Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣ كتاب الديات وقد قال يحيى بن عمر: لو بَلَغَ مالكاً هذا الحديثُ لمَا خالَفَه، وكذا قال ابن بَطّال: لم يقع هذا الحديث لمالكٍ وإلّا لمَا خالَفَه، وقال الدَّاوُوديّ: لم يَروِه مالك لأنَّه من رواية أهل العراق، وقال أبو عبد الملك: كأنَّه لم يَصِحّ الحديث عنده لأنَّه أتى من قِبَلِ المشرق. قلت: وهو مسلَّم في حديث عمران، وأمَّا طريق يَعْلى بن أُميَّة فرواها أهل الحجاز، وحَمَلَها عنهم أهل العراق، واعتَذَرَ بعضُ المالكيَّة بفسادِ الزّمان، ونَقَلَ القُرطُبيّ عن بعض أصحابهم: إسقاطَ الضَّمان، قال: وضمَّنَه الشافعيُّ، وهو مشهور مذهب مالك. وتُعقِّبَ بأنَّ المعروف عن الشافعيّ أنَّه لا ضَمان، وكأنَّه انعَكَسَ على القُرطُبيّ. تنبيه: لم يتكلّم النَّويّ على ما وَقَعَ في رواية ابن سِيرِين عن عمران، فإنَّ مُقتَضاها إجراء القصاص في العَضّة، وسيأتي البحث فيه مع القِصاص في اللَّطْمة بعد بابين. وقد يقال: إنَّ العَضّ هنا إنَّما أُذِنَ فيه للتَّوصُّلِ إلى القِصاص في قَلْع السِّنّ، لكنَّ الجواب السَّديد في هذا أنَّه اسْتَفْهَمَه استفهام إنكارٍ، لا تقريرِ شَرْعٍ، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. وفي هذه القصّة من الفوائد التَّحذير من الغضب، وأنَّ مَن وَقَعَ له ينبغي له أن يَكظِمَه ما استَطاعَ، لأَنَّه أدَّى إلى سُقوط ثَنَّة الغَضبان، لأنَّ يَعْلى غَضِبَ من أجيره فضَرَبَه، فدَفَعَ الأجيرُ عن نفسه، فعَضَّه يَعْلى، فَنَزَعَ يدَه فسَقَطَت ثَيَّة العاضّ، ولولا الاسترسالُ مع الغضب لَسَلِمَ من ذلك. وفيه استئجار الحُرّ للخِدْمة وكِفاية مُؤنة العمل في الغَزو، لا ليقاتل عنه، كما تقدَّم تقريره في الجهاد (٢٩٧٣). وفيه رفعُ الجِناية إلى الحاكم من أجل الفَصْل، وأنَّ المرء لا يَقتَصّ لنفسِه. وأنَّ المتعَدّي بالجِناية يَسقُط ما ثَبَتَ له قبلها من جِناية إذا تَرَتَّبَت الثّانية على الأولى. وفيه جواز تشبيه فعل الآدميّ بفعلِ البَهيمة إذا وَقَعَ في مقام التَّنفير عن مِثل ذلك الفعل، وقد حكى الكِرْمانيُّ أنَّه رأى مَن صَخَّفَ قوله: ((كما يَقضَم الفُجْل)) بالجيم بَدَل الحاء المهمَلة، وحَمَلَه على البَقْل المعروف، وهو تصحیف قبيح. ٨٢ باب ١٩/ح ٦٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه دفع الصّائل، وأنَّه إذا لم يُمكِن الخلاصُ منه إلّا بچِنايةٍ على نفسه أو على بعض أعضائه، فَفُعِلَ به ذلك، كان هَدَراً، وللعلماءِ في ذلك اختلاف وتفصيل معروف. وفيه أنَّ مَن وَقَعَ له أمرٌ يأنَفُه أو يَحَتَشِم من نِسبته إليه إذا حكاه، كَنَى عن نفسه بأن يقول: فعل رجلٌ أو إنسانٌ أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وَقَعَ لَيَعْلى في هذه القصَّة، وكما وَقَعَ لعائشة حيثُ قالت: قَبَّلَ رسولُ اللهِوَّه امرأةً من نسائه، فقال لها عُرْوة: هل هي إلّا أنتِ؟ فتبسَّمَت(١). ١٩ - باب السِّنّ بالسِّنّ ٦٨٩٤- حدَّثنا الأنصاريُّ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ عُ: أنَّ ابنةَ النَّضْرِ لَطَمَت جاريةً، فَكَسَرَتِ ثَنِيَّتَها، فأتوا النبيَّ وَّةِ، فَأَمَرَ بالقِصَاص. ٢٢٤/١٢ قوله: ((باب السِّنّ بالسِّنّ)) قال ابن بَطّال: أجمعوا على قَلع السِّنّ بالسِّنِّ في العَمْد، واختَلَفوا في سائر عِظام الجسد، فقال مالك: فيها القَوَد إلّا ما كان مُجُوَّفاً، أو كان كالمأمومة والمنقَّلة والهاشمَة(٢)، ففيها الدِّية، واحتَجَّ بالآية، ووجه الدّلالة منها أنَّ شَرْع مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا إذا وَرَدَ على لسان نبيّنا بغير إنكار، وقد دَلَّ قوله: ((السِّنّ بالسِّنِّ)) على إجراء القصاص في العَظم، لأنَّ السِّنّ عَظم، إلّا ما أجمعوا على أن لا قِصاص فيه، إمّا لخوفٍ ذهاب النَّفْس، وإمّا لعَدَمِ الاقتدار على الماثلة فيه. وقال الشافعيّ واللَّيث والحنفيَّة: لا قِصاص في العَظم غيرَ السِّنّ، لأنَّ دونَ العَظْم حائلاً من جِلد ولحم وعَصَب، يَتَعذَّر معه المماثلة، فلو أمكنَت لَكَمنا بالقِصاص، ولكنَّه لا يَصِل إلى العَظم حتَّى يَنال ما دونه ممّا لا يُعرَف قَدْرُه. وقال الطَّحَاويّ: أنَّفَقوا على أنَّه لا قِصاصَ في عَظْمِ الرَّأس فليَلتَحِقِ بها سائرُ العِظام. (١) أخرجه أبو داود (١٧٩)، وابن ماجه (٥٠٢)، والترمذي (٨٦) لكن لفظه: فضحكت، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)) (٢٥٧٦٦). (٢) المأمومة: هي الشَّجَّة التي تصل إلى أمّ الدماغ لِشِدَّتها، والمنقَّلة: هي الشجة التي تَتَقَّل منها فَرَاش العظام، وهي ما رَقَّ منها، والهاشِمة: هي الشجة التي تَهْشِمُ العظم. ٨٣ باب ١٩/ح ٦٨٩٤ كتاب الديات وتُعقِّبَ بأنَّه قياس مع وجود النَّصّ، فإنَّ في حديث الباب أنَّهَا كَسَرَت الثَّنِيَّة فَأُمِرَت بالقِصاص، مع أنَّ الكسر لا تَطَرِد فيه الماثَلة. قوله: ((حدَّثْنا الأنصاريّ)) هو محمّد بن عبد الله، وسَّاه البخاريّ في روايته عنه هذا الحديثَ في تفسير سورة البقرة (٤٤٩٩). قوله: ((عن(١) مُميد، عن أنس)) في رواية التَّفسير (٤٤٩٩): حدَّثنا حُميد أنَّ أنساً حدَّثهم. قوله: ((أنَّ ابنة النَّضْر)) تقدَّم في التَّفسير (٤٥٠٠) بهذا السَّند عن أنس: أنَّ الرُّبَيِّع - بضمٌ أوَّله والتَّشديد - عَمَّته، وفي تفسير المائدة (٤٦١١) من رواية الفَزَاريِّ عن حُميد عن أنس: كَسَرَت الرُّبَيِّعُ عمّةُ أنس، ولأبي داود (٤٥٩٥) من طريق مُعتَمِر عن حُميد عن أنس: كَسَرَت الرُّبَيِّعُ أُختُ أنس بن النَّضر. قوله: ((لَطَمَت جاريةً، فَكَسَرَت ثَنَّتها)» وفي رواية الفَزَاريّ: جارية مِن الأنصار، وفي رواية مُعتَمِر: امرأةً، بَدَل: جاريةً، وهو يوضّح أنَّ المراد بالجارية المرأة الشّابّة لا الأمة الرَّقیقة. قوله: ((فأَتَّوا النبيّ ◌َِّ)) زاد في الصُّلح(٢) ومثله لابنِ ماجَهْ (٢٦٤٩) والنَّسائيِّ (٤٧٥٧) من وجه آخر (٣) عن أنس: فطلبوا إليهم العفو فأبَوْا، فعَرَضوا عليهم الأرش فأبَوا. أي: طلب أهل الرُّبِيِّع إلى أهل التي كَسَرَت ثَنِيَّتَها أن يَعفوا عن الكسر المذكور تَجّناً، أو على مال فامتَنَعوا. زاد في الصُّلح(٤): فأبَوْا إلّ القِصاص، وفي رواية الفَزَاريّ: فطلبَ القوم صلىالله(٥) القِصاصَ فأتَوْا النبيَّ ◌ِ(6). قوله: ((فأمَرَ بالقِصاص)) زاد في الصُّلح (٢٧٠٣): فقال أنس بن النَّضر ... إلى آخر ما حَكَيته (١) كذا وقع للحافظ بصيغة العنعنة، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: حدثنا حميد. (٢) هذا اللفظ المذكور في التفسير (٤٥٠٠)، وأما لفظ الصلح (٢٧٠٣) فهو: فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبوا. (٣) بل من طريق حميد عن أنس. (٤) بل في التفسير (٤٥٠٠). (٥) بل في التفسير (٤٥٠٠). : ٨٤ باب ١٩/ح ٦٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قريباً في ((باب القِصاص بين الرِّجال والنِّساء))(١). وقوله فيه: فَرَضِيَ القوم وعَفوا، وَقَعَ في رواية الفَزاريّ: فَرَضِيَ القوم فَقَبِلوا الأرش، وفي رواية مُعتَمِر: فَرَضُوا بأرشٍ أخذوه، وفي رواية مروان بن معاوية عن حُميد عند الإسماعيليّ: فَرَضِيَ أهلُ المرأة بأرشٍ أَخَذوه فعَفَوْا. فعُرِفَ أنَّ قوله: فعَفَوا، أي: على الدّية، زاد مُعتَمِر: فَعَجِبَ النبيّ ◌ََِّ، وقال: ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّه) أي: لَأَبَرَّ قَسَمَه. ووَقَعَ في رواية خالد الطَّحّان عن حُميد عن أنس في هذا الحديث عند ابن أبي عاصم(٣): ((كم من رجل لو أقسَمَ على الله لَأبَرَّه)). ووجه تَعَجُّبِه أنَّ أنس بن النَّضر أقسَمَ على نفي فعل غيره، مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكأن قضيَّة ذلك في العادة أن يَحِنَث في يمينه، فألهمَ الله الغيرَ العقْوَ فَبَرَّ قَسَمُ أنسٍ، وأشارَ بقولِه: ((إنَّ من عباد الله) إلى أنَّ هذا الاتّفاق إِنَّا وَقَعَ إكراماً من الله لأنسٍ ليُبِرَّ يمينَه، وأنَّه من جملة عباد الله الذينَ يُجيب دعاءًهم ويُعطيهم أرَبهم. واختُلِفَ في ضبط قوله وَّ: ((كتابُ الله القِصاصُ))، فالمشهور أنَّما مرفوعان على أنَّهما مُبْتَدَأ وخَبَر، وقيل: منصوبان على أنَّه ممَّا وُضِعَ فيه المصدَرُ موضعَ الفعل، أي: كَتَبَ الله القِصاص، أو على الإغراء، و((القِصاص)) بَدَل منه فيُنصَب، أو يُنصَب بفعلٍ محذوف، ويجوز رفعه بأن یکون خبر مُبتَدأ محذوف. واختُلِفَ أيضاً في المعنى، فقيلَ: المراد حُكم كتاب الله القصاصُ، فهو علی تقدیر حذف مُضاف، وقيل: المراد بالكتاب: الحُكمُ، أي: حُكم الله القِصاصُ، وقيل: أشارَ إلى قوله: ٢٢٥/١٢ ﴿وَالْجُرُوحَ / قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] [النحل: ١٢٦]، وقيل: إلى قوله: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾، وقيل: إلى قوله: ﴿وَأَلْسِنَّ بِالسِّنٍ﴾ [المائدة: ٤٥] في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ﴾ [المائدة: ٤٥]، بناءً على أنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يَرِد في شَرْعِنا ما يَرفَعه. (١) بين يدي الحديث (٦٨٨٦). (٢) في ((الديات)) ص ٦٢ - ٦٣. ٨٥ باب ٢٠/ح ٦٨٩٥ كتاب الديات وقد استُشكِلَ إنكارُ أنس بن النَّضر كسرَ سِنّ الرُّبَيِّع، مع سماعه من النبيّ وَِّ الأمرَ بالقِصاص، ثمَّ قال: أتْكسَرُ سِنّ الرُّبَيِّع؟ ثمَّ أقسَمَ أنَّها لا تُكسَر، وأُجيبَ بأنَّه أشارَ بذلك إلى التَّأكيد على النبيّ وَّه في طلب الشَّفاعة إليهم أن يَعفُوا عنها. وقيل: كان حَلِفه قبل أن يَعلم أنَّ القِصاص حَتْمٌ، فظنَّ أنَّه على التَّخيير بينه وبين الدّية أو العفو. وقيل: لم يُرِدِ الإنكار المحْض والردَّ، بل قاله تَوقُّعاً ورَجاءَ من فضل الله أن يُلْهم الخصومَ الرِّضا حتَّى يَعِفُوا، أو يقبلُوا الأرش، وبهذا جَزَمَ الطِّييُّ، فقال: لم يَقُله رَدّاً للحُكم، بل نَفَى وقوعَه لما كان له عند الله من اللُّطْف به في أُموره والثّقة بفضلِهِ أن لا يُحِّه فيما حَلَفَ به، ولا يُحْيِّب ظنَّه فيما أرادَه بأن يُلْهِمَهم العفوَ، وقد وَقَعَ الأمر على ما أرادَ. وفيه جواز الحَلِفِ فيما يُظَنّ وقوعُه، والثَّناء على مَن وَقَعَ له ذلك عند أمْنِ الفتنة بذلك عليه. واستحباب العفو عن القصاص، والشَّفاعة في العفو، وأنَّ الِخِيَرة في القصاص أو الدّية للمُستَحِقِّ على المستَحَقّ عليه. وإثبات القصاص بين النِّساء في الجِراحات وفي الأسنان. وفيه الصُّلح على الدّية. وجَرَيان القِصاص في كسر السِّنّ، ومحلّه فيما إذا أمكنَ التَّاثُل، بأن يكون المكسور مضبوطاً فيُرَد من سِنّ الجاني ما يُقابِله بالمِبرَدِ مثلاً، قال أبو داود في ((السُّنَن)) (بإثر ٤٥٩٥): قلت لأحمدَ: كيف؟ فقال: تَبرَد. ومنهم مَن ◌َلَ الكسرَ في هذا الحديث على القَلْع، وهو بعيدٌ من هذا السّياق. ٢٠ - باب دِيَة الأصابع ٦٨٩٥ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ لِّ، قال: ((هَذِه وهذه سواءٌ)). يعني: الخِنْصَرَ والإبهام. حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّ﴾، نحوَه. قوله: ((باب دية الأصابع)) أي: هل هي(١) مُستَوية أو مُخْتَلِفة؟ (١) لفظة ((هي)) سقطت من (س). ٨٦ باب ٢٠/ح ٦٨٩٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن ابن عبّاس، عن النبيّ وََّ، قال: هذه وهذه سواء. يعني: الخِنْصَرَ والإبهام)) في رواية النَّسائيِّ (٤٨٤٨) من طريق يزيد بن زُرَيع عن شُعْبة: الإبهام والخِنْصَر، وحَذَفَ لفظة: يعني، وزاد في روايةٍ عنه (٤٨٤٩): عَشْرٌ عَشْرٌ (١)، ولعليِّ بن الجَعْد(٢) عن شُعْبة عند(٣) الإسماعيليّ: وأشارَ إلى الخِنصَر والإبهام، وللإسماعيليِّ من طريق عاصم بن عليّ(٤) عن شُعْبة: دِيَّتُهما سواء، ولأبي داود (٤٥٥٩) من طريق عبد الصَّمَد بن عبد الوارث عن شُعْبة: ((الأصابع والأسنان سواء، الثَّيَّة والضِّرس سواء))، ولأبي داود (٤٥٦٠) والتِّرمِذيّ (١٣٩١) من طريق يزيد النَّحْويّ عن عِكْرمة، بلفظ: ((الأسنان والأصابع سواء)»، وفي لفظ: ((أصابع اليَدَينِ والرّجلَينِ سواء)) (٥). وأخرج ابن أبي عاصم من رواية يحيى القَطّان عن شُعْبة عن قَتَادة عن سعيد بن المسيّب(٦) قال: بعث(٧) مروان إلى ابن عبّاس يسأله عن الأصابع، فقال: قَضَى النبيُّ ◌َ ليه في اليد خمسين، وكلّ إصبع عَشْرٌ. (١) هذه الرواية الثانية عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة، وليست عن شعبة، ثم إنَّ كِلتا الروایتین المذکورتین لیزید بن زريع موقوفتان على ابن عباس. (٢) وهو في ((الجعديات)) لأبي القاسم البغوي (٩٩٢). (٣) تحرَّف في (س) إلى: عن. (٤) وهو أيضاً عند الطبراني في ((الكبير)) (١١٨٢٤) من هذه الطريق. (٥) هذا اللفظ الثاني هو لفظ الترمذي، والأول لفظ أبي داود. (٦) كذا ساق الحافظُ هذا الأثر بالإسناد المذكور إلى سعيد بن المسيب، وسبقه إلى ذلك شيخه ابن المُلقِّن في ((التوضيح)) ٣٨٧/٣١، مع أنَّ الذي في مطبوعتَي ((الديات))؛ طبعة الحاشدي ص ٧٠، وكذا في طبعة كراتشي ص٣٣ سياق هذا الأثر من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وقد جاء قبله في المطبوعتين حديث ابن عباس الذي في هذا الباب من طريق يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، فلعلَّ الحافظ أخذه عن شيخه ابن الملقِّن ويكون وقع سقط في نسخة ابن الملقِّن من كتاب ((الديات))، أو يكون حصل له انتقال نظر، والله أعلم. (٧) في (أ) و(س): بعثه، والمثبت من (ع) كالذي في مطبوع ((الديات)) لابن أبي عاصم. وهو أصح، فقد جاء عند مالك في ((الموطأ)) ٨٦٢/٢ ما يدل على أنَّ المبعوث لسؤال ابن عباس عن بعض مسائل الديات من قِبَل مروان أبو غطفان بن طريف المري، وسيذكره الحافظ قريباً. ٨٧ باب ٢٠/ح ٦٨٩٥ كتاب الديات وكذا في كتاب عَمْرو بن حَزْم عند مالك: في الأصابع عشر عشر، وسأذكر سنده، ولابنِ ماجَهْ (٢٦٥٣) من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه: ((الأصابع سواء، كلّهنَّ فيه عَشْر عَشْر من الإبل))، وفَرَّقَه أبو داود (٤٥٦٢ و ٤٥٦٤) حدیثین، وسنده جيّد. قوله: ((سمعت النبيّ وََّ، نحوه)) نزلَ المصنّف في هذا السَّند درجةً من أجل وقوع/ ٢٢٦/١٢ التَّصريح فيه بالسَّماع، وأمَّا قوله: نحوه، فقد أخرجه ابن ماجَهْ والإسماعيليّ من رواية ابن أبي عَديّ المذكورة بلفظ: ((الأصابع سواء))(١)، وأخرَجاه من رواية ابن أبي عَديّ أيضاً، لكن مقروناً به غُندَر والقَطّان بلفظ الرِّواية الأولى، لكن بتقديم الإبهام على الخِنصَر (٢). قال التِّرمِذيّ: العمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثَّوْريّ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاق. قلت: وبه قال جميع فقهاء الأمصار، وكان فيه خِلاف قديم، فأخرج ابن أبي شَيْبة (١٩٤/٩) من رواية سعيد بن المسيّب عن عمر: في الإبهام خمسةَ عشرَ، وفي السَّابة والوُسطَى عَشْر عَشْر، وفي البِنِصِر تِسع، وفي الخِنصَر ستّ، ومثله عن مجاهد (٩/ ١٩٥)، وفي ((جامع الثَّوْريّ)) عن عمر نحوه، وزاد: قال سعيد بن المسيّب: حتَّى وَجَدَ عمر في كتاب الدّيات العَمِرِو بن حَزْم: ((في كلّ إصبَع عشر) فَرَجَعَ إلیه. قلت: وكتاب عَمْرو بن حَزْم أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٨٤٩/٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه: أنَّ في الكتاب الذي كَتَبَه رسول الله وَّ لِعَمرو ابن حَزْم في العُقول: ((أنَّ في النَّفسِ مئةً من الإبل))، وفيه: ((وفي اليد خمسونَ، وفي الرِّجل خمسونَ، وفي كلّ إصبَع مَّا هُنالكَ عشرٌّ من الإبل)). ووَصَلَه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٥٨ و٢٥٩) والنَّسائُّ (٤٨٥٣) من وجه آخر عن أبي (١) لم يخرجه ابن ماجه باللفظ المذكور من طريق ابن أبي عدي، وإنما أخرجه من طريق ابن أبي عدي (٢٦٥٢) بلفظ رواية البخاري. (٢) رواية ابن ماجه كرواية البخاري تماماً، بتقديم الخنصر. ٨٨ باب ٢٠/ح ٦٨٩٥ فتح الباري بشرح البخاري بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه عن جَدِّه مُطوَّلاً، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٥٥٩)، وأعَلَّه أبو داود والنَّسائيّ. وأخرج عبد الرَّزّاق (١٧٧٠٧) عن مَعمَر عن هشام بن عُرْوة عن أبيه: في الإبهام والتي تليها نصف دية اليد، وفي كلّ واحدة عَشْر، وأخرج ابن أبي شَيْبة عن مجاهد نحو أثر عمر (٩/ ١٩٥)، إلّا أنَّه قال: في البِنِصِر ثمانٍ وفي الخِنصَر سبع. ومن طريق الشَّعْبيّ: كنت عند شُرَيح فجاءه رجل فسألَه فقال: في كلّ إصبَع عشر، فقال: سبحان الله هذه وهذه سواءٌ: الإبهام والخِنصَر! قال: ويحك! إنَّ السُّنّة مَنَعَت القياس، اتّبع ولا تبتدع، وأخرجه ابن المنذر(١) وسنده صحيح. وأخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٨٦٢): أنَّ مروان بَعَثَ أبا غَطَفان المُرِّي إلى ابن عبَّاس: ماذا في الفِّرس؟ فقال: خمسٌ من الإبل، قال: فَرَدَّني إليه: أتجعَلُ مُقدَّم الفَم مِثل الأضراس؟ فقال: لو لم تَعتَبِرِ ذلك إلّا في الأصابع عقلُها سواءٌ. وهذا يقتضي أن لا خِلَاف عند ابن عبَّاس ومروان في الأصابع، وإلّا لكان في القياس المذكور نظر. قال الخطَّبيُّ: هذا أصل في كلّ جِناية لا تُضبَط كَمّيَّتها، فإذا فات ضبطُها من جهة المعنى اعتُبِرَت من حيثُ الاسم، فَتَتَساوى دِيَتُها وإن اختَلَفَ حالها ومَنفَعَتها ومَبلَغ فعلها، فإنَّ للإبهام من القوّة ما ليس للخِنصَرِ، ومع ذلك فديتُهما سواء، ومثله: في الجنين غُرّة سواء كان ذَكَراً أو أُنْثَى، وهكذا القول في المَواضِحِ(٢) ديَتُها سواء ولو اختلفت في المساحة، وكذلك الأسنانُ نَفعُ بعضها أقوى من بعض وديتها سواء نظراً للاسم فقط. وأمّا ما أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٨٦٠) عن ربيعة: سألت سعيد بن المسيّب: كم في إصبَع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي إصبعينٍ؟ قال: عشرونَ، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثونَ، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرونَ. قلت: حين عَظُمَ جُرحها واشتَلَّت مُصيبَتها نَفَصَ (١) وهو أيضاً عند الدارمي (١٩٨) من طريق أبي بكر الهُذَلي عن الشعبي، فإن كان إسنادُ ابن المنذر غيرَ إسناد الدارمي وإلّا فأبوبكر الهُذَلي متروك الحديث. (٢) هو جمع المُوضِحة، وهي الشَّجَّة التي تُبدي وضح العِظام في الرأس والوجه. ٨٩ باب ٢١/ح ٦٨٩٦-٦٨٩٧ كتاب الديات عقلُها؟! قال: يا ابن أخي هي السُّنّة. فإنَّما قال ذلك لأنَّ دية المرأة نصف دية الرجل، لكنَّها عنده تُساويه فيما كان قَدر ثُلُث الدّية فما دونه، فإذا زاد على ذلك رَجَعَت إلى حُكم النّصف. ٢١ - باب إذا أصاب قومٌ من رجلٍ، هل يُعاقَب، أو يُقْتَصّ منهم كلَّهم؟ وقال مُطرِّفٌ عن الشَّعْبِيِّ في رجلَينِ شَهِدا على رجلٍ أَنَّه سَرَقَ، فقطَعَه عليٌّ، ثمَّ جاءا بآخَرَ فقالا: أخطأْنا، فأبطَلَ شهادتهما، وأُخِذا بدِيَةِ الأوَّلِ، وقال: لو عَلِمتُ أنَّكما تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكما. ٦٨٩٦ - وقال لي ابنُ بشَّارٍ: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: ٢٢٧/١٢ أنَّ غلاماً قُتِلَ غِيلةً، فقال عمرُ: لو اشتَرَكَ فيها أهلُ صَنْعَاءَ لَقَتَكُتُهم. وقال مُغِيرةُ بنُ حَكِيمٍ، عن أبيه: إنَّ أربعةً قتلوا صَبِيّاً، فقال عمر، مِثْلَه. وأقادَ أبو بكرٍ ، وابنُ الزُّبَيرِ، وعليٌّ، وسُوَيدُ بنُ مُقَرٍِّ من لَطْمٍ. وأقادَ عمرُ من ضَرْبةٍ بالدِّرّةِ. وأقادَ عليٌّ من ثلاثةِ أسواطٍ. واقتَصَّ شُرَيحٌ من سَوْطٍ وُوشٍ. ٦٨٩٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثنا موسى بنُ أبي عائشةَ، عن عُبيدِ الله ابن عبدِ الله، قال: قالت عائشةُ: لَدَدْنا رسولَ اللهِوَّه في مرضِه، وجَعَلَ يُشِيرُ إلينا: لا تَلُدّوني، قال: فقلنا: كراهيةَ المريضِ بالدَّواءِ، فلمَّا أفاقَ قال: ((ألم أَنْهَكم أن تَلُدّوني؟)) قال: قلنا: كراهيةً للدَّواءِ، فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((لا يَبقَى منكم أحدٌ إلا لَُّّ وأنا أَنظُرُ إلا العبَّاسَ، فإنَّه لم يَشهَدْكم». قوله: ((باب إذا أصاب قومٌ من رجل هل يُعاقَب)) كذا للأكثر، وفي رواية: يُعاقبونَ، بصيغة الجمع، وفي أُخرى بحذفِ النُّون وهي لُغة ضعيفة. وقوله: ((أو يُقْتَصّ منهم كلِّهم)) أي: إذا قتل أو جَرَحَ جماعةٌ شخصاً واحداً هل يجب القِصاص على الجميع، أو يَتَعَّن واحِدٌ (١) ليُقْتَصّ منه، ويُؤخَذ من الباقينَ الدّية؟ فالمراد بالمعاقَبة (١) في (س): واحداً، بالنصب، وما في الأصلين بالرفع، وهو الوجه. ٩٠ باب ٢١/ح ٦٨٩٦ -٦٨٩٧ فتح الباري بشرح البخاري هنا المكافأة، وكأنَّ المصنّف أشارَ إلى قول ابن سِيرِين فيمَن قتله اثنان: يُقتَل أحدُهما ويُؤخَذ من الآخر الدّية، فإن كانوا أكثرَ وُزِّعَت عليهم بقيَّة الدّية، كما لو قتله عَشَرَة، فَقُتِلَ واحد، أُخِذَ من كلِّ واحد (١) من التِّسعة تُسع الدّية، وعن الشَّعبي: يقتل الوليُّ مَن شاءَ منهما أو منهم إن كانوا أكثرَ من واحد، ويَعفو عمَّن بَقِيَ، وعن بعض السَّلَف: يَسقُطِ القَوَد وتَتَعيَّن الدّية، حُكيَ عن رَبيعة وأهل الظّاهر. وقال ابن بَطّال: جاء عن معاوية وابن الزُّبَير والزُّهريّ مِثل قول ابن سِيرِين، وحُجّة الجمهور أنَّ النَّفس لا تَتَبَعَّض فلا يكون زُهوقُها بفعلِ بعض دونَ بعض، فكان كلٌّ منهم قاتلاً، ومثله لو اشتَرَكوا في دفع (٢) حَجَر على رجل فقَتَلَه، فإنَّ كلّ واحدٍ منهم دافع(٣)، بخِلَاف ما لو اشتَرَكوا في أكل رَغيف، فإنَّ الرَّغیف یَتْبَغَّض حِسّاً ومعنَى. قوله: ((وقال مُطرّف عن الشَّعْبِيّ في رجلَينِ شَهِدا على رجل ... )) إلى آخره، وَصَلَه الشافعيّ (٧/ ١٩١) عن سفيان بن عُيَنَةَ عن مُطرِّف بن طَرِيف عن الشَّعْبِيّ: أنَّ رجلَينِ أتيا عليّاً فشَهِدا على رجل أنَّه سَرَقَ فقطَعَ يده، ثمَّ أتياه بآخرٍ، فقالا: هذا الذي سَرَقَ وأخطَأْنا على الأوَّل، فلم يُحِزِ شهادتَهما على الآخر، وأغرَمَهما ديةَ الأوَّل، وقال: لو أعلمُ أنَّكما تَعَمَّدتما لَقَطَعَتْكما. ولم أقِف على الشّاهدَينِ ولا على اسم المشهود عليهما. وعُرِفَ بقولِه: ولم يُجِزِ شهادتَهما(٤) على الآخر، المرادُ بقولِه في رواية البخاريّ: فأبطَلَ شهادتهما، ففيه تَعقُّب على مَن ◌َ الإبطال على شهادتِهما معاً، الأُولى لإقرارهما فيها بالخطأ، والثّانية لكَونِما صارا مُتَّهَمَين، ووجه التَّعَقُّب أنَّ اللَّفظ وإن كان مُحْتَمَلاً لكنَّ الرّواية الأُخرى عَيَّنَت أحد الاحتمالَين. (١) قوله: ((من كلِّ واحدٍ)) سقط من (س)، وبسقوطه يفسد المعنى. (٢) تحرَّف في (س) إلى: رفع. (٣) المثبت من (ع)، وفي (أ): دَفَعَ، وتحرَّف في (س) إلى: رفع. (٤) تحرَّف في (س) إلى: شهادتیھما. ٩١ باب ٢١/ح ٦٨٩٦ -٦٨٩٧ كتاب الديات قوله: ((وقال لي ابن بشَّار)) هو محمَّد المعروف بُنْدارِ، ويحيى: هو القَطّان، وُبيد الله: هو ابن عمر العمريّ. قوله: ((أنَّ غلاماً قُتِلَ غِيلة)) بكسر الغَين المعجمة، أي: سِرّاً ((فقال عمر: لو اشتَرَكَ فيها)) في رواية الكُشمِيهنيّ: فيه، وهو أوجَهُ، والتَّأنيث على إرادة النَّفس، وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصحِّ إسنادٍ، وقد أخرجه ابن أبي شَيْبة (٩/ ٣٤٧) عن عبد الله بن نُمَير عن يحيى القَطّان من وجه آخر عن نافع، ولفظه: أنَّ عمر قتل / سبعةً من أهل صنعاء برجلٍ ... إلى ٢٢٨/١٢ آخره، وأخرجه ((الموطَّأ))(١) (٢/ ٨٧١) بسندٍ آخر قال: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمر قتل خمسةً - أو ستّةً - برجلٍ قتلوه غِيلةً، وقال: لو تَالَأ عليه أهل صنعاء لَقَتَلتهم جميعاً، ورواية نافع أوصَلُ وأوضَح، وقوله: تَمالًا، بهمزةٍ مفتوحة بعد اللّام، ومعناه: تَوافَقَ، والأثر مع ذلك مختصر من الذي بعده. قوله: ((وقال مُغيرة بن حَكيم عن أبيه)) إلى آخره، هو مختصر من الأثر الذي وَصَلَه ابن وهب(٢) ومن طريقه قاسم بن أصبَغَ والطَّحَاويّ(٣) والبيهقيّ (٤١/٨)، قال ابن وهب: حدَّثني جَرِير بن حازم أنَّ المغيرة بن حَكيم الصَّنعانيَّ حدَّثه عن أبيه: أنَّ امرأة بصنعاء غابَ عنها زوجُها، وتَرَكَ في حجرها ابناً له من غيرها غلاماً يقال له: أصِيل، فاَّخَذَت المرأةُ بعد زوجها خليلاً، فقالت له: إنَّ هذا الغلام يَفضَحُنا فاقتُله فأبَى، فامتَنَعَت منه، فطاوعَها، فاجتَمَعَ على قتل الغلام الرجلُ ورجلٌ آخرُ والمرأةُ وخادِمُها، فقتلوه ثمَّ قَطَّعوه أعضاءً وجَعَلوه في عَيْبة - بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة ثمَّ موخَّدة مفتوحة: هي وِعاءٌ من أَدَمِ - فطَرَحوه في رَكِيَّة - بفتح الرَّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتائيَّة: هي البئر التي لم تُطْوَ - في ناحية القرية ليس فيها ماء، فذكر القصَّة، وفيه: فَأَخِذَ خليلُها فاعتَرَفَ، ثمَّ اعتَرَفَ (١) كذا جاء في الأصلين و(س) بنسبة التخريج للموطأ، وهو تعبير شائع، أكثر من استعماله ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)) وهي نسبة مجازية. (٢) في ((جامعه)) (٤٨٨). (٣) لم نقف عليه في شيء من كتب الطحاوي المطبوعة. ٠ ٩٢ باب ٢١/ح ٦٨٩٦-٦٨٩٧ فتح الباري بشرح البخاري الباقونَ فَكَتَبَ يَعْلى - وهو يومئذٍ أميرٌ - بشأنِهِم إلى عمر، فَكَتَبَ إليه عمرُ بقتلهم جميعاً، وقال: والله لو أنَّ أهل صنعاء اشتَرَكوا في قتله لَقَتَلتهم أجمعينَ. وأخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((التَّرهيب)) من وجه آخر عن جَرِير بن حازم، وفيه: فكَتَبَ يَعْلى بن أُميَّة عامل عمر على اليمن إلى عمر فكَتَبَ إليه، نحوه. وفي أثر ابن عمر هذا تَعقّبٌّ على ابن عبد البَرِّ في قوله: لم يَقُل فيه: أَنَّه قُتِلَ غِيلة إلّا مالك. ورُوِّينا نحو هذه القصَّة من وجه آخر عند الدّارَ قُطنيِّ (٣٤٦٤) وفي ((فوائد أبي الحسن ابن رزقويه))(١) بسندٍ جَيِّد إلى أبي المهاجِر عبد الله بن عُمَيرةَ من بني قيس بن ثَعْلبة قال: كان رجل يُسابق الناس كلّ سنةٍ بأيامٍ، فلمَّا قَدِمَ وَجَدَ مع وليدَتِهِ سبعةَ رجالٍ يَشرَبونَ، فأخَذوه فقَتَلوه، فذكر القصَّةَ في اعترافهم، وكتاب الأمير إلى عمرَ، وفي جوابِهِ: أن اضرِب أعناقهم واقتُلها معهم، فلو أنَّ أهل صنعاء اشتَرَكوا في دمه لَقَتَلْتهم. وهذه القصّة غير الأولى وسنده جيّد، فقد تَكَرَّرَ ذلك من عمر، ولم أقف على اسم واحد ممَّن ذُكِرَ فيها إلّا على اسم الغلام في رواية ابن وهب، وحَكيمٌ والدُ المغيرة صنعانيّ لا أعرِف حاله ولا اسم والده، وقد ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين. قوله: ((وأقادَ أبو بكر وابن الزُّبَير وعليّ وسويد بن مُقَرِّن من لَطْمة، وأقادَ عمر من ضَرْبة بالدِّرّةِ، وأقادَ عليّ من ثلاثة أسواط، واقتَصَّ شُرَيح من سَوْط وحُوش)) أمَّا أثر أبي بكر - وهو الصِّدّيق - فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٤٦/٩) من طريق يحيى بن الحُصَين سمعت طارق بن شِهاب يقول: لَطَمَ أبو بكر يوماً رجلاً لَطْمة، فقيلَ: ما رأَينا كاليوم قَطُّ مَنَعَه(٢) وَلَطَمَه! فقال أبو بكر: إنَّ هذا أتاني ليَستَحمِلَني فحَمَلْتُه، فإذا هو يبيعُهم(٣)، فحَلَفت أن لا أحمِله ثلاث مرَّات، ثمَّ قال له: اقتَصَّ، فعَفا الرجل. (١) تحرف في (س) إلى: زنجويه. (٢) تحرف في (س) إلى : هنعة. (٣) في (ع) و(س): يمنعهم، والمثبت من (أ)، وهو الموافق لما في ((المصنف)) وغيره ممن خرَّج الخبر، كابن زنجويه في ((الأموال)) (٩٠٣)، والطحاوي في ((شرح المشكل)) بإثر الحديث (٣٥٢٧). ٩٣ باب ٢١/ح ٦٨٩٦-٦٨٩٧ كتاب الديات وأمَّا أثر ابن الزُّبَير فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٤٥/٩-٤٤٦) ومُسدَّد جميعاً عن سفيان بن عُيَينَةَ عن عَمْرو بن دينار: أنَّ ابن الزُّبَيرِ أقادَ من لَطمة. وأمَّا أثر عليّ الأوَّل فأخرجه ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٤٥) من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه: أنَّ عليّاً أُتيَ في رجل لَطَمَ رجلاً، فقال للمَلطوم: اقتَصَّ. وأمَّا أثر سويد بن مُقَرِّن فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة من طريق الشَّعْبِيّ عنه(١). وأمَّا أثر عمر فأخرجه ((الموطَّا)) عن عاصم بن عُبيد الله عن عمر مُنقَطِعاً، ووَصَلَه عبد الرَّزّاق(٢) عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنتُ مع عمر بطريق مكّة، فقال(٣) تحت شجرة، فناداه رجل، فضَرَبَه بالدِّرّة، فقال: عَجِلتَ عليَّ، فأعطاه المِخِفَقة، وقال: اقْتَصَّ، فأبى، فقال: لَتَفْعَلَنَّ، قال: فإنّ أغفِرِها. وأمَّا أثر عليّ الثّاني فأخرجه ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٤٧) وسعيد بن منصور من طريق فُضَيلٍ بن عَمْرو عن عبد الله بن مَعقِل - بكسر القاف - قال: كنت عند عليّ فجاءه رجل فسارَّه، فقال: يا (١) لم نقف عليه من هذا الطريق عند ابن أبي شيبة والظاهر أنَّ ذكر ابن أبي شيبة سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ ابن الملَّقن عزاه في ((التوضيح)) ٣٩٧/٣١ لوكيع، وفاتهما ما رواه مسلم (١٦٥٨) (٣١) من طريق معاوية بن سويد بن مقرّن، قال: لطمتُ مولى لنا فهربتُ ... وفيه: فدعاه ودعاني، ثم قال: امتثِل منه فعفا. (٢) كذا نسب الحافظ رحمه الله أثر عمر هذا للموطأ ولعبد الرزاق، وسبقه إلى ذلك ابن كثير في «مسند الفاروق)) ٤٥٢/٢-٤٥٣، فنسبه لأصحاب الموطآت، ولم نقف عليه في شيء من روايات ((الموطأ)) التي بأيدينا، وفي في ((مصنف عبد الرزاق)) لكن وقع في ((موطأ أبي مصعب)) (٢١٦٥) عن مالك عن هشام عن عاصم بن عبيد الله: أنَّ رجلاً أحدَّ شفرة وقد أخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدّرّة، وقال: أتعذّب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها. كذا رواه ليس فيه ذكر الاقتصاص، وقد أخرجه البيهقي أيضاً ٩/ ٢٨٠ من طريق ابن بكير عن مالك عن عاصم، دون ذكر هشام، وليس فيه ذكر الاقتصاص أيضاً، وقد جاء ذكر الاقتصاص في رواية أخرجها الطبراني في ((الكبير)) (٣٠٩)، وعنه أبو نعيم في ((تثبيت الإمامة)) (١٢١) من طريق سعيد بن المسيب بإسناد صحيح إليه، قال: خرجت جارية لسعد يقال لها: زيرا، وعليها قميص جديد، فكشفتها الريح، فشدَّ عليها عمر ه بالدرة، وجاء سعد ليمنعه، فتناوله بالدِّرّة، فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله عمر الدرة، وقال: اقتصَّ، فعفا عن عمر رضي الله عنهما. (٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: فبال. وقالَ من القيلولة، وليس من القول، والمخفقة: ما يُضرب به من سَوط وغيره. ٩٤ باب ٢١/ح ٦٨٩٦-٦٨٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قَنَبَرُ، اخرُج فاجلِد هذا، فجاء المجلود، فقال: إنَّه زاد عليَّ ثلاثة أسواط، فقال: صَدَقَ، قال: خُذ السَّوط فاجلِده ثلاثةَ أسواط، ثمَّ قال: يا قَنَبَرَ، إذا جَلَدتَ فلا تَتَعدَّ الحدود. وأمَّا أثر شُرَيح فَوَصَلَه ابن سعد (١٣٨/٦) وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ، قال: جاء رجل إلى شُرَيح، فقال: أقِدني من جِلْوازِك، فسألَه، فقال: ازدَحَموا عليك، فضَرَبته سَوطاً، فأقاده منه. ومن طريق ابن سِيرِين(١) قال: اختَصَمَ إليه - يعني شُرَيحاً - عبدٌ جَرَحَ حُرّاً، فقال: إن شاءَ اقتصّ منه. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٤٥) من طريق أبي إسحاق عن شُرَيح: أنَّه أقادَ من لَطْمة. ومن وجه آخر عن أبي إسحاق عن شُرَيح: أنَّه أقادَ من لَطْمة وُوش. والخُموش، بضمِّ المعجَمة: الحُدوش وزنه ومعناه، والخُماشة: ما ليس له أرش معلوم من الجِراحة. والجِلْواز: بكسر الجيم وسكون اللّام وآخره زاي: هو الشُّرْطيّ، سُمّيَ بذلك لأنَّ من شأنه حَمْلَ الجِلاز - بكسر الجيم وباللّام الخفيفة - وهو السَّير(٢) الذي يُشَدّ في السَّوط، وعادة الشُّرْطيّ أن يَربِطه في وَسَطه. قال ابن بَطّال: جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر، وهو قول الشَّعْبيّ وطائفة من أهل الحديث، وقال اللَّيث وابن القاسم: يُقاد من الضَّرب بالسَّوطِ وغيره إلّا اللَّطمة في العين، ففيها العُقوبة خَشْيَةً على العين. والمشهور عن مالك وهو قول الأكثر: لا قَوَد في اللَّطمة إلّا إن جَرَحَت، ففيها حُكومة، والسَّب فيه تَعذُّر الماثلة لافتِراق لَطمَتَي القويّ والضَّعيف، فيجب التَّعزير بما يَلِيق باللّاطم. وقال ابن القَيِّم: بالَغَ بعض المتأخّرين، فَقَلَ الإجماع على عَدَمِ القَوَد في اللَّطْمة والضَّرْبة، وإنَّما يجب التَّعزير، وذَهَلَ في ذلك، فإنَّ القول بجَرَيَان القَوَد في ذلك ثابت عن الخلفاء (١) وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٢٤٤. (٢) هو ما يُقدُّ من الجلد. ٩٥ باب ٢٢/ح ٦٨٩٨ كتاب الديات الرَّاشدين، فهو أولى بأن يكون إجماعاً، وهو مُقتَضى إطلاق الكتاب والسُّنّة. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عائشة في اللُّدود، وقد مضى القول فيه في ((باب القصاص بين الرِّجال والنّساء)» (٦٨٨٦)، وأنَّه ليس بظاهرٍ في القصاص، لكنَّ قوله في آخره: ((إلّا العبَّاس، فإنَّه لم يَشْهَدكم)) قد يَتَمسَّك(١) به مَن قال: إنَّه فعَلَه قِصاصاً لا تأديباً. قال ابن بَطّال: هو حُجّة لمن قال: يُقاد من اللَّطْمة والسَّوط، يعني: ومُناسَبة ذِكْر ذلك في ترجمة القصاص من الجماعة للواحدٍ ليست ظاهرةً. وأجابَ ابن المنيِّر: بأنَّ ذلك مُستَفاد من إجراء القصاص في الأُمور الحقيرة، ولا يُعدَل فيها عن القِصاص إلى التَّأديب، فكذا ينبغي أن يُجُرَى القِصاص على المشتَرِكينَ في الجِناية، سواء قَلُّوا أم كَثُروا، فإنَّ نَصيب كلّ منهم عظيم معدود من الكبائر، فكيف لا يُجرَی فیه القصاص، والعلم عند الله تعالى. ٢٢ - باب القَسَامة وقال الأشعَثُ بنُ قيسٍ: قال النبيُّ ◌َّ: ((شاهِداكَ أو يَمِينُ)). وقال ابنُ أبي مُلَيكةً: لم يُقِدْ بها معاويةٌ. وكَتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى عَدِيٍّ بنِ أرْطاةَ - وكان أمَّرَه على البَصْرةِ - في قَتِيلِ وُجِدَ عندَ بيتٍ من بيوتِ السَّانِينَ: إن وَجَدَ أصحابُهُ بَيِّنَةً، وإلّا فلا تَظْلِم الناسَ، فإنَّ هذا لا يُقْضَى فيه إلى يوم القيامةِ. ٦٨٩٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سعيدُ بنُ عُبيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ يَسارٍ، زَعَم أنَّ رجلاً منَ الأنصار يقال له: سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ أخبره: أنَّ نَفَراً من قومِه انطَلَقوا إلى خَيبرَ فتَفَرَّقوا فيها، فَوَجَدُوا أحدَهم قَتِيلاً، وقالوا للَّذي وُجِدَ فيهم: قد قَتَلْتُم صاحبَنا، قالوا: ما قَتَلْنا، ولا عَلِمْنا قائلاً، فانطَلَقوا إلى رسُولِ الله وََّ، فقالوا: يا رسولَ الله، انطَلَقْنا إلى خَييرَ فوَجَدْنا أحدَنا قَتِيلاً، فقال: ((الكُبْرَ الكُبْرَ))، فقال لهم: ((تَأْتُونَ بالبيَِّةِ على مَن قَتَلَه؟» قالوا: ما لنا / بيِّنَةٌ، قال: ((فَيَحلِفونَ؟)) ٢٣٠/١٢ (١) تحرَّف في (س) إلى: فقد تمسّك. ٩٦ باب ٢٢/ح ٦٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري قالوا: لا نَرْضَى بأيمان اليهودِ، فَكَرِهَ رسولُ الله ◌َّهِ أَن يُطَلَّ دَمُه، فَوَدَاه مئةً من إِيلِ الصَّدَقةِ. ٢٣١/١٢ قوله: ((باب القَسامة)) بفتح القاف وتخفيف المهمَلة: هي مصدر أقسَمَ قَسَماً وقَسامةً، وهي الأَيْمان تُقسَم على أولياء القتيل إذا اذَّعَوا الدَّم، أو على المُدَّعَى عليهم الدَّمُ، وخُصَّ القَسَمُ على الدَّمِ بلفظ القَسامة، وقال إمام الحرمين: القَسامة عند أهل اللّغة: اسم للقوم الذينَ يُقْسِمونَ، وعند الفقهاء: اسم للأيمان. وقال في ((المُحكَم)): القَسامة: الجماعة يُقسِمونَ على الشَّيء أو يَشْهَدونَ به، ویمین القَسامة منسوب إليهم، ثمَّ أُطلِقَتِ على الأيمان نفسها. قوله: ((وقال الأشعَث بن قيس: قال النبيّ ◌َّ: شاهداك أو يَمينُه)) هو طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً تاماً في كتاب الشَّهادات (٢٦٦٩ و٢٦٧٠)، ثمَّ في كتاب الأيمان والنُّذور مع شرحه (٦٦٧٦ و٦٦٧٧)، وأشارَ المصنِّف بذِكْرِه هنا إلى ترجيح رواية سعيد بن عُبيد في حديث الباب: أنَّ الذي يَبدَأ في يمين القَسامة المدَّعَى عليهم، كما سيأتي البحث فيه. قوله: ((وقال ابن أبي مُلَيكة: لم يُقِد)) بضمٍّ أوَّله والقاف: مِن أقادَ: إذا اقتَصَّ، وقد وَصَلَه حمّاد بن سَلَمة في ((مُصنَّفه))، ومن طريقه ابن المنذر، قال حمّاد: عن ابن أبي مُلَيكة: سألَني عمر بن عبد العزيز عن القَسامة، فأخبرته أنَّ عبد الله بن الزُّبَير أقادَ بها، وأنَّ معاوية - يعني ابن أبي سفيان - لم يُقِد بها، وهذا سند صحيح. وقد تَوقَّفَ ابن بطّال في ثُبوته، فقال: قد صحَّ عن معاوية أنَّه أقادَ بها، ذكر ذلك عنه أبو الزِّناد في احتجاجه على أهل العراق. قلت: هو في ((صحيفة عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد)) عن أبيه، ومن طريقه أخرجه البيهقيُّ (١٢٧/٨) قال: حدَّثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قتل رجلٌ من الأنصار رجلاً من بني العَجْلان، ولم يكن على ذلك بيِّةٌ ولا لَطْخ، فأجمَعَ رأي الناس على أن يَحِلِف ◌ُلاة المقتول، ثمَّ يُسلم إليهم فيقتلوه، فرَكِبتُ إلى معاوية في ذلك فكَتَبَ إلى سعيد بن العاص: إن كان ما ذكره حقّاً فافعل ما ذَكَروه، فدَفَعت الكتاب إلى سعيد، فأحلَفَنا خمسين يميناً، ثمَّ أسلَمَه إلينا. ٩٧ باب ٢٢/ ح ٦٨٩٨ كتاب الديات قلت: ويُمكِن الجمع بأنَّ معاوية لم يُقِد بها لمَّا وَقَعَت له وكان الحَكَمَ في ذلك، ولمَّا وَقَعَت لغيره وكَلَ الأمر في ذلك إليه، ونُسِبَ إليه أنَّه أقادَ بها لكَونِه أذِنَ في ذلك. وقد تَسَّكَ مالك بقولِ خارجة المذكور، فأطلقَ أنَّ القَود بها إجماع، ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القَود بها ثمَّ رَجَعَ عن ذلك أو/ بالعكس. ٢٣٢/١٢ وقد أخرج الكرابيسيّ في ((أدب القضاء)(١) بسندٍ صحيح عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب قصَّة أُخرى قَضَى فيها معاوية بالقَسامة، لكن لم يُصرِّح فيها بالقتل، وقصَّة أُخرى لمروان قَضَى فيها بالقتل، قال: وقَضَى عبد الملك بن مروان بمثلِ قضاء أبيه. قوله: ((وكَتَبَ عمر بن عبد العزيز)) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم حدَّثنا حُميدٌ الطّويل، قال: كَتَبَ عَديّ بن أرطاةَ إلى عمر بن عبد العزيز في قتيل وُجِدَ في سُوق البصرة، فكَتَبَ إليه عمر رحمه الله: إنَّ من القضايا ما لا يُقضَى فيه إلى يوم القيامة وإنَّ هذه القضيّة لَنْهُنَّ. وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن حُميد قال: وُجِدَ قتيلٌ بين قُشَيرٍ وعايش فَكَتَبَ فيه عَديّ بن أَرْطاة إلى عمر بن عبد العزيز، فذكر نحوه، وهذا أثر صحيح. وعَدِيّ بن أَرْطاةَ بفتح الهمزة وسكون الرَّاء بعدها مُهمَلة، وهو فَزَاريّ من أهل دِمَشق. قوله في الأثر المعلَّق: ((وكان أَمَّرَه)) بالتَّشديد (على البَصْرة)). قلت: كانت ولاية عمر بن عبد العزيز لعَديٍّ على إمرة البصرة سنة تسع وتسعين، وذكر خليفةُ: أنَّه قُتِلَ سنة ثِنْتَينِ ومئة. وقوله: ((من بيوت السَّانينَ)) بتشديد الميم، أي: الذينَ يبيعونَ السَّمن. وقد اختُلِفَ على عمر بن عبد العزيز في القَوَد بالقَسامة كما اختُلِفَ على معاوية، فذكر ابن بَطّال: أنَّ في ((مُصنَّف حمّاد بن سَلَمة)) عن ابن أبي مُلَيكة: أنَّ عمر بن عبد العزيز أقادَ بالقَسامة في إمرَته على المدينة. قلت: ويُجمَع بأنَّه كان يرى بذلك لمَّا كان أميراً على المدينة، ثمَّ رَجَعَ لمَّا وليَ (١) وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٢٦١). ٩٨ باب ٢٢/ح ٦٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري الخلافة، ولعلَّ سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصَّة أبي قِلَابَةَ، حيثُ احتَجَّ على عَدَم القَود بها، فكأنَّه وافَقَه على ذلك. وأخرج ابن المنذر (١) من طريق الزّهْريّ قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: إنّ أُريدُ أن أَدَعَ القَسامة، يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا، فيَحِلِفونَ على ما لا يَرَونَ، فقلت: إنَّك إن تَترُكها يوشِك أنَّ الرجل يُقتَلُ عند بابك فيُطَلُّ دَمُه، وإنَّ للنّاس في القَسامة لَحَياةً. وسَبَقَ عمرَ بنَ عبد العزيزِ إلى إنكار القَسامة سالم بنُ عبد الله بن عمر، فأخرج ابن المنذر عنه(٢): أنَّه كان يقول: يا لَقومٍ يَجِلِفُونَ على أمر لم يَرَوه ولم يَضُروه، ولو كان لي أمر لَعاقَبتهم وَجَعَلتهم نَكالاً، ولم أقبَل لهم شهادة. وهذا يَقدَح في نقل إجماع أهل المدينة على القَود بالقَسامة، فإنَّ سالماً من أجَلِّ فقهاء المدينة. وأخرج ابن المنذر أيضاً عن ابن عبّاس: أنَّ القَسامة لا يُقاد بها. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٣٨٧/٩) من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ، قال: القَوَدُ بالقَسامة جَوْرٌ. ومن طريق الحَكَم بن عُتَيبة: أنَّه كان لا يرى القَسامة شيئاً. ومُحُصَّل الاختلاف في القَسامة: هل يُعمَل بها أو لا؟ وعلى الأوَّل فهل توجِب القَوَد أو الدّية؟ وهل يُبدَأ بالمدَّعِينَ أو المدَّعَى عليهم؟ واختَلَفوا أيضاً في شرطها. قوله: ((سعيد بن عُبيد)) هو الطائيّ الكوفيّ، يُكنَى أبا الهُذَيل، روى عنه الثَّوْريّ وغيره من الأكابِر، وأبو نُعَيم الراوي عنه هنا: هو آخِرِ مَن روى عنه، وثَّقْه أحمدُ وابن مَعِين وآخرونَ، وقال الآجُرّيّ عن أبي داود: كان شُعْبة يَتَمنَّى لقاءَه، وفي طبقتِهِ سعيد بن عُبيد الهُنَائِيّ - بضمِّ الهاء وتخفيف النُّون وهمز ومَدّ - بصريّ صَدُوق، أخرج له التِّرمِذيّ والنّسائيّ. (١) وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٢٧٩). (٢) وهو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩/ ٣٩٣. ٩٩ باب ٢٢/ح ٦٨٩٨ كتاب الديات قوله: ((عن بُشَير)) بالموخَّدة والمعجَمة مُصغَّر ((ابن يَسار)) بتحتائيَّةٍ ثُمَّ مُهمَلة خفيفة، لا أعرِف اسم جَدِّه، وفي رواية مسلم (٥/١٦٦٩) من طريق ابن نُمَير عن سعيد بن عُبيد: حدَّثنا بُشَير بن يَسار الأنصاريّ. قلت: وهو من مَوالي بني حارثة من الأنصار، قال ابن سعد(١): كان شيخاً كبيراً فقيهاً أدرَكَ عامّة الصحابة. ووثَّقْه يحيى بن مَعِين والنَّسائيُّ، وكَناه محمَّدُ بنُ إسحاقَ في روايته: أبا كَيْسانَ. قوله: ((زَعَمَ أنَّ رجلاً من الأنصار يقال له: سَهْل بن أبي حَثْمة)) بفتح المهمَلة وسكون المثَلَّثة، ولم يقع في رواية ابن نُمَير: زَعَمَ، بل عنده: عن سهل بن أبي حَتْمة الأنصاريّ أنَّه أخبَرَه، وكذا لأبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من وجه آخر عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ. واسم أبي حَثْمة عامر بن ساعدة بن عامر، ويقال: / اسم أبيه عبد الله، فاشتَهَرَ هو بالنّسبة ٢٣٣/١٢ إلى جَدّه، وهو من بني حارثة بطنٍ من الأوس. قوله: ((أنَّ نَفَراً من قومه)) سَمَّى يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ في روايته عن بُشَير بن يسار منهم اثنين، فتقدَّم في الجِزية (٣١٧٣) من طريق بشر بن المفضَّل عن يحيى بهذا السَّند: انطَلَقَ عبد الله بن سهل ومُحيِّصة بن مسعود بن زيد، وفي الأدب (٦١٤٢ و ٦١٤٣) من رواية حمّاد بن زيد عن يحيى عن بُشَير: عن سهل بن أبي حَثْمة ورافع بن خَدِيج أنَّهما حَدَّثاهُ: أنَّ عبد الله بن سهل ومُحَيِّصة بن مسعود انطَلَقا، وعند مسلم (١/١٦٦٩) من رواية اللَّيث عن يحيى عن بُشَير عن سهل - قال يحيى: وحَسِبت أنَّه قال: ورافع بن خَديج، أنَّهما قالا : خَرَجَ عبد الله بن سهل بن زيد ومُحيِّصة بن مسعود بن زيد، ونحوه عنده (٤/١٦٦٩) من رواية هُشَيم عن يحيى، لكن لم يَذكُر رافعاً، ولفظه: عن بُشَير بن يَسار: أنَّ رجلاً من الأنصار من بني حارثة يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد، انطَلَقَ هو وابن عمٍّ له يقال له: مُحَيِّصة بن مسعود بن زيد، وأسنَدَه في آخره عن سهل بن أبي حثمة به. (١) في (س): ابن إسحاق، وهو خطأ، وكلام ابن سعد هذا في ((الطبقات)) ٣٠٣/٥. ١٠٠ باب ٢٢/ح ٦٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري وثَبَتَ ذِكْر رافع بن خَديج في هذا الحديث غير مُسَمَّى عند أبي داود(١) (٤٥٢١) من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حَتْمة أنَّه أخبَرَه هو ورجل(٢) من كُبراء قومه. وعند ابن أبي عاصم(٣) من طريق إسماعيل بن عيَّاش عن يحيى عن بُشَير: عن سهل ورافع وسويد بن النُّعمان: أنَّ القَسامة كانت فيهم في بني حارثة، فذكر بُشَيْرٌ عنهم: أنَّ عبد الله بن سهل خَرَجَ، فذكر الحديث. ومُحيِّصة: بضمِّ الميم وفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة مكسورة بعدها صاد مُهمَلة، وكذا ضبط أخيه حُوَيِّصة، وحُكِيَ التَّخفيف في الاسمَينِ معاً ورَجَّحَه طائفةٌ. قوله: ((انطَلَقوا إلى خَيْبر فَتَفرَّقوا فيها)) في رواية يحيى بن سعيد: انطَلَقا إلى خَيْبرِ فَتَفرَّقا، وُحمَل رواية الباب على أنَّه كان معهما تابعٌ لهما، وقد وَقَعَ في رواية محمد بن إسحاق عن بُشَير بن يسار عند(٤) ابن أبي عاصم: خَرَجَ عبد الله بن سهل في أصحاب له يَمتارونَ تَراً(٥)، زاد سليمان ابن بلال عند مسلم (٣/١٦٦٩) في روايته عن يحيى بن سعيد: في زمن رسول الله وَ ل﴾، وهي يومئذٍ صُلْح وأهلها يهود. وقد تقدَّم بيان ذلك في المغازي، والمراد أنَّ ذلك وَقَعَ بعد فتحها، فإنَّها لمَّا فُتِحَت أَقَرَّ النبيّ وَّهِ أَهلَها فيها على أن يعملوا في المزارع بالشَّطِ مَّا يَخْرُج منها كما تقدَّم بيانه (٢٣٢٨)، وفي رواية أبي ليلى بن عبد الله: خَرَجًا(٦) إلى خَيْبر. (١) فات الحافظ رحمه الله أنَّ البخاري أخرجه من هذه الطريق برقم (٧١٩٢)، لكنه بلفظ: ورجال من كبراء قومه بصيغة الجمع. (٢) كذا في رواية ابن داسَة عن أبي داود، كما أشار إليه الحافظ في نسخته من ((سنن أبي داود)» التي بخطه، وعند غیر ابن داسة: ورجال من کبراء قومه. (٣) في «الدیات)) ص ٧٧. (٤) تحرَّف في (س) إلى: عن. (٥) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الديات)) ص٧٩ - ٨٠، وهو أيضاً عند أحمد في «المسند» (١٦٠٩٦). (٦) تحرَّف في (س) إلى: خرج.