((العِلمَ)).
قوله: ((باب القَلَح في النَّوم)) قال أهل التَّعبير: القَدَح في النَّوم امرأة، أو مال من جهة امرأة،
وقَدَح الزُّجاج يدلّ على ظُهور الأشياء الحَقِيَّة، وقَدَح الذَّهَب والفِضّة ثَنَاءٌ حسنٌ.
ذكر فيه حديث ابن عمر المتقدم في ((باب اللَّبَن)) (٧٠٠٦)، وقد مضى شرحه هناك.

٥٠٥
باب ٣٨/ح ٧٠٣٣ -٧٠٣٤
كتاب التعبير
٣٨ - باب إذا طار الشّيء في المنام
٧٠٣٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ محمَّدٍ أبو عبد الله الجَزْميُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا
أبي، عن صالح، عن ابنِ عُبيدةَ بنِ نَشِيطٍ، قال: قال عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله: سألتُ عبد الله بنَ عبَّاسِ
رضي الله عنهما عن رُؤْيا رسولِ الله وَّ﴿ التي ذُكِرَ؟
٧٠٣٤ - فقال ابنُ عبَّاسٍ: ذُكِرَ لي أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((بينا أنا نائمٌ أَرِيتُ أنَّهُ وُضِعَ في ◌َدَيَّ
إِسْوارانٍ من ذهبٍ، فَفَظِعْتُهُما وكَرِهْتُهما، فَأَذِنَ لِي، فَتَفَخْتُهما فطارا، فأَوَّلْتُهِمَا كَذّابَينِ يَخْرُجان)).
فقال عُبيدُ الله: أحدُهما العَنْسِيُّ الذي قَتَلَه فيروزُ باليَمَنِ، والآخَرُ مُسَيلمةُ.
قوله: ((باب إذا طارَ الشَّيء في المنام)) أي: الذي من شأنه أن يَطير، قال أهل التَّعبير: مَن
رأى أنَّه يَطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ناله ضَرَر، فإن غابَ في السماء ولم يرجع
ماتَ، وإن رَجَعَ أفاقَ من مرضه، وإن كان يَطير عَرْضاً سافَرَ ونالَ رِفعةً بقَدرِ طَيَرانه، فإن
كان بجناحِ فهو مالٌ، أو سُلطان يُسافر في كَنَفه، وإن كان بغير جناح دَلَّ على التَّغرير فيما
يَدخُل فيه. وقالوا: إنَّ الطَّيَران للشِّرار دليلٌ رَديء.
قوله: ((يعقوب بن إبراهيم)) أى: ابن سعد الزهري، وصالح: هو ابن كيسان.
قوله: ((عن ابن عُبيدة)) بالتَّصغير: ابن نَشيط، بنونٍ ومُعجَّمة ثمَّ مُهمَلة وزن عظيم، ووَقَعَ في
رواية الكُشمِيهنيّ: عن أبي عبيدة، جعلها كُنية، والصَّواب ((ابن)) فقد تقدَّم هذا الحديث بهذا
السَّند في أواخر المغازي (٤٣٧٨) في قصَّة العَنسيِّ وقال فيه: عن ابن عُبيدة، بغير اختلاف،
وزاد: و کان في موضع آخر اسمه عبد الله.
قلت: وهو الرَّبَذِيُّ - بفتح الرَّاء والموخَّدة بعدَها مُعجَمة - أخو موسى بن عُبيدة
الرَّبَذيُّ المحدِّث المشهور بالضَّعف،/ وليس لعبد الله هذا في البخاريّ سوى هذا الحديث، ٤٢١/١٢
وقد اختُلِفَ على يعقوب بن إبراهيم بن سعد في سنده، فأخرجه النَّسائيُّ (ك ٧٦٠١) عن
أبي داود الحرّانيّ عنه عن أبيه عن صالح قال: قال عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبةَ، أَسقَطَ
عبدَ الله بن عُبيدة من السَّند، هكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن أبي داود الحرّانيّ،

٥٠٦
باب ٣٨/ح ٧٠٣٣ -٧٠٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ومن رواية عُبيد الله بن سعد بن إبراهيم عن عمّه يعقوب، قال الإسماعيليّ: هذان ثِقَتان
روياه هكذا(١). قلت: لكن سعيد ثقة، وقد تابَعَه عبّاس بن محمَّد الدُّوريُّ عن يعقوب بن
إبراهيم أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه، وقد تقدَّم شرح الحديث في المغازي
(٤٣٧٨) ويأتي شيء منه بعدَ أبواب (٧٠٣٧). وأنَّ قول ابن عبّاس في هذه الرِّواية: ذُكِرَ لي،
على البناء للمجهولِ، تَبيَّنَ من رواية نافع ابن جُبَير عن ابن عبّاس المذكورة هناك (٤٣٧٤)
أنَّ المبهم المذكور أبو هريرة.
قال المهلَّب: هذه الرُّؤيا ليست على وجهها، وإنَّما هي من ضرب المثل، وإنَّما أوَّلَ النبيّ وَله
السِّوارَينِ بالكذّابَيْنِ لأنَّ الكذب وضعُ الشَّيء في غير موضعه، فلمَّا رأى في ذِراعيه
سوارَينِ من ذهبٍ ولَيسا من لُبسه لأنَّهما من حِلية النِّساءِ، عَرَفَ أنَّه سَيظهرُ مَن يَدَّعي ما
ليس له، وأيضاً ففي كَونهما من ذهبٍ، والذَّهَب مَنهيّ عن لُبسه دليل على الكذب، وأيضاً
فالذَّهَبِ مُشْتَقّ من الذَّهاب، فعُلمَ أنَّه شيء يذهب عنه، وتأكَّدَ ذلك بالإذنِ له في نَفخهما
فطارا فَعَرف أنَّه لا يَثْبُت لهما أمرٌ، وأنَّ كلامه بالوحي الذي جاء به يُزيلُهما عن موضعهما،
والنَّفْخ يدلّ على الكلام. انتهى ملخَّصاً.
وقوله في آخر الحديث: ((فقال عُبيد الله)) هو ابن عبد الله بن عُتبةَ راوي الحديث، وهو
موصول بالسَّندِ المذكور إليه، وهذا التَّفسير يُوهم أنَّه من قِبَله، وسيأتي قريباً (٧٠٣٧) من
وجه آخر عن أبي هريرة أنَّه من كلام النبيّ ◌ََّ، فيحتمل أن يكون عُبيد الله لم يسمع ذلك
من ابن عبّاس، وقد ذكرتُ خبر الأسود العَنْسيّ هناك، وذكرت خبرَ مُسَيلِمة وقتلِه في
غزوة أُحُد (٤٠٧٢)، وشيئاً من خبره في أواخر المغازي أيضاً (٤٣٧٣ - ٤٣٧٧).
قال الكِرْمانيُّ: كان يقال للأسودِ العَنسيّ: ذو الحِمار، لأنَّه عَلَّمَ حِماراً إذا قال له: اسجُد،
يَخْفِض رأسه. قلت: فعلى هذا هو بالحاءِ المهملة، والمعروف أنَّه بالخاءِ المعجَمة بلفظ الثَّوب الذي
يُخْتَمَر به. قال ابن العربيّ: كان رسول اللهَوَ ل﴿ يَتَوقَّعِ بُطْلان أمر مُسَيلِمة والعَنْسِيّ، فأوَّلَ الرُّؤيا
(١) وكذلك رواه أحمد (٢٣٧٣) عن يعقوب بن إبراهيم. فأصبحوا ثلاثة.

٥٠٧
باب ٣٩/ح ٧٠٣٥
كتاب التعبير
عليهما ليكونَ ذلك إخراجاً للمنام عليهما ودفعاً لحالهما، فإنَّ الرُّؤيا إذا عُبِرَت خَرَجَت(١)،
ويحتمل أن يكون بوحي، والأوَّل أقوى. كذا قال.
٣٩- باب إذا رأى بقراً ثُنحَر
٧٠٣٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُّ العلاءِ، حدّثنا أبو أُسامةً، عن بُریدِ، عن جدِّه أبي بُزْدً، عن أبي موسى
- أُراه - عن النبيِّوَِّ، قال: ((رأيتُ في المنامِ أنّي أَهاجِرُ من مكّةَ إلى أرضٍ بها نَخْلٌ، فذهب وهَلي إلى
أنَّهَا الْيَمَامةُ أو الهَجَر، فإذا هي المدينةُ يَثْرِبُ، ورأيتُ فيها بَقَراً واللهُ خيرٌ، فإذا همُ المؤمنونَ يومَ أَحُدٍ،
وإذا الخيرُ ما جاء الله به منَ الخيرِ، وثواب الصِّدْقِ، الذي آتانا الله بعدَ يومٍ بَدْرٍ)).
قوله: ((باب إذا رَأى بَقَرَأَ تُنْخَر)) كذا تَرجَمَ بقَيدِ النَّحر، ولم يقع ذلك في الحديث الذي
ذكره عن أبي موسى، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى ما وَرَدَ في بعضِ طرق الحديث كما سأُبيِّنْه.
وحديث أبي موسى المذكور في الباب أورَدَه بهذا السَّند بتمامه في علامات النَّبّة (٣٦٢٢)،
وفَرَّقَ منه في المغازي (٣٩٨٧) بهذا السَّند أيضاً، وعَلَّقَ فيها منه قِطعة في الهجرة (٢) فقال: وقال/ ٤٢٢/١٢
أبو موسى. وذكر بعضه هنا وبعضه بعدَ أربعة أبواب (٧٠٤١)، ولم يَذكُر بعضه، وقد تقدَّم في
غزوة أُحُد شرح ما أورَدَه منه فيها.
قوله: (أُراه) بضمِّ أوَّله، أي: أظنُّه، وقد بيّنت هناك أنَّ القائل: أُراه، هو البخاريّ، وأنَّ
مسلماً (٢٢٧٢) وغيره رَووه عن أبي كُرَيبٍ محمَّد بن العلاء شيخ البخاريّ فيه بالسَّنِدِ المذكور
بدون هذه اللَّفظة، بل جَزَموا برفعِه.
قوله: ((فذهب وَهَلي)) قال ابن التِّين: رُوِّينا: ((وهَلي)) بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللُّغة
بسكونها، تقول: وهَلْت بالفتح أهِلُ وَهْلاً: إذا ذهب وهُمُك إليه وأنتَ تريد غيرَه، مِثْل وَهَمْتُ،
ووَهِلَ يَوهل وَهَلاَ بالتَّحريك: إذا فَزِعَ. قال: ولعلَّه وَقَعَ في الرّواية على مِثل ما قالوه في
(١) يشير إلى حديث أبي رَزِينِ العُقيليّ الذي أخرجه أبو داود (٥٠٢٠)، وابن ماجه (٣٩١٤) رفعه: ((الرؤيا
على رِجْلٍ طائرٍ ما لم تُعبَر، فإذا عُبِتْ وقعتْ)).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٣٨٩٧).

٥٠٨
باب ٣٩/ح ٧٠٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
البحر: بَحَر، بالتَّحريك، وكذا النَّهْر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر. انتهى، وبهذا جَزَمَ أهل
اللُّغة ابن فارس والفارابيّ والجَوْهريّ والقاليّ وابن القَطّاع، إلّا أنَّهم لم يقولوا: وأنتَ
ترید غیره(١).
وقد وَقَعَ في حديث المئة سنة: فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله وَّه وهَلاً(٢)، بالتَّحريك.
وقال النَّوويّ: معناه: غَلِطوا، يقال: وهَلَ بفتح الهاء، يهِل بكسرها، وَهْلاً بسكونها، مِثل
ضَرَبَ يَضرِب ضرباً، أي: غَلِطَ وذهب وَهْمه إلى خِلاف الصَّواب، وأمَّا وهِلتُ بكسرها،
أَوهَل بالفتح، وَهَلاَّ بالتَّحريكِ أيضاً، كَحَذِرتُ أحذَر حَذَراً، فمعناه: فزِعت، والوَهَل بالفتح:
الفَزَع، وضَبَطَه النَّوويّ بالتَّحريكِ، وقال: الوَهَل بالتَّحريكِ معناه: الوَهم والاعتقاد، وأمَّا
صاحب ((النِّهاية)) فجَزَمَ أنَّه بالسُّكون.
قوله: ((أو الهَجَر)) كذا لأبي ذرِّ هنا بالألفِ واللّام، ووافقه الأصيليّ، ووقعَ في روایة کَرِیمة:
((أو هَجَر)) بغير ألف ولام، وهي بلد قَدَّمتُ بيانها في باب الهجرة إلى المدينة.
قوله: ((ورأيت فيها بَقَراً والله خير)) تقدَّم ما فيه، ووَقَعَ في حديث جابر عندَ أحمد (١٤٧٨٧)
والنَّسائيِّ (ك٧٦٠٠) والدَّارِمِيّ (٢١٥٩) من رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن أبي الزُّبَير عن جابر،
وفي رواية لأحمدَ: حدَّثْنا جابر(٣) أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((رأيت كأنِّي في دِرعِ حَصينةٍ، ورأيت
بَقَراً تُنحَر، فأوَّلت الدِّرعَ الحَصينة المدينةَ، وأنَّ البَقَر بَقْر، والله خيرٌ))، وهذه اللَّفظة الأخيرة
وهي (بَقْر))، بفتح الموحّدة وسكون القاف، مصدَر بَقَرَه بَقُره بَقْراً، ومنهم مَن ضَبَطَها بفتح
النُّون والفاء.
(١) بل قاله الجوهري، وكذلك قاله ابن سِيدَه في ((المخصَّص)) ٣٣٨/٤.
(٢) تقدم برقم (٦٠١)، وانظر أطرافه عند الحديث رقم (١١٦)، وأخرجه مسلم (٢٥٣٧) أخرجاه من
حديث ابن عمر.
(٣) كذا قال الحافظ، وهو انتقال نظر منه رحمه الله، لأنَّ صيغة التحديث لحماد بن سلمة وليست لأبي الزبير،
كذلك جاء فيها بأيدينا من نسخ ((المسند)) الخطية، وكذلك ذكره الهيثمي في ((غاية المقصد)) (٢٧٠٦)، وقد
تكرر هذا الوهم من الحافظ رحمه الله في «إتحاف المهرة)) (٣٢٣٣)، وفي ((تغليق التعليق)) ٣٣٢/٥.

٥٠٩
باب ٣٩/ح ٧٠٣٥
ڪتاب التعبير
ولهذا الحديث سببٌ جاء بيانُه في حديث ابن عبّاس عندَ أحمدَ أيضاً (٢٤٤٥) والنَّسائيِّ(١)
والطبرانيّ (١٠٧٣٣) وصَحَّحَه الحاكم (١٢٨/٢ -١٢٩) من طريق أبي الزناد عن عُبيد الله
ابن عبد الله بن عُتبةً عن ابن عبّاس في قصَّة أُحُد، وإشارة النبيّ ◌َّهِ عليهم أن لا يَبَرَحوا من
المدينة، وإيثارهم الخروج لطلبِ الشَّهادة، ولُبسه اللَّأُمة ونَدامَتهم على ذلك، وقوله وِ لّه
((لا ينبغي لنبيٍّ إذا لَبِسَ لَأَمَته أن يَضَعها حتَّى يقاتل))، وفيه: ((إنّي رأيت أنّي في دِرعٍ حَصينةٍ))
الحديث بنحوِ حديث جابر، وأتمّ منه(٢).
وقد تقدَّمَت الإشارة إليه وإلى ما له من شاهد في غزوة أُحُد (٤٠٨١)، وتقدَّم هناك قول
السُّهَيَليّ: إنَّ البقر تُعبَر برجالٍ مُتَسَلِّحينَ يَتَنَاطَحونَ في القتال، والبحث معه فيه، وهو إنَّما
تَكلَّمَ على رواية ابن إسحاق: ((إنّي رأيت والله خيراً، رأيت بَقَرا))، ولكنَّ تقييده في الحديث
الذي ذكرته البقرَ بكونها تُنحَر هو على ما فَسَّرَه في الحديث بأنَهم مَن أُصيبَ من المسلمين، وإن
كانت الرِّواية بسكونِ القاف أو بالنّونِ والفاء فليس من رؤية البقر المتناطِحة في شيء.
وقد ذكر أهل التَّعبير للبَقَرِ في النَّوم وجوهاً أُخرى: منها أنَّ البقرة الواحدة تُفسّر بالزّوجة
والمرأة والخادِمِ والأرض، والثَّور يُفسَّر بالثّائرِ لكَونِه يُثير الأرض، فيَتَحرَّك عاليها وسافلُها،
فكذلك مَن يَثور في ناحيةٍ لطلبٍ مُلكٍ أو غيره، ومنها أنَّ البقر إذا وصَلَت إلى بلد فإن كانت
بحريَّةِ فُسِّرَت بالسُّفُن، وإلّا فِعسكرٍ، أو بأهلِ بادية، أو يُنْسٍ يقع في تلك البلد.
قوله: ((وإذا الخير ما جاء الله به مِن الخير وثواب الصِّدْق الذي آتانا الله بعدَ يوم بَدْر)) المراد
بما بعدَ بدر فتح خَيْبر ثمَّ مكّةَ، ووَقَعَ في رواية: ((بعدُ» بالضَّمّ، أي: بعدَ أُحُد، ونصب ((يوم))
أي: ما جاء الله به بعدَ بدرِ الثّانية من تَثبيت قلوب المؤمنينَ. قال الكِرْمانيُّ: ويحتمل أن يُراد بالخير
الغنيمة، وبعدُ، أي: بعدَ اخیر، والنَّواب والخير / حصلا في يوم بدر.
(١) لم نقف عليه عند النسائي، ولا نسبه إليه المزيّ في ((تحفة الأشراف)) (٥٨٢٧)، وقد تقدم ذلك من الحافظ
أيضاً في ((تغليق التعليق)) ٣٣١/٥، حيث قال: روى النسائي وابن ماجه وأبوبكر البزار بعضه، فالظاهر أنه
نقله هنا من ((التغليق))، وأنه أراد هناك أن يقول الترمذي، فسبق قلمه فذكر النسائي، لأنَّ بعض هذا الحديث
الطويل عند ابن ماجه (٢٨٠٨)، والترمذي بإثر (١٥٦١)، وعليهما اقتصر المزي في ((التحفة))، والله أعلم.
(٢) لم يخرجه تامّاً من المذكورين غير الحاكم، ورواهُ عنه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤١/٧ وحسَّن إسناده.
٤٢٣/١٢

٥١٠
باب ٤٠/ح ٧٠٣٦-٧٠٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وفي هذا السّياق إشعارٌ بأنَّ قوله في الخبر: ((والله خير)) من جملة الرُّؤيا، والذي يظهر لي
أنَّ لفظه لم يَتَحرَّر إيراده، وأَنَّ رواية ابن إسحاق هي المحرَّرة، وأنَّه رأى بَقَراً ورأى خيراً، فأوَّلَ
البَقَر على مَن قُتِلَ من الصحابة يومَ أُحُد، وأوَّلَ الخير على ما حَصَلَ لهم من ثواب الصِّدق في
القتال والصَّبر على الجهاد يومَ بدرٍ وما بعده إلى فتح مكّة، والمراد بالبعديَّة على هذا لا يَخْتَصّ بما
بين بدر وأُحُد. نَبَّهَ عليه ابن بَطّال، ويحتمل أن يريد بيدرٍ بدر الموعِد، لا الوقعة المشهورة السابقة
على أُحُد، فإنَّ بَدْر الموعِد كانت بعدَ أُحُد، ولم يقع فيها قتال، وكان المشركونَ لمََّ رجعوا من أُحُد
قالوا: مَوعِدكم العام المقبل بَدْر، فخَرَجَ النبيّ نَّهِ ومَن انْتَدَبَ معه إلى بَدْر، فلم يَحَضُر المشركونَ
فَسُمّيَتِ بَدْرَ الموعِد، فأشارَ بالصِّدِقِ إلى أنَّهم صَدَقوا الوعد ولم يُخْلِفوه، فأثابهم الله تعالى على
ذلك بما فتَحَ عليهم بعدَ ذلك من قُرَيظَةَ وخَيْبِرَ وما بعدَها، والله أعلم.
٤٠- باب النّفخ في المنام
٧٠٣٦ - حذَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ
ابنِ مُنِّهِ، قال: هذا ما حدَّثنا به أبو هريرةَ، عن رسولِ الله ◌َِّهِ، قال: «نحنُ الآخِرِونَ السابقونَ)).
٧٠٣٧ - وقال رسولُ الله ◌َفيِ: ((بينا أنا نائمٌ، إذ أُتيتُ خزائنَ الأرضِ، فَوَضَعَ في يَدَيَّ
سوارَين من ذهبٍ، فَكَبِرَ عليَّ وأهمّاني، فأُوحِيَ إليَّ أنِ انفُخْهما، فَتَفَخْتُهما، فأَوَّلْتُهما الكذَّابَينِ
اللَّذَينِ أنا بينهما: صاحبَ صَنْعاءَ، وصاحبَ اليَمامَةِ)).
قوله: ((باب النّفْخ في المنام)) قال أهل التَّعبير: النَّفخ يُعبَر بالكلام، وقال ابن بَطّال: يُعبر بإزالة
الشّيء المنفوخ بغير تكلّفٍ شديد لسُهولة النَّفخ على النافخ، ويدلّ على الكلام، وقد أهلَكَ الله
الكذّابَيْن المذكورينَ بكلامه ◌َِّ، وأمَرَه بقتلهما.
قوله: «حذّثني» في رواية أبي ذرّ: حدّثنا.
قوله: ((إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلِيُّ)) هو المعروفُ بابنِ راهويه.
قوله: ((هذا ما حدَّثنا به أبو هريرة، عن رسول الله وََّ قال: نحنُ الآخِرِونَ السابقونَ. وقال
رسول الله وَّه: بينا أنا نائم)) قد تقدَّم التَّنبيه على هذا الصَّنيع في أوائل كتاب الأيمان والنُّذور

٥١١
باب ٤٠/ح ٧٠٣٦ -٧٠٣٧
كتاب التعبير
(٦٦٢٤)، وأنَّ نسخة همَّام عن أبي هريرة كانت عندَ إسحاق بهذا السَّند، وأوَّل حديث فيها
حديث: (نحنُ الآخِرونَ السابقونَ)) الحديث في الجمعة (١)، ويَقَيَّة أحاديث النُّسخة معطوفة
عليه بلفظ: وقال رسول الله وَّةٍ، فكان إسحاق إذا أراد التَّحديث بشيءٍ منها بَدَأ بطَرَفٍ
من الحديث الأوَّل وعَطَفَ عليه ما يريد، ولم يَطَّرِد هذا الصَّنيع للبخاريِّ في هذه النُّسخة،
وأمَّا مسلم فاطَّرَدَ صنيعه في ذلك كما نَبَّهت عليه هناك، وبالله التَّوفيق.
وقد تقدَّم هذا الحديث في ((باب وفد بني حنيفة)) في أواخر المغازي (٤٣٧٥) عن
إسحاق بن نَصر عن عبد الرَّزّاق، بهذا الإسناد، لكن قال في روايته: عن همَّام أنَّه سمعَ أبا
هريرة، ولم يَبدَأ فيه إسحاق بن نَصر بقولِه: ((نحنُ الآخِرِونَ السابقونَ))، وذلك ممّا يُؤيِّد ما
قَرَّرتُه، ويُعكِّرِ على مَن زَعَمَ أنَّ هذه الجملة أوَّل حديث الباب، وتكلَّف لذلك، وبالله
التوفيق.
قوله: ((إذا أُتيتُ خزائن الأرض)) كذا وجَدته في نسخةٍ مُعتمَدة من طريق أبي ذرٍّ من الإتيان
بمعنى المجيء، وبحذفِ الباء من خزائن وهي مُقدَّرة، وعندَ غيره: ((أوتيتُ)) بزيادة واو من
الإيتاء بمعنى الإعطاء، ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرّواية، ولبعضِهم كالأوَّل لكن
بإثبات الباء،/ وهي رواية أحمد (٨٢٤٩) وإسحاق بن نَصر عن عبد الرَّزّاق.
قال الخطَّبيُّ: المراد بخزائن الأرض: ما فُتِحَ على الأُمّة من الغنائم من ذَخائر كِسِرَى وقَصَر
وغيرهما، ويُحتمل مَعادِنُ الأرض التي فيها الذَّهَب والفِضّة. وقال غيره: بل يُحمَل على أعمّ من
ذلك.
٤٢٤/١٢
قوله: ((فوضَعَ» بفتح أوَّله وثانيه، وفي رواية إسحاق بن نَصر بضمِّ أوَّلِه و کسر ثانيه.
قوله: ((في يَدَيَّ)) في رواية إسحاق بن نَصر: ((في كَفّيّ)».
قوله: ((سوارَينٍ)) في رواية إسحاق بن نَصر: ((سواران)) ولا إشكال فيهما، وشَرَحَ ابن
التِّين هنا على لفظ: ((وُضِعَ)) بالضَّمِّ ((وسوارَينٍ)) بالنَّصب، وتَكلَّفَ لتخريج ذلك، وقد
(١) وقد تقدم بتمامه في كتاب الجمعة برقم (٨٧٦) من رواية الأعرج عن أبي هريرة.

٥١٢
باب ٤٠/ح ٧٠٣٦ -٧٠٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
أخرجه ابن أبي شَيْبة (٥٨/١١) وابن ماجَهْ (٣٩٢٢) من رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة
بلفظ: ((رأيت في يَدَيَّ سوارَينٍ من ذهب))(١)، وأخرجه سعيد بن منصور من رواية سعيد
المقبُريِّ عن أبي هريرة مِثله، وزاد: ((في المنام))، والسِّوار بكسر المهمَلة ويجوز ضَمّها، وفيه
لُغة ثالثة أُسوارٌ، بضمِّ الهمزة أوَّلَه.
قوله: ((فكَبُرَ عليّ)) في رواية إسحاق بن نَصر: ((فكَبُرا)) بالَّنية، والباء الموحّدة مضمومة،
بمعنى العِظَم. قال القُرطُبيّ: وإنَّمَا عَظُمَ عليه ذلك لكَونِ الذَّهَب من حِلية النِّساء، وممّا حَرُمَ
على الرِّجال.
قوله: «فأوحي إليّ) کذا للأکثر على البناء للمجهول، وفي رواية الگُشمِیھنیِّ في حديث
إسحاق بن نَصر: ((فأوحى الله إليَّ))، وهذا الوحي يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على
لسان الملَك. قاله القُرطُبيّ.
قوله: ((فنَفَخْتهما)) زاد إسحاق بن نَصر: ((فذهبا)»، وفي رواية ابن عبّاس الماضية قريباً
(٧٠٣٤): ((فطار))، وكذا في رواية المقبُريّ، وزاد: ((فَوَقَعَ واحد باليمامة والآخر باليمن)).
وفي ذلك إشارةٌ إلى حَقارة أمرهما، لأنَّ شأن الذي يُنفَخ فيذهب بالنَّفْخِ أن يكون في غاية
الحَقارة، ورَدَّه ابن العربيّ بأنَّ أمرهما كان في غاية الشِّدّة، ولم يَنزِل بالمسلمين قبلَه مِثله.
قلت: وهو كذلك، لكنَّ الإشارة إنَّما هي للحَقارة المعنَويَّة لا الحِسّيَّة، وفي طَيَرانهما إشارة
إلى اضمِحْلال أمرهما كما تقدَّم.
قوله: ((فأوَّلْتهما الكذّابَينِ)) قال القاضي عِيَاض: لمَّا كان رُؤيا السِّوارَينِ في اليَدَينِ جميعاً
من الجِهَتَين، وكان النبيّ ◌ََّ حينئذٍ بينهما، فتأوَّلَ السِّوارَينِ عليهما لِوَضْعِهما في غير مَوضعهما،
لأنَّه ليس من حِلية الرِّجال، وكذلك الكذّاب یَضَع الخبر في غير موضعه، وفي گونهما من
ذهب إشعارٌ بذهابٍ أمرهما.
وقال ابن العربيّ:/ السِّوار من حُليّ الملوك الكفّار كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلِّقِىَ عَلَيَّهِ
٤٢٥/١٢
(١) وقد تقدم بهذا اللفظ أيضاً برقم (٣٦٢١) من رواية ابن عباس عن أبي هريرة.

٥١٣
باب ٤٠/ح ٧٠٣٦-٧٠٣٧
كتاب التعبير
أسَاوِرَةٌ(١) مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]، واليد لها مَعانٍ منها القوّة والسُّلطان والقَهر. قال:
ويحتمل أن يكون ضَرْبُ المثَل بالسِّوار كِنايةً عن الأُسوار، وهو من أسامي ملوك الفُرس،
قال: وكثيراً ما يُضرَب المثل بحذفٍ بعض الحروف. قلت: وقد ثَبَتَ بزيادة الألف في
بعض طرقه كما بيَّنته(٢).
وقال القُرطُبيّ في (المفهم)) ما ملخَّصه: مُناسَبة هذا التَّأويل لهذه الرُّؤيا أنَّ أهل صنعاء
وأهل اليَمامة كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدَينِ للإِسلام، فلمَّا ظَهَرَ فيهما الكذّابان وبَهْرَجا
على أهلهما بزُخرُفِ أقوالهما ودَعواهما الباطلة، انخَدَعَ أكثرهم بذلك، فكان اليدان بمَنزِلة
البلدَينِ والسِّواران بمَنزِلة الكذّابَين، وكونهما من ذهب إشارةٌ إلى ما زَخرَفاه، والزُّخرُف
من أسماء الذَّهَب.
قوله: ((اللَّذَينِ أنا بينهما)) ظاهر في أنَّهما كانا حينَ قَصَّ الرُّؤيا موجودَين، وهو
كذلك، لكن وَقَعَ في رواية ابن عبّاس(٣): ((يَخْرُجان بعدي))، والجمع بينهما أنَّ المراد
بخروجِهما بعدَه: ظُهور شَوكَتهما ومُحارَبَتهما ودَعواهما النُّبوّة. نَقَلَه النَّوويّ عن العلماء،
وفيه نظر، لأنَّ ذلك كلّه ظَهَرَ للأسودِ بصنعاءَ في حياته ◌َّهِ، فَادَّعَى النُّبوّة وعَظُمَت
شَوكَته وحارَبَ المسلمين وفَتَكَ فيهم، وغَلَبَ على البلد وآلَ أمره إلى أن قُتِلَ في حياة
النبيّ وَّ﴿ه كما قَدَّمت ذلك واضحاً في أواخر المغازي (٤٣٧٨ و٤٣٧٩)، وأمَّا مُسَيلمة
فكان ادَّعَى النُّبوّة في حياة النبيّ وَّهِ، لكن لم تَعظُمْ شَوكَته ولم تقع مُحَارَبَته إلّا في عهد
أبي بكر، فإمّا أن يُحمَل ذلك على التَّغليب، وإمّا أن يكون المراد بقوله: ((بعدي)) أي:
بعدَ نُبوَّتي.
قال ابن العربيّ: يحتمل أن يكون ما تأوَّلَه النبيّ ◌َِّ فِي السِّوارَينِ بوحي، ويحتمل أن
(١) هذه قراءة أكثر القراء المشهورين، وقراءة يعقوب وعاصم في رواية حفص بن سليمان عنه: ((أسْوِرةٌ)) انظر
((النشر)) لابن الجزري ٣٦٩/٢.
(٢) هو رواية الحديث المتقدم في المغازي برقم (٤٣٧٩).
(٣) المتقدمة برقم (٣٦٢١) و(٤٣٧٤).

٥١٤
باب ٤١/ح ٧٠٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
يكون تَفاءَلَ بذلك عليهما دفعاً لحالهما، فأخرج المنام المذكور عليهما، لأنَّ الرُّؤيا إذا عُبِرَت
وَقَعَت، والله أعلم.
تنبيه: أخرج ابن أبي شَيْبة (١١/ ٥٨-٥٩) من مُرسَل الحسن رَفَعَه: «رأيت كأنَّ في يَدَيَّ
سوارَينِ من ذهب فكرهتهما، فذهبا كسرَى وقَصَر))، وهذا إن كان الحسن أخَذَه عن ثَبت
فظاهره يعارض التَّسير بمُسَيلمةَ والأسود، فيحتمل أن يكون تَعدَّدَ، أو التَّفسير من قِبَلِه
بِحَسَبٍ ما ظنَّ أَدَرَجَ في الخبر، فالمعتمَد ما ثَبَتَ مرفوعاً أنَها مُسَيلمة والأسود.
٤١ - باب إذا رأى أنّه أخرج الشّيء من كُوَّةٍ، وأسكَنَه موضعاً آخر
٧٠٣٨ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثني أخي عبدُ الحميدِ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن
موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه، أنَّ النبيَّ ◌َه قال: «رأيتُ كأنَّ امرأةَ سْداءَ
ثائرةَ الَّأْسِ خَرَجَت منَ المدينة، حتَّى قامت بمَهْيَعَةَ - وهي الجُحْفةُ - فأوَّلْتُ أنَّ وباءَ المدينة
نُقِلَ إليها».
[طرفاه في: ٧٠٣٩، ٧٠٤٠]
قوله: ((باب إذا رَأى أنَّه أخرج الشَّيء من كوّة، وأسكّنَه موضعاً آخَرَ )) اختُلِفَ في ضبط
((كُوّة)) فَوَقَعَ في رواية لأبي ذرِّ بضمِّ الكاف وتشديد الواو المفتوحة، ووَقَعَ للباقينَ بتخفيفٍ
الواو وسكونها بعدَها راء، وهو المعتمَد. والكورة: الناحية، قال الخليل في ((العين)):
الكُور: الرَّحل، بالحاءِ المهمَلة الساكنة، كذا اقتَصَرَ عليه ابن بَطّال، وقال غيره: الرَّحل
بأداته، فإن فُتِحَ أوَّله فهو الرَّحل بغير أداة، والكور بالضَّمِّ أيضاً: موضع الَّنابير، وكُور
الحدّاد: ما يُبنَى من طين، وأمَّا الزِّقّ فهو الكير، والكورة: المدينة والناحية، قال ابن دُرَیدٍ:
ولا أحسِبها عربيَّةً مَضةً.
قوله: ((حدَّثني أخي عبد الحميد)) هو ابن أبي أويس، واسم أبي أويس: عبد الله.
قوله: ((عن سلیمان بن بلال» في روایة إبراهيم بن المنذر (٧٠٤٠): عن أبي بكر بن أبي أویس
- وهو عبد الحميد المذكور - حدَّثنا سليمان، وهو ابن بلال المذكور، وهو مذكور بعدَ باب.

٥١٥
باب ٤١/ح ٧٠٣٨
كتاب التعبير
قوله: ((عن سالم بن عبد الله، عن أبيه)) في رواية فُضَيل بن سليمان في الباب بعده: حدَّثني
سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر.
قوله: ((أَنَّ النبيَّ وَلّه قال: رأيت)) في رواية فُضَيل: في رُؤيا النبيّ ◌َله في المدينة، وفي رواية
الإسماعيليّ من طريق ابن جُرَيج ويعقوب بن عبد الرَّحمن، كلاهما عن موسى بن عُقْبَةَ مِثله،
لكن(١) قال: في وباء المدينة(٢).
قوله: ((رأيت)) في رواية عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عُقْبةَ(٣): ((لقد رأيت)).
قوله: ((كأنَّ امرأةً سوْداء ثائرة الرّأس)) في رواية ابن أبي الزِّناد عن موسى بن عُقْبةَ عندَ أحمد
(٦٢١٦) وأبي نُعَيم: ((ثائرة الشَّعر))، والمراد: شَعر الرَّأس، وزاد: (تَفِلة)) بفتح المثنّاة وكسر الفاء
بعدَها لام، أي: كريهة الرَّائحة.
قوله: ((خَرَجَت)) كذا في أكثر الرِّوايات، ووَقَعَ في رواية ابن أبي الزِّناد: ((أُخرِ جَت)) بزيادة
همزة مضمومة أوَّله على البناء للمجهول، ولفظه: ((أُخرِجَت من المدينة فأُسكِنَت بالجُحفة))(٤)،
وهو الموافق للتَّرجمة، وظاهر التَّرجمة أنَّ فاعل الإخراج النبيّ وَّةِ، وكأنَّه نَسَبَه إليه لأنَّه دَعَا به،
فقد تقدَّم في آخر فضل المدينة في آخر كتاب الحجّ (١٨٨٩) من حديث عائشة أنَّه ◌َ لَ قال:
((اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينة)) الحديث، وفيه: ((وانقُل حُمّاها إلى الجُحفة)) قالت عائشة: وقَدِمنا المدينة
وهي أوبأ أرض الله.
قوله: ((حتَّى قامت بمَهْيَعَةً، وهي الجُحْفة)) أمَّا مَھیعة، فبفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء
آخر الحروف مفتوحة ثمَّ عين مُهمَلة، وقيل: بوزنِ عظيمة. وأظنّ قوله: وهي الجُحفة، مُدرَجاً
(١) لفظة ((لكن)) سقطت من (س)، وأخرجه من طريق ابن جريج أيضاً أحمدُ (٥٩٧٦)، وابن ماجه (٣٩٢٤)،
والترمذي (٢٢٩٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٠٤).
(٢) وقع في الأصلين بعد هذا فقرة: ((قوله: رأيتُ ... )) الواردة عند شرح الحديث التالي، وموضعها هناك هو
الصواب کما وقع في (س).
(٣) لم يخرج الحافظ رحمه الله رواية عبد العزيز بن المختار هذه، ولم نقف عليها نحن فيما بين أيدينا من مصادر
تخريج الحديث، والظاهر أنها عند الإسماعيلي، والله أعلم.
(٤) لفظه: ((فأسكنت مَهْيَعةً».

٥١٦
باب ٤٢/ح ٧٠٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
٤٢٦/١٢ من قول موسى بن/ عُقْبةَ، فإنَّ أكثر الرِّوايات عنه (١) خَلا عن هذه الزّيادة، وثَبَتَت في
رواية سليمان وابن جُرَيج (٢). ووَقَعَ في رواية ابن جُرَيج عن موسى عندَ ابن ماجَهْ (٣٩٢٤):
((حتَّى قامت بالمَهِيَعة)). قال ابن التِّين: ظاهر كلام الجَوْهريّ أنَّ((مَهيَعة)) تُصرَف لأَنَّه أدخَلَ
عليها الألف واللام، ثمَّ قال: إلّا أن يكون أدخَلَهما للتَّعظيم، وفيه بُعدٌ.
قوله: ((فأوَّلْت أنَّ(٣) وباء المدينة نُقِلَ إليها)) في رواية ابن جُرَيج: ((فأوَّلتها وباء المدينة
يُنقَل إلى الجُحفة)).
قال المهلَّب: هذه الرُّؤيا من قسم الرُّؤيا المعبّرة وهي مَّا ضُرِبَ به المثَل، ووجه التَّمثيل
أَنَّه شَقَّ من اسم السَّوداء السّوء والدّاء، فتأوَّلَ خروجَها بما جَمَعَ اسمُها، وتأوَّلَ من ثَوران شَعر
رأسها أنَّ الذي يَسوء ويُثير الشّ يَخْرُج من المدينة، وقيل: لأنَّ ثَوران الشَّعر من اقشِعْرار الجسد،
ومعنى الاقشِعرار: الاستيحاش، فلذلك يَخْرُج ما تَستَوحِش النُّفُوس منه كالحُمَّى. قلت: وكأنَّ
مُراده بالاستيحاش أنَّ رُؤْيَته موحِشة، وإلّا فالاقشِعرار في اللُّغة: تَجِمُّع الشَّعر وتَقَبُّضه، وكلّ
شيء تَغيَّرَ عن هيئته يقال: اقشَعَرَّ، كاقشَعَرَّت الأرض بالجَدْبِ، والنَّباتُ من العَطَش، وقد
قال القَيروانيُّ(٤) المعَبِّر: كلّ شيء غَلَبَت عليه السَّوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه. وقال
غيره: ثَوران الرَّأس يُؤَوَّل بالْحُمَّى، لأنَّها تُثير البَدَن بالاقشِعرار وارتفاع الرَّأس، لا سيّما
من السَّوداء فإنَّها أكثر استیحاشاً.
٤٢ - باب المرأة السوداء
٧٠٣٩ - حدَّثْنا مُحمَّد بن أبي بَكْرِ المقدَّمِيُّ، حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى، حدَّثني
سالم بنُ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما في رُؤْيا النبيِّ وَّلَ في المدينة: ((رأيتُ امرأةً
(١) لفظة (عنه)) سقطت من (س).
(٢) وکذلك جاءت في رواية وهيب عند أحمد (٥٨٤٩) وفي رواية فضيل بن سليمان الآتية في الباب الذي يلي
هذا.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: أنه.
(٤) هو أبو الحسن علي بن أبي طالب.

٥١٧
باب ٤٣ -٤٤/ح ٧٠٤٠-٧٠٤١
كتاب التعبير
سوْداءَ ثائرةَ الرَّأْسِ خَرَجَت منَ المدينة، حتَّى نزلت بمَهْيَعَةَ)) فتَأوَّلْتُها أنَّ وباءَ المدينة نُقِلَ إِلى مَهْيَعَةَ،
وهي الجُحْفة.
قوله: ((باب المرأة السَّوْداء)» أي: في المنام، ذكر فيه الحديث الذي قبله من الوجه الذي
نبّهتُ علیه.
وقوله فيه: ((فتأوَّلتها)) وَقَعَ في رواية الكُشمِيهنيّ: ((فأَوَّلتها».
قوله: ((رأيت)) حُذِفَ منه ((قال)) خطأً، والنَّقدير: قال: رأيت، وثَبَتَ في رواية الإسماعيليّ عن
الحسن بن سفيان عن المقدَّميّ شيخ البخاريّ فيه، ولفظه: عن رُؤيا رسول الله ◌َّه في المدينة: قال
رسول الله وَ له: ((رأيت ... )) إلى آخره.
٤٣ - باب المرأة الثّائرة الرّأس
٧٠٤٠- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثني أبو بكرِ بنُ أبي أوَيسِ، حدَّثنا سليمانُ، عن
موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالمٍ، عن أبيه، أنَّ النبيَّ وَّم قال: «رأيتُ امرأةً سوْداءَ ثائرةَ الرَّأْسِ خَرَجَت منَ
المدينة، حتَّى قامت بمَهْيَعَةَ - وهي الجُحْفَةُ - فأوَّلْتُ أنَّ وباءَ المدينة نُقِلَ إليها)).
قوله: ((باب المرأة الثّائرة الرَّأس)) أي: في المنام، ذكر فيه الحديث المشار إليه، وقد قَدَّمتُ
ما فيه.
٤٤- باب إذا هزّ سيفاً في المنام
٧٠٤١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدةَ، عن
جَدِّه أبي بُرْدَةَ، / عن أبي موسى - أُراه - عن النبيِّ وَِّ قال: «رأيتُ في رُؤْياي أنّ هَزَزْتُ سيفاً ٤٢٧/١٢
فانقَطَعَ صَدْرُه، فإذا هو ما أُصِيبَ منَ المؤمنينَ يومَ أُحُدٍ، ثمَّ هَزَزْتُه أُخرى فعادَ أحسنَ ما كان،
فإذا هو ما جاء الله به منَ الفَتْحِ واجتماع المؤمنينَ)).
قوله: ((باب إذا هَزَّ سيفاً في المنام)) ذكر فيه حديث أبي موسى - أُراه - عن النبيّ وَ لّ قال:
((رأيت في رُؤياي أنّ هَزَزت سيفاً فانقَطَعَ صَدره)) الحديث بهذه القصَّة، وهو طَرَف من
حديثه الذي أورَدَه في علامات النُّبّة بكماله (٣٦٢٢).

٥١٨
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد ذكر القَدر المذكور منه هنا في غزوة أُحُد (٤٠٨١)، وذكرت بعض شرحه هناك.
وقوله فيه: «ثمَّ هَزَزته أُخری فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع
المؤمنينَ)). قال المهلَّب: هذه الزُّؤيا من ضرب المثَل، ولمَّا كان النبيّ وَل يَصول بالصحابة
عَبَّرَ عن السَّيف بهم، وبهَزِّه عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وفي الهّة
الأُخرى لمَّ عادَ إلى حالَته من الاستواء عَبَّرَ به عن اجتماعهم والفتح عليهم. ولأهلِ
التَّعبير في السَّيف تَصرُّف على أوجُه: منها أنَّ مَن نالَ سيفاً فإنَّه يَنال سُلطاناً إمّا وِلايةً وإمّا
وديعةً وإمّا زوجةً وإمّا ولداً، فإن سَلَّه من غِمده فانثَلَمَ سَلمَت زوجته وأُصيبَ ولَده، فإن
انكَسَرَ الغِمد وسَلمَ السَّيف فبالعكس، وإن سلما أو عَطِبا فكذلك، وقائم السَّيف يَتَعلَّق بالأبِ
والعَصَبات، ونَصله بالأُمِّ وذَوي الرَّحِم، وإن جَرَّدَ السَّيف وأراد قتل شخصٍ فهو لسانه يُرِّده
في خصومه، ورُبَّما عُبِّرَ السَّيف بسُلطانٍ جائر. انتهى ملخَّصاً.
وقال بعضهم: مَن رأى أنَّه أغمَدَ السَّيف فإنَّ يَتزوَّج، أو ضَرَبَ شخصاً بسيفٍ فإنَّه
يَبَسُط لسانه فيه، ومَن رأى أنَّه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنَّه یغلبه، ومَن رأی
سيفاً عظيماً فهي فتنة، ومَن قُلِّدَ سيفاً قُلِّدَ أمراً، فإن كان قصيراً لم يَدُم أمره، وإن رأى أنَّه
يَجُرّ هَمائله فإنَّه یعچِز عنه.
٤٥- باب من كذب في حُلْمه
٧٠٤٢- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عَّاسٍ، عن
النبيِّ نَّهِ، قال: ((مَن تَحَلَّمَ بِحُلْم لم يَرَه كلِّفَ أن يَعْقِدَ بينَ شَعِيرَتَينٍ، ولن يفعلَ، ومَنِ استَمَعَ
إلى حديثِ قومٍ وهم له كارهونَ، أو يَفِّرّونَ منه، صُبَّ في أُذُنِهِ الأنُكُ يومَ القيامةِ، ومَن صَوَّرَ صورةً
◌ُذِّبَ، وكُلِّفَ أن يَنفُخَ فيها وليس بنافخ)). قال سفيانُ: وَصَلَه لنا أيوب.
وقال قُتَبةُ: حَدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَتَادةَ، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ: قولَه: مَن كَذَبَ في رُؤْیاه.
وقال شُعْبةُ: عن أبي هاشم الرُّمّاني، سمعتُ عِكْرمةَ، قال أبو هريرةَ، قولَه: مَن صَوَّر صُورةً،،
ومَن تَحَلَّمَ، ومَنِ استَمَعَ.

٥١٩
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢-٧٠٤٣
كتاب التعبير
٧٠٤٢م- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌّ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: مَنِ
استَمَعَ، ومَن تَحَلَّمَ، ومَن صَوَّرَ، نحوَه.
تابَعَه هشامٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قولَه.
٧٠٤٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ مسلم، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ مولى
ابنِ عمرَ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((إنَّ مِن أَفَرَى الفِرَى أن يُرِيَ عَينَه ما لم تَرَ)).
قوله: (باب مَن كَذَبَ في خُلْمه)) أي: فهو مذموم، أو التَّقدير: باب إثم مَن كذَبَ في حُلمه،
والحُلم بضمِّ المهمَلة/ وسكون اللّام: ما يراه النائم، وأشارَ بقولِه: ((كذَبَ في حُلمه)) مع أنَّ لفظ ٤٢٨/١٢
الحديث: (تَحَلَّمَ)) إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وهو ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٨١) من حديث عليّ
رَفَعَه: ((مَن كَذَبَ في حُلمه كلِّفَ يومَ القيامة عَقدَ شَعيرة)) وسنده حسن، وقد صَحَّحَه الحاكم
(٤/ ٣٩٢)، ولكنَّه من رواية عبد الأعلى بن عامر، ضَعَّفَه أبو زُرْعة(١).
وذکر فیه حدیثین:
الحديث الأول: ذكر له طرقاً مرفوعةً وموقوفةً عن ابن عبّاس.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيانُ)) هو ابن عُيَينَةَ.
قوله: ((عن أيوب)) في رواية الحُميديِّ (٥٣١) عن سفيان: حدَّثنا أيوب، وقد وَقَعَ في
الأصل ما يدلّ على ذلك، وهو قوله في آخره: قال سفيان: وَصَلَه لنا أيوب.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) ذكر المصنّف الاختلاف فيه على عكرمة: هل هو عن ابن عبّاس
مرفوعاً أو موقوفاً؟ أو هو عن أبي هريرة موقوفاً؟
قوله: ((وقال قُتَبِبة ... )) إلى آخره، وَقَعَ لنا في ((نسخة قُتَية عن أبي عَوَانة)(٢) رواية النَّسائيّ
عنه من طريق عليّ بن محمَّد الفارسيّ عن محمّد بن عبد الله بن زكريّا بن حَيّويه عن النَّسائيِّ،
(١) كذا اقتصر الحافظ على ذكر تضعيف أبي زرعة له، مع أنَّ الجمهور على تضعيفه!
(٢) كرر الحافظ رحمه الله ذكر هذه النسخة في عدة مواطن من شرحه هذا، مع أنه لم يذكرها في ((معجمه
المفهرس))، لكنه ذكر للنسائي من هذا الطريق كتاب ((الإغراب)) برقم (٩٨٤).

٥٢٠
باب ٤٥/ح ٧٠٤٢-٧٠٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
ولفظه: عن أبي هريرة قال: مَن كذَبَ في رُؤياه كُلِّفَ أن يَعِقِد بين طَرَفَ شَعيرة، ومَن استَمَعَ،
الحديث، ومَن صَوَّرَ، الحديثَ، ووَصَلَه أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق خَلَف بن هشام عن
أبي عَوَانة بهذا السَّند كذلك موقوفاً، وقد أخرج أحمد (١٠٥٤٩)، والنَّسائيُّ (٥٣٦٠) من طريق
هَمَّام عن قَتَادة الحديث بتمامه مرفوعاً، ولكنِ اقتَصَرَ منه النَّسائيُّ على قوله: ((مَن صَوَّرَ)).
قوله: «وقال شُعبة: عن أبي هاشم الرُّمّانيّ» بضمِّ الرّاء وتشدید الیم: اسمه یحیی بن دینار،
ووَقَعَ في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ: عن أبي هشام، وهو غَلَط.
قوله: ((قال أبو هريرة، قولَه: مَن صَوَّرَ صورة، ومَن تَحَلَّمَ، ومَن استَمَعَ)) كذا في الأصل
مختصراً، اقتَصَرَ على أطراف الأحاديث الثلاثة، وقد وَقَعَ لنا موصولاً في ((مُستَخرَج
الإسماعيليّ) من طريق عُبيد الله بن معاذ العَنْبَريّ عن أبيه عن شُعْبة عن أبي هاشم بهذا
السَّند، فاقتَصَرَ على قوله: عن أبي هريرة: ((مَن تَحَلَّمَ))، ومن طريق محمَّد بن جعفر غُندَر عن
شُعْبة فذكره كذلك، ولفظه: ((مَن تَحَلَّمَ كاذباً كُلِّفَ أن يَعقِد شَعيرة)».
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن شاهين، وخالد شيخه: هو ابن عبد الله الطَّحّان، وخالد
شيخه: هو الحذَّاء.
قوله: ((مَن استَمَعَ، ومَن تَحَلَّمَ، ومَن صَوَّرَ، نحوه)) قلت: كذا اختَصَرَه، وقد أخرجه
٤٣٠/١٢ الإسماعيليّ/ من طريق وهب بن بَقيَّة عن خالد بن عبد الله، فذكره بهذا السَّند إلى ابن عبّاس
عن النبيِّ وََّ فِرَفَعَه، ولفظه: ((مَن استَمَعَ إلى حديث قومٍ وهم له كارهونَ، صُبَّ في ◌ُذُنه
الآنُك، ومَن تَحَلَّمَ كلِّفَ أن يَعقِد شَعيرةً يُعذَّب بها، وليس بفاعلِ، ومَن صَوَّرَ صورةً
عُذِّبَ حتَّى يَنْفُخ فيها، وليس بفاعلٍ))، ثمَّ أخرجه الإسماعيليّ من طريق وُهَيب بن خالد،
ومن طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ كلاهما عن خالد الحذَّاء بهذا السَّند مرفوعاً (١).
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): مرفوعاً، ونظنها خطأً، لأنَّ سياق كلام الحافظ يُشعِرُ بمغايرة رواية وهيب
والثقفي عن خالد الحذاء، لرواية وهيب بن بقية عن خالد الطحان في الوقف والرفع، ويتأيد ذلك
برواية البخاري لطريق عبد الوهاب الثقفيّ المذكورة في ((الأدب المفرد)) (١١٦٧) حيث وقف الخبر على
ابن عباس لم يتجاوزه.