Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ٦/ ح ٦٩٤٩ - ٦٩٥٠
كتاب الإكراه
وتعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية [النور: ٣٣].
قوله: ((وقال اللَّیث)) هو ابن سعد ((حدَّثني نافع)) هو مولى ابن عمر.
قوله: ((أنَّ صَفيَّة بنت أبي عُبيد أخبَرَتْه)) يعني: الثَّقفيَّة امرأة عبد الله بن عمر.
قوله: ((أنَّ عبداً من رَقيقِ الإمارة)) بكسر الألف، أي: من مالِ الخليفة وهو عمر.
قوله: ((وَقَعَ على وليدةٍ من الخُمُس)) أي: من مال ◌ُس الغنيمة الذي يَتَعلَّق النَّصَرُّف فيه
بالإمام، والمراد زَنَی بها.
قوله: ((فاستَكْرَهَها حتَّى اقتَضَّها)) بِقافٍ وضاد مُعجَمة مأخوذ من القِضّة، وهي عُذْرة
البِكْر. وهذا يدلُّ على أنّها كانت بِكْراً.
قوله: ((فجَلَدَه عُمر الحدّ، ونَفاه)) أي: جَلَدَه خمسين جَلدةً ونَفاه نصف سنة، لأنَّ حَدَّه
نصفُ حَدِّ الحُرّ، ويُستَفاد منه أنَّ عُمر كان يرى أنَّ الرَّقيق يُنفَى كالحُرّ، وقد تقدَّم البحث
فيه في الحدود(١).
وقوله: ((ولم يَجلِد الوليدة لأَنَّه (٢) استكرَهَها)) لم أقِفْ على اسم واحدٍ منهما. وهذا الأثر وَصَلَه
أبو القاسم البَغَويُّ(٣) عن العلاء بن موسى عن اللَّث بمِثلِه سواء، ووَقَعَ لي عالياً جدّاً،
بيني وبين صاحب اللَّيث فيه سبعة أنفُس بالسَّماع المتَّصِل في أزيَدَ من ستّ مئة سنة، قرأته
على محمَّد بن الحسن بن عبد الرحيم الدَّقّاق عن أحمدَ بن نِعْمة سماعاً أخبرنا أبو المنَجّا بن
عمر أخبرنا أبو الوقت أخبرنا محمَّد بن عبد العزيز أخبرنا عبد الرَّحمن بن أبي شُرَيح أخبرَنا
البَغَويُّ فذكره، وعند ابن أبي شَيْبة (٩/ ٥٥٠)(٤) فيه حديث مرفوع عن وائل بن حُجٍ قال:
(١) بين يدي الحديث (٦٨٣١).
(٢) كذا قال الحافظ: لأنه، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: من أجل أنه.
(٣) في ((جزء أبي الجهم العلاء بن موسى)) (٥٧). ورواه مالك في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن (٧٠٢)
وابن جريج عند عبد الرزاق (١٣٤٧٠)، كلاهما عن نافع: أنَّ عبداً، فذكراه مرسلاً، لم يذكرا فيه صفية
بنت أبي عبيد.
(٤) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٨٨٧٢)، وابن ماجه (٢٥٩٨)، والترمذي (١٤٥٣).

٣٠٢
باب ٦/ ح ٦٩٤٩ - ٦٩٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
استُكرهَت امرأةٌ في الزِّنى فدَرَأَ رسول الله وَلَّه عنها الحدّ، وسنده ضعيف.
قوله: («وقال الزُّهْريّ في الأمة البِكْر يَفتَرِعُها)» بِفاءٍ وبعينٍ مُهمَلة، أي: يَفْتَضّها.
قوله: ((يُقيمُ ذلك)) أي: الافتِراع ((الحَكَمُ)) بِفتحَتَين، أي: الحاكم.
قوله: ((بقَدْرِ ثَمَنها)) أي: على الذي افتَضَّها، ويُجُلَد، والمعنى: أنَّ الحاكم يأخُذ من المفتَرِع
دية الافتِراع بنسبةٍ قيمتها، أي: أرْش النَّقص، وهو التَّفاوت بين كَونها بِكراً أو ثيِّاً. وقوله:
(يُقيم)) بمعنى يُقَوِّم، وفائدة قوله: ((ويُجُلَد)) لدفع تَوهُم مَن يَظُنّ أنَّ العُقرَ (١) يُغني عن الجَلْد.
قوله: ((وليس في الأمة الثَِّّب في قضاء الأئمّة غُرْم)) بضمِّ المعجَمة، أي: غَرامة، ولكن
عليها الحدّ.
ثمَّ ذکر طَرَفاً من حديث أبي هريرة في شأن إبراهيم وسارةً مع الجبّار، وقد مضى شرحه
مُستَوقَى في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧ و٣٣٥٨).
وقوله هنا: ((الظّالم))(٢) تقدَّم هناك بلفظ: ((الكافر)).
وقوله: ((غُطَّ)) بضمِّ الغَين المعجمة، أي: غُمَّ، وزنه ومعناه، وقيل: خُنِقَ، ونَقَلَ ابن التِّين أنَّه
رويَ بالعين المهمَلة، وأُخِذَ من العَطعَطة، وهي حكاية صوت، وتقدَّم الخِلاف في تسمية الجبّار،
والمراد بالقرية: حَرّان، وقيل: الأُردُنّ، وقيل: مِصر.
وقولها: ((إن كنتُ)) ليس للشَّكّ، فتقديره: إن كنتُ مقبولة الإيمان عندك.
وقوله: ((رَكَضَ)) أي: حَرَّكَ.
قال ابن المنّيِّر: ما كان ينبغي إدخالُ هذا الحديث في هذه التَّرجمة أصلاً، وليس لها مُناسَبة
للتَّرجمة إلّا سُقوط الملامة عنها في الخَلوة، لكونها كانت مُكرَهة على ذلك، قال الكِرْمانيُّ تَبَعاً
(١) العُقْر: بضم العين المهملة وإسكان القاف بعدها راء مهملة، وهو المهر، أو ديةُ فرج المرأة إذا غُصِبتْ
فرجَها. انظر ((تهذيب اللغة)) للأزهري ١/ ١٤٩، و((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي مادة (عقر).
(٢) كذا وقعت الرواية للحافظ هنا بلفظ: ((الظالم)) مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري أنَّ
لفظ الرواية هنا ((الكافر))، وقد تقدم الحديث عن أبي اليمان أيضاً برقم (٢٢١٧) ولم يختلف رواة البخاري هناك
أيضاً أنَّ نصَّ الرواية: الكافر، بل لم نقف على الحديث عند أحد ممن خرَّجه بلفظ الظالم، فالله تعالى أعلم.

٣٠٣
باب ٧
كتاب الإكراه
لابنِ بَطّال: وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب، مع أنَّ سارةَ عليها السَّلام كانت
معصومةً من كلّ سوء، أنَّها لا مَلامة عليها في الخَلْوة مُكرَهةً، فكذا غيرها لو زُنيَ بها مُكرَهَةً لا
حَدَّ عليها.
تكميل: لم يذكُر (١) حُكم إكراه الرجل على الزِّنى، وقد ذهب الجمهور أنَّه لا حَدَّ عليه،
وقال مالك وطائفة: عليه الحدّ لأنَّه لا يَنتَشِر إلّا بَلَذّةٍ، وسواء أكرهَه سُلطان أم غيره، وعن
أبي حنيفة: يُحدّ إن أكرهَه غير السُّلطان، وخالَفَه صاحباه، واحتَجَّ المالكيَّة بأنَّ الانتشار لا
يَحْصُل إلّا بالطُّمأنينة وسكون النَّفْس، والمُكرَه بخِلَافه لأنَّه خائف، وأُجيبَ بالمنع وبأنَّ
الوطء يُتصوَّر بغير انتشار، والله أعلم.
٣٢٣/١٢
٧- باب يمينِ الرّجلِ لصاحبِهِ أنّه أخوه إذا خافَ
عليه القتلَ، أو نحوَه
وكذلك كلُّ مُكْرَهٍ يَخافُ، فإِنَّه يَذُبُّ عنه الظالِمَ، ويقاتلُ دونَه، ولا يَخْذُلُهُ، فإن قاتَلَ دونَ
المظلومِ فلا قَوَدَ عليه ولا قِصاصَ، وإن قيل له: لَتَشْرَبَنَّ الخمرَ، أو لَتَأْكُلَنَّ الَيتَةَ، أو لَتَبِعنَّ
عبدَكَ، أو تُقِرّ بدَينٍ، أو تَهَبُ هِبةً ونَحُلُّ عَقْداً، أو لتَقْتُلَنَّ أباكَ أو أخاكَ في الإسلام، وما أشبه ذلك،
وسِعَه ذلك، لقولِ النبيِّ ◌َّ: ((المسلمُ أخو المسلمِ)).
وقال بعضُ الناسِ: لو قيل له: لَتَشْرَبَنَّ الخمرَ، أو لَتَأْكُلَنَّ الميتةَ، أو لتَقْتُلَنَّ ابنَكَ، أو أباكَ،
أو ذا رَحِمٍ مُحَّمٍ لم يَسَعْه، لأنَّ هذا ليس بمُضْطَرٍّ، ثمَّ ناقَضَ، فقال: إن قيل له: لنَقْتُلَنَّ أباكَ أو
ابنَكَ أو لَتَبِيعن هذا العبدَ، أو لَتُقِرَّنَّ بَدَينٍ، أو تَهَبُ، يَلزَمُه في القياسِ، ولكنّا نَسْتَحْسِنُ،
ونقولُ: البيعُ والهبةُ وكلُّ عُقْدةٍ في ذلك باطلٌ، فَرَّقُوا بينَ كلِّ ذي رَحِمٍ مُّم وغیرِه، بغير كتابٍ
ولا سُنّةٍ.
وقال النبيُّ ◌َّ: «قال إبراهيمُ لامرأته: هذه أُختي)) وذلك في الله.
وقال النَّخَعِيُّ: إذا كان المستَحْلِفُ ظالماً فِيَّةُ الحالفِ، وإن كان مظلوماً فنِيَّةُ المستَحلِفِ.
(١) تحرف في (س) إلى: يذكروا. وإنما أراد الحافظُ البخاريَّ.

٣٠٤
باب ٧/ح ٦٩٥١ -٦٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
٦٩٥١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ سالماً أخبَرَه،
أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ رسولَ اللهِوَّم قال: «المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظِلِمُه
ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجَتِهِ».
٦٩٥٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا
عُبِيدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ أنسٍ، عن أنسٍ عَّه، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: (انصر أخاكَ ظالماً أو مظلوماً))
فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، آنصُرُه مظلوماً، أفَرأيتَ إذا كان ظالماً، كيفَ أنصُرُه؟ قال: ((تَْجُزُه،
أو تَمَتَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فإنَّ ذَلكَ نَصْرُه)).
قوله: ((باب يمين الرجل لصاحبه أنَّه أخوه إذا خافَ عليه القتلَ أو نحوه)) جواب الشَّرط
یأتي بعده.
قوله: ((وكذلك كلّ مُكْرَه يَخاف فإِنَّه)) أي: المسلم ((يَذُبّ)) بفتح أوَّله وضمّ الذّال المعجَمة،
أي: يَدِفَع ((عنه الظّالمَ ويُقاتِل دونه) أي: عنه ((ولا يَخْذُله)) قال ابن بَطّال: ذهب مالك والجمهور
إلى أنَّ مَن ◌ُكرهَ على يمين إن لم يَحِلِفِها قُتِلَ أخوه المسلم أنَّه لا حِنْثَ عليه، وقال الكوفيّونَ:
يَجِنَث، لأَنَّه كان له أن يُوَرّي، فلمَّا تَرَكَ التَّورية صارَ قاصداً لليمين فيَحنَث، وأجابَ الجمهور:
بأنَّه إذا أُكرهَ على اليمين فنيَّتُه مخالفةٌ لقولِه، الأعمال بالنّات.
قوله: ((فإن قاتَلَ دونَ المظلوم فلا قَوَدَ عليه ولا قِصاصَ)» قال الدَّاوُوديّ: أراد لا قَود ولا
دية، قال: والدّية تُسمَّى أرْشاً. قلت: والأولى أنَّ قوله: ((ولا قِصاص)) تأكيد، أو أطلقَ القَوَد
على الدّية.
وقال ابن بَطّال: اختَلَفوا فيمَن قاتَلَ عن رجل خَشِيَ عليه أن يُقتَل فقُتِلَ دونه هل يجب
على الآخر قِصاص أو دية؟ فقالت طائفة: لا يجب عليه شيء للحديثِ المذكور، ففيه: ((ولا
يُسلِمُه))، وفي الحديث الذي بعده: ((انصُرْ أخاك)) وبذلك قال عمر. وقالت طائفة: عليه القَوَد،
وهو قول الكوفيّينَ، وهو يُشبِه قول ابن القاسم وطائفة من المالكيَّة(١)، وأجابوا عن الحديث بأنَّ
(١) قوله: ((من المالكية)) لم يرد في الأصلين، وثبت في (س)، ومن قبلها في طبعة بولاق، وكلام ابن بطال يقتضيه،
فلذلك أبقيناه.

٣٠٥
باب ٧/ح ٦٩٥١ -٦٩٥٢
كتاب الإكراه
فيه/ النَّبَ إلى النَّصر وليس فيه الإذن بالقتل، والمتَّجِه قولُ ابن بطّال: أنَّ القادر على تخليص ٣٢٤/١٢
المظلوم تَوجَّهَ عليه دفعُ الظَّلم بكلِّ ما يُمكِنِه، فإذا دافَعَ عنه لا يَقصِد قتَلَ الظّالم، وإنّما
يَقصِد دَفعَه، فلو أتى الدَّفعُ على الظّالم كان دمُه هَدَراً، وحينئذٍ لا فرق بين دفعه عن نفسه
أو عن غيره.
قوله: ((وإن قيل له: ◌َتَشْرَ بَنَّ الخمر، أو لَتَأْكُلَنَّ الَميتة، أو لَتَبِيعِنَّ عبدَك، أو تُقِرُّ بَدَينٍ، أو تَهَبُ
هِيةً، وَحُلُّ عَقْداً، أو لنقتلنَّ أباك أو أخاك في الإسلام، وما أشبَةَ ذلك، وَسِعَه ذلك، لقولِ النبيّ ◌َّ:
المسلم أخو المسلم)) قال الكِرْمانيُّ: المراد بحَلِّ العُقدة فسخُها، وقَّد الأخَ بالإسلام ليكونَ
أعمّ من القريب، ووسِعَهُ ذلك، أي: جازَ له جميعُ ذلك ليُخلِّص أباه وأخاه.
وقال ابن بَطّال ما ملخَّصُه: مُراد البخاريّ أنَّ مَن هُدِّدَ بقتل والده أو بقتل أخيه في
الإسلام إن لم يفعل شيئاً من المعاصي، أو يُقِرّ على نفسه بدَينٍ ليس عليه، أو يَهَب شيئاً لغيره
بغير طيب نفسٍ منه، أو يَحُلّ عَقداً كالطَّلاق والعِتاق بغير اختياره، أنَّه يفعل جميع ما هُدِّدَ
به، لينجوَ أبوه من القتل، وكذا أخوه المسلم من الظُّلم، ودليلُه على ذلك ما ذكره في الباب
الذي بعده(١) موصولاً ومُعلَّقاً.
ونَبََّ ابن التِّين على وَهمِ وَقَعَ للَّاوُوديّ الشّارح حاصلُه: أنَّ الدَّاوُوديّ وَهِمَ في إيراد
كلام البخاريّ فجَعَلَ قوله: (لَتَقْتُلَنَّ) بالتاءِ، وجَعَلَ قولَ البخاريّ: وسِعَه ذلك: لم يَسَعْه
ذلك، ثمَّ تَعقَّبَه بأنَّه إن أراد لا يَسَعه في قتل أبيه أو أخيه فصواب، وأمَّا الإقرار بالدَّينِ والهِبة
والبيع فلا يَلْزَم، واختُلِفَ في الشُّرب والأكل. قال ابن التِّين: قرأ (لَتَقْتُلَنَّ) بتاءِ المخاطَبة، وإنَّما
هو بالنّون.
قوله: ((وقال بعض الناس: لو قيل له: لَتَشْرَبَنَّ الخمر، أو لَتَأْكُلَنَّ المَيْتة، أو لنَقْتُلَنَّ ابنك أو
أباك أو ذا رَحِم محرَّم لم يَسَعْه، لأنَّ هذا ليس بمُضْطِرٍّ، ثمَّ ناقَضَ فقال: إن قيل له: لَنَقْتُلَنَّ أباك
أو لَتَبِيعَنَّ هذا العبدَ أو لَتُقِرَّنَّ بَدَينٍ أو بِبَةٍ يَلزَمُه في القياس، ولكنّا نَستَحْسِنُ ونقول: البيعُ
(١) بل في هذا الباب نفسه.

٣٠٦
باب ٧/ح ٦٩٥١ - ٦٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
والِبة وكلّ عُقْدة في ذلك باطلٌ)) قال ابن بَطّال: معناه أنَّ ظالماً لو أراد قتل رجلٍ فقال لولد
الرجل مثلاً: إن لم تشرب الخمر أو تأكُل الميتة قتلتُ أباك، وكذا لو قال له: قتلتُ ابنَك أو
ذا رَحِمٍ لك، ففَعَلَ لم يأَمْ عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: يأثَم لأنَّه ليس بمُضطَرٍّ، لأنَّ الإكراه إنَّما يكون فيما يَتَوجَّه إلى الإنسان
في خاصّة نفسِه لا في غيره، وليس له أن يَعصي الله حتَّى يَدِفَع عن غيره، بل اللهُ سائلُ الظّالم
ولا يُؤاخِذ الابنَ، لأنَّه لم يَقدِر على الدَّفع إلّا بارتكابٍ ما لا يَحِلّ له ارتكابُه، قال: ونَظيرُه
في القياس ما لو قال: إن لم تَبِعْ عبدك أو تُقِرَّ بدَينٍ أو تَهَبِ هِبةً، أنَّ كلّ ذلك يَنْعَقِد، كما لا
يجوز له أن يَرتَكِب المعصية في الدَّفع عن غيره. ثمَّ ناقَضَ هذا المعنى فقال: ولكنّا نَستَحسِن
ونقول: البيعُ وغيرُه من العُقود كلُّ ذلك باطلٌ، فخالَفَ قیاسَ قوله بالاستحسان الذي ذكره،
فلذلك قال البخاريّ بعده: فَرَّقوا بين كلّ ذي رَحِمِ مَحَرَّم وغيره بغير كتاب ولا سُنّة، يعني: أنَّ
مذهب الحنفيّة في ذي الرحم بخِلاف مذهبهم في الأجنبيّ، فلو قيل لرجلٍ: لنَقْتُلَنَّ هذا
الرجل الأجنبيّ أو لَتَبِيعَنَّ كذا ففَعَلَ ليُنجِّيَه من القتل لَزِمَه البيع، ولو قيل له ذلك في ذي رَحِمِه لم
يَلَزَمه ما عَقَّدَه.
والحاصل: أنَّ أصل أبي حنيفة اللُّزوم في الجميع قياساً، لكن يُستَئنَى مَن له منه رَحِمٌ
استحساناً، ورأى البخاريّ أن لا فرق بين القريب والأجنبيّ في ذلك لحديث: ((المسلم
أخو المسلم)) فإنَّ المراد به أُخوّة الإسلام لا النَّسَب، ولذلك استَشهَدَ بقولِ إبراهيم: «هذه
أُختي))، والمراد أُخوّة الإسلام، وإلّا فنِكاحُ الأُخت كان حَراماً في مِلّة إبراهيم، وهذه
الأُخوّة توجِب حماية أخيه المسلم والدَّفع عنه، فلا يَلزَمُه ما عَقَدَه، ولا إثم عليه فيما يأكل
ويَشرَبُ للدَّفع عنه، فهو كما لو قيل له: لَتَفْعَلَنَّ كذا أو لنقتلنك، فإنه يَسَعه إتيانُها ولا يَلَزَمه
الحكم ولا یقع علیه الإثم.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يُقرَّرَ البحثُ المذكور بأن يقال: إنَّه ليس بمُضطَرٍّ، لأنَّه مُخُيَّر
٣٢٥/١٢ في أُمور متعدِّدة، والتَّخيير يُنافي الإكراه، فكما لا إكراه في الصّورة الأولى/ وهي الأكل والشُّرب

٣٠٧
باب ٧/ح ٦٩٥١ - ٦٩٥٢
كتاب الإكراه
والقتل، كذلك لا إكراه في الصّورة الثّانية وهو البيع والهبة والعِتق، فحيثُ قالوا بُبُطْلان البيع
استحساناً، فقد ناقَضوا إذ يَلزَم منه القولُ بالإكراه، وقد قالوا بعَدَمِ الإكراه.
قلت: ولقائلٍ أن يقول بعَدَمِ الإكراه أصلاً، وإنَّما أثبتوه بطريق القياس في الجميع، لكنِ
استحسَنوا في أمر المحَّم لمعنى قام به، وقوله في أوَّل التَّقریر: «في أُمور متعدِّدة» لیس کذلك، بل
الذي يظهر أنَّ(أو)) فيه للتَّويع لا للتَّخيير، وأنَّهَا أمثِلٌ لا مِثالٌ واحدٌ.
ثمَّ قال الكِرْمانيُّ: وقوله، أي البخاريّ: إنَّ تفريقهم بين المحرَّم وغيره شيءٌ قالوه لا
يدلّ عليه كتابٌ ولا سُنّةٌ، أي: ليس فيهما ما يدلّ على الفَرق بينهما في باب الإكراه، هو أيضاً
كلام استحسانيّ، قال: وأمثال هذه المباحث غير مناسبة لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج
عن فنِّه.
قلت: وهو عَجَبٌ منه، لأنَّ كتاب البخاريّ كما تقدَّم تقريره لم يَقصِد به إيرادَ
الأحاديث نقلاً صِرْفاً، بل ظاهرُ وضعِه أنَّه يَجِعَل كتاباً جامعاً للأحكام وغيرها، وفقهُهُ في
تَراجِمه، فلذلك يُورِد فيه كثيراً الاختلافَ العالي ويُرجِّح أحياناً ويَسكُت أحياناً تَوقُّفاً عن
الجزم بالحُكمِ، ويُورِد كثيراً من التَّفاسير، ويشير فيه إلى كثيرٍ من العِلَل، وترجيحِ بعض
الطُّرق على بعض، فإذا أورَدَ فيه شيئاً من المباحث لم تُستَغرَب، وأمَّا رَمزه إلى أنَّ طريقة
البحث ليست من فنِّه، فتلكَ شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها، فللبخاريِّ أُسوة بالأئمّة الذينَ
سَلَكَ طريقهم كالشافعيِّ وأبي ثور والحُميديّ وأحمدَ وإسحاق، فهذه طريقتُهم في البحث،
وهي مُحُصِّلة للمقصودِ، وإن لم يُعرِّجوا على اصطِلاح المتأخِرينَ.
قوله: ((وقال النبيّ ◌َّ: قال إبراهيم لامرأته)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((لِسارةَ)).
قوله: ((هذه أُختي، وذلك في الله)) هذا طَرَف من قصَّة إبراهيم وسارةَ مع الجَبّار، وقد
وَصَلَه في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٨) وليس فيه: ((وذلك في الله)) بل تقدَّم هناك ثنتان منهما في
ذات الله: قوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]،
ومفهومه أنَّ الثّالثة وهي قوله: ((هذه أُختي)) ليست في ذات الله، فعلى هذا فقوله: وذلك في الله،

٣٠٨
باب ٧/ح ٦٩٥١ - ٦٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
من كلام البخاريّ، ولا مُخالَفة بينه وبين مفهوم الحديث المذكور، لأنَّ المراد أنَّهما من جِهَة
تَحَض الأمر الإلهيّ، بخِلَاف الثّالثة، فإنَّ فيها شائبةَ نَفْع وحَظّ له، ولا يَنفي أن تكون في الله،
أي: من أجل تَوصُّله بذلك إلى السَّلامة ممّا أرادَه الجبّار منها أو منه.
قوله: ((وقال النَّخَعُيُّ: إذا كان المستَحْلِفِ ظالماً فنيّةُ الحالف، وإن كان مظلوماً فنيّة المستَحْلِفِ»
وَصَلَه محمَّد بن الحسن في كتاب ((الآثار)) عن أبي حنيفة عن حَمَّاد عنه بلفظ: إذا استُحلِفَ
الرجلُ وهو مَظلومٌ، فاليمين على ما نَوى وعلى ما ورَّى، وإذا كان ظالماً فاليمين على نيَّة
مَن استَحلَفَه، ووَصَلَه ابن أبي شَيْبة من طريق حمّاد بن سَلَمة عن حمّاد بن أبي سليمان عن
إبراهيم النَّخَعيِّ بلفظ: إذا كان الحالف مَظلوماً فله أن يُورِّي، وإن كان ظالماً فليس له أن
يُورِّي.
قال ابن بَطّال: قول النَّخَعيِّ يدلّ على أنَّ النّيَّة عنده نيَّة المظلوم أبداً، وإلى مِثله ذهب
مالك والجمهور، وعند أبي حنيفة: النّيَّة نيَّة الحالف أبداً.
قلت: ومذهب الشافعيّ أنَّ الخَلِف إن كان عند الحاكم، فالنّيَّة نيَّة الحاكم وهي راجعة إلى
نيَّة صاحب الحقّ، وإن كان في غير الحُكم فالنّيَّة نيَّة الحالف.
قال ابن بَطّال: ويُتصوَّر كَونُ المستَحِلِفِ مَظلوماً أن يكون له حَقٌّ في قِبَلِ رجلٍ، فَجْحَده
ولا بيِّنّة له فيَستَحِلِفِه، فتكون النّيَّة نيَّتَه لا الحالف، فلا تنفعه في ذلك التّورية.
ثم ذكر البخاريّ حديثَ ابن عمر مرفوعاً: ((المسلم أخو المسلم)) قد تقدَّم من هذا الوجه
بأتمَّ من هذا السّياق في كتاب المظالم مشروحاً (٢٤٤٢).
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن عبد الرحيم) هو البَزّاز بمُعجَمْتَينِ، البغداديّ الملَقَّب صاعِقة، وهو
من طبقة البخاريّ في أکثر شيوخه، وسعید بن سلیمان من شيوخ البخاريّ فقد روى عنه بغیر
واسطة في مواضع أقرَبُها في ((باب مَن اختارَ الضَّرب)) (٦٩٤٢)، وقد أخرج البخاريّ حديث
٣٢٦/١٢ الباب في كتاب المظالم (٢٤٤٣) عن عثمان بن أبي شَيْبة عن هُشَيم، / فنزلَ فيه هنا دَرجَتَين، لأنَّ
سياقه هنا أتمُ ولمُغايرة الإسناد.

٣٠٩
باب ٧/ح ٦٩٥١ - ٦٩٥٢
كتاب الإكراه
قوله: ((فقال رجل)) لم أقِفْ على اسمه، ووَقَعَ في رواية عثمان: قالوا(١).
قوله: ((أَنْصُرُه مظلوماً (٢)) بالمدِّ على الاستفهام، وهو استفهام تقريرٍ، ويجوز تَرك المدّ.
قوله: ((أفَرأيت)) أي: أخبرني، قال الكِرْمانيُّ: في هذه الصّيغة مَجازان: إطلاق الرُّؤية وإرادة
الإخبار، والخبر وإرادة الأمر.
قوله: ((إذا كان ظالماً)) أي: كيف أنصُره على ظُلمه.
قوله: ((تَْجُزه)» بمُهمَلٍ ثمَّ جیم ثمَّ زاي للأکثر، ولبعضِھم بالراء بَدَل الزّاي، وكلاهما
بمعنى المنع، وفي رواية عثمان: ((تأخُذ فوق يَده))(٣)، وهو كِناية عن المنع، وتقدَّم بيان
اختلافِ ألفاظه هناك، ومنها أنَّ في رواية عائشة: قال: ((إن كان مَظلوماً فخُذ له بحَقِّه، وإن
كان ظالماً فخُذ له من نفسه)) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((أدب الحكماء)).
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الإكراه من الأحاديث المرفوعة على خمسةَ عشرَ حديثاً، المعلَّق منها
ثلاثة وسائرها موصول، وهي مُكرَّرة كلّها فيما مَضَى، وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن
بعدهم تسعة آثار، والله أعلم.
(١) بل في رواية مسدد برقم (٢٤٤٤).
(٢) كذا وقعت الرواية للحافظ، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: أنصُرُه إذا
كان مظلوماً. وقد أخرج أحمد الحديث (١١٩٤٩) عن هشيم بن بلفظ: هذا أنصره مظلوماً.
(٣) بل في رواية مسدد برقم (٢٤٤٤).

٣١٠
فتح الباري بشرح البخاري

٣١١
كتاب الحيل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحِيل
قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الحِيَل)) جمع حيلة: وهي ما يُتوصَّل به إلى مقصودٍ
بطريقٍ خَفيّ. وهي عند العلماء على أقسام بحَسَبِ الحامل عليها، فإن تَوصَّلَ بها بطريقٍ
مُباح إلى إيطال حَقّ أو إثبات باطل فهي حَرام، أو إلى إثبات حَقّ أو دفع باطل فهي واجبة
أو مُستَحَبّة، وإن تَوصَّلَ بها بطريقٍ مُباحٍ إلى سَلامةٍ من وقوعٍ في مكروهٍ فهي مُستَحَبّة أو
مُباحة، أو إلى تَرك مندوبٍ فهي مكروهة.
ووَقَعَ الْخِلَاف بين الأئمّة في القسم الأوَّل: هل يَصِحّ مُطلَقاً ويَنفُذ ظاهراً وباطناً، أو
يَبطُل مُطلَقاً، أو يَصِحّ مع الإثم؟ ولمن أجازَها مُطلَقاً أو أبطَلَها مُطلَقاً أدَّة كثيرة.
فمن الأوَّل: قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾[ص: ٤٤] وقد عَمِلَ به
النبيُّ وَّةٍ فِي حَقّ الضَّعيف الذي زَنَى، وهو من حديث أبي أمامةَ بن سهل في ((السُّنَن))(١)،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, يَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وفي الحِيَل تَخارجُ من المضايِقِ،
ومنه مشروعيَّة الاستثناء(٢)، فإنَّ فيه تخليصاً من الحِنث، وكذلك الشُّروط كلّها فإنَّ فيها
سلامة من الوقوع في الخَرَج. ومنه حديث أبي هريرة وأبي سعيد في قصَّة بلال: ((بع الجَمْعِ
بالدَّراهم، ثمَّ ابتَعْ بالدَّراهمِ جَنِيباً)(٣).
ومن الثّاني: قصَّة أصحاب السَّبت، وحديث: ((حُرِّمَت عليهم الشُّحوم فجَمَلُوها
فباعوها وأكَلوا ثَمَنها))(٤)، وحديث النَّهي عن النَّجش(٥)، وحديث لَعْنِ المحَلِّل والمحَلَّل
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٧٢)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٦٠).
(٢) يعني في اليمين.
(٣) تقدم برقم (٢٢٠٢)، وأخرجه مسلم (١٥٩٣) (٩٥).
(٤) تقدم برقم (٢٢٣٦)، وأخرجه مسلم (١٥٨١) من حديث جابر.
(٥) تقدم برقم (٢١٤٢)، وأخرجه مسلم (١٥١٦) من حديث ابن عمر، وتقدم أيضاً من حديث أبي هريرة =

٣١٢
باب ١/ح ٦٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
له(١). والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المعتَبَرَ في صِيَغ العُقود ألفاظها
أو معانيها؟ فمَن قال بالأوَّل أجازَ الحِيَل.
ثمَّ اختَلَفوا: فمنهم مَن جعلها تَنفُذ ظاهراً وباطناً في جميع الصُّور أو في بعضها، ومنهم
مَن قال: تَنفُذ ظاهراً لا باطناً، ومَن قال بالثّاني أبطَلَها ولم يُجِزِ منها إلّا ما وافَقَ فيه اللَّفْظُ المعنى
الذي تَدُلّ عليه القَرائنُ الحالِيَّة.
وقد اشتَهَرَ القولُ بالحيَلِ عن الحنفيّة لكَونِ أبي يوسف صَنَّفَ فيها كتاباً، لكنَّ المعروف عنه
وعن كثيرٍ من أئمَّتهم تقييدُ أعمالها بقصدِ الحقّ، قال صاحب ((المحيط)): أصل الحيَل قوله تعالى:
﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾ الآية، وضابِطُها إن كانت للفِرار من الحرام والتَّاعُد من الإثم فحَسَن، وإن
كانت لإبطال حَقّ مسلمٍ فلا، بل هي إثم وعُدوان.
٣٢٧/١٢
١ - بابُ ترك الحيل، وأنّ لكلّ امرئ ما نَوَى، في الأیمان وغيرِها
٦٩٥٣- حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثْنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، حدَّنا محمّدُ بنُ
إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ بنِ وَقّاصٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطَّبِ ظُهِ يَخْطُبُ، قال: سمعتُ
النبيَّ ◌َّهَ، يقول: ((يا أيُّها الناسُ، إِنَّمَا الأعمالُ بالنِّيَّةِ، وإنَّما لامِرِئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه
إلى الله ورسوله فهِجْرتُه إلى الله ورسولِهِ، ومَن هاجَرَ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أو امرأةٍ يَتزوَّجُها،
فهِجْرُه إلى ما هاجر إليه)).
قوله: ((باب ترك الحيل)) قال ابن المنيِر: أدخل البخاري التَّركَ في الترجمة لئلا يُتوهّم أي: من
الترجمة الأولى إجازة الحِيَل، قال: وهو بخلاف ما ذكره في ((باب بيعة الصغير)) (٧٢١٠)، فإنه
أورد فيه أنه لم يبايعه، بل دعا له ومسح برأسه، فلم يقل باب ترك بيعة الصغير، وذلك أن بيعتَه
= (٢١٤٠)، وأخرجه مسلم (١٤١٣).
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٧٦)، وابن ماجه (١٩٣٥)، والترمذي (١١١٩) من حديث علي بن أبي طالب، وابن
ماجه (١٩٣٤) من حديث ابن عباس، و(١٩٣٦) من حديث عقبة بن عامر، والترمذي (١١٢٠)، والنسائي
(٣٤١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.

٣١٣
باب ١/ ح ٦٩٥٣
كتاب الحيل
لو وقَعَت لم يكن فيها إنكار، بخلاف الحِيَل، فإنَّ في القول بجوازها عموماً إبطالُ حقوقٍ
وجبت وإثبات حقوقٍ لا تجب، فتحَرَّی فیها لذلك.
قلت: وانما أطلق أولاً للإشارة إلى أن من الحِيَل ما يُشرع، فلا يُترك مطلقاً.
قوله: «وأنَّ لكل امرئ ما نوى، في الأيمان وغيرها)» في رواية الكُشمِيهَنيّ: وغيره، وجعل
الضمير مذكراً على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع، وقوله: في الأيمان وغيرها، من
تفقُّه المصنّف لا من الحديث.
قال ابن المنيِّر: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النُّظّار حملُ الحديث على
العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكاً في القول بسدِّ الذرائع واعتبار
المقاصد، فلو فَسَد اللفظُ وصحَّ القصدُ أُلْغِي اللفظُ وأُعمِل القصدُ، تصحيحاً وإبطالاً.
قال: والاستدلال بهذا الحديث على سدِّ الذرائع وإبطالِ الحِيَل من أقوى الأدلة، ووَجْه
التعميم أن المحذوف المقدَّر: الاعتبارُ، فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها، وفي
المعاملات وكذلك الأيمان الردُّ إلى القَصْد.
وقد تقدم في ((باب ما جاء أن الأعمال بالنية)) من كتاب الإيمان (٥٤) في أوائل الكتاب
تصريحُ البخاري بدُخول الأحكام كلها في هذا الحديث، ونقلتُ هناك كلامَ ابن المنيِّر في
ضابط ذلك.
قوله: ((حدثنا محمد بن إبراهيم(١)) هو التَّيمي، وقد صرَّح بتحديث عَلقمة شيخِه في هذا
الحدیث له في أول بدء الوحي.
سمعت النبي وّه يقول: ((يا أيها الناس)) فيه إشعارٌ بأنه خَطَب به، وقوله: يخطُب،
تقدم في بدء الوحي أن عمر قاله على المنبر.
(١) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله بتصريح يحيى بن سعيد الأنصاري بتحديث محمد بن إبراهيم له، مع
أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري أنه بالعنعنة، وكذلك في الأصل الخطي الذي
عندنا برواية أبي ذرِّ الهرويّ، فالله تعالى أعلم.

٣١٤
باب ١/ح ٦٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إنما الأعمال بالنية)) تقدم في بدء الوحي بلفظ: ((بالنيات))، وفي كتاب الإيمان بلفظ:
((الأعمال بالنية))، كما هنا مع حذف ((إنما)) من أوله.
قوله: ((وإنما لامرئ ما نوى)) تقدم في بدء الوحي بلفظ: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) وهو
الذي علَّقه في أول الباب، وتقدّم البحثُ في أن مفهومَه أنَّ مَن لم ينْوِ شيئاً لم يحصُل له، وقد
أُورِد عليه من نَوى الحَجَّ عن غَيرِه، وكان لم يُحُجَّ، فإنه يصحُّ عنه(١)، ويسقط عنه الفرضُ
بذلك عند الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق، وقال الباقون: يصحُّ عن غيرِهِ، ولا
ينقلِب عن نفسِه، لأنه لم ينوِهِ، واحتُجَّ للأول بحديث ابن عباس في قصة شُبْرمة، فعند أبي
داود (١٨١١): ((حُجَّ عن نَفسِك، ثم حُجَّ عن شُبْرمة))، وعند ابن ماجه (٢٩٠٣): ((فاجعل
هذه عن نفسِك، ثم حُجَّ عن شبرمة)) وسنده صحيح، وأجابوا أن الحجَّ خرج عن بقية
العبادات، و کذلك يُمضى في فاسِدِه دون غيره.
وقد وافق أبو جعفر الطبَريُّ على ذلك، ولكن حمَلَه على الجاهل بالحُكْم، وأنه إذا عَلِم بأثناء
الحال وجب عليه أن ینویه عن نفسِه فحينئذٍ ینقلِب، وإلا فلا يصحُّ عنه.
ويُستثنى من عموم الخبر ما يحصل من جهة الفَضل الإلهي بالقصد من غير عملٍ،
٣٢٨/١٢ كالأجر / الحاصل للمريض بسبب مَرَضه على الصواب(٢) لثبوت الأخبار بذلك(٣) - خلافاً
لمن قال: إنما يقع الأجر على الصبر - وحصول الأجرِ بالوعد الصادق لمن قصد العبادةَ،
فعاقَه عنها عائقٌ بغير إرادته، وكمن له أورادُ فعَجَز عن فعلِها لمرض مثلاً، فإنه يُكتَب له
أجرُها كمن عَمِلها.
(١) وقع في (س): فإنه لم يصحَّ عنه، بإقحام لفظة ((لم)).
(٢) تحرَّف في (ع) إلى: الصلوات، والأحاديث الواردة على عموم العبادات وليس على الصلوات فحسب،
وتحرَّف في (س) إلى: الصبر.
(٣) كحديث أبي موسى الأشعري المتقدم عند البخاري برقم (٢٩٩٦) مرفوعاً بلفظ: ((إذا مرض العبد أو سافر
كُتب له مثلُ ما کان یعمل مقيماً صحيحاً». وکحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد (٦٤٨٢) وغيره،
وانظر شواهده عند أحمد.

٣١٥
باب ١/ح ٦٩٥٣
كتاب الحيل
ومما يُستثنى على خُلْفٍ ما إذا نَوَى صلاةَ فرضٍ، ثم ظَهَر له ما يقتضي بُطلانها فرضاً،
هل تنقلب نفلاً؟ وهذا عند العُذر، فأما لو أحرَم بالظهر مثلاً قبلَ الزوال، فلا يصحّ فرضاً، ولا
ينقلب نفلاً إذا تعمّد ذلك. ومما اختلف فيه: هل يُثاب المسبوق ثوابَ الجماعة على ما أدركه(١) أو
يعم؟ وهل يُثاب من نوى صيامَ نفلِ في أثناء النهار على جَميعِه، أو مِن حين نوى؟ وهل
تُكْمَلُ الجمعةُ إذا خرج وقتُها في أول الركعة الثانية مثلاً جمعةً أو ظهراً، وهل تَنْقِلبُ بنفسها
أو تحتاجُ إلى تجديد نيةٍ؟ والمسبوق إذا أدركَ الاعتدال الثاني مثلاً هل ينوي الجمعةَ أو الظهرَ؟
ومن أحرمَ بالحج في غير أشهره هل ينقلبُ عمرةً أو لا؟
واستدلَّ به من قال بإبطال الحِيَل ومن قال بإعمالها، لأن مَرجِع كلّ مِن الفريقين إلى نية
العامِل، وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنِّف إشارةٌ إلى بيانِ ذلك، والضابط ما
تقدَّمتِ الإشارةُ إليه إن كان فيه خَلاصُ مظلومٍ مثلاً فهو مطلوبٌ، وإن كان فيه فَواتُ حقِّ
فهو مذمُومٌ.
ونصَّ الشافعيُّ على كراهَةِ تعاطي الحِيَل في تَفْوِيت الحقوق، فقال بعض أصحابه: هي
كراهة تنْزِيهِ، وقال كثير من مُحقِّقيهم كالغزالي: هي كراهة تَحْرِيم ويأثم بقَصْده، ويدلُّ عليه
قولُه: ((وإنما لكلِّ امرئ ما نوى))، فمن نَوى بعقد البيع الرّبا وقع في الرّبا، ولا يُخُلِّصه من
الإثم صورةٌ البيع، ومن نَوى بعقد النكاح التحليلَ كان مُحُلِّلاً، ودَخَل في الوَعيد على ذلك
باللغْن، ولا يُخلِّصه من ذلك صورةُ النكاح، وكل شيء قُصِد به تحريمُ ما أحلَّ اللهُ أو تحليلُ
ما حَّم اللهُ كان إثماً، ولا فرق في حصولِ الإثم في التحيُّل على الفعلِ المحَّمِ بين الفعلِ الموضوع
له والفعلِ الموضوع لغيره إذا جُعِل ذريعةً له.
واستُدل به على أنه لا تصحُّ العبادةُ من الكافر ولا المجنون، لأنهما ليسا من أهل العبادة،
وعلى سقوط القَوَد في شِبْه العَمْد، لأنه لم يَقصِد القتلَ، وعلى عَدم مُؤاخذَة المُخطئ والناسي
والمُكرَه في الطلاق والعتاق ونحوهما، وقد تقدم ذلك في أبوابه (٢٥٢٨ و ٥٢٦٩).
(١) في (س): على ما إذا أدرك ركعةً. وهو صحيح أيضاً، لكن المثبت من الأصلين أعمُّ.

٣١٦
باب ١/ح ٦٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به لمن قال كالمالكية: اليمين على ◌ِيَّة المحلوف له ولا تنفعُه التَّورية، وعَكَسَه
غيرُهم، وقد تقدم بيانه في الأيمان (٦٦٨٩)، واستدَلَّوا بما أخرجه مسلم (٢١/١٦٥٣) عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((اليمينُ على نِيَّ المستحْلِف))، وفي لفظ له (٢٠/١٦٥٣): ((يمينُك على ما
يُصدِّقُك به صاحبُك)) وحَمَلَه الشافعيةُ على ما إذا كان المُحلِّفُ الحاكمَ.
واستُدِلَّ به لمالكِ على القول بسدِّ الذرائع واعتبارِ المقاصد بالقرائن، كما تقدمتِ الإشارة
إليه، وضبط بعضُهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلُّم ثلاثة أقسام: أحدها: أن تظهر
المطابقةُ إما يقيناً وإما ظنّاً غالباً، والثاني: أن يَظهر أنّ المتكلم لم يُرِدْ معناه إما يقيناً وإما ظنّاً،
والثالث: أن يَظهر في معناه ويقع التردُّد في إرادة غَيرِهِ وعدمها على حدٍّ سواء، فإذا ظهر قصدُ
المتكلم لمعنَى ما تكلّم به، أو لم يظهر قصدٌ يخالف كلامَه، وجَبَ حُلُ كلامِه على ظاهرِه.
وإذا ظهرت إرادتُه بخلاف ذلك، فهل يستمرُّ الحكمُ على الظاهر، ولا عِبرةَ بخلاف ذلك،
أو يُعمَل بما ظَهَر من إرادته؟
فاستُدِلَّ للأول بأن البيع لو كان يفسُد بأن يقال: هذه الصيغةُ فيها ذَرِيعةٌ إلى الرِّبا ونيةُ
المتعاقدَين فيها فاسدةٌ، لكان إفسادُ البيع بما يتحقَّق تحريمُه أولى أن يَفسُد به البيعُ من هذا
الظنّ، كما لو نَوَى رجلٌ بشِراء سيفٍ أنه يقتُل به رجلاً مسلماً بغير حقٍّ، فإنَّ العقد صحیحٌ
وإن كانت نيتُه فاسدةً جزماً، فلم يستلزم تحريمُ القَتل بطلانَ البيع، وإن كان العقدُ لا يَفسُد
بمثل هذا، فلا يَفسُد بالظنِّ والتوهُّم بطريق الأَولى.
واستدلَّ للثاني بأنَّ النية تؤثِّر في الفعل فيصير بها تارةً حراماً وتارةً حلالاً، كما يصيرُ
العقد بها تارةً صحيحاً وتارةً فاسداً، كالذبْح مثلاً، فإنَّ الحيوانَ يَحِلُّ إذا ذُبح لأجل الأكل،
٣٢٩/١٢ ويحرُم إذا ذُبح لغيرِ الله، والصورةُ/ واحدةٌ، والرجل يشتري الجارية لموكِّلِهِ(١) فتحرُم عليه،
ولنفسِه فتحلّ له، وصورةُ العقد واحدةٌ، وكذلك صورة القَرْض في الذِّمَّة وبيع النقد بمثله
إلى أجلِ(٢) صورتُهما واحدةٌ، والأول قُربةٌ صحيحٌ، والثاني معصيةٌ باطلةٌ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: لوكيله.
(٢) تحرَّف في (أ) إلى: الرجل.

٣١٧
باب ٢/ ح ٦٩٥٤
كتاب الحيل
وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر رفعُ الحَرَج عمَّن يَتَعاطى الحِيلة الباطلةَ في
الباطن، والله أعلم.
وقد نَقَل النَّسَفيُّ الحنفي في ((الكافي)) عن محمد بن الحسن قال: ليس مِن أخلاق المؤمنين
الفِرار من أحكامِ الله بالِيَّل المُوصِلة إلى إبطال الحقِّ.
٢- باب في الصّلاة
٦٩٥٤ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حذَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَرٍ، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدكم إذا أحدَثَ حتَّى يَتَوضَّأَ)).
قوله: ((باب في الصلاة)) أي: دخولِ الحِيلة فيها، ذكر فيه حديث أبي هريرة: «لا يقبل الله
صلاةَ أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وقد تقدم شرحُه في كتاب الطهارة (١٣٥).
قال ابنُ بطال: فيه ردٌّ على مَن قال: إن مَن أحدَثَ في القَعْدة الأخيرة أن صلاتَه صحيحة،
لأنه أتى بما يُضادُّها، وتُعقّب بأن الحَدَث في أثنائها مُفسِدٌ لها، فهو كالجِماع في الحجّ لو طرأَ
في خلاله لأفسده، وكذا في آخره، وقال ابن حزم في أجوبةٍ له عن مواضع من ((صحيح
البخاري)): مطابقة الحديث للترجمة أنه لا يخلو أن يكون المرء طاهراً متيقٌّناً للطهارة، أو
مُحدِثاً متيقِّناً للحَدَث، وعلى الحالين ليس لأحد أن يُدخل في الحقيقة حِيلةً فإنَّ الحقيقة إثباتُ
الشيء صِدْقاً أو نفيُه صِدْقاً، فما كان ثابتاً حقيقةً فنافِيه بحيلةٍ مُبطِلٌ، وما كان منتفیاً فمثبته
بالحيلة مُبطِلٌ.
وقال ابن المنيِّر: أشار البخاري بهذه الترجمة إلى الردِّ على قول من قال بصحةٍ صلاةٍ مَن
أحدَثَ عمْداً في أثناء الجلوس الأخير، ويكون حدثُه كسلامه، بأن ذلك من الحِيَل
لتصحيح الصَّلاة مع الحَدَث، وتقرير ذلك أن البخاري بنى على أن التحلُّل من الصلاة
ركنٌ منها، فلا تصحُّ مع الحدث، والقائل بأنها تصحّ يرى أن التحلُّل من الصَّلاة ضدُّها،
فتصحُّ مع الحدث، قال: وإذا تقرَّر ذلك فلا بُدَّ من تحقَّق كون السلام رُكناً داخلاً في
الصلاة لا ضدّاً لها.

٣١٨
باب ٢/ ح ٦٩٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد استدَلَّ من قال بُرُكنَّتِه بمقابلته بالتحريم لحديث: «تحريمُها التكبير وتحليلُها
التسليم))، فإذا كان أحدُ الطرفين رُكناً كان الطرفُ الآخرُ رُكناً، ويؤيِّده أنَّ السلام مِن
جنس العبادات، لأنه ذِكْرٌ لله تعالى ودعاءٌ لعِباده، فلا يقوم الحَدَث الفاحِش مقامَ الذِّكر
الحَسَن. وانفصل الحنفية بأن السلام واجبٌ لا رُكن، فإن سبقَه الحدث بعد التشهد توضّأ
وسلَّم، وإن تعمَّده فالعَمْدُ قاطعٌ، وإذا وُجد القطْعُ انتهت الصلاة، لكون السلام ليس
رُكناً.
وقال ابن بطّال: فيه ردٌّ على أبي حنيفة في قوله: إنَّ المحدِث في صلاته يتوضأ ويَبْني، ووافقه
ابنُ أبي ليلى، وقال مالك والشافعي: يستأنف الصلاةَ، واحتجًا بهذا الحديث، وفي بعض
ألفاظه: ((لا صلاة إلّا بِطَهُورٍ))(١)، فلا يخلو حالَ انصرافه أن يكون مُصلِّياً، أو غير مصلٍّ، فإن
قالوا: هو مصلٍّ رُدَّ، لقوله: ((لا صلاة إلّا بطهورٍ))، ومن جهة النظر أنَّ كلَّ حدثٍ مَنع من ابتداء
الصلاة مَنَع من البناء عليها، بدليل أنه لو سبقَه المنيُّ لاستأنَف اتفاقاً.
قلت: وللشافعي قولٌ وافَق فيه أبا حنيفة، وقال الكِرْمانيُّ: وجهُ أخذِه من الترجمة أنهم
حكموا بصحة الصلاة مع الحدث حيث قالوا: يتوضأ ويبني، وحيث حكموا بصحّتها مع
عَدَم النية في الوضوء لعلَّة أنَّ الوضوء ليس بعبادة.
ونقل ابن التّين عن الداووديّ ما حاصله: أن مناسبة الحديث للترجمة أنه أرادَ أنَّ مَن
أحدَثَ وصلَّى ولم يتوضأ وهو يعلم أنه يُخادِعِ الناسَ بصلاته فهو مُبطِلٌ، كما خَدع مُهاجِرُ أمّ
قيسٍ الناسَ بهجرته، وخادعَ الله وهو يعلم أنه مُطَّلع على ضميره.
٣٣٠/١٢
قلت: وقصة مُهاجر أمّ قيسٍ إنما ذكرت في حديث ((الأعمال بالنيات))(٢)، وهو في/ الباب
الذي قبل هذا لا في هذا الباب، وزعم بعض المتأخّرين أنَّ البخاري أراد الردّ على من زَعَم أنَّ
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧) من حديث أسامة بن عمير الهُذَلِيّ، بلفظ: ((لا يقبل الله صلاة إلّا بطَهُور)) ومثله
لابن ماجه أيضاً (٢٧٢)، والترمذي (١) من حديث عبد الله بن عُمر.
(٢) ذكرها الحافظ عند شرح الحديث (١)، وخرَّجها من ((سنن سعيد بن منصور))، ومن طريقه الطبراني في
((الكبير)) (٨٥٤٠).

٣١٩
باب ٣/ح ٦٩٥٥-٦٩٥٨
كتاب الحيل
الجنازة إذا حَضَرت وخاف فَوْتَها أنه يتيمم، وكذا من زعم أنه إذا قام لصلاة الليل، فبَعُدَ عنه الماء
وَخَشِيَ إذا طلبه أن يَقُوتَه قيام الليل أنه تُباح له الصلاةُ بالتيمم، ولا يخفى تكلُّفه.
٣- باب في الزكاة، وأن لا يُفرَّق بین مُجتمِعِ
ولا يُجمَع بين مُتفرّقٍ، خشيةَ الصّدقة
٦٩٥٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، حدَّثني أَبي، حدَّثني ثُمامةُ بنُ عبدِ الله بنِ
أنسٍ، أنَّ أنساً حدَّثه: أنَّ أبا بَكْرِ كَتَبَ له فِرِيضةَ الصَّدَقِةِ التي قَرَضَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((ولا يُجمَعُ بينَ
مُتَفرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بينَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقةِ)).
٦٩٥٦ - حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن طَلْحةَ بنِ
عُبيدِ اللهِ: أنَّ أعرابيّاً جاء إلى رسولِ الله وَ ◌ّه ثائرَ الرَّأْسِ، فقال: يا رسولَ الله، أخبِرْني ماذا
فَرَضَ الله عليَّ منَ الصَّلاةِ؟ فقال: ((الصَّلَواتِ الخمسَ، إلّا أن تَطَوَّعَ شيئاً)) فقال: أخبِرْني بما
فَرَضَ اللهُ عليَّ مِنَ الصِّيامِ؟ قال: ((شهرَ رمضانَ، إلّا أن تَطَوَّعَ شيئاً) قال: أخبِرْني بما فَرَضَ اللهُ
عليَّ منَ الزكاةِ؟ قال: فأخبَرَه رسولُ اللهَ وَّ بِشَرائع الإسلام، قال: والذي أكرَمَكَ لا أتطوَّعُ
شيئاً، ولا أنقُصُ ممّا فَرَضَ الله عليَّ شيئاً، فقال رسولُ الله بَّهِ: ((أفلَحَ إن صَدَقَ)) أو ((دَخَلَ
الجنَّةَ إِن صَدَقَ)).
وقال بعضُ الناسِ: في عشرينَ ومئةٍ بَعِيرٍ حِقَّتان، فإن أهلَكَها مُتَعَمِّداً أو وهَبَها أو احتالَ
فيها فراراً منَ الزکاةِ، فلا شيء عليه.
٦٩٥٧ - حدّثنا إسحاقُ، أخبرَنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن همَّام، عن أبي هريرةَ تُه،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّيِ: ((يكونُ كَنْزُ أحدِكم يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ، يَفِرُّ منه صاحبُهُ،
ويَطْلُبُه ويقول: أنا كَنْزُكَ. قال: والله لن يزالَ يَطلُبُهُ حتَّى يَبْسُطَ يدَه، فيُلْقِمَها فاهُ)).
٦٩٥٨ - وقال رسولُ الله ◌َّه: ((إذا ما رَبُّ النَّعَم لم يُعطِ حَقَّها، تُسَلَّطُ عليه يومَ القيامةِ فَتَخْبِطُ
وجهه بأخفافها».

٣٢٠
باب ٣/ح ٦٩٥٥ -٦٩٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال بعضُ الناسِ، في رجلٍ له إبلٌ فخافَ أن تَجِبَ عليهِ الصَّدَقَةُ فباعَها بإبلٍ مِثْلِها أو
بِغَنَمِ أو ببَقَرٍ أو بدراهمَ فِراراً منَ الصَّدَقةِ بيومٍ احتيالاً، فلا شيءَ عليه، وهو يقول: إن زَكَّى
إِبَلَه قبلَ أن يَحولَ الحَوْلُ بيومٍ أو سَنَةٍ جازَت عنه.
٦٩٥٩ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ليثٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ
عُتْبَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّه قال: استَفْتَى سَعْدُ بنُ عُبادةَ الأنصاريُّ رسولَ الله ◌َ لاَ فِي نَذْرٍ كان على أمِّه،
تؤُفِيَت قبلَ أن تَقْضِيَه، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اقضِه عنها)).
وقال بعضُ الناسِ: إذا بَلَغَتِ الإبلُ عشرينَ فِفِيها أربعُ شِياهٍ،/ فإن وهَبَها قبلَ الحَوْلِ أو
باعَها فِراراً أو احتيالاً لإسقاطِ الزكاةِ فلا شيءَ عليه، وكذلك إن أَتلَفَها فماتَ، فلا شيءَ عليه
في ماله.
٣٣١/١٢
قوله: (باب في الزكاة)) أي: تَرك الحيّل في إسقاطها.
قوله: ((وأن لا يُفرَّق بين مُجتَمِع ولا يَجمَع بين مُتَفرِّق خَشْبة الصَّدَقة)» هو لفظ الحديث
الأوَّل في الباب، وهو طَرَفٌ من حديثٍ طويل أورَدَه في الزكاة بهذا السَّند تامّاً ومُفرَّقاً(١)
وتقدّم شرحه هناك.
الحديث الثاني: حديث طلحة بن عُبيد الله: أنَّ أعرابيّاً جاء إلى رسول الله وَ له ثائرَ الرَّأْس،
الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٤٦) أوَّل الصَّحيح.
قوله: ((وقال بعض الناس: في عِشْرينَ ومئة بعير حِقَّتَان، فإن أهلَكَها مُتَعَمِّداً أو وهَبَها أو احتالَ
فيها فِراراً من الزكاة فلا شيء عليه)) قال ابن بَطّال: أجْمَعَ العلماء على أنَّ للمَرِ قبل الحول
التَّصَرُّفَ في ماله بالبيع والهِبة والذَّبح إذا(٢) لم يَنوِ الفِرار من الصَّدَقة، وأجمعوا على أنَّه إذا حالَ
الحول أنَّه لا يَحِلّ التَّحَيُّل بأن يُفرِّق بين مُجْتَمِع أو يجمع بين مُتَفَرِّق.
ثمَّ اختَلَفوا: فقال مالك: مَن فَوَّتَ من ماله شيئاً يَنوي به الفِرار من الزكاة قبل الحول
(١) انظر الأرقام (١٤٤٨) و(١٤٥٠) و(١٤٥١) و(١٤٥٣-١٤٥٥).
(٢) في (س): وإذا، بإقحام حرف الواو.