Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ١٥ / ح ٦٧٤٦
كتاب الفرائض
السُّدُس، ثمَّ قَسَمَ ما بَقِيَ بينهما(١).
وأخرج يزيدُ بن هارونَ(٢) والدَّارِمِيُّ (٢٨٨٩) من طريق الحارث قال: أُتيَ عليٍّ في ابنَي عَمِّ
أحدُهما أخٌ لأُمِّ، فقيلَ له: إنَّ عبد الله كان يُعطي الأخَ للأُمِّ المالَ كلَّه، فقال: يرحمه الله إن كان
لَفقيهاً، ولو كنت أنا لَأَعطَيت الأخَ من الأُمّ السُّدُسَ، ثمَّ قَسَمت ما بَقِيَ بينهما.
قال ابن بَطّال: وافَقَ عليّاً زيدُ بنُ ثابِتٍ والجمهور. وقال عمر وابن مسعود: جميع المال
- يعني الذي يَبقَى بعد نَصيب الَّوجِ - للَّذِي جَمَعَ القَرابَتَينِ: فَلَه السُّدُسُ بالفَرض،
والثُّلثُ الباقي بالتَّعصيب، وهو قولُ الحسنَ وأبي ثور وأهلِ الظّاهر، / واحتَجُّوا بالإجماع ٢٨/١٢
في أخَوينِ: أحدُهما شَقِيق والآخَرُ لأبِ أنَّ الشَّقيقِ يَستَوعِب المال لكَونِهِ أقرَبَ بأُمِّ، وحُجّة
الجمهور ما أشارَ إليه البخاريّ في حديث أبي هريرة الذي أورَدَه في الباب بلفظ: ((فمَن
ماتَ وتَرَكَ مالاً فمالُه لَوالي العَصَبةِ)) والمراد بمَوالي العَصَبة بنو العَمّ، فسوَّى بينهم ولم
يُفضِّل أحداً على أحدٍ، وكذا قال أهل التَّفسير في قوله: ﴿ وَ إِى خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾
[مريم: ٥]، أي: بني العَمّ. فإن احتَجّوا بالحديث الآخر المذكور في الباب أيضاً من حديث
ابن عبّاس: ((فما تَرَكَتِ الفرائضُ فِلأَولَى رجلٍ ذَكَرٍ)) فالجواب أَّهما من جهة التَّعصيب
سواء، والتَّقدير: أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلِها؛ أي: أعطُوا أصحابَ الفُروض حَقَّهم، فإن بَقِيَ
شيء فهو للأقرَب، فلمَّا أخَذَ الَّوجِ فرضَه والأخَ من الأُمّ فرضَه، صارَ ما بَقِيَ مَوروثاً
بالتَّعصيب، وهما في ذلك سواء، وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للأُمِّ، أحدُهم ابنُ عمّ: أنَّ
للثلاثة الثُّلُثَ والباقي لابنِ العَمّ.
قال المازَرِيُّ: مراتب التَّعصيب: البُنوَّة، ثمَّ الأُبوّةُ، ثمَّ الجُدودةُ، فالابن أَوْلى من الأب
(١) أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) برقم (١٩٠) من طريق هُشَيم عن أوس بن ثابت الأنصاري عن
حكيم بن عِقَال بأخصَرَ مما ساقه الحافظ هنا وبحوارٍ آخر بينهما، والسياق المذكور أخرجه البيهقي في
((الكبرى)» ٦/ ٣٩٣ من طريق حماد بن سلمة عن أوس بن ثابت، به. وقال: ورواه أيضاً شعبةُ عن أوسٍ
الأنصاري.
(٢) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٦/ ٢٤٠ واللفظ المذكور لفظه.

٣٤٢
باب ١٥ / ح ٦٧٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
وإن فُرِضَ له معه السُّدُسُ، وهو أوْلى من الإخوة وبَنِيهم، لأنَّهم يَنْتَسِبونَ بالمشاركة في
الأُبوّة والجُدودة، والأبُ أولى من الإخوة ومن الجدّ، لأنَّهم به يَنْتَسِبونَ فيَسقُطُونَ مع
وُجُودِهِ، والجدُّ أوْلى من بني الإخوة لأنَّه كالأبِ معهم، ومن العُمومة لأنَّهم به يَنْتَسِبونَ،
والإخوة وبَنوهم أوْلى من العُمومة وبَنيهم، لأنَّ تَعصيبَ الإخوة بالأُبَوَّة، والعُمومةَ
بالجُدُودِةِ، هذا تَرتيبُهم وهم مُختلفون في القُرب، فالأقرَبُ أوْلى كالإخوة مع بنيهم
والعُمومة مع بنيهم، فإن تَساووا في الطَّقة والقُرب ولأحدِهما زيادةُ ترجيح(١) كالشَّقيق
مع الأخٍ لأبٍ قُدِّمَ، وكذا الحال في بَنِيهم وفي العُمومة وبَنيهم، فإن كانت زيادة التَّرجيح
بمعنى غير ما هما فيه كابنَي عَمِّ أحدُهما أخٌ لأُمِّ، فقيلَ: يَستَمِزُّ التَرجيحُ فيأْخُذُ ابنُ العَمِّ
الذي هو أخٌّ لِأُمِّ جميعَ ما بَقِيَ بعدَ فَرْضِ الزَّوجِ، وهو قولُ عمرَ وابنِ مسعود وشُرَيحٍ
والحسَنِ وابنِ سِيرِين والنَّخَعيِّ وأبي ثَورِ والطََّريّ وداودَ، ونُقِلَ عن أشھَبَ.
وأبى ذلك الجمهور فقالوا: بل يأخذ الأخ من الأُمّ فَرْضَه ويَقسِم الباقي بينهما، والفَرقُ بين
هذه الصّورة وبين تَقَدُّم الشَّقيق على الأخ لأبٍ طريق التَّرجيح، لأنَّ الشَّرط فيها أن يكون فيه
معنَى مُناسبٌ لجهة التَّعصيب، لأنَّ الشَّقيق شارَكَ شَقِيقه في جهة القُرب المتعلِّقة بالتَّعصيبِ،
بخِلَاف الصّورة المذكورة، والله أعلم.
قوله: ((حذَّثنا محمود)» هو ابن غَيْلان، وعُبيدُ الله شيخُه: هو ابن موسى، وقد حدَّث البخاريّ
عنه كثيراً بغير واسطة، وإسرائيلُ: هو ابن يُونسَ بنُ أبي إسحاق، وأبو حَصين بفتح أوَّله: هو
عثمان بن عاصم، وأبو صالح: هو ذَكْوانُ السَّمان.
قوله: ((أنا أوْلَى بالمؤمنينَ من أنفُسهم)) زاد في رواية الأَصِيلِيّ هنا: «أزواجُه أُمَّهاتُهم)). قال
عياض: وهي زيادة في الحديث لا معنى لها هنا.
قوله: ((فلأُدْعَى له)) قال ابن بَطّال: هي لامُ الأمر، أصلُها الكسرُ وقد تُسكّنُ مع الفاء والواو
غالباً فيهما، وإثبات الألف بعد العین جائز كقوله:
أَلَمْ يأْتِيكَ والأخبارُ تَنْمي
(١) قوله: ((ترجيح)) من (أ)، وسقط من (ع) و(س).

٣٤٣
باب ١٦ / ح ٦٧٤٧
كتاب الفرائض
والأصل عَدَم الإشباع للجَزم، والمعنى: فادعوني له أقوم بكلِّه وضياعِه.
قوله: ((والكَلُّ العيالُ)) ثَبَتَ هذا التَّفسير في آخر الحديث في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ.
وأصل الكَلِّ: الفِّقَلُ، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ أمرٍ يَصعُب، والعيالُ: فَردٌ من أفرادِه، وقال
صاحبُ (الأساس))(١): كَلَّ بَصَرُه فهو كَليلٌ، وكَلَّ عن الأمرِ: لم تَنْبَعِث نفسُه له، وكَلَّ
كَلالةً، أي: قَصُرَ عن بلوغِ القَرابة.
وقد مضى شرح حديث ابن عبّاس في أوائل الفرائض (٦٧٣٢).
ورَوْحٌ شيخ يزيد بن زُرَيعٍ فيه: هو ابن القاسم العَنْبَرِيُّ.
١٦ - باب ذَوِي الأرحامِ
٦٧٤٧ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: قلتُ لأبي أسامةَ: حدَّثكم إدْرِيسُ، حدَّثنا ٢٩/١٢
طَلْحَةٌ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، قال: كان المهاجِرونَ حينَ قَدِموا المدينةَ يَرِثُ الأنصاريُّ المهاجِرِيَّ
دونَ ذَوِي رَحِهِ، للأُخوّةِ التي آخَى النبيُّ ◌َّ بِينَهم، فلمَّا نزلت: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾
قال: نَسَخَتْها: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾.
قوله: ((باب ذَوي الأرحام)) أي: بيان حُكمِهم وهل يَرِثونَ أو لا؟ وهم عشرةُ أصنافٍ:
الخالُ والخالةُ، والجَدُّ للأُمّ، ووَلدُ البنتِ، ووَلدُ الأُختِ، وبنتُ الأخِ، وبنتُ العَمِّ، والعَمّةُ،
والعَمُّ للأُمِّ، وابنُ الأخ للأُمّ، ومَن أدلى بأَحَدٍ منهم، فمَن ورَّثَهم قال: أوْلاهُم: أولادُ
البنتِ، ثمَّ أولادُ الأُختِ وبناتُ الأخ، ثمَّ العَمُّ والعَمّةُ، والخالُ والخالةُ، وإذا استَوى اثنان
قُدِّمَ الأقرَبُ إلى صاحب فَرْضٍ أو عَصَبةٍ.
قوله: ((إسحاق بن إبراهيم)) هو الإمامُ المعروفُ بابنِ راهَوَیه.
قوله: ((قلت لأبي أسامة: حدَّثكم إدريسُ)) أي: ابن يزيد بنُ عبد الرَّحمن الأَوْدِيُّ والد
(١) ((أساس البلاغة)) للزمخشري ٢/ ١٤٥ (كلل).
١

٣٤٤
باب ١٦ / ح ٦٧٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله، وطلحةُ شيخُه: هو ابن مُصرِّف، وقد نَسَبَه المصنّف في التَّفسير (٤٥٨٠) من رواية
الصَّلت بن محمَّد عن أبي أسامة، وقال في آخِرِه: سمعَ إدريسُ من طلحة وأبو أُسامة من
إدريس، وقد صرَّحَ هنا بالثّاني.
ووَقَعَ في رواية أبي داود (٢٩٢٢) عن هارونَ بنِ عبد الله عن أبي أسامةَ: حدَّثني
إدريسُ بنُ يزيدَ حدَّثنا طَلحةُ بن مُصرِّفٍ. وكذا أخرجه الإسماعيليّ عن الهِنْجانيِّ(١) عن
أبي كُرَيب عن أبي أُسامة، وكذا عند الطَّريّ (٥٠/٥) عن أبي كُرَيب.
قوله: (﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾، ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ (٢)أَيْمَنُكُمْ﴾ قال: كان المهاجِرونَ
حين قَدِموا المدينة يَرِث الأنصاريُّ المهاجِريّ دونَ ذَوي رَحِمِهِ، للأَخوّة التي آخَى النبيُّ ◌ِّ بينهم،
فلمَّاً نزلت: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: نَسَخَتها ﴿ وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ ﴾)) قال ابن
بَطّل: كذا وَقَعَ في جميع النُّسَخِ: نَسَخَتها: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، والصَّواب أنَّ
المنسوخة: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ والناسخة: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ ﴾، قال: ووَقَعَ
في رواية الطََّريّ (٥٢/٥) بيان ذلك ولفظُه: فلمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾
نُسِخَت.
قلت: وقد تقدَّم في الكفالة (٢٢٩٢) والتَّفسير (٤٥٨٠) من رواية الصَّلت بن محمَّد
عن أبي أُسامة مِثل ما عَزاه للطََّرَيِّ، فكان عَزْوُه إلى ما في البخاريّ أَوْلى، مع أنَّ في سياقه
فائدةً أُخرى وهو أنَّه قال: ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾: وَرَثَةً، فأفادَ تفسيرَ الموالي بالورَثة،
وأشار إلى أنَّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ ابتداءُ شيءٍ يريد أن يُفسِّرَه أيضاً، ويُؤيِّدُه
أَنَّه وَقَعَ في رواية الصَّلت: ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ﴾، وبَقِيَ قوله: (نَسَخَتها)) مُشكِلاً كما قال
ابن بَطّال.
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: الهنجاني. والهِسِنجاني: هو إبراهيم بن يوسف بن خالد، أبو إسحاق الرازي، الحافظ
المشهور، روى عنه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي. انظر ((الإكمال)» لابن ماکولا ٣٢٢/٧.
(٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((عَقَدَت)) بغير ألف. ((السبعة))
لابن مجاهد ص٢٣٣

٣٤٥
باب ١٦ / ح ٦٧٤٧
كتاب الفرائض
وقد أجابَ ابن المنيِر في ((الحاشية)) فقال: الضَّمير في ((نَسَخَتها)) عائدٌ على المؤاخاة لا
على الآية، والضَّمير في (نَسَخَتها)) وهو الفاعل المستَِرِ يعود على قوله: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا
مَوَلِىَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ بَدَلٌ من الضَّمير، وأصل الكلام: لمَّا نزلت:
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾ نَسَخَت: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ
وقال الكِرْمانيُّ: فاعلُ ((نَسَخَتها)) آيةُ ﴿جَعَلْنَا﴾، ((والذينَ عاقَدَتْ)) منصوبٌ بإضمارِ:
أَعْنِي.
قلت: ووَقَعَ في سياقه هنا أيضاً موضعٌ آخَرُ وهو أنَّه عَبَّرَ بقولِه: «يَرِث الأنصاريّ
المهاجِريَّ))، وتقدَّم في رواية الصَّلت بالعكس، وأجابَ عنه الكِرْمانيُّ بأنَّ المقصود إثبات
الوراثة بينهما في الجملة. قلت: والأولى أن يُقرأ ((الأنصاريَّ)) بالنَّصبِ على أنَّه مفعولٌ مُقدَّمٌ
فتَتَّحِد الرِّوايتان.
ووَقَعَ في رواية الصَّلت موضع ثالث مُشكِل، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
من النَّصر ... إلى آخره، وظاهر الكلام أنَّ قوله: ((من النَّصر)) يَتَعلَّق - بـ((عاقَدَتْ أيمانُكُم))،
وليس كذلك، وإنَّما يَتَعلَّق بقولِه: ﴿فَشَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، وقد بيَّن ذلك
أبو كريب في روايته،/ وكذلك أخرجه أبو داود (٢٩٢٢) عن هارون بن عبد الله عن أبي ٣٠/١٢
أُسامة، وقد تقدَّمَت في تفسير النِّساء (٤٥٨٠) عِدّةُ طُرقِ لذلك مع إعراب الآية، والكلام
على حُكم المعاقَدة المذكورة ونَسْخِها بما يُغني عن إعادته، والمراد بإيرادِ الحديث هنا أنَّ قوله
تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ نَسَخَ حُكم الميراث الذي دَلَّ عليه: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ
قال ابن بَطّال: أكثرُ المفسِّرِينَ على أنَّ الناسخ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
قوله تعالى في الأنفال: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وبذلك
جَزَمَ أبو عُبيد في ((الناسخ والمنسوخ)).
قلت: كذا أخرجه أبو داود (٢٩٢١) بسندٍ حسنٍ عن ابن عبّاس.

٣٤٦
باب ١٦ / ح ٦٧٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن الجَوْزيّ: كان جماعة من المحدِّثينَ يَروونَ الحديث من حِفظِهم فَتَقْصُر
عِباراتُهم، خصوصاً العَجَم، فلا يبينُ للكلام رَونَقُ مِثلِ هذه الألفاظِ في هذا الحديث،
وبيان ذلك أنَّ مُراد الحديث المذكور: أنَّ النبيَّ وََّ كان آخَى بين المهاجِرِينَ والأنصار،
فكانوا يَتَوَارَثونَ بتلكَ الأُخوّة ويَرَوَها داخلة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾،
فلمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اَللَّهِ﴾ نُسِخَ الميراثُ بين
المتعاقدَينِ، وبَقِيَ النَّصْرُ والرِّفادةُ وجواز الوصيّة لهم، وقد وَقَعَ في رواية العَوْفِيِّ عن ابن
عبَّاس(١) بيان السَّبَب في إرثِهم قال: كان الرجل في الجاهليّة يَلحَق به الرجل فيكون تابِعَه،
فإذا ماتَ الرجل صارَ لأقاربِهِ الميراث، وبَقِيَ تابعُه ليس له شيءٌ، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكانوا يُعطونَه من ميراثِهِ، ثمَّ نزلت: ﴿وَأَوْلُوْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِنَبِ اُللَّهِ﴾ فَنُسِخَ ذلك.
قلت: والعَوْفيّ ضعيفٌ، والذي في البخاريِّ هو الصَّحيح المعتمَدُ، وتَصحيحُ السِّياقِ قد
ظَهَرَ من نفس الرِّواية، وأنَّ بعض الزُّواة قَدَّمَ بعضَ الألفاظ على بعض، وحَذَفَ منها شيئاً، وأنَّ
بعضَهم ساقَها على الاستقامة، وذلك هو المعتمَد.
قال ابن بَطّال: اختَلَفَ الفقهاء في تَوريث ذوي الأرحام: وهُمْ مَن لا سَهمَ له، ولیس
بِعَصَبةٍ: فَذَهَب أهلُ الحِجاز والشّام إلى مَنعِهم الميراثَ.
وذهب الكوفيّونَ وأحمدُ وإسحاقُ إلى تَوريثهم، واحتَجّوا بقولِه تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، واحتَجَّ الآخَرونَ بأنَّ المراد بها مَن له سَهمٌ في كتاب الله، لأنَّ آيَةً
الأنفال مُجُمَلةٌ وآيةَ المواريث مُفسِّرة، وبقولِهِ وََّ: ((مَن تَرَكَ مالاً فِلِعَصَيَتِهِ))(٢)، وأنَّهم أجمَعوا
على تَرْك القول بظاهِرِها، فجَعَلوا ما يَخِلُّفُه المعتوقُ إرثاً لعَصَبَتِه دونَ مَواليه، فإن فُقِدوا
فلِمَوالیهِ دونَ ذَوِي رَحِه، واختلفوا في توریثھم.
(١) أخرجها ابن جرير الطبري في ((جامع البيان)) ٥٣/٥.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الدارمى (٢٥٩٤)، وأحمد (١٠٨١٦) من حديث أبي هريرة، وسلف عند البخاري
برقم (٢٢٩٨)، وأخرجه مسلم برقم (١٦١٩) بلفظ: ((فلورثته)).

٣٤٧
باب ١٧ / ح ٦٧٤٨
كتاب الفرائض
فقال أبو عُبيد: رأى أهلُ العراق رَدَّ ما بَقِيَ من ذَوي الفُروض إذا لم تكن عَصَبةٌ على
ذَوي الفُروض، وإلّا فِعَلَيهم وعلى العَصَبة، فإن فُقِدوا أَعْطَوْا ذوي الأرحام، وكان ابن
مسعود يُنزِّل كلَّ ذي رَحِمِ مَنِزِلَةَ مَن يَجُرّ إليه، وأخرج بسندٍ صحيحٍ عن ابن مسعود: أنَّه
جَعَلَ العَمّةَ كالأبِ والخالةَ كالأُمِّ، فَقَسَمَ المالَ بينَهما أثلاثاً(١). وعن عليّ: أنَّه كان لا يَرُدّ
على البنت دونَ الأُمّ، ومن أدلّتِهِم حديث: ((الخال وارث مَن لا وارثَ له))، وهو حديثٌ
حسنٌ أخرجه الثِّرمِذيّ وغيره(٢).
وأُجيبَ عنه بأنَّه يحتمل أن يُرادَ به إذا كان عَصَبةٌ، ويَحَتمِل أن يُرِيدَ بالحديث المذكورِ
السَّلْبَ، كقولهم: الصَّبر حِيلةٌ مَن لا حِيلةَ له، ويحتمل أن يكون المرادُ به السُّلطانَ، لأنَّه
خال المسلمينَ، حكى هذه الاحتمالات ابنُ العربيّ.
١٧ - بابُ مِيراثِ المُلاعَنِةِ
٦٧٤٨ - حدَّثني يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمررضي الله عنهما: أنَّ رجلاً
لا عَنَ امرأته في زَمَنِ النبيِّ وَّهِ، وانتَفَى من وَلِدِها، ففَرَّقَ النبيُّ ◌َ بينَهما، وألحَقَ الولدَ بالمرأةِ.
قوله: ((باب ميراث الملاعَنة)) بفتح العين المهمَلة ويجوز كسرُها، والمراد بيان ما تَرِثُه من ٣١/١٢
وَلَدِها الذي لاعَنَت عليه.
ذكَرَ فيه حديث ابن عمرَ المختصرَ في الملاعَنة، وقد مضى شرحُه في كتابِ اللِّعان (٥٣٠٦)،
ومن وجهٍ آخر مُطوَّلٍ (٥٣١٢) عن ابن عمر، ومن حديث سهل بن سعد (٥٣٠٨).
والغَرضُ منه هنا قولُه: ((وأَلحَقَ الولدَ بالمرأة)) وقد اختَلَفَ السَّلَف في معنى إلحاقه بأُمّه
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩١١٥)، وابن أبي شيبة ١١/ ٢٦١، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (١٥٥) من
طرق عنه.
(٢) في ((جامعه)) برقم (٢١٠٣) من حديث عمر بن الخطاب، وبرقم (٢١٠٤) من حديث عائشة، وحديث عمر
أخرجه أيضاً أحمد (١٨٩) و(٣٢٣)، وابن ماجه (٢٧٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣١٧)، ويُروى من
حديث المقدام بن معدي كرب أخرجه أحمد (١٧١٧٥)، وأبو داود (٢٩٠١)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، والنسائي
(٦٣٢٠)، وهو حديث صحيح.

٣٤٨
باب ١٧ / ح ٦٧٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
مع اتِّفاقهم على أنَّه لا ميراثَ بينَه وبينَ الذي نَفاهُ، فجاء عن عليٍّ وابن مسعود: أنَّهما قالا في
ابن المُلاعَنة: عَصَبَتَه عَصَبةُ أُمِّه، يَرِثهم ويَرِثونَه. أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٣٩/١١)، وبه
قال النَّخَعِيُّ والشَّعبيُّ.
وجاء عن عليّ وابن مسعود: أنَّهما كانا يَجعلانِ أُمَّه عَصَبَةً وحدَها(١)، فتُعطَى المالَ كلَّه،
فإن ماتت أمُّه قبلَه فمالُه لعَصَيَتِها. وبه قال جماعةٌ منهم الحسَنُ وابن سِيرِين ومَكحولٌ
والثَّوْرُّ وأحمدُ في روايةٍ. وجاء عن عليّ: أنَّ ابنَ المُلاعَنة تَرِثُه أمُّه وإخوتُه منها، فإن
فضَلَ شيءٌ فهو لبيتِ المال، وهذا قول زيد بن ثابت وُجُمهور العلماء وأكثر فقهاء
الأمصار (٢). قال مالك: وعلى هذا أدرَكتُ أهلَ العلم، وأخرج عن الشَّعبيّ قال: بَعَثَ أهل
الكوفة إلى الحِجاز في زمن عثمان يسألون عن ميراث ابن الملاعَنة، فأخبروهم أنَّه لأُمّه
وعَصَبَتِها (٣)، وجاء عن ابن عبّاس عن عليٍّ: أنَّه أعطَى الملاعَنة الميراثَ وجعلها عَصَبَةً، قال
ابن عبد البَرّ: الرِّواية الأولى أشهَرُ عند أهل الفرائض.
قال ابن بَطّال: هذا الخِلاف إنَّمَا نَشَأ من حديث الباب حيثُ جاء فيه: ((وألحَقَ الولد
بالمرأة))، لأنَّه لمَّا أُلحِقَ بها قُطِعَ نَسَبُ أبيه، فصارَ كمَن لا أبَ له من أولاد البَغيّ، وَسَّكَ
الآخرونَ بأنَّ معناه: إقامتها مقام أبيه فجَعَلوا عَصَبة أمِّه عَصَبةَ أبيه.
قلت: وقد جاء في المرفوع ما يُقوِّي القول الأوَّل، فأخرج أبو داود (٢٩٠٧) من
رواية مكحول مُرسَلاً، ومن رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه (٢٩٠٨) قال:
جَعَلَ النبيّ ◌َّ ميراث ابن الملاعَنة لأُمِّه ولورَثَتِها من بعدها. ولأصحابِ ((السُّنَن» الأربعة عن
واثِلة رَفَعَه: (تَحُوز المرأة ثلاثةَ مواريث: عَتيقَها، ولَقِيطَها، ووَلدَها الذي لاعَنَت
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٨٢)، وعنه الطبراني في ((الكبير)) (٩٦٦٣) عن صاحب له عن ابن أبي ليلى عن
الشعبي عنهما، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٢٢٥: وفيه راوٍ لم يسمّ ومحمد بن أبي ليلى.
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٢٤٨١) عن علي، وبرقم (١٢٤٨٥) عن زيد بن ثابت، وانظر («الأوسط)) لابن المنذر
٤٥٧/٧-٤٦١.
(٣) ((الموطأ)) ٦٢٦/١، وانظر ((التمهيد)) لابن عبد البر ٤٧/١٥.

٣٤٩
باب ١٧ / ح ٦٧٤٨
كتاب الفرائض
عليه))(١) قال البيهقيُّ (٢٤٠/٦): ليس بثابت. قلت: وحَسَّنَه التِّرمِذيّ (٢١١٥) وصَحَّحَه
الحاكم (٤ / ٣٤٠)، وليس فيه سوى عمر ابن رُؤبة - بضمِّ الرَّاء وسكون الواو بعدها
موحّدة - مُتَلَف فيه، قال البخاريّ: فيه نظرٌ، ووثّقه جماعة، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر عند
ابن المنذر، ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير عن رجلٍ من أهلِ
الشّامِ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ قَضَى به لأمّه، هي بمَنزِلة أبيه وأُمِّه، وفي رواية: أنَّ عبد الله بن عُبيد
كَتَبَ إلى صِدّيق له من أهل المدينة يسألُه عن ولد الملاعَنة، فَكَتَبَ إليه: إنّي سألت فأُخبِرت أنَّ
النبيَّ ◌َّ﴿ قَضَى به لأُمَّه(٢)، وهذه طرق يقوى بعضها ببعضٍ.
قال ابن بَطّال: تَمَسَّكَ بعضهم بالحديث الذي جاء أنَّ الملاعَنة بمَنزِلة أبيه وأُمّه،
وليس فيه حُجّة، لأنَّ المراد أنَها بمَنزِلة أبيه وأُّه في تَربيّته وتأديبه، وغير ذلك ممَّا يَتَولّاه
أبوه، فأمَّ الميراث فقد أجمعوا أنَّ ابن الملاعَنة لو لم تُلاعن أمُّه وتَرَكَ أمَّه وأباه كان لأُمِّه
السُّدُس، فلو كانت بمَنزِلة أبيه وأُمِّه لَورِثَت سُدُسَينٍ فقط، سُدُسِ بالأُمومة وسُدُسِ
بالأُبوّة، كذا قال، وفيه نظرٌ تصويراً واستدلالاً، وحُجّة الجمهور ما تقدَّم في اللِّعان(٣): أنَّ
في رواية فُلَيح عن الزُّهْريِّ عن سهل في آخره: فكانت السُّنّة في الميراث أن يَرِثُها وتَرِثَ
منه ما فُرِضَ لها، أخرجه أبو داود(٤) (٢٢٥٢)، وحديث ابن عبّاس: «فهو لأولَ رجلٍ
ذَكَرٍ)) (٥) فإِنَّه جُعِلَ ما فضَلَ عن أهل الفرائض لعَصَبة الميّت دونَ عَصَبة أمِّه، وإذا لم يكن
لولِدِ الملاعَنة عَصَبٌ من قِبَلِ أبيه فالمسلمونَ عَصَبَتُه، وقد تقدَّم من حديث أبي هريرة:
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٠٦)، وابن ماجه (٢٧٤٢)، والترمذي (٢١١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٢٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٧٦)، وابن أبي شيبة ١٧٠/١٠، والبيهقي ((معرفة السنن والآثار)) ١٥٣/٩
(١٢٦٨٥) من طرق عن داود بن أبي هند، به. وقال البيهقي: منقطع، ولفظه مختلف، ولو ثبت ذلك
لوجب المصير إليه.
(٣) يعني: في آية اللعان من كتاب التفسير برقم (٤٧٤٦).
(٤) وهو عند مسلم (١٤٩٢) (٢) من رواية ابن وهب - وهو عبد الله - عن يونس بن يزيد، عن الزهريّ،
فیه قول سهل المذكور.
(٥) سلف برقم (٦٧٣٢).

٣٥٠
باب ١٨ / ح ٦٧٤٩ - ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
((ومَن تَرَكَ مالاً، فليَرِثه عَصَبَتُه مَن كانوا))(١).
١٨ - باب الولدُ للفِراش، حرّةً كانت أو أَمَةً
٣٢/١٢ ٦٧٤٩ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: كان عُنْبةُ عَهِدَ إلى أخِيه سعدٍ: أنَّ ابنَ وَليدةِ زَمْعةَ منّي، فاقِضْهُ إليكَ،
فلمَّا كان عامَ الفَتْحِ أخَذَه سَعْدٌ، فقال: ابنُ أخي عَهِدَ إليّ فيه، فقامَ عبدُ بنُ زَمْعةَ، فقال: أخي
وابنُ وَليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِهِ، فَتَسَاوَقا إلى النبيِّ ◌َّهِ، فقال سَعْدٌ: يا رسولَ الله، ابنُ أخي قد
كان عَهِدَ إليَّ فيه، فقال عبدُ بنُ زَمْعةً: أخي وابنُ وَليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشه، فقال النبيُّ وَلّ:
(«هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعةَ، الولدُ للْفِراش، وللْعاهِرِ الحَجَرُ)» ثمَّ قال لِسَوْدَةَ بنتِ زَمْعةً:
((احتَجِبِي منه)) لِمَا رَأى من شَبَهِه بعُتْبةَ، فما رآها حتَّى لَقِيَ اللهَ.
٦٧٥٠ - حَدّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن شُعْبةَ، عن محمَّدٍ بنِ زيادٍ: أنَّه سمعَ أبا هريرةَ، عن
النبيِّ وََّ، قال: ((الولدُ لصاحبِ الفِراشِ)).
[طرفه في: ٦٨١٨]
قوله: ((باب الولد للفراش، حُرّةً كانت)) أي: المستَفرَشة ((أو أَمَةً)).
قوله: ((عن عُرْوة)) في رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ في العِتق (٢٥٣٣): حذَّثني عُرْوة، وكذا
وَقَعَ في رواية عبد الله بن مَسلَمةَ عن مالك في المغازي (٤٣٠٣)، لكن أخرجه في الوصايا
(٢٧٤٥) بلفظ: عن عُرْوة.
قوله: ((كان عُتْبةُ عَهِدَ إلى أخيه)) في رواية يحيى بن قَزَعة عن مالك في أوائل البيوع (٢٠٥٣):
(ابن أبي وقّاصٍ)) في الموضعينِ، وكذا في رواية شُعَيب (٢٥٣٣) واللَّيث (٢٢١٨) وغيرهما عن
الزُّهْريّ، وفي رواية ابن عُيَنَةَ (٢٤٢١) عن الزُّهْريِّ الماضية في الإشخاص: أوصاني أخي إذا
قَدِمت - يعني مَكّةَ - أنِ اقِضْ إليك ابنَ أَمِ زَمْعةً، فإنَّه ابني.
(١) سلف برقم (٢٣٩٩) و(٤٧٨١).

٣٥١
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
كتاب الفرائض
قوله: ((أنَّ ابن وليدة زَمْعَةَ)) في رواية ابن عُبَينَةَ عن ابن شِهاب الماضية في المظالم (٢٤٢١): ابن
أمة زَمعةَ. والوليدةُ في الأصل: المولودة، وتُطلَق على الأَمَة، وهذه الوليدةُ لم أقِفْ على اسمها،
لكن ذكر مُصعَبٌّ الزُّبَيرِيُّ وابن أخيه الزُّبَير في (نَسَبِ قُرَيشٍ)): أنَّها كانت أَمَةً يَمَانِيَّةً.
والوليدةُ فَعِيلةٌ من الولادة بمعنى مَفْعولة، قال الجَوْهريُّ: هي الصَّبِيةُ والأَمَّة، والجمع
ولائد، وقيل: إنّها اسمٌ لغیر أمّ الولد.
وَزَمْعَةٌ: بفتح الزّاي وسكون الميم وقد تُحرَّك، قال النَّوويّ: التَّسكين أشهر، وقال أبو الوليد
الوَقَّشِيّ(١): التَّحريكُ هو الصَّواب.
قلت: والجاري على ألسنة المحدِّثينَ التَّسكين في الاسم والتَّحريك في النِّسبة، وهو ابن
قيس بن عبد شَمس القُرَشِيّ العامريّ، والد سَودة زوجِ النبِّ نٍَّ. وعبدُ بن زَمعةً بغير
إضافة، ووَقَعَ في ((مختصر ابن الحاجب)): عبد الله، وهو غَلَط، نعم عبد الله بن زَمعةً آخر،
وفي بعض الطّرق من غير رواية عائشة عند الطَّحاويِّ(٢) في هذا الحديث: عبد الله بن
زَمعَةَ، ونَبََّ على أنَّه غَلَط، وأنَّ عبد الله بن زَمعةَ: هو ابن الأسود بن المطَّلِب بن أسد بن
عبد العُزَّى آخر.
قلت: وهو الذي مضى حديثه في تفسير: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾ [الشمس: ١] (٢٩٤٢)،
وقد وَقَعَ لابنِ مَندَه خَبطٌ في ترجمة عبد الرَّحمن بن زَمعَةَ، فإنَّ زَعَمَ أنَّ عبد الرَّحمن وعبد الله
وعبداً إخوة ثلاثة أولاد زَمعةَ بن الأسود، وليس كذلك، بل عبدٌ بغير إضافة وعبد الرَّحمن
أَخَوان عامريّان من قُرَيش، وعبد الله بن زَمعةَ قُرَشِيٌّ أسَديّ من قُرَيش أيضاً، وقد
أوضَحت ذلك في ((الإصابة في تمييز الصحابة))، والابن المذكور اسمه عبد الرَّحمن، وذَكَره
ابن عبد البَرِّ في ((الصحابة)) وغيره، وقد أعقَبَ بالمدينة.
(١) نسبة إلى ((وَقَّش)) بالفتح وتشديد القاف، مدينة بالأندلس، منها أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام الكناني، الحافظ
المعروف بالوَقَّشيّ. انظر ((معجم البلدان)) ٣٨١/٥.
(٢) في (شرح مشكل الآثار)) (٤٢٤٩).

٣٥٢
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
٣٣/١٢
وعُتبة بن أبي وقّاصٍ أخو سعد مُخْتَلَف / في صُحَيَتِه، فذكره في الصحابة العسكريُّ،
وذكر ما نَقَلَه الزُّبَير بن بَكّار في ((النَّسَب)): أنَّه كان أصاب دَماً بمَكّة في قُريش، فانتَقَلَ إلى
المدينة، ولمَّا ماتَ أوصَى إلى سعد. وذكره ابن مَندَه في ((الصحابة)) ولم يَذكُر مُستَنَداً إلّا
قول سعد: عَهِدَ إليَّ أخي أنَّه وَلدُه. واستَنْكَرَ أبو نُعَيم ذلك، وذكر أنَّه الذي شَجَّ وجهَ
رسول الله ﴿ بأُحُدٍ، قال: وما علمت له إسلاماً، بل قد روى عبد الرَّزّاق (٩٦٤٩) من
طريق عثمان الجَزَريِّ عن مِقْسَمِ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ دَعَا بأن لا يَجول على عُتْبَةَ الحول حتَّى
يموت كافراً، فماتَ قبل الحول، وهذا مُرسَل، وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيب
بنحوِه، وأخرج الحاكم في ((المستدرَك)) (٣٠٠/٣-٣٠١) من طريق صفوان بن سُلَيم عن
أنس: أنَّه سمعَ حاطِب بن أبي بَلتَعةَ يقول: إنَّ عُتْبَةَ لمَّا فعل بالنبيِّ نَّهِ ما فعل تَبِعتُه
فقَتَلتُه. كذا قال، وجَزَمَ ابن الِّين والدِّمياطيّ بأنَّه ماتَ كافراً.
قلت: وأُمّ عُتبةَ: هند بنتُ وَهْب بن الحارث بنِ زُهْرة، وأُمّ أخيه سعدٍ: حَمنَةُ بنتُ
سفيانَ بن أمّيَّةَ.
قوله: ((فلمَّا كان عام الفَتْح أخَذَه سَعْد، فقال: ابن أخي)) في رواية يونس عن الزُّهْريِّ في
المغازي (٤٣٠٣): فلمَّا قَدِمَ رسول الله وَ لهُمَّة في الفتح. وفي رواية مَعمَر عن الزّهْريِّ عند أحمد
(٢٥٨٩٤)، وهي لمسلم (٣٦/١٤٥٧) لكن لم يَسُق لفظها: فلمَّا كان يومُ الفتح رأى سعدٌ
الغلامَ، فعَرَفَه بالشَّبَه فاحتَضَنَه إليه وقال: ابنُ أخي ورَبِّ الكعبة، وفي رواية اللَّيث (٢٢١٨):
فقال سعدٌّ: يا رسولَ الله، هذا ابن أخي عُتبةَ بن أبي وقّاصٍ عَهِدَ إليَّ أَنَّه ابنُه. وعُتَبةُ بالجرِّبَدَلٌّ من
لفظ ((أخي)) أو عطفُ بيانٍ، والضَّمير في ((أخي)) لسعدٍ لا لعُتبةَ.
قوله: (فقامَ عبد بن زَمْعة فقال: أخي وابنُ وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشه)) في رواية مَعمَر: فجاء
عبد بن زَمعة فقال: بل هو أخي ◌ُلِدَ علی فِراش أبي من جاريته. وفي رواية يونس: یا
رسولَ الله، هذا أخي، هذا ابنُ زَمعة وُلِدَ على فِراشه. زاد في رواية اللَّيث: انظُر إلى شَبَهِه يا
رسول الله. وفي رواية يونس: فَنَظَرَ رسول الله وَ ل﴿ فإذا هو أشبه الناس بعُتبة بن أبي وقاصّ، وفي

٣٥٣
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
كتاب الفرائض
رواية اللَّيث: فرأى شَبَهاً بيِّناً بعُتبة، وكذا لابنِ عُيَينة عند أبي داود (٢٢٧٣) وغيره (١).
قال الخطَّبيُّ وتَبِعَه عياض والقُرطُبيّ وغيرهما: كان أهل الجاهليَّة يَقتَنُونَ الولائدَ
ويَضْرِبون (٢) عليهنَّ الضَّرائب، فَيَكْتَسِبنَ بالفُجور، وكانوا يُلحِقونَ النَّسَب بالزُّناة إذا ادَّعَوا
الولدَ كما في النِّكاح، وكانت لزَمعةَ أَمةٌ وكان يُلِمُّ بها، فَظَهَرَ بها حَمْلٌ زَعَمَ عُتبة بن أبي
وقاصّ أنَّه منه، وعَهِدَ إلى أخيه سعد أن يَستَلحِقَه، فخاصَمَ فيه عبدَ بنَ زَمعة، فقال لي
سعد: هو ابن أخي على ما كان عليه الأمر في الجاهليَّة، وقال عبدٌ: هو أخي على ما استَقَرَّ عليه
الحُكْمُ في الإسلام، فأبطَلَ النبيّ ◌َلِ حُكم الجاهليَّة وألحَقَه بزَمعة.
وأبطَلَ عياض قوله: إذا ادَّعَوا الولد، بقولِه: إذا اعتَرَفَت به الأُمّ. وبَنَى عليهما القُرطُبِيّ
فقال: ولم يكن حَصَلَ إلحاقه بعُتبة في الجاهليَّة إمّا لعَدَم الدَّعوى، وإمّا لكَونِ الأَمَةِ لم
تَعتَرِف به لعُتبة.
قلت: وقد مضى في النِّكاح (٥١٢٧) من حديث عائشة ما يُؤيِّد أنَّهم كانوا يَعتَبِرونَ
استلحاق الأُمّ في صُورةٍ، وإلحاقَ القائف في صُورةٍ، ولفظُها: إنَّ النِّكاح في الجاهليّة كان على
أربعة أنحاء، الحديث، وفيه: يجتمع الرَّهطُ ما دونَ العشر فيَدخُلونَ على المرأة كلّهم يُصيبها، فإذا
حَلَت ووضَعَتِ ومَضَت لَيالٍ أرسَلَت إليهم، فاجتَمَعوا عندها، فقالت: قد ولدت فهو ابنُك يا
فلان، فيُلحَق به ولدُها ولا يستطيع أن يمتنعَ، إلى أن قالت: ونِكاح البَغايا كُنَّ يَنْصِبنَ على
أبوابهنَّ راياتٍ، فمَن أرادَهُنَّ دَخَلَ عليهنَّ، فإذا حَت إحداهُنَّ فوضَعَت جَمَعوا لها القافةَ، ثمَّ
ألحقوا ولدها بالذي یری القائفُ لا يمتنعُ من ذلك، انتَھی.
واللّائق بقصَّة أَمَةِ زَمعةَ الأخيرُ، فلعلَّ جمعَ القافةِ لهذا الولد تَعذَّرَ بوجهٍ من الوجوه،
أو أنَّها لم تكن بصِفَة البغايا، بل أصابها ◌ُتبةُ سِرّاً من زِنِّى وهما كافرانٍ، فحَمَلَت وولدَت
ولداً يُشِبِهُه، فغَلَبَ على ظنَّ أنَّه منه، فبَغَتَه الموتُ قبلَ استلحاقِهِ، فأوصَى أخاه أن يَستَلحِقَه،
(١) عند أحمد في («المسند» (٢٤٠٨٦)، والنسائي (٣٤٨٧).
(٢) كذا في (ع) كما في («معالم السنن)) للخطابي ٢٧٨/٣، ووقع في (أ) و(س): ((يقررون)).

٣٥٤
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فَعَمِلَ سعدٌ بعدَ ذلك تَسُّكاً بالبراءة الأصليَّة.
قال القُرطُبيّ: وكأنَّ عبدَ بنَ زَمعة سمعَ أنَّ الشَّرعِ وَرَدَ بأنَّ الولدَ للِفِراش، وإلّا فلم
/٣٤
تكن عادتهم الإلحاقَ به.
كذا قاله، وما أدري من أين له هذا الجزم بالنَّفي؟ وكأنَّه بناهُ على ما قال الخطَّبيُّ: أنَّ
أَمَةَ زَمعة كانت من البَغايا اللّاتي عليهنَّ من الضَّرائب، فكان الإلحاق مُخْتَصّاً باستلحاقها
على ما ذُكِرَ، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يَذكُر الخطَّبيُّ مُستَنَداً
لذلك، والذي يظهر من سياق القصّة ما قَدَّمتُهُ أنَّها كانت أَمةً مُستَفرَشةً لزَمعةَ، فاتَّفَقَ أنَّ
عُتبة زَنَى بها كما تقدَّمَ، وكانت طريقة الجاهليَّة في مِثل ذلك أنَّ السَّيِّد إنَّ اسْتَلحَقَه لِقَه
وإن نَفاه انتَفَى عنه، وإذا ادَّعاه غيرُه كان مَرَدّ ذلك إلى السَّيِّد أو القافة، وقد وَقَعَ في حديث
ابن الزُّبَير الذي أسوقُه بعد هذا ما يُؤيِّد ما قلته.
وأمَّا قوله: إنَّ عبد بن زَمعة سمعَ أنَّ الشَّرع ... إلى آخره، ففيه نظرٌ، لأنَّه يَبعُد أن يسمع
ذلك عبد بن زَمعة وهو بمَكّة لم يُسلم بعدُ ولا يسمعُه سعد بن أبي وقاصّ، وهو من السابِقِينَ
الأوَّلينَ الملازِمينَ لرسولِ اللهِ وَّ من حين إسلامِه إلى حينٍ فتحِ مَكّةَ نحو العشرينَ سُنّة،
حتَّى ولو قلنا: إنَّ الشَّرع لم يَرِد بذلك إلّا في زمن الفتح، فبلوغُه لعَبدٍ قبلَ سعدٍ بعيدٌ أيضاً،
والذي يظهر لي أنَّ شَرعيَّة ذلك إنَّما عُرِفَت من قوله ◌ِّ في هذه القصَّة: ((الولد للفِراش))،
وإلّا فما كان سعد لو سَبَقَ عِلمُه بذلك لِيَدَّعيَه، بل الذي يظهر أنَّ كلَّا من سعدٍ وعُتبةَ بَنَى
على البراءة الأصليّة، وأنَّ مِثل هذا الولدِ يقبلُ النِّزاع، وقد أخرج أبو داود (٢٢٧٤) تِلْو
حديث الباب بسندٍ حسن إلى عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه قال: قام رجل فقال: يا
رسول الله، إنَّ فلاناً ابني عاهَرتُ بأُمِّه في الجاهليَّة، فقال رسول الله وَّ: ((لا دَعوةَ في
الإسلام، ذَهَب أمرُ الجاهليَّة، الولدُ للفِراش وللعاهرِ الحَجَرُ)»، وقد وَقَعَ في بعض
طُرقِهِ(١): أنَّ ذلك وَقَعَ في زمن الفتح، وهو يُؤيِّد ما قلته.
(١) عند أحمد في ((المسند)) برقم (٦٦٩٢) و(٦٩٣٣) من طريقين عن عمرو بن شعيب، به، وفيه: «لما دخل
رسول الله پۉ مگّة عام الفتح ... )).

٣٥٥
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
كتاب الفرائض
واستُدِلَّ بهذه القصَّة على أنَّ الاستلحاق لا يَخْتَصّ بالأبِ، بل للأخِ أن يَستَلحِقَ، وهو
قول الشافعيَّة وجماعة، بشرطِ أن يكون الأخ حائزاً أو يوافقه باقي الورثة، وإمكان گونه
من المذكور، وأن يوافق على ذلك إن كان بالغاً عاقلاً، وأن لا يكون معروفَ الأب،
وتُعقّبَ بأنَّ زَمعة كان له ورَثةٌ غيرُ عبدٍ، وأُجيب بأنَّه لم يُخلِّف وارثاً غيرَه إلّا سَودةَ، فإن
كان زَمعة ماتَ كافراً فلم يَرِثه إلّا عبدٌ وحدَه، وعلى تقدير أن يكون أسلَمَ وورِثَتْهُ سوَدُ،
فيحتمل أن تكون وكَّلَت أخاها في ذلك أو ادَّعَت أيضاً.
وخَصَّ مالكٌ وطائفة الاستلِحَاقَ بالأب، وأجابوا بأنَّ الإلحاق لم ینحَصِر في استِلحاق عبد
لاحتمال أن يكون النبيّ وََّ اطَّلَعَ على ذلك بوجهٍ من الوجوه، كاعتراف زَمعة بالوَطْء، ولأنَّه
إنَّما حَكَمَ بالفِراش، لأَنَّه قال بعد قوله: ((هو لك)): ((الولد للفِراش)) لأنَّه لمَّا أبطَلَ الشَّرعُ إلحاقَ
هذا الولد بالزّاني لم يَبقَ إلّا (١) صاحب الفِراشِ.
وجَرَى المُزَنيّ على القول بأنَّ الإلحاق يَخْتَصّ بالأبِ، فقال: أجمعوا على أنَّه لا يُقبل إقرارُ
أحدٍ على غيره، والذي عندي في قصَّة عبد بن زَمعة أنَّه وَّ أجابَ عن المسألة، فأعلمَهم أنَّ
الحكم كذا بشرطِ أن يَدَّعيَ صاحب الفِراش، لا أنَّه قَبلَ دعوى سعدٍ عن أخيه عُتبة، ولا دعوى
عبد بن زَمعة عن زَمعة، بل عَرَّفَهم أنَّ الحَكَم في مِثلها يكون كذلك. قال: ولذلك قال:
«احتَجبي منه یا سَودٌ)).
وتُعقّبَ بأنَّ قولَه لعبد بن زَمعة: «هو أخوك)» يَدِفَع هذا التَّأويل.
واستدلَّ به على أنَّ الوصيّ يجوز له أن يَستَلحِقَ ولدَ مُوصِيهِ إذا أوصَى إليه بأن
يَستَلحِقَه، ويكون كالوكيلِ عنه في ذلك، وقد مضى التَّبويب بذلك في كتاب الإشخاص،
وعلى أنَّ الأَمَةَ تَصير فِراشاً بالوَطْء، فإذا اعتَرَفَ السَّيِّد بَوَطْءٍ أمَتِهِ، أو ثَبَتَ ذلك بأيِّ
طريق كان، ثمَّ أتت بولدٍ لمُدّة الإمكانِ بعدَ الوطء ◌ِحَقَه من غير استلِحاقٍ كما في الزَّوجة،
لكنَّ الَّوجة تَصير فِراشاً بمُجرَّدِ العَقد، فلا يُشتَرَط في الاسْتِلْحاق إلّا الإمكانُ، لأنَّها تُراد
(١) لفظة ((إلّا)) سقطت من (س).

٣٥٦
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
للوطء، فجُعِلَ العَقد عليها كالوطء، بخِلَاف الأَمَةِ فإنَّهَا تُراد لمنافعَ أُخرى، فاشتُّرِطَ في حَقّها
٣٥/١٢ الوَطْءُ، / ومن ثَمَّ يجوز الجمع بين الأُختَينِ بالِلكِ دونَ الوطء، وهذا قول الجمهور.
وعن الحنفيَّة: لا تَصير الأَمَةُ فِراشاً إلّا إذا ولدت من السَّيِّد ولداً وَقَ به، فمهما ولدَت
بعد ذلك لَقَه إلّا أن ینفیه.
وعن الحنابلة: مَن اعتَرَفَ بالوطءِ فَأَتَتْ منه لمُدّةِ الإمكانِ لِقَه، وإن ولدَت منه أوَّلاً
فاستَلحَقَه لم يَلحَقْهُ ما بعدَه إلّا بإقرارٍ مُستأنَفٍ على الرَّاجح عندهم. وترجيحُ المذهب الأوَّل
ظاهرٌ، لأنَّه لم يُنقَل أنَّه كان لزَمعةَ من هذه الأَمةِ ولدٌ آخَر، والكلّ مُتَّفِقونَ على أنَّها لا تَصير
فِراشاً إلّا بالوَطْء.
قال النَّوويّ: وَطْءُ زَمعةَ أمَتَه المذكورةَ عُلمَ إمّا بَيِّنَةٍ وإمّا باطّلاع النبيِّنَّهِ على ذلك.
قلت: وفي حديث ابن الزُّبَير ما يُشعِر بأنَّ ذلك كان أمراً مشهوراً، وسأذكر لفظه قريباً.
واستُدلَّ به على أنَّ السَّبَب لا يَخْرُج ولو قلنا: إنَّ العِبرة بعموم اللَّفظ.
ونَقَلَ الغَزالِيّ - تَبَعاً لشيخِه - والآمِدُّ ومَن تَبِعَه عن الشافعيّ قولاً بخُصوصِ
السَّبَب، تَمسُّكاً بما نُقِلَ عن الشافعيّ: أنَّه ناظَرَ بعض الحنفيَّة لمَّا قال: إنَّ أبا حنيفةَ خَصَّ
الفِرَاشَ بالزّوجة، وأخرج الأَمة من عُمومٍ: ((الولد للفراش))، فرَدَّ عليه الشافعيّ بأنَّ هذا
وَرَدَ على سببٍ خاصّ، وَرَدَّ ذلك الفخرُ الرَّازيُّ على مَن قاله: بأنَّ مُراد الشافعيّ: أنَّ
خُصوص السَّبَب لا يُخْرِج، والخبر إِنَّا وَرَدَ في حَقّ الأَمةِ فلا يجوز إخراجُه، ثمَّ وقَعَ الاتِّفاق
على تَعْميمِه في الَّوجات، لكن شَرَطَ الشافعيّ والجمهور الإمكان زماناً ومكاناً.
وعن الحنفيَّة: يكفي مُجرَّد العَقد فَتَصير فِراشاً، ويَلحَق الزَّوج الولدُ، وحُجَّتهم عُموم قوله:
((الولد للفِراش))، لأَنَّه لا يحتاج إلى تقدير، وهو الولد لصاحبِ الفِراش، لأنَّ المرادَ بالفِراش:
المَوْطُوءةُ، ورَدَّه القُرطُبيّ بأنَّ الِفِراش كِناية عن المَوْطوءةِ لكَونِ الواطِئِ يَسْتَفِرِشُها، أي:
يُصَيِّرُها بوَطْئِه لها فِراشاً له، يعني فلا بُدَّ من اعتبار الوَطْء حتَّى تُسمَّى فِراشاً.
وأُلحِقَ به إمكانُ الوَطْء، فمع عَدَم إمكان الوَطْء لا تُسمَّى فِراشاً.

٣٥٧
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
كتاب الفرائض
وفَهِمَ بعض الشُّرّاح عن القُرطُبيّ خِلَاف مُراده، فقال: كلامه يقتضي حُصولَ مقصودٍ
الجمهور بمُجرَّدِ كَون الفِراش هو الموطوءة، وليس هو المراد، فعُلمَ أنَّه لا بدَّ من تقدير
محذوف، لأنَّه قال: إنَّ الفِراش هو الموطوءة، والمراد به أنَّ الولد لا يَلحَق بالواطِئ، قال
المعتَرِض: وهذا لا يَستَقيم إلّا مع تقدير الحَذْفِ.
قلت: وقد بَّنْت وَجْهَ استقامَته بحَمدِ الله، ويُؤيِّد ذلك أيضاً أنَّ ابن الأعرابيّ اللُّغَويّ نَقَلَ:
أنَّ الِفِراش عند العرب يُعبَّر به عن الزَّوج وعن المرأة، والأكثرُ إطلاقُه على المرأة، وممّاً وَرَدَ في
التَّعبير به عن الرجل: قول جَرِير فيمَن تزوَّجَت بعدَ قَتْل زوجِها أو سَيِّدها:
باتَت تُعانِقُه وباتَ فِراشُها خَلَقَ العَباءة بالبلاءِ ثَقِيلًا(١)
وقد يُعبَّر به عن حالة الافتراش، ويُمكِن حَمل الخبر عليها فلا يَتَعَّن الحذفُ، نعم لا يُمكِن
حَملُ الخبر على كلّ واطِي، بل المراد مَن له الاختصاصُ بالوطءِ كالَّوجِ والسَّيِّد، ومن ثَمَّ قال ابن
دقيق العيد: معنى ((الولد للفراش)»: تابعٌ للِفِراش أو محكومٌ به للفراش، أو ما يُقارب هذا، وقد
شَنَّعَ بعضُهم على الحنفيَّة: بأنَّ مِنْ لازِمِ مذهبهم إخراجُ السَّبَب مع المبالَغة في العمل بالعُمومِ في
الأحوال، وأجابَ بعضهم: بأنَّه خَصَّصَ الظّاهرَ القويَّ بالقياس، وقد عُرِفَ من قاعدته تقدیمُ
القياس في مواضعَ على خَبَر الواحد، وهذا منها.
واستُدِلَّ به على أنَّ القائفَ إِنَّمَا يُعتَمَد في الشَّبَه إذا لم يُعارضْهُ ما هو أقوى منه، لأنَّ
الشّارع لم يَلْتَفِت هنا إلى الشَّبَه، والتَفَتَ إليه في قصَّة زيد بن حارثة(٢)، وكذا لم يَحكم بالشَّبَه
في قصَّة الملاعَنة(٣)، لأنَّه عارَضَه حُكمٌ أقوى منه، وهو مشروعيَّةُ اللِّعان، وفيه تخصيصُ
عُمومٍ: ((الولدُ للِفِراش))، وقد تَمَسَّكَ بالعُمومِ الشَّعبيُّ وبعض المالكيَّة وهو شاذٌّ، ونُقِلَ عن
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، ويُروى في كافّة الشروح و((مقاييس اللغة)) لابن فارس ((في الدماء قتيلا)).
والشاهدُ فيه قوله: (وبات فراشها)) أي: صاحب فراشها؛ يعني: زوجها.
(٢) سلفت قصتهما برقم (٣٥٥٥) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه قول المُدلجيّ لزيد وأسامة ورأى
أقدامَهما: إن بعض هذه الأقدامِ من بعضٍ.
(٣) سلفت برقم (٥٣٠٩) من حديث سهل بن سعد ﴾.

٣٥٨
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
الشافعيّ أنَّه قال: لقولِه: ((الولد للفراش)) مَعنَيان:
أحدهما: هو له ما لم يَنْفِه، فإذا نَفاه بما شُرِعَ له كاللِّعان انتَفَى عنه.
والثّاني: إذا تَنَازَعَ رَبُّ الِفِراش / والعاهرُ: فالولد لرَبِّ الِفِراش. قلت: والثّاني مُنطَبِقٍ على
٣٦/١٢
خُصوص الواقعة، والأَوَّل أعَمّ.
قوله: ((فَتَساوقا)) أي: تَلازَما في الذَّهاب بحيثُ أنَّ كلَّا منهما كان کالذي يَسوق الآخَر.
قوله: ((هو لك يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ)) كذا للأكثر، وقد تقدَّم ضبطُ ((عبد)) وأنَّه يجوز فيه الضَّمّ
والفتح، وأمَّا ((ابن)) فهو منصوبٌ على الحالَين، ووَقَعَ في روايةٍ للنَّسائيِّ: ((هو لك عبدُ بنَ
زَمعةَ))(١) بحذفِ حرف النِّداء، وقرأه بعض المخالفينَ بالتَّنوين، وهو مردودٌ، فقد وَقَعَ في
رواية يونس المعلّقة في المغازي (٤٣٠٣): «هو لك، هو أخوك يا عبد)»، ووَقَعَ لمُسدَّدٍ عن
ابن عُيَينةَ عند أبي داود (٢٢٧٣): ((هو أخوك يا عبد)).
قال ابن عبد البَرّ: تَثبُت الأَمَةُ فِراشاً عند أهل الحجاز إن أقَرَّ سَيِّدُها أنَّه كان يُلمُّ بها،
وعند أهل العراق إن أقَرَّ سَيِّدُها بالولد.
وقال المازَرِيُّ: يَتَعلَّق بهذا الحديث استِلْحاقُ الأخ لأخيه، وهو صحيح عند الشافعيّ
إذا لم يكن له وارث سِواه. وقد تَعلَّقَ أصحابه بهذا الحديث لأنَّه لم يَرِد أنَّ زَمعةَ ادَّعاه ولداً،
ولا اعتَرَفَ بوطءٍ أُمِّه، فكان المعوَّل في هذه القصّة على استِلْحاق عبد بن زَمعةَ، قال:
وعندَنا لا يَصِحُّ استِلْحَاقُ الأخ، ولا حُجّة في هذا الحديث، لأنَّه يُمكِنُ أن يكون ثَبَتَ عند
النبيّ ◌َّهِ أَنَّ زَمعةَ كان يَطَأُ أمَّتَه، فألحَقَ الولدَ به لأنَّ مَن ثَبَتَ وطؤُه لا يحتاج إلى الاعتراف
بالوَطْء، وإنَّما يَصعُب هذا على العراقيّينَ، ويَعسُر عليهم الانفصال عمَّ قاله الشافعيّ، لما
قَرَّرناه أنَّه لم يكن لزَمعةَ ولدٌ من الأَمةِ المذكورة سابِقٌ، ومُجرَّد الوَطْء لا عِبرةَ به عندَهم،
فيَلزَمُهم تسليمُ ما قال الشافعيّ.
قال: ولمَّا ضاقَ عليهم الأمرُ قالوا: الرّواية في هذا الحديث: «هو لك عبدُ بنَ زَمعةَ))
(١) في المطبوع من ((المجتبى)) برقم (٣٤٨٤)، و((الكبرى)) (٥٦٤٨) بلفظ: «هو لك يا عبدُ، الولد للفراش ... )).

٣٥٩
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
كتاب الفرائض
وحَذَفَ حرف النِّداء بين ((عبد)) و ((ابن زَمعةَ))، والأصل: يا ابنَ زَمعةَ، قالوا: والمراد أنَّ
الولد لا يُلحَق بزَمعةَ بل هو عبدٌ لولدِه، لأنَّه وارثه، ولذلك أمَرَ سَودةَ بالاحتجابِ منه،
لأنَّها لم تَرِث زَمعةَ، لأنَّه ماتَ كافراً وهي مسلمةٌ، قال: وهذه الرّواية التي ذَكَروها غير
صحيحة، ولو ورَدَت لَرَ دَدناها إلى الرِّواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النِّداء بين
(لك)) و((عبد))، كقوله تعالى حكايةً عن صاحب يوسف حيثُ قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] انتھی.
وقد سَلَكَ الطَّحاويُّ(١) فيه مَسلَكاً آخر فقال: معنى قوله: ((هو لك)) أي: يَدُك علیه، لا
أَنَّك تَمَلِكُه، ولكن تَمنَعُ غيرك منه إلى أن يَتَبَّن أمُرُه، كما قال لصاحبِ اللَّقَطة: ((هي لك))،
وقال له: ((إذا جاء صاحبها فأدِّها إليه))(٢)، قال: ولمَّا كانت سَودة شَرِيكة لعَبد في ذلك،
لكن لم يُعلم منها تصديقُ ذلك ولا الدَّعوى به، ألزَمَ عبداً بما أقَرَّ به على نفسه، ولم يجعل
ذلك حُجّة عليها فأمَرَها بالاحتجاب. وكلامه كلّه مُتَعقَّبٌ بالرِّواية الثّانية المصَرَّح فيها
بقولِه: ((هو أخوك)) فإنَّهَا رَفَعَتِ الإشكال، وكأنَّه لم يَقِف عليها، ولا على حديث ابن الزُّبَير
وسَودة الدّالّ على أنَّ سَودة وافَقَت أخاها عبداً في الدَّعوى بذلك.
قوله: ((الولد للفراش، وللعاهرِ الحَجَرُ)) تقدَّم في غزوة الفتح تعليقاً (٤٣٠٣ بإثره) من رواية
يونس عن ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله مَالَ:((الولد ... )) إلى آخره، وهذا مُنقَطِع،
وقد وَصَلَه غيره عن ابن شِهاب، ووَقَعَ في رواية يونس أيضاً: قال ابن شهاب: وكان أبو هريرة
يصيحُ بذلك، وقد قَدَّمت هناك أنَّ مسلماً أخرجه (١٤٥٨) موصولاً من رواية ابن شهاب عن
سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمة عن أبي هريرة.
وقوله: ((وللعاهرِ الحجر)) أي: للزّاني الخيبةُ والحِرمان، والعَهَر بفتحَتَينِ: الزِّنى، وقيل:
يَخْتَصُّ باللَّيل، ومعنى الخَيبة هنا: حِرمان الولد الذي يَدَّعيه، وجَرَت عادة العرب أن تقول
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١١٥/٣- ١١٦ بمعناه، والسياق المذكور منتزع من كلام ابن عبد البر في ((التمهيد))
٨/ ١٩٠ فيما نقله عن الطحاوي.
(٢) سلف برقم (٢٤٣٦).

٣٦٠
باب ١٨ / ح ٦٧٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
لمن خابَ: له الحَجَر ويفِيهِ الحَجَرُ والتُّرابُ، ونحو ذلك، وقيل: المراد بالحجرِ هنا أنَّه يُرجَم،
قال النَّوويّ: وهو ضعيفٌ، لأنَّ الرَّجم مُخْتَصُّ بالمُحصَن، ولأَنَّه لا يَلزَم من رَجمِه نفيُ الولد،
والخبر إنَّما سِيقَ لنفي الولدِ. وقال السُّبكيُّ: والأوَّل أشبه بمَساق الحديث لتَعُمَّ الخَيَبةُ كلَّ زاٍ،
ودليل الرَّجم، مأخوذٌ من موضع آخرَ، فلا حاجةً للتَّخصیصِ من غير دليل.
٣٧/١٢
قلت: ويُؤيِّد / الأوَّل أيضاً ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقَم رَفَعَه: ((الولد
للِفِراش، وفي فَمِ العاهِرِ الحَجَرُ))، وفي حديث ابن عمر عند ابن حِبّان (٥٩٩٦): ((الولد
للِفِراش، ويفِي العاهِرِ الإِثْلَبُ)) بمُثلَّثَةٍ ثمَّ موخَّدة بينهما لامٌ وبفتح أوَّله وثالثه ويُكسران، قيل:
هو الحجر، وقيل: دِقاقُه، وقيل: التُراب.
قوله: ((ثُمَّ قال لسوْدَ: احتَجِبِي منه)) في رواية اللَّيث (٢٢١٨): ((واحتجبي منه يا سودةُ بنتَ
زَمعَ)).
قوله: ((فما رآها حتَّى لَقِيَ الله)) في رواية مَعمَر: قالت عائشة: فوالله ما رآها حتَّى ماتت، وفي
رواية اللَّيث: فلم تَرَه سودةٌ قَطُّ؛ يعني: في المدّة التي بين هذا القول وبين موت أحدِهما،
وكذا لمسلمٍ (١٤٥٧) (٣٦) من طريقه، وفي رواية ابن جُرَيج في ((صحيح أبي عَوَانة)) (٤٤٤٩)
مِثله، وفي رواية الكُتْمِيهنيِّ الآتية في حديث اللَّيث أيضاً (٦٧٦٥): فلم تَرَه سودةُ بعدُ، وهذه
إذا ضُمَّت إلى رواية مالك(١) ومَعمَر استُفيدَ منها أنَّها امتَثَلَتِ الأمرَ، وبالَغَت في الاحتجاب
منه، حتَّى إنَّها لم تَرَه فضلاً عن أن يراها، لأنَّه ليس في الأمر المذكور دلالةٌ على مَنِعِها من
رُؤيَتِه.
وقد استَدَلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لم يُلحِقه بزَمعةَ، لأَنَّه لو ألحقه به لكان أخا سَودةَ،
والأخُ لا يُؤمَر بالاحتجابِ منه، وأجابَ الجمهور بأنَّ الأمر بذلك كان للاحتياطِ، لأنَّه
وإن حَكَمَ بأنَّه أخوها لقولِه في الطُّرق الصَّحيحة: ((هو أخوك يا عبد))، وإذا ثَبَتَ أنَّه أخو
عبد لأبيه فهو أخو سَودةَ لأبيها، لكن لمَّا رأى الشَّبَه بيِّناً بعُتبةَ أمَرَها بالاحتجاب منه احتياطاً.
(١) رواية مالك سلفت برقم (٢٠٥٣) وفي مواضع أخرى.