Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٢/ح ٦٨٦٧ -٦٨٧٥ كتاب الديات الحديث الرابع والخامس: قوله: ((رواه أبو بَكْرة وابن عبّاس)) يريد قوله: ((لا تَرجِعوا بعدي كفَّاراً»، وحديث أبي بكرة وَصَلَه المؤلِّف مُطوَّلاً في الحجّ (١٧٤١) وشُرِحَ هناك، ويأتي في الفتن أيضاً (٧٠٧٨)، وکذلك حديث ابن عبّاس (٧٠٧٩). الحديث السادس: حديث عبد الله بن عَمْرو في الكبائر، تقدَّم شرحه في كتاب الأدب(١). قوله: ((وعُقوق الوالدينِ - أو قال: اليمين الغَمُوس، شَكَّ شُعْبةُ -)) قلت: تقدَّم في الأيمان والنُّذُور (٦٦٧٥) من طريق النَّصْر بن شُمَيلِ عن شُعْبة بالواو بغير شَكٌّ، وزاد مع الثلاثة: ((وقتلُ النَّفس))، وهو المراد في هذا الباب. قوله: ((وقال مُعاذ)) هو ابن مُعاذ العَنْبَريّ، وهو من تَعاليق البخاريّ، وجَوَّزَ الکِرْمانيّ أن يكون مَقُولَ محمَّد بن بشار فیکون موصولاً، وقد وَصَلَه الإسماعيلّ من روایة ◌ُبید الله ابن مُعاذ عن أبيه، ولفظه: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعُقوق الوالدينِ - أو قال: قتل النَّفْس - واليمين الغَمُوس)) وهذا مُطابِقٍ لتعليق البخاريّ، إلّا أنَّ فيه تأخيرَ اليمين الغَمُوس، والغرض منه إنَّما هو إثبات قتل النَّس، وحاصل الاختلاف على شُعْبة أنَّه تارةً ذكرها وتارةً لم يذكرها، وأُخرى ذكرها مع الشكِّ. الحديث السابع: حديث أنس في الكبائر أيضاً، تقدَّم شرحه في كتاب الأدب (٥٩٧٧). الحديث الثامن: حديث أُسامة. قوله: ((حدَّثنا عَمْرو بن زُرارة، حدَّثْنَا هُشَيم)) تقدَّم في المغازي (٤٢٦٩) عن عَمْرو بن محمَّد عن هُشَيم، وكلاهما من شيوخ البخاريّ. قوله: ((حدّثنا مُشَیم)» في رواية الگُشمِيهنيّ(٢): أخبرنا. (١) يعني شرح متن الحديث، إذ جاء هناك عن أبي بكرة وأنس برقم (٥٩٧٦) و(٥٩٧٧)، وتقدم في الأدب أيضاً عن عبد الله بن عمرو لكن بلفظ: ((إنَّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)»، الحديث. (٢) نَسَبَ القسطلّاني هذه الرواية لأبي ذرِّ والأصيلي. ٢٢ باب ٢/ ح ٦٨٦٧ -٦٨٧٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا حُصَين)) في رواية أبي ذرِّ والأصِيلِيّ: أخبرَنا حُصَين، وهو ابن عبد الرَّحمن ١٩٥/١٢ الواسطيّ من صِغار التابعين، وأبو/ ظَبْيانَ، بظاءٍ مُعجَمة مفتوحة ثمَّ موحّدة ساكنة ثمَّ ياء آخر الحروف، واسمه أيضاً حُصَين، وهو ابن جُندُبٍ من كِبار التابعين. قوله: (بَعَثَنا رسولُ اللهِ وَلِّ إلى الحُرَقة)) بضمِّ المهمَلة وبالرَّاءِ ثمَّ قاف، وهم بطن من جُهَينة، تقدّمت نِسبتُهم إليهم في غزوة الفتح(١). قال ابن الكَلْبِيّ: سُمّوا بذلك لوقعةٍ كانت بينهم وبين بني مُرّة بن عَوْف بن سعد بن ذُبیان، فأحرَقوهم بالسِّهام لكَثْرة مَن قَتَلوا منهم، وهذه السَّريّة يقال لها: سَريَّة غالب بن عُبيد الله اللَّيغيّ، وکانت في رمضان سنة سبع، فیما ذكره ابن سعد (١١٩/٢) عن شیخه. وكذا ذَكَرَ ابن إسحاق في ((المغازي))(٢): حدَّثني شيخٌ من أسلَمَ عن رجال من قومه قالوا: بَعَثَ رسول الله وَّرِ غالب بن عُبيد الله الكَلْبِيّ ثمَّ اللَّيثيّ إلى أرض بني مُرّة، وبها مِرْداس بن نَهِيك حَليف لهم من بني الحُرَقة، فقَتَلَه أُسامة. فهذا يُبيِّ السَّبب في قول أُسامة: بَعَثنا إلى الحُرَقات من جُهَينة، والذي يظهر أنَّ قصَّة الذي قَتَل ثمَّ ماتَ فدُفِنَ ولَفَظَتْه الأرضُ(٣)، غير قصَّة أُسامة، لأنَّ أُسامة عاشَ بعد ذلك دَهراً طويلاً، وتَرجَمَ البخاريّ في المغازي (٤٢٦٩): بَعَثَ النبيّ ◌َِّ أُسامة بن زيد إلى الحُرُقات من جُهَينة، فجَرَى الدَّاوُوديّ في ((شرحه)) على ظاهره فقال: فيه تأمير مَن لم يَبلُغ. وتُعقِّبَ من وجهَين: أحدهما: أنَّه ليس فيه تصريح بأنَّ أُسامة كان الأميرَ، إذ يحتمل أن يكون جَعَلَ التَرجمة باسمِه لكَونِهِ وَقَعَت له تلك الواقعة لا لكَونِه كان الأميرَ، والثّاني: أنَّها إن كانت سنة سبع أو سنة ثمانٍ، فما كان أُسامة يومئذٍ إلّا بالغاً، لأنَّهم ذَكَروا أنَّه كان له لمَّا ماتَ النبيّ ◌َّ ثمانية عشر عاماً. (١) بل في الباب الذي قبل باب غزوة الفتح، حيث ترجم البخاري بقوله: ((باب بعث النبي وت طير أسامة بن زيد إلى الحُرَقات من جُهينة)) وهي ترجمة الحديث (٤٢٦٩). (٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة)) ٤/ ٢٩٧. (٣) روى هذه القصة عبد الرزاق في «تفسيره)) ١٦٩/١، ومن طريقه الطبري ٢٢٤/٥. ٢٣ باب ٢/ح ٦٨٦٧ -٦٨٧٥ كتاب الديات قوله: ((فصَبَّحْنا القومَ)) أي: هَجَموا عليهم صَباحاً قبل أن يَشعُرُوا بهم، يقال: صَبَّحتُه: أتيته صَباحاً بغتة، ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ﴾ [القمر: ٣٨]. قوله: ((وِحَقْتُ أنا ورجلٌ من الأنصار)) لم أقِفْ على اسم الأنصاريّ المذكور في هذه القصَّة. قوله: ((رجلاً منهم)) قال ابن عبد البَرّ: اسمه مِرداس بن عَمْرو الفَدَكيّ، ويقال: مِرداس بن نَهِيك الفَزَاريُّ، وهو قول ابن الكَلْبِيّ، قتله أُسامة وساقَ القصَّة. وذكر ابن مَندَهْ أنَّ أبا سعيد الخُدْريَّ قال: بَعَثَ رسول الله وَ لّه سَريَّة فيها أسامة إلى بني ضَمْرة، فذكر قتل أسامة الرجلَ(١). وقال ابن أبي عاصم في ((الدّيات)) (ص٣٦-٣٧): حدَّثنا يعقوب بن حُميد حدَّثنا يحيى ابن سُليم عن هشام بن حسَّان عن الحسن: أنَّ رسول الله وَلَه بَعَثَ خَيلاً إلى فَدَك، فأغارُوا عليهم، وكان مِرداس الفَدَكيّ قد خَرَجَ من اللَّيل وقال لأصحابِهِ: إنّ لاحق بمحمَّدٍ وأصحابِهِ، فَبَصُرَ به رجلٌ فحَمَلَ عليه، فقال: إنّ مُؤْمِن فَقَتَلَه، فقال النبيّ وَّ: ((هَلّا شَقَقت عن قلبه؟)) قال: فقال أنس: إنَّ قاتل مِرداس ماتَ فدَفَنوه، فأصبَحَ فوق القبر فأعادوه، فأصبَحَ فوق القبر مِراراً، فَذَكَروا ذلك للنبيِّ وَّهِ، فَأَمَرَ أن يُطرَح في وادٍ بين جبلين، ثمَّ قال: ((إنَّ الأرض لَتَقَبِلُ مَن هو شَرِّ منه، ولكنَّ الله وعَظَكم)). قلت: إن ثَبَتَ هذا فهو مِرداس آخر، وقتيل أسامة لا يُسمَّى مِرداساً، وقد وَقَعَ مِثل هذا عند الطَّبَريّ (٢٢٢/٥) في قتل مُحلِّم بن جَثّامة عامَرَ بنَ الأَضْبَط، وأنَّ مُحلِّماً لمَّا ماتَ ودُفِنَ لَفَظَتْه الأرضُ، فذكر نحوه. قوله: ((غَشِيناه) بفتح أوَّله وكسر ثانيه مُعجَمتَين، أي: لَحِقنا به حتَّى تَغَطَّى بنا، وفي رواية الأعمش عن أبي ظَبْيانَ عند مسلم (٩٦/ ١٥٨): فأدرَكتُ رجلاً، فطَعَنتُهُ بُمِی حتَّى قتلته، ووَقَعَ في حديث جُندُبٍ عند مسلم (٩٧/ ١٦٠): فلمَّا رَفَعَ عليه السَّيف قال: لا إله إلّا الله، فَقَتَلَه. ويُجمَع بأَنَّه رَفَعَ عليه السَّيف أوَّلاً، فلمَّا لم يتمكَّن من ضربه بالسَّيفِ طَعَنَه بالرُّمح. (١) أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٦١٩٦). ٢٤ باب ٢/ ح ٦٨٦٧ - ٦٨٧٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلمَّا قَدِمْنا)) أي: المدينة ((بَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ) في رواية الأعمَش: فَوَقَعَ في نفسي من ذلك شيءٌ، فذكرتُه للنبيِّ وَّه. ولا مُنافاةَ بينهما، لأنَّه يُحُمَل على أنَّ ذلك بَلَغَ النبيَّ ◌َه من أُسامة لا من غيره، فتقدير الأوَّل: بَلَغَ ذلك النبِيَّ نَ ◌ّ مِنِّي. قوله: ((أَقَتَلْتَه بَعْدما قال)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((بعد أن قال)) قال ابن التِّين: في هذا اللَّوم تعليم وإبلاغ في الموعِظة، حتَّى لا يُقدِم أحدٌ على قتل مَن تَلَفَّظَ بالتَّوحيد، وقال ١٩٦/١٢ القُرطُبيّ: في / تَكْرارُه ذلك، والإعراض عن قَبُول العُذر، زَجْرٌ شديد عن الإقدام على مثل ذلك. قوله: ((إنَّما كان مُتَعَوِّذً) في رواية الأعمَش: قالها خوفاً من السِّلاح، وفي رواية ابن أبي عاصم (ص٣٥) من وجه آخر عن أُسامة: إنَّما فعل ذلك ليُحرِزَ دَمَه. قوله: ((قال: قلت: يا رسول الله، والله إنَّما كان مُتَعَوِّذاً) كذا أعادَ الاعتذارَ، وأُعيدَ عليه الإنكارُ، وفي رواية الأعمَش: ((أَفَلا شَقَقتَ عن قلبه حتَّى تَعلم أقالها أم لا!». قال النَّوويّ: الفاعل في قوله: ((أقالها)) هو القلب، ومعناه: أنَّك إنَّما كُلِّفت بالعملِ بالظّاهِرِ، وما يَنطِق به اللِّسان، وأمَّا القلب فليس لك طريق إلى ما فيه، فأنكَرَ عليه تَرْكَ العمل بما ظَهَرَ من اللِّسان، فقال: أفَلا شَقَقت عن قلبه لتَنظُر هل كانت فيه حين قالها واعتَقَدَها أو لا؟ والمعنى: أنَّك إذا كنت لستَ قادراً على ذلك فاكتَفِ منه باللِّسان. وقال القُرطُبيّ: فيه حُجّة لمن أثبَتَ الكلام النَّفْسِيّ، وفيه دليل على ترتيب الأحكام على الأسباب الظّاهرة دونَ الباطنة. قوله: ((حتَّى تَنَّيتُ أنّي لم أكُن أسلَمْتُ قبل ذلك اليوم)) أي: أنَّ إسلامي كان ذلك اليوم، لأنَّ الإسلامِ يَجُبُّ ما قبله(١)، فَتَمنَّى أن يكون ذلك الوقتُ أوَّلَ دخولِه في الإسلام، ليأمَن من جَرِيرة تلك الفَعْلة، ولم يُرِد أنَّه تَمنَّى أن لا يكون مسلماً قبل ذلك. (١) إشارة إلى حديث بهذا اللفظ، أخرجه ابن إسحاق، كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٧٦/٢-٢٧٨، ومن طريقه أخرجه أحمد (١٧٧٧٧) وغيره، ضمن قصة إسلام عمرو بن العاص، والحديث له. ٢٥ باب ٢/ح ٦٨٦٧ -٦٨٧٥ كتاب الديات قال القُرطُبيّ: وفيه إشعار بأنَّه كان استَصغَرَ ما سَبَقَ له قبل ذلك من عمل صالح في مُقابلة هذه الفَعْلة، لما سمعَ من الإنكار الشَّدید. وإنَّما أورَدَ ذلك على سبيل المبالَغة، ويُبيِّن ذلك أنَّ في بعض طرقه في رواية الأعمَش(١): حتَّى تَمنَّیت أني أسلمت يومئذ. ووَقَعَ عند مسلم (١٦٠/٩٧) من حديث جُندُب بن عبد الله في هذه القصَّة زياداتٌ، ولفظه: بَعَثَ بَعْثاً من المسلمين إلى قوم من المشرِكينَ، فالتقوا، فأوجَعَ رجلٌ من المشرِكينَ فيهم فأبلَغَ، فَقَصَدَ رجلٌ من المسلمين غِيلَتَه، وكنَّا نَتَحدَّث أنَّه أُسامة بن زيد، فلمَّا رَفَعَ عليه السّيف قال: لا إله إلّا الله، فقَتَلَه، الحديث، وفيه: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قال له: ((فكيف تَصنَع بلا إله إلّا الله إذا جاءت(٣) يوم القيامة؟)) قال: يا رسول الله، استَغْفِر لي، قال: ((كيف تَصنَع بلا إله إلّا الله؟» فجَعَلَ لا يزيده على ذلك(٣). وقال الخطّابِيُّ: لعلَّ أُسامة تأوَّلَ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، ولذلك عَذَرَه النبيّ ◌َ ◌ّ فلم يُلزِمه ديةً ولا غيرَها. قلت: كأنَّه حَمَلَ نفي النَّفْع على عمومه دُنيا وأُخرى، وليس ذلك المراد، والفَرق بين المقامَينِ أنَّه في مِثل تلك الحالة يَنفَعه نَفعاً مُقِيَّداً بأن يَجِبَ الكَفُّ عنه حتَّى يُخْتَبَر أمرُه، هل قال ذلك خالصاً من قلبه أو خَشْيَةً من القتل؟ وهذا بخِلاف ما لو هَجَمَ عليه الموت، ووَصَلَ خروج الرّوح إلى الغَرْغَرة، وانكَشَفَ الغِطاء فإنَّه إذا قالها لم تنفعه بالنِّسبة لحُكمِ الآخرة، وهو المراد من الآية. وأمَّا كَونُه لم يُلزِمِه ديةً ولا كفَّارةً، فَتَوقَّفَ فيه الذَّاوُوديّ، وقال: لعلَّه سَكَتَ عنه لعِلمِ السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدّية والكفَّارة. (١) عند مسلم أيضاً (٩٦) (١٥٨). (٢) في (ع): إذا كان، وفي (س): إذا أتتك، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في ((صحيح مسلم)). (٣) زاد بعد هذا في (ع) وحدها: وفي هذه القصة مخالفة لحديث أسامة في كون قتلِه الرجلَ كان بطعْن الرمح لا بضرْب السيف، ويترجح الأول بأنه من طريق صاحب القصة، أو تكون هذه القصة لغير أسامة، وقوله: وكنا نتحدث أنه أسامة كان على سبيل الظنّ، والأول أولى. ٢٦ باب ٢/ح ٦٨٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال القُرطُبيّ: لا يَلزَم من السُّكوت عنه عَدَمُ الوقوع، لكن فيه بُعدٌ، لأنَّ العادة جَرَت بعَدَمِ السُّكوت عن مِثل ذلك إن وَقَعَ. قال: فيُحتمل أنَّه لم يجب عليه شيءٌ، لأنَّه كان مأذوناً له في أصل القتل(١)، فلا يَضمَن ما أتلَفَ من نفسٍ ولا مالٍ، كالخاتنِ والطَّبيب، أو لأنَّ المقتول كان من العدوّ، ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يَستَحِقّ دِيَته. قال: وهذا يَتَمَشَى على بعض الآراء، أو لأنَّ أُسامة أقَرَّ بذلك ولم تَقُم بذلك بيِّةٌ، فلم تَلَزَم العاقلةَ الدّیةُ. وفيه نظرٌ. قال ابن بطال: كانت هذه القصّة سببَ حَلفِ أُسامةً أن لا يقاتل مسلماً بعد ذلك، ومن ثَمَّ تَخَلَّفَ عن عليّ في الجمل وصِفّينَ كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن. قلت: وكذا وَقَعَ في رواية الأعمَش المذكورة(٢): أنَّ سعد بن أبي وقّاص كان يقول: لا أُقاتل مسلماً حتَّى يقاتله(٣) أُسامة. واستَدَلَّ به النَّوويّ على رَدِّ الفَرْعِ الذي ذكره الرّافعيّ فيمَن رأى كافراً أسلَمَ فَأُكرِمَ إكراماً كثيراً، فقال: لَيتَني كنت كافراً فأسلَمت لأُكرَمَ، فقال الرَّافعيّ: يَكفُر بذلك، ورَدَّه ١٩٧/١٢ النَّوويّ بأنَّه لا يَكفُر لأنَّه جازِم بالإسلام في الحال/ والاستقبال، وإنَّما تَنَّى ذلك في الحال الماضي مُقَيِّداً لها بالإيمان ليَتِمَّ له الإكرام، واستَدَلَّ بقصَّة أُسامة. ثمّ قال: ويُمكِنُ الفَرْق. الحديث التاسع: حديث عُبادة. قوله: ((حدَّثني يزيد)) هو ابن أبي حَبِيب المِصريّ، وأبو الخير: هو مَرَد بن عبد الله، والصُّنابِحِيّ: هو عبد الرَّحمن بن عُسَيلة، بمُهمَلَتَينِ مُصفَّر. قوله: ((إنّ من النُّقَباء الذينَ بايعوا رسول الله وَّ)) يعني: ليلة العَقَبة. قوله: ((بايعْناه على أن لا نُشْرِك)) ظاهره أنَّ هذه البيعة على هذه الكيفيَّة كانت ليلة العَقَبة، (١) نص عبارة ((المفهم)): مأذوناً له في أصل القتال؛ وهو أليقُ بالمقام، ويكون المعنى: مأذوناً له في أصل القتال الذي قد ينتج عنه القتل. (٢) عند مسلم (٩٦) (١٥٨). (٣) لفظ الرواية عند مسلم وغيره: لا أقتل مسلماً حتى يقتله .... ٢٧ باب ٢/ح ٦٨٧٥ كتاب الديات وليس كذلك كما بيَّنْتُه في كتاب الإيمان في أوائل (الصَّحيح))(١)، وإنَّما كانت البيعة ليلة العَقَبة على المنشَط والمكرَه في العُسر واليُسر ... إلى آخره، وأمَّا البيعة المذكورة هنا وهي التي تُسمَّى بيعة النِّساء، فكانت بعد ذلك بمُدّةٍ، فإنَّ آية النِّساء(٢) التي فيها البيعة المذكورة نزلت بعد عمرة الحديبية في زمن الهُدْنة وقبل فتح مكّة، فكأنّ البيعة التي وَقَعَت للرِّجال على وَفْقِها كانت عام الفتح، وقد أوضحتُ ذلك والسَّبب في الحَمْل عليه في كتاب الإيمان (١٨)، ومَضَى شرح هذا الحديث هناك. الحدیث العاشر: حديث ابن عمر. قوله: ((جويرية)) بالجيم تصغير جارية، وهو ابن أسماء، سمعَ من نافع مولى ابن عمر، وحدَّث عنه بواسطة مالك أيضاً. قوله: ((مَن ◌َلَ علينا السِّلاح فليس مِنّا)) المراد: مَن حَمَلَ عليهم السّلاح لقتالهم، لما فيه من إدخال الرُّعب عليهم، لا مَن ◌َلَه لحِراسَتِهِم مثلاً، فإنَّه يَحِمِله لهم لا عليهم. وقوله: ((فليس مِنّا)) أي: على طريقتنا، وأُطلِقَ اللَّفظُ مع احتمال إرادة أنَّه ليس على المِلّة للمُبالَغة في الزَّجر والتَّخويف، وسيأتي بَسطُ ذلك في كتاب الفتن (٧٠٧٠) إن شاء الله تعالى. الحديث الحادي عشر: قوله: ((رواه أبو موسى، عن النبيّ(وَّ) قلت: سيأتي موصولاً مع شرحه في كتاب الفتن (٧٠٧١)، ومعه حديث أبي هريرة (٧٠٧٢) بمعناه، وهو عند مسلم (٩٩) من حديث سَلَمة بلفظ: ((مَن حَمَلَ علينا السَّيف))(٣). الحديث الثاني عشر: قوله: ((حدَّثنا أيوب)) هو السَّختِيانيّ، ويونس: هو ابن عُبيد البصريّ، والحسن: هو البصريّ. (١) عند شرح الحديث (١٨). (٢) يعني الآية قبل الأخيرة من سورة الممتحنة. (٣) لفظ الرواية عند مسلم وغيره: ((من سَلَّ علينا السيف فليس منا)). ٢٨ باب ٣-٤/ح ٦٨٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (عن الأحنف)) هو ابن قیس. قوله: (لِأَنصُرَ هذا الرجلَ)) هو عليّ بن أبي طالب، وكان الأحتَفَ تَخَلَّفَ عنه في وقعة الجمل. قوله: ((إذا التَّقَى المسلمان بسيفَيهما)) بالَّنية، وفي رواية الكُشمِيهنيّ بالإفراد (١). قوله: ((في النار)) أي: إن أنفَذَ الله عليهما ذلك، لأنَّهِمَا فَعَلا فعْلاً يَسْتَحِقّان أن يُعذَّبا من أجلِه. وقوله: ((إنَّه كان حريصاً على قتل صاحبه)) احتَجَّ به الباقلانيّ ومَن تَبِعَه على أنَّ مَن عَزَمَ على المعصية يأثَم ولو لم يفعلها، وأجابَ مَن خالَفَه بأنَّ هذا شَرَعَ في الفعل، والاختلافُ فيمَن هَمَّ مُجرَّداً ثمَّ صَمَّمَ ولم يفعل شيئاً هل يأثَم؟ وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَّ في شرح حديث: ((مَنْ هَمَّ بحَسنةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ» في كتاب الرِّقاق (٦٤٩١). وقال الخطَّبيُّ: هذا الوعيد لمن قاتَلَ على عَدَاوة دُنْيَويَّة أو طلبٍ مُلكِ مثلاً، فأمَّا مَن قاتَلَ أهلَ البَغي أو دَفَعَ الصّائِلَ فَقُتِلَ فلا يَدخُل في هذا الوعيد، لأنَّه مأذونٌ له في القتال شَرعاً، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الفتن أيضاً (٧٠٨٣) إن شاء الله تعالى. ٣- باب قول الله تعالى: وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى﴾ الآيةَ [البقرة: ١٧٨] قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَلْلَى ﴾ الآية)» ١٩٨/١٢ كذا لأبي ذرٍّ، وفي/ رواية الأصِيليّ والنَّسَفيّ وابن عساكر: ﴿اَلْقَلْلِىّ الْحُرُّ بِالْخُرُ ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وللإسماعيليّ: ﴿ اُلْقَبْلَى﴾ إلى قوله: ﴿أَلِيمٌ﴾، وساقَ في رواية كَرِيمة الآية كلّها. ٤ - باب سؤال القاتل حتّى يُقِرّ، والإقرار في الحدود ٦٨٧٦- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا هنٌَّ، عن فَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ يهوديّاً رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حَجرَينٍ، فقِيلَ لها: مَن فعل بكِ هذا؟ أفلانٌ أو فلانٌ؟ حتَّى سَمَّی (١) كذا قال الحافظ وتبعه العيني، وهو عكس ما جاء في اليونينية و((إرشاد الساري)) أنَّ رواية الإفراد للحَقُّوِيّ والمستملي، والتثنية للگُشميهني. ٢٩ باب ٤/ ح ٦٨٧٦ كتاب الديات اليهوديَّ، فأَتِيَ به النبيُّ ◌َّةِ، فلم يزَل به حتَّى أَقَرَّ، فُرُضَّ رأسه بالحجارةِ. قوله: «باب سؤال القاتل حتَّى يُقِرّ، والإقرار في الحدود)) كذا للأكثر، وبعده حديث أنس في قصّة اليهوديّ والجارية. ووَقَعَ عند النَّسَفيّ وكَرِيمة وأبي نُعَيم في ((المستخرَجِ)) بحذفِ ((باب))، وقالوا بعد قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: وإذا لم يَزَل(١) يَسأل القاتلَ حتَّى أقَرَّ، والإقرار في الحدود. وصنیعُ الأكثر أشبه، وقد صَرَّحَ الإسماعيليّ بأنَّ التَّرجمة الأولى بلا حديثٍ. قلت: والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافُؤْ في القصاص، وهو قول الجمهور، وخالَفَهم الكوفيّونَ، فقالوا: يُقتَل الحُرّ بالعبد والمسلم بالكافرِ الذِّمّيّ، وتَسَّكوا بقولِه تعالى: ﴿وَكَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. قال إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)): الجمع بين الآيتينِ أولى، فتُحمَل النَّفس على المكافِئة، ويُؤيِّده اتِّفاقُهم على أنَّ الحُرّ لو قَذَفَ عبداً لم يجب عليه حَدّ القَذف. قال: ويُؤخَذ الحكم من الآية نفسها، فإنَّ في آخرها: ﴿فَمَن تَصَدَفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، والكافر لا يُسمَّى متصدِّقاً ولا مُكَفَّراً عنه، وكذلك العَبد لا يَتصدَّق بجُرحِه لأنَّ الحقّ لسَيِّدِه. وقال أبو ثَور: لمَّ انَّفَقوا على أنَّه لا قِصاص بين العَبيد والأحرار فيما دونَ النَّفْس كانت النَّفْس أولى بذلك. قال ابن عبد البَرّ: أجمعوا على أنَّ العَبد يُقتَل بالحُرِّ، وأنَّ الأُنْثَى تُقتَل بالذَّكَرِ ويُقتَل بها، إلّا أنَّه وَرَدَ عن بعض الصحابة كَعليٍّ والتابعين كالحسن البصريّ: أنَّ الذَّكَر إذا قتل الأُنثَى فشاءَ أولياؤُها قتلَه وجَبَ عليهم نصف الدّية، وإلّا فلهم الدّية كاملة. قال: ولا يَثْبُت عن عليّ، لكن هو قول عثمان البَتّ أحد فقهاء البصرة، ويدلّ على التكافُؤْ بين الذَّكَر (١) سقط من (أ) و(ع) قوله: ((يزل)) فانقلب المعنى، والمثبت على الصواب من (س)، وهو الموافق لما في هامش اليونينية، وهو الموافق أيضاً لنص الحديث المذكور. ٣٠ باب ٤/ح ٦٨٧٦ فتح الباري بشرح البخاري والأُنثَى أنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ مقطوعَ اليد والأعورَ لو قتله (١) الصَّحيح عمداً لَوجَبَ عليه القِصاص، ولم يجب له بسببٍ عَيْنه أو يده دیةٌ. قوله في التَّرجمة: ((سؤال القاتل حتَّى يُقِرَّ) أي: مَن اتُّهُمَ بالقتل ولم تَقُم عليه البيِّنة. قوله: «حدّثنا همَّام)» هو ابن یحیی. قوله: ((عن أنس)) في رواية حَبّان - بفتح المهمَلة وتشديد الموحّدة - عن همَّام الآتية بعد سبعة أبواب (٦٨٨٤): حدَّثنا أنس. قوله: ((أنَّ يهوديّاً)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((رَضَّ رأسَ جارية)) الرَُّّ - بالضّادِ المعجَمة - والرَّضحُ بمعنَّى، والجارية يحتمل أن تکون أمةً ویحتمل أن تکون حُرّة لکن دونَ البلوغ، وقد وَقَعَ في روایة هشام بن زید عن أنس في الباب الذي يليه (٦٨٧٧): خَرَجَت جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة، فرَماها يهوديٌّ بحجرٍ، وتقدَّم من هذا الوجه في الطَّلاق (٥٢٩٥) بلفظ: عَدا يهوديّ على جارية، فأخَذَ أوضاحاً كانت عليها، ورَضَخَ رأسَها، وفيه: فأتى أهلُها رسولَ الله وَّ وهي في آخر رَمَق. وهذا لا يُعيِّنُ كَونَها حُرّةً، لاحتمال أن يُراد بأهلِها مَواليها رَقيقةً كانت أو عَتيقةً، ولم أقِف على اسمها، لكن في بعض طرقه(٢): أنَّها من الأنصار، ولا تَنافيَ بين قوله: رَضَّ رأسها بين ١٩٩/١٢ حجرَين، وبين قوله: رَماها بحجرٍ، وبين قوله: رَضَخَ رأسها، لأنَّه يُجمَع بينها بأنَّه رَماها/ بحجٍ فأصاب رأسها فسَقَطَت على حجر آخر. وأمَّا قوله: ((على أوضاحٍ)) فمعناه: بسببِ أوضاح، وهي بالضّادِ المعجَمة والحاء المهمَلة: (١) كذا نقل الحافظ كلام ابن عبد البر مُلخِّصاً له، ولكنه عكس مراده بأن جعل القاتل هو الصحيح والمقتول هو مقطوع اليد أو الأعور، وذلك أنَّ نص عبارة ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٨٠٢٨) يفيد عكس ما قاله الحافظ هنا، بأنَّ مقطوع اليد أو الأعور إذا قتل رجلاً سالم الأعضاء لا يجتمع عليه مع القصاصِ نصفُ الدية مقابل اليد الأخرى للسليم أو مقابل العين الأخرى للسليم، وبه يستقيم كلام الحافظ هنا لو قال: لو قتل الصحيحَ عمداً .... ، وكذا لو قال بعد ذلك: ولم يجب عليه بسبب عينه أو يده دية. (٢) عند مسلم (١٦٧٢) (١٦) من طريق أبي قلابة عن أنس. ٣١ باب ٤/ ح ٦٨٧٦ كتاب الديات جمع وضَحِ، قال أبو عُبيد: هي حُليّ الفِضّة، ونَقَلَ عِيَاض: أنَّها حُليّ من حجارة. ولعلَّه أراد حجارة الفِضّة، احترازاً من الفِضّة المضروبة أو المنقوشة. قوله: ((فقيلَ لها: مَن فعل بك هذا؟ أفلانٌ أو فلانٌ؟» في رواية الكُشمِيهنيّ: ((فلان أو فلان؟» بحذفِ الهمزة، وقد تقدَّم في الإشخاص (٢٤١٣) من وجه آخر عن همَّام: ((أفلان أفلان؟» بالتكرار بغير واو عطف. وجاء بيان الذي خاطَبَها بذلك في الرِّواية التي تَلي هذه، بلفظ: فقال لها رسول الله قال﴾: «فلانٌ قتلك؟))، وبيَّن في رواية أبي قلابةً عن أنس عند مسلم وأبي داود: فدَخَلَ عليها رسول الله وَ ل﴾، فقال لها: ((مَن قتلك؟))(١). قوله: ((حتَّى سَمّى اليهوديَّ) زاد في الرِّوايتَينِ اللَّتَينِ في الإشخاص (٢٤١٣) والوصايا (٢٧٤٦): فأومأت برأسِها، ووَقَعَ في رواية هشام بن زيد في الرِّواية التي تَلي هذا بيانُ الإيماء المذكور، وأنَّه كان تارة دالًا على النَّفي وتارة دالًا على الإثبات، بلفظ: ((فلان قتلك؟)) فَرَفَعَت رأسها، فأعادَ فقال: ((فلان قتلك؟)) فَرَفَعَت رأسها، فقال لها في الثّالثة: ((فلان قتلك؟)) فخَفَضَت رأسَها، وهو مُشعِر بأنَّ فلاناً الثّانيَ غيرُ الأوَّل، ووَقَعَ التَّصريح بذلك في الرّواية التي في الطَّلاق (٥٢٩٥)، وكذا الآتية بعد بابينِ (٦٨٧٩): فأشارَت برأسِها: أن لا، قال: ((ففلان؟)) لرجلٍ آخر - يعني عن رجل آخر - فأشارَت: أن لا، قال: ((ففلان؟)) قاتِلَها، فأشارَت: أن نعم. قوله: ((فلم يَزَل به حتَّى أَقَرَّ)) في الوصايا: فجِي ءَ به يَعتَرِف(٢)، فلم يَزَل به حتَّى اعتَرَفَ. قال أبو مسعود: لا أعلمُ أحداً قال في هذا الحديث: فاعتَرَفَ، ولا: فأقَرَّ، إلّا هَمَّام بن یحیی(٣). (١) هذا لفظ رواية هشام بن زيد عن أنس عند أبي داود (٤٥٢٩)، وأما رواية أبي قلابة عن أنس عند مسلم (١٦٧٢) (١٦)، وأبي داود (٤٥٢٨) فلم يَرد فيها سؤاله ◌َّه للجارية أصلاً. (٢) لفظة ((يعترف)) لم تَرِدْ في شيءٍ من روايات البخاري، حسب ما في اليونينية. (٣) كذا نقل الحافظ كلام أبي مسعود الدمشقي، وأقره عليه، مع أنَّ حماد بن سلمة قد رواه عند أحمد (١٣٠٠٦) وكذا أبان بن يزيد العطار عند ابن الجارود (٨٣٧)، كلاهما عن قتادة، فالأصح هو قول ابن المرابط في آخر شرح الحديث أنَّ التفرد من قتادة. ٣٢ باب ٤/ ح ٦٨٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قال المهلَّب: فيه أنَّه ينبغي للحاكم أن يشتدّ(١) على أهل الجِنايات، ثمَّ يَتَلَطَّف بهم حتَّى يُقِرّوا ليُؤخَذوا بإقرارهم، وهذا بخِلَاف ما إذا جاؤوا تائبين، فإنَّه يُعرِض عمَّن لم يُصرِّح بالجِناية، فإنَّه يجب إقامة الحدّ عليه إذا أقَرَّ، وسياق القصَّة يقتضي أنَّ اليهوديّ لم تَقُم عليه بَيِّنة، وإنَّما أُخِذَ بإقراره. وفيه أنَّه تجب المطالَبة بالدَّم بمُجرَّدِ الشَّکوی وبالإشارة. قال: وفيه دليل على جواز وصيّة غير البالغ ودَعواه بالدَّينِ والدَّم. قلت: في هذا نظر، لأنَّه لم يَتَعيَّن كَونُ الجارية دونَ البلوغ. وقال المازَرِيّ: فيه الردّ على مَن أنكَرَ القِصاصَ بغيرِ السَّيف، وقَتْلَ الرجل بالمرأة. قلت: وسيأتي البحث فيهما في بابينِ مُفرَدَين. قال: واستَدَلَّ به بعضهم على التَّدمية(٢)، لأنَّها لو لم تُعتَبَر لم يكن لسؤال الجارية فائدة. قال: ولا يَصِحّ اعتباره مُجَّداً لأنَّه خِلَاف الإجماع، فلم يَبقَ إلّا أنَّه يفيد القَسامة. وقال النَّويّ: ذهب مالك إلى ثُبُوت قتل المتَّهَم بمُجرَّدٍ قول المجروح، واستَدَلَّ بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قول باطل، لأنَّ اليهوديّ اعتَرَفَ كما وَقَعَ التَّصريح به في بعض طرقه، ونازَعَه بعض المالكيَّة فقال: لم يَقُل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بُبوت القتل على المتَّهم بمُجرَّدٍ قول المجروح، وإنَّما قالوا: إنَّ قول المحتَضَر عند موته: فلانٌ قتلني، لَوْثٌ(٣) يوجِب القَسامة، فيُقْسِم اثنان فصاعداً من عَصَبَتِّه بشرطِ الذُّكوريَّة، وقد وافَقَ بعضُ المالكيَّة الجمهورَ. واحتَجَّ مَن قال بالتَّدمية أنَّ دَعوى مَن وَصَلَ إلى تلك الحالة، وهي وقت إخلاصه وتَوبَته عند مُعاينة مُفارَقة الدُّنيا، يدلّ على أنَّه لا يقول إلّا حقّاً، قالوا: وهي أقوى من قول (١) تحرف في (ع) إلى: يستدعي، وفي (س) إلى: يستدل. (٢) التدمية: هي قول المقتول قبل موته: دمي عند فلان، أو قتلني فلان، وهو اصطلاح المالكية، وإن كان غيرهم قد تناول هذه المسألة في باب القسامة، ولم يُسمِّها بالتَّدمية. والقسامة بالفتح: هي الأيمان في الدماء. (٣) اللَّوث: هي الشبهة القوية التي توجب غَلَبة الظن بصحة التهمة. ٣٣ باب ٤/ ح ٦٨٧٦ كتاب الديات الشافعيَّة: إنَّ الوليّ يُقْسِمُ إذا وَجَدَ قُرب وليِّه المقتولِ رجلاً معه سِكّينٌ، لجوازٍ أن يكون القاتلُ غيرَ مَن معه السّكّين. قوله: ((فُرُضَّ رأسه بالحجارة)) أي: دُقَّ، وفي رواية الإشخاص (٢٤١٣): فرضخَ(١) رأسه بين حجرَين، ويأتي في رواية حَبّان (٦٨٨٤) أنَّ هَمَّاماً قال كلَّ من اللَّفْظَين، وفي رواية هشام التي تليها: فقَتَلَه بين حجرَين، ومَضَى في الطَّلاق بلفظ الرِّواية التي في الإشخاص، وفي رواية أبي قِلَابةَ عند مسلم: فأمَرَ به فرُجِمَ حتَّى ماتَ، لكن في رواية أبي داود من هذا الوجه: فَقُتِلَ بين حجرَينِ(٢). قال عِیَاض: رَضخُه بین حجرینِ ورَمُه بالحجارة ورَجُه بها بمعنَى، والجامعُ أنَّه/ رُميَ بحجرٍ أو أكثرَ ورأسُه على آخرَ. ٢٠٠/١٢ وقال ابن التِّين: أجابَ بعض الحنفيَّة بأنَّ هذا الحديث لا دلالة فيه على الماثلة في القِصاص، لأنَّ المرأة كانت حَيَّةً والقَوَدُ لا يكون في حَيّ، وتَعقَّبَه بأنَّهِ إِنَّا أمَرَ بقتله بعد موتها، لأنَّ في الحديث: ((أفلان قتلك؟))، فدَلَّ على أنَّها ماتت حينئذٍ، لأنَّها كانت تَّجُود بنفسِها، فلمَّا ماتت اقتَصَّ منه. وادَّعَى ابن المُرابِط من المالكيَّة: أنَّ هذا الحُكمَ كان في أوَّل الإسلام، وهو قَبُول قول القتيل، وأمَّا ما جاء أنَّه اعتَرَفَ فهو في رواية قَتَادة، ولم يَقُلُه غيره، وهذا ممَّا عُدَّ عليه. انتهى، ولا يخفى فساد هذه الدَّعوى، فقَتَادةُ حافظٌ زيادَتُه مقبولة لأنَّ غيره لم يَتعرَّض لنفِها فلم يَتَعارضا، والنَّسخ لا يَئُت بالاحتمال. واستُدِلَّ به على وجوب القِصاص على الذِّمّيّ، وتُعقِّبَ بأنَّه ليس فيه تصريح بكَونِهِ ذِمّاً، فيحتمل أن يكون مُعاهَداً أو مُستأمَناً، والله أعلم. (١) كذا في الأصلين و(س) مع أنَّ الذي في الرواية هناك دون خلاف بين روايات البخاري حسب ما في اليونينية: فُرُضَّ رأسُه. وكذلك جاء في الأصل الخطّي الذي عندنا برواية أبي ذرّ. (٢) بل هذا لفظ أبي داود (٤٥٢٩) من طريق هشام بن زيد عن أنس، ولو أنَّ عبارة الحافظ هذه كانت قبل ذكر الرواية التي في الطلاق لاستقام الأمر، إذ تعود الإشارة عندئذٍ لرواية هشام، وأما لفظ رواية أبي داود (٤٥٢٨) من طريق أبي قلابة فبنحو لفظ رواية مسلم من طريقه. ٣٤ باب ٥/ح ٦٨٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ٥- باب إذا قَتَل بحجرٍ أو عَصاً ٦٨٧٧ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله بنُ إدرِيسَ، عن شُعْبةَ، عن هشامِ بنِ زيدِ بنِ أنسٍ، عن جَدِّه أنسِ بنِ مالكِ، قال: خَرَجَت جاريةٌ عليها أوْضاحٌ بالمدينة، قال: فَرَماها يهوديٌّ بحجرٍ، قال: فجِيءَ بها إلى النبيِّ وَلَه وبها رَمَقٌّ، فقال لها رسولُ الله ◌َلَ: ((فلانٌ قَتَلَكِ؟)) فَرَفَعَت رأسَها، فأعادَ عليها، قال: ((فلانٌ قَتَلَكِ؟)) فَرَفَعَت رأسَها، فقال لها في الثّالثة: ((فلانٌ قَتَلَكِ؟)) فخَفَضَت رأسَها، فدَعَا به رسولُ الله ◌َّهِ، فَقَتَلَه بينَ الحَجَرَينِ. قوله: ((باب إذا قَتَلَ بحجرٍ أو عَصاً)) كذا أطلقَ ولم يَبْتَّ الحُكمَ، إشارةً إلى الاختلاف في ذلك، ولكنَّ إیراده الحدیث یشیر إلى ترجيح قول الجمهور. وذكر فيه حديث أنس في اليهوديّ والجارية، وهو حُجّة للجُمهورِ أنَّ القاتل يُقتَلُ بما قَتل به، وتَسَّكوا بقولِه تعالى: ﴿ وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وبقولِه تعالى: ﴿فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وخالَفَ الكوفيّونَ فاحتَجّوا بحديث: ((لا قَوَد إلّا بالسَّيف))، وهو ضعيف، أخرجه البزَّار (٣٦٦٣) وابن عَديّ (٨٢/٧) من حديث أبي بكرة، وذكر البزَّار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده. وقال ابن عَديّ: طرقه كلُّها ضعيفة، وعلى تقدير ثُبوته فإنَّه على خِلَاف قاعدَتهم في أنَّ السُّنّة لا تَنسَخ الكتاب ولا تُخُصِّصه، وبالنَّهي عن المثلة(١)، وهو صحيح، لكنَّه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص جمعاً بين الدَّليلَين. قال ابن المنذر: قال الأكثر: إذا قتله بشيءٍ يقتُل مِثلُه غالباً فهو عَمْد، وقال ابن أبي ليلى: إن قتَل بالحجرِ أو العصا نُظِرَ، إن كَرَّرَ ذلك فهو عَمْد وإلّا فلا، وقال عطاء وطاووسٌ: شرطُ العَمْد أن يكون بسلاح، وقال الحسن البصريّ والشَّعْبيّ والنَّخَعَيّ والحَكَم وأبو حنيفة ومَن تَبِعَهم: شرطه أن يكون بحديدةٍ. واختُلِفَ فيمَن قَتَل بعَصاً فأُقيدَ بالضَّربِ بالعصا فلم يَمُت، هل يُكرَّر عليه؟ فقيلَ: (١) تقدم من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري برقم (٢٤٧٤). ٣٥ باب ٦/ح ٦٨٧٨ كتاب الديات يُكرَّر(١)، وقيل: إن لم يَمُت قُتِلَ بالسَّيفِ، وكذا فيمَن قُتل بالتَّجويع. وقال ابن العربيّ: يُستَثَنَى من الماثلة ما كان فيه معصية كالخمرِ واللِّواط والتَّحريق، وفي الثّالثة خِلَاف عند الشافعيّة، والأوَّلان بالاتّفاق، لكن قال بعضهم: يُقتَل بما يقوم مقام ذلك. انتهى، ومن أدلَّة المانعينَ حديث المرأة التي رَمَتِ ضَرَّتها بعَمودِ الفُسطاط فقَتَلَتها، فإنَّالنبيّ وَّ جَعَلَ فيها الدّية، وسيأتي البحث فيه في ((باب جَنين المرأة)) (٦٩٠٤)، وهو بعد باب القَسامة. ومحمَّد في أوَّل السَّند جَزَمَ الكَلَاباذيّ بأنَّه ابن عبد الله بن نُمَير، وقال أبو عليّ بن السَّكَن: هو ابن سَلَام(٢). ٢٠١/١٢ ٦ - باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْبَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِأَلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُّ. وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ٦٨٧٨ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((لا تَحِلُّ دَمُ امرئ مسلم يَشهَدُ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنّي رسولُ الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: النَّفْسُ بالنّفْسِ، وَالثَِّّبُ الزّاني، والمغارِقُ لِدِينه الناركُ للجَمَاعِةِ)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والأَصِيليّ، وعند النَّسَفيّ بعده: الآيةَ، إلى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلَّلِمُونَ﴾، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾. والغرض من ذِكْر هذه الآية مُطابقَتُها للفظ الحديث، ولعلَّه أراد أن يُبيِّن أنَّها وإن ورَدَت في أهل الكتاب، لكنَّ الحُكم الذي دَلَّت عليه مُستَمِرّ في شريعة الإسلام. وهو أصل في القصاص في قتل العَمْد. قوله: «عن عبد الله)) هو ابن مسعود. (١) وقع في (س): لم يكرر، بالنفي، وهو خطأ. (٢) وبه جزم المزي في ((التحفة)) (١٦٣١). ٣٦ باب ٦/ح ٦٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال رسول الله وَله: لا يَحِلّ)) وَقَعَ في رواية سفيان الثَّوْريّ عن الأعمَش عند مسلم (٢٦/١٦٧٦) والنَّسائيِّ (٤٠١٦) زيادةٌ في أوَّله، وهي: قامَ فينا رسول الله ◌ََّ(١)، فقال: ((والذي لا إله غيره، لا يَحِلّ)». وظاهر قوله: ((لا يَحِلّ)) إثبات إباحة قتل مَن استُثنيَ، وهو كذلك بالنِّسبة لتحريمِ قتل غيرهم، وإن كان قتلُ مَن أُبيحَ قتلُه منهم واجباً في الحُكم. قوله: ((دَم امرِئٍ مسلم)) في رواية الثَّوْريّ: ((دَم رجل))(٢)، والمراد: لا يَحِلّ إراقة دمه، أي: کلّه، وهو کِناية عن قتله، ولو لم يُرِقْ دِمُه. قوله: ((يَشهَد أن لا إله إلّا الله)) هي صِفَةٌ ثانية ذُكِرَت لبيان أنَّ المراد بالمسلم هو الآتي بالشَّهادتين، أو هي حالٌ مُقَيِّدةٌ للموصوفِ، إشعاراً بأنَّ الشَّهادة هي العُمْدة في حَقْن الدَّم، وهذا رَجَّحَه الطِّييُّ، واستَشهَدَ بحديثِ أُسامة: ((كيف تَصنَع بلا إله إلّا الله؟))(٣). قوله: ((إلّا بإحدى ثلاث)) أي: خِصالٍ ثلاثٍ، ووَفَعَ في رواية الثَّوْريّ: ((إلّا ثلاثةُ نَفَرٍ)). قوله: ((الثَّيِّب الزّاني))(٤) أي: فيَحِلّ قتلُه بالرَّجم، وقد وَقَعَ في حديث عثمان عند النَّسائِّ (٤٠٥٧) بلفظ: ((رجلٌ زَنَى بعد إحصانه فعليه الرَّجْمُ))، قال النَّوويّ: الزّاني يجوز فيه إثبات الیاء و حذفها، وإثباتها أشھَر. قوله: ((والنّفْس بالنَّفْسِ)) أي: مَن قَتَل عَمداً بغيرِ حَقٌّ حَلَّ قتلُه بشَرْطِهِ، ووَقَعَ في حديث عثمان المذكور: ((أو قَتَلَ عَمداً فعليه القَوَد))، وفي حديث جابر عند البزَّار(٥): ((ومَن قتل نفساً ظُلماً)). (١) لم يقع في رواية النسائي ذكر قيام رسول الله وَّر فيهم. (٢) في رواية النسائي: ((دم امرئ)) كرواية الباب. (٣) سلف قريباً برقم (٦٨٧٢). (٤) كذا بدَأ بشرح هذه القطعة من الحديث، وفاقاً لرواية أحمد (٣٦٢١)، ومسلم (١٦٧٦) وغيرهم من طرق عن الأعمش، إذ بدؤوا بها، والّا فرواية البخاري بالابتداء بذكر النفس بالنفس. (٥) كما في ((كشف الأستار)) (١٥٣٩). ٣٧ باب ٦/ح ٦٨٧٨ كتاب الديات قوله: ((والمغارقُ لدينِهِ التاركُ للجماعةِ)) كذا في رواية أبي ذرِّ عن الكُشمِيهنيّ، وللباقينَ: (والمارق من الدّين))، لكن عند النَّسَفَيّ والسَّرَخْسِيّ والمُستَمْلي: ((والمارقِ لِدينِهِ)). قال الطِّييُّ: المارقِ لدينِهِ: هو التارك له، من المُروق وهو الخروج، وفي رواية مسلم (١٦٧٦/ ٢٥): ((والتارك لدينه المفارق للجماعة))، وله في رواية الثَّوْريّ: ((المفارق للجماعة))، وزاد: قال الأعمَش: فحَدَّثت بها إبراهيم - يعني النَّخَعيَّ - فحدَّثني عن الأسود - يعني ابن يزيد - عن عائشة، بمِثلِه. قلت: وهذه الطَّريق أغفَلَ المِّيّ في ((الأطراف)) ذِكْرها في مُسنَد عائشة، وأغفَلَ التَّنبيهَ عليها في ترجمة عبد الله بن مُرّة عن مسروق عن ابن مسعود، وقد أخرجه مسلم أيضاً (٢٦/١٦٧٦) بعده من طريق شَيْبانَ بن عبد الرَّحمن عن الأعمَش، ولم يَسُق لفظَه، لكن قال: بالإسنادَينِ جميعاً، ولم يَقُل: ((والذي لا إله غيره). وأفَرَدَه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦١٦١) من طريق شَيْبانَ(١) باللَّفظِ المذكور سواء. والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين، أي: فارَقَهم أو تَرَكَهم بالارتداد، فهي صِفَة للتّاركِ أو المفارق لا صِفَة / مُستَقِلّة، وإلّا لكانتِ الخِصال أربعاً، وهو كقوله قبل ذلك: ((مسلم يَشهَد أن لا ٢٠٢/١٢ إله إلّا الله) فإنَّهَا صِفَة مُفسِّرة لقولِه: ((مسلم))، وليست قَيداً فيه، إذ لا يكون مسلماً إلّا بذلك. ويُؤْيِّد ما قلته أنَّه وَقَعَ في حديث عثمان: ((أو يَكفُر بعد إسلامه)) أخرجه النَّسائيُّ (٤٠٥٨) بسندٍ صحيح، وفي لفظ له صحيح أيضاً (٤٠٥٧): ((ارتَدَّ بعد إسلامه))، وله من طريق عَمْرو بن غالب عن عائشة: ((أو كفرَ بعد ما أسلَمَ))(٢)، وفي حديث ابن عبّاس عند الطبراني(٣) (١١٥٣٢): ((مُرتَدٌ بعد إيمان)). قال ابن دقيق العيد: الرِّدّة سبب لإباحة دَم المسلم بالإجماع في الرجل، وأمَّا المرأة ففيها خِلَاف. وقد استُدِلَّ بهذا الحديث للجُمهورِ في أنَّ حُكمها حُكم الرجل لاستواءِ حُكمهما (١) تحرف في مطبوع أبي عوانة إلى: سفيان، والتصويب من («إتحاف المهرة)) (١٣٢٢٠) ومن كلام الحافظ هنا. (٢) هذا اللفظ عند أحمد (٢٤٣٠٤)، أما عند النسائي (٤٠١٧) فلفظه: ((أو كفر بعد إسلامه)). (٣) في (س): النسائي، بدل: الطبراني، وهو خطأ. ٣٨ باب ٦/ح ٦٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري في الزنى، وتُعقِّبَ بأنَّها دلالة اقتران وهي ضعيفة. وقال البيضاويّ: ((التارك لدينِهِ)) صِفَة مُؤكِّدة للمارق، أي: الذي تَرَكَ جماعة المسلمين وخَرَجَ من ◌ُلَتهم. قال: وفي الحديث دليل لمن زَعَمَ أنَّه لا يُقتَلُ أحدٌ دَخَلَ في الإسلام بشيءٍ غير الذي عُدِّدَ كَتَركِ الصلاة، ولم يَنفَصِل عن ذلك، وتَبِعَه الطِّيبيّ. وقال ابن دقيق العيد: قد يُؤخَذ من قوله: ((المفارق للجماعة)) أنَّ المراد المخالفُ الأهلِ الإجماع، فيكون مُتَمسَّكاً لمن يقول: مخالفُ الإجماع كافرٌ، وقد نُسِبَ ذلك إلى بعض الناس، وليس ذلك بالهَيِّن، فإنَّ المسائل الإجماعيَّة تارة يَصحَبها التَّواتُر بالنَّقْلِ عن صاحب الشَّرع كوجوبِ الصلاة مثلاً، وتارة لا يَصحَبها التَّواتُر، فالأوَّل يَكفُر جاحدُه لمُخالَفة التَّواتر لا لمُخالَفة الإجماع، والثّاني لا یَکفُر به. وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): الصَّحيح في تكفير مُنكِر الإجماع تقییدُه بإنكار ما يُعلم وجوبُه من الدّين بالضّرورة كالصَّلَوات الخمس، ومنهم مَن عَبَّرَ بإنكار ما عُلمَ بالتَّواتُّر، ومنه القول بحدوثِ العالَم، وقد حكى عِيَاضُ وغيره الإجماعَ على تكفير مَن يقول يُقِدَمِ العالَمَ. وقال ابن دقيق العيد: وَقَعَ هنا مَن يَدَّعي الحِذْق في المعقُولات ويَميل إلى الفَلسَفة، فظنَّ أنَّ المخالف في حُدوث العالم لا يَكفُر لأنَّه من قبيل مُخالَفة الإجماع، وتَسَّكَ بقولِنا: إنَّ مُنكِرِ الإجماع لا يَكفُر على الإطلاق حتَّى يَثْبُتَ النَّقْلُ بذلك مُتَواتراً عن صاحب الشَّرع. قال: وهو تَسُّكُ ساقط إمّا عن عَمّى في البصيرة أو تَعام، لأنَّ حُدوث العالم من قبيل ما اجتَمَعَ فيه الإجماعُ والتَّواتُرُ بالنَّقَل. وقال النَّوويّ: قوله: ((التارك لدينِه)) عامٌّ في كلّ مَن ارتَدَّ بأيِّ رِدّة كانت، فيَجِبُ قتله إن لم يَرجِع إلى الإسلام، وقوله: ((المفارِق للجماعة)) يَتناول كلّ خارج عن الجماعة ببدعةٍ أو نفي إجماع، كالرَّوافضِ والخوارج وغيرهم، كذا قال، وسيأتي البحث فيه. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): ظاهر قوله: ((المفارِق للجماعة)) أنَّه نَعت للّاركِ لدينِهِ، لأنَّه ٣٩ باب ٦/ح ٦٨٧٨ كتاب الديات إذا ارتَدَّ فارَقَ جماعة المسلمين، غير أنَّه يَلتَحِق به كلَّ مَن خَرَجَ عن جماعة المسلمين وإن لم يَرتَّدَّ، كمَن يمتنع من إقامة الحدّ عليه إذا وجَبَ ويقاتَل على ذلك، كأهلِ البَغي وقُطّاع الطَّريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم، قال: فيتناولهم لفظ المفارِق للجماعة بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك لم يَصِحّ الحَصر، لأنَّه يَلزَم أن يَنْفيَ مَن ذُكِرَ ودمه حلال فلا يَصِحّ الخَصر، وکلام الشّارع مُتَزَّه عن ذلك، فدَلَّ على أنَّ وصفَ المفارقة للجماعة يَعُمّ جميع هؤلاء. قال: وتحقيقه أنَّ كَلَّ مَن فارَقَ الجماعة تَرَكَ دينَه، غير أنَّ المرتَدْ تَرَكَ كلّه، والمفارق بغير رِدّة تَرَكَ بعضه. انتهى، وفيه مُناقَشة لأنَّ أصل الحَصْلة الثّالثة الارتداد فلا بُلَّ من وجوده، والمفارق بغير رِدّة لا يُسمَّى مُرتَدّاً، فيلزَم الخُلف في الحَصْر. والتَّحقيق في جواب ذلك أنَّ الحصرَ فيمن يجب قتلُه عيناً، وأمَّا مَن ذكرهم، فإنَّ قتلَ الواحد منهم إنَّما يُباح إذا وَقَعَ حالَ المحارَبة والمقاتلة، بدليل أنَّه لو أُسِرَ لم يَجُزْ قتلُه صَبْراً اتِّفاقاً في غير المحاربين، وعلى الرَّاجح في المحاربين أيضاً. لكن يَرِدُ على ذلك قتلُ تارك الصلاة، وقد تَعرَّضَ له ابن دقيق العيد، فقال: استُدِلَّ بهذا الحديث أنَّ تارك/ الصلاة لا يُقتَل بتَركِها لكَونِه ليس من الأُمور الثلاثة. وقال: ٢٠٣/١٢ ويذلك استَدَلَّ شيخ والدي الحافظُ أبو الحسن بن المفضَّل المقدِسيُّ في أبياته المشهورة، ثمَّ ساقَها ومنها - وهو كافٍ في تحصيل المقصود هُنا -: والرَّأي عَنْدي أن يُعزِّره الإما مُ بكلِّ تَعزيرٍ يَراهُ صَوابا فالأصلُ عِصْمَتُه إلى أن يَمْتَطِي إحدى الثلاثِ إلى الهَلاكِ رِکابا قال: فهذا من المالكيَّة اختارَ خِلافَ مذهبه. وكذا استَشكَلَه إمام الحرمَينِ من الشافعيَّة. قلت: تارك الصلاة اختُلِفَ فيه: فذهب أحمدُ وإسحاق، وبعض المالكيَّة، ومن الشافعيّة ابن خُزَيمةَ وأبو الطيِّب بن سَلَمة وأبو عُبيد بن حَرْبويه(١) ومنصور الفقيه وأبو جعفر التِّرمِذيّ: إلى أنَّه يَكفُر بذلك ولو لم يَجِحَد وجوبها، وذهب الجمهور: إلى أنَّه يُقتَل حَدّاً، وذهب الحنفيَّة ووافَقَهم المُزَنُّ: إلى أنَّه لا يَكفُر ولا يُقتَل. (١) تحرف في (س) إلى: جويرية. ٤٠ باب ٦/ح ٦٨٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ومن أقوى ما يُستَدَلّ به على عَدَم كفره حديث عُبادة رَفَعَه: ((خمس صَلَوات كَتَبِهُنَّ الله على العباد)) الحديث، وفيه: ((ومَن لم يأتِ بِهِنَّ فليس له عند الله عهدٌ، إن شاءَ عَذَّبَه، وإن شاءَ أدخَلَه الجنَّة))، أخرجه مالك (١/ ١٢٣) وأصحاب السُّنَن(١) وصَحَّحَه ابن حِبّان (١٧٣١) وابن السَّكَن وغيرهما. وَسَّكَ أحمدُ ومَن وافَقَه بظَواهر أحاديثَ ورَدَت بتكفيره (٢)، وحَمَلَها مَن خالَفَهم على المستَحِلّ جمعاً بين الأخبار، والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد: وأراد بعض مَن أدرَكْنا زمانَه أن يُزيل الإشكال، فاستَدَلَّ بحديث: ((أُمِرت أن أُقاتل الناس حتَّى يَشْهَدوا أن لا إله إلّا الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة))، ووجه الدَّليل منه أنَّه وَقَفَ العِصْمة على المجموع، والمرتَّبُ على أشياء لا يَحَصُل إلّا بحصولِ مجموعها، ويَنتَفي بانتفاءِ بعضها. قال: وهذا إن قَصَدَ الاستدلالَ بمنطوقِه، وهو ((أُقاتل الناس ... )) إلى آخره، فإنَّه يقتضى الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد ذَهَلَ، للفَرقِ بين المقاتلة على الشَّيء والقتل عليه، فإنَّ المقاتلة مُفاعَةٌ تقتضى الحصول من الجانبين، فلا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة قتل الممتَنِعِ من فعلها إذا لم يقاتل، وليس النِّزاع في أنَّ قوماً لو تَرَكوا الصلاة ونَصَبوا القتال أنَّه يجب قتالهم، وإنَّما النَّظَر فيما إذا تَرَكَها إنسان من غير نَصْب قتال، هل يُقتَل أو لا؟ والفرق بين المقاتلة على الشَّيء والقتل عليه ظاهرٌ، وإن كان أخَذَه من آخر الحديث، وهو تَرَتُّبُ العِصْمة على فعل ذلك، فإنَّ مفهومه يدلّ على أنَّهَا لا تَتَرَتَّب على فعل بعضه، هانَ الأمر، لأنَّها دلالة مفهوم، ومخالفُه في هذه المسألة لا يقول بالمفهوم، وأمَّا مَن يقول به فله أن يَدفَع حُجَّته بأنَّه عارَضَته دلالة المنطوق في حديث الباب، وهي أرجَحُ من دلالة المفهوم فتُقَدَّم عليها. واستَدَلَّ به بعض الشافعيَّة لقتل تارك الصلاة، لأنَّه تاركٌ للدّينِ الذي هو العمل، وإنّما (١) أخرجه أبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، وابن ماجه (١٤٠١)، والنسائي (٤٦١). (٢) كحديث: ((إنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر تركُ الصلاة))، أخرجه مسلم (٨٢) وغيره من حديث جابر بن عبد الله.