Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ باب ١٨ / ح ٦٧٥٠ كتاب الفرائض وأشارَ الخطَّبيُّ إلى أنَّ في ذلك مَزِيَّةً لأُمَّهات المؤمنينَ، لأنَّ لهنَّ في ذلك ما ليس لغيرهِنَّ. قال: والشَّبَه يُعتبَر في بعض المواطِن، لكن لا يُقضَى به إذا وُجِدَ ما هو أقوى منه، وهو كما يُكَمُ في الحادثة بالقياس، ثمَّ يُوجَد فيها نَصُّ فيُتْرَكُ القياس، قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث وليس بالثّابِتِ: ((احتَجِبي منه يا سَودةُ، فإنَّه ليس لك بأخ)). وتَبِعَه النَّوويّ فقال: هذه الزّيادة باطِلة مردودة، وتُعقّبَ بأنَّهَا وَقَعَت في حديث عبد الله بن الزُّبَير عند النَّسائيِّ (٣٤٨٥) بسندٍ حسنٍ ولفظه: كانت لزَمعةَ جاريةٌ يَطَؤُّها وكان يُظْنُّ بآخَر أنَّه يقع عليها، فجاءت بولدٍ يُشبِهِ الذي كان يُظنُّ به فماتَ زَمعةُ، فذكرت ذلك سودةٌ للنبيِّ ◌َّ﴾ فقال: ((الولد للفراش، واحتجبي منه یا سَودُ فليس لك بأخ))، ورجال سنده رجال الصَّحيح، إلّا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آلِ الزُّبَير، وقد طَعَنَ البيهقيُّ في سنده فقال: فيه جَرِير، وقد نُسِبَ في آخر عُمُره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروفٍ، وعلى تقدير ثُبُوته، فلا يعارضُ حديثَ عائشةَ المتَّفَق على صِحَّتِه، وتُعقّبَ بأنَّ جَرِيراً هذا لم يُنسَب إلى سوءِ حِفظٍ، وكأنَّه اشتَبَهَ عليه بجَرِير بن حازم، وبأنَّ الجمعَ بينهما تُمكِنٌ فلا ترجيحَ، وبأنَّ يوسف معروفٌ في مَوالي آلِ الزُّبَير (١)، وعلى هذا فِيَتَعِيَّن تأويلُه، وإذا ثَبَتَت هذه الزّيادة تَعيَّنَ تأويلُ نفي الأُخوّة عن سَودةَ على نحوٍ ما تقدَّم من أمرها بالاحتجاب منه. ونَقَلَ ابن العربيّ في ((القوانين)) عن الشافعيّ نحوَ ما تقدَّم، وزادَ: ولو كان أخاها بنَسَبِ مُحقَّقٍ لِمَا مَنَعَها، كما أمَرَ عائشة أن لا تحتجِبَ من عَمِّها من الرَّضاعة. وقال البيهقيُّ(٢): معنى قوله: ((ليس لكِ بأخٍ)) إِن ثَبَتَ: ليس لك بأخ شَبَهاً، فلا يُخالف قوله لعَبدٍ: ((هو أخوك)). قلت: أو معنى قوله: ((ليس لكِ بأخ)): بالنِّسبة للميراثِ من زَمعةَ، لأنَّ زَمعةَ ماتَ كافراً، وَخَلَّفَ عبد بن زَمعةَ والولدَ المذكورَ وسَودةَ، فلا حَقّ لسَودةَ في إرثه، بل حازَه عبدٌ (١) یوسف مولى آل الزبير، وهو یوسف بن الزبير، روی عنه اثنان، ولم يؤثر توثيقه عن غیر ابن حبان، وقد انفرد بهذه اللفظة، ولا يحتمل تفرده. وانظر لزاماً تعليقنا على ((مسند أحمد)) (١٦١٢٧). (٢) «السنن الكبرى)) ٦/ ٨٧. . ٣٦٢ باب ١٨ / ح ٦٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قبلَ الاسْتِلحاق، فإذا استُلحِقَ الابن المذكور شارَكَه في الإرث دونَ سودة، فلهذا قال لعَبدٍ: ((هو أخوك)) وقال لسودة: ((ليس لكِ بأخٍ)). وقال القُرطُبيّ بعد أن قَرَّرَ أنَّ أمرَ سَودةَ بالاحتجابِ للاحتياطِ وتَوّي الشُّبُهات: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظِ أمر الحجاب في حَقّ أمَّهات المؤمنينَ، كما قال: «أَفَعَمیاوانِ أنتما؟))(١)، فنَهاهما عن رُؤية الأعمَى مع قوله لفاطمةَ بنت قيس: ((اعتَدّي عند ابن أمّ ٣٨/١٢ مكتوم فإنَّ أعمَى))(٢)، فغَلَّظَ الِحِجاب في حَقّهنَّ دونَ غيرهنَّ، وقد/ تقدَّم في تفسير الحِجاب قول مَن قال: إنَّه كان يَحرُم عليهنَّ بعد الحِجاب إبرازُ أشخاصِهِنَّ ولو كُنَّ مُستَتِراتٍ، إلّا لضَرُورةٍ، بخِلَاف غيرهنَّ فلا يُشتَرَط، وأيضاً فإنَّ للَّوجِ أن يَمنَع زوجتَه من الاجتماع بمحارمِها، فلعلَّ المراد بالاحتجابِ عَدَمُ الاجتماع به في الخلوة. وقال ابن حَزْم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها بل الواجبُ عليها صِلةُ رَحِمِه (٣)، ورَدَّ على مَن زَعَمَ: أنَّ معنى قوله: ((هو لك)) أي: عبدٌ، بأنَّه لو قَضَى بأنَّه عبدٌ لمَا أمَرَ سَودةَ بالاحتجابِ منه، إمّا لأنَّ لها فيه حِصّةً، وإمّا لأنَّ مَن في الرِّقٌ لا يُحتَجَبُ منه على القول بذلك. وقد تقدَّم جواب المُزَنيِّ عن ذلك قريباً. واستَدَلَّ به بعض المالكيَّة على مشروعيَّة الحُكم بين حُكمَين، وهو أن يأخذ الفَرْعُ شَبَهاً من أكثرَ من أصلٍ، فيُعطَى أحكاماً بعَدَدِ ذلك، وذلك أنَّ الِفِراش يقتضي إلحاقَه بزَمعةَ في النَّسَب، والشَّبَه يقتضي إلحاقَه بعُتبةَ، فَأُعطي الفَرع حُكماً بين حُكمَينٍ، فُروعيَ الفِراش في النَّسَب والشَّبَه البيِّن في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما ولو كان من وجهٍ أوْلى من إلغاء أحدِهما من كلّ وجهٍ. (١) أخرجه أحمد (٦١٩٧)، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٩٧) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو ضعيف لجهالة نَبْهان الراوي عنها. (٢) أخرجه أحمد (٢٧٣٢٧)، ومسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٤)، وابن ماجه (١٨٦٩)، والترمذي (١١٣٥)، والنسائي (٣٢٢٢) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. (٣) كذا في الأصلين على الصواب موافقاً لما في ((المحلّى)) لابن حزم ٣٢١/١٠، ووقع في (س) ((رحمها)) ولا يصحُّ. ٣٦٣ باب ١٨ / ح ٦٧٥٠ كتاب الفرائض قال ابن دقيق العيد: ويُعتَرَض على هذا بأنَّ صورة المسألة: ما إذا دارَ الفَرع بين أصلَينِ شَرعيَّنِ، وهُنا الإلحاقُ شَرعيٌّ للتَّصريح بقوله: ((الولد للفراش))، فبَقِيَ الأمر بالاحتجاب مُشكِلاً، لأنَّه يُناقض الإلحاق فتَعيَّنَ أنَّه للاحتياطِ لا لوجوبٍ حُكمِ شَرعيٍّ، وليس فيه إلّا تَركُ مُباحٍ مع ثُبوت المحرَميَّة. واستُدِلَّ به على أنَّ حُكم الحاكم لا يُحِلُّ الأمرَ في الباطِن، كما لو حَكَمَ بشهادةٍ فِظَهَرَ أنَّهَا زُورٌ، لأنَّه حَكَمَ بأنَّه أخو عبدٍ وأمَرَ سَودةَ بالاحتجابِ بسببِ الشَّبَه بعُتبةَ، فلو كان الحُكم يُحِلُّ الأمرَ في الباطِن لمَا أمَرَها بالاحتجاب. واستُدِلَّ به على أنَّ لوطءِ الزِّنى حُكم وَطْء الحلال في حُرْمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدّلالة أمْرُ سودةَ بالاحتجابِ بعد الحُكم بأنَّه أخوها لأجلِ الشَّبَه بالزّاني. وقال مالكٌ في المشهور عنه والشافعيّ: لا أثر لوطءِ الزِّنى، بل للزّاني أن يَتزوَّجَ أمَّ التي زَنَى بها وبنتَها، وزاد الشافعيّ ووافَقَه ابن الماجِشُون: والبنت التي تَلِدُها المزنيُّ بها، ولو عَرَفَت أنَّها منه. قال النَّوويّ: وهذا احتجاجٌ باطِلٌ، لأَنَّه على تقدير أن يكون من الزِّنى فهو أجنبيٌّ من سَودة، لا يَحِلُّ لها أن تظهر له، سواءٌ أُطِقَ بالزّاني أم لا، فلا تَعلُّقَ له بمسألة البنت المخلوقة من الزِّنى. كذا قال، وهو رَدٌّ للفَرعِ بَرَدِّ الأصل، وإلّا فالبناءُ الذي بَنَوه صحيحٌ، وقد أجابَ الشافعيَّة عنه بما تقدَّم: أنَّ الأمر بالاحتجابِ للاحتياط، ويُحمَّلُ الأمرُ في ذلك إمّا على النَّدب، وإمّا على تخصيص أمَّهات المؤمنينَ بذلك، فعلى تقدير النَّدْب فالشافعيُّ قائلٌ به في المخلوقة من الزِّنى، وعلى التَّخصيص فلا إشكالَ، والله أعلم. ويَلزَمِ مَن قال بالوجوبِ أن يقول به في تَزويج البنت المخلوقة من ماء الزّنى، فيُجيز عند فَقْدِ الشَّبَهِ ويَمنَع عند وُجودِهِ، واستُدِلَّ به على صِحّة مِلكِ الكافرِ الوثَنِيِّ الأَمَةَ الكافرةَ، وأنَّ حُكمَها بعد أن تَلِد من سَيِّدها حُكم القِنّ، لأنَّ عبداً وسعداً أطلقا عليها: أَمَةً ووَلِيدةً، ٣٦٤ باب ١٨ / ح ٦٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ولم يُنكِرِ ذلك النبيّ وَّةِ، كذا أشارَ إليه البخاريّ في كتاب العِتق عَقِبَ هذا الحديث(١) بعدَ أن تَرجَمَ له: ((أُمّ الولد))، ولكنَّه ليس في أكثر النُّسَخ. وأُجيبَ بأنَّ عِتق أمّ الولد بموتِ السَّيِّد ثَبَتَ بأدلّةٍ أُخرى، وقيل: إنَّ غَرَضَ البخاريِّ بایرادِهِ أنَّ بعض الحنفيّة لمَّا أُلزِمَ أنَّ أمّ الولد المتنازَع فيه كانت حُرّةً رَدّ ذلك، وقال: بل كانت عَتَّقَت، وكأنَّه قد وَرَدَ في بعض طُرقه أنَّهَا أَمَةٌ، فمَن ادَّعَى أَنَّهَا عَتَقَت فعَلَیه البيانُ. قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيدِ القَطّانُ ومحمَّدُ بنُ زيادٍ: هو الجُمَحيّ. قوله: ((الولد لصاحبِ الفِراش)) كذا في هذه الرِّواية، وزاد آدم عن شُعْبة: ((وللعاهرِ الحجر))(٢)، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق معاذ عن شُعْبة، ولهذا الحديث سببٌ غير قصَّة ابن زَمعةَ، فقد أخرجه أبو داود (٢٢٧٤) وغيره(٣) من رواية حُسَينِ المعلِّمِ عن عَمْرو ابن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه قال: قامَ رجل فقال لمَّا فُتِحَت مَكّةُ: إنَّ فلاناً ابني، فقال ٣٩/١٢ النبيّ وَّ: ((لا دَعوةَ في / الإسلام، ذَهَب أمرُ الجاهليَّة، الولدُ للفِراش وللعاهرِ الأَثْلَبُ)). قيلَ: مَا الأَثْلَبُ؟ قال: ((الحَجَرُ)). تكملة: حديث: ((الولد للفِراش)) قال ابن عبد البَرِّ: هو من أصحِّ ما يُروى عن النبيّ وَّه جاء عن بضعةٍ وعشرينَ نفساً من الصحابة، فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة، وقال التِّرمذيّ عَقِبَ حديث أبي هريرة (١١٥٧): وفي الباب عن عمر ((ق)) (٢٥٠٠)، وعثمان ((د)) (٢٢٧٥)، وعبد الله بن مسعود ((س)) (٣٤٨٦)، وعبد الله بن الزُّبَير ((س)) (٣٤٨٥)، وعبد الله بن عَمْرو ((د)) (٢٢٧٤)، وأبي أمامةَ ((٥))(٤)، ((ق)) (٢٠٠٧)، وعَمْرو بن خارجةَ (٥)، (١) برقم (٢٥٣٣). (٢) رواية آدم عن شعبة ستأتي برقم (٦٨١٨). (٣) أخرجه أحمد برقم (٦٦٨١) من رواية حسين المعلِّم، به، وإسناده حسنٌ. (٤) أخرج أبو داود (٢٨٧٠)، و(٣٥٦٥) أصل حديث أبي أمامة، لكن ليس فيه عبارة ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)). (٥) أخرجه أحمد (١٧٦٦٣)، وابن ماجه (٢٧١٢)، والترمذي (٢١٢١). ٣٦٥ باب ١٨ / ح ٦٧٥٠ كتاب الفرائض والبراء وزيد بن أرقم(١)، وزاد شيخنا عليه: معاوية ((ص)) (٧٣٩٠)، وابن عمر(٢)، وزاد أبو القاسم بن مَندَهْ في ((تذكرتِه)): معاذ بن جبل(٣)، وعُبادة بن الصّامت ((طب))(٤)، وأنسَ بن مالك (تم)) (٦٦)، وعليّ بن أبي طالب ((بز)(٥) (٨١٦)، والحسين بن عليّ ((طس)) (٥٦١٧)، وعبد الله ابن حُذافةَ ((طب))(٢)، وسعد بن أبي وقّاص (بز)) (١١٢١)، وسَوْدة بنتَ زَمْعة(٧). ووَقَعَ لي من حديث: ابن عبّاس ((طب)) (١٠٥٩٠ و١١٤٣٤)، وأبي مسعود البدريّ (طب)) (١٧/ ٢٦١)، وواثلة بن الأسقَع ((تم)) (١٢٠٤)(٨)، وزينب بنت جَحْش(٩)، وقد رَقَمت عليها علامات مَن أخرجها من الأئمَّة: فـ(طب)) علامةُ الطبرانيِّ في ((الكبير) و((طس)) علامَته في (الأوسط))، و((بز)) علامة البزَّار، و((ص)) علامة أبي يَعْلى الموصِليّ، و((تم)) علامة تمَّام في ((فوائده))، وجميع هؤلاءِ وَقَعَ عندهم: ((الولد للفراش، وللعاهرِ الحَجَر)). ومنهم مَن اقتَصَرَ على الجملة الأولى، وفي حديث عثمان قصَّة، وكذا عليّ، وفي حديث معاوية قصَّة أُخرى له مع نَصْر بن حَجّاج وعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، فقال له نصر: فأين قَضاؤُك في زياد؟ فقال: قضاء رسول الله بَ له خيرٌ من قضاء معاوية. (١) حديث البراء وزيد بن أرقم معاً أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٥٠٥٧)، قال الترمذي في ((العلل الكبير)) (٢٩٥): سألت محمداً عن حديث البراء وزيد بن أرقم ... الحديث، قال: إنما روي هذا الحديث عن أبي إسحاق موسى بن عثمان الحضرمي، وهو ذاهب الحديث. (٢) لم نقع عليه بهذا اللفظ من حديث ابن عمر. (٣) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٤١٧). (٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) ١٥/٥، وأحمد في ((المسند)) (٢٢٧٧٨)، وإسناده ضعیف لضعف أحد رواته و جهالة الآخر ولانقطاعه. (٥) وأخرجه أيضاً أحمد (٨٢٠)، وإسناده ضعيف. (٦) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) ١٥/٥، وقال الهيثمي: وهو مرسل ورجاله ثقات. قلنا: وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٨٩/٤. (٧) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٧٤١٩) ليس فيه عبارة ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، وفي إسناده مولى لآل الزبير، سلف عليه الكلام قريباً. (٨) وأخرجه أيضاً الطبراني في «الكبير)) (٢٠١/٢٢) قال الهيثمي ١٥/٥: فيه جناح مولى الوليد وهو ضعيف. (٩) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) ٢٤/ ٧٣٤. ٣٦٦ باب ١٩ / ح ٦٧٥١ -٦٧٥٢ فتح الباري بشرح البخاري وفي حديث أبي أمامةَ وابن مسعود وعُبادة أحكامٌ أُخرى، وفي حديث عبد الله بن حُذافةً قصَّةٌ له في سؤاله عن اسم أبيه، وفي حديث ابن الزُّبَير قصَّة نحو قصَّة عائشة باختصارٍ، وقد أشرت إليه، وفي حديث سودة نحوُه، ولم تُسمَّ في رواية أحمد، بل قال: عن بنتِ زَمعةً، وفي حديث زينب قصَّة ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: عن زينب الأسَدِيَّة، وبالله التَّوفيق. وجاء من مُرسَل عُبيد بن عُمَير - وهو أحد كبار التابعين - أخرجه ابن عبد البَرِّ بسندٍ صحیح إليه. ١٩ - بابٌ إنّما الولاء لِمَن أعتَقَ، وميراثُ اللَّقيطِ وقال عمرُ: اللَّقِیطُ حُدٍّ. ٦٧٥١ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ، قالت: اشتَرَيتُ بَرِيرةَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((اشتَرِيها، فإنَّ الولاءَ لِمَن أعتَقَ))، وأُهْدِيَ لها شاةٌ، فقال: ((هو لها صَدَقةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». قال الحَكَمُ: وكان زَوْجُها حُرّاً. وقولُ الحَكَم مُرسَلٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: رأيتُه عبداً. ٦٧٥٢ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إِنَّمَا الولاءُ لِمَن أَعتَقَ)). قوله: ((باب إنَّما الولاء لِمَن أعْتَقَ، وميراثُ اللَّقيطِ، وقال عمرُ: اللَّقيطُ حُرُّ) هذه التَّرجمة معقودةٌ لميراثِ اللَّقيط، فأشارَ إلى ترجيح قولِ الجمهور: إنَّ اللَّقيطَ حُرٍّ وولاؤه في بيت المال، وإلى ما جاء عن النَّخَعيِّ: أنَّ ولاءَه لَلَّذِي التَّقَطَه، واحتَجَّ بقولِ عمر لأبي جميلةً في الذي التَّقَطَه: اذهَب فهو حٌُّ، وعلينا نَفَقَتُه ولَك ولاؤه. وتقدَّم هذا الأثر مُعلَّقاً بتمامه في أوائل الشَّهادات(١) وذكرت هناك مَن وصَلَه. وأُجِيبَ(٢) عنه بأنَّ معنى قول عمرَ: لَك ولاؤه، أي: أنتَ الذي تَتَولَّ تَربيّتَه والقيامَ بأمره، (١) قبل الحديث رقم (٢٦٦٢). (٢) كذا في الأصلين، ووقع في (س): وأجبت. ٣٦٧ باب ١٩ / ح ٦٧٥٢ كتاب الفرائض فهي ولايةُ الإِسلام لا ولايةُ العِتق، والحُجّة لذلك صريحُ الحديث المرفوع: ((إنَّما الولاء لمَن أعتَقَ))، فاقتَضَى أنَّ مَن لم يَعِقِ لا ولاءَ له، لأنَّ العِتق يستدعي سَبْقَ مِلكِ واللَّقيطُ من دار الإسلام لا يَملِكه الملتَقِطُ،/ لأنَّ الأصلَ في الناس الحُرِّيَّةُ، إذ لا يخلو المنبوذُ أن يكون ابنَ حُرّةٍ ٤٠/١٢ فلا يُستَرَقُّ، أو ابن أَمَة قَوم، فميراثُه لهم، فإذا جُهِلَ وُضِعَ في بيت المال، ولا رِقَّ عليه للَّذي التَقَطَه. وجاء عن عليّ: أنَّ اللَّقيط مولى مَن شاءَ، وبه قال الحنفيّة إلى أن يُعقَل عنه، فلا يُنْتَقَل بعد ذلك عمَّن عَقلَ عنه، وقد خَفِيَ كلّ هذا على الإسماعيليّ فقال: ذَكَر ميراثَ اللَّقيط في ترجمة الباب، وليس له في الحديث ذِكْرٌ، ولا عليه دلالة. يريد أنَّ حديثَي عائشة وابن عمرَ مُطابِقٌ لترجمة: ((إنَّما الولاء لمن أعتَقَ)) وليس في حديثهما ذِكْر ميراث اللَّقيط، وقد جَرَى الكِرْمانيُّ على ذلك فقال: فإن قلت: فأين ذِكْر ميراث اللَّقيط؟ قلت: هو ما تَرجَمَ به، ولم ینَّفِق له إیرادُ الحدیث فیه. قلت: وهذا كلّه إنَّما هو بحَسَبِ الظّاهر، وأمَّا بحَسَبٍ تدقيق النَّظَرِ ومُناسَبة إيراده في أبواب المواريث فبيانُه ما قَدَّمت، والله أعلم. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ اللَّقيط حُرّ إلّا روايةً عن النَّخَعيّ، وعنه كالجماعة، وعنه كالمنقولِ عن الحنفيَّة، وقد جاء عن شُرَيحِ نحوُ الأوَّل، وبه قال إسحاقُ بن راهويه. قوله: ((الحَكَمْ)) هو ابن عُتَية، بمُثنّةٍ ثمَّ موخَّدة مُصغَّر، وإِبراهيم: هو النَّخَعَيّ، والأسود: هو ابن يزيد، والثلاثة تابعيّونَ كوفيّونَ. قوله: ((قال الحَكَم: وكان زَوْجها حُرّاً)) هو موصولٌ إلى الحَكَم بالإسناد المذكور، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من رواية أبي الوليد عن شُعْبة مُدرَجاً في الحديث، ولم يَقُل ذلك الحَكَم من قِبَل نفسِه، فسيأتي في الباب الذي يليه من طريق منصور عن إبراهيم: أنَّ الأسود قاله أيضاً، فهو سَلَفُ الحَكَمِ فيه. قوله: ((وقولُ الحَكَم مُرسَلٌ)) أي: ليس بمُسنَدٍ إلى عائشةَ راوية الخبر، فیکون في حُكم المتَّصِلِ المرفوع. ٣٦٨ باب ٢٠ / ح ٦٧٥٣ - ٦٧٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال ابن عبّاس: رأيته عبدا) زاد في الباب الذي يليه: وقول الأسود مُنقَطِعٌ - أي: لم يَصِله بذِكْر عائشة فيه - وقول ابن عبّاس أصحّ، لأنَّه ذكر أنَّه رآه، وقد صَحَّ أنَّه حَضَرَ القصَّة وشاهَدَها، فيَترجَّح قوله على قول مَن لم يَشهَدها، فإنَّ الأسود لم يَدخُل المدينةَ في عهد رسول الله وَّة، وأمَّا الْحَكَم فوُلِدَ بعد ذلك بدَهرٍ طويلٍ. ويُستَفاد من تعبير البخاريّ: قولُ الأسودِ مُنقَطِعٌ، جوازُ إطلاق المنقَطِع في موضع المرسَل، خِلَافاً لما اشتُهِرَ في الاستعمال من تخصيص المنقَطِعِ بما يَسقُط منه من أثناء السَّنَد واحدٌ، إلّا في صُورة سُقوط الصحابيِّ بين التابعيِّ والنبيِّ نَّه، فإنَّ ذلك يُسَمَّى عندَهم المرسَلَ، ومنهم مَن خَصَّه بالتابعيِّ الكبير فيُستَفاد من قول البخاريّ أيضاً: ((وقول الحَكَم مُرسَل)): أنَّه يُستَعمَل في التابعيّ الصَّغير أيضاً، لأنَّ الحَكَم من صِغار التابعين، واستُدِلَّ به لإحدَى الرَّوايتَينِ عن أحمدَ: أنَّ مَن أعتَقَ عن غيره فالولاء للمُعْتِقِ والأجرُ للمُعتَقِ عنه، وسيأتي البحث فيه في ((باب ما يَرِث النِّساءُ من الولاء)) (٦٧٥٩). ٢٠ - باب ميراث السائبة ٦٧٥٣- حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبَةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي قَيسٍ، عن هُزَيلٍ، عن عبدِ الله، قال: إنَّ أهلَ الإسلام لا يُسَيُِّونَ، وإنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يُسَيِّبُونَ. ٦٧٥٤- حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها اشتَرَت بَرِيرةَ لتُعْتِقَها، واشترَطَ أهلُها وَلاءَها، فقالت: يا رسولَ الله، إنّ اشتَرَيتُ بَرِيرةَ لأَعْتِقَها، وإنَّ أهلَها يَشْتَرِطونَ وَلاءَها، فقال: ((أَعْتِقِيها، فإنَّما الولاءُ لمَن أَعتَقَ)) ٤١/١٢ أو قال: ((أعطَى الثَّمَنَ)) قال: فاشتَرَتْها فأعتَقَتْها، قال: وخُيِّرَت/ فاختارَت نفسَها، وقالت: لو أُغْطِیتُ کذا و کذا ما کنتُ معه. قال الأسوَدُ: وكان زَوْجُها حُرّاً. قولُ الأسوَدِ مُنْقَطِعٌ، وقولُ ابنِ عبّاسٍ: رأيتُه عبداً، أصُ. ٣٦٩ باب ٢٠ / ح ٦٧٥٤ كتاب الفرائض قوله: ((بابٌ ميراثُ السائبةِ)) بِمُهمَلةٍ وموخَّدة بوزنٍ فاعلة، وتقدَّم بيانها في تفسير المائدة (٤٦٢٣)، والمراد بها في التَّرجمة: العبد الذي يقول له سَيِّدُه: لا ولاءَ لأحدٍ عليك، أو أنتَ سائبةٌ، يريد بذلك عِتَقَه، وأنْ لا ولاءَ لأحدٍ عليه، وقد يقول له: أعتَقتُك سائبةً، أو أنتَ مٌُّ سائبةً، ففي الصِّيغَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُفتَقَر في عِتقه إلى نَيَّة، وفي الأُخرَيَينِ يُعتَقِ. واختُلِفَ في الشَّرط، فالجمهورُ على كراهيته، وشَذَّ مَن قال بإباحَتِهِ، واختُلِفَ في وَلائه، وسأُبيِّنُه في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن هُزيل» في روایة یزید بن أبي حَكيم العَدَيِّ عن سفيان عند الإسماعيليّ: حدّثني هُزَيل بن شُرَحبِيلَ، وهو بالزّاي مُصغَّرٌ، ووهمَ مَن قاله بالذّال المعجَمة، وقد تقدَّم ذلك قريباً (٦٧٣٦). وأنَّ سفيان في السَّنَد: هو الثَّوْرِيُّ، وأنَّ أبا قيس: هو عبد الرّحمن. قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعودٍ. قوله: ((إنَّ أهل الإسلام لا يُسَيِّونَ، وإنَّ أهل الجاهليّة كانوا يُسَيِّونَ)) هذا طَرَفٌ من حديث أخرجه الإسماعيليّ بتمامه من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديٍّ عن سفيان بسنِدِه هذا إلى هُزيل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنّ أعتَقَت عبداً لي سائبة، فماتَ فَتَرَكَ مالاً ولم يَدَع وارثاً، فقال عبد الله، فذَكَر حديثَ الباب، وزادَ: وأنتَ ولِيُّ نِعمَتِهِ فلَك ميراتُه، فإن تأَثَّمت أو تَحَرَّجت في شيءٍ فنحنُ نَقبَلُهُ ونَجعَلُه في بيت المال. وفي رواية العَدَنيِّ: فإنَّ تَحرَّجت، ولم يَشُكَّ، وقال: فأرِنا نَجعَلُه في بيت المال. ومعنى (تأَثَّمت)) بالمثلَّثة قبل الميم: خَشيت أن تقع في الإثم، وتَحَرَّجت بالحاءِ المهمَلة ثمَّ الجيم بمعناه، وبهذا الحُكم في السائبة قال الحسن البصريّ وابن سِيرِين والشافعيّ (١). وأخرج عبد الرَّزّاق (١٦٢٣٢) بسندٍ صحيحٍ عن ابن سِيرِين: أنَّ سالماً مولى أبي حُذَيفة الصحابيّ المشهور أعتَقَته امرأة من الأنصار سائبة وقالت له: وال مَن شِئت، فوالَى أبا حُذَيفة، فلمَّا استُشهِدَ باليَمامةِ دُفِعَ ميراثُه للأنصارِيَّة أو لابنِها. (١) نقله عنهم ابن المنذر في ((الأوسط)) ٥٣١/٧. ٣٧٠ باب ٢١ / ح ٦٧٥٥ -٦٧٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج ابن المنذر (١) من طريق بكر بن عبد الله المُزَنيِّ: أنَّ ابن عمر أُتي بمال مَولَّى له ماتَ فقال: إنّا كنَّا أعتَقناه سائبة، فأمَرَ أن يُشتَرَى بِثَمَنِهِ رِقاباً فتُعتَق. وهذا يحتمل أن يكون فَعَله على سبيل الوجوبِ أو على سبيل النَّذْب. وقد أخَذَ بظاهره عطاءٌ فقال: إذا لم يُلِّف السائبةُ وارثاً دُعيَ الذي أعتَقَه، فإن قَبِلَ مالَه وإلّ ابتيعَت به رِقَابٌ فَأُعْتِقَت. وفيه مذهبٌ آخرُ: أنَّ ولاءَه للمسلمينَ يَرِثونَه ويَعِقِلونَ عنه، قاله عمر بن عبد العزيز والزُّهْريّ، وهو قول مالك، وعن الشَّعبيّ والنَّخَعَيّ والكوفّينَ: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهِیَتِه. قال ابن المنذر: واتِّباع ظاهر قوله: ((الولاء لمن أعتَقَ)) أوْلى. قلت: وإلى ذلك أشارَ البخاريّ بإيرادِ حديث عائشة في قصَّة بَريرة، وفيه: ((فإنَّما الولاء لِمَن أَعتَقَ))، وفيه: قول الأسود: إنَّ زوج بَريرة كان حُرّاً، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في الباب الذي قبله. ٢١ - باب إثم من تَبرّأ من مَواليهِ ٦٧٥٥ - حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حذَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، قال: قال عليٌّ عُ: ما عندَنا كتابٌ نَقْرَؤُه إلا كتابُ الله، غيرَ هذه الصَّحِيفةِ، قال: فأخرَجَها، فإذا ٤٢/١٢ فيها أشياءُ منَ الجِراحات/ وأسنان الإبلِ، قال: وفِيها: ((المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عَيرٍ إلى ثَوْرٍ، فمَن أحدَثَ فيها حَدَثاً، أو آوَى مُحْدِثاً، فعليه لَعْنَةُ الله والملائكةِ والناسِ أْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامةِ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَن والَى قوماً بغيرِ إذْنِ مَواليهِ، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والملائكة والناسِ أْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامةِ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، وذِمَةُ المسلمينَ واحدةٌ، يَسْعَى بها أدْناهُم، فمَن أخفَرَ مسلماً، فَعَليه لَعْنَةُ الله والملائكة والناسِ أْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامةِ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)). ٦٧٥٦- حَّثنا أبو نُعَیم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِینارٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: نَهَى النبيُّ ◌َِّ عن بيعِ الولاءِ، وعن هِيَتِه. (١) في ((الأوسط)) برقم (٦٩٤٨). ٣٧١ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ كتاب الفرائض قوله: ((باب إِثْم مَن تَبَرَّأ من مَواليه)) هذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه أحمد (١٥٦٣٦) والطبرانيُّ (٢٠/ ٢٤٣٧) من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبيّ وَّ قال: ((إِنَّ لله عباداً لا يُكلِّمُهم الله تعالى)) الحديث، وفيه: ((ورجلٌ أنعَمَ عليه قومٌ فكَفرَ نِعمَتَهم، وتَبَرَّأ منهم))(١)، وفي حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه رَفَعَه عند أحمد (٧٠١٩): ((كفرٌ بالله تَبَرُّؤٌ مِن نَسَبٍ وإن دَقَّ))(٢) وله شاهدٌ عن أبي بكر الصِّدّيق(٣) .. وأما حديث الباب فلفظه: ((مَن والى قوماً بغير إذن مَواليه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ))، ومثله لأحمد (٢٩٢١) وابن ماجَهْ (٢٦٠٩)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤١٧) عن ابن عبّاس، ولأبي داود (٥١١٥) من حديث أنس: ((فعليه لعنةُ الله المُتَتَابِعة إلى يوم القيامة)). وقد مضى شرح حديث الباب في فضل المدينة (١٨٧٠)، وفي الجِزية (٣١٧٢)، ويأتي في الدّيات (٦٩٠٣)، وفي معنى حديث عليّ في هذا حديث عائشة مرفوعاً: ((مَن تَولَّى إلى غير مَواليه فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النار)) صَحَّحَه ابن حِبّان (٤٣٢٧)، ووالد إبراهيم النَّيْميِّ الراوي له عن عليّ: اسمه يزيد بن شَرِيك، وقد رواه عن عليّ جماعةٌ منهم أبو جُحَيفةَ وهب ابن عبد الله السَّوائيُّ، ومضى في كتاب العلم (١١١)، وذكرت هناك وفي فضائل المدينة اختلاف الرُّواة عن عليّ فیما في الصَّحیفة، وأنَّ جميع ما رووه من ذلك كان فيها، وكان فيها أيضاً ما مضى في الخُمس من حديث محمَّد ابن الحنفيَّة: أنَّ أباه عليّ بن أبي طالب أرسَلَه إلى عثمان بصحيفةٍ فيها فرائض الصَّدَقة، فإنَّ رواية طارق بن شِهاب عن عليّ في نحو حديث الباب عند أحمد (٧٨٢): أنَّه كان في صَحِيفته فرائض الصَّدَقة. (١) وفي إسناده عندهما زبّان بن فائد، ضعفه أحمد وابن معين. (٢) وأخرجه ابن ماجه برقم (٢٧٤٤)، وإسناده حسن، وصحَّح إسناده البوصيري في («إتحاف الخيرة)) ٤٥٣/٥، ولكن ذكر الدارقطني في «العلل)) ١/ ٢٥٤ أن الموقوف أشبه بالصواب. يعني: على أبي بكر الصديق ، وهو الحديث الآتي ذكره. (٣) أخرجه الدارمي (٢٨٦١)، والبزار (٩١)، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٩٠). ٣٧٢ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وذكرتُ في العلم سببَ تحديث عليّ بن أبي طالب بهذا الحديث وإعرابَ قولِه: ((إلّا كتاب الله)) وتفسير الصَّحيفة وتفسير العَقْل، ومَّا وَقَعَ فيه في العلم: ((لا يُقتَلُ مسلمٌ بكافٍ)) وأَحلْتُ بشرحِه على كتاب الدّيات، والذي تَضَمَّنَه حديث الباب ممَّا في الصَّحيفة المذكورة أربعة أشياء: أحدها: الجِراحات وأسنان الإبل، وسيأتي شرحُه في الدّيات، وهل المراد بأسنان الإبل المتعلّقة بالخَراجِ أو المتعلِّقة بالزكاة أو أعَمُّ من ذلك؟. ثانيها: ((المدينة حَرَمٌ)) وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في مكانه في فضل المدينة في أواخر الحجّ (١٨٦٧)، وذكرت فيه ما يَتَعلَّق بالسَّنَد، وبيان الاختلاف في تفسير الصَّرف والعَدل. ثالثها: ((ومَن والَى قوماً)) هو المقصود هنا. وقوله فيه: ((بغير إذن مَواليه)) قد تقدَّم هناك أنَّ الخطَّبيّ زَعَمَ أنَّ له مفهوماً، وهو أنَّه إذا استأذَنَ مَواليَه مَنَعوه، ثمَّ راجَعت كلامَ الخطَّابِيّ، وهو: ليس إذنُ الموالي شرطاً في ادِّعاء نَسَبٍ وولاءٍ ليس هو منه وإليه، وإنَّما ذُكِرَ تأكيداً للتَّحريمِ، ولأنَّه إذا استأذَنهم مَنَعوه، وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك. انتهى، وهذا لا يَطَّرِد، لأنهم قد يتواطؤونَ معه على ٤٣/١٢ ذلك لغَرَضِ ما، والأوْلى ما قال/ غيره: أنَّ التَّعبير بالإذنِ ليس لتقييدِ الحُكم بعَدَمِ الإذن وقَصْرِه عليه، وإنَّمَا وَرَدَ الكلام بذلك على أنَّه الغالبُ، انتهى. ويحتمل أن يكون قول: ((مَن تَولَّى)) شاملاً للمعنى الأعَمّ من الموالاة، وأنَّ منها مُطلَق النُّصرة والإعانة والإرث، ويكون قوله: ((بغير إذن مَواليه)) يَتَعلَّق بمفهومِه بما عَدا الميراث، ودليلُ إخراجه حديث: ((إنَّما الولاء لمن أعتَقَ))(١)، والعلمُ عند الله تعالى. وكأنَّ البخاريّ لَحَظَ هذا فعَقَّبَ الحديثَ بحديثٍ ابن عمر في النَّهي عن بيع الولاء وعن هِبَتِّهِ، فإنَّه يُؤْخَذ منه عَدَمُ اعتبار الإذن في ذلك بطريق الأوْلى، لأنَّه إذا مُنِعَ السَّيِّد من بيع الولاء مع ما تَحَصَّل له من العِوَض، ومِن هِبَتِه مع ما يَحَصُلُ له من المانّة بذلك، فمَنعُه (١) سلف قريباً برقم (٦٧٥٤). ٣٧٣ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ كتاب الفرائض من الإذن بغير عِوضٍ ولا مانّة أوْلى، وهو مُندَرِجٌ في الهِبة. وفي الحديث: أنَّ انتماءَ المولَى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام، لما فيه من كفر النِّعمة وتضييع حَقّ الإرث بالولاءِ والعقل وغير ذلك، وبه استَدَلَّ مالكٌ على ما ذكره عنه ابن وَهْب في ((موطَّئِه)) قال: سُئلَ عن عبد يَبتاع نفسه من سَيِّده على أنَّه يوالي مَن شاءَ، فقال: لا يجوز ذلك، واحتَجَّ بحديثِ ابن عمر، ثمَّ قال: فتلكَ الهِبة المنهيُّ عنها، وقد شَذَّ عطاء بن أبي رَباح بالأخذِ بمفهوم هذا الحديث، فقال فيما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٦١٥٢) عن ابن جُرَيج عنه: إن أذِنَ الرجل لمولاه أن يواليَ مَن شاءَ جازَ، واستدلَّ بهذا الحديث. قال ابن بَطّالٍ: وجماعةُ الفقهاءِ على خِلَاف ما قال عطاء، قال: ويُحمَل حديث عليّ على أنَّه جَرَى على الغالب مِثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقد أجمعوا على أنَّ قتل الولدِ حَرامٌ، سواء خَشِيَ الإملاقَ أم لا، وهو منسوخٌ بحديثِ النَّهي عن بیع الولاء وعن هِبته. قلت: قد سَبَقَ عطاءً إلى القول بذلك عثمانُ، فروى ابن المنذر(١): أنَّ عثمانَ اختَصَموا إليه في نحو ذلك فقال للعَتيق: والٍ مَن شِئت، وأنَّ ميمونةَ وهَبَت ولاءَ مَواليها للعبَّاس وولدِهِ. والحديثُ الصَّحيحُ مُقدَّمٌ على جميع ذلك، فلعلَّه لم يَبلُغ هؤلاءِ أو بَلَغَهم وتأوَّلوه، وانعَقَدَ الإجماع على خِلاف قولهم. قال ابن بَطّال: وفي الحديث أنَّه لا يجوز للعَتيق أن يَكتُب: فلان ابن فلان، ويُسَمّي نفسَه ومولاه الذي أعتَقَه، بل يقول: فلان مولى فلان، ولكن يجوز له أن يَنْتَسِب إلى نَسَبِهِ كالقُرَشِيِّ وغيره. قال غيرُه(٢): والأَوْلى أن يُفصِحَ بذلك أيضاً، كأن يقول: القُرَشِيّ بالولاءِ أو مولاهم. قال: وفيه أنَّ مَن علم ذلك وفَعَلَه سَقَطَت شهادتُه لما تَرَتَّبَ عليه من الوعيد ويجب عليه الثَّوبةُ والاستغفار. وفيه جواز لَعْن أهل الفِسِقِ عُموماً، ولو كانوا مسلمين. (١) في ((الأوسط)) برقم (٦٩٤٤). (٢) لفظة ((غيره)) سقطت من (س). ٣٧٤ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ فتح الباري بشرح البخاري رابِعُها: ((وذِمّةُ المسلمينَ واحدةٌ يَسعَى بها أدناهُم))، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الجِزية (٣١٧٢). وأمَّا حديث الباب الثّاني فقد مضى في كتاب العِتق (٢٥٣٥)، وأَحَلْتُ بشرحِه على ما هنا. قوله: ((حدّثنا سُفْيان)) هو النَّوْريّ. قوله: ((عن عبد الله بن دينار)) هكذا قال الحُفّاظ من أصحاب سفيان الثَّوْريِّ عنه، منهم: عبد الرّحمن بن مَهديٍّ، ووكيعٌ، وعبدُ الله بنُ نُمَیر، وغیرُهم. قوله: ((عن ابن عمر)) في رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن سِنان عن عبد الرَّحمن بن مَهديٍّ عن شُعْبة وسفيان عن ابن دينار: سمعت ابن عمر، وقد اشتُهِرَ هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، حتَّى قال مسلم لمَّا أخرجه في «صحيحه)) (١٦/١٥٠٦): الناس في هذا الحدیث عیالٌ علیه. وقال التِّرمِذيّ بعد تخريجه: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفُه إلّا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه شُعبة (١) وسفيانُ ومالكٌ، ویُروى عن شُعْبة أنَّه قال: وددت أنَّ عبد الله بن دینار لمَّا حدَّث بهذا الحديث أذِنَ لي حتَّى كنتُ أقوم إليه فأُقبّل رأسَه. قال التِّرمِذيّ: وروى يحيى بن سُلَيم عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمرَ - يعني هذا الحديث - قال: وهو وَهْمٌ، وإنّما الصَّحيحُ: عن عُبيد الله بن عمرَ عن عبد الله بن دينارٍ(٢). قلت: وَصَلَ روايَةَ يحيى بن سُليم ابنُ ماجَهْ (٢٧٤٨)، ولم يَنْفَرِد به يحيى بن سُلَيم، فقد تابَعَه أبو ضَمرة أنسُ بن عِياض ويحيى بن سعيد الأُمَويّ كلاهما عن عُبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤٨٠٧ و٤٨٠٩) من طريقهما، لكن قَرَنَ كلٌّ منهما نافعاً بعبد الله بن ٤٤/١٢ دينار،/ وأخرجه ابن حِبّان في ((الثُّقات)) (٤/٨) في ترجمة أحمد بن أبي أوفَ، وساقَه من طريقه عن شُعبة عن عبد الله بن دینار وعمرو بن دینار جمیعاً عن ابن عمر، وقال: عَمْرو بن دينار غريب. (١) تحرَّف في (س) إلى: سعید. (٢) من قوله: ((عن ابن عمر - يعني -... )). إلى هنا، وسقط من (س). ٣٧٥ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ كتاب الفرائض وقد اعتَنَى أبو نُعَيم الأصبهانيّ بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار، فأورَدَه عن خمسة وثلاثينَ نفساً مَمَّن حدَّث به عن عبد الله بن دينار، منهم من الأكابر: يحيى بن سعيد الأنصاريُّ وموسى بن عُقْبة ويزيد بن الهاد وعُبيد الله العمريّ، وهؤلاءٍ من صِغار التابعين، وثمَّن دُونَهم: مِسعَرٌ والحسنُ بن صالح بن حَيّ ووَرْقاء وأيوب بن موسى وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار وعبد العزيز بن مسلم وأبو أويس، وتمَّن لم يقع له: ابن جُرَيج وهو عند أبي عَوَانة (٤٨٠٨)، وسليمان بن بلال وهو عند مسلم (١٦/١٥٠٦)، وأحمد بن حازم المعافريّ في ((جُزء الهَرَويِّ)) من طريق الطبرانيّ. قوله: ((عن ابن عمر)) في رواية أبي داود الحَفَريّ عن سفيان عند الإسماعيليّ: سمعت ابن عمر، وكذا مضى في العِتق (٢٥٣٥) من رواية شُعْبة، وفي ((مُسنَدَ الطَّيالسيِّ)) (١٩٩٧) عن شُعْبة: قلت لعبد الله بن دينار: أنتَ سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم، سألَه ابنه عنه، وذَكَرَه أبو عَوَانة (٤٨٠٩م) عن بهز بن أسَد عن شُعْبة: قلت لابنِ دينار: أنتَ سمعتَه من ابنِ عمرَ؟ قال: نعم، وسألَه ابنه حمزةُ عنه، وكذا وَقَعَ في رواية عَفّان عن شُعْبة عند أبي نُعَيم، وأخرجه من وجه آخر: أنَّ شُعْبة قال: قلت لابنِ دينار: الله لقد سمعتَ ابنَ عمر يقول هذا؟ فيحلِف له. وقيل لابنِ عُيَينةَ: إنَّ شُعْبة يَستَحِلِف عبد الله بن دينار، قال: لكنّا لم نَستَحِلِفه سمعته منه مِراراً، رُوِّيناه في ((مُسنَدَ الْحُميديِّ)) (٦٣٩) عن سفيان، وأخرجه الدّارَ قُطْنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق الحسن بن زيادِ اللُّؤْلُؤيِّ عن مالك عن ابن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر: أنَّه سألَ أباه عن شِراء الولاء، فذَكَر الحديث، فهذا ظاهرُه أنَّ ابنَ دينار لم يَسمعْهُ من ابن عمر، ولیس کذلك. وقال ابن العربيّ في «شرح التِّرمِذيّ)): تفرّد بهذا الحديث عبد الله بن دینار، وهو من الدَّرَجة الثّانية من الخبر، لأنَّه لم يَذكُر لفظ النبيِّ ◌َّهِ، وكأنَّه نَقَلَ معنى قول النبيِّ ◌َ: ((إنَّما الولاء لمن أعتَقَ)). ٣٧٦ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ويُؤْيِّده أنَّ ابن عمر روى هذا الحديث عن عائشة في قصَّة بَريرة كما مضى في العِتق(١)، لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر، أخرجه النَّسائيُّ(٢) وأبو عَوَانة (٤٨٠١) من طريق اللَّيث عن يحيى بن أيوب عن مالك، ولفظه: سمعت النبيَّ وَلَيَنْهَى عن بيع الولاء وعن هِيَتِه. ووَقَعَ في رواية محمَّد بن سليمان(٣) التي أشرت إليها بلفظ: ((الولاء لا يُباع ولا يوهَب))، وفي رواية غسّان(٤) بن عُبيد عن شُعْبةٍ مِثله، ذكره أبو نُعَيم، وزاد محمَّد بن سليمان الحَرّاني(٥) فِي السَّنَد عن ابن عمر: عن عمر، فوهمَ، أخرجه الدّارَ قُطْنيُّ أيضاً وضَعَّفَه. واتَّفَقَ جميع مَن ذَكَرنا على هذا اللَّفظ، وخالَفَهم أبو يوسف القاضي فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ: ((الولاء ◌ُمةٌ كَلُحمة النَّسَب)) أخرجه الشافعيّ (٢/ ٧٣٦٧٢)، ومن طريقه الحاكم (٤/ ٣٤١) ثمَّ البيهقيُّ (٢٩٢/١٠)، وأدخَلَ بشرُ بنُ الوليد بين أبي يوسف وبين ابن دينار: عُبيدَ الله بن عمر، أخرجه أبو يَعْلى في ((مُسنَده)) عنه. وأخرجه ابن حِبّان في «صحيحه)) (٤٩٥٠) عن أبي يَعْلى، وأخرجه أبو نُعَيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعيَنَ عن بشر، فزاد في المتن: ((لا يُباع ولا یوهَب))، ومن طریق عبد الله بن نافع عن عبد الله بن دينار: ((إنَّما الولاء نَسَبٌ، لا يَصْلُحُ بيعُه ولا هِبَتُه))، والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٦١٤٩) (١) عند شرح الحديث (٢٥٦٢). (٢) رواية النسائي (٤٦٥٨) عن قتيبة بن سعيد عن مالك، به، ولفظها: أنَّ رسول الله وَ ◌ّ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. أما الطريق التي ذكرها الحافظ فهي عند أبي عوانة كما ذكر، والله أعلم. (٣) في (أ) و(س) ((محمد بن أبي سليمان)) وسقطت من (ع) والصواب ما أثبتنا ، فهو محمد بن سليمان بن أبي داود الحرّاني، أبو عبد الله. وروايته هذه أخرجها الدولابي في ((الكنى)) (١٤٥٥)، وذكرها ابن عبد البر في (التمهيد)» ٣٣٣/١٦ وقال: ولم يُتابعه أحدٌ على ذلك. ولم يَسْبِقِ للحافظ أن أشار إلى هذه الرواية كما ذكر. وإنما ذكر رواية أبي داود الحَفَري وعزاها للإسماعيلي. (٤) تحرَّف في (ع) إلى: ((عتاب))، وفي (س) إلى ((عتبان))، وهو غسان بن عُبيد الموصلي ولم نقف على روايته فيما بين أيدينا من مصنفات أبي نعيم، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)) (١٤٨٤٣) وقال: يروي عن شعبة نسخةً مستقيمة. (٥) تحرَّف في الأصلين إلى: الخزار، وفي (س) إلى: الخراز، وما أثبتناه هو الصواب، وروايته سلف تخريجها عند الدولابي، وذكرها الدار قطني في ((العلل)) ١٣ /٦٢ كما أشار إلى ذلك الحافظ. ٣٧٧ باب ٢١ / ح ٦٧٥٦ كتاب الفرائض عن الثَّوْريِّ عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب موقوفاً عليه: الولاءُ لُحمةٌ كَلُحْمةٍ النَّسَبِ، وكذا ما أخرجه البزَّار (٥٢٤٥) والطبرانيُّ (١٠٦٨٤/١٠) من طريق سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه عن جَدِّه رَفَعَه: ((الولاء ليس بمُنتَقِلٍ ولا مُتَحوِّلٍ))، وفي سنده المغيرة بن جميل وهو مجهول، نعم عن ابن عبّاس من قوله: ((الولاءُ لمن أعتَقَ)) لا يجوز بيعُه ولا هِبتُه. وقال ابن بَطّال: أجمَعَ العلماء على أنَّه لا يجوز تحويل النَّسَب، فإذا كان حُكمُ الولاء حُكمَ النَّسَب، فكما لا يَنْتَقِلِ النَّسَبُ لا يَنْتَقِل الولاءُ، وكانوا في / الجاهليَّة يَنْقُلونَ الولاء بالبيع وغيره، ٤٥/١٢ فنَھَى الشَّرع عن ذلك. وقال ابن عبد البَرّ: اتَّفَقَ الجماعة على العمل بهذا الحديث، إلّا ما رويَ عن ميمونة: أنَّهَا وهَبَت ولاءَ سليمان بن يسار لابنِ عبَّاس(١)، وروى عبد الرَّزّاق (١٦١٥٢) عن ابن جُرَيج عن عطاء: يجوز للسَّيِّدِ أن يأذَن لعبده أن يواليَ مَن شاءً. قلت: وقد تقدَّم البحث فيه في الباب الذي قبله. وقال ابن بَطّال وغيرُه: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عُرْوة، وجاء عن ميمونةً جوازُ هِبَة الولاء، وكذا عن ابن عبّاس، ولعلَّهم لم يَبلُغهم الحديثُ. قلت: قد أنكَرَ ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرَّزّاق (١٦١٤٢) عنه: أنَّه كان يقول: أيبيعُ أحدُكم نَسَبَه؟ ومن طريق عليّ (١٦١٤١): الولاء شُعْبٌ من النَّسَب، ومن طريق جابر (١٦١٤٣): أنَّه أنكَرَ بيع الولاء وهِبَتَه، ومن طريق عطاء: أنَّ ابن عمر كان يُنكِرُه(٣)، ومن طريق عطاء عن ابن عبَّاس (١٦١٤٤): لا يجوز، وسنده صحيح، ومن ثَمَّ فصَّلوا في النَّقل عن ابن عبّاس بينَ البيعِ والهِبةِ. (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١١/ ٤٢٠ عن ابن عيينة عن عمرو - وهو ابن دينار - فذكره. وانظر ((الأم)) للشافعي ٤/ ٨٢. (٢) في المطبوع من ((المصنف)) (١٦١٥٥): من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. ٣٧٨ باب ٢٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن العربيّ: معنى ((الولاء ◌ُمةٌ كلُحْمةِ النَّسَبِ)): أنَّ الله أخرجه بالحرية(١) إلى النَّسَب حُكماً، كما أنَّ الأَبَ أخرجَه بالنُّطفة إلى الوجود حِسّاً، لأنَّ العَبد كان كالمعدوم في حَقّ الأحكام، لا يقضي ولا يَلي ولا يَشْهَد، فأخرجه سَيِّدِه بالْحُرّيَّة إلى وجود هذه الأحكام من عَدَمِها، فلمَّ شابَهَ حُكم النَّسَب أُنْيطَ بالمعتَقِ، فلذلك جاء: ((إنَّما الولاء لمن أَعتَقَ))، وأُلِقَ بُرُتبة النَّسَب فنُهيَ عن بيعه وهِبَتْه. وقال القُرطُبيّ: استُدِلَّ للجُمهورِ بحديثِ الباب، ووجْهُ الدّلالة أنَّه أمرٌ وجوديٌّ لا يَتأَتَّى الانفِكاكُ عنه كالنَّسَب، فكما لا تَنْتَقِل الأُبوّة والجُدودة، فكذلك لا يَنْتَقِل الولاءُ، إلّا أنَّه يَصِحّ في الولاء جَرُّ ما يَتَرتَّب عليه من الميراث، كما لو تزوَّجَ عبدٌ مُعتَقَةَ آخرَ فُوُلِدَ له منها ولد، فإنَّه يَنعَقِد حُرّاً لخُرّيَّة أمّه، فيكون ولاؤُه لمَواليها لو ماتَ في تلكَ الحالة، ولو أعتَقَ السَّيِّد أباه قبل موت الولد، فإنَّ ولاءَه يَنْتَقِل إذا ماتَ لمُعتِقِ أبيه اتّفاقاً. انتهى، وهذا لا يَقدَح في الأصل المذكور: أنَّ الولاء لحمةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لأنَّ التَّشبيه لا يَستَلِزِمُ التَّسويةَ من كلّ وجهٍ، واختُلِفَ فيمَن اشتَرَى نفسَه من سَيِّدِه كالمكاتَبِ، فالجمهورُ على أنَّ ولاءَه لسَيِّدِه، وقيل: لا ولاءَ عليه، وفي ولاءِ مَن أعتَقَ سائبةً (٢)، وقد تقدَّم قريباً (٦٧٥٣). ٢٢ - باب إذا أسلمَ على يَدَيهِ وكان الحسنُ لا يَرَی له وِلایةً. وقال النبيُّ ◌ََّ: ((الولاءُ لِمَن أعتَقَ)). ويُذكَرُ عن تَمِيمِ الدّارِيِّ رَفَعَه قال: ((هو أوْلَى الناسِ بِمَحْيَاهُ وتَمَاتِه))، واختَلَفوا في صِحّةِ هذا الخَبَرِ. (١) كذا في (ع)، ووقع في (أ) و(س): ((بالحُزْمة)) وهو تحريف. (٢) إعتاقُ العبد سائبةً: أن يعتقه ولا ولاءَ له عليه كفعل الجاهلية، فالعتق على هذا ماضٍ بالإجماع، وإنما اختلف في ولائه وفي كراهة هذا الشرط وإباحته على كراهته، وعلى أنّ ولاءه للمسلمين كافّةً، لأنه قَصَد إعتاقه عنهم. انظر ((المطلع على ألفاظ المقنع)) للبعلي ص٣٧٩. ٣٧٩ باب ٢٢ / ح ٦٧٥٧ -٦٧٥٨ كتاب الفرائض ٦٧٥٧ - حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أَنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنينَ أرادت أن تَشْتَرِيَ جاريةً تُعْتِقُها، فقال أهلُها: نَبِيعُكِها على أنَّ ولاءَها لنا، فَذَكَرَتْ لرسولِ الله وَلِّ، فقال: ((لا يَمْنَعُكِ ذلكِ، فإنَّما الولاءُ لِمَن أعتَقَ)). ٦٧٥٨- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: اشتَرَيتُ بَرِيرةَ فاشترَطَ أهلُها ولاءَها، فَذَكَرَتْ ذلك للنبيِّ وَِّ، فقال: ((أَعْتِقِيها، فإنَّ الولاءَ لِمَن أعطَى الوَرِقَ)). قالت: فأعتَقْتُها، قالت: فَدَعاها رسولُ اللهِ وَّةِ﴾ فخَيَّرَها من زَوْجِها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بِتُّ عندَه، فاختارَت نفسَها. قوله: (باب إذا أسلَمَ على يَدَيه)) كذا للنَّسَفِيّ، وزاد الفَرَبريّ والأكثر: رجل، ووَفَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ:/ الرجل، وبالتَّكير أوْلى. ٤٦/١٢ قوله: ((وكان الحسن لا يَرَى له وِلاية)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولاءً)) بالهمز بَدَل الياء، من الوَلاءِ، وهو المراد بالولاية، وأثر الحسن هذا - وهو البصريّ - وَصَلَه سفيان الثَّوْرِيُّ في ((جامعه)) عن مُطرِّفٍ عن الشَّعبيّ، وعن يونس - وهو ابن عُبيد - عن الحسن في الرجل يُوالي الرّجلَ، قالا: هو بين المسلمينَ، وقال سفيان: وبذلك أقول. وأخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة (١١/ ٤١١) عن وكيع عن سفيان، وكذا رواه الدَّارِميُّ (٣٠٣٢) عن أبي نُعَيم عن سفيان، وأخرجه ابن أبي شَيْبة أيضاً (١١/ ٤١٢) من طريق يونس عن الحسن: لا يَرِثُه، إلّا إن شاءً أوصى له بماله. قوله: ((ويُذكَر عن تَميمِ الدّاريّ رَفَعَه: هو أوْلَى الناس بمَحْياهُ وَمَاتِه)) هذا الحديث أغفَلَه مَنْ صَنَّفَ في ((الأطراف)) وكذا مَن صَنَّفَ في رجال البخاريّ، لم يَذْكُرُوا تَميماً الدّاريّ فيمَن أخرج له، وهو ثابت في جميع النُّسَخ هنا. وذكر البخاريّ من روايته حديثاً في الإيمان لكن جعله ترجمةَ بابٍ، وهو: ((الدّينُ النَّصيحة))(١)، وقد أخرجه مسلم (٥٥) من حديثه وليس له عنده غيره، وقد تَكلَّمت عليه هُناكَ، وذكرتُه من حديث أبي هريرة وغيره أيضاً، فلم يَتَعيَّن (١) ورقم الباب فيه (٤٢). ٣٨٠ باب ٢٢ / ح ٦٧٥٨ فتح الباري بشرح البخاري المرادُ في تَميم، وهو ابن أوس بن خارجة بن سواد اللَّخميّ ثمَّ الدّاريّ، نُسِبَ إلى بَني الدّار ابن لَخْمٍ، وكان من أهلِ الشّام ويَتَعاطَى التِّجارةَ في الجاهليَّة، وكان يُهدي للنبِّ وَّ فِيقبلُ منه، وكان إسلامه سنةَ تِسع من الهجرة، وقد حدَّث النبيّ ◌َّ أصحابَه وهو على المِنْبَرَ عن تَميم بقصَّة الجَسّاسة والدَّجّال(١)، وعُدَّ ذلك في مناقبه، وفي رواية الأكابر عن الأصاغر. وقد وجدتُ روايةَ النبيّ وَِّ عن غيرِ تَميمٍ، وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله بن مَندَه في ((مَعِرِفة الصحابة)) في ترجمة زُرْعة بن سيف بن ذي يَزَن، فساقَ بسندِه إلى زُرعة: أنَّ النبيَّ وَلِ﴿ كَتَبَ إليه كتاباً، وفيه: ((وأنَّ مالك بن مُزَرِّد(٢) الزُّهاويَّ قد حدَّثني: أنَّك أسلَمت وقاتَلت المشرِكينَ فأبشر بخيرٍ)) الحديثَ. وكان تَيمٌ الدّاريّ من أفاضلِ الصحابة وله مناقب، وهو أوَّل مَن أسرَجَ المساجدَ وأوَّلُ مَن قَصَّ(٣) على الناس، أخرجهما الطبرانيّ(٤)، وسَكَنَ تَيم بيت المقدس، وكان سألَ النبيّ وَّهِ أَن يُقطِعَه عَيْنون وغيرها إذا فُتِحَت ففَعَلَ، فَتَسَلَّمَها بذلك لمَّا فُتِحَت في زمن عمر، ذكر ذلك ابن سعد وغيره، وماتَ تَميم سنة أربعينَ. وقوله: ((رَفَعَه)) هو في معنى قوله: قال رسول الله بَّه ونحوها، وقد وَصَلَه البخاريّ في (١) أخرجه مسلم (٢٩٤٢) (١١٩)، وأبو داود (٤٣٢٦) و(٤٣٢٧)، وابن ماجه (٤٠٧٤)، والترمذي (٢٢٥٣) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. (٢) كذا في الأصلين و(س) كما في ((الإصابة)) ٧٤٨/٥، و((أسد الغابة)) ٢٤٥/٥ ووقع في الكثير من كتب التراجم ((ابن مرَّة))، وقد ذكر الحافظ التعدُّد في اسمه فقال: ابن مرارة، ويقال: ابن مرّة، ويقال: ابن مزرد. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: قضى. (٤) الأثر الأول أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٤٧) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف جداً، فيه خالد بن إياس وهو متروك، وقد اضطرب خالد هذا في اسم صحابيه، فقد أخرجه ابن ماجه (٧٦٠) من طريقه فجعله من حديث أبي سعيد اخدري. أما الأثر الثاني فقد أخرجه الطبراني (٦٦٥٦) من طريق بقية بن الوليد عن الزبيدي عن الزهري عن السائب بن يزيد، وهو من هذا الطريق في ((مسند أحمد)) (١٥٧١٥)، وإسناده ضعيف أيضاً من أجل بقية ابن الوليد فهو مدلس تدليس التسوية.