Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ٩ / ح ٦٧٨٥ كتاب الحدود حُزْمةً؟)) قالوا: ألا شَهْرُنا هذا، قال: ((ألا أيُّ بلدٍ تَعلَمُونَه أعظَمُ حُرْمةً؟)) قالوا: ألا بلدُنا هذا، قال: ((ألا أيُّ يومٍ تَعلَمُونَه أعظَمُ حُرْمةً؟» قالوا: ألا يومُّنا هذا، قال: «فإنَّ الله تَبَارَكَ وتعالى قد حَرَّمَ عليكمُ دِماءَكم وأموالكم وأعراضَكم إلا بحَقُّها، كَحُرْمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شَهْرِكم هذا، ألا هل بَلَّغْت - ثلاثاً -؟)) كلُّ ذلك يُحِبونَه: ألا نعم، قال: ((وَيْكُم، أو وَيْلَكُم، لا تَرْجِعُنَّ بَعْدي كفَّاراً، يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ». قوله: ((بابٌ ظَهْر المؤمِن حِمَّى)) أي: مَحمِيٌّ مَعصومٌ من الإيذاء. قوله: ((إلّا في حَدٍّ، أو في حَقٍّ)) أي: لا يُضرَب ولا يُذَلُّ إلّا على سبيل الحدِّ والتَّعزيرِ تأديباً، وهذه التَّرجمة لفظُ حديثٍ أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((السَّرِقة)) من طريق محمَّد بن عبد العزيز بن عمر الزُّهْريّ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّه: ((ظُهور المسلمينَ حِمّى إلّا في حُدود الله)) وفي محمَّد بن عبد العزيز ضعفٌ، وأخرجه الطبرانيُّ (٤٧٦/١٧) من حديث عِصْمة بن مالك الخَطميّ بلفظ: ((ظَهرُ المؤمنِ حِمَّى إلّا بحَقِّه)) وفي سنِدِهِ الفَضْلِ بنُ المختارِ وهو ضعيفٌ، ومن حديث أبي أمامةَ (٧٥٣٦/٨): ((مَن جَرَّدَ ظَهرَ مسلمٍ بغير حَقِّ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبانُ)) وفي سنِدِه أيضاً مقالٌ. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الله)) في رواية غير أبي ذرٍّ: حدَّثني. قال الحاكم: محمَّد بن عبد الله هذا: هو الذَّهْلِيّ، وقال أبو عليّ الجيَّانيّ: لم أرَه منسوباً في شيءٍ من الرِّوايات. قلت: وعلى قول الحاكم فيكون نُسِبَ لجَدِّه، لأنَّه محمّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، وقد حدَّث البخاريّ في ((الصَّحيح) عن محمَّد بن عبد الله بن المبارك المُخَرِّميِّ(١). وعن محمّد بن عبد الله بن أبي الثَّلج - بالمثلَثة والجيم - وعن غيرهما، وقد بيَّنت ذلك موضّحاً في آخر حديثٍ في كتاب كفّارة(٢) الأيمان والنُّور (٦٧٢٢)، وقد سَقَطَ محمّد بن عبد الله من رواية أبي أحمد الجُرجانيّ عن الفِرَبريّ، واعتَمَدَ أبو نُعَيم في ((مُستَخرَجِه) على ذلك، فقال: (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: المخزوميّ. (٢) قوله: («كفّارة)) من (أ)، وسقط من (ع) و (س). ٤٦٢ باب ١٠ / ح ٦٧٨٦ فتح الباري بشرح البخاري رواه البخاريّ عن عاصم بن عليّ. وعاصمٌ المذكور: هو ابنُ عاصم الواسطيّ، وشيخه عاصم بن محمَّد، أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر، وشيخه واقد هو: أخوه. قوله: «قال عبد الله)) هو ابن عمر جَدُّ الراوي عنه. قوله: ((ألا أيُّ شهرٍ تعلمونَه؟)) هو بفتح الهمزة وتخفيف اللّام حرف افتاح للتَّنبيه لما يقال، وقد كُرِّرَت في هذه الرّواية سؤالاً وجواباً. وقوله في هذه الرّواية: ((أيُّ يومٍ تَعلَمونَه أعظَمُ حُزْمةً؟ قالوا: يومُنا هذا)) يعارضُه أنَّ يومَ عَرَفَةَ أعظَمُ الأيام، وأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ المراد باليومِ: الوقتُ الذي تُؤَدَّى فيه المناسكُ، ويحتمل أن يَخْتَصّ يومُ النَّحر بمزيدِ الحُرْمة، ولا يَلَزَم من ذلك حصولُ المَزِيَّةِ التي اختُصَّ بها يومُ عَرَفَةَ، ٨٦/١٢ وقد تقدَّم بعض الكلام على هذا الحديث في كتاب العلم(١)،/ وتقدَّم ما يَتَعلَّق بالسُّؤال والجواب مبسوطاً في ((باب الخُطبة أيام مِنّى)) (١٧٤٢) من كتاب الحجّ، ومضى ما يَتَعلَّق بقولِه: ((وَيْلَكُمْ، أو وَيْحَكُم)) في كتاب الأدب (٦١٦٦)، ويأتي ما يَتَعلَّق بقولِه: ((لا تَرجِعوا بعدي كُفَاراً) مُستَوفَّى في کتاب الفتن (٧٠٧٧) إن شاء الله تعالی. ١٠ - باب إقامة الحُدودِ، والانتقام لِحُرُماتِ الله ٦٧٨٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما خُيُّرَ النبيُّ ◌َِّ بِينَ أَمَرَينٍ إلا اختارَ أيسَرَهُما، ما لم يأثَمْ، فإذا كان الإِثْمُ كان أبعَدَهُما منه، والله ما انتَقَمَ لنفسِه في شيءٍ يُؤْتَى إليه قَطَّ، حتَّى تُنْتَهَكَ حُرُماتُ الله، فِيَنْتَقِمُ لله. قوله: ((باب إقامة الحدود والانتقام لحُرُمات الله)) ذكر فيه حديثَ عائشةً: ما خُيِّرَ رسولُ اللهِ وَلّ بين أمرَينِ إلّا اختارَ أيسَرَ هُما، وقد تقدَّم شرحُه مُستَقَى في ((باب صِفَة النبِّيلِلَّ) (٣٥٦٠) من كتاب المناقب. (١) في سياق شرحه للحديث (٦٧) من الكتاب المذكور. ٤٦٣ باب ١١ / ح ٦٧٨٧ كتاب الحدود وقوله هنا: ((ما لم يأَثَمْ)) في رواية المُستَمْلي: ما لم يكن إثمٌ. قال ابن بَطّال: هذا التَّخيير ليس من الله، لأنَّاللهَ لا يُخْيِّرِ رسولَه بين أمرَينِ أحدُهما إثمٌّ، إلّا إن كان في الدِّين، وأحدهما يَؤُولُ إلى الإثم، كالغُلِّ فإنَّه مذمومٌ، كما لو أوجَبَ الإنسانُ على نفسه شيئاً شاقاً من العبادة فعَجَزَ عنه، ومن ثَمَّ نَهَى النبيُّ وَلاَ أصحابَه عن التََّهُّب. قال ابن التِّين: المراد التَّخييرُ في أمر الدُّنيا، وأمَّا أمرُ الآخرة فكلَّما صَعُبَ كان أعظَمَ ثواباً، كذا قال، وما أشارَ إليه ابنُ بَطّالٍ أَوْلى، وأَوْلَى منهما أنَّ ذلك في أُمور الدُّنيا، لأنَّ بعضَ أُمورها قد يُفضي إلى الإثم كثيراً، والأقَرَبُ أنَّ فاعل التَّخيير الآدميُّ، وهو ظاهرٌ، وأمثِلَتْه كثيرةٌ ولا سيَّما إذا صُدَرَ من الكافر. ١١ - بابُ إقامةِ الحُدودِ على الشَّرِيفِ والوَضِيعِ ٦٧٨٧ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أَنَّ أُسامةَ كَلَّمَ النبيَّ وَلَه في امرأةٍ، فقال: ((إنَّا هَلَكَ مَن كان قبلَكم أنَّهم كانوا يُقِيمونَ الحدَّ على الوَضِيعِ، ويَتْرُكُونَ على الشَّرِيفَ، والذي نفسي بيده، لو فاطمةُ فعَلَت ذلك لَقَطَعْتُ يَدَها)». قوله: ((بابُ إقامةِ الحُدودِ على الثَّريفِ والوَضيعِ)) هو من الوَضْعِ: وهو النَّقْصُ، ووَقَعَ هنا بلفظ: ((الوضيع))، وفي الطَّريق التي تليه بلفظ: ((الضَّعيف))، وهي رواية الأكثرِ في هذا الحديث، وقد رواه بلفظ: ((الوضيع)) أيضاً النَّسائيُّ (٤٩٠٠) من طريق إسماعيل بن أُميَّة عن الزُّهْريّ. والشَّريف يُقابِل الاثنَينِ، لِمَا يَستَلِزِمِ الشَّرَفُ من الرِّفعة والقوّة، ووَقَعَ للنَّسائيِّ أيضاً (ك ٧٣٤٣) في رواية لسفيان بلفظ: («الدُّونُ الضَّعيفُ)). قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسيّ. قوله: ((حدَّثنا اللَّيث، عن ابن شِهاب)) في رواية أبي النَّضر هاشم بن القاسم عن اللَّيث عند أحمد (١): حدَّثنا ابن شِهاب، ولا يعارضُ ذلك روايةً أبي صالح عن اللَّيث عن يونس عن ابن شِهاب فيما أخرجه أبو داود (٤٣٩٦)، لأنَّ لفظَ السّياقَينِ مُخْتَلِفٌ فيُحمَل على أنَّه عند (١) لم نقف على رواية أبي النضر هذه في ((مسند أحمد))، ولا في غيره، والله أعلم. ٤٦٤ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري اللَّيث بلا واسطةٍ باللَّفظِ الأوَّل، وعنده باللَّفظِ الثّاني بواسطةٍ، وسَأَوضِّحُ ذلك. قوله: ((عن عُرْوة)) في رواية ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب: أخبرني عُرْوة بن الزُّبَير، وقد مضى سياقه في غزوة الفتح (٤٣٠٤). ٨٧/١٢ قوله: ((أنَّ أُسامةَ)) هو / ابن زيد بن حارثة. قوله: ((كَلَّمَ النبيَّ ◌َ له في امرأة)» هكذا رواه أبو الوليد مختصراً، ورواه غيره عن اللَّيث مُطوَّلاً کما في الباب بعده. قوله: ((ويَترُكونَ على الشَّريف)» كذا لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ، وفيه حذفٌ تقديرُه: ويَترُكونَ إقامةَ الحدِّ على الشَّريفِ، وسَقطَ لَفظُ ((على)) من رواية غيره، وتقديرُه: ويتركُونَ الشَّرِيفَ(١) فلا يُقيمونَ علیه الحدَّ. قوله: ((لو فاطمة)) كذا للأكثر، قال ابن التِّين: التَّقديرُ: لو فعَلَتْ فاطمةُ ذلك، لأنَّ(لَو)» يليها الفعلُ دونَ الاسم. قلت: الأولى التَّقَديرُ بما جاء في الطَّريق الأُخرى: ((لو أنَّ فاطمةَ)) كذا في رواية الكُشْمِيهنيّ هنا، وهي ثابتة في سائر طُرق هذا الحديثِ في غير هذا الموضع، و((لو)) هنا شرطيَّةٌ وحذفُ ((أَنَّ) وَرَدَ معها كثيراً، كقوله وَلّ في الحديث الذي عند مسلم (٢٥٤٤): ((لو أهلُ عُمانَ أتاهُم رسولي))، فالتَّقدير: لو أنَّ أهلَ عُمان. وقد أنكَرَ بعض الشُّراح من شيوخنا على ابن التِّين إيرادَه هنا بحذفِ ((أنَّ))، ولا إنكارَ عليه، فإنَّ ذلك ثابتٌ هنا في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيّ، وكذا هو في رواية النَّسَفيّ، ووَفَعَ في رواية إسحاق بن راشد عن ابن شِهاب عند النَّسائيِّ (٤٩٠١): «لو سَرَقَت فاطمة)»، وهو يُساعِدُ تقديرَ ابنِ التّين. ١٢ - باب كراهيةِ الشّفاعةِ في الحدّ إذا رُفع إلى السُّلطان ٦٧٨٨ - حدّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ قُرَيشاً أهَمَّتْهمُ المرأةُ المَخْزومِيَّةُ التي سَرَقَت، فقالوا: مَن يُكلِّمُ رسولَ الله ◌ِيَّ ومَن يَخْتَرِئُ عليه إلّا أسامةُ؛ حِبُّ رسولِ الله وَِّ؟ فَكَلَّمَ رسولَ الله وَّةِ، فقال: ((أَتَشْفَعُ في حَدٍّ (١) من قوله: ((وسقط لفظ)) إلى هنا سقط من (س). ٤٦٥ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود من حُدودِ الله؟)) ثمَّ قامَ فخَطَبَ، قال: ((يا أيُّها الناسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَن كان قبلَكم أنَّهم كانوا إذا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكوه، وإذا سَرَقَ الضَّعِيفُ فيهم أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ الله! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سَرَفَت لَقَطَعَ محمَّدٌ يدَها)». قوله: ((باب كراهية الشَّفاعة في الحدّ إذا رُفِعَ إلى السُّلْطان)) كذا قَّدَ ما أطلقَه في حديث الباب: (أتشفَعُ في حَدٍّ من حُدود الله؟)) وليس القَيدُ صريحاً فيه، وكأنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طُرقه صريحاً، وهو في مُرسَل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه (١)، وفيه: أنَّ النبيَّوَّ قال لأُسامة لمَّا شَفَعَ فيها: ((لا تَشْفَع في حَدٍّ، فإنَّ الحدودَ إذا انتَهَت إليَّ فليس لها مَترَكٌ))، وله شاهد من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه رَفَعَه: ((تَعافَوا الحدودَ فيما بينَكم، فما بَلَغَني من حَدِّ فقد وَجَبَ))، تَرجَمَ له أبو داود (٤٣٧٦): «العفو عن الحدِّ ما لم يَبلُغ السُّلطانَ))، وصَحَّحَه الحاكم (٤ / ٣٨٢) وسندُه إلى عَمرِو بن شُعَيبٍ صحيحٌ. وأخرج أبو داود أيضاً (٣٥٩٧)، وأحمدُ (٥٣٨٥)، وصَحَّحَه الحاكم (٢٧/٢ و٣٨٣/٤) من طريق يحيى بن راشد قال: خَرَجَ علينا ابنُ عمرَ فقال: سمعت رسولَ الله وَ لَه يقول: ((مَن حالَت شَفاعَتُه دونَ حَدٍّ من حُدودِ الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمره))، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٦٥/٩-٤٦٦) من وجه آخرَ أصحَّ منه عن ابن عمرَ موقوفاً، وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة في ((الأوسط)) للطََّرانيِّ (٨٥٥٢) وقال: ((فقد ضادَّ اللهَ في مُلكِه))، وأخرج أبو يَعْلى (٣٢٨) من طريق أبي المُحَيّةِ عن أبي مَطَرٍ: رأيت عليّاً أُتيَ بسارقِ فذكر قصَّة فيها: أنَّ رسول الله وَّهِ أُتِيَ بسارقٍ، فذكر قصَّة فيها: قالوا: يا رسولَ الله أَفَلا عَفَوتَ؟ قال: «ذلك سُلطانُ سوءِ الذي يَعفو عن الحدودِ بينَكُم)(٢)، وأخرج الطبرانيُّ(٣) عن عُرْوة ابن الزُّبَير قال: لَقِيَ الزُّبَيرِ سارقاً فَشَفَعَ فيه، (١) بل ستأتي الإشارة إليه قريباً في هذا الباب، وهو في ((الطبقات)) لابن سعد ٢٦٣/٨. (٢) وفي إسناده أبو مطر الراوي عن عليٍّ ﴾ه، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٦/ ٢٦٠: لم أعرفه. وقال البوصيري في («إتحاف الخيرة)) ٢٦٦/٤: هذا إسناد ضعيف لجهالة بعض رواته. (٣) في ((الأوسط)) (٢٢٨٤)، وفي ((الصغير)) (١٥٨)، وهو عند الدار قطني في ((السنن)) (٣٤٦٧) وفي الإسناد عندهم أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري ضعّفه أبو حاتم وغيره، وشيخه عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعّفه ابن معين وأحمد وابن المديني. ٤٦٦ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري فقيلَ له: حتَّى يَبلُغَ الإِمامَ فقال: إذا بَلَغَ الإِمامَ فَلَعَنَ الله الشافعَ والمُشَفَّعَ. وأخرج ((الموطَّأ)) (٨٣٥/٢) عن ربيعة عن الزُّبَير نحوَه، وهو مُنقَطِع مع وَقْفِه، وهو عند ٨٨/١٢ ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٦٤/ ٤٦٥) بسندٍ حسنٍ عن الزُّبَير / موقوفاً، وبسندٍ آخرَ حسنٍ (٤٦٥/٩) عن عليٍّ نحوه كذلك، وبسندٍ صحيح عن عِكْرمة (٩/ ٤٦٨): أنَّ ابن عبّاس وعمّاراً والزُّبَير أخذوا سارقاً فخَلَّوا سبيلَه، فقلت لابنِ عبّاسٍ: بئسَمَا صَنَعْتُم حين خَلَّيْتُم سبيلَه، فقال: لا أمّ لك! أما لو كنتَ أنتَ لَسَرَّك أن يُحُلَّى سبيلُك. وأخرجه الدّارَقُطنيُّ (٣٤٦٧) من حديث الزُّبَيرِ موصولاً مرفوعاً بلفظ: ((اشفَعوا ما لم يَصِل إلى الوالي، فإذا وصَلَ الواليَ فعَفا، فلا عفا الله عنه))(١) والموقوف هو المعتمد. وفي الباب غيرَ ذلك حديثُ صفوانَ بنِ أُمَيَّةَ عند أحمد (١٥٣١٠) وأبي داود (٤٣٩٤) والنَّسائيِّ (٨٣٣)، وابن ماجَهْ (٢٥٩٥) والحاكم (٤ / ٣٨٠) في قصَّة الذي سَرِقَ رِداءه، ثمَّ أراد أن لا يُقْطَعَ فقال له النبيُّ ◌َّهِ: ((هلََّ قبلَ أن تأتيني به؟)) وحديث ابن مسعود في قصَّة الذي سَرَقَ فأمَرَ النبيُّ وَّهَ بقطعِه، فرأوا منه أسَفاً عليه فقالوا: يا رسولَ الله كأنَّك كَرهت قطعَه، فقال: ((وما يَمنَعُني؟ لا تكونوا أعواناً للشَّيطان على أخيكُم، إنَّه ينبغي للإمام إذا أُنهيَ إليه حَدٌّ أن يُقِيمَه، واللهُ عَفوٌّ يُحِبُّ العفوَ)) وفي الحديث قصَّةٌ مرفوعةٌ، وأُخرِجَ موقوفاً أخرجه أحمد (٣٧١١ و٣٩٧٧) وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ٣٨٢-٣٨٣). وحديث عائشة مرفوعاً: ((أقيلوا ذَوي الهيئات زَلّاتهم، إلّا في الحدود)) أخرجه أبو داود (٤٣٧٥). ويُستَفاد منه: جواز الشَّفاعة فيما يقتضي التَّعزير. وقد نَقَلَ ابن عبد البَرِّ وغيرُه فيه الاتِّفَاقَ، ويَدخُل فيه سائر الأحاديث الواردة في نَذْب السَّتر على المسلم، وهي محمولةٌ على ما لم يَبلُغ الإمامَ. (١) بل المرفوع بلفظ: ((إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع)) أما اللفظ الذي ذكره الحافظ فهو عند الدار قطني (٣٤٦٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعاً، ومن حديث ابن الزّبير (٣٤٦٨) موقوفاً عليه بلفظ: نعم، لا بأس به ما لم يؤت به الإمام، فإذا أُتيَ به الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا. ٤٦٧ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود قوله: ((عن عائشة)) كذا قال الحُفّاظ من أصحاب ابن شِهاب عن عُرْوة، وشَذَّ عمرُ ابن قَيسِ الماضِرِ - بكسر المهمَلة - فقال: ابن شِهاب عن عُرْوة عن أمّ سَلَمةَ، فذَكَر حديث الباب سواءً، أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((السَّرِقة))، والطبرانيُّ(١) وقال: تفرَّد به عمر بن قيس، يعني من حديث أمّ سَلَمة. قال الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)): الصَّواب رواية الجماعة. قوله: ((أنَّ قُرَيشاً)) أي: القبيلة المشهورة، وقد تقدَّم بيان المراد بقُرَيشِ الذي انتَسَبوا إليه في المناقب (٣٧٣٢)، وأنَّ الأكثرَ أنَّه فِهْرُ بنُ مالكِ، والمراد بهم هنا مَن أدرَكَ القصَّةَ منهم التي تُذكَرُ بمَكّةَ. قوله: ((أهمَّتهم المرأةُ) أي: أجَلَبَت إليهم هَمّاً، أو صَيَّرَتهم ذَوي هَمٍّ بسببٍ ما وَقَعَ منها، يقال: أهمّني الأمرُ، أي: أقْلَقَني، ومضى في المناقبِ من رواية قُتَية (٣٧٣٢) عن اللَّيث بهذا السَّنَد: أهمّهم شأنُ المرأة، أي: أمرُها المتعلَّقُ بالسَّرِقة، وقد وَقَعَ في رواية مسعود بن الأسود الآتي التَّنبيه عليها: لمَّا سَرَقَت تلكَ المرأةُ أعظَمْنا ذلك، فأتينا رسولَ الله ◌َّهِ، ومسعودٌ المذكور من بَطْنٍ آخَرَ من قُرَیش، وهو من بني عَديّ بن كعب رَهْطِ عمرَ. وسببُ إعظامِهِم ذلك خَشْيَةُ أن تُقطَعَ يَدُها، لِعِلمِهِم أنَّ النبيَّ وٍَّ لا يُرَخِّص في الحدود، وكان قطعُ السارق معلوماً عندهم قبلَ الإسلام، ونزلَ القرآنُ بقطع السارق فاستَمرَّ الحال فيه، وقد عَقَدَ ابنُ الكَلْبِيِّ باباً لِمَن قُطِعَ في الجاهليَّة بسببِ السَّرِقة، فذكر قصَّةَ الذينَ سَرَقوا غَزْالَ الكعبة(٢) فقُطِعوا في عهدِ عبد المطَّلِبِ جَدِّ النبِّ ◌َلِّ، وذكر مِمّن قُطِعَ (١) في ((الأوسط)) برقم (٧٤٧٩). (٢) وكان ما شأنه ما ذكره أصحاب السِّير أن بابك بن ساسان كان يغش البيتَ، وآخر ما زاره دفن فيه غزالاً من ذهب عيناه ياقوتتان، وكان من جملة من سرقه أبو لهب حين نفذ شرابهم فسرقوه وقطعوا مَوْلَيين لخزاعة ولم يقودا على أبي لهب لمكان بني هاشم. ((التذكرة الحمدونية)) لمحمد بن الحسن البغدادي ٢٥/٣. ٤٦٨ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري في السَّرِقة: عَوف بن عُبيد بن عمر(١) بن تَخَزوم، ومِقْيَس بن قيس بن عَديّ بن سعد بن سَهْم، وغيرهما، وأنَّ عَوفاً السابقُ لذلك. قوله: ((المَخْزوميَّة)) نِسبة إلى ◌َزوم بن يَقَظة - بفتح التَّحتائيَّة والقاف بعدها ظاءٌ مُعجَمةٌ مُشالةٌ - ابن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، وَزوم أخو كِلاب بن مُرّة الذي نُسِبَ إليه بنو عبد مَناف. ووَقَعَ في رواية إسماعيل بن أُميَّة عن محمَّد بن مسلم وهو الذي عند النَّسائيِّ (٤٩٠٠): سَرَقَت امرأة من قُرَيش من بني تَخَزوم. واسمُ المرأةِ على الصَّحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسَد بن عبد الله بن عَمْرو ابن تَخَزوم، وهي بنت أخي أبي سَلَمة بن عبد الأسَد الصحابيّ الجَليل الذي كان زوجَ أمِّ سَلَمَةَ قبلَ النبيِّ وََّ، قُتِلَ أبوها كافراً يومَ بدر، قتله حمزةُ بن عبد المطَّلِّب، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّ له صُحْبةً. وقيل: هي أمّ عَمْرو بنت سفيان بن عبد الأسَد وهي بنتُ عَمِّ المذكورة، أخرجه عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج قال: أخبرني بشر بن تَيم: أنَّها أمّ عَمْرو بنت(٢) سفيانَ بن عبد الأسَد، وهذا مُعضَلٌ، ووَقَعَ مع ذلك في سِياقه: أنَّه ٨٩/١٢ قاله عن ظنٍّ / وحُسبانٍ، وهو غَلَطُ مَمَّن قاله، لأنَّ قِصَّتَها مُغايِرةٌ للقصَّة المذكورة في هذا الحديث كما سَأوضِّحُه. قال ابن عبد البَرِّ في ((الاستيعاب)): فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسَد هي التي قَطَعَ رسول الله وسل﴿ يَدَها لأنَّهَا سَرَقَت حُلِيّاً، فَكَلَّمَت قُرَيشٌ أُسامةَ، فَشَفَعَ فيها وهو غلامٌ، الحديث. قلت: وقد ساقَ ذلك ابن سعد في ترجمتِها في ((الطَّقات)) (٢٦٣/٨) من طريق الأجلَح بن عبد الله الكنديّ عن حبيب بن أبي ثابت رَفَعَه(٣): أنَّ فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسَد سَرَقَت حُليّاً على عهد رسول الله وَله، فاستَشفَعوا، الحديث. وأورَدَ عبد الغني بن سعيد المِصريّ في ((المبهَمات)) (٢٦) من طريق يحيى بن سَلَمة بن كُھَيل (١) تحرَّف في (س) إلى: ((عبد بن عمرو)). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: ((بن)). (٣) طريق حبيب المرسلة هذه هي التي أشار إليها الحافظ في أول هذا الباب. ٤٦٩ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود عن عمَّر الدُّهنيّ عن شَقِيق قال: سَرَّقَت فاطمة بنت أبي أسَد بنت أخي أبي سَلَمة، فأشفَقَت قُرَيش أن يَقْطَعَها النبيُّوَّةِ، الحديثَ. والطَّريق الأُولى أقوى. ويُمكِنُ أن يقال: لا مُنافاةَ بين قوله: بنت الأسود وبنت أبي الأسَدِ(١) لاحتمال أن تكونَ كُنيةُ الأسود أبا الأسد (٢)، وأمَّا قصَّةُ أمِّ عَمرِو فذكرها ابن سعد أيضاً (٢٦٣/٨) وابن الكَلْبِيّ في ((المثالب)) وتَبِعَه الهَثَمُ بن عَديّ، فَذَكَروا: أنَّهَا خَرَجَت ليلاً فوَقَعَت بَرَكْبِ نُزُولٍ، فَأَخَذَت عَيْبةً(٣) لهم فأخَذَها القوم فأوثَقوها، فلمَّا أصبَحوا أَتَوْا بها النبيَّ لِّ، فعاذَت بِحَقْوَي أمّ سَلَمة(٤)، فأمَرَ بها النبيُّ ◌َّهِ فَقُطِعَت، وأنشَدوا في ذلك شِعراً قاله خُنَيَس بن يَعْلى بن أُميَّة. وفي رواية ابن سعد: أنَّ ذلك كان في حَجّة الوداع. وقد تقدَّم في الشَّهادات (٢٦٤٨)، وفي غزوة الفتح (٤٣٠٤): أنَّ قصَّة فاطمة بنت الأسود كانت عامَ الفتح، فَظَهَرَ تَغايُرِ القِصَّتَينِ وأنَّ بينَهما أكثرَ من سنتين، ويظهرُ من ذلك خطأُ مَن اقتَصَرَ على أنَّها أمُّ عَمْرٍو كابنِ الجَوْزيّ، ومَن رَدَّدَها بين فاطمة وأُمّ عَمْرو کابنِ طاهِرٍ وابن بَشْكَوال ومَن تَبِعَهما، فلله الحمدُ. وقد تَقَلَّدَ ابنُ حَزم ما قاله بِشْرُ بن تَيم، لكنَّه جَعَلَ قصَّةَ أمُّ عَمْرو بنت سفيان في جَحْد العارِيَّةِ، وقصَّةَ فاطمةَ في السَّرِقة، وهو غَلَطٌ أيضاً لوقوع التَّصريح في قصَّة أمّ عَمْرو بأنَّهَا سَرَفَت. قوله: ((التي سَرَّقَت)) زاد يونسُ في روايته: في عهد رسول الله وَ لّ في غزوة الفتح(٥)، ووَقَعَ بيانُ المسروقِ في حديث مسعود بن الأسود المعروفِ بابنِ العَجْماء؛ فأخرج ابنُ ماجَهْ (٢٥٤٨)، وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ٣٨٠) من طريق محمّد بن إسحاق عن محمّد بن طلحة بن رُكانة عن أمّه عائشةَ بنتِ مسعود بن الأسود عن أبيها قال: لمَّا سَرَقَتِ المرأةُ تلكَ القَطيفةَ من بيت (١) تحرَّفت في (س) إلى: الأسود. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: الأسد. (٣) والعَيْبة: زَبيل من أدَم يُجعل فيه الثياب. ((القاموس المحيط)) مادة (عيب). (٤) يعني: بمَعْقِدَي إزارها. (٥) سلفت برقم (٤٣٠٤). ٤٧٠ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله وَ ﴿ أعظَمنا ذلك، فجِئنا إلى رسول الله وَلَهُ نُكَلِّمُه. وسندُه حسنٌ، وقد صَرَّحَ فيه ابن إسحاق بالتَّحدیثِ في رواية الحاكم(١). وكذا عَلَّقَه أبو داود فقال: روى مسعود بن الأسود، وقال التُّرمِذيّ بعد حديث عائشة المذكور هنا: وفي الباب عن مسعود بن العَجماء، وقد أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((السَّرِقة)) من طريق يزيد ابن أبي حَبيب عن محمّد بن طلحة فقال: عن خالَته بنت مسعود بن العَجماء عن أبيها، فيحتمل أن يكون محمَّد بن طلحة سمعَه من أمّه ومن خالَتِهِ. ووَقَعَ في مُرسَل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه (٢): أنَّهَا سَرَقَت حُليّاً، ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ الخُلِيَّ كان في القَطيفة، فالذي ذَكَر القَطيفةَ أراد بما فيها، والذي ذكر الخُلِّ ذَكَر المظروفَ دونَ الظَّرف. ثمَّ رَجَح عندي أنَّ ذِكْرَ الْحُليّ في قصَّة هذه المرأة وَهْمٌ كما سأُبِّنُهُ، ووَقَعَ في مُرسَل الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب فيما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٨٣١) عن ابن جُرَيج: أخبرني عَمْرو بن دينار، أنَّ الحسن أخبَرَه قال: سَرَقَت امرأةٌ - قال عَمْرو: وحَسِبت أنَّه قال: من ثياب الكعبة - الحديثَ، وسندُه إلى الحسن صحيحٌ، فإن أمكَنَ الجمع وإلّا فالأوَّل أقوى. وقد وَقَعَ في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ في هذا الحديث: أنَّ المرأة المذكورة كانت تستعيرُ المتاعَ وَّجَحَدُه، أخرجه مسلمٌ (١٦٨٨/ ١٠) وأبو داود (٤٣٧٤ و٤٣٩٧)، وأخرجه النَّسائيُّ (٤٨٨٧) من رواية شُعَيب بن أبي حمزة عن الزُّهْريّ بلفظ: استَعارَت امرأةٌ على أَلْسِنِةِ ناسٍ يُعرَفونَ، وهي لا تُعرَفُ حُلِيّاً فباعَتْهُ وأخَذَت ثَمَنَه، الحديث. (١) لم يصرِّح ابن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم ولا في رواية غيره ممن روی هذا الخبر، فكلهم رووه عنه بالعنعنة، ثم إنَّ في الحديث علَّة أخرى تتمثّل في كون الحديث في رواية مسعود - على أنه ابن الأسود، والعجماءُ أمُّه، حيث ذكر أصحاب السِّير والتراجم ومنهم ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٨٨/٢، فقد ذكره فیمن استُشهد بمؤته، وقصّة المخزومية إنما كانت في فتح مكة كما في رواية يونس في ((الصحيح)) وقد سلفت برقم (٤٣٠٤) وهي التي أشار إليها الحافظ قريباً. وانظر تعليقنا على الحديث في «سنن ابن ماجه)». (٢) في أول هذا الباب. ٤٧١ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود وقد بيَّنْه أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام/ فيما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٨٣٢) ٩٠/١٢ بسندٍ صحيحٍ إليه: أنَّ امرأةً جاءت امرأةً فقالت: إنَّ فلانةَ تستعيرُك حُليّاً فأعارَتها إيّاه، فمَكَثَت لا تَراه، فجاءت إلى التي استَعَارَت لها فسألَتها فقالت: ما استَعَرتُك شيئاً، فَرَجَعَت إلى الأُخرى فأنكَرَت، فجاءت إلى النبيِّ وَّ فِدَعاها فسألَمَا فقالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما استَعَرتُ منها شيئاً فقال: ((اذهبوا إلى بيتِها تَجِدوه تحت فِراشها))، فَأَتوه فأخَذُوه، وأمَرَ بها فقُطِعَت، الحديثَ، فَيَحتمل أن تكونَ سَرَقَتِ القَطيفةَ وجَحَدَتِ الْحُلِيَّ، وأُطلِقَ عليها في جَحِدِ الحُليّ في رواية حبيب بن أبي ثابت: سَرَقَت مَجازاً. قال شيخُنا في ((شرح التِّرمِذيّ): اختُلِفَ على الزُّهْريّ: فقال اللَّيْثُ ويونسُ وإسماعيلُ ابن أُميَّة وإسحاقُ بنُ راشد: سَرَقَت، وقال مَعمَر وشُعَيب: إِنَّهَا اسْتَعَارَت وجَحَدَت، قال: ورواه سفيان بن عُيَينةَ عن أيوبَ بن موسى عن الزُّهْريّ، فاختُلِفَ عليه سنداً ومتناً: فرواه البخاريُّ - يعني كما تقدَّم في الشَّهادات(١) - عن عليّ بن المَدِينِيّ عن ابن عُبَينَةَ قال: ذهبت أسألُ الزُّهْريَّ عن حديث المخزوميَّة فصاحَ عليَّ، فقلت لسفيان: فلمْ تَحفَظْه عن أحدٍ؟ قال: وجدتُ في كتابٍ كَتَبَه أيوبُ بن موسى عن الزُّهْريّ، وقال فيه: إنَّهَا سَرَقَت. وهكذا قال محمَّدُ بنُ منصورٍ عن ابن عُبَينَةَ: إِنَّهَا سَرَقَت، أخرجه النَّسائيُّ (٤٨٩٥) عنه، وعن رزق الله بن موسى عن سفيان كذلك (٤٨٩٦) لكن قال: أُتَيَ النبيُّ ◌َلِّ بسارقٍ فقطَعَه. فذَكَره مختصراً، ومثله لأبي يَعْلى (٤٥٤٩) عن محمَّد بن عَبّاد عن سفيان، وأخرجه أحمد (٢٤١٣٨) عن سفيان كذلك لكن في آخره: قال سفيان: لا أدري ما هو؟ وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (٤٨٩٤) عن إسحاق بن راهويه عن سفيان عن الزُّهْريّ بلفظ: كانت مَزوميَّة تستعيرُ المتاعَ وتَجِحَدُه، الحديثُ، وقال في آخره: قيلَ لسفيان: مَن ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، فِذَكَره بسنِدِه المذكور، وأخرجه (٤٨٩٧) من طريق ابن أبي زائدة عن ابن عُبَينَةَ عن الزُّهْريّ بغير واسطةٍ، وقال فيه: سَرَقَت. (١) بل في فضائل الصحابة برقم (٣٧٣٣). ٤٧٢ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قال شيخُنا: وابنُ عُبَينَةَ لم يَسمَعْهُ من الزُّهْريِّ ولا يَمَّن سمعَه من الزُّهْرِيِّ، إنَّا وَجَدَه في كتاب أيوبَ بن موسى ولم يُصرِّح بسماعِه من أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو؟ كما تقدَّمَ، وجَزَمَ جماعة بأنَّ مَعْمَراً تفرَّد عن الزّهْريّ بقولِه: استَعَارَت وجَحَدَت، وليس كذلك، بل تابَعَه شُعَيب كما ذكره شيخُنا عند النَّسائيِّ (٤٨٩٨)، ويونس كما أخرجه أبو داود (٤٣٩٦) من رواية أبي صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث عنه، وعَلَّقَه البخاريّ للَّيثِ عن يونس، لكن لم يَسُق لفظَه كما نَّبَّهت عليه، وكذا ذكر البيهقيُّ (٢٨٠/٨) أنَّ شَبيب بن سعيد رواه عن يونس، وكذلك رواه ابن أخي الزُّهْريّ عن الزُّهْريّ، أخرجه ابن أيمَنَ في ((مُصنَّفه)) عن إسماعيل القاضي بسندِه إليه، وأخرج أصلَه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦٢٤). والذي اتَّضَحَ لي أنَّ الحديثَينِ محفوظان عن الزُّهْرِيّ، وأنَّه كان يُحدِّثُ تارةً بهذا وتارةً بهذا، فحدَّث يونس عنه بالحديثَين، واقتَصَرَت كلُّ طائفةٍ من أصحابِ الزُّهْريّ غیر یونس على أحد الحديثين، فقد أخرج أبو داود (٤٣٩٥) والنَّسائيُّ (٤٨٨٨) وأبو عَوَانة في ((صحیحه)) (٦٢٤٣) من طريق أيوبَ عن نافع عن ابن عمر: أنَّ امرأةً تَخَزوميَّةً كانت تستعيرُ المتاعَ وَتَجِحَده، فأمَرَ النبيّ ◌َطهر بقطع يَدها. وأخرجه النَّسائيُّ (٤٨٩٠) وأبو عَوَانة أيضاً (٦٢٤٤) من وجهٍ آخَر عن عُبيد الله بن عمرَ عن نافعٍ بلفظ: استَعارَت حُلِيّاً. وقد اختَلَفَ نظرُ العلماء في ذلك، فأخَذَ بظاهره أحمدُ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ عنه وإسحاقُ، وانتَصَرَ له ابن حَزْم من الظّاهريَّة، وذَهب الجمهورُ إلى أنَّه لا يُقطَعُ في جَحْدِ العاريَّةِ، وهي روايةٌ عن أحمدَ أيضاً، وأجابوا عن الحديث بأنَّ رواية مَن روى: سَرَقَت أرجَحُ، وبالجمع بين الرِّوايتَينِ بضَرْبٍ من التَّأويل، فأمَّا التَّرجيح فَنَقَلَ النَّوويّ: أنَّ رواية مَعمَر شاذّةٌ مخالفةٌ الجماهير الرُّواة، قال: والشّاذّة لا يُعمَل بها. وقال ابن المنيِّر(١) في ((الحاشية)) - وتَبِعَه المحِبُّ الطَّبَريّ -: قيل: إنَّ مَعمَراً انفَرَدَ بها. (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ((ابن المنذر))، وسقط من (ع). ٤٧٣ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود وقال القُرطُبيّ: رواية أنَّهَا سَرَقَت أكثرُ وأشهَرُ من رواية الجَحْدِ، فقد انفَرَدَ بها مَعمَرٌ وحدَه من بين الأئمّة الْحُفّاظ، وتابَعَه على / ذلك مَن لا يُقتَدَى بحِفظِهِ كابنِ أخي الزّهْريّ ٩١/١٢ ونَمَطِهِ. هذا قول المحدِّثينَ. قلت: سَبَقَه لبعضِه القاضي عياض، وهو يُشعِرُ بأنَّه لم يَقِف على رواية شُعَيب ويونس بموافَقة مَعمٍَّ، إذ لو وقَفَ عليها لم يَجِزِمِ بتَفُرُّدِ مَعمَر وأنَّ مَن وافَقَه كابنٍ أخي الزُّهْرِيّ ونَمَطِهِ، ولا زاد القُرطُبيّ نِسبةَ ذلك للمُحَدِّثينَ، إذ لا يُعرَفُ عن أحدٍ من المحدِّثينَ أنَّه قَرَنَ شُعَيبَ بنَ أبي حمزة ويونسَ بنَ يزيد وأيوبَ بن موسى بابنِ أخي الزُّهْريّ، بل هم مُتَّفِقونَ على أنَّ شُعَيباً ویونُسَ أرفَعُ درجةً في حدیث الزُّهْريّ من ابن أخيه، ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف عن الزُّهْريّ ترجيحٌ بالنّسبة إلى اختلاف الرُّواة عنه، إلّا لكَونِ رواية: سَرَقَت مُتَّفَقاً عليها، ورواية: جَحَدَت انفَرَدَ بها مسلم، وهذا لا يَدفَع تقديم الجمع إذا أمكنَ بين الرِّوايتَين. وقد جاء عن بعض المحدِّثينَ عكسُ كلام القُرطُبيّ، فقال: لم يُخْتَلَف على مَعمَر ولا على يُعَيب، وهما في غاية الجَلالة في الزُّهْرِيّ، وقد وافَقَهما ابن أخي الزُّهْريّ، وأمَّ اللَّيْثُ ويونسُ - وإن كانا في الزّهْريّ كذلك - فقد اختُلِفَ عليهما فيه، وأمَّا إسماعيل بن أُميَّة وإسحاقُ بن راشد فدُونَ مَعمٍَ وشُعَيبٍ في الحِفظ. قلت: وكذا اختُلِفَ على أيوبَ بن موسى كما تقدَّمَ، وعلى هذا فيَتَعادَلُ الطَّريقان ويَتَعيَّنُ الجمعُ، فهو أولى من اطِّراح أحدِ الطَّريقَين، فقال بعضُهم - كما تقدَّم عن ابن حَزْم وغيره -: هما قِصَّتان مُخْتَلِفَتَان لامرأتينِ مُخْتَلِفَتَين، وتُعقِّبَ بأنَّ في كلِّ من الطَّريقَينِ: أنَّهم استَشفَعوا بأسامةَ، وأنَّه شَفَعَ وأنَّه قيل له: ((لا تَشفَع في حَدٍّ من حُدود الله))، فيَبَعُدُ أنَّ أُسامةَ يسمعُ النَّهيَ المؤَكَّدَ عن ذلك ثمَّ يعود إلى ذلك مرَّةً أُخرى، ولا سيَّما إن أَّحَدَ زَمَنُ القِصَّتَين، وأجابَ ابن حَزْم بأنَّه يجوزُ أن يَنسَى، ويجوز أن يكون الزَّجْرُ عن الشَّفاعة في حَدّ السَّرِقة تقدَّم، فظنَّ أنَّ الشَّفاعة في جَحْد العاريَّةِ جائزٌ، وأن لا حَدَّ فيه فشَفَعَ، فأُجيبَ بأنَّ فيه الحدَّ أيضاً، ولا يخفى ضعفُ الاحتمالَين. ٤٧٤ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء: أنَّ القصَّة لامرأةٍ واحدةٍ استَعارَت وجَحَدَت وسَرَقَت، فقُطِعَت للسَّرِقة لا للعاريَّةِ، قال: وبذلك نقول. وقال الخطَّبيُّ في ((مَعالم السُّنَنِ)) بعد أن حكى الخِلاف، وأشارَ إلى ما حكاه ابن المنذر: وإنَّما ذُكِرَتِ العاريَّةُ والجَحدُ في هذه القصَّة تعريفاً لها بخاصِّ صِفَتِها، إذ كانت تُكثِرُ ذلك كما عُرِفَت بأنَّهَا مَزوميَّةٌ، وكأنَّها لمَّا كَثُرَ منها ذلك تَرَقَّت إلى السَّرِقة وَجَرَّأْت عليها. وتَلَقَّفَ هذا الجوابَ من الخطّابِيِّ جماعةٌ منهم البيهقيُّ، فقال: تُحمَل رواية مَن ذكر جَحدَ العاريَّةِ(١) على تعريفِها بذلك، والقطعَ على السَّرِقة. وقال المنذريُّ نحوه، ونَقَلَه المازَرِيّ ثمَّ النَّوويّ عن العلماء. وقال القُرطُبيّ: يَترجَّح أنَّ يدَها قُطِعَت على السَّرِقة، لا لأجْلِ جَحْدِ العاريّة من أوجُهٍ: أحدُها: قولُه في آخِرِ الحديث الذي ذُكِرَت فيه العاريّةُ: ((لو أنَّ فاطمةَ سَرَقَت))، فإنَّ فيه دلالةٌ قاطِعةً على أنَّ المرأةَ قُطِعَت في السَّرِقة، إذ لو كان قَطعُها لأجْلِ الجَحْدِ لكان ذِكرُ السَّرِقة لاغياً، ولَقال: لو أنَّ فاطمة جَحَدَتِ العاريَّةَ. قلت: وهذا قد أشارَ إليه الخطَّبيُّ أيضاً. ثانيها: لو كانت قُطِعَت في جَحْدِ العارِيَّة، لَوجَبَ قطعُ كلِّ مَن جَحَدَ شيئاً إذا ثَبَتَ عليه، ولو لم يكن بطريق العاريَّة. ثالثها: أنَّه عارَضَ ذلك حديثُ: ((ليس على خائٍ ولا مُخْتَلِسٍ ولا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ))، وهو حديثٌ قويٌّ. قلت: أخرجه الأربعة(٢)، وصَحَّحَه أبو عَوَانة والتِّرمِذيّ من طريق ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير عن جابر رَفَعَه، وصَرَّحَ ابن جُرَيج في رواية للنَّسائيِّ (ك٧٤٢١) بقولِه: أخبرني أبو الزُّبَيرِ، ووهَّمَ بعضُهم هذه الرِّوايةَ، فقد صَرَّحَ أبو داود بأنَّ ابن جُرَيج لم يسمعه من أبي الزُّبَير، قال: وبَلَغَني عن أحمدَ: إنما سمعَه ابن جُرَيج من ياسينَ الزَّيّات، ونَقَلَ ابن عَديّ في ((الكامل)) عن أهل المدينة أنَّهم قالوا: لم يسمع ابنُ جُرَيج من أبي الزُّبَيرِ، وقال النَّسائيُّ: رواه الحُفّاظ من أصحاب ابن جُرَيج عنه عن أبي الزُّبَير، فلم يَقُل أحدٌ منهم: أخبرني، ولا أحسبُه سمعه .. (١) تحرَّفت في (س) إلى: الجارية. (٢) أبو داود (٤٣٩١-٤٣٩٣)، وابن ماجه (٢٥٩١)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٤٩٧١). ٤٧٥ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود قلت: لكن وُجِدَ له مُتابعٌ عن / أبي الزُّبَير، أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (٤٩٧٥) من طريق ٩٢/١٢ المغيرة بن مسلم عن أبي الزُّبَيرِ، لكنْ أبو الزُّبَيرِ مُدلِّسٌ أيضاً وقد عَنعَنَه عن جابرٍ، لكن أخرجه ابن حِبّان (٤٤٥٦ و٤٤٥٧) من وجهٍ آخرَ عن جابرٍ بِمُتَابَعة أبي الزُّبَير، فقَويَ الحديث، وقد أجمعوا على العمل به إلّا مَن شَذَّ، فَنَقَلَ ابن المنذر(١) عن إياس بن معاوية أنَّه قال: المختَلِسُ يُقْطَع. كأنَّه أَحَقَه بالسارقِ لاشتِراكهما في الأخذِ خُفْيَةً، ولكنَّه خِلَاف ما صُرِّحَ به في الخبر، وإلّا ما ذكر مَن قَطَعَ جاحدَ العاريَّةِ، وأجْمَعوا على أن لا قَطْعَ على الخائن في غير ذلك ولا على المُنْتَهِب، إلّا إن كان قاطِعَ طريقٍ، والله أعلم. وعاَرَضَه غيرُهُ مَمَّن خالَفَ، فقال ابن القَيِّم الحنبليّ: لا تَنافيَ بين جَحْد العاريَّةِ وبين السَّرِقة، فإنَّ الجَحد داخل في اسم السَّرِقة، فيُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنَّ الذينَ قالوا: سرقَت أطلقوا على الجَحد سَرِقَةً، كذا قال ولا يخفى بُعدُه. قال: والذي أجابَ به الخطَّبيُّ مردودٌ، لأنَّ الُكمَ المرتِّبَ على الوصف معمولٌ به، ويُقوِّيه أنَّ لفظَ الحديث وتَرتيبَه في إحدَى الرِّوايتَينِ القَطْعَ على السَّرِقة، وفي الأُخرى على الجَحد على حَدٍّ سواء، وترتيب الحكم على الوصف يُشعِرُ بالعِلِيَّة، فكلٌّ من الرِّوايتَينِ دالٌّ على أنَّ عِلّة القَطْع كلٌّ من السَّرِقة وجَحدِ العاريَّةِ على انفرادِهِ، ويُؤيِّد ذلك أنَّ سياقَ حديث ابنِ عُمَر ليس فيه ذِكْرٌ للسَّرِقة ولا للشَّفاعة من أُسامةَ، وفيه التَّصريحُ بأنَّهَا قُطِعَت في ذلك. وأبسَطُ ما وجدت من طُرقِه ما أخرجه النَّسائيُّ في رواية له: أنَّ امرأة كانت تستعيرُ الحُليَّ في زمن رسول الله وَّه، فاستَعارَت من ذلك حُليّاً، فجَمَعَته ثمَّ أمسَكَته، فقامَ رسول الله وَّه فقال: (( لَتُب امرأةٌ إلى الله تعالى وتُؤَدِّ ما عندَها)) مِراراً، فلم تَفْعَل، فأمَرَ بها فقُطِعَت. وأخرج النَّسائيُّ (ك ٧٣٣٦) بسندٍ صحيح من مُرسَل سعيد بن المسيّب: أنَّ امرأةً من بني تَخزوم استَعارَت حُليّاً على لسان أُناس، فجَحَدَت، فأمَرَ بها النبيّ وَّ فِقُطِعَت. وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٨٣٣) بسندٍ صحيح أيضاً إلى سعيد قال: أَتِيَ النبيُّ نَ ◌ّه با مرأةٍ في بيت عظيم من بُيُوت قُريش، قد أتت أُناساً (١) في ((الأوسط)) ٣٢٢/١٢. ٤٧٦ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري فقالت: إنَّ آلَ فلانٍ يَستعيرونَكم كذا، فأعاروها، ثمَّ أتوا أولئكَ فأنكروا، ثمَّ أنكَرَت هي، فقطَعَها النبيّ ێۇ. وقال ابن دقيق العيد: صَنيع صاحب ((العُمدة)) حيثُ أورَدَ الحديثَ بلفظ اللَّيث ثمّ قال: وفي لفظٍ، فذِكْر لفظِ مَعمَر، يقتضي أنَّها قصَّةٌ واحدةٌ، واختُلِفَ فيها هل كانت سارقةً أو جاحدةً؟ يعني لأَنَّه أورَدَ حديثَ عائشةَ باللَّفْظِ الذي أخرَجاه من طريق اللَّيث، ثمَّ قال: وفي لفظ: كانت امرأةٌ تَستعيرُ المتاعَ وَجَحَدُه فأمَرَ النبيُّ ◌َلّهِ بِقَطْع يَدِها، وهذه رواية معمر في مسلم (١٦٨٨/ ١٠) فقط، قال: وعلى هذا فالحُجّة في هذا الخبرِ في قَطْع المستَعير ضعيفةٌ، لأَنَّه اختلافٌ في واقعةٍ واحدةٍ، فلا يُبَتُّ الحُكمُ فيه بترجيحِ مَن روى أنَّهَا جاحدةٌ على الرِّواية الأُخرى، يعني وكذا عكسُه، فَيَصِحُّ أنَّهَا قُطِعَت بسببِ الأَمَرَين، والقطع في السَّرِقة مُتَّفَقٌّ عليه، فيترجّح على القطع في الجَحد المختلَف فيه. قلت: وهذه أقوى الطُّرق في نظري، وقد تقدَّم الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ القصَّةَ وَقَعَت لامرأتينِ فقُطِعَتا، في أوائلِ الكلام على هذا الحديث، والإلزامُ الذي ذكره القُرطُبيّ - في أنَّه لو ثَبَتَ القطعُ في جَحِدِ العاريّة لَلَِّمَ القطعُ في جَحِدٍ غيرِ العاريَّةِ - قويٌّ أيضاً، فإنَّ مَن يقول بالقَطْع في جَحِدِ العاريّة لا يقول به في جَحدٍ غيرِ العاريّة، فيُقاس المختلَفُ فيه على المتَّفَقِ عليه، إذ لم يَقُل أحدٌ بالقطع في الجحدٍ على الإطلاق. وأجابَ ابن القَيِّم بأنَّ الفَرقَ بين جَحِدِ العاريَّةِ وجَحدٍ غيرها أنَّ السارقَ لا يُمكِّنُ الاحترازُ منه، وكذلك جاحدُ العاريّة، بخلاف المختَلِس من غير حِررٍ والمنتَهِب، قال: ولا شَكَّ أنَّ الحاجة ماسّةٌ بين الناس إلى العاريّة، فلو عَلِم المعيرُ أنَّ المستَعيرَ إذا جَحَدَ لا شيءَ عليه، لَجَرَّ ذلك إلى سَدِّ بابِ العاريّة، وهو خِلَاف ما تَدُلّ عليه حِكمة الشَّريعة، بخِلَاف ما إذا عَلِمٍ أَنَّه يُقْطَعُ، فإنَّ ذلك يكون أدعَى إلى استمرار العاريّة. ٩٣/١٢ وهي مُناسَبةٌ لا تقوم بمُجرَّدِها حُجّةٌ إذا ثَبَتَ حديثُ جابٍ في أن لا قَطْعَ على خائٍ،/ وقد فَرَّ من هذا بعضُ مَن قال بذلك، فخَصَّ القَطْعَ بمَن استَعارَ على لسان غيره مُخَادِعاً للمُستَعار ٤٧٧ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود منه، ثمَّ تَصَرَّفَ في العارية وأنكَرَها لمَّا طُولِبَ بها، فإنَّ هذا لا يُقطَعُ بمُجرَّدِ الخيانة، بل المُشارَكَتِهِ السارقَ في أخذِ المال خُفيةً. تنبيه: قول سفيان المتقدِّم(١): ((ذهبتُ أسأل الزُّهْريّ عن حديث المخزوميَّة التي سَرَقَت فصاحَ عليَّ) ممّا يَكثُرُ السُّؤْالُ عنه وعن سَبَبِه، وقد أوضَحَ ذلك بعضُ الزُّواة عن سفيان، فُرُوِّينا(٢) في كتاب ((المحدِّث الفاضل)) لأبي محمَّد الرَّامَهُر مُزيّ من طريق سليمان بن عبد العزيز أخبرني محمَّد بن إدريسَ، قال: قلت لسفيانَ بن عُيَينةَ: كم سمعتَ من الزُّهْريّ؟ قال: أمَّا مع الناس فما أُحصي، وأمَّا وحدي فحديثٌ واحدٌ، دَخَلت يوماً من باب بني شَيْبة، فإذا أنا به جالسٌ إلى عَمود فقلت: يا أبا بكرٍ حَدِّثني حديث المخزوميّة التي قَطَعَ رسولُ اللهِوَّ يَدَها، قال: فضَرَبَ وَجْهي بالْحَصَى ثمّ قال: قُم، فما يزال عبدٌ يُقدِمُ علينا بما نَكرَه، قال: فقُمت مُنكَسِراً، فمرَّ رجلٌ فدعاه، فلم يَسمعْ فَرَماه بالحَصَى فلم يَبلُغْهُ، فاضطُرَّ إليَّ فقال: ادعُهُ لي، فَدَعَوته له، فأتاه فقَضَى حاجتَه، فَنَظَرَ إليَّ فقال: تَعالَ، فچِئت فقال: أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو سَلَمة عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللهَوَّه قال: ((العَجماءُ جُبارٌ)) الحديث، ثمَّ قال لي: هذا خيرٌ لك من الذي أردت. قلت: وهذا الحديثُ الأخيرُ أخرجه مسلمٌ (١٧١٠) والأربعةُ(٣) من طريق سفيان بدون القصّة. قوله: ((فقالوا: مَن يُكلِّم فيها رسولَ اللهِوَّ)) أي: يَشفَع عنده فيها أن لا تُقطَعَ إمّا عَفواً وإمّا بفِداءٍ، وقد وَقَعَ ما يدلَّ على الثّاني في حديث مسعود بن الأسود (٤) ولفظُه بعد قوله: أعظَمنا ذلك: فجِئنا إلى النبيّ وَّ فقلنا: نحنُ نَفديها بأربعينَ أوقيَّة، فقال: «تُطَهَّرُ خيرٌ لها)) (١) قريباً في سياق في شرحه هذا الباب. (٢) في (س): ((ورأينا))، والمثبت من (أ). (٣) أبوداود (٣٠٨٥) و(٤٥٩٣)، وابن ماجه (٢٥٠٩) و(٢٦٧٣)، والترمذي (١٣٧٧)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٤٩٥)، وفي ((الكبرى)) (٢٢٨٦)، ولم يذكر بعضهم في إسناده أبا أسامة. (٤) سلف تخريجه والتعليق عليه قريباً في هذا الباب. ٤٧٨ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وكأنَّهم ظنُّوا أنَّ الحدَّ يَسقُطُ بالفِدْية، كما ظنَّ ذلك مَن أفتَى والدَ العَسيف الذي زَنَى بأنَّه يَفْتَدي منه بمئة شاٍ ووليدةٍ(١). ووجدت لحديثٍ مسعود هذا شاهداً عند أحمد (٦٦٥٧) من حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ امرأة سَرَقَت على عهد رسول الله وَِّ فقال قومُها: نحنُ نَفدیھا (٢). قوله: ((ومَن يَخْتَرِئُ عليه)) بسكونِ الجيم وكسر الرَّاء: ((يَفْتَعِلُ)) من الجُرأة بضمٌّ الجيم وسكون الرَّاء وفتحِ الهمزة، ويجوز فتحُ الجيم والرَّاء مع المدّ. ووَقَعَ في روايةٍ قُتَيْبة(٣). فقالوا: ومَن يَجِتَرِئ عليه. وهو أوضَحُ، لأنَّ الذي استَفْهَمَ بقولِه: مَن يُكلِّم، غيرُ الذي أجابَ بقولِه: ومَن يَجْتَرِئ. والجرأة: هي الإقدامُ بإدلالٍ، والمعنى: ما يَجتَرِئ عليه إلّا أُسامة، وقال الطِّييُّ: الواو عاطِفة على محذوف تقديره: لا يَجَتَرِئ عليه أحدٌ لمَهابَتِه، لكنَّ أُسامةَ له عليه إدلالٌ، فهو يَجِسُرُ على ذلك. ووَقَعَ في حديث مسعود بن الأسود بعد قوله: ((تُطَهَّرُ خيرٌ لها)): فلمَّا سمعنا لِيْنَ قول رسول الله وَ﴿ أَتينا أُسامةَ، ووَقَعَ في رواية يونس الماضية في الفتح (٤٣٠٤): ففَزِعَ قومُها إلى أُسامة، أي: لَجَؤوا، وفي رواية أيوب بن موسى في الشَّهادات(٤): فلم يَجتَرِئ أحد أن يُكلِّمه إلّا أُسامة. وكأنّ السَّبَب في اختصاص أُسامةَ بذلك ما أخرجه ابن سعد (٦٩/٤) من طريق جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه: أنَّ النبيَّ ◌َلّ قال لأَسامة: ((لا تَشْفَعْ في حَدِّ» وكان إذا شَفَعَ شَفَّعَه، وهو بتشديد الفاء، أي: قَبِلَ شَفاعَتَه. وكذا وَقَعَ في مُرسل حبيب ابن أبي ثابت: وكان رسول الله وَ لَا يُشِفِّعُه(٥). (١) سلف برقم (٢٦٩٥) من حديث أبي هريرة وزید بن خالد الجهني رضي الله عنهما. (٢) وفي إسناده عبد الله بن لهيعة، وحيي بن عبد الله - وهو المعافري - ضعيفان. (٣) سلفت الإشارة إليها، وأنها في البخاري برقم (٣٤٧٥) و(٣٧٣٢). (٤) بل في فضائل أصحاب النبي ◌َّلهم برقم (٣٧٣٣). (٥) سلفت الإشارة إليه غير مرة. ٤٧٩ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود قوله: ((حِبُّ رسولِ الله ◌ِ﴾)) بكسر المهمَلة بمعنى مَحبوب، مِثل: قِسْم بمعنى مَقْسُومِ، وفي ذلك تَلميح بقولِ النبيِّ وَّ: ((اللهمَّ إنّي أُحِبُّه فأحِبَّه)) وقد تقدَّم في المناقب (٣٧٤٩). قوله: ((فكَلَّمَ رسولَ الله ◌ِ)) بالنَّصب، وفي رواية قُتَيبة (٣٤٧٥): فكَلَّمَه أُسامة، وفي الكلام شيءٌ مَطويٌّ تقديرُه: فجاؤوا إلى أُسامة فكَلَّموه في ذلك، فجاء أُسامة إلى النبيّ ◌َِّفِكَلَّمَه، ووَقَعَ في رواية يونس(١): فأُتيَ بها رسولُ اللهِلَّهِ فِكَلَّمَه فيها. فأفادَت هذه الرّوايةُ أنَّ الشافع يَشفَع بحَضرة المشفوع له ليكونَ أعذَرَ له عنده إذا لم تُقبَل شَفاعَتُه. وعند النَّسائيِّ (٤٩٠٠) من رواية إسماعيل بن أُميَّة: فَكَلَّمَه فَزَبَرَه، بفتح الزّاي والموخَّدة، أي: / أغلَظَ له في النَّهي حتَّى نَسَبَه إلى الجهل، لأنَّ الزَّبْرَ بفتح ثمَّ سكونٍ: هو العَقْلُ، وفي ٩٤/١٢ رواية يونس (٤٣٠٤): فَكَلَّمَه فَتَلَوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِوَّةِ. زاد شُعَيب عند النَّسائيِّ (٤٨٩٨): وهو يُكلِّمه. وفي مُرسَل حبيب بن أبي ثابت: فلمَّا أقبَلَ أُسامةُ ورآه النبيّ وَّ قال: ((لا هنا تُكلِّمني يا أُسامة)). قوله: ((فقال: أتشْفَعُ في حَدٍّ من حُدود الله؟)) بهمزة الاستفهام الإنكاريّ لأنَّه كان سَبَقَ له مَنْعُ الشَّفاعة في الحدّ قبل ذلك، زاد يونس وشُعَيب: فقال أُسامة: استَغْفِر لي يا رسول الله. ووَقَعَ في حديث جابر عند مسلم (١٦٨٩) والنَّسائيِّ (٤٨٩١): أنَّ امرأة من بني تَخَزوم سَرَقَت، فأَتِيَ بها النبيُّ ◌ِهِ فِعاذَت بِأُمِّ سَلَمة، بذالٍ مُعجَمة، أي: استَجارَت، أخرَجاه من طريق مَعقِل بن عُبيد الله (٢) عن عُبيد الله عن أبي الزُّبَير عن جابر، وذكره أبو داود تعليقاً(٣)، والحاكم موصولاً (٤/ ٣٧٩) من طريق موسى بن عُقْبة عن أبي الزُّبَير عن جابر: فعاذَت بزينبَ بنتِ رسولِ الله وَلَّ(٤). (١) عند مسلم (١٦٨٨) (٩). (٢) تحرفت في (س) إلى: معقل بن يسار. (٣) تحت الحديث رقم (٤٣٧٤). (٤) الذي في ((المستدرك)) بلفظ: فعادت بربيب رسول الله وَ لفي، كما في ((مسند أحمد)) برقم (١٥٢٤٧)، وسيشير الحافظ إلى اختلاف الروايات في ذلك. ٤٨٠ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قال المنذريُّ: يجوز أن تكون عادَت بكلِّ منهما، وتَعقَّبَه شيخنا في ((شرحِ الثِّرمِذيّ)» بأنَّ زينبَ بنتَ رسول الله وَ لّكانت ماتت قبلَ هذه القصّة، لأنَّ هذه القصَّةَ كما تقدَّم كانت في غزوة الفتح وهي في رمضان سنة ثمانٍ، وكان موت زينبَ قبلَ ذلك في ◌ُمادَى الأُولى من السَّنة، فلعلَّ المرادَ أنَّهَا عاذَت بزينبَ رَببيةِ النبِّ وَّ﴿ وهي بنت أمّ سَلَمة، فَتَصَحَّفَت على بعض الرُّواة. قلت: أو نُسِبَت زينبُ بنت أمّ سَلَمة إلى النبيّ وَِّ مَجَازاً لِكَونِهِا رَبِيبَتَه، فلا يكون فيه تصحيفٌ. ثمَّ قال شيخنا: وقد أخرج أحمد (١٥٢٤٧) هذا الحديث من طريق ابن أبي الزِّناد عن موسى بن عُقْبة، وقال فيه: فعاذَت بَرَبِيبِ النبيِّ وَّهِ، براءٍ وموخَّدة مكسورة وحذفٍ لفظ: بنت، وقال في آخره: قال ابن أبي الزِّناد: وكان رَبِيبُ النبيِّوَ سَلَمَةَ بنَ أبي سَلَمة وعمرَ بنَ أبي سَلَمة، فعاذَت بأحدِهما. قلت: وقد ظَفِرت بما يدلُّ على أنَّه عمرُ بنُ أبي سَلَمة، فأخرج عبد الرَّزّاق (١٨٨٣١) من مُرسَل الحسن بن محمَّد بن عليّ: قال: سَرَقَت امرأةٌ - فذَكَر الحديثَ، وفيه ــ: فجاء عمرُ ابن أبي سَلَمة فقال النبيِّ وَّهِ: أَيْ أَبَهْ، إنَّهَا عَمَّتي، فقال: «لو كانت فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لَقَطَعت يَدَها)» قال عَمْرو بن دينار الراوي عن الحسن: فلم أشُكَ أنَّها بنتُ الأسودِ بن عبد الأسَد. قلت: ولا مُنافاةَ بين الرِّوايتَينِ عن جابر، فإنَّه يُحِمَلُ على أنَّهَا استَجارَت بِأُمّ سَلَمة وبأولادِها، واختصَّتْها بذلك لأنَّها قريبَتُها وزوجُها عَمُّها، وإنَّما قال عمر بن أبي سَلَمة: ((عَمَّتي)) من جهة السِّنّ، وإلّا فهي بنت عَمِّ أخي أبيه، وهو كما قالت خديجة لوَرَقةَ في قصَّة المبعَث: أي عَمِّ، اسمَع من ابنِ أخيك(١)، وهو ابن عمِّها أخي أبيها أيضاً. ووَقَعَ عند أبي الشَّيخ(٢) من طريق أشعَثَ عن أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ امرأة من بني تَخزوم (١) سلف في كتاب بدء الوحي برقم (٣). (٢) في ((كتاب السرقة)) له كما ذكر الحافظ غير مرَّة في أثناء هذا الشرح، والحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (١٥١٤٩) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر.