Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ٦/ح ٦٨٧٨ كتاب الديات لم يقولوا بقتل تارك الزكاة لإمكان انتزاعها منه قَهْراً، ولا يُقتَلُ تاركُ الصيام لإمكان مَنعِه المفطِّراتِ، فيحتاج هو أن يَنوي الصيام لأنَّ يَعتَقِد وجوبه. واستُدِلَّ به على أنَّ الحُرّ لا يُقتَل بالعبد، لأنَّ العَبد لا يُرجَم إذا زَنَى ولو كان نَِّياً، حكاه ابن الِّين. قال: وليس لأحدٍ أن يُفرِّق ما جمعه الله إلّا بدليلٍ من كتاب أو سُنّة، قال: وهذا بخِلَاف الْحَصْلة الثّالثة، فإنَّ الإجماع انعَقَدَ على أنَّ العَبد والحُرّ في الرِّدّة سواءٌ، فكأنَّه جَعَلَ أنَّ الأصل العمل بدلالة الاقتران ما لم يأتِ دليل يُخالفه. وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): استَثنَى بعضهم من الثلاثة قتل الصّائل، فإنَّه يجوز قتله للدَّفع، وأشارَ بذلك إلى قول النَّوويّ: يُخْصّ من عموم الثلاثة الصّائل ونحوه، فيُباح قتله في الدَّفع، وقد يُجاب بأنَّه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد لا يَحِلّ تَعَمُّد قتله، بمعنى: أنَّه لا يَحِلّ قتله إلّا مُدافَعَةً خِلَاف الثلاثة، واستَحسَنَه الطِّييُّ، وقال: هو أولى من تقرير البَيضاويّ، لأَنَّه فَسَّرَ قوله: / ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] بحِلٌّ قتل النَّفس قِصاصاً ٢٠٤/١٢ للنَّفْسِ التي قتلها عُدواناً، فاقتَضَى خروج الصّائل ولو لم يَقصِد الدّافع قتلَه. قلت: والجواب الثّاني هو المعتمد، وأمَّ الأوَّل فتقدَّم الجواب عنه، وحكى ابن الِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ هذا الحديث منسوخ بآية المحارَبة: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، قال: فأباحَ القتل بمُجرَّدِ الفساد في الأرض، قال: وقد وَرَدَ في القتل بغیر الثلاث أشياء: منها: قوله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾ [الحجرات: ٩]، وحديث: ((مَن وَجَدتُوه يعملُ عملَ قوم لوط فاقتلوه)(١)، وحديث: ((مَن أتى بَهَيمةً فاقتُلُوه)(٢)، وحديث: ((مَنْ خَرَجَ وأمرُ الناس جميعٌ يريدُ تَفُّقَهم فاقتلوه)(٣)، وقول عمر: تَغِرّةً أن يُقتَلا(٤)، وقول جماعة من (١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) والترمذي (١٤٥٦) وابن ماجه (٢٥٦١). من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه أبوداود (٤٤٦٤)، والترمذي (١٤٥٥)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣٠٠) من حديث ابن عباس. (٣) أخرجه مسلم من حديث عرفجة (١٨٥٢). (٤) تقدم عند البخاري برقم (٦٨٣٠). ٤٢ باب ٦/ح ٦٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري الأئمّة: إن تابَ أهلُ القَدَر وإلّا قُتِلوا، وقال جماعة من الأئمّة: يُضرَب المبتَدِعِ حتَّى يَرجِع أو يموت، وقول جماعة من الأئمّة: يُقتَل تارك الصلاة. قال: وهذا كلّه زائد على الثلاث. قلت: وزاد غيره: قتل مَن طلبَ أخذَ مال إنسان أو حَريمه بغير حَقّ، ومانع الزكاة المفروضة، ومَن ارتَدَّ ولم يُفارق الجماعة، ومَن خالَفَ الإجماع وأظهَرَ الشِّقاق والخِلَاف، والزِّنديق إذا تابَ على رأي، والساحر. والجواب عن ذلك كلّه أنَّ الأكثر في المحاربة أنَّه إن قَتَل قُتِلَ. وبأنَّ حُكم الآية في الباغي أن يُقاتَل لا أن يُقْصَدَ إلى قتله. وبأنَّ الخبرَينِ في اللِّواط وإتيان البَهيمة لم يَصِحّا، وعلى تقدير الصِّحّة فهما داخلان في الزِّنى. وحديث الخارج عن المسلمين تقدَّم تأويله بأنَّ المراد بقتله: حَبْسه ومَنْعه من الخروج، وأثرُ عمرَ من هذا القبيل. والقول في القَدَريَّة وسائر المبتَدِعة مُفرٌَّ على القول بتكفيرهم. وبأنَّ قتل تارك الصلاة عند مَن لا يُكفِّره مُختَلَف فيه كما تقدَّم إيضاحه. وأمَّا مَن طلبَ المالَ أو الحَريمَ فمِن حُكم دفع الصّائل. ومانع الزكاة تقدَّم جوابه. ومخالف الإجماع داخل في مُفارق الجماعة. وقتل الزّنديق لاستصحابٍ حُكم كُفره، وكذا الساحر، والعلم عند الله تعالى. وقد حكى ابن العربيّ عن بعض أشياخه: أنَّ أسباب القتل عشرة، قال ابن العربيّ: ولا تَخُج عن هذه الثلاثة بحالٍ، فإنَّ مَن سَحَرَ أو سَبَّ نبيّ الله كَفَر، فهو داخل في التارك لدینه، والله أعلم. واستُدِلَّ بقولِه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ على تَساوي النُّفوس في القتل العَمْد، فيُقاد لكلِّ مقتول من قاتله، سواءٌ كان حُرّاً أو عبداً، وتَمَسَّكَ به الحنفيَّة، وادَّعَوا أنَّ آية المائدة المذكورة في التَّرجمة ناسخة لآية البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِىّ الْحُرُّ بِالْخُرِّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ومنهم مَن فَرَّقَ بين عبد الجاني وعبد غيره، فأقادَ من عبد غيره دونَ عبد نفسه، وقال الجمهور: آية البقرة مُفسِّرة لآية المائدة، فيُقْتَلِ العَبد بالحُرِّ ولا يُقتَل الحُرّ بالعبد لنقصِه، وقال ٤٣ باب ٧-٨/ح ٦٨٧٩ - ٦٨٨٠ كتاب الديات الشافعيّ: ليس بين العَبد والحُرّ قِصاص إلّا أن يَشاء الحُرّ، واحتُجَّ للجمهورِ بأنَّ العَبد سِلعة، فلا يجب فيه إلّا القيمة لو قُتِلَ خطأً، وسيأتي مزيد لذلك بعد باب. واستُدِلَّ بعمومِه على جواز قتل المسلم بالكافرِ المستأمَن والمعاهد، وقد مضى في الباب قبله شرح حديث عليّ: ((لا يُقْتَل مُؤمِنٌ بكافٍ)). وفي الحديث جواز وصف الشّخصِ بما كان عليه ولو انتَقَلَ عنه، لاستثنائه المرتَدَّ من المسلمین، وهو باعتبار ما كان. ٧ - باب من أقاد بالحجر ٦٨٧٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ : أنَّ يهوديّاً قَتَلَ جاريةً على أوْضاح لها، فقَتَلَها بحجٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ وَّ وبها رَمَقٌ، فقال: ((أقَتَلَكِ فلانٌ؟))/ فأشارَت برأسِها، أن لا، ثمَّ قال في الثّانية، فأشارَت ٢٠٥/١٢ برأسِها: أن لا، ثمّ سألَهَا الثّالثةَ، فأشارَت برأسِها: أي نعم، فقَتَلَه النبيُّ ◌َّ بحجرَينِ. قوله: ((باب مَن أقادَ بالحجرِ)) أي: حَكَمَ بالقَوَدِ بفتحَتَين، وهو المماثلة في القصاص. ذكر فيه حديث أنس في قصَّة اليهوديّ والجارية، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قريباً (٦٨٧٦). وقوله: ((فأشارَت برأسِها: أي نعم)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((أن نعم)) بالنّونِ بَدَل التَّحتانيَّة، وكلاهما يَجيء لتفسير ما يَتقدَّمه، والمراد: أنَّها أشارَت إشارةً مُفهمةً، يُستَفاد منها ما يُستَفاد منها لو نَطَقَّت، فقالت: نعم. ٨- باب ((من قُتل له قتيلٌ فهو بخير النّظَرَين)» ٦٨٨٠ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ: أَنَّ خُزاعةَ قَتَلوا رجلاً. وقال عبدُ الله بنُ رَجاءٍ: حدَّثْنَا حَرْبٌ، عن يحيى، حدَّثنا أبو سَلَمَةَ، حدَّثنا أبو هريرةَ: أَنَّه عامَ فتح مكّةَ قَتَلَت خُزَاعةٌ رجلاً من بني ليثٍ بقَتِيلٍ لهم في الجاهليَّةِ، فقامَ رسولُ اللهَوَِّ فقال: ((إنَّ الله ٤٤ باب ٨/ح ٦٨٨٠-٦٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري حَبَسَ عن مكّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليهم رسولَه والمؤمنينَ، ألا وإنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بَعْدي، ألا وإنَّا أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، ألا وإنَّها ساعَتي هذه حَرامٌ: لا يُحْتَلَى شَوْكُها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا تُلتَقَطُ ساقطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ، ومَن قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَينِ، إمّا أن يُودَى وإمّا أن يُقادَ))، فقامَ رجلٌ من أهلِ اليَمَنِ، يقال له: أبو شاهٍ، فقال: اكتُب لي يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ◌ِوَّ: (اكتُبوا لأبي شاه)، ثمَّ قامَ رجلٌ من قُرَيشٍ، فقال: يا رسولَ الله، إلّ الإذخِرَ، فإِنَّا نَجْعَلُه في بيوتِنا وَقُبُورِنا، فقال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إلّا الإذخِرَ)). وتابَعَه ◌ُبیدُ الله، عن شَيْبان، في الفِيلِ. وقال بعضُهم: عن أبي نُعَيم: القتلَ. وقال عُبيدُ الله: إمّا أن يُقادَ أهلُ القَتِيلِ. ٦٨٨١- حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانت في بني إسرائيلَ قِصاصٌ، ولم تكن فيهمُ الدِّيةُ، فقال الله لَهَذِه الأُمّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال ابنُ عبَّاسٍ: فالعَقْوُ أن يقبلَ الدِّيّةَ في العَمْدِ. قال: ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: ١٧٨]: أن يُطلَبَ بمعروفٍ، ويُؤَدِّيَ بإحسانٍ. قوله: ((باب مَن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَينِ)) تَرجَمَ بلفظ الخبر، وظاهره حُجّة لمن قال: إنَّ الاختيار في أخذ الدّية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول، ولا يُشتَرَط في ذلك رِضا القاتل. وهذا القَدر مقصود التَّرجمة، ومن ثَمَّ عَقَّبَ حديثَ أبي هريرة بحديثِ ابن عبّاس الذي فيه تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ أي: تَرَكَ له دَمَه ورَضِيَ منه بالدّية ﴿فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: في المطالَبة بالدّية. وقد فَسَّرَ ابن عبّاس العفو: بقَبُولِ الدّية في العَمْد، وقَبُول الدّية راجع إلى الأولياء الذينَ لهم طلب القِصاص، وأيضاً فإنَّا لَزِمَت القاتلَ الدّيّةُ ٢٠٦/١٢ بغير / رِضاه لأنَّ مأمور بإحياءِ نفسه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ٤٥ باب ٨/ح ٦٨٨٠ -٦٨٨١ كتاب الديات فإذا رَضِيَ أولياء المقتول بأخذِ الدّية له لم يكن للقاتلِ أن يمتنع من ذلك. قال ابن بَطّال: معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨]: إشارة إلى أنَّ أخذ الدّية لم يكن في بني إسرائيل، بل كان القِصاص مُتَحَتِّاً، فخَفَّفَ الله عن هذه الأُمّة بمشروعيَّة أخذ الدّية إذا رَضِيَ أولياء المقتول. ثمَّ ذکر في الباب حدیثین: الأول: قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا للأكثر ◌َمَّن رواه عن يحيى بن أبي كثير في (الصحيحين)) وغيرهما (١)، ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (٤٧٨٧) مُرسَلاً، وهو من رواية يحيى بن حمزة(٣) عن الأوزاعيّ، وهي شاذّة. قوله: ((أنَّ خُزاعة قَتَلوا رجلاً، وقال عبد الله بن رَجاء)) كذا تَحوَّلَ إلى طريق حرْب بن شدَّاد عن يحيى - وهو ابن أبي كثير - في الطَّريقَين، وساقَ الحديث هنا على لفظ حَرْب، وقد تقدَّم لفظ شَيْبانَ - وهو ابن عبد الرّحمن - في كتاب العلم (١١٢)، وطريق عبد الله بن رَجاء هذه وَصَلَها البيهقيُّ (٥٢/٨-٥٣) من طريق هشام بن عليّ السِّيرافيّ عنه، وتقدَّم في الُّقَطة (٢٤٣٤) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعيِّ عن يحيى عن أبي سَلَمة، مُصرِّحاً بالتَّحدیث في جمیع السَّند. قوله: ((أنَّه عامَ فتح مكّة)) الهاء في أنَّه ضمير الشَّأن. قوله: ((قَتَلَت خُزاعة رجلاً من بني ليث بقتيلٍ لهم في الجاهليّة)) وَقَعَ في رواية ابن أبي ذِئْب عن سعيد المقبريِّ عن أبي شُرَيح: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إنَّ الله حَرَّمَ مكّة)) فذكر الحديث، وفيه: ((ثُمَّ إِنَّكم مَعشَرَ خُزاعة قَتَلْتُم هذا الرجلَ من هُذَيل، وإنّي عاقِلُه))(٣) ووقع نحو ذلك في رواية ابن إسحاق عن المقبُريِّ(٤) كما أورَدتُه في ((باب لا يُعضَد شَجَر الْخَرَم)) (١٨٣٢) (١) أخرجه مسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧) و(٣٦٤٩) و(٤٥٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٤)، والترمذي (١٤٠٥) و(٢٦٦٧)، والنسائي (٤٧٨٥). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: حميد، وإنما هو يحيى بن حمزة الحضرمي الدمشقي. (٣) أخرجه أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦) واللفظ له. (٤) كما في («سيرة ابن هشام)) ٤١٥/٢-٤١٦، ومن طريقه أخرجه أحمد (١٦٣٧٧). ٤٦ باب ٨/ح ٦٨٨٠ -٦٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري من أبواب جزاء الصَّيد من كتاب الحجّ. فأمَّا خُزاعة فتقدَّم نَسَبُهم في أوَّل مناقب قُرَيش، وأمَّا بنوليث، فقبيلةٌ مشهورةٌ يُنسَبونَ إِلى ليث بن بكر بن كِنانةَ بن خُزيمةَ بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر، وأمَّا هُذَيل فقبيلة كبيرة يُنسَبونَ إلى هُذَيل، وهم بنو مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر، وكانت هُذَيل وبَكر من سُكّان مكّة وكانوا في ظواهرها خارجينَ من الحَرَم، وأمَّا خُزاعة، فكانوا غَلَبوا على مكّة وحَكَموا فيها، ثمَّ أُخرِجوا منها فصاروا في ظاهرها، وكانت بينهم وبين بني بكر عَدَاوة ظاهرة في الجاهليَّة، وكانت خُزاعة حُلَفاءَ بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبيّ ◌َّ، وكان بنو بكر حُلَفاء قُرَيش كما تقدَّم بيانه في أوَّل فتح مكّة من كتاب المغازي (٤٢٧٤). وقد ذكرتُ في كتاب العلم (١١٢) أنَّ اسم القاتل من خُزاعة خِراش - بمُعجَمتَينِ - ابن أُمَيَّة الخُزَاعِيّ، وأنَّ المقتول منهم في الجاهليَّة كان اسمه أحمرَ، وأنَّ المقتول من بني ليث لم يُسمَّ وكذا القاتل. ثُمَّ رأيت في ((السِّيرة النبويَّة))(١) لابن إسحاق: أنَّ الْخُزَاعِيّ المقتول اسمه مُنبِّه، قال ابن إسحاق في ((المغازي))(٢): حدَّثني سعيد بن أبي سَنْدَر الأسلَميّ عن رجل من قومه قال: كان مَعَنا رجلٌ يقال له: أحمرُ، كان شجاعاً، وكان إذا نامَ غَطَّ، فإذا طَرَفَهم شيءٌ صاحُوا به، فيَثُور مِثل الأسَد، فغَزاهم قوم من هُذَيل في الجاهليَّة، فقال لهم ابن الأنْوَع - وهو بالثّاءِ المثلّثة والعين المهمَلة -: لا تَعجَلوا حتَّى أنظُر، فإن كان أحمرُ فيهم فلا سبيل إليهم، فاستَمَعَ فإذا غَطيطُ أحمرَ، فمَشَى إليه حتَّى وضَعَ السَّيف في صَدره فقَتَلَه، وأغاروا على الحيّ، فلمَّا كان عامُ الفتح، وكان الغَدُ من يوم الفتح أتى ابن الأنْوع الهُذَلِيّ حتَّى دَخَلَ مكّة وهو على شِركه، فرأته خُزاعة فعَرَفوه، فأقبَلَ خِراش بن أُميَّة فقال: أفرِجُوا عن الرجل، فطَعَنَه بالسَّيفِ في بطنه فوَقَعَ قتيلاً، فقال رسول الله وَّةِ: ((يا مَعشَر خُزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، ولقد قتلتُم قتيلاً لَأَدِيَنَّه)). (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٠/٢. (٢) كما في «السيرة النبوية)) لابن هشام ٤١٣/٢. ٤٧ باب ٨/ح ٦٨٨٠ -٦٨٨١ كتاب الديات قال ابن إسحاق: وحدَّثني عبد الرَّحمن بن حَرْمَلة الأسلَميّ عن سعيد بن المسيّب قال: لمَّا بَلَغَ النبيَّ ◌َ مَا صَنَعَ خِراش بن أُميَّة قال: ((إنَّ خِراشاً لَقَتّالٌ)) يَعِيبُه بذلك، ثمّ ذكر حديث أبي شُرَيح الخُزَاعِيّ كما تقدَّمَ، فهذه قصَّة اهُذَلي. وأمَّا قصَّة المقتول من بني ليث فكأنَّا أُخرى، وقد ذكر ابن هشام: أنَّ المقتول من بني ليث اسمه جُندُب(١) بن الأدَلَع(٢)، وقال: بَلَغَني أنَّ أوَّل قتيل وَدَاه/ رسول الله له يوم الفتح ٢٠٧/١٢ جُندُب بن الأدلَع، قتله بنو كعب فوَداه بمئة ناقة، لكن ذكر الواقديّ أنَّ اسمه: جُنَيَدِب (٣) ابن الأدلَع، فرآه جُندُب بن الأعجَب الأسلَمَيّ، فخَرَجَ يَستَجيش عليه، فجاء خِراش فقَتَلَه، فِظَهَرَ أنَّ القصَّة واحدة، فلعلَّه كان هُذَليّاً حالَفَ بني ليث أو بالعكس. ورأيت في آخر الجزء الثّالث من ((فوائد أبي عليّ بن خُزيمةَ)) أنَّ اسم الخُزَاعِيّ القاتلِ هلال بن أُميَّة(٤)، فإن ثَبَتَ، فلعلَّ هلالاً لقبُ خِراش، والله أعلم. قوله: ((فقامَ رسول الله وَّ) في رواية شيبان المشار إليها في العلم (١١٢): فَأَخبِرَ النبيّ ◌َله بذلك، فَرَكِبَ راحلته فخَطَبَ. قوله: ((إنَّ الله حَبَسَ عن مكّة الفيل)) بالفاء: اسم الحيوان المشهور، وأشارَ بحَبْسِه عن مكّة إلى قصَّة الحَبَشة، وهي مشهورة ساقها ابن إسحاق مبسوطةً(٥)، وحاصل ما ساقَه أنَّ (١) كذا وقعت رواية ابن هشام للحافظ رحمه الله، والذي في مطبوع ((السيرة النبوية)) لابن هشام: جُنيدب بالتصغير، كرواية الواقدي، وقد ترجم الحافظ في «الإصابة)» لجندب مكبراً ١/ ٥٠٦، ثم أعاد ذكره في جنيدب مصغراً ٥١٨/١، وأحال على الموضع الأول، وذكر أنَّ الطبري حكاه عن ابن إسحاق بالتصغير. (٢) كذا في الأصلين و(س)، مع أنَّ الذي في رواية ابن هشام: بن الأكوع، كذا في ((سيرته)) ٤١٦/٢، وكذلك رواه عنه ابن كثير في («البداية والنهاية)) ٥٨١/٦، وتقي الدين الفاسي في ((شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام)) ٢/ ١٤٤، والقسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٥٠/١٠. (٣) تحرَّف في (س) إلى: جندب، مكبراً، وإنما أراد الحافظ رحمه الله التمييز بين رواية ابن هشام، وبين رواية الواقدي بأنَّ الأول رواه مكبراً، والثاني مصغراً. (٤) جاء في ((أنساب الأشراف)) للبلاذري ١/ ٤٣٤ ما يدل على أنَّ قصة هلال بن أميّة الخزاعي مختلفة عن قصة خراش بن أمية، وأنَّ هلالاً كان المقتول في قصته ولم يكن القاتل. (٥) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٤٣-٥٢. ٤٨ باب ٨/ح ٦٨٨٠-٦٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري أبرهةَ الحَبَشِيّ لمَّا غَلَبَ على اليمن وكان نَصرانيّاً، بَنَى كَنيسة، وألزَمَ الناسَ بالحجِّ إليها، فعَمَدَ بعضُ العرب فاسْتَغْفَلَ الحَجَبة وتَغَوَّطَ فَهَرَبَ، فغَضِبَ أبرهة وعَزَمَ على تخريب الكعبة، فَتَجهَّزَ في جيش كثيف، واستصحَبَ معه فيلاً عظيماً، فلمَّا قَرُبَ من مكّة خَرَجَ إليه عبد المطَّلِّب، فأعظَمَه وكان جميل الهيئة، فطلب منه أن يَرُدَّ عليه إِيلاً له ثُِّبَت، فاستَقْصَرَ هُمَّتَه، وقال: لقد ظَنَنتُ أنَّك لا تسألني إلّا في الأمر الذي جِئتُ فيه، فقال: إنَّ لهذا البيت رَبّاً سَيَحميه، فأعادَ إليه إبلَه، وتقدَّم أبرهة بجيوشِه فقَدَّموا الفيل فبَرَكَ وعَجَزوا فيه، وأرسَلَ الله عليهم طَيراً مع كلّ واحد ثلاثة أحجار: حجرَينٍ في رِجِلَيه وحجرٍ في مِنقاره، فألقَوْها عليهم فلم يَبْقَ منهم أحدٌ إلّا أُصيبَ. وأخرج ابن مَرْدويه بسندٍ حسن عن ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس، قال: جاء أصحاب الفيل حتَّى نزلوا الصِّفاحَ - وهو بكسر المهمَلة ثمَّ فاء ثمَّ مُهمَلة: موضع خارج مكّة من جهة طريق اليمن - فأتاهم عبد المطَّلِب، فقال: إنَّ هذا بيت الله لم يُسَلِّط عليه أحداً، قالوا: لا نَرجِع حتَّى تَهدِمه، فكانوا لا يُقدِّمونَ فِيلَهم إلّا تأخّرَ، فدَعَا الله الطَّيرَ الأبابيلَ فأعطاها حجارة سوداء فلمَّا حاذَتْهم رَمَتْهم، فما بَقِيَ منهم أحد إلّا أخَذَته الحِكّة، فكان لا يَحْفُ أحدٌ منهم جِلدَه إلّا تَساقَطَ لحمُّه. قال ابن إسحاق(١): حدَّثني يعقوب بن عُتبةَ قال: حُدِّثتُ أنَّ أوَّل ما وَقَعَت الخَصباء والجُدَريّ بأرضِ العرب من يومئذٍ. وعند الطَّبَريّ(٢) بسندٍ صحيح عن عِكْرمة: أنَّها كانت طَيراً خُضراً خَرَجَت من البحر لها رُؤوس كَرُؤوسِ السِّباع. ولابنِ أبي حاتم(٣) من طريق عُبيد بن عُمَير بسندٍ قويّ: بَعَثَ الله عليهم طَيراً أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف، فذكر نحو ما تقدَّم. قوله: ((وإِنَّها لم تَحِلّ لأحدٍ قبلي ... )) إلى آخره، تقدَّم بيانه مُفصَّلاً في (باب تحريم القتال بمكّة)) (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٥٤. (٢) كما في ((تفسيره)) ٣٠/ ٢٩٨. (٣) في «تفسيره)) ٣٤٦٦/١٠. ٤٩ باب ٨/ح ٦٨٨٠ -٦٨٨١ كتاب الديات (١٨٣٤) من أبواب جزاء الصَّيد، وفيما قبله في ((باب لا يُعضَد شَجَر الحَرَم)) (١٨٣٢). قوله: ((ولا تُلتَقَط)) بضمٌّ أوَّله على البناء للمجهول، وفي آخره: ((إلّا لِمُنْشِدٍ))، ووَقَعَ للكُشمِيهنيّ هنا بفتح أوَّله، وفي آخره: ((إلّا مُنشِد))، وهو واضح. قوله: ((ومَن قُتِلَ له قتيل)) أي: مَن قُتِلَ له قريبٌ كان حَيّاً، فصارَ قتيلاً بذلك القتل. قوله: ((فهو بخيرِ النَّظَرَينِ)) تقدَّم في العلم (١١٢) بلفظ: ((فمن قُتِلَ فهو بخير النَّظَرَينِ)) وهو مختصر، ولا يُمكِن ◌َمله على ظاهره، لأنَّ المقتول لا اختيار له، وإنَّما الاختيار لوليِّه، وقد أشارَ إلى نحو ذلك الخطَّابِيّ، ووَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ (١٤٠٥) من طريق الأوزاعيّ: ((فإمّا أن يَعفُوَ وإمّا أن يقتلَ))، والمراد: العفو على الدّية، جمعاً بين الرِّوايتَين، ويُؤْيِّده أنَّ عنده (١٤٠٦) في حديث أبي شُرَيح: ((فمَن قُتِلَ له قتيل بعد اليوم فأهله بين خِيرَتَين: إمّا أن يقتلوا أو يأخُذوا العَقْلَ))، ولأبي داود (٤٤٩٦) وابن ماجَهْ (٢٦٢٣) وعَلَّقَه التِّرمِذيّ (١٤٠٦) من وجه آخر عن أبي شُرَيح بلفظ: (فإنَّه يَختار إحدى ثلاث: إمّا أن يَقْتَصّ، وإمّا أن يَعفُوَ، وإمّا أن يأخُذ الدّية، فإن أراد الرَّابعة فخُذُوا على يديه)) أي: إن أراد زيادة على القِصاص أو الدّية، وسأذكر الاختلاف فيمَن يَستَحِقّ الخيار: هل هو القاتل أو وليّ المقتول؟ في شرح الحديث الذي بعده. وفي الحديث أنَّ وليّ الدَّم يُخِيَّر بين القِصاص والدّية،/ واختُلِفَ إذا اختارَ الدّية، هل ٢٠٨/١٢ يجب على القاتل إجابته؟ فذهب الأكثرُ إلى ذلك، وعن مالك: لا يجب إلّا برِضا القاتل، واستَدَلَّ بقولِه: ((ومَن قُتِلَ له)) بأنَّ الحقّ يَتَعلَّق بورَثة المقتول، فلو كان بعضهم غائباً أو طِفِلاً لم يكن للباقينَ القِصاص، حتَّى يَبلُغ الطِّفْل ويَقدَم الغائب. قوله: ((إمّا أن يُودَى)) بسكونِ الواو، أي: يُعطِي القاتلُ أو أولياؤُه لأولياءِ المقتول الدّيةَ ((وإمّا أن يُقاد)) أي: يُقْتَل به، ووَقَعَ في العلم (١١٢) بلفظ: ((إمّا أن يُعقَل)) بَدَل: ((إمّا أن يُودَى)) وهو بمعناه، والعقل: الدّية. وفي رواية الأوزاعيِّ في اللَّقَطة (٢٤٣٤): «إمَّا أن يُفدَى)) بالفاءِ بَدَل الواو، وفي نسخة: ((وإمّا أن يُعطَى)) أي: الدّية. ٥٠ باب ٨/ح ٦٨٨٠ -٦٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ في رواية أُخرى: ((إمّا أن يُودَى أو يُفادى))، وتَعقَّبَه بأنَّه غير صحيح، لأنَّه لو كان بالفاءِ لم يكن له فائدة لتَقَدُّم ذِكْر الدّية، ولو كان بالقاف واحتَمَلَ أن يكون للمقتولِ وليّانِ فذُكِرا بالَّينية، أي: يُقادا بقتيلِهما، والأصل عَدَم التعدُّد. قال: وصحيح الرِّواية: ((إمّا أن يُودَى أو يُقاد))، وإنَّما يَصِحّ (يُفادَى)) إن تقدَّمَه ((أن يُقْتَصّ)). وفي الحديث جواز إيقاع القِصاص بالحَرَمِ، لأَنَّه ◌َّ خَطَبَ بذلك بمكّة، ولم يُقَيِّده بغير الحَرَم. وتَسَّكَ بعمومِه مَن قال: يُقتَل المسلم بالذِّمَيِّ، وقد سَبَقَ ما فيه. قوله: ((فقامَ رجل من أهل اليَمَن يقال له: أبو شاهٍ)) تقدَّم ضبطه مع شرحه في العلم، وحكى السِّلَفيّ أنَّ بعضهم نَطَقَ بها بتاءٍ في آخره، وغَلَّطَه، وقال: هو فارسٌٌ من فُرسان الفُرس الذینَ بَعَثَهم کِسرَی إلى اليمن. قوله: ((ثُمَّ قامَ رجل من قُرَيش فقال: يا رسول الله، إلّا الإذخِرِ)) تقدَّم بيان اسمه، وأنَّه العبَّاس بن عبد المطَّلِب، وشُرِحَ بقيَّة الحديث المتعلِّق بتحريمِ مكّة وبالإذخِرِ في الأبواب المذكورة من كتاب الحجّ (١٨٣٢ و ١٨٣٤). قوله: ((وتابَعَه عُبيد الله)) يعني: ابن موسى («عن شَيْبانَ: في الفيل)) أي: تابع حرب بن شدَّاد عن يحيى في الفيل، بالفاء، ورواية عُبيد الله المذكورة موصولة في ((صحيح مسلم)) (٤٤٨/١٣٥٥) من طريقه. قوله: ((وقال بعضهم: عن أبي نُعَيم: القتلَ)) هو محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيُّ، جَزَمَ عن أبي نُعَيم في روايته عنه بهذا الحديث بلفظ: ((القتل))، وأمَّا البخاريّ فرواه عنه بالشكِّ كما تقدَّم في کتاب العلم. قوله: ((وقال عُبيد الله: إمّا أن يُقادَ أهلُ القتيل)) أي: يُؤخَذ لهم بثَأْرهم، وعُبيد الله: هو ابن موسى المذكور، وروايته إيّاه عن شَيْبانَ بن عبد الرَّحمن بالسَّندِ المذکور، وروايته عنه موصولة في ((صحيح مسلم)) كما بيَّنته، ولفظه: ((إمّا أن يُعطَى الدّيةَ، وإمّا أن يُقاد أهلُ القتيل)»، وهو بيانٌ لقولِه: ((إمّا أن يُقاد)). ٥١ باب ٨/ح ٦٨٨١ كتاب الديات الحديث الثاني: قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار ((عن مجاهد)) وقد تقدَّم في تفسير البقرة (٤٤٩٨) عن الحميديّ عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو سمعت مجاهداً. قوله: ((عن ابن عبّاس رضي الله عنهما)) في رواية الحميديّ: سمعت ابن عبَّاس. هكذا وَصَلَه ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو بن دينار، وهو من أثبَت الناس في عَمْرو، ورواه وَرْقاء بن عمر عن عَمْرو فلم يَذْكُر فيه ابنَ عِبَّاسَ، أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٨٢). قوله: ((كانت في بني إسرائيل قصاصٌ)) كذا هنا من رواية قُتَيبة عن سفيان بن عُيَينةً، وفي رواية الحُميديّ عن سفيان: كان في بني إسرائيل القِصاصُ، كما تقدَّم في التَّفسير، وهو أوجَه، وكأنَّه أنَّثَ باعتبار معنى القصاص، وهو المماثلة والمساواة. قوله: ((فقال الله لهذه الأُمّة: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى﴾ إلى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾)) قلت: كذا وَقَعَ في رواية قُتَيبة، ووَقَعَ هنا عند أبي ذرِّ والأكثر، ووَقَعَ هنا في رواية النَّسَفيّ والقابِسيّ: إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ﴾، ووَقَعَ في رواية ابن أبي عمر في ((مُسنَده)) ومن طريقه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): إلى قوله في هذه الآية، وبهذا يظهر المراد، وإلّا فالأوَّل يُوهم أنَّ قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ﴾ [البقرة: ١٧٨] في آية تَلي الآية المبتدأ بها، وليس كذلك، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية أبي كُرَيب وغيره عن سفيان فقال بعد قوله: ﴿فِ اُلْقَبْلَى﴾: فقرأ إلى: ﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنَ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ﴾. ووَقَعَ في رواية / الحميديّ المذكورة ما حُذِفَ هنا من الآية، وزاد في آخره تفسير قوله: ٢٠٩/١٢ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وزاد فيه أيضاً تفسير قوله: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى﴾ أي: قتَل بعد قَبُول الدّية(١). وقد اختُلِفَ في تفسير العذاب في هذه الآية: فقيلَ: يَتَعلَّق بالآخرة، وأمّا في الدُّنيا فهو لمن قَتَل ابتداءً، وهذا قول الجمهور، وعن عِكْرمة وقَتَادة والسُّدِّيّ: يَتَحَتَّم القتلُ ولا يتمكَّن الوليّ من أخذ الدّية، وفيه حديث جابر رَفَعَه: ((لا أعفو عمَّن قَتَل بعد أخذِ الدّية)» (١) تحرَّف في (أ) إلى: الآية، وفي (ع) إلى: التوبة. ٥٢ باب ٨/ح ٦٨٨١ فتح الباري بشرح البخاري أخرجه أبو داود (٤٥٠٧)، وفي سنده انقطاع. قال أبو عُبيد: ذهب ابن عبّاس إلى أنَّ هذه الآية ليست منسوخةً بآية المائدة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، بل هما مُحُكَمَتان، وكأنَّه رأى أنَّ آية المائدة مُفسِّرة لآية البقرة، وأنَّ المراد بالنَّفْس: نفس الأحرار ذُكورِهم وإنائِهِم دونَ الأَرِقّاء، فإنَّ أنفُسهم مُتَساوية دونَ الأحرار. وقال إسماعيل: المراد في النَّفْس بالنَّفْسِ المكافئةُ للأُخرى في الحدود، لأنَّ الحُرّ لو قَذَفَ عبداً لم يُجُلَدِ اتّفاقاً، والقتلُ قِصاصاً من جملة الحدود، قال: وبيَّنَه قولُه في الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، فمن هنا يَخْرُج العَبد والكافر، لأنَّ العَبد ليس له أن يَتصدَّق بِدَمِه ولا بجُرحِه، ولأنَّ الكافر لا يُسمَّى متصدِّقاً ولا مُكَفَّراً عنه. قلت: مُحُصَّل كلام ابن عبّاس يدلّ على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَِهِمْ فِيهَا﴾ أي: على بني إسرائيل في التَّوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] مُطلَقاً، فخَفَّفَ عن هذه الأُمّة بمشروعيَّة الدّية بَدَلاً عن القتل لمن عَفا من الأولياء عن القِصاص، وبتخصيصِه بالحُرِّ في الحُرّ، فحينئذٍ لا حُجّة في آية المائدة لمن تَمَسَّكَ بها في قتل الحُرّ بالعبد والمسلم بالكافر، لأنَّ شَرْعَ مَن قبلَنَا إِنَّمَا يُتَمسَّك منه بما لم يَرِد في شَرعنا ما يُخالفه، وقد قيلَ: إنَّ شَريعة عيسى لم يكن فيها قِصاص وإنَّه كان فيها الدّيةُ فقط، فإن ثَبَتَ ذلك امتازَت شريعة الإسلام بأنَّها جَمَعَت الأمرَين، فكانت وُسطَى لا إفراطَ ولا تفريطَ. واستُدِلَّ به على أنَّ المخَيَّر في القَوَد أو أخذ الدّية هو الوليّ، وهو قول الجمهور، وقَرَّرَه الخطَّبيُّ بأنَّ العفو في الآية يحتاج إلى بيان، لأنَّ ظاهر القِصاص أن لا تَبِعةَ لأحدِهما على الآخر، لكنَّ المعنى: أنَّ مَن عُفيَ عنه من القِصاص إلى الدّية، فعلى مُستَحِقّ الدّية الاتِّباعُ بالمعروفِ، وهو المطالَبة، وعلى القاتل الأداءُ، وهو دفع الدّية بإحسانٍ. وذهب مالك والثَّوْريُّ وأبو حنيفة إلى أنَّ الخيار في القِصاص أو الدّية للقاتل، قال الطَّحَاويُّ: والحُجّة لهم حديث أنس في قصَّة الرُّبَيِّع عَمَّته، فقال النبيّ ◌َّهِ: ((كتابُ الله القِصاص))(١)، فإنَّه حَكَمَ بالقصاص ولم يُيِّر، ولو كان الخيار للوليِّ لأعلمهم النبيّ ێ، إذ (١) تقدَّم برقم (٢٧٠٣)، وأخرجه مسلم (١٦٧٥). ٥٣ باب ٨/ح ٦٨٨١ كتاب الديات لا يجوز للحاكم أن يحكم لمن ثَبَتَ له أحدُ شيئينِ بأحدِهما مِن قبْلِ أن يُعلِمَه بأنَّ الحقّ له في أحدهما، فلمَّا حَكَمَ بالقِصاص وجَبَ أن يُحمَل عليه قوله: ((فهو بخير النَّظَرَينِ)) أي: وليّ المقتول مُخُيَّرٌ بشرطِ أن يَرضَى الجاني أن يَغرم الدّیة. وتُعقّبَ بأنَّ قوله ◌َِّ: ((كتابُ الله القِصاص)) إنَّا وَقَعَ عند طلب أولياء المجنيّ عليه في العَمْدِ القَودَ، فأعلمَ أنَّ كتابَ الله إنما نزلَ على أنَّ المجنيّ عليه إذا طلبَ القَوَد أُجيبَ إليه، وليس فيه ما اذّعاه من تأخير البيان. واحتَجَّ الطَّحَاويُّ أيضاً بأنَهم أجمعوا على أنَّ الوليّ لو قال للقاتل: رضيتُ أن تُعطيَني كذا على أن لا أقتُلك، أنَّ القاتل لا يُجُبَرَ على ذلك، ولا يُؤخَذ منه كَرْهاً، وإن كان يجب عليه أن یحقِن دَمَ نفسه. وقال المهلَّب وغيره: يُستَفاد من قوله: ((فهو بخير النَّظَرَينِ)) أنَّ الوليّ إذا سُئلَ في العفو على مالٍ إن شاءَ قَبِلَ ذلك وإن شاءَ اقتَصَّ، وعلى الوليّ اتِّباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدلّ على إكراه القاتل على بذل الدّية. واستُدِلَّ بالآية على أنَّ الواجب في قتل العَمْد القَوَدُ، والدِّيةُ بَدَلٌ منه، وقيل: الواجب الخيار، وهما قولان للعلماء، وكذا في مذهب الشافعيّ، أصحُّهما الأوَّل. واختُلِفَ في سبب نزول الآية: فقيلَ: نزلت في حَيَّينِ من العرب كان لأحدِهما طَولٌ على الآخر في الشَّرَف، فكانوا يَتزوَّ جونَ من نسائهم بغير مَهر، وإذا قُتِلَ منهم / عبدٌ قتلوا به حُرّاً، أو ٢١٠/١٢ امرأةٌ قتلوا بها رجلاً. أخرجه الطَّبَريُّ (٢/ ١٠٣) عن الشَّعْبيّ(١)، وأخرج أبو داود (٤٤٩٤) من طريق عليّ بن صالح بن حَيّ عن سِماك بن حَرْب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: كان قُرَيظة والنَّضير، وكان النَّضير أشرَفَ من قُرَيظة، فكان إذا قَتل رجلٌ من قُرَيظة رجلاً من النَّضير قُتِلَ به، وإذا قتل رجلٌ من النَّضير رجلاً من قُرَيظة يُودَى بمئة وَسْق من التَّمر، فلمَّا (١) لفظ رواية الشعبي بنحو اللفظ الذي ذكره الحافظ، ولیس فیه ذکر النكاح، ولکن ورد ذكر النكاح في كلام الفراء في «معاني القرآن)» ١/ ١٠٨ عند تفسير الآية. ٥٤ باب ٩/ح ٦٨٨٢ فتح الباري بشرح البخاري بُعِثَ النبيُّ وَّلِ قتل رجل من النَّضير رجلاً من قُرَيظة، فقالوا: ادفَعوه لنا نَقتُله، فقالوا: بيننا وبينكم النبيّ وََّ، فأتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، والقِسط: النَّفْسُ بالنَّفس، ثمَّ نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. واستَدَلَّ به الجمهورُ على جواز أخذ الدّية في قتل العَمْد ولو كان غِيلةً، وهو أن يَخْدَع شخصاً حتَّى يصير به إلى موضع خَفيّ فيقتله، خِلَافاً للمالكيَّة، وألحَقَه مالك بالمحارِب، فإنَّ الأمر فيه إلى السُّلطان، وليس للأولياءِ العفوُ عنه، وهذا على أصله في أنَّ حَدّ المحارب القتلُ إذا رآه الإمامُ، وأنَّ((أو)) في الآية للتَّخيير لا للتَّنويع. وفيه أنَّ مَن قَتَل مُتأوّلاً كان حُكمُه حُكمَ مَن قتَل خطأً في وجوب الدّية، لقولِهِ وَّ: (فإنّي عاقِلُه)). واستَدَلَّ به بعضُ المالكيَّة على قتل مَن التَجَأ إلى الحَرَم بعد أن يقتل عَمْداً، خلافاً لمن قال: لا يُقْتَل في الحَرَم، بل يُلجَأ إلى الخروج منه، ووجه الدّلالة أنَّه وَلّم قاله في قصّة قتيل خُزاعة المقتول في الحَرَم، وأنَّ القَودَ مشروع فيمَن قتل عَمْداً، ولا يعارضُه ما ذُكِرَ من حُرْمة الحَرَم، فإنَّ المراد به تعظيمه بتحريمِ ما حَرَّمَ الله، وإقامة الحدّ على الجاني به من جملة تعظيم خُرُمات الله، وقد تقدَّم شيء من هذا في الموضع الذي أشرتُ إليه آنِفاً من كتاب الحجّ (١٨٣٢ و١٨٣٤). ٩ - باب من طلب دمَ امرئٍ بغير حقٌّ ٦٨٨٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي حُسينٍ، حدَّثنا نافعُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍٍ، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: «أبغَضُ الناسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَمِ، ومُبْتَغٍ في الإسلامِ سُنّةَ الجاهليَّةِ، ومُطَلِبُ دَمِ امِرِئٍ بغير حَقٌّ لِيُهَرِيقَ دَمَه)). قوله: ((باب مَن طَلَبَ دَم امرئ بغیر حَقّ)) أي: بیان حُكمه. قوله: ((عن عبد الله بن أبي حسين)) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن نُسِبَ إلى جَدِّه، وثَبَتَ ذِكْر أبيه في هذا السَّند عند الطبرانيّ في نسخة شُعَيب بن أبي حمزة (١)، وكذا في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم))، ونافع بن جُبَير، أي: ابن مُطعِم. (١) يعني في ((مسند الشاميين)) (٢٩٤٠). ٥٥ باب ٩/ح ٦٨٨٢ كتاب الديات قوله: ((أبغَضُ)) هو أفعَلُ من البُغض، قال: وهو شاذٌّ، ومثلُه أعدَمُ من العَدَمِ: إذا افتَقَرَ، قال: وإنَّما يقال: أفعَلُ من كذا، للمُفاضَلة في الفعل الثَّلاثيّ، قال المهلَّب وغيره: المراد بهؤلاءِ الثلاثة أنَّهم أبغَضُ أهل المعاصي إلى الله، فهو كقوله: ((أكبرُ الكبائر))، وإلّا فالشِّرك أبغَضُ إلى الله من جميع المعاصي. قوله: ((مُلْحِدٌ في الحَرَم)) أصل المُلحِد: هو المائلُ عن الحقّ، والإلحادُ: العُدولُ عن القَصْد، واستشكِلَ بأنَّ مُرتَكِب الصَّغيرة مائلٌ عن الحقّ، والجواب أنَّ هذه الصّيغة في العُرف مُستَعمَلة للخارجِ عن الدّين، فإذا وُصِفَ به مَن ارتَكَبَ معصيةً كان في ذلك إشارةٌ إلى عِظَمِها، وقيل: إيراده بالجملة الاسميَّة مُشعِرٍ بِثُبُوت الصِّفة، ثمَّ التَّنكير للتَّعظيم، فيكون ذلك إشارة إلى عِظَم الذَّنب، وقد تقدَّم قريباً(١) في عَدِّ الكبائر مُستَحِلّ البيت الحرام. وأخرج الثَّوْريّ في «تفسيره))(٢) عن السُّدِّيّ عن مُرّة عن ابن مسعود، قال: ما من رجل يَهُمّ بسَيِّئَةٍ فَتُكتَب عليه، إلّا أنَّ رجلاً لو هَمَّ بعَدَنِ أبيَنَ أن يقتلَ رجلاً بالبيت الحرام إلّا أذاقَه الله من عذابٍ أليمٍ. وهذا سند صحيح، وقد ذكر شُعْبة أنَّ السُّدِّيّ رَفَعَه لهم، وكان شُعْبة يَرويه عنه موقوفاً، أخرجه أحمدُ (٤٠٧١ و٤٣١٦) عن يزيد بن هارون عن شُعْبة،/ ٢١١/١٢ وأخرجه الطَّبَرِيُّ (١٧/ ١٤١) من طريق أسباط بن نَصْر عن السُّدِّيّ موقوفاً. وظاهر سياق الحديث أنَّ فعل الصَّغيرة في الحَرَم أشدُّ من فعل الكبيرة في غيره، وهو مُشكِل، فيَتَعَيَّن أنَّ المراد بالإلحاد فعلُ الكبيرة، وقد يُؤْخَذ ذلك من سياق الآية، فإنَّ الإتيان بالجملة الاسميَّة في قوله: ﴿وَمَن يُرِّدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الحج: ٢٥]، يفيد ثُبوت الإلحاد ودَوامه، والتَّنوين للتَّعظيم، أي: مَن يكون إلحاده عظيماً، والله أعلم. (١) عند شرح الحديث (٦٨٥٧). (٢) هو في ((تفسيره)) المطبوع الذي برواية أبي جعفر محمد بن زكريا - وله ترجمة في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ٣٤٩/٣ - عن أبي حذيفة النَّهدي برقم (٦٦٦) بنحو اللفظ المذكور، و((تفسير الثوري)) من مسموعات الحافظ إذ ذكره في ((معجمه)) (٣٦٧) لكنه عنده من رواية إسحاق بن الحسن الحربي عن أبي حذيفة. ٥٦ باب ٩/ح ٦٨٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ومُبتَغٍ في الإسلام سُنّة الجاهليَّة)) أي: يكون له الحقّ عند شخص، فيَطلُبه من غيره مَمَّن لا يكون له فيه مُشارَكة، كَوالِدِه أو ولده أو قريبه، وقيل: المراد مَن يريد بقاء سيرة الجاهليّة أو إشاعتها أو تنفيذها. و(سُنّة الجاهليَّة)) اسم جِنس يَعُمّ جميع ما كان أهل الجاهليَّة يَعتَمِدونَه من أخذ الجار بجاره والحليف بحَليفِه ونحو ذلك، ويَلتَحِق بذلك ما كانوا يَعتَقِدونَه، والمراد منه ما جاء الإسلام بتَركِهِ، كالطِّيَرة والكهانة وغير ذلك، وقد أخرج الطبرانيُّ(١) (٢٢/ ٤٩٨ ٤٩٩) والدّارَ قُطْنيّ (٣١٤٨) من حديث أبي شُرَيح رَفَعَه: ((إنَّ أعتَى الناس على الله مَن قَتَل غيرَ قاتله، أو طلبَ بدَمِ الجاهليَّة في الإسلام)»، فيُمكِن أن يُفسَّر به سُنّة الجاهليَّة في هذا الحديث. قوله: ((ومُطَّلِّب)) بالتَّشديد، مُفتَعِل من الطَّلَب، فأُبدِلَت التاءُ طاءً وأُدْغِمَت، والمراد: مَن يُبالغ في الطََّب. وقال الكِرْمانيُّ: المعنى: المتكلِّف للطَّلَب، والمراد الطََّب المترَتِّب عليه المطلوبُ لا ◌ُجرَّدُ الطَّلَب، أو ذَكَر الطَّلَب لَيَلزَم الزَّجرُ في الفعل بطريق الأولى. وقوله: ((بغير حَقّ)) احتراز عمَّن يقع له مِثْلُ ذلك لكن بحَقِّ، كَطلبِ القِصاص مثلاً. وقوله: (ليُهَريقَ)) بفتح الهاء ويجوز إسكانها، وقد تَسَّكَ به مَن قال: إنَّ العَزم المصَمِّم يُؤَاخَذ به، وتقدَّم البحث في ذلك في الكلام على حديث: ((مَن هَمَّ بحَسنةٍ)) في كتاب الرِّقاق (٦٤٩١). تنبيه: وقَفتُ لهذا الحديث على سبب، فقرأت في كتاب ((مكّة)) لعمر بن شَبّة (٢) من طريق عَمْرو بن دينار عن الزُّهْريّ عن عطاء بن يزيد قال: قُتِلَ رجلٌ بالمزدَلِفة - يعني: في غزوة الفتح - فذكر القصّة، وفيها أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((وما أعلمُ أحداً أعتَى على الله من ثلاثة: رجلٍ قَتَل في الحَرَم، أو قَتَل غيرَ قاتِلِه، أو قَتَل بذَحْلِ في الجاهليَّة)). ومن طريق مِسعَرَ(٣) عن عَمْرو بن مُرّة (١) فات الحافظَ أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (١٦٣٧٦)، على أنه قد روي من غير حديث أبي شُريح، فقد أخرجه أحمد (٦٦٨١) وغيره من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه ابن حبان (٥٩٩٦) من حديث ابن عُمر. (٢) وهو أيضاً في ((أخبار مكة)) للأزرقي ٢/ ١٢٤، وفي ((أخبار مكة)) للفاكهي (١٤٥٩). وقد روي موصولاً من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٦٦٨١) وغيره، وإسناده حسن. (٣) وهو من هذه الطريق أيضاً عند ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٩٦. ٥٧ باب ١٠/ح ٦٨٨٣ كتاب الديات عن الزُّهْريّ، ولفظه: ((إنَّ أجرأ الناس على الله)) فذكر نحوه، وقال فيه: ((وطلبَ بذُحولٍ الجاهليَّة)). ١٠ - باب العفو في الخطأ بعد الموت ٦٨٨٣- حدَّثنا فَرْوةُ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: هُزِمَ المشر كون يومَ أُحُد. وحذَّثني محمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا أبو مروانَ يحيى بنُ أبي زكريّا، عن هشام، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: صَرَخَ إِيلِيسُ يومَ أُحُدٍ في الناسِ: يا عبادَ الله! أُخراكم، فَرَجَعَت أُولاهم على أُخراهم، حتَّى قَتَلُوا الْيَمَانَ، فقال حُذَيفةُ: أبي أبي! فقَتَلوه، فقال حُذَيفةُ: غَفَرَ الله لكم. قال: وقد كان انهَزَمَ منهم قومُ حتَّى لَحِقوا بالطّائفِ. قوله: ((باب العَفْو في الخطأ بعد الموت)) أي: عَفو الوليّ لا عَفو المقتول، لأنَّه مُحالٌ، ويحتمل أن يَدخُل، وإِنَّا قَيَّدَه بما بعد الموت لأَنَّه لا يظهر أثرُه إلّا فيه، إذلو عَفا المقتول ثمَّ ماتَ لم يظهر لعَفِه أثر، لأنَّه لو عاشَ تَبيَّن أن لا شيء له يَعفو عنه. وقال ابن بَطّال: أجمعوا على أنَّ عَفو الوليّ إنَّما يكون بعد موت المقتول، وأمَّا قبل ذلك فالعفو للقتيل، خلافاً لأهلِ الظّاهر فإنَّهم أبطَلُوا عَفوَ القتيل. وحُجّة الجمهور: أنَّ الوليّ لمَّا قامَ مقام المقتول في طلب/ ما يَستَحِقّه، فإذا جُعِلَ له ٢١٢/١٢ العفو كان ذلك للأصيلِ أَولى، وقد أخرج أبو بكر بن أبي شَيْبة (٩/ ٣٢٤) من مُرسَل قَتَادة: أنَّ عُرْوة بن مسعود لمَّا دَعَا قومه إلى الإسلام فُرُميَ بسهمٍ فقُتِلَ، عَفا عن قاتلِه قبل أن يموت، فَأجازَ النبيّ ◌َّ عَفْوَه. قوله: ((حدَّثْنَا فَرْوة)) بِفاءٍ: هو ابن أبي المَغْراء. قوله: ((عن أبيه، عن عائشة: هُزِمَ المشركونَ يومٍ أُحُد)) سَقَطَ هذا القَدرُ لأبي ذرٍّ، وتَحوَّلَ إلى السَّند الآخر، فصارَ ظاهره أنَّ الرِّوايتَينِ سواء، وليس كذلك، ويحيى بن أبي زكريّا في السَّند الثّاني: هو يحيى بن يحيى الغَسّانيّ، وساقَ المتن هنا على لفظه، وأمَّا لفظ عليّ بن مُسِهِرٍ فتقدَّم في ٥٨ باب ١١-١٢/ح ٦٨٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ((باب مَن حَنِثَ ناسياً)) من كتاب الأيمان والتُّدور (٦٦٦٨)، وقد بيَّنت ذلك في الكلام عليه في غزوة أُحُد (٤٠٦٥). قوله: «فقال حُذَيفة: غَفَرَ الله لكم)) استَدَلَّ به مَن قال: إنَّ ديَتَه وَجَبَت على مَن حَضَرَ، لأنَّ معنى قوله: غَفَرَ الله لكم: عَفَوتُ عنكم، وهو لا يَعفو إلّا عن شيء استَحقَّ له أن يُطالب به. وقد أخرج أبو إسحاق الفَزَارِيُّ في (السِّيَ))(١) عن الأوزاعيِّ عن الزّهْريّ قال: أخطَأَ المسلمون بأبي حُذَيفة يومٍ أُحُد حتَّى قتلوه، فقال حُذَيفة: يَغْفِرِ الله لكم وهو أرحَمُ الرَّاحمين، فَلَغَت النبيَّ وَّهِ فزادَه عنده خيراً، ووَدَاه من عنده. وهذه الزّيادة تَرُدُّ قولَ مَن حَمَلَ قوله: فلم يزل في حُذَيفة منها بقيّة خير، على الحزن على أبيه، وقد أوضحتُ الردّ عليه في ((باب مَن حَنِثَ ناسياً). ويُؤخَذ منها أيضاً التَّعَقُّب على المحِبّ الطَّبَريّ حيثُ قال: حَمَلَ البخاريّ قول حُذَيفة: غَفَرَ الله لكم، على العفو عن الضَّمان وليس بصريح، فيُجاب بأنَّ البخاريّ أشارَ بهذا الذي هو غير صريح إلى ما وَرَدَ صريحاً، وإن كان ليس على شرطه، فإنَّه يُؤدِّد ما ذهب إليه. ١١ - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ الآيةَ [النساء: ٩٢]. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا﴾)) كذا لأبي ذرِّ وابن عساكر، وساقَ الباقونَ الآية إلى: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ولم يَذكُر مُعظَمُهم في هذا الباب حديثاً. ١٢ - باب إذا أقرّ بالقتل مرّةً، قُتل به ٦٨٨٤ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا حَبّانُ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةَ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ: أنَّ يهوديّاً رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حجرَينٍ، فقِيلَ لها: مَن فعل بكِ هذا؟ أفلانٌ؟ أفلانٌ؟ حتَّى سُمِّيَ (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: السنن. ٥٩ باب ١٢/ح ٦٨٨٤ كتاب الديات اليهوديُّ، فأوْمأت برأسِها، فجِيءَ باليهوديِّ فاعتَرَفَ، فأمَرَ به النبيُّ ◌َّهِ، فُرُضَّ رأسُه بالحجارةِ. وقد قال همَّامٌ: بحجرَينِ. قوله: ((باب إذا أقَّ بالقتلِ مرَّة، قُتِلَ به)) كذا لهم، وأمَّا النَّسَفيّ فَعَطَفَ بدون ((باب))، فقال بعد قوله: ﴿خَطًَا﴾ الآية: وإذا أقَرَّ ... إلى آخره، وذَكَروا كلُّهم حديثَ أنس في قصَّة اليهوديّ والجارية، ويحتاج إلى مُناسَبته للآية، فإنَّه لا يظهر أصلاً، فالصَّواب صنيع الجماعة. قال ابن المنذر: حَكَمَ الله في المؤمن يقتلُ المؤمنَ خطأً بالدّية، وأجمَعَ أهل العلم على ذلك، ثمَّ اختَلَفوا في قوله: ﴿وَ إِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ﴾ [النساء: ٩٢]، فقيلَ: المراد كافرٌ ولِعاقلَتِهِ الدّية من أجل العهد، وهذا قول ابن عبّاس والشَّعْبيّ والنَّخَعيِّ والزُّهريّ، وقيل: مُؤمِن، جاء ذلك عن النَّخَعيِّ وأبي الشَّعْثاء. قال الطَّبَرُّ: والأوَّل أَولِ، لأَنَّ الله أطلقَ الميثاق، ولم يَقُل في المقتول: وهو مُؤمِن، كما قال في الذي قبله، ويَتَرَجَّح بأنه(١) أيضاً حيثُ ذكر المؤمنَ ذكر الدّيةَ والكفَّارةَ معاً، وحيثُ ذكر الكافرَ ذكر الكفَّارةَ فقط، وهُنا ذكر الدّيةَ والكفَّارةَ معاً. قوله: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا﴾)) ذكر ابن إسحاق في (السِّيرة)(٢) سبب نزولها عن عبد الرَّحمن بن الحارث بن عبد الله بن عيَّاش - بتحتائيَّةٍ وشين مُعجَمة - أي: ابن أبي(٣) رَبيعة المخزوميّ، قال: قال القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق: نزلت هذه الآية في جَدِّك عيَّاش بن أبي ربيعة والحارث بن يزيد(٤) من بني عامر بن لُؤَيّ، وكان يُؤذيهم (١) لفظة ((بأنه) سقطت من (س). (٢) في رواية يونس بن بكير، وقد أخرجه من طريقه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢١٣٧)، والبيهقي ١٣١/٨، وابن الأثير في «أسد الغابة)) ١/ ٣٩٤. (٣) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). (٤) كذا وقع للحافظ اسمُ أبي الحارث، فأورده في ((الإصابة)) ٦٠٩/١ بعد اسم الحارث بن وهب، والذي في المصادر التي خرّجت الأثر من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق: الحارث بن زيد، لكن جاء اسمه الحارث بن يزيد في رواية غير ابن إسحاق، كما رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٠٤/٥ عن عكرمة، و کما رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٠٣١/٣ عن سعيد بن جبير، ولهذا كرَّر ذكره ابن الأثير، والله أعلم. ٦٠ باب ١٢/ ح ٦٨٨٤ فتح الباري بشرح البخاري بمكّة وهو كافر، فلمَّا هاجَرَ المسلمون أسلَمَ الحارث وأقبَلَ مُهاجِراً، حتَّى إذا كان بظاهرِ الحَّة لَقِيَه عيَّاش بن أبي ربيعة، فظنَّه على شِركه فَعَلَاهُ بالسَّيفِ حتَّى قتله، فنزلت. وروى هذه القصّة أبو يَعْلى (١) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن ابن إسحاق عن عبد الرَّحمن ابن الحارث عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه، فذكرها مُرسَلة أيضاً، وزاد في السَّند: عبد الرَّحمن بن القاسم، وأخرج ابن أبي حاتم في ((التَّفسير)) (١٠٣١/٣) من طريق سعيد بن جُبَير: أنَّ عيَّاش بن أبي ربيعة حَلَفَ لَيقتُلَنَّ الحارث بن يزيد إن ظَفِرَ به، فذكر نحوه، ومن طريق مجاهد نحوه لكن لم يُسمِّ الحارث، وفي سياقه ما يدلّ على أنَّه لَقِيَ النبيَّ وَ ◌ّل بعد أن أسلَمَ، ثمَّ خَرَجَ فقَتَلَه عيَّاش بن أبي رَبيعة. وقيل في سبب نزولها غير ذلك ممّا لا يَتْبُت. قوله: ﴿إِلَّا خَطَئًا﴾ هو استثناءٌ مُنقَطِعٌ عند الجمهور إن أُريدَ بالنَّفي معناه، فإنَّه لو قُدِّرَ ٢١٣/١٢ مُتَّصِلاً لكان مفهومُه: فله قتلُه، وانفَصَلَ مَن قال: إنَّه مُتَّصِلٌ، بأنَّ المراد بالنَّفي / التَّحریمُ، ومعنى ﴿إِلَّا خَطًَا﴾: بأن عَرَفَه بالكفرِ فقَتَلَه، ثمَّ ظَهَرَ أنَّه كان مُؤمِناً، وقيل: نُصِبَ على أنَّه مفعول له، أي: لا يقتلُه لشيءٍ أصلاً إلّا للخطأ، أو حالٌ، أي: إلّا في حال الخطأ، أو هو نَعتُ مصدَرٍ محذوفٍ، أي: إلّا قتلاً خطأً، وقيل: ((إلّا)) هنا بمعنى الواو، وجَوَّزَه جماعة، وقَيَّدَه الفَرّاء بشرطٍ مَفقود هنا، فلذلك لم يُحِزْه هنا. واستُدِلَّ بهذه الآية على أنَّ القِصاص من المسلم مُخْتَصّ بقتله المسلمَ، فلو قتل كافراً لم يجب عليه شيء، سواء كان حَربيّاً أم غير حَربيّ، لأنَّ الآيات بيَّنت أحكام المقتولينَ عَمداً ثُمَّ خطأ، فقال في الحَرْبِيّ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء:٨٩]، ثمَّ قال فيمَن لهم ميثاق: ﴿ فَمَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، وقال فيمَن عاوَدَ المحارَبة: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْنُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، وقال في الخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا﴾، فكان مفهومها أنَّ له أن يقتل الكافرَ عَمداً، فخَرَجَ (١) لم نقف عليه في ((مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، فلعله في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ، وهو أيضاً عند البلاذري في ((أنساب الأشراف)) ٢٠٩/١ و١٩٨/١٠، وكذا عند ابن المنذر في «تفسيره)» (٢١٠٩)، والبيهقي ٨/ ٧٢.