Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
كتاب الفرائض
لكن أخرجه النَّسائيُّ من طريق ابن عُيَينَةَ عن أبي الزِّناد بلفظ: ((إنّا مُعاشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ))
الحديث أخرجه عن محمّد بن منصور عن ابن عُبَينَةً عنه(١)، وهو كذلك في مُسنَد الحميديِّ (٢) عن
ابن عُيَينَةَ وهو من أتقَنِ أصحاب ابن عُبَينَةَ فيه. وأورَدَه الهَثَم بن كُلَيب في ((مُسنَدِه)) من حديث
أبي بكر الصِّيق باللَّفْظِ المذكور، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٥٧٥) بنحوِ اللَّفظ المذكور،
وأخرجه الدَّارَ قُطْنِيُّ في ((العِلَل)) من رواية أمّ هاني عن فاطمة عليها السَّلام عن أبي بكر الصِّدّيق
بلفظ: ((إنَّ الأنبياء لا يورَثونَ))(٣).
قال ابن بَطّال وغيره: ووجَّهُ ذلك - والله أعلمُ - أنَّ الله بَعَثَهم مُبلِّغينَ رسالتَه وأمَرَهم أن لا
يأخُذوا على ذلك أجراً كما قال: ﴿قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾[الأنعام: ٩٠] وقال نوحٌ وهودٌ
وغيرُهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في أن لا يورَثوا لئلّا يُظنَّ أنَّهم جَمَعوا المالَ لِوارثِهم، قال:
وقوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾[النمل: ١٦] حَمَلَه أهلُ العلمِ بالتَّأَوِيلِ على العلمِ والحكمة،
وكذا قول زكريّا: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيَّا ن يَرِثُنِىِ﴾ [مريم: ٥-٦].
وقد حكى ابن عبد البَرِّ: أنَّ لِلعلماءِ في ذلك قولَين، وأنَّ الأكثر على أنَّ الأنبياء لا
يورَثونَ، وذكر أنَّ مَمّن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل ابن عُلِيَّةَ، ونَقَلَه عن
الحسن البصريِّ عِيَاضٌ في ((شرح مسلمٍ))، وأخرج الطَّبَريُّ (٤٦/١٦) من طريق إسماعيل
ابن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى حكاية عن زكريّا: ﴿ وَإِنِّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ﴾ [مريم: ٥]
قال: العَصَبة، وفي قوله: ﴿فَهَبِّ مِن لَُّنكَ وَلِيًّا(٣) يَرِثُنِى﴾ قال: یَرِث مالي ویَرِث من
(١) إنما هو في ((السنن الكبرى)) برقم (٦٢٧٥) عن محمد بن منصور عن سفيان - يعني ابن عيينة - عن عمرو
ابن دينار عن الزُّهريّ عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، وليس من حديث أبي هريرة، ولم يعزه المزي في
(تحفة الأشراف)) ١٧٢/١٠ للنسائي من هذا الطريق، وإنما هو في ((صحيح مسلم)) (١٧٦٠) من طريق
ابن عيينة بهذا الإسناد، ولم يذكر لفظه.
(٢) برقم (١١٣٤)، لكن بلفظ: ((لا تقتسم ورثتي ديناراً، ما تركتُ بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي، فهو صدقة، ولا
تقتسم ورثتي ديناراً)، أما اللفظ الذي ذكره الحافظ فقد أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٥/٨ من طريق
الحميدي قال: حدّثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فذكره.
(٣) ((العلل)) برقم (٣٤) من رواية الكلبي عن أبي صالح عنها، وذَكَر أنه اختلف فيه على الكلبي.

٣٠٢
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
آلٍ يعقوب النُّبوّةَ، ومن طريق قَتَادة عن الحسن نحوه، لكن لم يَذكُر المالَ، ومن طريق
مُبارَك بن فَضَالةَ عن الحسن رَفَعَه مُرسَلاً (١٦ /٤٨): ((رَحِمَ الله أخي زكريّا ما كان عليه
مَن يَرِثُ مالَه)).
قلت: وعلى تقدير تسليم القول المذكورِ فلا مُعارضَ من القرآن لقولِ نبيِّنا عليه الصلاة
٩/١٢ والسَّلام: ((لا نورَث ما تَرَكنا صَدَقةٌ)) فیکون ذلك من/ خصائصه التي أُكرِمَ بها، بل قول
عمرَ: ((يريد نفسَه)) يُؤْيِّد اختصاصَه بذلك، وأمَّا عُموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِيّ
أَوْلَدِ كُمْ﴾ إلى آخره [النساء: ١١]، فأُجيبَ عنها بأنَّهَا عامّةٌ فِيمَن تَرَكَ شيئاً كان يَملِكُه،
وإذا ثَبَتَ أَنَّه وقَفَه قبلَ موتِه فلم يُخُلِّف ما يورَث عنه فلم يورَث، وعلى تقدير أنَّه خَلَّفَ
شيئاً مما كان يَملِكُه فدخولُه في الخِطاب قابِلٌ لِلتَّخصيصِ لما عُرِفَ من کَثْرة خصائصِه، وقد
اشتُهِرَ عنه أَنَّه لا یورَث فظَهَرَ تخصیصُه بذلك دون الناس.
وقيل: الحكمة في كونه لا يورَثُ حَسمُ المادّة في تَمنّي الوارث موتَ المورِّثِ من أجلِ المال،
وقيل: لِكَونِ النبيِّ كالأبٍ لأَمَّتِه فيكون ميراثه لِلجميع، وهذا معنى الصَّدَقة العامّة.
وقال ابن المنّيِّر في ((الحاشية)): يُستَفاد من الحديث أنَّ مَن قال: داري صَدَقةٌ لا تورَثُ: أنَّها
تكون حَبساً ولا يحتاج إلى التَّصريح بالوقفِ أو الحبس، وهو حسنٌ لكن هل يكون ذلك صريحاً
أو كِناية؟ يحتاج إلى نيَّة، وفي حديث أبي هريرة دلالة على صِحّة وَقْفِ المَنْقولاتِ، وأَنَّ الوَقْفَ
لا يَخْتَصّ بالعَقار لِعُمومٍ قوله: ((ما تَرَكت بعدَ نَفَقة نسائي ... )) إلى آخره.
ثم ذكر حديث عائشة أنَّ أزواج النبيِّ ◌ُێ حين تُوُلُّ أَرَدنَ أن يبعثنَ عثمان إلى أبي بكر
يسألنَه ميراثَهُنَّ، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله ◌َِّ ((لا نُورَث ما تَرَكنا صَدَقةٌ))
أورَدَه من رواية مالك عن ابن شِهاب عن عُرْوةَ، وهذا الحديث في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٩٣)
ووَقَعَ في رواية ابن وهب عن مالك حدَّثني ابن شِهاب، وفي ((الموطَّأ)) لِلدّارَقُطنيِّ من
طريق القَعنبيِّ: يسألنَه ثَمَنَهُنَّ، وكذا أخرجه من طريق جويريةَ بن أسماء عن مالك. وفي
(الموطَّأ) أيضاً (٢/ ٩٩٣) أرسَلنَ عثمان بن عَفّان إلى أبي بكر الصِّدّيق، وفيه: فقالت لهنَّ عائشة،

٣٠٣
باب ٤ / ح ٦٧٣١
كتاب الفرائض
وفيه: ((ما تَرَكنا فهو صَدَقةٌ)) وظاهر سياقه أنَّه من مُسنَد عائشة، وقد رواه إسحق ابن محمَّد
الفَرويّ عن مالك بهذا السَّنَد عن عائشة عن أبي بكر الصِّدّيق، أورَدَه الدَّارَ قُطنيُّ في
((الغرائب)) وأشار إلى أنَّه تفرَّد بزيادة أبي بكر في سنده، وهذا يوافق رواية مَعمَر عن ابن
شهاب المذكورة في أوَّل هذا الباب فإنَّ فيه عن عائشةَ أنَّ أبا بكرٍ قال: سمعت رسول الله وَل
يقول فذكره، فيحتمل أن تكون عائشة سمعَته من النبيِّ وَّ كما سمعَه أبوها، ويحتمل أن
تكون إنَّما سمعَته من أبيها عن النبيِّ وَّهِ فأرسَلَته عن النبيّ ◌َّهِ لمَّا طالَبَ الأزواجُ ذلك،
والله أعلم.
٤ - باب قول النبيِّ وَّ: ((مَن تَرَك مالاً فلأهْلِه))
٦٧٣١ - حدَّثْنَا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني أبو سَلَمةَ،
عن أبي هريرةَ ◌َّ، عن النبيِّ وَّ، قال: «أنا أوْلَى بالمؤمنينَ من أنفُسِهم، فمَن ماتَ وعليه دينٌ
ولم يَترُكْ وفاءًّ فعلينا قَضَاؤُه، ومَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَئَتِهِ)).
قوله: ((بابٌ قولُ النبيِّ ◌َّهِ: مَن تَرَكَ مالاً فلأهلِهِ)) هذه التَّرجمة لفظ الحديث المذكور في
الباب من طريقٍ أُخرى عن أبي سَلَمة، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٩٠) في أوَّل كتاب الفرائض
من طريق محمَّد بن عَمْرو بن عَلْقمة عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بهذا اللَّفظ(١)، وبعده: ((ومَن
تَرَكَ ضياعاً فإليّ)) وقال بعدَه: رواه الزُّهْرِيُّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة أطولَ من هذا (٢).
قوله في السَّنَد: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد، وقد بيَّنت في الكفالة
(٢٢٩٨) الاختلاف على الزّهْريِّ في صحابيِّه، وأنَّ مَعمَراً انفَرَدَ عنه بقولِه: عن جابرٍ بدلَ
أبي هريرة.
(١) هو هكذا في بعض النسخ بهذا اللفظ، كما ذكر المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) ٢٢١/٦، وفي النسخ
المطبوعة: ((من ترك مالاً فلورثته)) بدل ((أهله))، وهو عند أحمد في ((المسند)) (٧٨٦١) بلفظ: ((فلأهله)) من
الطريق المذكورة، وهو حديث صحيح.
(٢) هي رواية هذا الباب، ولكنها سلفت عند البخاري برقم (٢٢٩٨) بأتمَّ وأطول مما هنا. وهي عند مسلم
برقم (١٦١٩).

٣٠٤
باب ٤ / ح ٦٧٣١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنا أَوْلَى بالمؤمنينَ من أنفُسِهم)) هكذا أورَدَه مختصراً، وتقدَّم في الكفالة (٢٢٩٨)
١٠/١٢ من طريق عُقَيل عن ابن شِهاب بذِكْر سببه في أوَّله، ولفظُهُ: / إنَّ رسول الله وَ ل﴿ كان يُؤْتَی
بالرجلِ المتوقّ عليه الدَّين فيقول: ((هل تَرَكَ لدَينِه قضاء؟)) فإن قيلَ: نعم، صَلَّى عليه،
وإلّا قال: ((صَلّوا على صاحبكُم)). فلمَّا فَتَحَ الله عليه الفُتوح قال: «أنا أوْلى بالمؤمنينَ من
أنفُسِهم)) الحديث.
وتقدَّم في الفَرض (٢٣٩٩) وفي تفسير الأحزاب (٤٧٨١) من رواية عبد الرّحمن بن
أبي عَمْرةَ عن أبي هريرة بلفظ: ((ما من مُؤمِن إلّا وأنا أوْلى به في الدُّنيا والآخرة، اقرؤوا إن
شِئْتُم: ﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾﴾ [الأحزاب: ٦] الحديث.
وفي حديث جابر عند أبي داود (٢٩٥٤): أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يقول: «أنا أَوْلِى بكلِّ مُؤمِنٍ
من نفسِه))(١).
وقوله هنا: ((فمَن ماتَ وعليه دَين، ولم يَترُك وفاءً فعلينا قَضاؤُه)) يَخُصُّ ما أُطلِقَ في رواية
عُقَيلِ (٢٢٩٨) بلفظ: («فمَن تُؤُلِّ من المؤمنينَ وتَرَكَ دَيناً فعليَّ قَضاؤُه))، وكذا قوله في
الرِّواية الأُخرى في تفسير الأحزاب (٤٧٨١): «فإن تركَ دَيناً أو ضياعاً فليأتِني، فأنا مولاه))
أو ((وليُّه))، فعُرِفَ أنَّه مخصوصٌ بمن لم يَتْرُك وفاءً.
وقوله: ((فليأتِني)) أي: مَن يقوم مقامَه في السَّعي في وفاء دَينه، أو المراد: صاحب
الدَّين، وأمَّا الضَّمير في قوله: ((مولاه)) فهو للميِّتِ المذكور، وسيأتي بعد قليل (٦٧٤٥) من
رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((فأنا وليّه فِلأُدْعَى له))، وقد تقدَّم شرح ما يَتَعلَّق بهذا
الشِّقّ في الكَفالة (٢٢٩٨)، وبيان الحكمة في تَرْكِه الصلاةَ على مَن ماتَ وعليه دينٌ بلا
وفاء، وأنَّه كان إذا وجَدَ مَن يَتَكَفَّل بوفائه صَلَّى عليه، وأنَّ ذلك كان قبل أن يَفتَحَ الفُتوحَ
كما في رواية عُقَيل، وهل كان ذلك من خصائصه أو يجب على ولاة الأمرِ بعده؟ والرَّاجح
الاستمرارُ، لكنَّ وجوبَ الوفاء إنَّما هو من مال المصالح.
(١) وأخرجه كذلك من حديث جابرٍ مسلمٌ (٨٦٧)، والنسائي في ((المجتبى)) (١٩٦٢).

٣٠٥
باب ٤ / ح ٦٧٣١
كتاب الفرائض
ونَقَلَ ابن بَطّال وغيرُه: أنَّه كانَنَّهِ يَتَبَرَّع بذلك، وعلى هذا لا يجب على مَن بعده،
على الأوَّل قال ابن بَطّال: فإن لم يُعطِ الإمامُ عنه من بيت المال لم يُحبَس عن دخول الجنَّة،
لأَنَّه يَسْتَحِقُّ القَدْرَ الذي عليه في بيت المال، إلّا إن كان دَينُه أكثر من القَدرِ الذي له في بیت
المال مثلاً.
قلت: والذي يظهرُ أنَّ ذلك يَدخُل في المقاصّة، وهو كمَن له حَقٌّ وعليه حَقٌّ، وقد
مضى أنَّهم إذا خَلَصوا من الصِّراط حُبِسوا عند قَنطَرة بين الجنَّة والنار، يَتَقَاصُونَ المظالمَ
((حتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُوا أُذِنَ لهم في دخول الجنَّة))(١)، فيُحمَل قوله: لا يُحِبَس، أي: مُعَذَّباً
مثلاً، والله أعلم.
قوله: ((ومَن تَرَكَ مالاً فِلِورَثَتِه)) أي: فهو لورَثَتِه، وثبتت كذلك هنا في رواية الگُشْمِیھنِّ،
وكذا لمسلمٍ (١٤/١٦١٩)، وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرةَ (٢٣٩٩ و٤٧٨١): «فليَرِثه
عَصَبَتُهُ مَن كانوا))، ولمسلم (١٦١٩/ ١٥) من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((فإلى العَصَبة
مَن كان))، وسيأتي بعد قليل (٦٧٤٥) من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((فمالُه
المَوالي العَصَبةِ)) أي: أولياء العَصَبة.
قال الدَّاوُوديُّ: المراد بالعَصَبة هنا: الورَثة لا مَن يَرِثُ بالتَّعصيب، لأنَّ العاصبَ في
الاصطِلاح: مَن ليس(٢) له سَهمٌ مُقدَّر من المُجمَع على تَوريثهم، ويَرِث كلَّ المال إذا انفَرَدَ،
ويَرِث ما فضَلَ بعد الفُروض بالتَّعصيب.
وقيل: المراد بالعَصَبة هنا: قَرَابة الرجل، وهم مَن يَلتَقي مع المِيِّت في أبٍ ولو عَلَا،
سُمُّوا بذلك لأنَّهم يُحِيطونَ به، يقال: عَصَبَ الرجلُ بفلانٍ: أحاطَ به، ومن ثَمَّ قيلَ:
تَعَصَّبَ لفلانٍ، أي: أحاطَ به.
وقال الكِرْمانيُّ: المراد: العَصَبةُ بعد أصحاب الفُروض، قال: ويُؤخَذ حُكم أصحاب
(١) سلف برقم (٦٥٣٥) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) لفظة ((ليس)) سقطت من (س).

٣٠٦
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
الفُروض من ذِكْر العَصَبة بطريق الأوْلى، ويشير إلى ذلك قوله: ((مَن كانوا))، فإنَّه يَتَناول
أنواع المنتَسِبين إليه بالنَّفْسِ أو بالغير، قال: ويحتمل أن تكون ((مَنْ)) شرطيَّةً.
٥- باب میراث الولد من أبيه وأمّه
وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: إذا تَرَكَ رجلٌ أو امرأةٌ بنتاً فَلَها النِّصْفُ، وإن كانتا اثْنَتَينِ أو أكثرَ
فَلَهُنَّ الثُّلثان، وإن كان معهُنَّ ذَكَرٌ بُدِئَ بمَن شَرِكَهم، فَيُؤْنَى فَرِيضَتَه، فما بَقِيَ فِلِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الأُنثَيْنِ.
١١/١٢ ٦٧٣٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حذَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رجلٍ
ذَكَرٍ)).
[أطرافه في: ٦٧٣٥، ٦٧٢٧، ٦٧٤٦]
قوله: ((باب ميراثِ الوَلدِ من أبيه وأُمّه)» لفظ الولد أعَمُّ من الذَّكَر والأُنْثَى، ويُطلَق على
الولد للصُّلبِ، وعلى ولد الولد وإن سَفَلَ.
قال ابن عبد البَرّ: أصل ما بَنَى عليه مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ الحِجاز ومَن وافَقَهم في
الفرائض قولُ زيد بن ثابت، وأصلُ ما بَنَى عليه أهلُ العراق ومَن وافَقَهم فيها قولُ عليٍّ
ابن أبي طالب، وكلٍّ من الفريقَينِ لا يُخالف قولَ صاحبه إلّا في اليسير النادِرِ(١).
قوله: ((وقال زيد بن ثابت ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور (٥) عن عبد الرَّحمن
ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكر مِثْلَه سواءً، إلّا أنَّه قال
بعد قوله: وإن كان معهُنَّ ذَكَرٌ: فلا فريضةَ لأحدٍ منهُنَّ، ويُبدَأ بمَن شَرِكَهم فيُعطَى
فريضَتَه، فما بَقِيَ بعد ذلك فللذَّكَرِ مِثل حَظّ الأُنثَينِ(٢).
(١) زاد هنا في (س) عبارة: إذا ظَهَرَ له مَّ يجب عليه الانقياد إليه، ولم ترد هذه العبارة في الأصلين.
(٢) ووصله بهذا اللفظ وبالزيادة المذكورة الحاكم في ((المستدرك)) ٣٣٤/٤ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد
بالإسناد المذكور.

٣٠٧
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
كتاب الفرائض
قال ابن بَطّال: قوله: ((وإن كان معهُنَّ ذَكرٌ)) يُريد: إن كان مع البناتِ أخٌ من أبيهِنَّ، وكان
معه غيرُهُنَّ مِمّن له فَرْضٌ مُسمَّى كالأب مثلاً، قال: ولذلك قال: شَرِكَهم، ولم يَقُل: شَرِكَهُنَّ،
فيُعطَى الأب مثلاً فرضَه، ويُقْسَم ما بَقِيَ بين الابن والبنات للذَّكَرِ مِثل حَظّ الأُنْشَين، قال: وهذا
تأويل حديث الباب، وهو قوله: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلها».
قوله: ((ابن طاووس)) هو عبد الله.
قوله: ((عن ابن عباس)) قيل: تفرَّد وُهَيبٌ بوصْلِهِ، ورواه الثوريُّ عن ابن طاووس لم
يذكر ابنَ عبّاس، بل أرسلَه، أخرجه النسائيُّ (ك ٦٢٩٨)، والطحاوي (٤/ ٣٩٠)، وأشار
النسائيُّ إلى ترجيح الإرسال، ورُجِّح عند صاحِبَي ((الصحيح)) الموصولُ؛ لمتابعة رَوْح بن
القاسم وُهَيْباً عندهما (١)، ويحيى بن أيوب عند مسلم (٤/١٦١٥)، وزياد بن سعد (٤٠٧٢)
وصالح (٢) عند الدار قطني.
واختلف على مَعمر: فرواه عبد الرزاق عنه موصولاً (١٩٠٠٤)، أخرجه مسلم (٤/١٦١٥)
وأبو داود (٢٨٩٨) والترمذي (٢٠٩٨) وابن ماجه (٢٧٤٠) ورواه عبد الله بن المبارك عن مَعمر
والثوريِّ جميعاً مرسلاً، أخرجه الطحاوي (٤/ ٣٩٠)، ويحتمل أن يكون ◌َملَ روايةَ مَعمرٍ على
رواية الثوريِّ، وإنّما صَحّحاه لأن الثوريَّ، وإن كان أحفظَ منهم، لكن العدد الكثير يُقاومه، وإذا
تعارض الوَصْلُ والإرسالُ ولم يرجّح أحد الطريقين قدِّم الوصلُ، والله أعلم.
قوله: ((أَلحِقُوا الفرائضَ بأهلها)) المراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدَّرة في كتاب الله
تعالى، وهي النِّصفُ ونِصفُه، ونصفُ نِصْفِهِ، والثُّلثان ونِصفُهما، ونصفُ نِصْفِهما، والمراد
بأهلها: مَنْ يَستحقَّها بنصِّ القرآن، ووقع في رواية رَوْح بن القاسم عن ابن طاووس(٣).
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٦٧٤٦)، وأخرجه مسلم برقم (١٦١٥) (٣).
(٢) كذا وقع في الأصلين و(س): ((وصالح)) وليس في الرواة عن عبد الله بن طاووس مَنْ اسمه صالح،
ويغلب على ظنِّنا أنه زمعة بن صالح، وروايته عند الدار قطني (٤٠٦٨) عن ابن طاووس بإسناد حديث
الباب ولفظه.
(٣) إنما وقع هذا من رواية معمر عن ابن طاووس كما عند مسلم (١٦١٥) (٤) وغيره.

٣٠٨
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
((اقسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض على كتاب الله))، أي: على وَفْق ما أَنزل في كتابه.
قوله: ((فما بَقِيَ)) في رواية روح بن القاسم ((فما تَركَت)) أي: أبقت.
قوله: «فهو لاولی» في روایة الگُشْمِیھنی: «فلأَوْلی»، بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة:
أفعَل تفضيلٍ من الوَلي بسكون اللام .. وهو القُرْب، أي: لمن يكون أقربَ في النَّسب إلى المورِّث،
وليس المراد هنا الأحقَّ، وقد حكى عياضٌ: أنّ في رواية ابن الحَذّاء عن ابن ماهانَ في مسلم:
((فهو لأدنى))(١) بدالٍ ونُونٍ، وهي بمعنى: الأقربَ.
قال الخطابي: المعنى: أقرب رجل من العَصبة، وقال ابن بطّال: المراد ((بأوْلى رجل)): أن
الرجال من العَصَبة بعد أهل الفروض، إذا كان فيهم من هو أقربُ إلى الميِّت استحقَّ دون من هو
أبعدُ، فإنِ استَووا اشتَركوا، قال: ولم يقصِدْ في هذا الحديث مَن يُدْلى بالآباء والأمَّهات مثلاً، لأنه
ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استَوَوا في المنزلة، كذا قال(٢).
١٢/١٢
وقال ابن التين: انما المراد به العمَّةُ مع العمِّ، وبنت الأخ مع ابنِ الأَخِ، وبنتُ العَمِّ مع / ابن
العَمِّ، وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب، فإنهم يَرِثون بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ
إِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنََّيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ويستثنى من ذلك من يَحِجُب
كالأخِ للأبِ مع البنتِ، والأختِ الشَّقيقةِ، وكذا يخرج الأخُ والأختُ لأُمِّ لقوله: تعالى: ﴿فَلِكُلِّ
وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وقد نُقل الإجماعُ على أن المراد بها: الأخوةُ من الأُمِّ،
وسيأتي مزيدٌ في هذا في (باب ابني عَمِّ: أحدهما: أخٌ لِأُمِّ والآخرُ زوجٌ)).
قوله: ((رجلٍ ذَكَرٍ)) هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء كصاحب ((النهاية))
وتلميذه الغزالي: فلأَوْلى عَصَبة ذَكَرٍ، قال ابن الجوزيِّ والمنذريُّ: هذه اللفظةُ ليست
(١) ابن الحذّاء المذكور: هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذّاء التَّميمي القرطبي، سمع ((صحيح مسلم)
من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي، أحد رواة ((صحيح مسلم))، والرواية
المذكورة ذكرها القرطبي في ((المفهم)» ٤ /٤٣٤ قال: ((لأوْلى)» هي الرواية المشهورة، وقد رواها ابن الحذّاء
عن ابن ماهان: ((لأدنى)) وهو تفسير لأَوْلى؛ ويعني به الأقربَ.
(٢) كذا في (ع)، وجاء بعده في (أ): وقال ابن المنير، وفي (س): ابن المنير.

٣٠٩
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
كتاب الفرائض
محفوظةً، وقال ابن الصَّلاح: فيها بعدٌ عن الصِّحة من حيث اللغةُ فَضْلاً عن الرِّواية، فإنّ
العَصَبةَ في اللغة: اسمٌ للجَمع لا للواحد، كذا قال. والذي يظهر أنه اسمُ جنسٍ، ويدلُّ
عليه ما وقع في بعض طُرق حديث أبي هريرةَ الذي في الباب قبلَه: ((فليَرِثْهُ عَصَبْتُهُ مَن كانوا)).
قال ابن دقيق العيد: قد استُشكِلَ بأنَّ الأخواتِ عَصَباتُ البناتِ، والحديثُ يقتضي اشتراطَ
الذُّكورةِ فِي العَصَبة المستَحِقِّ للباقي بعدَ الفُروضِ. والجواب أنه من طريق المفهوم.
وقد اختُلف: هل له عمومٌ؟ وعلى التنزُّل فيُخَصُّ بالخبر الدالِّ على أن الأخواتِ
عَصَباتُ البناتِ؟ وقد استُشكِلَ التعبيرُ بذَكَرٍ بعدَ التَّعبير بَرَجُلٍ، فقال الخطابيُّ: إنّما كُرِّر
للبيان في نَعته بالذُّكورة ليُعلَمَ أنّ العَصَبَةَ إذا كان عمَّا أو ابنَ عمِّ مثلاً، وكان معه أختُ له:
أَنَّ الأختَ لا تَرِثُ، ولا يكون المال بينهما للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأُنثِينِ.
وتعقّب بأنّ هذا ظاهرٌ من التعبير بقوله: ((رجل))، والإشكالُ باقٍ إلا أنّ كلامَه ینحَلُّ
إلى أنه للتأكيد، وبه جزم غيرُه كابن التِّين، قال: ومثلُه ابن لَبُونٍ ذَكَرٍ، وَزَيَّفَه القرطبيُّ فقال:
قيل: إنه للتأكيد اللَّفظيِّ، ورُدَّ بأنّ العربَ إنما تؤكِّد حيث يفيد فائدةً، إمّا تعُّن المعنى في
النَّفْس، وإمَّا رفعُ توهُّم المجازِ، وليس ذلك موجوداً هنا.
وقال غيرُه: هذا التَّوكيد لمتعلَّق الحُكم وهو الذُّكورة؛ لأنّ الرَّجلَ قد يُراد به معنى النَّجدةِ
والقوّة في الأمر، فقد حكى سيبويه: مررتُ برَجُلِ رَجُلٍ أبوه (١)، فلهذا احتاج الكلامُ إلى زيادة
التوكيد بذَكَرٍ، حتى لا يُظَنَّ أن المراد به خصوصُ البالغ، وقيل: خشيةَ أن يُظنَّ بلفظ ((رجُل))
الشَّخصُ، وهو أعمُّ من الذَّكَر والأنثى.
وقال ابن العربيِّ في قوله: ((ذَكَر)): الإحاطةُ بالميراثِ إنّما تكون للذَّكَرِ دونَ الأنثى، ولا
يَردُ قولُ مَن قال: إن البنتَ تأخذُ جميعَ المالِ، لأنها إنما تأخذُه بسَببينِ متغايرَينٍ، والإحاطة
(١) وجرُّ ((رجل)) الثاني على الصِّفة، يعنى به الشّدة والكمال، وقد يُراد به على غير هذا المعنى فيُقال: مررت
برجلٍ رجلٌ أبوه؛ بالرفع تريد رجلاً واحداً لا أكثر من ذلك. انظر (الكتاب)) لسيبويه ٢٩/٢، و ((المخصص))
لا بن سِيدَه ١/ ٦٠.

٣١٠
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
مختصةٌ بالسبَّب الواحِد، وليس إلا الذَّكَر (١)؛ فلهذا نبّه عليه بذِكْر الذُّكوريةِ قال: وهذا لا
يَتفطَّن له كلُّ مدَّعٍ.
وقيل: إنه احترازٌ عن الخُنْثى في الموضعين، فلا تؤخذ الخُنْثِى في الزّكاة، ولا يَحُوز
الخنثى المالَ إذا انفرد، وقيل: للاعتناء بالجنس. وقيل: للإشارة إلى الكمال في ذلك، كما
يقال: امرأةٌ أُنثى. وقيل: لنَفْي توهُّم اشتراك الأنثى معه، لئلّا يُحمل على التَّغليب.
وقيل: ذُكِرَ تنبيهاً على سبب الاستحقاق بالعُصوبة، وسببِ التَّرجيح في الإرث، وهذا جُعل
للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأُشَينِ، وحِكمتُه: أنَّ الرِّجال تَلحقُهم المُؤَنُ، كالقيام بالعِيال والضِّيفان،
وإرفاد القاصِدينَ، ومواساةِ السائلينَ، وتحمُّل الغَراماتِ، وغير ذلك، هكذا قال النووي.
وسبقه القاضي عياضٌ، فقال: قيل: هو على معنى اختصاص الرِّجالِ بالتغَّصيب
بالذُّكُوريَّةِ التي بها القيامُ على الإناث، وأصلُه للمازريِّ فإنه قال بعد أن ذكر استشكالَ ما وَرد
في هذا، وهو رَجُلٌ ذَكَرٌ، وفي الزَّكاة ابن لَبُونٍ ذَكَرٍ، قال: والذي يظهر لي أنّ قاعدةَ الشَّرع في
الزّكاة الانتقالُ من سِنِّ إلى أعلى منها، ومن عَددٍ إلى أكثرَ منه، وقد جعل في خمسةٍ وعشرينَ
بنتَ تَخَاضٍ وسِنَّا أعلى منها، وهو ابنُ لَبُونٍ، فقد يتخيَّل أنه على خلاف القاعدة، وأن السِّنينَ
كالسِّنِّ الواحد، لأنّ ابنَ اللَّبُونِ أعلى سِنّا لكنه أدنى قَدْراً، فنبَّه بقوله: ((ذَكَر)) على أنّ الذُّكوريَّةِ
١٣/١٢ تُبخِّسه حتى يصيرَ مساوياً لبنت تَخَاضٍ، مع كونها أصغرَ سِنَّاً منه، وأما في الفرائض/ فلمّا عُلم
أن الرِّجال هم القائمون بالأمور، وفيهم معنى التَّعصيبِ، وتَرَى لهمُ العربُ ما لا ترَى للنِّساء
فعبَّرَ بلفظ (ذَكَر)) إشارةً إلى العِلَّة التي لأجْلها اختُصَّ بذلك، فهما وإن اشَتَركا في أن السَّبب
في وَصْف كلٍّ منهما بذَكَر التَّنبيهُ على ذلك، لكن متعلَّقَ الَّنبيه فيهما مختلفٌ، فإنه في ابن اللَّبُون
إشارةٌ إلى النَّقْص، وفي الرَّجل إشارةٌ إلى الفَضْل، وهذا قد لخَّصَه القرطبيُّ وارتضاهُ.
وقيل: إنه وصفٌ لـ((أَوْلى)) لا لـ((رَجَل))، قاله السُّهيلي وأطال في تقريره وتبجَّح به،
(١) كذا في (أ) و(س)، ووقع في (ع): ولهذا ليس إلّا الذكر، ووقع في مطبوع ((عارضة الأحوذي) لابن العربيّ
٢٤٧/٨: وليس للذَّكر.

٣١١
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
كتاب الفرائض
فقال: هذا الحديث أصلٌ في الفرائض، وفيه إشكالٌ، وقد تلقّاه الناسُ أو أكثَرُهم على وجهٍ
لا تصحُّ إضافته إلى من أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ، واختُصر له الكلامُ اختصاراً، فقالوا: هو نعتٌ
لـ((رَجَل)) وهذا لا يصحُّ، لعدم الفائدة لأنه لا يتصوَّر أن يكونَ الرَّجل إلا ذَكَراً، وكلامُه
أجُّ من أن يشتملَ على حَشْوٍ لا فائدةَ فیه، ولا يتعلَّق به حُكمٌ، ولو کان كما زعموا لنقصَ
فقهُ الحديثِ، لأنه لا يكون فيه بيانُ حُكم الطِّفل الذي لم يَبلِغْ سِنَّ الرُّجوليّة، وقد اتَّفقوا على أن
الميراثَ يجبُ له ولو كان ابنَ ساعةٍ، فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصَّغیر.
قال: والحديثُ إنّما سِيْقَ لبيان مَن يَستحقُّ الميراثَ من القرابة بعد أصحاب السِّهامِ، ولو كان
كما زعموا لم يكن فيه تفرقةٌ بين قرابة الأبِ وقرابةِ الأُمِّ.
قال: فإذا ثبت هذا فقوله: ((أَوْلِى رجُلِ ذَكَرٍ))، يريد القَريبَ في النَّسبِ الذي قرابتُه من قِبَل
رجلٍ وصُلْبٍ، لا من قبل بَطْن وَرَحِمٍ، فالأوْلى هنا هو وليُّ الميّت، فهو مضافٌ إليه في المعنى
دون اللَّفظِ، وهو في اللفظ مضافٌ إلى النَّسَب وهو الصُّلْبُ، فعبَّر عن الصُّلب بقوله: ((أوْلى
رجلٍ))، لأنّ الصُّلبَ لا يكون إلا رجلاً، فأفاد بقوله: ((لأوْلى رجل)): نفيَ الميراث عن الأَوْلِى
الذي هو من قِبَل الأُمّ كالخال، وأفاد بقوله: (ذَكَر)): نفيَ الميراثِ عن النساءِ، وان كنَّ من
المُدْلِينَ إِلى المَيِّت من قِبَلِ صُلْبٍ لأنهنَّ إناثٌ.
قال: وسببُ الإشكال من وجهين: أحدهما: أنه لما كان مخفوضاً ظُنَّ نعتاً لـ((رجلٍ))،
ولو كان مرفوعاً لم يُشكِلْ، كأن يُقال: فوارتُه أوْلى رجُلِ ذَكَرٍ. والثاني: أنه جاء بلفظ أفعَل،
وهذا الوزنُ إذا أُرِيدَ به التَّفضيلُ كان بعضَ ما يُضاف إليه، كفلانٍ أعلَمُ إنسانٍ، فمعناه:
أعلمُ الناسِ، فيُوهِمُ أن المرادَ بقوله: ((أَوْلى رجلٍ»: أوْلى الرِّجال وليس كذلك، وإنّما هو
أوْلى المَيِّت، بإضافة النَّسب، وأوْلى صُلْب بإضافتِه، كما تقول: هو أخوك أخو الرّخاء لا
أخو البلاءِ.
قال: فالأَوْلى في الحديث كالوليِّ، فإن قيل: كيف يُضاف للواحد وليس بجُزءٍ منه؟
فالجوابُ: إذا كان معناه الأقربَ في النَّسب جازتْ إضافتُه، وإن لم يكن جزءاً منه، كقوله

٣١٢
باب ٥ / ح ٦٧٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
وَال﴿ في البِرِّ: ((بِرَّ أُمَّكَ، ثم أباك، ثم أدناك))(١)، قال: وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجَز
من المتانةِ وكثرةِ المعاني ما ليس في غيره، فالحمدُ لله الذي وفَّق وأعانَ. انتهى كلامه، ولا
يخلو من استغلاقٍ.
وقد لخَّصَه الكرمانيُّ فقال: ((ذَكَرٍ)) صفةٌ لـ((أوْلى)) لا لرجُلِ، والأوْلِى بمعنى القريبِ الأقربِ،
فكأنه قال: فهو لقريب المِّت ذَكَر من جهة رجل وصُلْب، لا من جهة بَطْن ورَحِم، فالأولى من
حيث المعنى مضافٌ إلى الميت، وأُشير بذِكْر الرَّجل إلى الأَوْلويَّة، فأفاد بذلك نفيَ الميراثِ عن
الأَوْلى الذي من جهة الأُمّ كالخال، ويقوله: ((ذَكَرٍ)) نفيَهُ عن النساء بالعُصُويةِ، وإن كُنَّ من
المُدْلِينَ للميِّت من جهة الصُّلْب. انتهى، وقد أوردتُه كما وجدتُه ولم أحذفْ منه إلا أمثلةً أطال
بها، وكلماتٍ طويلةً تبجَّح بها بسَبَب ما ظهر له من ذلك، والعلمُ عند الله تعالى.
قال النووي: أجمعوا على أنَّ الذي يبقى بعد الفُروض للعَصَبة يقدَّم الأقربُ فالأقربُ،
فلا يرثُ عاصِبٌ بعيدٌ مع عاصبٍ قريبٍ، والعَصَبةُ: كلَّ ذَكَرٍ يُدْلي بنفسِه بالقَرابة ليس بينه
وبين المِيِّت أُنثى، فمتى انفَرَد أخذَ جميعَ المال، وإن كان مع ذَوي فُروضٍ غيرِ مُستغرقِينَ
أَخَذَ ما بَقِيَ، وإن كان مع مُستَغرِ قينَ فلا شيءَ له.
قال القرطبي: وأما تسميةُ الفقهاء الأُختَ مع البنتِ عَصَبَةً، فَعَلى سبيل التجوُّزِ، لأنها لمّا
١٤/١٢ كانت في هذه المسألة تأخذُ ما فَضَل عن البنت أشْبَهَتِ / العاصِبَ. قلت: وقد تَرجم البخاريُّ
بذلك كما سيأتي قريباً.
قال الطحاويُّ (٣٩٢/٤-٣٩٣): استدلَّ قومٌ - يعني ابنَ عبّاس ومَن تَبِعَه - بحديث
ابن عبّاس على أنَّ من خلَّف بنتاً وأخاً شقيقاً وأختاً شقيقةً، كان لابنتِهِ النِّصفُ، وما يَقِيَ
لأخيه ولا شيءَ لأُختِه ولو كانت شقيقةً، وطَردوا ذلك فيما لو كان مع الأختِ الشَّقيقةِ
عَصَبةٌ فقالوا: لا شيءَ لها مع البنتِ، بل الذي يبقى بعد البنتِ للعَصَبة ولو بَعُدوا،
واحتجُّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِنِ أُمُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾
(١) أخرجه الحاكم ١٥١/٤ من حديث أبي رِمثة، وأصله عند أحمد (٧١٠٦) بلفظٍ مقارِب، وانظر تمام تخريجه
وشواهده هناك.

٣١٣
باب ٦ / ح ٦٧٣٣- ٦٧٣٤
كتاب الفرائض
[النساء: ١٧٦]، قالوا: فمَن أعطى الأختَ مع البنتِ خالَفَ ظاهرَ القرآنِ، قال: واستُدِلَّ
عليهم بالاتفاق على أنّ مَن تَرك بنتاً وابنَ ابنٍ وبنتَ ابنِ متساويَينِ أن للبنتِ النّصفَ، وما
يَقِيَ بين ابنِ الابنِ وبنتِ الابنِ، ولم يَخُصُّوا ابنَ الابنِ بما بَقِيَ، لكونه ذَكَراً، بل وَرَّثوا معه
شقيقته وهي أُنثى.
قال: فعلم بذلك أن حدیثَ ابن عباسٍ ليس على عمومِه، بل هو في شيء خاصٍّ وهو
ما إذا ترك بنتاً وعمّا وعمّةً، فإنّ للبنت النِّصفَ وما يَقِيَ للعَمِّ دون العَمَّةِ إجماعاً.
قال: فاقتضى النَّظرُ تَرجيحَ إلحاقِ الأختِ مع الأخِ بالابنِ والبنتِ، لا بالعَمِّ والعَمَّةِ،
لأَنَّ المَيِّتَ لو لم يَتركْ إلّا أخاً وأختاً شقيقتَينِ فالمالُ بينهما، فكذلك لو تَرك ابنَ ابنٍ وبنتَ
ابنٍ، بخلاف ما لو تَركَ عمَّا وعَمّةً، فإنّ المالَ كلَّه للعَمِّ دون العمَّةِ باتِّفاقهم.
قال: وأمّا الجوابُ عّ احتَجُّوا به من الآية فهو أنهم أجمعوا على أنّ المِيِّت لو تَرك بنتاً
وأخاً لأبٍ: كان للبنت النّصفُ وما بقيَ للأخ، وأنّ معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ﴾ [النساء:
١٧٦] إنّما هو ولدٌ يَحُوز المالَ كلَّه، لا الولدُ الذي لا يَجوزُ.
وأقربُ العَصَباتِ البَنُونَ ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، ثم الأبُ ثم الجَدُّ والأخُ إذا انفردَ
واحدٌ منهما، فإن اجتَمعا فسيأتي حكمُه، ثم بنو الإخوةِ ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، ثمَّ الأعمامُ،
ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، ومَن أدْلَى بأبويْنِ يقدَّم على مَن أدْلَى بأبٍ، لكن يقدَّم الأخُ منَ الأبِ
على ابنِ الأَخِ من الأبوَيْنِ، ويقدَّم ابنُ أخ لأبٍ على عَمِّ لأبويْنِ، ويقدَّم عَمِّ لأبٍ على ابنِ
عمِّ لأبوَيْنٍ، واستَدلَّ به البخاريُّ على أنَّ ابنَ الابنِ يجوزُ المالَ إذا لم يكن دونه ابنٌ، وعلى أنّ
الجَدَّ يرثُ جميعَ المال إذا لم يكن دُونه أبٌّ، وعلى أنّ الأخَ من الأُمّ إذا كان ابنَ عمِّ يرثُ
بالفَرْض والتَّعصيبِ، وسيأتي جميعُ ذلك والبحثُ فيه.
٦ - بابُ ميراثِ البناتِ
٦٧٣٣ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، قال: أخبرني عامرُ بنُ سَعْدِ بنِ
أبي وَقّاصٍ، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمَكَّ مرضاً، فأشفَيتُ منه على الموتِ، فأتاني النبيُّ :
صَلىالله
وَسَّلة

٣١٤
باب ٦ / ح ٦٧٣٣ - ٦٧٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَعُودُني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالاً كثيراً، وليس يَرِثُّني إلا ابنَتَي، أفأْتُصَدَّقُ بُلُثَي مالي؟
قال: ((لا)). قال: قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: ((لا)). قلتُ: الثُّلُثُ؟ قال: ((الثُّلُثُ كبيرٌ، إِنَّكَ إن تَرَكْتَ
ولدَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَتْرُكَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ الناسَ، وإِنَّكَ لن تُنْفِقَ نَفَقةً إلا أُجِرْتَ عليها،
حتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُها إلى في امرأتِكَ)). فقلتُ: يا رسولَ الله، آأُخَلَّفُ عن هِجْرتي؟ فقال: ((لن
تُخَلَّفَ بَعْدي فَتَعمَلَ عملاً تريدُ به وجهَ الله إلا ازْدَدْتَ به رِفْعَةً ودرجةً، ولَعَلَّ أن تُخُلَّفَ بَعْدي
حتَّى يَنْتَفِعَ بكَ أقوامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرونَ، ولكنِ البائسُ سَعْدُ ابنُ خَوْلَةَ)) يَرْثِي له رسولُ الله ◌ِ أَنْ
ماتَ بِمَكّةً.
قال سفيانُ: وسَعْدُ ابنُ خَوْلَةَ رجلٌ من بني عامرِ بنِ لُؤَيٌّ.
١٥/١٢ ٦٧٣٤ - حدَّثْني محمودُ بنُ غَيْلانَ، حدَّثنا أبو النَّضْرِ، حذَّثنا أبو مُعاوِيةَ شَيْبانُ، عن أشعَثَ،
عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ، قال: أتانا معاذُ بنُ جبلٍ باليَمَنِ مُعلِّمً وأمِيراً، فسألناهُ عن رجلٍ تُوقِّيَ
وتَرَكَ ابْنَتَه وأُخْتَه؟ فأعطَى الابنةَ النَّصْفَ، والأُخْتَ النِّصْفَ.
[طرفه في: ٦٧٤١]
قوله: ((بابُ ميراثِ البناتِ)) الأصل فيه كما تقدَّم في أوَّل كتاب الفرائض قوله تعالى:
﴿ يُوصِيكُمْاللّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُشَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقد تقدَّمَتِ الإشارة
إليه وإلى سبب نُزولها، وأنَّ أهل الجاهليَّة كانوا لا يورِّثونَ البناتِ كما حكاه أبو جعفر بن
حَبيب في كتاب ((المحَبَّ))، وحكى أنَّ بعض عُقَلاء الجاهليَّة ورَّثَ البنتَ، لكن سوَّى بينها
وبين الذَّكَرِ(١)، وهو عامر بن ◌ُشَمٍ بضمِّ الجيم وفتح المعجَمة، وقد تَمَسَّكَ بالسَّبَبِ المذكور
مَن أجابَ عن السُّؤال المشهور في قوله تعالى: ﴿فَإِنَ كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ ﴾ [النساء: ١١]
(١) كذا ذكر هنا، ولكن المذكور في ((المحبََّ)) ص٢٣٦: ((فورَّث ذو المجاسد وهو عامر بن جُشَم مالَه
لولده في الجاهليّة: للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين، فوافق حكمَ الإسلام، وفي ص ٣٢٤: فأعطى البنتَ
سهماً والابنَ سهمينٍ، وكذا ذكر الدار قطني في ((المؤتلف والمختلف)) ٨٢٨/٢، قال: كان أوَّلَ عربيٍّ
قسَمَ للذكر مثل حظِّ الأنثيين، فنزل القرآن بذلك، فهي مأثرة لا مثلها. وانظر ((توضيح المشتبه)) لابن
ناصر الدين ٣/ ١٠٠.

٣١٥
باب ٦ / ح ٦٧٣٣ - ٦٧٣٤
كتاب الفرائض
حيثُ قيل: ذُكِرٍ في الآية حُكم البنتَينِ في حال اجتماعِهما مع الابن دونَ الانفراد، وذُكِر
حُكم البنتِ الواحدةِ في الحالَينِ، وكذا حُكم ما زاد على البنتَين.
وقد انفَرَدَ ابن عبّاس بأنَّ حُكمَهما حُكمُ الواحدة وأبى ذلك الجمهورُ، واختُلِفَ في
مأخَذِهم، فقيلَ: حُكمُهما حُكمُ الثلاثِ فما زادَ، ودليلُه بيان السُّنّة، فإنَّ الآية لمَّا كانت
مُحْتَمِلَةً بَّنْتِ السُّنّة أنَّ حُكمَهما حُكمُ ما زاد عليهما، وذلك واضحٌ في سبب التُّزول، فإنَّ
العَمّ لمَّا مَنَعَ البنتَينِ من الإرث وشَكَت ذلك أمُّهما، قال وَّ لها: ((يقضي الله في ذلك))،
فنزلَت آيَةُ الميراثِ، فأرسَلَ إلى العَمّ فقال: ((أعطِ بنتَي سَعْدِ الثُّلَيْنِ))(١) فلا يَرِد على ذلك أنَّه
يَلْزَم منه نَسُ الكتابِ بالسُّنّة، فإنَّه بيانٌ لا نَسخٌ، وقيل: بالقياس على الأُختَين، وهما أوْلى
لما يَخْتَصّ بهما من أنَّهما أمَسُّ رَحِماً بالميِّتِ من أُختَيهِ، فلا يُقَصَرُ بهما عنهما، وقيل: إنَّ لفظ
((فَوْق)) في الآية مُقحَمٌّ، وهو غَلَطُ.
وقال المبرِّد: يُؤْخَذ من جهةٍ أنَّ أقلَّ عَدَدٍ يجتمع فيه الصِّنفان ذَكَرٌ وأُنْشَى، فإن كان
للواحدة الثُّلثُ كان للبنتَينِ الثُّلثان.
وقال إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)): يُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
اُلْأُنْشَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، لأَنَّه يقتضي أنَّه إذا كان ذَكَرٌ وأُنْثَى فِلِلذَّكَرِ الثَّلثان وللأُنْتَى الثُّلث، فإذا
استَحَقَّتِ الُّلثَ مع الذَّكَر فاستِحقاقُها الثُّلُثَ مع أُنثَى مِثلِها بطريق الأولى.
وقال السُّهَيلِيُّ: يُؤخَذ ذلك من المجيء بلام التَّعريف التي للجِنسِ في قوله: ﴿حَظِّ
اُلْأُنثَيَبْنِ﴾ فإنَّه يدلّ على أنَّهما استَحقّا الثُّثَينِ، وأنَّ الواحدة لها مع الذَّكَرِ الثَّلُثُ، وكان ظاهر
ذلك أنَّهُنَّ لو كُنَّ ثلاثاً لاستَوعَبنَ المالَ، فلذلك ذَكَر حُكمَ الثَّلاث فما زاد واستَغنى عن إعادة
حُكم الأُنثَين، لأَنَّه قد تقدَّم بدلالة اللَّفظ.
وقال صاحب ((الكشّاف)): وجهُه أنَّ الذَّكَر كما يَجوزُ الثُّثَينِ مع الواحدة فالأُنَيَانِ كذلك
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٤٧٩٨)، وأبو داود (٢٨٩١) و(٢٨٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، والترمذي
(٢٠٩٢) من حديث جابر عبد الله رضي الله عنهما.

٣١٦
باب ٦ / ح ٦٧٣٣ - ٦٧٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَجوزان التُّلْثَين، فلمَّا ذَكَر ما دَلَّ على حُكم الأُنثَينِ ذكر بعده حُكم ما فوق الثِّتَين. وهو
مُتَزَع من كلام القاضي.
وقَرَّره الطِّيُّ فقال: اعتبرَ القاضي الفاءَ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَ كُنَّ نِسَآءُ﴾ لأنَّ مفهوم
ترتيب الفاء ومفهوم الوصف في قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنٍ﴾ مُشعِران بذلك، فكأنَّه لمَّا قال:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ عُلمَ بحَسَبِ الظّاهر من عِبارة النَّصّ حُكم الذَّكَر مع الأُنْشَى
إذا اجْتَمَعا، وفُهمَ منه بحَسَبٍ إشارة النَّصّ حُكم النِّتَينِ، لأنَّ الذَّكَر كما يَجوز الثُّلْثَينِ مع
الواحدة فالثِّتان يَجوزان الثّلاثَين، ثمَّ أراد أن يُعلمَ حُكم ما زاد على الثِّتَينِ فقال: ﴿فَإِن كُنَّ
نِسَآءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فمَن نظرَ إلى عِبارة النَّصّ قال: أُريدَ حالة الاجتماع دونَ الانفراد، ومَن
نظرَ إلى إشارة النَّصّ قال: إنَّ حُكم الثِّتَيْنِ حُكم الذَّكَر مُطلَقاً.
١٦/١٢
واعتُّرِضَ على هذا التَّقرير بأنَّه ثَبَتَ بما ذُكِرَ أنَّ لهما الثُّثَينِ في صورةٍ/ ما، وليست هي
صورة الاجتماع دائماً، إذ ليس للبنتَينِ مع الابن الثُّلثان، والجواب عنه عَسِرٌ إلّا إن انضَمَّ
إليه أنَّ الحديث بيَّن ذلك، ويُعتَذَر عن ابن عبّاسٍ بأنَّه لم يَبلُغْهُ فوقَفَ مع ظاهر الآية، وفُهمَ
أنَّ قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ لانتفاءِ الزّيادة على الثُّلْثَينِ، لا لإثبات ذلك للِّتَين، وكذا يَرِد على
جواب السُّهَيليِّ: أنَّ الاثنتَيْنِ لا يَستَمِرّ الثُّلثان حَظُّهما في كلّ صورةٍ، والله أعلم.
ثم ذكر المصنّف في الباب حديث سعد بن أبي وقّاصٍ في الوصيّة بالثَّلث، وقد مضى شرحُه
مُستَوقَی في الوصايا (٢٧٤٢).
والغرضُ منه قولُه: (وليس يَرِثُنِي إِلَّ ابنَتي))، وقد تقدَّم أنَّ الذي نَفاه سعدٌ أولادُه، وإلّا فقد
كان له من العَصَبات مَن يَرِثُه.
وحديثُ معاذٍ في تَوريث البنت والأُخت سيأتي شرحُه قريباً في ((باب ميراث الأخَوات مع
البنات)) (٦٧٤١) من وجه آخرَ عن الأسود.
وأبو النَّضر المذكور في سَنَده: هو هاشمُ ابن القاسم، وشَيْبان: هو ابن عبد الرَّحمن،
والأشعَث: هو ابن أبي الشَّعثاء سُلَيم المُحَاربيّ، وقد أخرجه يزيد بن هارون في كتاب

٣١٧
باب ٧ / ح ٦٧٣٥
كتاب الفرائض
((الفرائض)) له عن سفيان الثَّوْريِّ عن أشعَث بن أبي الشَّعثاء عن الأسود بن يزيد قال:
قَضَى ابن الزُّبَير في ابنةٍ وأُختٍ، فأعطَى الابنة النِّصفَ، وأعطَى العَصَبةَ بقيَّةَ المال، فقلت
له: إنَّ معاذاً قَضَى فيها باليَمَن، فذَكَره، قال: فقال له: أنتَ رسولي إلى عبد الله بن عُتْبةَ، وكان
قاضي الكوفة فحدِّثه بهذا الحديث، وأخرجه الدَّارِميُّ (٢٨٨٠) والطَّحاويُّ (٣٩٣/٤) من
طريق القَّوْريِّ نحوه.
٧- باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابنٌ
وقال زيدٌ: ولدُ الأبناءِ بمَنْزِلةِ الولدِ إذا لم يكن دونَهم ولدٌ ذَكَرٌ، ذَكَرُهُم كَذَكَرِهم، وأُنْتَاهُم
كأُنثاهُم، يَرِثونَ كما يَرِثونَ، ويَحْجُبونَ كما يَحْجُبونَ، ولا يَرِثُ ولدُ الابنِ معَ الابنِ.
٦٧٣٥ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ الله وَّ: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فهو لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)).
قوله: ((ميراث ابنِ الابنِ إذا لم يكنْ ابنٌ)) أي: للمَيِّتِ لصُلبِه سواءٌ كان أباه أو عَمَّه.
قوله: ((وقال زيد بن ثابت ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور (٥) عن عبد الرحمن
ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه.
وقوله: ((بمَنزِلة الولد)) أي: للصُّلبِ.
وقوله: ((إذا لم يكنْ دُونَهم)) أي: بينهم وبينَ المَيِّت.
وقوله: ((ولدٌ ذَكَرٌ)) احتَرَزَ به عن الأُنثَى، وسَقَطَ لفظ: ((ذَكَر)) من رواية الأكثر، وثَبَتَ
للكُشْمِيهنيٍّ، وهي في رواية سعيد بن منصور المذكورة.
وقوله: ((يَرِثونَ كما يَرِثونَ، ويَحَجُّبونَ كما يَحِجُّبونَ)) أي: يَرِثُونَ جميع المال إذا انفَرَدوا،
ويحجُبونَ مَن دونهم في الطَّقة ممَّن بینه وبین الميّتِ مثلاً اثنان فصاعداً، ولم يُرِد تشبیھھم بهم
من كلّ جهةٍ.
وقوله في آخره: ((ولا يَرِث ولدُ الابنِ معَ الابنِ)) تأكيدٌ لما تقدَّم، فإنَّ حَجْبَ أولادِ الابن

٣١٨
باب ٨ / ح ٦٧٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالابنِ إِنَّمَا يُؤخَذ من قوله: ((إذا لم يكن دونَهم ... )) إلى آخره بطريق المفهوم.
ثم ذَكَر حديثَ ابن عبّاس: ((أَلْحِقُوا الفرائضَ بأهلِها)) قد مضى شرحه قريباً (٦٧٣٢).
قال ابن بَطّل: قال أكثرُ الفقهاءِ فيمَن خَلَّفَت زوجاً وأباً وبنتاً وابنَ ابٍ وبنتَ ابنٍ: تُقَدّم
الفُروض، فلِلَّوج الرُّبُعُ، وللأبِ السُّدُسُ، وللبنتِ النِّصفُ، وما بَقِيَ بين ولدَي الابن للذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الأُنثَين، فإن كانت البنت أسفَلَ من الابنِ فالباقي له دونَها، وقيل: الباقي له مُطلَقاً
لقولِه: ((فَا بَقِيَ فلأولَی رجلٍ ذَكَرٍ)).
وتَسَّكَ زيد بن ثابت والجمهور بقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِ﴾
[النساء: ١١]، وقد أجمعوا أنَّ بَنِي البنينَ ذُكوراً وإناثاً كالبنينَ عند فَقْدِ البنينَ إذا استَووا في
القُعْدُدِ (١)، فعلى هذا تُخَصّ هذه الصّورةُ من عُمومٍ: ((فِلِأَوْلَى رجُلٍ ذَكَرٍ)).
٨- باب ميراث ابنةِ ابنٍ مع ابنةٍ
١٧/١٢
٦٧٣٦ - حدَّثنا آدمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا أبو قَيسٍ، سمعتُ هُزَيلَ بنَ شُرَحْبِيلَ، قال:
سُئلَ أبو موسى عن ابنةٍ وابنةِ ابنِ وأُخْتٍ، فقال: للابنةِ النَّصْفُ، وللأُحْتِ النِّصْفُ، وأْتِ ابنَ
مسعودٍ فَسَيُتَابِعُني، فسُئلَ ابنُ مسعودٍ وأُخْبِرَ بقولِ أبي موسى، فقال: لقد ضَلَلْتُ إذاً وما أنا
مِنَ المُهْتَدِينَ! أقضي فيها بما قَضَى النبيُّ وَِّ: للابنةِ النِّصْفُ، ولابنةِ ابنِ السُّدُسُ تَكْمِلةَ الُّلْثَينِ،
وما بَقِيَ فلِلأُخْتِ، فَأَتَينا أبا موسى فأخبَرْناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقال: لا تسألوني ما دامَ هذا
الحَبْرُ فیکم.
[طرفه في: ٦٧٤٢]
قوله: ((باب ميراث ابنةِ ابنٍ مع ابنةٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: مع بنتٍ.
قوله: ((حدَّثنا أبو قَيس)) هو عبد الرَّحمن بن ثَرْوانَ، بفتح المثلَّثة وسكون الرَّاء، وهُزَيل
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: ((التعدد)) بالتاء بدل القاف. والقَعْدُد، بضمِّ الدال وفتحها أيضاً: أقربُ القرابة إلى الجدِّ
الأكبر، يقال: مات فلانٌ فورثه فلانٌ بالقُعْدُد؛ أي: كان أقربَ أهل بيته نَسَباً إلى الجدِّ الأعلى. وقال ابن فارس في
((مقاييس اللغة): وقياسُه صحيحٌ لأنه قاعدٌ مع الأب الأكبر.

٣١٩
باب ٨ / ح ٦٧٣٦
كتاب الفرائض
- بالزّاي مُصغَّر، ووَقَعَ في كتب كثيرٍ من الفقهاء: هُذَيل بالذّال المعجَمة، وهو تحريفٌ - هو
ابن شُرَحبيل، وهو والراوي عنه كوفيّان أَوْدِيّانِ، ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك٦٢٩٤) من
طريق وكيع عن سفيانَ، عن أبي قَيسٍ: واسمه عبدُ الرَّحمن.
قوله: ((سُئلَ أبو موسى)) في رواية غُندَر عن شُعْبة عند النَّسائيّ (ك ٦٢٩٦): جاء رجل
إلى أبي موسى الأشعريّ، وهو الأمير، وإلى سلمان بن رَبيعة الباهليّ فسألَما (١)، وكذا أخرجه
أبو داود (٢٨٩٠) من طريق الأعمش عن أبي قيس، لكن لم يَقُل: وهو الأمير، وكذا للتِّرمِذيِّ
(٢٠٩٣) وابن ماجَهْ (٢٧٢١) والطَّحاويّ (٣٩٢/٤) والدَّارِميّ (٢٨٩٠) من طرق عن
سفيان الثَّوْريّ بزيادة سلمان بن ربيعة مع أبي موسى، وقد ذَكَروا أنَّ سلمان المذكور كان
على قضاءِ الكوفة(٣).
قوله: ((وانْتِ ابنَ مسعود، فسَيُتابعُني)) في رواية الأعمَش والثَّوْريِّ المشار إليهما: فقال له
أبو موسى وسلمان بن ربيعة، وفيها أيضاً: ((فسَيُتابعُنا))، وهذا قاله أبو موسى على سبيل الظَّنّ،
لأَنَّه اجْتَهَدَ في المسألة ووافَقَه سلمانُ، فظنَّ أنَّ ابن مسعود يوافقُهما، ويحتمل أن يكون سببُ قوله:
((ائتِ ابنَ مسعودٍ))، الاستثباتَ.
قوله: ((فقال: لقد ضَلَلْتُ إذا)) قاله جواباً عن قول أبي موسى: إنَّه سَيُتابعُه، وأشارَ إلى
أنَّه لو تابَعَه لَخَالَفَ صريحَ السُّنّة التي عندَه، وأنَّه لو خالَفَها عامداً لَضَلَّ.
قوله: ((أقضي فيها بما قَضَى النبيُّ ێ) في رواية الدار قطنيِّ (٤١٠٠) من طريق حَجّاج بن
أَرْطاةَ عن عبد الرَّحمن بن ثَرْوانَ(٣): فقال ابن مسعود: كيف أقول - يعني: مِثلَ قولِ أبي
موسى - وقد سمعتُ رسولَ الله ◌َ ل# يقول؛ فذكره.
قوله: ((فأتينا أبا موسى فأخبَرناه بقولِ ابن مسعود)» فيه إشارةٌ إلى أنَّ هُزَيلاً الراويَ تَوجَّهَ
(١) إنما وقع هذا في رواية وكيع عن سفيان برقم (٦٢٩٤)، وتحرف في المطبوع منه سليمان بن ربيعة إلى: سفيان بن
ربيعة. أما لفظ رواية غندر عن شعبة (٦٢٩٦) فليس فيها ذكر الأمير.
(٢) ذكر ذلك البخاري في ((التاريخ الكبير)) في ترجمته ١٣٦/٤، وابن سعد في ((الطبقات)) ١٣١/٦.
(٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: مروان، بالميم بدل الثاء، وما أثبتناه هو الصواب كما في (سنن الدار قطني)).

٣٢٠
باب ٨ / ح ٦٧٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
مع السائل إلى ابن مسعود، فسمعَ جوابَه فعادَ إلى أبي موسى معهم فأخبَروه.
قوله: ((لا تسألوني ما دامَ هذا الحَبْ)) بفتح المهمَلة وبكسرها أيضاً وسكون الموحّدة،
حكاه الجَوْهريّ، وَرَجَّحَ الكسر، وجَزَمَ الفَرّاء بأنَّه بالكسر وقال: سُمّيَ باسم الحِبر الذي
يُكتَب به، وقال أبو عُبيد الهَرَويُّ: هو العالِم بتحبیر الكلام وتحسینِه، وهو بالفتح في رواية
جميع المحدِّثينَ، وأنكَرَ أبو الهَثَم(١) الكسرَ، وقال الرَّاغِب: سُمّيَ العالِم حَبْراً لما يَبقَى من
أثرِ علومِه.
وكانت هذه القصَّة في زمن عثمان، هو الذي أمَّرَ أبا موسى على الكوفة، وكان ابن
مسعود قبل ذلك أميرَها، ثمَّ عُزِلَ قبل ولاية أبي موسى عليها بمُدّةٍ.
قال ابن بَطّال: فيه أنَّ العالم يَجْتَهِد إذا ظنَّ أن لا نَصَّ في المسألة، ولا يَتَوَلَّى الجواب إلى
أن يَبحَث عن ذلك. وفيه أنَّ الحُجّة عند التََّازُع سُنّةُ النبيِّي ◌َّهِ فيجب الرُّجوع إليها. وفيه
١٨/١٢ ما كانوا عليه من الإنصاف / والاعتراف بالحقِّ والرُّجوع إليه، وشهادةُ بعضِهم لبعضٍ
بالعلمِ والفضل، وكَثْرةُ اطّلاع ابن مسعود على السُّنّة، وتَئِبُّت أبي موسى في الفُتيا حيثُ
دَلَّ على مَن ظنَّ أنَّه أعلمُ منه، قال: ولا خِلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي
جواب أبي موسى إشعارٌ بأنَّه رَجَعَ عَّا قاله.
وقال ابن عبد البَرّ: لم يُخالِفْ في ذلك إلّا أبو موسى الأشعَريّ وسلمانُ بنُ رَبيعةَ الباهليُّ،
وقد رَجَعَ أبو موسى عن ذلك، ولعلَّ سلمانَ أيضاً رَجَعَ كأبي موسى، وسلمانُ المذكور مُخْتَلَف
في صُحته، وله أثرٌ في فتوح العراق أیام عمر وعثمانَ، واستُشهِدَ في زمن عثمان، و کان یقال له:
سلمان الخيل لمعرِفَتِه بها.
(١) أبو الهيثم الرازيّ، هكذا يُعرف بكنيته ولا يُعرف اسمه، معدود في النُّحاة اللغويِّين، يُستشهد بأقواله في كتب
اللغة، وخصوصاً المعاجم بذكر كنيته دون اسمه. قال السيوطي في ((بغية الوعاة)) ٢/ ٣٢٩: كان إماماً لغويّاً،
أدرك العلماء وأخذ منهم، وتصدَّر بالريّ للإفادة. انتهى، له كتاب ((الشامل في اللغة)) و((الفاخر في اللغة))
و((زيادات معاني القرآن للفرّاء)). انظر ((إنباه الرواة)) للقفطي ١٨٨/٤.