Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود وقال ابن التِّين: هو مَثَلُ، يقال للفَرَسِ الجَواد: تَقَطَّعَت أعناق الخيل دونَ لَحَاقِهِ. وَقَعَ في رواية أبي مَعشَر(١) المذكورة: ومن أين لنا مِثل أبي بكر نَمُدُّ أعناقَنا إليه. قوله: ((من غير)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: عن غير ((مَشورة))، بضمِّ المعجمة وسكون الواو وبسكونِ المعجَمة وفتح الواو ((فلا يُبايع)) بالموخَّدة، وجاء بالمثنّة وهو أوْلى (٢)، لقولِه: هو والذي تابَعَه. قوله: (تَغِرّةً أن يُقْتَلا)) بِمُئنّةٍ مفتوحة وغَين مُعجَمةٍ مكسورةٍ وراءٍ ثقيلةٍ بعدها هاءُ تأنيثٍ، أي: حَذَراً من القتل، وهو مصدرٌ من: أغَرَرته تَغْريراً أو تَغِرّةً، والمعنى: أنَّ مَن فعل ذلك، فقد غَرَّرَ بنفسِه وبصاحبِهِ وعَرَّضَهما للقتل. قوله: ((وإنَّه قد كان من خَيِرِنا)) كذا للأكثرِ من الخبر بفتح الموحّدة، ووَقَعَ للمُستَمْلِي بسكونِ التَّحتانيَّة(٣) والضَّمير لأبي بكر، وعلى هذا فيُقرأ: إنَّ الأنصار، بالكسر على أنَّه ابتداء كلام آخرَ، وعلى رواية الأكثر بفتح همزة ((أنَّ) على أنَّه خَبَرُ ((كان)). قوله: ((خالَفونا)) أي: لم يَجْتَمِعوا مَعَنا في مَنزِل رسول الله وَّل. قوله: ((وخالَفَ عَنّ عليٌّ والزُّبَيرُ ومَن معَهما)) في رواية مالكٍ ومَعمَرٍ (٤): وأنَّ عليّاً والزُّبَير ومَن كان معهما تَخلَّفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله وَلَه. وكذا في رواية سفيان(٥) لكن قال: ((العبَّاس)) بَدَل ((الزُّبَيرِ)). قوله: ((يا أبا بَكْر انطَلِقٍ بنا إلى إخواننا» زاد في رواية جُویریةَ عن مالك(٦): «فبينما نحنُ (١) رواية أبي معشر عند البزار في ((مسنده) (٢٨٦). وقوله: ((نَمُدُّ» جاء في (س): تمدُّ، بالتاء على البناء للمفعول. (٢) كذا قال الحافظ والعيني في («العمدة)» ٢٤/ ١٠، بناءً على ما وقع لهما من قوله بعد ذلك: والذي تابعه، يعني من المتابعة، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري أنها: والذي بايعه، من البيعة. (٣) يعني: خیرنا. (٤) رواية مالك عند أحمد في «المسند» (٣٩١)، وابن حبان (٤١٤)، ورواية معمر بهذا اللفظ عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٥٨). (٥) عند البزار في ((مسنده)) برقم (١٩٤). (٦) رواية جويرية بن أسماء عند ابن حبان برقم (٤١٤). ٦٠٢ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ١٥١/١٢ في مَنْزِل رسول الله وٍَّ إذا برجلٍ ينادي من وراء الجِدار: اخرُج إليَّ يا ابن الخطّاب،/ فقلت: إليك عنِّي فإنّي مشغولٌ، قال: اخرج إليَّ فإنَّه قد حَدَثَ أمرٌّ، إنَّ الأنصار اجتَمَعوا فأدرِكوهم قبل أن يُحدِثوا أمراً يكون بينكم فيه حَربٌ، فقلت لأبي بكر: انطَلِق. قوله: ((فانطَلَقْنا نُريدُهم)) زاد جُويريةُ: فَلَقيَنا أبو عبيدة بن الجرّاح فأخَذَ أبو بكر بيَدِه يمشي بيني وبينه. قوله: ((لَقْيَنَا رَجُلانِ صالحانِ)) في رواية مَعمَر عن ابن شِهاب: شَهِدا بدراً، كما تقدَّم في غزوة بدر (٤٠٢١)، وفي رواية ابن إسحاق(١): رجلا صِدق عُوَيمُ بن ساعِدة ومَعن بن عَديّ. كذا أَدَرَجَ تسميتهما، وبيَّن مالك(٢) أنَّه قول عُرْوة، ولفظُه: قال ابن شهاب: أخبرني عُرْوة أنَّهمَا مَعْن بن عَديّ وعُوَيم بن ساعدة. وفي رواية سفيان: قال الزُّهْريّ: هما، ولم يذكُر عُرْوة، ثمَّ وجَدته من رواية صالح بن كَيْسانَ راوِبِهِ (٣) في هذا الباب بزيادةٍ، فأخرجه الإسماعيليّ من طريقه وقال فيه: قال ابن شِهاب: وأخبرني عُرْوة أنَّ الرَّجلينِ فسَما هما، وزادَ: فأمَّا عُوَيمَ فهو الذي بَلَغَنا أنَّه قيل: يا رسول الله، مَن الذينَ قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨] قال: ((نِعمَ المرءُ منهم عُوَيمُ بنُ ساعِدَة)) وأمَّا مَعْنٌ فَبَلَغَنا أنَّ الناس بَكَوا على رسول الله بَ لِّ حين تَوفّاه الله، وقالوا: وَدِدْنا أنّا مُتنا قبلَه لئلّاً نُفْتَتَن بعده، فقال مَعْن بن عَديّ: والله ما أُحِبُّ أن لو مُتّ قبلَه حتَّى أُصَدِّقَه مَيِّئاً كما صَدَّقته حَيّاً، واستُشهِدَ باليَمامة(٤). قوله: ((ما تَمَالَاً) بفتح اللّام والهمز، أي: اتَّفَقَ، وفي رواية مالك: الذي صَنَعَ القومُ، أي: من اتِّفاقهم على أن يُبابِعوالسعدِ بن عُبادة. (١) عند ابن أبي شيبة ١٤/ ٥٦٣ -٥٦٧. (٢) عند ابن حبان (٤١٤). (٣) تحرَّف في (س) إلى: رواية. (٤) هو بتمامه في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢/ ٦٦٠ من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة، وفي ((تاريخ الطبري)» ٢/ ٢٠٣ من طريق عبّاد بن راشد عن الزُّهريّ، به. وهو في ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٤٢٦/٣ من طريق صالح بن كيسان عن الزهريّ، به. مقتصراً علی ذکر قصَّة عویم بن ساعدة دون قصّة معن. ٦٠٣ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود قوله: ((لا عليكم أن لا تَقْرَبُوهم)) لا بعد أن زائدةٌ. قوله: ((اقضُوا أمرَكُم)» في رواية سفيان: امهَلوا حتَّى تَقضُوا أمرَكُم. ويُؤخَذ من هذا أنَّ الأنصار كلّها لم تَجتَمِع على سعد بن عُبادة. قوله: ((مُزَمَّلٌ)) بِزاىٍ وتشديد الميم المفتوحة، أي: مُلَفَّفٌ. قوله: ((بين ظَهْرانَيهِم) بفتح المعجمة والنُّون، أي: في وسَطهم. قوله: ((يُوعَك)) بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة، أي: يَحَصُل له الوَعْكُ - وهو الْحُمَّى بنافِضٍ - ولذلك زُمِّلَ. وفي رواية سفيان: وُعِكَ بصيغة الفعل الماضي، وزَعَمَ بعض الشُّرَاحِ أنَّ ذلك وَقَعَ لسعدٍ من هَول ذلك المقام، وفيه نَظَرِّ؛ لأنَّ سعداً كان من الشُّجعان والذينَ كانوا عنده أعوانُه وأنصارُه وقد اتَّفَقوا على تأميره، وسياقُ عمرَ يقتضي أنَّه جاء فوجَدَه مَوعوكاً، فلو كان ذلك حَصَلَ له بعد كلام أبي بكر وعمر، لكان له بعضُ النَّجاهِ لأنَّ مِثلَه قد يكون من الغَيْظ، وأمّا قبلَ ذلك فلا. وقد وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: قالوا: سعدٌ وُجِعَ يُوعَك. وكأنَّ سعداً كان مَوعوكاً، فلمَّا اجْتَمَعوا إليه في سَقيفة بني ساعدة - وهو منسوبةٌ إليه لأنَّه كان كبيرَ بني ساعدة خَرَجَ إليهم من مَنزِله وهو بتلكَ الحالة، فطَرَقَهم أبو بكر وعمر في تلكَ الحالة. قوله: (تَشَهَّدَ خَطيُهم)) لم أقِفْ على اسمه، وكان ثابتَ بن قيسٍ بن شِماس يُدعَى خطيبَ الأنصار، فالذي يظهر أنَّه هو. قوله: ((وكَتيبةُ الإسلام)) الكتيبةُ بمُثنّاةٍ ثمّ موحّدة وزنُ عَظِيمة، وجمعُها كتائبُ: هي الجيش المجتَمِع الذي لا يَنْتَشِرُ(١)، وأُطلقَ عليهم ذلك مُبالَغة كأنَّه قال لهم: أنتم مُجُتَمَع الإسلام. قوله: ((وأنتم مَعْشَرَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَعَاشِرَ))(٢). (١) تحرَّف في (س) إلى: ((يتقشر)). (٢) ومثل ذلك قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١١، ولكن ذكر القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٢٣/١٠ أنَّ رواية ((معاشر)) لأبي ذرّ عن الحقُّوي والمستملي، ومثل ذلك وقع في هامش اليونينية! ٦٠٤ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((رَهْطُ)) أي: قليلٌ، وقد تقدَّم أنَّه يقال للعشرة فما دُونها، زاد ابنُ وهبٍ في روايته: مِنّ، وكذا لَمَعمَر، وهو يَرفَع الإشكال فإنَّه لم يُرِد حقيقةَ الرَّهط، وإنَّما أطلقَه عليهم بالنّسبة إليهم، أي: أنتم بالنّسبة إلينا قليل، لأنَّ عَدَد الأنصار في المواطِن النبويَّة التي ضُبِطَت كانوا دائماً أكثرَ من عَدَد المهاجِرِينَ، وهو بناءً على أنَّ المراد بالمهاجِرِينَ: مَن كان مسلماً قبلَ فَتْح مَكّة وهو المعتمَد، وإلّا فلو أُريدَ عُمومٍ مَن كان من غير الأنصار لكانوا أضعافَ أضعافِ الأنصارِ. قوله: ((وقد دَقَّتْ دافّةٌ من قومِكُم)) بالدّال المهمَلة والفاء، أي: عَدَدٌ قليلٌ، وأصلُه من الذَّفِّ: وهو السَّيرُ البَطيء في جماعةٍ. قوله: ((يَخْتَزِلونا)) بِخاءٍ مُعجَمةٍ وزاي، أي: يَقْتَطِعونا عن الأمر ويَنْفَرِدوا به دُوننا، وقال ١٥٢/١٢ أبو زيد: / خَزَلته عن حاجته: عَوَّقته، والمراد هنا بالأصلِ ما يَستَحِقّونَه من الأمر. قوله: ((وأن يَخْضُنُونا)) بحاءٍ مُهمَلٍ وضادٍ مُعجَمةٍ. ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي: ((أي يُخْرِجونا، قاله أبو عُبيد)) وهو كما قال(١) يقال: حَضَنَه واحتَضَنَه عن الأمر: أخرجَه في ناحيةٍ عنه واستَبَدَّ به، أو حَبَسَه عنه؟ ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن: ((يَحَتَصّونا))(٢) بمُثنّةٍ قبل الصّاد المهمَلة وتشديدها، ومثله للكُشْمِيهنيّ لكن بضمِّ الحاء بغير تاءٍ (٣) وهي بمعنى الاقتطاع والاستئصال، وفي رواية سفيان عند البزَّار: وتَخْتَصّونَ(٤) بالأمرِ أو تَستأثِرونَ بالأمرِ دوننا. وفي رواية أبي بكر الحنفيّ عن مالك عند الدّارَ قُطنيّ: ويَخْطَفونَ، بخاٍ مُعجَمة ثمَّ طاءٍ مُهمَلة ثمَّ فاء. والرِّواياتُ كلُّها مُتَّفِقة على أنَّ قوله: فإذا هم ... إلى آخره، بقيَّة كلام خطيب الأنصار، لكن وَقَعَ عند ابن حبان(٥) بعد قوله: وقد دَفَّت دافّة من قومكُم: قال عمر: فإذا هم يريدونَ ... إلى آخره، وزيادة (١) قوله: ((قال)) سقط من (س). (٢) كذا في (أ) ومثله في ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١١ على مقتضى معنى الاقتطاع والاستئصال المذكور عند الحافظ هنا، ووقع في (س) و(ع) ((يختصونا)) بالخاء المعجمة، وهو تصحيف. (٣) تصحّف قوله: ((الحاء)) في (ع) و(س) إلى: ((الخاء)) معجمة. (٤) تحرَّف في المطبوع من ((مسند البزار)) (١٩٤) إلى: ((تختصمون)) بزيادة ميم بعد الصاد. (٥) في (س): ابن ماجه، وهو خطأ، والمثبت على الصواب من الأصلين. ٦٠٥ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود قوله هنا: قال عمر: خطأ، والصَّواب أنَّه كلّه كلام الأنصار، ويدلّ له قولُ عمرَ: فلمَّا سَكَتَ، وعلى ذلك شَرَحَه الخطَّبيُّ فقال: قوله: ((رَهْطٌ)) أي: أنَّ عَدَدكم قليل بالإضافة للأنصار، وقوله: ((دَفَّتْ دافّةٌ من قومِكُمْ)) يريد أنَّكم قومٌ طُرَأَةٌ غُرَباءُ أقبَلتُم من مَكّة إلينا، ثمَّ أنتم تريدون أن تستأثروا علينا. قوله: ((فلمَّا سَكَتَ)) أي: خطيبُ الأنصار، وحاصلُ ما تقدَّم من كلامه أنَّه أخبر أنَّ طائفة من المهاجِرِينَ أرادوا أن يَمنَعوا الأنصار من أمرٍ تَعتَقِد الأنصار أنَّهم يَسْتَحِقّونَه، وإِنَّا عَرَّضَ بذلك بأبي بكر وعمرَ ومَن حَضَرَ معهما. قوله: ((أرَدْتُ أن أتكلّمَ وكنتُ قد زَوَّرْتُ)) بِزايٍ ثَّ راءٍ، أي: هَيَّتُ وحَسَّنتُ، وفي رواية مالكٍ(١): رَوَّيت، براءٍ ثمَّ واوٍ ثقيلة ثمَّ تحتائيَّة ساكنة من الرِّيَّةِ، ضِدّ البديهة، ويُؤيِّده قولُ عمرَ بعدُ: فما تَرَكَ كلمةً - وفي رواية مالك: ما تَرَكَ من كلمة - أعجَبَتَنِي فِي رَوِيَّتي إلّا قالها في بَدِيهَه. وفي حديث عائشة (٣٦٦٨): وكان عمرُ يقول: والله ما أردت بذلك(٢) إلّا أنّي قد هَيَّات كلاماً قد أعجبني خَشيت أن لا يَبلُغَه أبو بكر. قوله: ((على رِسْلِكَ)) بكسر الرَّاء وسكون المهمَلة ويجوز الفتح، أي: على مَهَلِك بفتحَتَينِ، وقد تقدَّم بيانه في الاعتكاف، وفي حديث عائشة الماضي في مناقب أبي بكر: فأسكتَه أبو بكر. قوله: ((أن أُغْضِبَه)) بِغَيْنٍ ثمَّ ضادٍ مُعجَمَتَينِ ثمَّ موخَّدةٍ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بمُهمَلَتَينِ ثمَّ ياءٍ آخر الحروف. قوله: ((فكان هو أحْلَمَ مِنِّي وأوْقَرَ)) في حديث عائشة: فتَكلَّمَ أبلَغَ الناس. قوله: ((ما ذَكَرْتُم فيكم من خير فأنتم له أهلٌ)) زاد ابن إسحاق في روايته عن الزُّهْريّ(٣): (١) الذي في المطبوع من ((مسند أحمد)) (٣٩١) وابن حبّان (٤١٤) بلفظ حديث الباب بالزاي ثم الراء، ولعل ذلك وقع عند الدار قطني في ((غرائب مالك))، والله أعلم، وقد جاء باللفظ المذكور في رواية معمر عند عبد الرزاق (٩٧٥٨). (٢) تحرَّف في (س) إلى: لذلك (٣) في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤ / ٥٦٣ ولكن عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهريّ. ٦٠٦ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري إنّا والله يا مَعشَر الأنصار، ما نُنكِرِ فضلَكُم ولا بلاءَكُم في الإسلام، ولا حَقَّكم الواجبَ علینا. قوله: ((ولن يُعرَفَ)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول. وفي رواية مالك(١): ولم تَعرِف العربُ هذا الأمرَ إلّا لهذا الحيّ من قُرَيش. وكذا في رواية سفيان(٢). وفي رواية ابن إسحاق: قد عَرَفْتُم أنَّ هذا الحيّ من قُرَيش بمَنزِلةٍ من العرب ليس بها غيرُهم وأنَّ العرب لن تَجَتَمِع إلّا على رجل منهم، فأَتَّقوا اللهَ لا تُصَدِّعوا الإسلامَ، ولا تكونوا أوَّل مَن أحدَثَ في الإسلام. قوله: ((هم أوْسَطُ العربِ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((هو)) بَدَل ((هم)) والأوَّل أوجَهُ، وقد بيّنت في مناقب أبي بكر (٣) أنَّ أحمدَ (١٨) أخرج من طريق ◌ُميد بن عبد الرّحمن عن أبي بكر الصِّدّيق أنَّه قال يومَئذٍ: قال رسول الله وَّةِ: ((الأئمّة من قُرَيش» وسُقْتُ الكلام على ذلك هُناكَ، وسيأتي القول في حُكمه في كتاب الأحكام (٧١٣٩) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقد رَضِيتُ لكم أحدَ هذَينِ الرَّجلینِ)) زاد عَمْرو بن مرزوق عن مالك عند الدّارَ قُطْنِيِّ هنا: فَأَخَذَ بيَدي وبَيَدِ أبي عبيدة بن الجرّاح(٤)، وقد ذكرت في هذا الحديث مَفاخره. وتقدَّم ما يَتَعلَّق بذلك في مناقب أبي بكر. قوله: ((فقال قائلُ الأنصارِ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: من الأنصار، وكذا في رواية مالك، وقد سَمّاه سفيان في روايته عند البزَّار (١٩٤) فقال: حُبَاب بن المنذر، لكنَّه من هذه الطَّريق مُدرَج فقد ١٥٣/١٢ بيَّن مالك(٥) في روايته عن الزُّهْريّ أنَّ/ الذي سَمّاه سعيد بن المسيّب فقال: قال ابن شهاب فأخبرني سعيد بن المسيّب أنَّ الحُبَاب بن المنذِر هو الذي قال: أنا جُذَيلُها المحَكَّك. (١) وقع هذا اللفظ في رواية مالك عند أحمد في ((المسند)) (٣٩١)، وابن حبّان (٤١٤). (٢) رواية سفيان عند البزار (١٩٤)، ورواية ابن إسحاق المذكورة بعدها عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٤/ ٥٦٣، وكذا وقع في رواية معمر عند عبد الرزاق (٩٧٥٨). (٣) في سياق شرحه للحديث (٣٦٦٨). (٤) رحم الله الحافظ كيف فاتَّه أن هذه الزيادة هي في حديث هذا الباب أيضاً. (٥) عند أحمد (٣٩١)، ابن حبان (٤١٤). ٦٠٧ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود وتقدَّم موصولاً في حديث عائشة (٣٦٦٧ و٣٦٦٨): فقال أبو بكر: نحنُ الأُمَراء وأنتم الوُزَراء. فقال الحُبَاب بن المنذر: لا والله لا نفعل، مِنّ أميرٌ ومِنكم أميرٌ. وتقدَّم تفسير المرجَّب والمحَكَّك هُناكَ، وهكذا سائر ما يَتَعلَّق ببيعة أبي بكر المذكورة مشروحاً، وزاد إسحاق ابن الطَّاعِ هُناكَ: فقلت لمالكِ: ما معناه؟ قال: كأنَّه يقول: أنا داهيَتُها. وهو تفسير معنَى، زاد سفيان في روايته هنا: «وإلّا أَعَدْنا الحَرْبَ بيننا وبينكم خَدْعةً، فقلت: إنَّه لا يَصْلُح سيفان في غِمْدٍ واحدٍ)) ووَفَعَ عند مَعمَر أنَّ راوي ذلك قَتَادة، فقال: قال قَتَادةُ: قال عمر: لا يَصلُح سيفان في غِمدٍ واحدٍ، ولكن مِنّ الأُمَراءُ ومِنكم الوُزَراءُ. ووَقَعَ عند ابن سعد (١٨٢/٣) بسندٍ صحيح من مُرسَل القاسم بن محمَّد قال: اجْتَمَعَتِ الأنصار إلى سعد بن عُبادة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقامَ الحُبَاب بن المنذر وكان بدريّاً فقال: مِنّا أميرٌ ومِنكم أميرٌ، فإنّا والله ما نَنفَس عليكم هذا الأمرَ، ولكنّا نَخاف أن يَليَها أقوامٌ قتلنا آباءَهم وإخوتَهم. فقال عمرُ: إذا كان ذلك فمُت إن استَطَعت. قال الخطَّبيُّ: الحامل للقائلِ: مِنّا أمير ومِنكم أمير، أنَّ العرب لم تكن تَعرِف السّيادة على قوم إلّا لمن يكون منهم، وكأنَّه لم يكن يَبلُغه حُكمُ الإمارة في الإسلام واختصاصُ ذلك بقُرَيشٍ، فلمَّا بَلَغَه أمسَكَ عن قوله، وبايعَ هو وقومُه أبا بكرٍ. قوله: ((حتَّى فَرِقْتُ)) بفتح الفاء وكسر الرَّاء ثمَّ قافٍ، من الفَرَق بفتحَتَينِ، وهو الخوفُ، وفي رواية مالكٍ: حتَّى خِفتُ، وفي رواية جُويريةَ: حتَّى أشفَقنا الاختلاف(١). ووَقَعَ في روايةَ ابنِ إسحاقَ المذكورةَ فيما أخرجه الذُّهْلِيُّ(٢) في ((الزُّهْريّات)) بسندٍ صحيح عنه: حدّثني عبدُ الله بن أبي بكر عن الزُّهْريّ عن عُبید الله عن ابن عبّاس عن عمر قال: قلت: يا مَعشَر الأنصار، إنَّ أوْلى الناس بنبيِّ الله ثانيَ اثْنَينِ إذهما في الغار، ثمَّ أخذتُ بَيَدِه. (١) عند ابن حبان (٤١٤). (٢) ومن طريقه أخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (١٧٨)، والخبر أيضاً في رواية ابن أبي شيبة ١٤/ ٥٦٦. ٦٠٨ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في حديث ابن مسعود عند أحمدَ (٣٧٦٥) والنَّسائيِّ (٧٧٧) من طريق عاصم عن زِرِّ بن حُبَيش عنه أنَّ عمر قال: يا مَعشَر الأنصار، ألستُم تَعلَمونَ أنَّ رسول الله وَه أمَرَ أبا بكر أن يَؤُمّ بالناس، فأيكم تَطيب نفسُه أن يَتقدَّم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نَتقدَّم أبا بكر. وسنده حسنٌّ، وله شاهدٌ من حديث سالم بن عُبيد(١)، عن عمر أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك ٧٠٨١ و٨٠٥٥)، وآخر من طريق رافع بن عَمْرو الطائيّ أخرجه الإسماعيليّ في ((مُسنَد عمر)) بلفظ: فأيُّكم يَجَرِئ أن يَتقدَّم أبا بكر؟ فقالوا: لا أيُّنا، وأصله عند أحمدَ (١٣٣) وسنده جيِّدٌ، وأخرج التِّرمِذيّ (٣٦٦٧) وحَسَّنَه وابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٨٦٣) من حديث أبي سعيد قال: قال أبو بكر: ألَستُ أحقَّ الناسِ بهذا الأمر؟ ألستُ أوَّلَ مَن أسلَمَ؟ ألستَ صاحبَ كذا. قوله: ((فبايعتُهُ وبايعَه المهاجِرونَ)) فيه رَدٌّ على قول الدَّاوُوديّ فيما نَقَلَه ابن التِّين عنه حيثُ أطلقَ أنَّه لم يكن مع أبي بكر حينئذٍ من المهاجِرِينَ إلّا عمرُ وأبو عُبيدة، وكأنَّه استصحَبَ الحالَ المنقولةَ في تَوجُّهِهم، لكن ظَهَرَ من قول عمرَ: وبايعَه المهاجِرونَ، بعدَ قوله: بايعتُه، أنَّه حَضَرَ معهم جمعٌ من المهاجِرينَ، فكأنَّهم تَلاحَقوا بهم لمَّا بَلَغَهم أنَّهم تَوجَّهوا إلى الأنصار، فلمَّا بایعَ عمرُ أبا بكر وبايعَه مَن حَضَرَ من المهاجِرِينَ علی ذلك بایعَه الأنصار حين قامَتِ الحُجّة عليهم بما ذكره أبو بكر وغيره. قوله: ((ثُمَّ بايعَتُهُ الأنصارُ)) في رواية ابن إسحاقَ المذكورةِ قريباً: ثمَّ أخذت بيده وبَدَرَني رجل من الأنصار فضَرَبَ على يده قبل أن أضرِبَ على يَدِه، ثمَّ ضَرَبت على يَدِه فَتَابَعَ الناسُ. والرّجلُ المذكورُ بَشير بن سعد والد التُّعمان. قوله: «ونَزَوْنا» بنونٍ وزاي مفتوحة، أي: وَثَبنا. قوله: ((فقلت: قَتَلَ الله سَعْدَ بنَ عُبادةَ)) تقدَّم بيانه في شرح حديث عائشة في مناقب أبي بكر (٣٦٦٧ و٣٦٦٨)، وسيأتي في الأحكام (٧٢١٩) من وجه آخر عن الزُّهْريّ قال: أخبرني (١) في (أ) و(س): ((عبيد الله))، والمثبت على الصواب من (ع)، وسالم بن عُبيد: هو الأشجعي، له صحبة، وكان من أهل الصُّفّة، كما ذكر المزي في ((تهذيب الكمال)) ١٠/ ١٦٢. ٦٠٩ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود أنسُ أنَّه سمعَ خُطبة عمرَ الآخِرَةَ من الغَد من يوم تُؤُقّ / رسول الله ◌ِ لهِ وأبو بكر صامتٌ ١٥٤/١٢ لا يتكلّم، فقَصَّ قصَّة البيعة العامّة، ويأتي شرحُها هُناكَ. قوله: ((وإنّ والله ما وَجَدْنا فيها حَضَرْنا)) بِصيغة الفعل الماضي. قوله: ((من أمرٍ)) في موضع المفعول، أي: حَضَرنا في تلكَ الحالة أُموراً فما وجَدنا فيها ((أقوى من مُبَايَعَهِ (١) أبي بكر)) والأُمور التي حُضِرَت حينئذٍ الاشتغال بالمشاورة واستيعاب مَن يكون أهلاً لذلك، وجَعَلَ بعض الشُّرّاح منها الاشتغالَ بتَجهيزِ النّبِيِّ نَّهِ بِدَفْنِهِ(٢)، وهو مُتَمَل لكن ليس في سياق القصَّة إشعارٌ به، بل تعليلُ عمرَ يُرشِد إلى الحَصْر فيما يَتَعلَّق بالاستخلاف. قوله: ((فإمّا بايعْناهُم)) في رواية الكُتْمِيهنيّ بمُثنّةٍ وبعد الألف موخَّدةٌ (٣). قوله: ((على ما نَرْضَى)) في رواية مالكٍ: على ما لا نَرضَى. وهو الوجه (٤)، وبقيَّة الكلام تُرشِد إلى ذلك. قوله: ((فمَن بایعَ رجلاً» في رواية مالك: فمَن تَابَعَ رجلاً. قوله: ((فلا يُتَابَع هو ولا الذي بايعَه)» في رواية مَعمَر من وجهٍ آخَرَ عن عمر: مَن دَعَا إلى إمارة عن غير مَشورة فلا يَحِلّ إلّا أن يُقتَلَ(٥). وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أخْذُ العلم عن أهله وإن صَغُرَت سِنُّ المأخوذِ عنه عن الآخِذ، وكذا لو نَقَصَ قَدرُه عن قَدْرِه. وفيه التَّنبِيهُ على أنَّ العلمَ لا يُودَع عند غير أهلِه، ولا يُحدَّث به إلّا مَن يَعْقِلُه، ولا يُحدَّث القليلُ الفَهمِ بما لا يَحتملُه. (١) في (س): ((سابقة)) وهو تحريف. (٢) في (س): ((ودفنه)). (٣) يعني: ((تابعناهم)) وهي رواية الأصيليّ أيضاً كما في اليونينية. (٤) وهو الذي وقع في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ذلك. (٥) تحرفت العبارة في (س) إلى: فلا يحلُّ له أن يقبل، ورواية معمر عند عبد الرزاق (٩٧٥٩) لكن بلفظ: «فلا يَحِلُّ لكم إلّا أن تقتلوه)». ٦١٠ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جواز إخبار السُّلطان بكلام مَن يُحْشَى منه وقوعُ أمرٍ فيه إفسادٌ للجماعة، ولا يُعَدّ ذلك من النَّميمة المذمومة، لكنَّ محلّ ذلك أن يُبهمه صَوناً له وجمعاً له بين المصلَحَتَين، ولعلَّ الواقع في هذه القصَّة كان كذلك، واكتَفَى عمر بالتَّحذير من ذلك ولم يُعاقب الذي قال ذلك ولا مَن قيلَ عنه، وبَنَى المهلَّب على ما زَعَمَ أنَّ المراد مُبايعة شَخص من الأنصار فقال: إنَّ في ذلك مُخالَفة لقولٍ أبي بكر: إنَّ العرب لا تَعرِف هذا الأمر إلّ لهذا الحيّ من قُرَيش، فإنَّ المعروف هو الشَّيء الذي لا يجوز خِلَافُه. قلت: والذي ظَهَرَ من سياق القصَّة أنَّ إنكار عمرَ إنَّما هو على مَن أراد مُتَابَعَةً(١) شَخصٍ على غير مَشورة من المسلمينَ، ولم يَتعرَّض لكَونِهِ قُرَشيّاً أو لا. وفيه أنَّ العظيمَ يحتمل في حَقّه من الأُمور المباحة ما لا يحتمل في حَقّ غيره، لقولِ عمرَ: وليس فيكم مَن تُمَدّ إليه الأعناقُ مثلُ أبي بكر، أي: فلا يَلَم من احتمال المبادرة إلى بيعته عن غير تَشاوُرٍ عامٍّ أن يُباحَ ذلك لكلِّ أحدٍ من الناس لا يَتَّصِف بمثلِ صِفَة أبي بكر. قال المهلَّب: وفيه أنَّ الْخِلَافة لا تكون إلّا في قُريش، وأدلّةُ ذلك كثيرةٌ. ومنها أنَّه ◌ِ لّهِ أَوصَى مَن وليَ أمرَ المسلمينَ بالأنصار، وفيه دليلٌ واضحٌ على أنْ لا حَقَّ لهم في الخِلَافة، كذا قال، وفيه نظرٌ سيأتي بيانه عند شرح باب الأُمَراء من قُرَيش من كتاب الأحكام(٢). وفيه أنَّ المرأة إذا وُجِدَت حاملاً ولا زوجَ لها ولا سَيِّد وجَبَ عليها الحدُّ إلّا أن تُقيم بيِّةً على الحِلِّ(٣)، أو الاستِكْراهِ. وقال ابن العربيّ: إقامةُ الحَمْلِ عِلَّةٌ(٤) إذا ظَهَرَ ولدٌ لم يَسبِقْهُ سببٌ جائزٌ يُعلم قطعاً أنَّه من حَرام، ويُسَمَّى قياسَ الدّلالة كالدُّخان على النار. ويُعكِّر عليه احتمالُ أن يكون الوَطْءُ (١) في (س): ((مبايعة))، ولكل وجْهٌ. (٢) عند الحديث (٧١٣٩). (٣) يعني: من وَطْءٍ حلال، ووقع في (س): ((الحمل)) وهو تحريف. (٤) تحرَّف في (س) إلى: عليه. ٦١١ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود من شُبهةٍ، وقال ابن القاسم: إن ادَّعَتِ الاستكراه وكانت غريبةً فلا حَدَّ عليها، وقال الشافعيّ والكوفيّونَ: لا حَدَّ عليها إلّا ببيِّةٍ أو إقرار. وحُجّةُ مالكِ: قولُ عمرَ في خُطبَته ولم يُنكِرِها أحدٌ، وكذا لو قامَتِ القَرِينة على الإكراه أو الخطأ. قال المازَرِيّ: في تصديق المرأة الخَليَّة إذا ظَهَرَ بها حَمْلٌ فَادَّعَتِ الإكراهَ خِلَافٌ، هل يكون ذلك شُبهة أم يجب عليها الحدّ لحديثٍ عمر؟ قال ابن عبد البَرّ: قد جاء عن عمرَ في عِدّة قَضَايا: أنَّه دَرأ الحدّ بدَعوى الإكراه ونحوه. ثمَّ ساقَ من طريق شُعْبة عن عبد الملِك ابن مَيسَرة عن النَّزّال بن سَبْرةَ قال: إنّا لمعَ عمر (١) بِمِنَّى فإذا بامرأةٍ حُبلَى ضخمة تَبكي، فسألها فقالت: إنّ ثقيلة الرّأس فقُمت باللَّيلِ أُصَلّي ثمَّ نِمت فما استَيقَظت إلّا ورجلٌ قد رَكِبِني ومَضَى فما أدري مَن هو، قال: فَدَرأ عنها الحدّ. وَمَعَ بعضهم بأنَّ مَن عُرِفَ منها تَائِلُ الصِّدق في دَعوى الإكراه قُبِلَ منها، وأمَّا المعروفة/ في البلد التي لا تُعرَف بالدّينِ ولا الصِّدق، ولا قَرِينَةَ معها على الإكراه فلا، ولا ١٥٥/١٢ سيَّما إن كانت مُتَّهَمَةً، وعلى الثّاني يدلّ قوله: أو كان الحَبَل. واستَنَبَطَ منه الباجيّ أنَّ مَن وطِئَ في غير الفَرج فدَخَلَ ماؤُه فيه فادَّعَتِ المرأة أنَّ الولد منه لا يُقبَل ولا يَلحَق به إذا لم يَعْتَرِف به، لأَنَّه لو لَقَ به لمَا وجَبَ الرَّجم على حُبلَى لجوازٍ مِثل ذلك، وعَكَسَه غيرُه فقال: هذا يقتضي أن لا يَجِبَ على الحُبَلَى بمُجرَّدِ الحَبَل حَدٌّ لاحتمال مِثل هذه الشُّبهة وهو قول الجمهور. وأجابَ الطَّحاويُّ أنَّ المستفاد من قول عمرَ: الرَّجمُ حَقٍّ على مَن زَنَى، أنَّ الحَبَل إذا كان من زِنِّى وجَبَ فيه الرَّجم وهو كذلك، ولكن لا بدَّ من ثُبُوت کَونه من زِنّى، ولا تُرجَم بمُجَّدِ الحَبَل مع قيام الاحتمال فيه، لأنَّ عمرَ لمَّا أُتي بالمرأة الحُبلَى وقالوا: إنَّهَا زَنَت وهي تبكي فسألها: ما يُبكيك؟ فأخبَرَت أنَّ رجلاً رَكِبَها وهي نائمة فدَرأَ عنها الحدَّبذلك. (١) ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٣٥٤٠٩)، وفي أوَّله: ((إنّي لَمعَ عمر)) بدل: إنّا .. ٦١٢ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ولا يخفى تكلَّفُه، فإنَّ عمرَ قابَلَ الحَبَل بالاعتراف، وقَسيمُ الشَّيء لا يكون قِسْمَه، وإَّمَ اعتَمَدَ مَن لا يرى الحدّ بمُجرَّدِ الحَبَل قيامَ الاحتمال بأنَّه ليس عن زِنَى مُحُقَّقٍ، وأنَّ الحدّ يُدفَع بالشُّبهة، والله أعلم. وفيه أنَّ مَن اطَّلَعَ على أمر يريد الإمامُ أن يُحدِثَه فَلَه أن يُنْبِّهَ غيرَه عليه إجمالاً ليكونَ إذا سمعَه على بَصيرةٍ، كما وَقَعَ لابنِ عبَّاس مع سعيد بن زيد. وإنَّما أنكَرَ سعيدٌ على ابن عبَّاس لأنَّ الأصل عنده أنَّ أُمور الشَّرع قد استَقَرَّت، فمهما أُحدِثَ بعد ذلك إنَّما يكون تفريعاً عليها، وإنَّما سَكَتَ ابن عبّاس عن بيان ذلك له لعِلمِه بأنَّه سَيسمعُ ذلك من عمرَ على الفَوْر. وفيه جوازُ الاعتراض على الإمام في الرَّأي إذا خَشْيَ أمراً، وكان فيما أشارَ به رُجْحانٌ على ما أرادَه الإمام. واستُدِلَّ به على أنَّ أهل المدينة مخصوصونَ بالعلمِ والفَهم لاتِّفاق عبد الرّحمن بن عَوْف وعمرَ على ذلك، كذا قال المهلَّب فيما حكاه ابن بَطّل وأُقَرَّه، وهو صحيح في حَقّ أهل ذلك العصر، ويَلتَحِق بهم مَن ضاهاهُم في ذلك، ولا يَلْزَم من ذلك أن يَستَمِّرّ ذلك في کلّ عصرٍ بل ولا في کلّ فردٍ فردٍ. وفيه الحثُّ على تبليغ العلم ممَّن حَفِظَه وفَهِمَه، وحَثَّ مَن لا يَفْهم على عَدَمِ التَّبليغ إلّا إن كان يُورِده بلَفْظُه ولا يَتَصََّف فيه. وأشارَ المهلَّب إلى أنَّ مُناسَبة إيرادِ عمرَ حديثَ: ((لا تَرغَبوا عن آبائَكُم)) وحديث الرَّجم من جهة أنَّه أشارَ إلى أنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن يَتَنَطَّعَ(١) فيما لا نَصَّ فيه من القرآن أو السُّنّة، ولا يَتَسوَّر برأيه فيه فيقول أو يعمل بما تُزِيِّن له نفسُه، كما تَنَطَّعَ(٢) الذي قال: لو ماتَ عمر بايعت فلاناً، لمَّا لم يَجِد شرطَ مَن يَصلُح للإمامة منصوصاً عليه في الكتاب، فقاسَ ما أراد أن يقع له بما وَقَعَ في قصَّة أبي بكر فأخطَّأ القياس لوجودِ الفارق، وكان الواجب (١) تحرَّف في (س) إلى: يقطع. (٢) تحرَّف في (س) إلى: يقطع. ٦١٣ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود عليه أن يسأل أهل العلم بالكتاب والسُّنّة عنه، ويعملَ بما يدلُّونَه عليه، فقَدَّمَ عمرُ قصَّة الرَّجم وقصَّة النَّهي عن الرَّغبة عن الآباء وليسا منصوصَين في الكتاب المتلُوِّ، وإن كانا ممّاً أنزلَ الله واستَمَّ حُكمُهما وإن نُسِخَتْ(١) تِلاوتُهما، لكنَّ ذلك مخصوصٌ بأهلِ العلم ممَّن الطَّلَعَ على ذلك، وإلّا فالأصل أنَّ كلّ شيء نُسِخَت تلاوتُهُ نُسِخَ حُكمُه. وفي قوله: أخشَى إن طالَ بالناس زمانٌ: إشارةٌ إلى دروس العلم مع مُرُور الَّمَن فَيَجِد الجُهّالُ السَّبِيلَ إلى التَّأويل بغير عِلم، وأمَّا الحديث الآخر وهو: ((لا تُطْروني)) ففيه إشارة إلى تعليمهم ما خَشِيَ (٢) عليهم جهلَه. قال: وفيه اهتمام الصحابة وأهل القرن الأوَّل بالقرآن والمنع من الزّيادة في المصحف، وكذا مَنع النَّقص بطريق الأوْلى، لأنَّ الزّيادة إنَّما تُمنَع لئلّا يُضاف إلى القرآن ما ليس منه فاطِّراحُ بعضِهِ أشدُّ، قال: وهذا يُشعِر بأنَّ كلّ ما نُقِلَ عن السَّلَف كأُبِيّ بن كعب وابن مسعود من زيادة ليست في الإمام إنَّما هي على سبيل التَّفسير ونحوه، قال: ويحتمل أن يكون ذلك كان في أوَّل الأمر ثمَّ استَقَرَّ الإجماع على ما في الإمام، وبَقِيَت تلكَ الرِّوايات تُنْقَل لا على أنَّهَا ثَبَتَت في المصحَف. وفيه دليلٌ على / أنَّ مَن خَشِيَ من قوم فتنةً وأن لا يُجيبوا إلى امتثال الأمر الحقِّ أن يَتَوجَّه إليهم ١٥٦/١٢ ويُناظرَهم ويُقِيمَ عليهمُ الحُجّةَ، وقد أخرج النَّسائيُّ من حديث سالم بن عُبيد(٣) قال: اجتَمَعَ المهاجِرونَ يَتَشاورونَ فقالوا: انطَلِقوا بنا إلى إخواننا الأنصار، فقالوا: مِنّا أميرٌ ومِنكم أميرٌ، فقال عمرُ: فسيفان في غِمد إذاً لا يَصلُحان، ثمَّ أَخَذَ بَيَدِ أبي بكر فقال: مَن له هذه الثلاثُ(٤) ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؟ مَن صاحبُهُ: ﴿إِذْ هُمَا فِى اَلْغَارِ ﴾ [التوبة: ٤٠] مَن هما (٥)؟ فبايعَه وبايعَه الناس أحسنَ بيعةٍ وأجَلَها. (١) في (س): ((ونسخت)). (٢) في (س): ((يُخشى)). (٣) وهو الأشجعيّ، ووقع في (س): ((عبيد الله)) وهو خطأ. (٤) يعني: الخصال، ووقع في (س): ((الثلاثة)). (٥) ذكر اثنتين وبقيت واحدة، وهي كما عند النسائي (٧٠٨١): ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] مع مَن؟ ٦١٤ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أنَّ للكبير القَدْرِ أن يَتَوَاضَع ويُفضِّل مَن هو دونَه على نفسه أدَباً وفِراراً من تزكية نفسِه، ويدلّ عليه أنَّ عمرَ لمَّا قال له: ابسُطْ يدَك، لم يمتنع. وفيه أنَّه لا يكون للمسلمينَ أكثرُ من إمام. وفيه جواز الدُّعاء على مَن يُحْشَى في بقائه فتنةٌ، واستُدِلَّ به على أنَّ مَن قَذَفَ غيره عند الإمام لم يَجِبْ على الإمام أن يُقيمَ عليه الحدّ حتَّى يَطلُبه المقذوفُ؛ لأنَّ له أن يَعفْوَ عن قاذفه أو یرید السَّتْرَ. وفيه أنَّ على الإمام إن خَشِيَ من قومِ الوقوعَ في محذور أن يأتيَهم فيَعِظَهم ويُحَذِّرهم قبلَ الإيقاع بهم، وتَسَّكَ بعض الشّيعة بقولِ أبي بكر: قد رَضِيتُ لكم أحدَ هذَينِ الرجلينِ، بأنَّه لم يكن يَعْتَقِد وجُوبَ إمامَته ولا استحقاقَه للخِلَافة، والجوابُ من أوجُهٍ: أحدهما: أنَّ ذلك كان تَواضُعاً منه، والثّاني: لتجويزِه إمامةَ المفضول مع وُجود الفاضِل، وإن كان مِن الحقّ، فله أن يَتَبَرَّع لغيره. الثالث: أنَّه علم أنَّ كلَّ منهما لا يَرضَى أن يَتقدَّمه، فأراد بذلك الإشارة إلى أنَّه لو قُدِّرَ أَنَّه لا يَدخُل في ذلك لكَانَ الأمر مُنحَصِراً فيهما، ومن ثَمَّ لمَّا حَضَرَه الموتُ اسْتَخلَفَ عمرَ لكَونِ أبي عُبيدة كان إذ ذاكَ غائباً في جهاد أهل الشّام مُتَشاغِلاً بفتحِها. وقد دَلَّ قولُ عمرَ: لَأنْ أُقَدَّمَ فَتُضرَب عُنُقي ... إلى آخره، على صِحّة الاحتمال المذكور. وفيه إشارة ذي الرَّأي على الإمام بالمصلحة العامة بما يَنفَع عُموماً أو خُصوصاً وإن لم يَسْتَشِرِه، ورُجوعه إليه عند وُضوح الصَّواب. واستُدِلَّ بقولِ أبي بكر: أحد هذَينِ الرَّجلينِ، أنَّ شرط الإمام أن يكون واحداً، وقد ثَبَتَ النَّصّ الصَّريح في حديث مسلم: ((إذا بُويِعَ(١) لخليفَتَينِ فاقتُلُوا الآخِرَ منهما)) وإن كان بعضُهم أوَّلَه بالخَلْعِ والإعراض عنه فيصير كمَن قُتِلَ. وكذا قال الخطّابيُّ في قول عمرَ في حَقّ سعدٍ: اقتلوه، أي: اجعَلوه كمَن قُتِلَ(٢). (١) تحرَّف في (س) إلى ((بايعوا)). (٢) وذلك بأنْ لا تقبلوا له قولاً ولا تُقيموا له دعوةً، قاله الخطابيّ في ((غريب الحديث)) ١٢٩/٢. ٦١٥ باب ٣٢ / ح ٦٨٣١ - ٦٧٣٣ كتاب الحدود ٣٢ - باب البِكْرانِ یُجلدانِ ويُنْفَيَانِ ﴿ الَّانِيَةُ وَالزَِّفَأَجْلِدُ واْكُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِْئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِيِنِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. قال ابنُ عُيينةَ: رَأفةٌ في إقامةِ الحَدِّ. ٦٨٣١ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبِيدِ الله ابنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ، قال: سمعتُ النبيَّ وَّرَ يأمرُ فيمَن زَنَى ولم يُحُصَن: جَلْدَ مئةٍ وتَغرِیبَ عامِ. ٦٨٣٢ - قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ عمرَ بنَ الخطّاب غَرَّبَ، ثمَّ لم تَزَلْ تلكَ السُّنّةَ. ٦٨٣٣- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ عَلُ: / أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قَضَى فيمَن زَنَى ولم يُحصَن بنَفْي عام وبإقامةِ ١٥٧/١٢ الحدِّ علیه. قوله: ((باب البِكْران يُجْلَدانِ ويُنفَيَانِ)) هذه التَّرجمة لفظُ خَبَرِ أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) (٨١/١٠) من طريق الشَّعبيِّ عن مسروق عن أبيّ بن كعب مِثله وزاد: ((والشَّيِّانِ يُحِلَدانِ ويُرجَمَانِ)) وأخرج ابن المنذر(٢) الزّيادة بلفظ: ((والشَّيِّبان يُرجَمَان واللَّذان بَلَغا سِنّاً يُجِلَدان ثمَّ يُرجَمَان))، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٣٣٦١) عن الثَّوْريّ عن الأعمَش عن مسروق: ((البِكران يُجِلَدان ويُنفَيان، والتَّيِّان يُرجَمَان ولا يُجِلَدان، والشَّيخان يُجُلَدان ثمَّ يُرجَان)) ورجاله رجال الصَّحیح. وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى هذه الزّيادة في ((باب رَجم المحصَن))(٣). ونَقَّلَ محمَّد بن نَصر في ((كتاب الإجماع)) الاتِّفاقَ على نَفْي الزّاني إلّا عن الكوفيّينَ، ووافَقَ (١) موقوفاً على أبيّ بن كعب﴾. (٢) في ((الأوسط)) (٩١٧٩) طبعة دار الفلاح. (٣) في سياق شرحه للحديث رقم (٦٨١٢). ۔ ٦١٦ باب ٣٢ / ح ٦٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري الجمهورَ منهم ابنُ أبي ليلى وأبو يوسف، وادَّعَى الطَّحاويُّ أنَّه منسوخٌ، وسأذكره في ((باب لا يُثَرَّبُ(١) على الأمة ولا تُنْفَى))(٢). واختَلَفَ القائلونَ بالتَّغريبِ فقال الشافعيّ والثَّوْرِيُّ وداودُ والطَّبَريّ بالتَّعميم، وفي قول للشّافعيِّ، لا يُنفَى الرَّقيقُ، وخَصَّ الأوزاعيُّ النَّفَيَ بالذَّكَرَ (٣)، وبه قال مالكٌ وَقَيِّدَه بالحُرِّ، وبه قال إسحاقٌ. وعن أحمدَ روايتان. واحتَجَّ مَن شَرَطَ الْحُرِّيَّة بأنَّ في نفي العَبد عُقوبة لمالكِه لَنْعِه مَنفَعَتَه مُدّةَ نفيه، وتَصَرُّف الشَّرع يقتضي أن لا يُعاقَب إلّا الجاني، ومن ثَمَّ سَقَطَ فرضُ الحجّ والجهاد عن العَبد. وقال ابن المنذر: أَقْسَمَ النبيُّ وَّه في قصَّة العَسيف (٦٨٢٧ ٦٨٢٨) أنَّه يقضي فيه بكتاب الله ثمَّ قال: إنَّ عليه جَلدَ مئةٍ وتَغريبَ عام، وهو المبيِّن لكتابِ الله. وخَطَبَ عمر بذلك على رؤوس الناس، وعَمِلَ به الخلفاء الرَّاشدونَ فلم يُنكِرْهُ أحدٌ فكان إجماعاً. واختُلِفَ في المسافة التي يُنْفَى إليها: فقيلَ: هو إلى رأي الإمام، وقيل: يُشتَرَط مَسافة القَصْرِ، وقيل: إلى ثلاثة أيام، وقيل: إلى يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عملٍ إلى عملٍ، وقيل: إلى ميلٍ، وقيل: إلى ما يَنطَلِقِ عليه اسم نفي. وشَرَطَ المالكيَّة الحَبَسَ في المكان الذي يُنْفَى إليه، وسيأتي البحث فيه في باب ((لا يُثَرَّب على الأَمة ولا نفي)) ومن عجيب الاستدلال احتجاجُ الطَّحاويّ لسُقوطِ النَّفي أصلاً بأنَّ نفي الأَمَّةِ ساقطٌ بقولِه: ((بيعوها)) كما سيأتي تقريرُه قال: وإذا سَقَطَ عن الأَمة سَقَطَ عن الحُرّة لأنَّها في معناها، ويَتأكَّد بحديثٍ: ((لا تُسافِرِ المرأةُ إلّا مع ذي مَحَرَمٍ))(٤) قال: وإذا انتَفَى أن يكون على النِّساء نفيٌ انتَفَى أن يكون على الرِّجال، كذا قال وهو مَبنيٌّ على أنَّ العُموم إذا خُصَّ سقط الاستدلالُ به، وهو مذهبٌ ضعيفٌ جدّاً. (١) تحرَّف في (س) إلى: ((تغريب)). (٢) عند شرح الحديث (٦٨٣٩). (٣) كذا في (أ)، ووقع في (ع) و(س): ((بالذُّكوريّة))، وكذا قوله بعده: ((بالحُرِّ) فوقع في (س) فقط: ((بالخُرِّية)). (٤) سلف برقم (١٨٦٢)، وأخرجه مسلم برقم (١٣٤١). ٦١٧ باب ٣٢ / خ ٦٧٣٣ كتاب الحدود قوله: ﴿ الَّانِيَةُ وَالزِّ فَاجْلِدُ واْكُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَّةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اَللَّهِ ﴾ [النور: ٢] الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمراد بذِكْر هذه الآية أنَّ الجَلد ثابتٌ بكتابِ الله، وقامَ الإجماع ممَّن يُعتَدّ به على اختصاصه بالبِكرِ وهو غير المحصَن، وقد تقدَّم بيانُ المحصَن في ((باب رَجم المحصَن)) (٦٨١٣). واختَلَفوا في كيفيَّة الجَلْدِ، فعن مالكٍ يَخْتَصّ بالظَّهرِ لقولِه في حديث اللِّعان: ((البَِّةَ وإلّا جَلِدٌ في ظَهرِك))(١). وقال غيرُه: يُفرَّقُ على الأعضاءِ ويُتَّقَى الوجه والرَّأس، وتُجلَد في الزّنى والشُّرب والتَّعزير قائماً مُجَزَّداً، والمرأة قاعِدةً، وفي القَذف وعليه ثيابُه. وقال أحمدُ وإسحاق وأبو ثور: لا يُجرَّد أحد في الحدّ، وليس في الآية للنَّفي ذِكْرِ فَتَمسَّكَ به الحنفيَّة فقالوا: لا يُزاد على القرآن بخَيَرِ الواحد، والجواب أنَّه مشهور لكَثْرة طرقه ومَن عَمِلَ به من الصحابة، وقد عَمِلوا بمِثلِه بل بدونِهِ كَنَقضِ الوضوء بالقَهقَهة وجواز الوضوء بالنبيذِ وغير ذلك مما ليس في القرآن، وقد أخرج مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصّامت مرفوعاً: ((خُذوا عَنِّي، قد جَعَلَ الله لهنَّ سبيلاً: البِكْرُ بالِكْرِ جَلدُ مئةٍ وتَغريبُ عامِ، والفَّيِّبُ بالغَيِِّ جَلْدُ مئةٍ والرَّجمُ)). وأخرج الطبرانيُّ (١١/ ١١١٣٤) من حديث ابن عبّاس قال: كُنَّ يُحِبَسنَ في البيوت إن ماتَتْ ماتَتْ، وإن عاشَت عاشَت: لمَّا نزلَ: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ / الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ ١٥٨/١٢ فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّ يَتَوَقَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] حتَّى نزلت: ﴿ الَِّيَةُ وَالرَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةً جَلَّدَةٍ﴾ [النور: ٢]. قوله: ((قال ابن عُيَينةَ: رَأفةٌ في إقامة الحدِّ)) كذا للأكثرِ وسَقَطَ ((في)) لبعضِهم، ولبعضِهم: ابن عُليَّة، بلام وتحتانيَّة ثقيلة وعليه جَرَى ابن بَطّال والأوَّلُ المعتمَدُ، وقد ذكر مُغَلْطاي في ((شرحه)) أنَّه رآه في ((تفسير سفيان بن عُيَينَ)). (١) سلف برقم (٢٦٧١) و (٤٧٤٧) بلفظ: ((وإلا حدٌّ) بدل ((إلّا جلد)). ٦١٨ باب ٣٢ / ح ٦٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ووَقَعَ نَظيرُه عند ابن أبي شَيْبة (٦٤/١٠) عن مجاهد بسندٍ صحیح إليه، وزاد بعد قوله في إقامة الحدّ: ((يُقام ولا يُعَطَّل)) والمراد بتعطيلِ الحدّ: تَرِكُه أصلاً، أو نقصُه عَدَداً أو (١) معنَى، وقولُه تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ﴾ [النور: ٢] نَقَلَ ابن المنذر عن أحمدَ الاجتزاء بواحدٍ، وعن إسحاقَ اثنَين، وعن الزُّهْريّ ثلاثة، وعن مالك والشافعيّ: أربعة، وعن رَبيعة: ما زاد عليها، وعن الحَسَن: عشرة. ونَقَلَ ابن أبي شَيْبة (١٠٦٠) بأسانيدِه عن مجاهد: أدناها رجلٌ، وعن محمَّد بن كعب (١٠/ ٦١) في قوله: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِنْكُمْ ﴾ [التوبة: ٦٦] قال: هو رجلٌ واحد، وعن عطاء: اثنان، وعن الزّهْريّ: ثلاثة، وسيأتي في أوَّل خَبَرَ الواحد (٢) ما جاء في قوله: ﴿ وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ ﴾ [الحجرات: ٩]. قوله: ((عبد العزيز)) هو ابن أبي سَلَمة الماچِشون. قوله: ((عن زيد بن خالد)» هكذا اختَصَرَ عبدُ العزيز من السَّنَدِ ذِكْرَ أبي هريرة ومن المتنِ سياقَ قصَّة العَسيف كلّها، واقتَصَرَ منها على قوله: ((يأمر فيمَن زَنَى ولم يُحصَن جَلدَ مئةٍ وتَغريبَ عام)) ويحتمل أن يكون ابن شِهاب اختَصَرَه لمَّا حدَّث به عبد العزيز. وقوله: ((جَلد مئةٍ)) بالنَّصبِ على نزع الخافض. ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك ٧١٩٦) من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن عبد العزيز بلفظ: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يأمر فيمَن زَنَى ولم يُحصَن بجَلِدٍ مئةٍ وتَغريب عامٍ. وقوله: ((قال ابن شِهاب)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور. قوله: ((أنَّ عمر بن الخطّاب)) هو مُنقَطِع لأنَّ عُرْوة لم يسمع من عمر، لكنَّ ثَبَتَ عن عمر من وجه آخر أخرجه التِّرمِذيّ (١٤٣٨) والنَّسائيُّ (ك ٧٣٠٢) وصَحَّحَه ابن خُزيمةَ والحاكم (٣٦٩/٤) من رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَل (١) في (س): ((ومعنى)) بواو العطف، والمثبت من الأصلين هو الوجه. (٢) في أول باب منه، قبل حديث رقم (٧٢٤٦). ٦١٩ باب ٣٢ / ح ٦٧٣٣ كتاب الحدود ضَرَبَ وغَرَّبَ، وأنَّ أبا بكر ضَرَبَ وغَرَّبَ، وأنَّ عمر ضَرَبَ وغَرَّبَ، أخرَ جوه من رواية عبد الله بن إدريس عنه. وذكر التِّرمِذيّ أنَّ أكثرَ أصحاب عُبيد الله بن عمر رَووه عنه موقوفاً على أبي بكر وعمر. قوله: ((غَرَّبَ ثمَّ لم تَزَل تلكَ السُّنّةَ)) زاد عبد الرَّزّاق في روايته عن مالك: ثُمَّ لم تَزَلْ تلك السُّنةَ(١) حَتَّى غَرَّبَ مروان، ثمَّ تَرَكَ الناسُ ذلك يعني: أهلَ المدينة. قوله في رواية اللَّيث: ((عن عُقَيل)) ووَقَعَ عند الإسماعيليّ في رواية حَجّاج بن محمَّد عن اللَّيث: حدَّثني عُقَيل. قوله: ((عن سعيد بن المسيّب)) هكذا خالَفَ عُقَيلٌ عبد العزيز بن أبي سَلَمة في شيخ الزُّهْريّ، فإن كان هذا المتن مختصراً من قصَّة العَسيف فقد وافَقَ عبد العزيز جميعُ أصحاب الزُّهْريّ، فإنَّ شيخه عندهم عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ لا سعيد بن المسيّب، وإن كان حديثاً آخر فالرَّاجح قول عُقَيل؛ لأنَّه أحفَظُ لحديثِ الزُّهْريّ من عبد العزيز، لكن قد روى عُقَيل عن الزُّهْريّ الحديث الآخر موافقاً لعبد العزيز أخرجهما النَّسائيُّ من طريق حُجَين بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم - مُصغّراً - ابن المثنَّى عن اللَّيث عن عُقَيل عن ابن شهاب، فذكر الحدیثینِ على الولاء حدیث زید بن خالد من رواية عُبيد الله عنه (ك ٧١٩٧) وحديث أبي هريرة من رواية سعيد بن المسيّب عنه (٧١٩٩)، وابن شهاب صاحب حدیث لا يُستَنگرُ منه حَملُه الحديثَ عن جماعة بألفاظِ مُخْتَلِفة. قوله: (بنَفْىٍ عام وبإقامةِ الحدّ عليه) وَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك ٧١٩٩): أن يُنْفَى عاماً مع إقامة الحدّ عليه. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق حَجّاج بن محمَّد عن اللَّيث، وعُرِفَ أنَّ الباء في رواية يحيى بن بُكَير بمعنى مع، والمراد بإقامة الحدّ: ما ذُكِرَ في رواية عبد العزيز جَلد المئةِ، (١) قوله: ((ثمَّ لم تَزَلْ تلك السُّنَ)) سقط من (س)، وهذه الزيادة ذكرها ابن حزم في ((المحلّى)) ١١/ ١٨٤ ولكن قال: قال ابن وهب قال ابن شهاب: ثم لم يزل ذلك ... إلى آخره، ولم نقف عليها من رواية عبد الرزاق عن مالك. ٦٢٠ باب ٣٢ / ح ٦٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري وأَطلق عليها الحدَّ(١) لكَونِهَا بِنَصِّ القرآن، وقد تَمَسَّكَ بهذه الرّواية مَن زَعَمَ أنَّ النَّفي تَعزِيرٌ ١٥٩/١٢ وأنَّه ليس جُزءاً من الحدّ، / وأُجيبَ بأنَّ الحديث يُفسِّر بعضُه بعضاً. وقد وَقَعَ التَّصريح في قصَّة العَسيف (٦٨٢٧ و٦٨٢٨) من لفظ النبيّ ◌َّ أنَّ عليه جَلد مئةٍ وتَغريبَ عامٍ، وهو ظاهر في كَون الكلّ حَدَّه، ولم يُخْتَلَف على راويِهِ في لفظه، فهو أرجَحُ من حكاية الصحابيّ مع الاختلاف. وممّا يُؤيِّدِ كَونَ حديثَي الباب واحداً مع أنَّه اختُلِفَ على ابن شِهاب في تابعيِّه وصحابيِّه أنَّ الزّيادة التي عن عمر عند عبد العزيز في حديث زيد بن خالد وَقَعَت عند عُقَيل في حديث أبي هريرة، ففي آخر رواية حَجّاج بن محمَّد التي أشرت إليها عند الإسماعيليّ: قال ابن شِهاب: وكان عمر ينفي من المدينة إلى البصرة وإلى خَيبَرَ. وفيه إشارةٌ إلى بُعد المسافة وقُربها في النَّفي بحَسَبٍ ما يراه الإمام، وأنَّ ذلك لا يَتقيّد. والذي تَحَرَّرَ لي من هذا الاختلاف أنَّ في حديثَي الباب اختصاراً من قصَّة العَسيف، وأنَّ أصل الحديث كان عند عُبيد الله بن عبد الله بن(٢) عُتْبةَ عن أبي هريرة وزيد بن خالد جميعاً فكان يُحدِّث به عنهما بتمامه، ورُبَّما حدَّث به (٣) عن زيد بن خالد باختصارٍ، وكان عند سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة وحده باختصارٍ، والله أعلم. وفي الحديث: جوازُ الجمع بين الحدّ والتَّعزير خِلَافاً للحَنفيَّة إن أُخِذَ بظاهرٍ قوله: ((مع إقامة الحدّ). وجوازُ الجمع بين الجلد والنَّفي في حَقّ الزّاني الذي لم يُحصَن، خِلَافاً لهم أيضاً إن قلنا: إنَّ الجميع حَدٌّ. واحتَجَّ بعضهم بأنَّ حديث عُبادةَ الذي فيه النَّيُ منسوخ بآية النُّور(٤)؛ لأنَّ فيها الجلد بغير (١) تحرَّف في (س) إلى: الجلد. (٢) قوله: ((عبد الله بن)) سقط من (س). (٣) تحرَّف في (س) إلى: عنه. (٤) وهي قوله تعالى: ﴿ الزَّنِيَةُ وَالزَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِأْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وحديث عبادة المذكور أخرجه مسلم برقم (١٦٩٠)، وفيه قوله ◌َّ: ((الِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مئةٍ ونفيُ سنةٍ)).