Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب ٣١ / ح ٦٧٧١
كتاب الفرائض
(ألم تسمعي ما قال المُدْلِيّ؟))، ومضى في صِفَة النبيّ وََّ(١) من طريق إبراهيم بن محمَّد عن
الزُّهْريّ بلفظ: ((دَخَلَ عليَّ قائِفٌ)) الحديث، وفيه: فسُرَّ بذلك النبيُّ ◌َّهِ وأعجَبَه وأخبرَ به
عائشةَ، ولمسلم (١٤٥٩/ ٤٠) من طريق مَعمَر وابن جُرَيج عن الزُّهْريّ: وكان مُجَزِّز قائفاً.
ومُجَزِّز بضمِّ الميم وكسر الزّاي الثقيلة، وحُكيَ فتحُها، وبعدها زائيٌ أُخرى، هذا هو
المشهور، ومنهم مَن قال: بسكونِ الحاء المهمَلة وكسر الرَّاءِ ثمَّ زايٌ، وهو ابن الأعور بن جَعدة
المُدْلِجِيّ، نِسبةً إلى مُدْلِج بن مُرّة بن عبد مناف بن كِنانة، وكانت القِيافة فيهم وفي بني أسد،
والعربُ تَعتَرِف لهم بذلك، وليس ذلك خاصّاً بهم على الصَّحیح، وقد أخرج يزيد بن هارون
في ((الفرائض)) بسندٍ صحيح إلى سعيد بن المسيّب: أنَّ عمر كان قائفاً، أورَدَه في قِصَّة، وعمرُ
قُرَشِيٌّ ليس مُدِيّاً ولا أسَدّاً، لا أسَد قُرَيش ولا أسَدْ خُزَيمَةَ.
وُجَزِّز المذكور هو والد عَلْقمة بن مُجَزِّز الماضي ذِكرُه في ((باب سَريَّة عبد الله بن حُذافة)) من
المغازي (٤٣٤٠)، وذكر مُصعَب الزُّبَيريّ والواقديّ: أنَّه سُمّيَ مُجَزِّزاً لأَنَّه كان إذا أخَذَ أسيراً في
الجاهليَّة جَّ ناصيتَه وأطلقَه، وهذا يَدِفَعُ فتحَ الزّاي الأولى من اسمِه، وعلى هذا فكان له اسمٌ
غير مُجَزِّز. لكنّي لم أرَ مَن ذَكَره. وكان مُجَزِّز عارفاً بالقِيافَة، وذَكَرِه ابن يُونس فيمَن شَهِدَ فتحَ
مِصرَ، وقال: لا أعلمُ له روايةً.
قوله: (نَظَرَ آنِفاً» بالمدِّ ويجوز القَصْرُ، أي: قريباً، أو أقرَبَ وقتٍ.
قوله: ((إلى زيد بن حارثة وأُسامةَ بنِ زيد)» في الرِّواية التي بعدها: دَخَلَ عليَّ فرأى أُسامةَ
بن زيدٍ وزيداً وعليهما قَطيفةٌ، قد غَطَّيا رُؤوسَهما وبَدَت أقدامُهما، وفي رواية إبراهيم بن
سعد (٢): وأُسامة وزيد مُضطَجِعان، وفي هذه الزّيادة دفعُ تَوهُّمِ مَن يقول: لعلَّه حاباهما
بذلك لما عَرَفَ من كَونِهِم كانوا يَطعَنونَ في أُسامةَ.
قوله: ((بعضُها من بعض)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: (لَمِن بعضٍ)). قال أبو داود: نَقَلَ أحمد
(١) بل في باب مناقب زيد بن حارثة (٣٧٣١).
(٢) سلفت برقم (٣٧٣١).

٤٠٢
باب ٣١ / ح ٦٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
ابن صالح عن أهل النَّسَب: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يَقدَحونَ في نَسَبِ أُسامةَ لأنَّه كان
أسودَ شديدَ السَّوادِ وكان أبوه زيدٌ أبيضَ من القُطن، فلمَّا قال القائفُ ما قال مع اختلاف
اللَّون سُرَّ النبيُّ ◌َّ بذلك، لكونِه كافّاً لهم عن الطَّعنِ فيه لاعتقادِهم ذلك.
وقد أخرج عبد الرَّزّاق من طريق ابن سِيرِين، أنَّ أمّ أسامة - وهي أمّ أيمَنَ مولاة النبيِّ ◌َيل
- كانت سوداءَ، فلهذا جاء أسامةُ أسودَ، وقد وَقَعَ في ((الصَّحيحِ)) عن ابن شِهابٍ: أنّ أمّ
أيمَنَ كانت حَبَشِيَّةً وَصِيفةً لعبد الله والد النبيِّي ◌ََّ(١). ويقال: كانت من سَبْي الحَبَشة
الذينَ قَدِموا زَمَنَ الفيل، فصارت لعبد المطَّلِبِ فوهَبَها لعبد الله، وتزوَّجَت قبلَ زيدٍ عُبيداً
الحَبَشِيّ فولدت له أيمَنَ، فَكُنِّيت به واشتَهَرَت بذلك، وكان يقال لها: أمّ الظِّباء(٢)، وقد
تقدَّم لها ذِكْرٌ في أواخرِ الهِبَة (٢٦٣٠).
قال عياض: لو صَحَّ أنَّ أمَّ أيمَنَ كانت سوداءَ لم يُنكِرِوا سواد ابنِها أُسامةَ، لأنَّ السَّوداء
قد تَلِد من الأبيض أسودَ. قلت: يحتمل أنَّها كانت صافيةً فجاء أُسامةٌ شديدَ السَّوادِ، فوَقَعَ
الإنكار لذلك.
وفي الحديث: جوازُ الشَّهادة على المُنْتَقِبة، والاكتفاء بمَعرِفَتِها من غير رُؤية الوَجْهِ،
وجوازُ اضطِجاع الرّجل مع ولده في شِعارٍ واحدٍ، وقَبُول شهادة مَن يَشْهَد قبلَ أن يُستَشهَدَ
عند عَدَم التُّهمة، وسُرور الحاكم لظُهورِ الحقّ لأحدِ الخَصمَينِ عند السَّلامة من الهوى،
وتقدَّم في ((باب إذا عَرَّضَ بنَفْي الولدِ)) من كتاب اللِّعان (٥٣٠٥) حديثُ أبي هريرة في
قصَّة الذي قال: إنَّ امرأتي ولدت غلاماً أسودَ، وفيه قول النبيِّ وَّ: ((لعلَّه نَزَعَه عِرِقٌ))
ومضى شرحُه هناك، وبالله التَّوفيق.
تنبيه: وجهُ إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض: الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ القائفَ لا يُعتَبَر
قوله، فإنَّ مَن اعتَبَرَ قولَه فَعَمِلَ به، لَزِمَ منه حصولُ التَّوارُث بين المُلحَقِ والمُلحقِ به.
(١) ((صحيح مسلم)) (١٧٧١) (٧٠).
(٢) انظر ترجمتها في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣٢٢٥).

٤٠٣
باب ٣١ / ح ٦٧٧١
كتاب الفرائض
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الفرائض من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وأربعينَ حديثاً، المعلَّق ٥٨/١٢
منها: حديث تَميم الدّاريّ فيمَن أسلَمَ على يَدَيه رجلٌ، والبقيَّة موصولة، والمكَرَّر منها فيه
وفيما مضى: سبعةٌ وثلاثونَ حديثاً، والبقيَّة خالصة، لم يُرِّج مسلمٌ منها سوى حديث أبي
هريرة: ((في الجَنين غُرّة))، وحديث ابن عبّاس: ((ألِقوا الفرائضَ بأهلِها))، وأمَّا حديث معاذ
في تَوريث الأُخت والبنت، وحديث ابن مسعود في تَوريث بنت الابن، وحديثه في السائبة،
وحديث تَميم الدّاريّ المعلَّق، فانفَرَدَ البخاريّ بتخريجِها.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم: أربعةٌ وعشرونَ أثراً، والله سبحانه وتعالى
أعلم.

٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري

٤٠٥
كتاب الحدود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحُدود
قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الحدود)) جمعُ حَدٍّ، والمذكورُ فيه هنا: حَدّ الزِّنی
والخمر والسَّرِقة، وقد حَصَرَ بعض العلماء ما قيلَ بُوُجوبِ الحدّ به في سبعةَ عشرَ شيئاً:
فِمِنَ المَتَّفَقِ عليه: الرِّدّةُ، والحِرَابَةُ ما لم يَتُب قبلَ القُدرة، والزِّنى، والقَذف به، وشُرب
الخمر سواء أسَكِرَ أم لا، والسَّرِقة.
ومن المختلف فيه: جَحْدُ العاريَّةِ، وشُرب ما يُسكِرِ كثيرُه من غير الخمرِ، والقَذف بغير
الزّنى، والتَّعريض بالقَذفِ، واللِّواط ولو بمَن يَحِلّ له نِكاحُها، وإتيان البهيمة، والسِّحاق،
وتمكينُ المرأة القِرْدَ وغيرَه من الدَّوابِّ من وطئِها، والسِّحر، وتَركُ الصلاة تَكاسُلاً، والفِطْرُ في
رمضانَ، وهذا كلُّه خارجٌ عَّ تُشرَعُ فيه المقاتَلَةُ، كما لو تَرَكَ قومٌ الزكاةَ ونَصَبوا لذلك الحربَ.
وأصلُ الحدِّ: ما يَحِجِز بين شيئينِ فَيَمنَعِ اختلاطَهما، وحَدُّ الدّار: ما يُميِّزُها، وحَدُّ
الشَّيءٍ: وَصْفُه المحيطُ به المميِّز له عن غيره.
وسُمّيَت عُقوبةُ الزّاني ونحوِه حَدّاً لكَونِها تَمَنَعُه المعاوَدَةَ، أو لكَونِها مُقدَّرةً من الشّارِعِ،
وللإشارة إلى المنع سُمّيَ البَوَّابُ حَدّاداً.
قال الرَّاغِب: وتُطلَقُ الحدودُ ويُرادُ بها نفسُ المعاصي، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعلى فعلِ فيه شيءٌ مُقدَّرٌ، ومنه: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، وكأنَّها لمَّا فصَلَت بين الحلال والحرام سُمّيَت حُدوداً. فمنها ما زُجِرَ عن
فِعْلِهِ ومنها ما زُجِرَ من الزّيادة عليه والنُّقْصان منه، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[المجادلة: ٥] فهو من المُمانَعة، ويحتمل أن يُراد استعمالُ الحديدِ إشارةً إلى المقاتلة.
وذُكِرَتِ البسملةُ في رواية أبي ذرِّ سابِقةً على ((كتاب)).

٤٠٦
باب ١-٢ / ح ٦٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
١ - باب ما يُحذَر من الحُدود
قوله: ((باب ما يُحِذَرُ من الحُدودِ) كذا للمُستَمْلِي، ولم يَذكُر فيه حديثاً، ولغيره: ((وما يُذَر))،
عطفاً على الحدود. وفي رواية النَّسَفيّ جَعَلَ البسملةَ بين الكتاب والباب، ثمَّ قال: لا يُشرَب
الخمرُ. وقال ابن عبّاس ... إلى آخره.
٢- باب الزِّنی وشُرب الخمرِ
وقال ابنُ عبَّاسٍ: يُنْزَعُ منه نورُ الإیمان في الزِّنی.
٦٧٧٢ - حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي بکرِ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال: ((لا يَزْني الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا
٥٩/١٢ يَشْرَبُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُ / وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَتَتَهِبُ نُهْةً يَرفعُ
الناسُ إليه فيها أبصارَهم وهو مُؤْمِنٌ)).
وعن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ لٍَّ ...
بِمِثْلِهِ، إلّ الُّهْبةَ.
قوله: ((باب الزُّنى وشُرْب الخمر)) أي: التَّحذير من تَعاطِيهما. ثَبَتَ هذا للمُستَمْلِي وحدَه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: يُنْزَع منه نورُ الإيمان في الزِّنى)) وَصَلَه أبو بكر بن أبي شَيْبة في
كتاب ((الإيمان)) (٧٢) من طريق عثمان بن أبي صَفيَّة قال: كان ابنُ عبَّاسٍ يَدعُو لِغِلْمانِه
غلاماً غلاماً فيقول: ألا أُزَوِّجك؟ ما من عبدٍ يَزِني إلّا نَزَعَ الله منه نُورَ الإيمانِ. وقد رويَ
مرفوعاً، أخرجه أبو جعفر الطَّبَرَيُّ من طريق مجاهد عن ابن عبّاس: سمعت النبيَّ ◌َيل
يقول: ((مَن زَنَى نَزَعَ الله نُورَ الإيمان من قَلبه، فإن شاءَ أن يَرُدَّه إلیه رَدَّه))، وله شاهدٌ من
حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤٦٩٠).
قوله: ((عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن)) أي: ابن الحارث بن هشام المخزوميّ، ووَقَعَ في
رواية مسلم (٥٧/ ١٠١) من طريق شُعَيب بن اللَّيث عن أبيه: حدَّثني عُقَيل بن خالد قال:
قال ابن شهاب: أخبرني أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام.

٤٠٧
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
كتاب الحدود
قوله: ((لا يَزْني الزّاني حين يَزْني وهو مُؤْمِن)) قَّدَ نفيَ الإيمانِ بحالة ارتكابِه لها، ومُقتَضاه أنَّه
لا يَسْتَمِرُّ بعد فراغه، وهذا هو الظّاهر، ويحتمل أن يكونَ المعنى: أنَّ زَوالَ ذلك إنَّما هو إذا
أقلَعَ الإقلاعَ الكُلِيَّ، وأمَّا لو فَرَغَ وهو مُصِرٌّ على تلكَ المعصية فهو كالمرتَكِبِ، فيَتَّجِه أنَّ
نفيَ الإيمان عنه يَستَمِرْ، ويُؤيِّدُه ما وَقَعَ في بعضٍ طُرقِه كما سيأتي في المحاربين (٦٨٠٩) من
قول ابن عبّاسٍ: ((فإن تابَ عادَ إليه))، ولكن أخرج الطَّبَرِيُّ من طريق نافع بن جُبَير بن
مُطعِم عن ابن عباس قال: لا يَزني حین یَزني وهو مُؤمِنٌ، فإذا زالَ رَجَعَ إلیه الإيمان، لیس
إذا تابَ منه ولكن إذا تأخّرَ عن العملِ به. ويُؤيِّده أنَّ المُصِرَّ وإن كان إثمُه مُستَمِرّاً لكن ليس
إِثْمُه كمَن باشَرَ الفعلَ، كالسَّرِقة مثلاً.
قوله: ((ولا يَشْرَب الخمر حين يَشْرَب وهو مُؤْمِنٌ)) في الرِّواية الماضية في الأشربة (٥٥٧٨):
((ولا يَشرَبها)» ولم يَذكُر اسمَ الفاعل من الشُّرب كما ذكره في الزِّنى والسَّرِقة، وقد تقدَّم الكلام
على ذلك في كتاب الأشربة.
قال ابن مالك: فيه جوازُ حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والَّقدير: ولا يَشَرَب الشّارب
الخمر .. إلى آخره، ولا يَرجِعِ الضَّمير إلى الزّاني لئلّا يَخْتَصَّ به، بل هو عامٌّ في حَقِّ كلِّ مَن
شَرِبَ، وكذا القول في: لا يَسِرِق، ولا يقتل، وفي لا يَغُلّ، ونَظير حذف الفاعل بعد النَّفي قراءة
هشام: ﴿ وَلَا يَحِسَبَنَّالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] بفتح الياء التَّحتائيَّة أوَّلَه، أي: لا
يَحَسَبَنَّ حاسبٌ.
قوله: (ولا يَنْتَهِب ◌ُهْبة)) بضمِّ النُّون: هو المال المَنْهوبُ، والمراد به: المأخوذ جَهراً قَهراً،
ووَقَعَ في رواية هَّام عند أحمد (٨٢٠٢): ((والذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه، لا يَنْتَهِبَنَّ أحدُكمْ نُهْبَةً»
الحديثَ. وأشارَ بَرَفْع البَصَر إلى حالة المَنْهوبينَ، فإنَّهم يَنظُرُونَ إلى مَن يَنْهَبُهم ولا يَقِدِرونَ
على دَفْعِه ولو تَضَرَّعوا إليه، ويحتمل أن يكون كِنايةً عن عَدَم التَّسَتُرِ بذلك، فيكون صِفَةً
لازِمةً للنَّهب، بخِلَاف السَّرِقة والاختلاس فإنَّه يكون في خُفْيةٍ، والانتهابُ أشدُّ؛ لِمَا فيه
من مزيدِ الجَراءة وعدم المبالاة، وزاد في روایة یونس بن یزید عن ابن شهاب التي يأتي

٤٠٨
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
التَّبِيهُ عليها (٥٥٧٨) عَقِبَها: ((ذاتَ شَرَف))، أي: ذاتَ قَدْرٍ حيثُ يُشِرِفُ الناسُ لها ناظرينَ إليها،
ولهذا وَصَفَها بقولِه: ((يَرفَعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم))، ولفظ: (شَرَفٍ)) (١) وَقَعَ في مُعظَمِ
الرّوايات في (الصحيحين)) وغيرهما (٢) بالشّينِ المعجَمة، وقَيَّدَها بعضُ رواة مسلمٍ بالمهمَلة، وكذا
نُقِلَ عن إبراهيمَ الخَرْبيّ، وهي تَرجِع إلى التَّفسير الأوَّل، قاله ابن الصَّلاح.
قوله: ((يرفع الناس ... )) إلى آخره، هكذا وَقَعَ تقييدُه بذلك في النُّهْبةِ دونَ السَّرِقة.
قوله: ((وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّبٍ وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَل
٦٠/١٢ بمِثْلِهِ، إلّا النُّهْبةَ)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور، وقد / أخرجه مسلمٌ (١٠١/٥٧) من طريق
◌ُعَيبٍ بن اللَّيث بلفظ: قال ابن شهاب: وحدَّثني سعيد بن المسيّب وأبو سَلَمة بن
عبد الرَّحمن عن أبي هريرة عن رسول الله وَّ بِمِثلِ حديث أبي بكر هذا إلّا النُّهبة، وتقدَّم
في الأشربة (٥٥٧٨) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: سمعت أبا سَلَمة بن
عبد الرّحمن وابنَ المسيّب يقولان: قال أبو هريرة، فذَكَره مرفوعاً، وقال بعده: قال ابن
شهاب: وأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام أنَّ أبا بكر
- يعني أباه - كان يُحدِّثه عن أبي هريرة ثمَّ يقول: كان أبو بكر يُلحِقِ معهُنَّ: ((ولا يَنتَهِب
ثُهبةً ذاتَ شَرَفٍ)) والباقي نحو الذي هنا.
وتقدَّم في كتاب الأشرِبة(٣) أنَّ مسلماً (١٠٢/٥٧) أخرجه من رواية الأوزاعيِّ عن ابن
شِهاب عن ابن المسيّب وأبي سَلَمة وأبي بكر بن عبد الرَّحمن ثلاثتهم عن أبي هريرة، وساقَه
مَساقاً واحداً من غير تفصيل. قال ابن الصَّلاح في كلامه على ((مسلم): قوله: وكان أبو
هريرة يُلحِقِ معهُنَّ:((ولا يَنتَهِب)) يُوهم أنَّه موقوفٌ على أبي هريرة، وقد رواه أبو نُعَيم في
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((یشرف)).
(٢) البخاري برقم (٥٥٧٨)، ومسلم برقم (٥٧)، و((مسند أحمد)) (٨٢٠٢).
(٣) الحديث سلف في كتاب الأشربة برقم (٥٥٧٨) ولم يتطرّق في شرحه هناك إلى ما وقع في رواية مسلم،
وإنما كان منه ذلك في سياق شرحه له في كتاب المظالم عند الحديث (٢٤٧٥) ثم أحال المزيد في بيانه إلى
ما سيأتي في کتاب الحدود، وهو حديث هذا الباب.

٤٠٩
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
كتاب الحدود
((مُستَخرَجِه على مسلم)) من طريق همَّام عن أبي هريرة عن النبيّ وَِّ قال: ((والذي نفسُ
محمَّدٍ بیَدِه، لا يَنتَهِب أحدُكم نُبً)) الحديثَ، فصَرَّحَ برَفْعِه. انتهى.
وقد أخرجه مسلم (١٠٣/٥٧) من هذا الوجه، لكن لم يَسُق لفظَه، بل قال: مِثلَ حديثٍ
الزُّهْريّ، لكن قال: ((يَرفَع إليه المؤمنونَ أعيُنُهم فيها)) الحديثَ، قال: وزاد ((ولا يَغُلُّ أحدُكم حين
يَغُلُّ وهو مُؤمِن، فإِّكم إيّاكُم))، وسيأتي في المُحارِبينَ (٦٨٠٩) من حديث ابن عبّاس هذا فيه
من الزّيادة: ((ولا يقتل))، وتقدَّمَتِ الإشارة إلى بعض ما قيل في تأويله في أوَّل كتاب الأشربة(١)،
وأستَوعِبه هنا إن شاء الله تعالى، قال الطََّرِيُّ: اختَلَفَ الرُّواة في أداء لَفْظِ هذا الحديثِ، وأنكَرَ
بعضُهم أن يكون مَ لِّ قالَه، ثمَّ ذَكَر الاختلافَ في تأويله.
ومن أقوى ما يَحمِل على صَرفه عن ظاهره إيجابُ الحدّ في الزِّنى على أنحاءَ مُخْتَلِفِةٍ في
حَقّ الحُرّ المُحصَن والحُرّ البِكْر وفي حَقّ العَبد، فلو كان المراد بنَفْي الإيمان ثُبُوتُ الكُفر
لاستَوْوا في العُقوبة، لأنَّ المكلَّفينَ فيما يَتَعلَّق بالإيمان والكُفر سواءٌ، فلمَّا كان الواجب فيه
من العُقوبة مُخْتَلِفاً، دَلَّ على أنَّ مُرتَكِب ذلك ليس بكافرٍ حقيقةً.
وقال النَّوويّ: اختَلَفَ العلماء في معنى هذا الحديث، والصَّحيح الذي قاله المحَقِّقونَ: أنَّ
معناه: لا يفعل هذه المعاصيَ وهو كاملُ الإيمان، هذا من الألفاظ التي تُطلَقُ على نَفْي الشَّيء
والمراد نفيُ كَمالِهِ، كما يقال: لا عِلمَ إلّا ما نَفَعَ، ولا مالَ إلّا ما يُغَلّ(٢)، ولا عَيَشَ إلّا عَيَشُ
الآخرة، وإنَّما تأوَّلناه لحديثِ أبي ذرٍّ: ((مَن قال: لا إله إلّا الله دَخَلَ الجنَّة، وإن زَنَى وإن
سَرَقَ))(٣)، وحديثِ عُبادةَ الصَّحيحِ المشهورِ: أنَّهم بايعوا رسول الله وَّةٍ على أن لا يَسِرِقوا ولا
يَزْنوا، الحديث(٤)، وفي آخره: ((ومَن فعل شيئاً من ذلك، فعُوقِبَ به في الدُّنيا فهو كفَّارٌ، ومَن
(١) عند الحديث (٥٥٧٨).
(٢) كذا وقع في الأصلين و(س) ((يغل)) ووقع في ((شرح مسلم)) للنووي ٤١/٢ ((ولا مالَ إلّا الإبل، وكذا
وقع في عامّة الشروح التي ورد فيها هذا القول.
(٣) سلف برقم (١٢٣٧).
(٤) سلف برقم (١٨).

٤١٠
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
لم يُعاقَب فهو إلى الله، إن شاءَ عَفا عنه وإن شاءَ عَذَّبَه))، فهذا مع قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ إِنَّاللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨] مع إجماع أهل السُّنّة على أنَّ مُرتَكِب
الكبائر لا يَكفُر إلّا بالشِّركِ، يَضطَرُّنا إلى تأويل الحديث ونظائره، وهو تأويل ظاهر سائغٌ في
اللُّغة مُستَعمَل فيها كثيراً، قال: وتأوَّلَه بعض العلماء على مَن فعَلَه مُستَحِلًا مع عِلمِه بتحريمِه.
وقال الحسن البصريّ ومحمَّد بن جَرِير الطََّريُّ: معناه: يُتَزَع عنه اسمُ المدحِ الذي سَمَّى الله
به أولياءَه، فلا يُقال في حَقِّه: مُؤمِن، ويَسْتَحِقّ اسمَ الذَّمَ، فيقال: سارقٌ وزاٍ وفاحِرٌ وفاسٌ،
وعن ابن عبّاس ◌ُنزَع منه نور الإيمان، وفيه حديث مرفوع(١).
وعن المهلَّب: تُنزَعُ منه بصيرَته في طاعة الله، وعن الزُّهْريّ: أنَّه من المشكِلِ الذي يُؤْمَنُ
به ويُمَرُّ كما جاء ولا يُتعرَّضُ لتأويلِه، قال: وهذه الأقوال مُخْتَمَلة والصَّحيح ما قَدَّمته، قال:
٦١/١٢ وقيل في معناه غير ما ذكرتُهُ مَّا ليس بظاهرٍ، بل بعضُها غَلَطُ / فَتَرَكتُها. انتهى مُلخَّصاً.
وقد وَرَدَ في تأويله بالمُستَحِلِّ حديث مرفوع عن عليٍّ عند الطبرانيّ في ((الصَّغير))
(٩٠٦) لكن في سندِه راوٍ كذَّبوه، فمِنَ الأقوالِ التي لم يَذكُرها: ما أخرجه الطَّبَرُّ(٢) من
طريق محمَّد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر (٣): أنَّه خَبَرٌّ بمعنى النَّهي، والمعنى: لا
يَزْنَنَّ مُؤمِن ولا يَسرِقَنَّ مُؤمِن، وقال الخطّابُّ: كان بعضھم یرویه: و((لا یَشرَبِ)) بكسر
الباءِ على معنى النَّهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك، ورَدَّ بعضُهم هذا القول
بأنَّه لا يَبقَى للتَّقييدِ بالظَّرفِ فائدةٌ، فإنَّ الزِّنى مَنهيٌّ عنه في جميع الِلَل وليس مُخْتَصّاً
بالمؤمنينَ. قلت: وفي هذا الردّ نظرٌ واضحٌ لِمَن تأمَّلَه.
(١) سلف تخريج حديث ابن عباس رضي الله عنهما والمرفوع بعده في أوّل هذا الباب.
(٢) في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) (٩٢٨).
(٣) كذا سماه الحافظ هنا: محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر، وهو وهمٌّ لعله تبع فيه ما وقع خطأ في
((شرح ابن بطال)) ٣٨٩/٨، وتبع ابنَ بطال: القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) والعيني في ((عمدة
القاري)) ٢٦٥/٢٣، صوابه: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ليس فيه واقد، وواقد هذا هو ابن محمد
ابن زيد المذكور، والله أعلم.

٤١١
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
كتاب الحدود
ثانيها: أن يكون بذلك مُنافقاً نِفاقَ معصيةٍ لا نِفاقَ كُفرٍ، حكاه ابنُ بَطّل عن الأوزاعيِّ،
وقد مضى تقريرُه في كتابِ الإيمان أوَّلَ الكتاب.
ثالثها: أنَّ معنى نَفْي كَونِهِ مُؤمِناً: أنَّه شابَهَ الكافرَ في عملِهِ، ومَوقِع التَّشبيه أنَّه ◌ِمِثلُه في
جواز قتالِهِ في تلكَ الحالة لِيَكُفَّ عن المعصية، ولو أدَّى إلى قَتْله، فإنَّه لو قُتِلَ في تلك الحالة
كان دَمُه هَدْراً، فانتَفَت فائدةُ الإيمان في حَقِّه بالنّسبة إلى زَوال عِصمَتِه في تلكَ الحالة، وهذا
يُقوِّي ما تقدَّم من التَّقييد بحالة التَّلُّس بالمعصية.
رابعها: معنى قوله: ((ليس بمُؤمِنٍ)) أي: ليس بمُستَحِضِرٍ في حالة تَلُسِه بالكبيرة جَلالَ مَن
آمَنَ به، فهو كِنايةٌ عن الغَفلة التي جَلَبَتها له غَلَبَةُ الشَّهوةِ، وعَبَّرَ عن هذا ابن الجَوْزيّ بقولِه: فإنّ
المعصية تُذهِلُه عن مراعاة الإيمان وهو تصديقُ القلب، فكأنَّه نَسِيَ مَن صَدَّقَ به، قال ذلك في
تفسير نَزِعُ نُورِ الإيمان(١)، ولعلَّ هذا هو مُراد المهلَّب.
خامسها: معنى نَفْي الإيمان: نفيُّ الأمان من عذابِ الله، لأنَّ الإِيمانَ مُشتَقٌّ من الأمْنِ.
سادسُها: أنَّ المرادَ به الزَّجْرُ والتَّنَغيرُ، ولا يُراد ظاهرُه، وقد أشارَ إلى ذلك الطِّييُّ
فقال: يجوز أن يكونَ من باب التَّغليظ والتَّشديدِ(٢)، كقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، يعني أنَّ هذه الخِصال ليست من صفات المؤمن لأنَّها مُنافيةٌ
لحالِهِ، فلا ينبغي أن يَنَّصِفَ بها.
سابِعها: أنَّه يُسلَب الإيمانُ حالةَ تَلَبُّسه بالكبيرة، فإذا فارَقَها عادَ إليه، وهو ظاهرُ ما
أسنَدَه البخاريُّ عن ابن عبّاس، كما سيأتي في ((باب إثم الزِّنى)) (٦٨٠٩) من كتاب
المحاربينَ عن ◌ِكْرمة عنه بنحوِ حديث الباب، قال عِكْرمة: قلت لابنِ عبَّاس: كيف يُنْزَعُ
منه الإيمان؟ قال: هكذا، وشَبَّكَ بين أصابعه ثمَّ أخرجها، فإذا تابَ عادَ إليه هكذا، وشَبَّكَ
بينَ أصابعه.
(١) ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي ٤٣٦/٢.
(٢) كذا في الأصلين، ومثله في بعض الشروح، ووقع في (س): ((والتهديد)).

٤١٢
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وجاء مِثلُ هذا مرفوعاً، أخرجه أبو داود (٤٦٩٠) والحاكم (١/ ٢٢) بسندٍ صحيح من
طريق سعيد المقبريِّ أنَّه سمعَ أبا هريرة رَفَعَه: ((إذا زَنَى الرجل خَرَجَ منه الإیمان فكان عليه
كالظُّلّة، فإذا أقلَعَ رَجَعَ إليه الإيمان))، وأخرج الحاكم (١/ ٢٢) من طريق ابن حُجَيرة أنَّه
سمعَ أبا هريرة رَفعَه(١): ((مَن زَنَى أو شَرِبَ الخمرَ نَزَعَ الله منه الإيمان كما يَخْلَعُ الإنسانُ
الَقميصَ من رأسِه».
وأخرج الطبرانيُّ (٧٢٢٤) بسندٍ جيِّد من رواية رجل من الصحابة لم يُسَمَّ رَفَعَه: ((مَن
زَنَى خَرَجَ منه الإيمانُ، فإن تابَ تابَ الله عليه)»، وأخرج الطَّبَريُّ(٢) من طريق عبد الله ابن
رواحة: مَثَلُ الإيمان مَثَلُ قَميصٍ، بينَا أنتَ مُدِرٌ عنه (٣) إذ لَبِسْتَه، وبينَما أنتَ قد ◌َبِستَه إذ
نَزَعتَه.
قال ابن بَطّال: وبيان ذلك أنَّ الإيمان هو التَّصديق، غير أنَّ للتَّصديق مَعنَيَينِ: أحدُهما
قولٌ، والآخرُ: عملٌ، فإذا رَكِبَ المصَدِّق كبيرةً فارَقَه اسمُ الإيمان، فإذا کَفَّ عنها عادَ له
الاسمُ، لأَنَّه في حال كَفِّه عن الكبيرة ◌ُجُتَنِب بلسانه، ولسانُه مُصَدِّقٌّ عَقدَ قلبِه، وذلك معنى
الإيمان.
قلت: وهذا القول قد يُلاقي ما أشارَ إليه النَّوويّ فيما نَقَلَه عن ابن عبَّاس: يُنزَع منه نورُ
الإيمان، لأنَّه يُحِمَل منه على أنَّ المراد في هذه الأحاديث نورُ الإيمان، وهو عبارة عن فائدة
التَّصديق وثَمَرَته وهو العمل بمُقتَضاه، ويُمكِنُ رَدُّ هذا القولِ إلى القول الذي رَجَّحَه
النَّوويّ، فقد قال ابن بَطّال في آخِرٍ كلامه - تَبَعاً للطَّبَريّ -: الصَّوابُ عندَنا: قولُ مَن قال:
٦٢/١٢ يَزول عنه اسمُ الإيمان الذي هو بمعنى المدحِ إلى الاسم الذي بمعنى الذَّمِّ، فيقال/ له: فاسقٌ
مثلاً، ولا خِلَافَ أنَّه يُسَمَّى بذلك ما لم تظهر منه التَّوبةُ، فالزّائل عنه حينئذٍ اسمُ الإيمان
(١) لفظة ((رفعه)) تحرَّفت في (س) إلى: يقول.
(٢) في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) (٩٦٦).
(٣) كذا وقعت العبارة هنا: (مدبر عنه)) ووقع في (تهذيب الآثار)) بدلاً منها: وقد نزعته، وكذلك وقعت في «نوادر
الأصول)) للحكيم الترمذي (٣١٤)، و((شرح ابن بطال)) ٣٩١/٨.

٤١٣
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
كتاب الحدود
بالإطلاق، والثّابِت له اسم الإيمان بالتَّقييدِ، فيقال: هو مُصَدِّقٌ بالله ورسولِه لفظاً واعتقاداً
لا عملاً، ومن ذلك الكَفُّ عن المحرَّمات.
وأَظُنّ ابنَ بَطّال تَلَقَّى ذلك من ابن خَزْم، فإنَّه قال: المعتمَد عليه عند أهل السُّنّة: أنَّ
الإيمانَ اعتقادٌ بالقلبِ، ونُطقُّ باللِّسان، وعَمَلٌ بالجوارح، وهو يَشمَل عملَ الطاعة والكَفَّ
عن المعصية، فالمرتَكِب لبعضٍ ما ذُكِرَ لم يَخْتَلَّ اعتقادُه ولا نُطقُه، بل تَخْتَلُ طاعَتُه فقط،
فليس بمُؤمِنٍ بمعنى أنَّه ليس بمُطيعٍ، فمعنى نَفْي الإيمان: محمولٌ على الإنذار بزواله ممَّن
اعتادَ ذلك، لأنَّه يُحْشَى عليه أن يُفضِيَ به إلى الكُفر، وهو كقوله: ((ومَن يَرتَعْ حولَ الحِمَى))
الحديث(١)، أشارَ إليه الخطَّابِيّ، وقد أشارَ المازَرِيّ إلى أنَّ القول المصَحَّح هنا مَبنيٌّ على قول
مَن يرى أنَّ الطاعات تُسمَّى إيماناً، والعَجَبُ من النَّوويّ كيفَ جَزَمَ بأنَّ في التَّأويل المنقول
عن ابن عبّاس حديثاً مرفوعاً، ثمَّ صَحَّحَ غيرَه؟ فلعلَّه لم يَطَّلِعِ على صِحَّتِهِ، وقد قَدَّمت أنَّه
يُمكِنُ رَدُّه إلى القولِ الذي صَحَّحَه.
قال الطِّييُّ: يَحتمل أن يكون الذي نَقَصَ من إيمان المذكور الحياءُ، وهو المعَبَّرُ عنه في
الحديث الآخر بالنُّور، وقد مضى أنَّ الحياءَ من الإيمان، فيكون التَّقدير: لا يَزني حين يَزني
وهو يَسْتَحْيِي من الله، لأنَّه لو استَحْيا منه وهو يَعرِف أنَّه مُشاهدٌ حالَه لم يَرتَكِب ذلك،
وإلى ذلك تَصِحّ إشارةُ ابن عبّاس بتَّشبيكِ أصابعه، ثمَّ إخراجها منها ثمَّ إعادتها إليها،
ويَعضُدُه حديثُ: ((مَن استَحْيا من الله حَقَّ الحياءِ فَلْيحَفظِ الرَّأْسَ وما وعَى، والبطنَ وما
حَوی))(٢) انتھی.
وحاصلُ ما اجتَمَعَ لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثةَ عشرَ قولاً خارجاً عن
قول الخوارج وعن قول المعتَزِلة، وقد أشرت إلى أنَّ بعض الأقوال المنسوبةِ لأهلِ السُّنّة
يُمكِنُ رَدُّ بعضِها إلى بعضٍ.
(١) سلف بهذا اللفظ برقم (٢٠٥١).
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٦٧١)، والترمذي برقم (٢٤٥٨) من حديث ابن مسعود ، وفي الإسناد عندهما
الصّباح بن محمد - وهو الأحمسي - ضعيف.

٤١٤
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال المازَرِيّ: هذه التَّأويلات تَدفَع قولَ الخوارج ومَن وافَقَهم من الرَّافضة: إنَّ مُرتَكِبَ
الكبيرة كافرٌ مُلَّد في النار إذا ماتَ من غير توبة، وكذا قولُ المعتَزِلة: إنَّه فاسق مُلَّد في النار، فإنَّ
الطَّوائف المذكورينَ تَعلَّقوا بهذا الحديث وشِبْهِه، وإذا احتَمَلَ ما قلناهُ اندَفَعَت حُجَّتُهم.
قال القاضي عياض: أشارَ بعض العلماء إلى أنَّ في هذا الحديث تنبيهاً على جميع أنواع
المعاصي والتَّحذير منها، فنَبَّهَ بالزِّنى على جميع الشَّهَوات، وبالسَّرِقة على الرَّغبة في الدُّنيا
والحِرصِ على الحرام، وبالخمرِ على جميع ما يَصُدُّ عن الله تعالى، ويُوجِب الغَفلةَ عن حقوقِه،
وبالانتهابِ الموصوفِ على الاستخفاف بعبادِ الله، وتَرك تَوقيرهم والحياء منهم، وعلى
جَمْع الدُّنيا من غير وجهها.
وقال القُرطُبيّ بعد أن ذكره مُلخَّصاً: وهذا لا يَتَمَشَى إلّا مع المسامحة، والأوْلى أن يقال:
إِنَّ الحديث يَتَضَمَّن التحرِّي(١) من ثلاثة أُمورٍ هي من أعظَم أُصولِ المفاسد، وأضدادُها
من أُصول المصالح: وهي استباحةُ الفُروج المحرَّمة وما يُؤَدّي إلى اختلال العقل، وخُصَّ
الخمرُ بالذِّكرِ لكَونها أغلَبَ الوُجوهِ في ذلك، والسَّرِقَةُ بالذِّكرِ لكَونها أغلَبَ الوُجوهِ التي
يُؤْخَذ بها مالُ الغيرِ بغير حَقٌّ.
قلت: وأشارَ بذلك إلى أنَّ عُمومَ ما ذَكَره الأوَّلُ يَشمَلُ الكبائرَ والصَّغائرَ، وليستِ
الصَّغائرُ مُرادةً هنا؛ لأنَّها تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ، فلا يقعُ الوعيدُ عليها بمِثلِ التَّشديد الذي
في هذا الحديث.
وفي الحديث من الفوائد: أنَّ مَن زَنَى دَخَلَ في هذا الوعيد سواءٌ كان بكراً أو مُحُصَناً،
وسواءٌ كانت المَزْنيُّ بها أجنبيَّةً أو مَحَرَماً، ولا شكَّ أنَّه في حَقِّ المَحرَمِ أفحَشُ، ومن
المتزوِّج أعظَم، ولا يَدخُل فيه ما يُطلَق عليه اسمُ الزِّنى من اللَّمسِ المحرَّمِ، وكذا التَّقبيلُ
والنَّظَرُ، لأنَّها وإن سُمّيَت في عُرفِ الشَّرعِ زِنّى فلا تَدخُلُ في ذلك، لأنَّها من الصَّغائِ كما
تقدَّم تقريرُه في تفسير اللَّمَم.
(١) كذا في الأصلين، ووقع في (س): التحرز، وفي مطبوع ((المفهم)) ١/ ٢٤٦: التحذير، وكلٌّ بمعنى.

٤١٥
باب ٢ / ح ٦٧٧٢
كتاب الحدود
وفيه أنَّ مَن سَرَقَ قليلاً أو كثيراً، وكذا مَن انتَهَبَ أنَّه يَدخُلُ في الوعيد، وفيه نظرٌّ، فقد شَرَطَ
بعضُ العلماءِ - وهو لبعضِ الشافعيَّة أيضاً - في كَونِ الغَصْبِ كبيرةً: أن يكونَ/ المغصوب نصاباً ٦٣/١٢
وكذا في السَّرقة، وإن كان بعضُهم أطلقَ فيها فهو محمولٌ على ما اشْتَهَرَ أنَّ وُجوبَ القَطْع فيها
مُتَوقِّفٌ على وُجودِ النِّصابِ، وإن كان سَرِقَةً ما دونَ النِّصاب حَراماً.
وفي الحديث: تعظيمُ شأنِ أخْذِ حَقِّ الغير بغيرِ حَقٍّ، لأنَّه ◌ِّوَ أَقْسَمَ عليه، ولا يُقْسِمُ
إلّا على إرادة تأكيد المقسَمِ عليه.
وفيه أنَّ مَن شَرِبَ الخمرَ دَخَلَ في الوعيدِ المذكور، سواء كان المشروبُ كثيراً أم قليلاً،
لأنَّ شُربَ القليل من الخمرِ مَعدودٌ من الكبائر، وإن كان ما يَتَرتَّبُ على الشُّربِ من
المحذور من اختلال العقل أفحَثُ من شُربٍ ما لا يَتغيَّر معه العقلُ، وعلى القول الذي
رَجَّحَه النَّوويُّ لا إشكالَ في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ لبعض الكَمال مراتبَ بعضُها أقوى من
بعضٍ.
واستَدَلَّ به مَن قال: إنَّ الانتهابَ كلَّه حَرامٌ حَتَّى فيما أذِنَ مالكُه كالتَُّارِ(١) في العُرْس،
ولكن صَرَّحَ الحسنُ والنَّخَعَيّ وقَتَادة فيما أخرجه ابن المنذر عنهم بأنَّ شرطَ التَّحريمِ أن
يكون بغير إذن المالك، وقال أبو عُبَيد(٢): هو كما قالوا، وأمَّا النُّهبةُ المختلَفُ فيها فهو ما أذِنَ
فيه صاحبُه وأباحَه، وغَرَضه تساويهم أو مُقارَبةُ التَّساوي، فإذا كان القويّ منهم يَغلِب
الضَّعيفَ ولم تَطِب نفسُ صاحبِه بذلك فهو مكروهٌ، وقد يَنتَهي إلى التَّحريم، وقد صَرَّحَ
المالكيَّة والشافعيَّة والجمهور بكَراهَتِه، ومَّن كَرهَه من الصحابة: أبو مسعود البدريّ، ومن
التابعين: النَّخَعُّ وعِكْرمُ.
قال ابن المنذر: ولم يَكرَهوه من الجهة المذكورة، بل لكَونِ الأخذِ في مِثلِ ذلك إنَّما يَحَصُل
لمَن فيه فضلُ قوّةٍ أو قِلّهُ حياءٍ، واحتَجَّ الحنفيَّة ومَن وافَقَهم بأنَّهِ وَّه قال في الحديث الذي
(١) النُّتارُ، بالضم: ما تناثَرَ من الشيء، وقيل: ما ينتثر من المائدة فيؤكل فيرجى فيه الثواب. ((اللسان)) (نثر).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: ((عُبيدة)).

٤١٦
باب ٢م / ح ٦٧٧٣ - ٦٧٧٣م
فتح الباري بشرح البخاري
أخرجه أبو داود (١٧٦٥) من حديث عبد الله بن قُرْطٍ أنَّ النبيَّ وَّهِ قال في البُدن التي نَحَرَها:
((مَنْ شاءَ اقْتَطَعَ))، واحتَجُّوا أيضاً بحديثٍ مُعاذٍ رَفَعَه: ((إنَّمَا تَهَتُكُم عن نُّبَى العساكرِ، فَأَمَّا
العُرُساتِ فلا)) الحديث(١) وهو حديث ضعيفٌ في سنِدِه ضعفٌ وانقطاع.
قال ابن المنذر: هي حُجّة قويّة في جواز أخذٍ ما يُنْثَر في العُرس ونحوِه؛ لأنَّ المُبيحَ لهم
قد عَلِم اختلافَ حالهم في الأخْذِ، كما عَلِمَ النبيُّ ◌َ﴿ ذلك، وأذِنَ فيه في أخْذِ البُدْن التي
نَحَرَها، وليس فيها معنّى إلّا وهو موجودٌ في النِّثار.
قلت: بل فيها معنّى ليس في غيرها بالنّسبة إلى المأذون لهم، فإنَّهم كانوا الغاية في الورَع
والإنصاف، وليس غيرُهم في ذلك مِثْلَهم.
٢م-باب ما جاء في ضْب شارب الخمرِ
٦٧٧٣ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ: أَنَّ النبيَّ ◌َّ. ح
٦٧٧٣م - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َيل
ضَرَبَ في الخمرِ بالجَرِيدِ والنِّعال، وجَلَدَ أبو بكرٍ أربعين.
[طرفه في: ٦٧٧٦]
قوله: ((باب ما جاء في ضَرْب شارِبِ الخَمرِ)) أي: خِلَافاً لِمَن قال: يَتَعيَّنُ الجَلدُ وبيانُ
الاختلاف في كَمَّتِهِ، وقد تقدَّم الكلام على تحريم الخمر ووَقِتِه وسببٍ نُزولِه وحقيقَتِها،
وهل هي مُشتَقّه، وهل يجوز تَذكِيرُها؟ في أوَّل كتاب الأشربة (٥٥٧٥).
قوله: ((عن قتادة عن أنس)) في رواية لمسلم (١٧٠٦/ ٣٥)، والنسائي (ك ٥٢٥٥): سمعت أنساً،
أخرجاها من طريق خالد بن الحارث عن شُعبةَ، وهو يَدُّ على أنّ روايةَ شَبابةَ عن شعبةَ بزيادة
الحسَن بينَ قتادةَ وأنسِ التي أخرجها النسائيُّ (ك٥٢٥٤) من المزيد في متصل الأسانيد.
(١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣/ ٥٠، والطبراني في ((الكبير)) ٢٠/ (١٩١)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٢٥١/٥، والبيهقي في ((الكبرى)) ٢٨٨/٧ وقال: ولا يثبت في هذا الباب شيء، والله أعلم.

٤١٧
باب ٢م / ح ٦٧٧٣م
كتاب الحدود
قوله: ((أنَّ النبيَّ ◌َ) كذا ذَكَر طريقَ شُعبةَ، عن قتادةَ ولم يَسُقِ المتنَ وتَحَوَّل إلى طريق
هشام عن قتادة، فساق المتنَ على لفظهِ، وقد ذَكَره في الباب الآتي بعد بابٍ عن شيخ آخر عن
هشام بهذا اللفظ / (٦٧٧٦).
٦٤/١٢
وأما لفظُ شعبةَ، فأخرجه البيهقيُّ في ((الخلافيَّات))(١) من طريق جعفرِ بن محمّدِ القَلانِسِيُّ
عن آدمَ شيخِ البخاريِّ فيه بلفظ: أنّ النبيَّ ◌ََّاأَتي برجُلِ شَرب الخمرَ، فضَرَبه بجَرِیدتینِ
نحواً من أربعينَ، ثم صَنع أبو بكر مثلَ ذلك، فلما كن عمرُ استشار الناسَ، فقال له
عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ: أخفُّ الحُدودِ ثمانونَ، ففَعلَه عمرُ. ولفظُ رواية خالدٍ التي ذكرتُها إلى
قوله: «نحواً من أربعین)».
وأخرجَه مسلمٌ (٣٥/١٧٠٦) والنسائيُّ أيضاً (ك ٥٢٥٦) من طريق محمّد بن جَعفرٍ عن
شُعبةَ مثلَ رواية آدمَ إلّا أنه قال: وفَعلَه أبو بكر، فلمّا كان عمرُ - أي: في خلافته - استشار
الناسَ، فقال عبدُ الرَّحمن - يعني ابنَ عوفٍ -: أَخفُّ الحُدودِ ثمانونَ، فأمرَ به عمرُ. ووقع
لبعض رُواة مسلم (١٧٠٦/ ٣٥): أخفَّ الحدودِ ثمانينَ.
قال ابنُ دَقيق العيدِ: فيه حذفُ عامل النَّصبِ، والتقديرُ: جعلَه، وتعقَّبه الفاكهيُّ فقال:
هذا بعيدٌ أو باطلٌ، وكأنّه صَدر عن غير تأمُّلِ لقواعد العربيّةِ ولا لمراد المتكلِّمِ، إذ لا يجوز:
أجود الناس الزيدين، على تقدير: اجعَلْهم، لأن مرادَ عبدَ الرَّحمنِ الإخبارُ بأخفِّ الحُدودِ،
لا الأمرُ بذلك، فالذي يظهر أنّ راوي النَّصْبَ وَهِمَ، واحتمال تَوهیمِه أوْلی من ارتكاب ما
لا يجوزُ لفظاً ولا معنَى، ورَدَّ عليه تلميذُه ابن مَرزوقٍ: بأنَّ عبدَ الرّحمن مُستَشارٌ، والمستشارُ
مسؤولٌ، والمُستَشيرُ سائلٌ، ولا يَبعُد أن يكونَ المستشارُ آمِراً، قال: والمثالُ الذي مثَّل به
غیرُ مطابقٍ.
قلت: بل هو مطابقٌ لمَا ادّعاه أنّ عبدَ الرحمن قَصَد الإخبارَ فقط، والحقُّ أنه أخبر برأيه مستنداً
إلى القياس، وأقربُ التقادير: أخفُّ الحدودِ أجدُه ثمانينَ، أو أجدُ أخفَّ الحدودِ ثمانينَ، فنصبهما.
(١) وهو في ((السنن الكبرى)) له ٣١٩/٨، و((الصغرى)) (٢٧٠٩).

٤١٨
باب ٢م / ح ٦٧٧٣م
فتح الباري بشرح البخاري
وأغرب ابنُ العَطّار صاحبُ النَّووي في («شرح العُمدة))، فنَقل عن بعض العلماء أنه ذَكَره
بلفظ: أخفُّ الحدودِ ثمانونَ، بالرَّفع، وأعربه مبتدأً وخبراً، قال: ولا أعلمُه منقولاً روايةً، كذا
قال، والرواية بذلك ثابتةٌ، والأوْلى في تَوجِيهها ما أخرجه مسلمٌ أيضاً (٣٥/١٧٠٦) من
طريق معاذ بن هشام عن أبيه: ثمَّ جَلَد أبو بكر أربعينَ، فلما كان عمرُ ودَنا الناسُ من الرِّيف
والقُرى قال: ما تَرَوْنَ في جَلْد الخمرِ؟ فقال عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ: أرى أن تجعلَها كأخفِّ
الحُدودِ، قال: فجَلَد عمرُ ثمانِينَ، فيكون المحذوفُ من هذه الرِّواية المختَصَرة: أرى أن
تَجعَلَها، وأداةَ التَّشبيهِ.
وأخرج النسائي (ك ٥٢٥٧) من طريق يزيد بن هارونَ عن شُعبةَ: فضَربَه بالنِّعال نَحواً
من أربعينَ، ثم أُتيَ به أبو بكر فصَنَع به مثلَ ذلك، ورواه همّام عن قتادة بلفظ: فأمر قَريباً من
عشرين رجلاً فجَلَده كلّ رجلٍ جَلدتَينِ بالجَريدِ والنِّعالِ، أخرجه أحمدُ (١٣٥٨٣) والبيهقيُّ
(٣١٩/٨).
وهذا يَجمع بَين ما اختلف فيه على شُعبةَ، وأنَّ جملةَ الضَّرَبات كانت نحوَ أربعين، لا أنه
جَلَده بجَریدتَینِ أربعینَ، فتكونُ الجملةُ ثمانینَ کما أجاب به بعضُ الناس، ورواه سعيد بن أبي
عَروبةَ عن قتادةَ بلفظ: جلَد بالجَريد والنِّعال أربعين، علَّقْه أبو داودَ بسندٍ صَحيح(١)،
ووَصلَه البيهقيُّ(٢). وكذا أخرجه مسلم (٣٧/١٧٠٦) من طريق وكَيعٍ عن هشامٍ بلفظ: كان
يضَربُ في الخَمِر مثلَه، وقد نَسب صاحبُ ((العُمدة)) قصّةَ عبد الرحمن هذه إلى تخريج
(الصَّحيحينِ) ولم يَسُقِ(٣) البخاريُّ منها شيئاً، وبذلك جزم عبد الحقِّ في ((الجمع)) ثم المنذريُّ،
نَعم ذَكَر معنى صَنِيع عمرَ فقط في حديث السائبِ في الباب الثالث (٦٧٧٩)، وسيأتي بَسطُ
ذلك فیه.
(١) بإثر الحديث (٤٤٧٩).
(٢) لم نقف على رواية ابن أبي عروبة موصولةً في ((سننه الكبرى)) وإنما ذكرها معلقةً ٣١٩/٨ کما عند أبي
داود، والله أعلم.
(٣) في (س): ((يخرِّج)).

٤١٩
باب ٣ / ح ٦٧٧٤
كتاب الحدود
تنبيه: الرَّجل المذكور لم أقفْ على اسمِه صريحاً، لكن سأذكُر في ((باب ما يُكره من لَعْنِ
الشاربِ)) (٦٧٨٠) ما يؤخذ منه: أنه النُّعَیمانُ.
٣- باب مَن أمرَ بضَرْب الحدِّ في البيت
٦٧٧٤ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثْنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبَةَ بنِ
الحارثِ، قال: جِيءَ بالنُّعَيمان - أو بابنِ النُّعَيمَانِ - شارباً، فأمَرَ النبيُّ نَّهِ مَن كان بالبيتِ أن
يَضْرِبُوه، قال: فضَرَبُوه، / فكنتُ أنا فيمَن ضَرَبَه بالنِّعالِ.
٦٥/١٢
قوله: ((باب مَن أمَرَ بضَرْبِ الحدِّ في البيت)) يعني: خِلَافاً لِمَن قال: لا يُضرَبُ الحدُّسِرّاً،
وقد وَرَدَ عن عمرَ في قصَّة وَلِدِه أبي شَحْمَةَ لمَّا شَرِبَ بِمِصرَ، فحَدَّه عَمرو بنُ العاص في
البيت: أنَّ عمرَ أنكَرَ عليه وأحضَرَه إلى المدينة وضَرَبَه الحدَّ جَهراً، روى ذلك ابنُ سعدٍ
وأشارَ إليه الزُّبَيرِ، وأخرجَه عبد الرَّزّاق بسنٍ صحيح عن ابن عمرَ مُطوَّلاً، وُجمهور أهل
العلم على الاكتِفاء، وحَمَلوا صنيعَ عمر على المبالَغة في تأديب ولدِه، لا أنَّ إقامةَ الحدِّ لا
تَصِحُّ إلَّا جَهراً.
قوله: ((عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقْفيّ، و((أيوبُ)) هو السِّختيانيّ، و((ابن أبي
مُلَیکة» هو عبد الله بنُ عُبيد الله، وقد سُمّي في الباب الذي بعده من رواية ◌ُهيب بن خالد
عن أيوبَ.
قوله: ((عن عُقْبة بن الحارث)) أي: ابن عامر بن نَوفَل بن عبد مناف، ووَقَعَ في رواية
عبد الوارث عن أيوب عند أحمد (١٦١٥٠): حذَّثني عُقْبة بن الحارث، وقد اتَّفَقَ هؤلاءِ
على وَصْلِه، وخالَفَهم إسماعيلُ ابن عُليَّةَ فقال: عن أيوبَ عن ابن أبي مُلَيكة مُرسَلاً،
أخرجه مُسدّدٌ عنه.
قوله: ((جيءَ)) كذا لهم على البناء للمجهول، وقد ذكرتُ في الوكالة (٢٣١٦) تسميةَ
الذي أتى به، ولم يُنَبِّه عليه أحدٌ مَّن صَنَّفَ في المبهَمَات.
قوله: ((بالُّعَيمان، أو بابنِ النُّعَيمان)) في رواية الكُشْمِيهنيّ في الباب الذي يليه: نُعَیمان،

٤٢٠
باب ٣ / ح ٦٧٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
بغير ألِفٍ ولام في الموضعينِ، وقد تقدَّم التَّنبيهُ على ذلك في كتاب الوكالة، وأنَّه وَقَعَ عند
الإسماعيليّ: النُّعَيمان، بغير شَكٍّ، فإنَّ الزُّبَير بن بَكّار وابن مَندَهْ أخرَجا الحديث من وجهَينِ
فيهما: النُّعَيمان، بغير شَكٍّ وذكرت نَسَبَه هُناكَ، وفي رواية الزُّبَيرِ: كان النُّعَيمَانُ يُصيب
الشَّرابَ.
وهذا يُعكِّرُ على قولِ ابنِ عبد البَرّ: إنَّ الذي كان أُتيَ به قد شَرِبَ الخمرَ هو ابنُ
التُّعَيمان، فإنَّه قيل في ترجمة التُّعَيمان: كان رجلاً صالحاً وكان له ابنٌّ انهَمَكَ في شُربِ الخمرِ
فَجَلَدَه النبيُّ ◌َلِ﴾(١).
وقال في موضع آخرَ: أظنُّ ابنَ النُّعَيمان جُلِدَ في الخمرِ أكثرَ من خمسين مرَّةً، وذكر الزُّبَير بن
بَّار أيضاً: أنَّه كان مَزّاحاً، وله في ذلك قصَّةٌ مع سويِط بن حَرمَلة ومع تَخَرَمةَ بن نَوفَل والد
المِسور مع أمير المؤمنينَ عثمانَ ذكرها الزُّبَير مع نظائرَ لها في كتاب (الفُكاهة والمِزاح))، وذكر محمَّدُ
ابنُ سعدٍ: أَنَّه عاشَ إلى خِلَافة معاويةً.
قوله: ((شارباً)) في رواية وُهَيب (٦٧٧٥): وهو سكرانُ، وزاد: فشَقَّ عليه، أي: على
النبيّ ◌ََّ، ووَقَعَ في رواية مُعلَّى بن أسَد عن وُهَيب عند النَّسائيِّ (ك ٥٢٧٦): فشَقَّ على
النبيّ وَّهِ مَشَقّةً شديدةً. وسيأتي بقيَّهُ ما يَتَعلَّق بقصَّة النُّعَيمان في الباب الذي يَليه إن شاء الله
تعالى.
واستُدِلَّ به على جوازِ إقامة الحدِّ على السَّكران في حال سُكره، وبه قال بعض
الظّاهريَّة، والجمهور على خِلَافه، وأَوَّلوا الحديثَ بأنَّ المرادَ ذِكرُ سببِ الضَّربِ، وأنَّ ذلك
الوصفَ استَمرَّ في حال ضَرْبِهِ، وأَيَّدوا ذلك بالمعنى، وهو أنَّ المقصود بالضَّربِ في الحدِّ
الإيلامُ لَيَحصُلَ به الرَّدُ.
وفي الحديث تحريمُ الخمرِ ووُجوبُ الحدّ على شاربها، سواء كان شَرِبَ كثيراً أم قليلاً،
وسواء أسکِرَ أم لا.
(١) ذکر ذلك کله في «الاستيعاب» في سياق ترجمته له.