Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٣٠ / ح ٦٦٩٨ -٦٦٩٩
كتاب الأيمان والنذور
ـسـ
مسلم (١٦٣٨) أيضاً من رواية ابن عُيَينةَ ويونس ومَعمَر وبَكر بن وائل(١)، والنَّسائيُّ
(٣٦٥٩) من رواية الأوزاعيّ، والإسماعيليُّ من رواية/ موسى بن عُقْبة وابن أبي عَتيق ٥٨٥/١١
وصالح بن كَيْسانَ، كلُّهم عن الزُّهْرِيِّ بدونِها، وأظنُّها من كلام الزُّهْريّ، ويحتمل من
شیخه.
وفيها تَعقُّبُّ على ما نُقِلَ عن مالك: لا يَحُجّ أحدٌ عن أحد، واحتَجَّ بأنَّه لم يَبلُغه عن
أحدٍ من أهل دار الهجرة مُنذُ زمن رسول الله وَلّ أنَّه حَجَّ عن أحد، ولا أمَرَ به، ولا أذِنَ
فيه، فيقال لمن قَلَّده: قد بَلَغَ ذلك غيرَه، وهذا الزُّهْرِيُّ مَعدودٌ في فقهاء أهل المدينة، وكذا(٢)
شیخُه في هذا الحديث.
وقد استَدَلَّ بهذه الزّيادة ابنُ حَزْم لِلظّاهريَّة ومَن وافَقَهم في أنَّ الوارث يَلَزَمه قضاءُ
النَّذر عن مورِّثه في جميع الحالات، قال: وقد وَقَعَ نَظير ذلك في حديث الزُّهْريِّ عن
سَهل(٣) في اللِّعان لمَّا فارَقَها الرجل قبل أن يأمرَه النبيّ وَّ يفِراقها، قال: فكانت سُنّة.
۔
واختُلِفَ في تعيين نَذر أمّ سعد، فقيلَ: كان صوماً، لما رواه مسلمٌ البَطين عن سعيد بن
جُبَير عن ابن عبّاس: جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، إنَّ أمّي ماتت وعليها صومُ شهرٍ،
أفأقضيه عنها؟ قال: ((نعم)) الحديث(٤). وتُعقِّبَ بأنَّه لم يَتَعيَّن أنَّ الرجل المذكور هو سعد بن
عُبَادَة. وقيل: كان عِتقاً، قاله ابن عبد البَرّ، واستَدَلَّ بما أخرجه(٥) من طريق القاسم بن
محمَّد: أنَّ سعد بن عُبادة قال: يا رسولَ الله، إنَّ أمّي هَلَكَت، فهل يَنفَعُها أن أُعْتِقَ عنها؟
قال: ((نعم). وتُعقِّبَ بأنَّه مع إرساله ليس فيه التَّصريح بأنَّها كانت نَذَرَت ذلك. وقيل: كان
(١) لكنّ مسلماً لم يسق لفظ أي منهم، وقال: بإسناد الليث ومعنى حديثه.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: وكان.
(٣) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: سهيل، والحديث سلف عند البخاري برقم (٥٣٠٨).
(٤) سلف عند البخاري برقم (١٩٥٣).
(٥) لعله يريد أن يقول: بما أخرجه مالك، فسقطت لفظة ((مالك)) سهواً، فالحديث لم يخرجه ابن عبد البر، وإنما هو
في «الموطأ)» ٧٧٩/٢، ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٧٩/٦، والبغوي في ((شرح
السنة)» (٢٤٢٤).

٢٢٢
باب ٣٠ / ح ٦٦٩٨ -٦٦٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
نَذْرُها صَدَقة، وقد ذكرت دليله من ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٦٠) وغيره (١) من وجهٍ آخر عن سعد بن
عُبادة: أنَّ سعداً خَرَجَ مع النبيّ ◌َِّ، فقيلَ لأُمَّه: أَوِصِي، قالت: المالُ مالُ سعدٍ، فَتُؤُفِّيت قبل أن
يَقْدَمَ، فقال: يا رسولَ الله هل يَنفَعُها أن أتصَدَّقَ عنها؟ قال: ((نعم)). وعند أبي داود (١٦٨١) من
وجهٍ آخر نحوه، وزاد: فأيُّ الصَّدَقة أفضل؟ قال: ((الماء)) الحديث. وليس في شيء من ذلك
التَّصريح بأنَّهَا نَذَرَت ذلك. قال عِيَاض: والذي يظهر أنَّه كان نَذرُها في المال أو مُبهَماً. قلت:
بل ظاهرُ حديث الباب أنَّه كان مُعيَّناً عند سعد، والله أعلم.
وفي الحديث قضاءُ الحقوق الواجبة عن المِيِّت، وقد ذهبَ الجمهور إلى أنَّ مَن ماتَ
وعليه نَذرٌ ماليّ، أنَّه يجب قَضاؤُه من رأس ماله وإن لم يوصٍ، إلّا إِن وَقَعَ النَّذرُ في مرض
الموت فيكون من الثُّلث، وشَرَطَ المالكيَّة والحنفيَّة أن يوصيَ بذلك مُطلَقاً، واستُدِلَّ
لِلجُمهورِ بقصَّة أمّ سعد هذه، وقولِ الزّهْريِّ: إنَّها صارت سُنّةً بعدُ، ولكن يُمكِّن أن
یکون سعدٌ قَضاه من تَرِكَتِها، أو تَبَّّعَ به.
وفيه استفتاءُ الأعلم. وفيه فضلُ بِّ الوالدَينِ بعد الوفاة، والتَّوصُّل إلى براءة ما في ذِمَّتهم.
وقد اختَلَفَ أهل الأُصول في الأمرِ بعدَ الاستئذان، هل يكون كالأمرِ بعدَ الحَظْر أو لا؟
فَرَجَّحَ صاحب ((المحصول)) أنَّه مِثله، والرَّاجحُ عند غيره: أنَّه لِلإِباحة، كما رَجَّحَ جماعةٌ في
الأمر بعد الحظر: أنَّه لِلاستحبابِ.
ثم ذَكَر حديث ابن عبّاس: أتى رجلٌ النبيَّ ◌َِّ فقال: إنَّ أُختي نَذَرَت أن تَحُجَّ وإِنَّهَا
ماتت ... الحديث، وفيه: ((فاقضِ الله (٢) فهو أحقّ بالقضاءِ))، وقد تقدَّم شرحهُ في أواخر
كتاب الحجّ (١٨٥٢)، وذكرتُ الاختلاف في السائل؛ أهو رجلٌ كما وَقَعَ هنا، أو امرأةٌ كما
وَقَعَ هناك؟ وأنَّ الرَّاجح، وذكرتُ ما قيل في اسمها وأنَّها ◌َمنة، وبيَّنْتُ أنَّها هي السائلة عن
الصيام أيضاً، وبالله التَّوفيق.
(١) وأخرجه النسائي (٣٦٥٠)، وابن خزيمة (٢٥٠٠)، وابن حبان (٣٣٥٤)، والحاكم ٤٢٠/١، والبيهقي
٦/ ٢٧٨، كلهم من طريق مالك.
(٢) في (س): ((فاقض دين الله))، وهو خطأ.

٢٢٣
باب ٣١ / ح ٦٧٠٠
كتاب الأيمان والنذور
٣١- باب النّذرِ فيما لا يَملِك، وفي معصيةٍ
٦٧٠٠ - حذَّثنا أبو عاصم، عن مالك، عن طَلْحةَ بنِ عبدِ الملِكِ، عن القاسمِ، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: قال النبيُّ ◌ََّ: «مَن نَذَرَ أن يُطِيعَ الله فلْيُطِعْه، ومَن نَذَرَ أن يَعْصِيَه فلا
یَعْصِهِ)).
قوله: (بابُ النَّذْرِ فيما لا يَمْلِك، وفي مَعْصية)) وَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)»: ولا نَذْرَ في
معصية، وقال: ذَكرَ فيه حديث عائشة: ((مَن نَذَرَ أن يُطيع الله فليُطِعه)) الحديث، وحديثَ
أنسٍ في الذي رآه يَمشي بين ابنَه فنَهاه، وحديثَ ابن عبّاسٍ في الذي طافَ وفي أنفه خِزامةٌ
فنَهاه، وحديثَه في الذي نَذَرَ أن يقوم ولا يَستَظِلَّ فنَهاه، قال: ولا مَدخَلَ لهذه الأحاديث في
النَّذر فيما لا يَملِك، وإنَّما تَدخُل فِي نَذْر المعصية.
وأجابَ ابن المنيِّر بأنَّ الصَّواب مع البخاريّ؛ فإنَّه تَلَقَّى عَدَم لُزوم النَّدر فيما لا يَملِك
من عَدَمَ لُزومِه في المعصية، لأنَّ نَذره في مِلك غيره تَصَرُّفٌ في مِلك الغير بغير إذنه وهي
معصية، ثمَّ قال: ولهذا لم يَقُل: باب النَّذر فيما لا يَملِك وفي المعصية، بل قال: النَّذْر فيما لا
يَملِك، ولا نَذْرَ في معصية. فأشارَ إلى اندراج نَذر مال الغير في نذر المعصية فتأمَّله. انتهى، وما
نَفاه ثابتٌ في مُعظَم الرّوايات عن البخاريّ، لكن بغير لامٍ، وهو لا يَخْرُج عن التَّقرير الذي
قَرَّرَه، لأنَّ التَّقدير: باب النَّذر فيما لا يَملِك وحُكُمُ النَّذر في معصية، فإذا ثَبَتَ نفيُ النَّذر في
المعصية التَّحَقَ به النَّذر فيما لا يَملِك، لأنَّه يَستَلِزِم المعصية لِكَونِهِ تَصَرُّفاً في مِلك الغير.
وقال الكِرْمانيُّ: الدّلالة على التَّرجمة من جهة أنَّ الشَّخص لا يَملِك تعذيبَ نفسه، ولا
التِزامَ المشَقّة التي لا تَلَزَمه حيثُ لا قُربة فيها، ثمّ استشكَلَه بأنَّ الجمهور فَسَّروا ما لا يَملِك
بمثلِ النَّذر بإعتاق عبد فلان، انتھی.
وما وجَّهَه به ابن المنيِّر أقرَب، لكن يَلزَم عليه تخصيص ما لا يَملِك بما إذا نَذَرَ شيئاً مُعيَّنَاً،
كَعِقِ عبدِ فلان إذا مَلَكَه، مع أنَّاللَّفظ عامّ، فَيَدخُل فيه ما إذا نَذَرَ عِتَقَ عبدٍ غيرِ مُعيَّن فإنَّه يَصِحَ،
ويُجاب بأنَّ دليل التَّخصيص الاتِّفاق على انعقاد النَّذر في المبهم، وإَّا وَقَعَ الاختلاف في المعَيَّن.

٢٢٤
باب ٣١ / ح ٦٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم التَّبِيه في ((باب مَن حَلَفَ بمِلّةٍ سوى الإسلام)) (٦٦٥٢) على الموضع الذي
أخرج البخاريُّ فيه التَّصريح بما يُطابِقِ التَّرجمة، وهو في حديث ثابت بن الضَّحّاك (٦٠٤٧)
٥٨٧/١١ بلفظ: ((وليس على / ابن آدم نَذرٌ فيما لا يَملِك)).
وقد أخرجه التِّرمِذيّ (١٥٢٧) مُقتَصِراً على هذا القَدْر من الحديث.
وأخرج أبو داود (٣٣١٣) سببَ هذا الحديث مُقتَصِراً عليه أيضاً، ولفظه: نَذَرَ رجلٌ
على عهد النبيِّ ◌َّ أَن يَنْحَر ببَوانةَ - يعني: موضعاً، وهو بفتح الموحّدة وتخفيف الواو وبنونٍ -
فذكر الحديث.
وأخرجه مسلم (١٦٤١) من حديث عِمران بن حُصَينٍ في قصَّة المرأة التي كانت أسيرةً
فَهَرَبَت على ناقةٍ لِلنبيِّ نَّهِ كان الذينَ أسَروا المرأة انتَهَبوها (١)، فَذَرَت إن سَلِمَت أن
تَنحَرَها، فقال النبيّ وَّ: ((لا نَذْرَ في معصيةِ الله ولا فيما لا يَملِك ابنُ آدم)».
وأخرج ابن أبي شَيْبة من حديث أبي ثَعْلبة الحديثَ دونَ القصّة بنحوِهِ(٢).
ووَقَعَت مُطابَقةٌ جميع التَرجمة في حديث عِمرانَ بن حُصَينٍ المذكور.
وأخرجه النَّسائيُّ (٣٨٥٠) من حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة (٣) مِثله.
وأخرجه أبو داود (٣٢٧٢) من حديث عمر بلفظ: ((لا يمينَ عليك ولا نَذْرَ في معصيةٍ
الرَّبّ، ولا في قَطيعة رَحِم، ولا فيما لا تملك)).
وأخرجه أبو داود (٣٢٧٣) والنَّسائيُّ (٣٧٩٢) من رواية عَمْرو بن شُعَیب عن أبيه عن
جَدّه مِثله.
واختُلِفَ فيمَن وَقَعَ مِنه النَّذرُ في ذلك، هل تجب فيه كفَّارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن
أحمد والثَّوريِّ وإسحاق وبعض الشافعيَّة والحنفيَّة: نعم، ونَقَلَ التِّرمِذيُّ اختلاف الصحابة
(١) يعني: انتهبوا الناقة.
(٢) برقم (١٢٢٧٥) طبعة الجمعة واللحيدان.
(٣) تحرَّفت في (س) إلى: سلمة.

٢٢٥
باب ٣١ / ح ٦٧٠٠
كتاب الأيمان والنذور
في ذلك كالقولَينِ. واتّفَقوا على تحريم النَّذر في المعصية، واختلافُهم إنَّما هو في وجوب
الكفَّارة، واحتَجَّ مَن أوجَبَها بحديثِ عائشة: ((لا نَذْرَ في معصيةٍ وكَفَّارَتُه كفَّارة يمين)»
أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) ورواته ثقات(١)، لكنَّه معلولٌ، فإنَّ الزُّهْريَّ رواه عن أبي سَلَمة،
ثمَّ بيَّن أنَّه حَمَلَه عن سليمانَ بن أرقَم عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمة، فدَلَّسَه بإسقاطِ
اثنين، وحَسَّنَ الظَّنّ بسليمانَ وهو عند غيره ضعيف باتِّفاقهم، وحكى التِّرمِذيّ عن البخاريّ
أنَّه قال: لا يَصِحّ.
ولكن له شاهدٌ من حديث عِمرانَ بن حُصَين أخرجه النَّسائيُّ وضَعَّفَه(٢)، وشواهد أُخرى
ذكرتها آنِفاً.
وأخرج الدَّارَقُطنيُّ (٤٣١٧) من حديث عَديّ بن حاتمٍ نحوه.
وفي الباب أيضاً عُمومُ حديث عُقْبة بن عامر: ((كفَّارَةُ النَّذر كفَّارةُ اليمين)) أخرجه مسلم
(١٦٤٥).
وقد ◌َلَه الجمهور على نَذر اللَّجاج والغَضَب، وبعضُهم على النَّذر المطلَق، لكن أخرج
التِّرمِذيُّ (١٥٢٨) وابن ماجَهْ (٢١٢٧) حديث عُقْبَة بلفظ: («كفَّارَةُ النَّذر إذا لم يُسمَّ كفَّارةُ
يمين))، ولفظ ابن ماجَهْ: ((مَن نَذَرَ نَذْراً لم يُسمِّه ... )) الحديث.
وفي الباب حديثُ ابن عبّاس رَفَعَه: (مَن نَذَرَ نَذْراً لم يُسمِّه فكفَّارَته کفَّارة یمین)» أخرجه أبو
داود (٣٣٢٢)، وفيه: ((ومَن نَذَرَ في معصيةٍ فكفَّارَته كفَّارة يمين، ومَن نَذَرَ نَذْراً لا يُطيقُه فكفَّارَته
كفَّارة يمين)) ورواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة (٣) موقوفاً، وهو أشبه.
وأخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (٤٣٢٠) من حديث عائشة (٤).
(١) أخرجه أبوداود (٣٢٩٠-٣٢٩٢)، والترمذي (١٥٢٤) و(١٥٢٥)، وابن ماجه (٢١٢٥)، والنسائي
(٣٨٣٦ و٣٨٣٧).
(٢) انظر: ((المجتبى من سنن النسائي)) (٣٨٤٠-٣٨٤٩).
(٣) برقم (١٢٢٩٤) طبعة الجمعة واللحيدان.
(٤) وفي إسناده غالب بن عبيد الله العقيلي، قال الدار قطني: ضعيف الحديث.

٢٢٦
باب ٣١ / ح ٦٧٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
وحَمَلَه أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عُمومِه، لكن قالوا: إنَّ الناذِر مُخْيَّرٌ بين الوفاء
بما التَزَمَه وكَفَّارةِ اليمين.
وقد تقدَّم حديثُ عائشةَ المذكور أوَّل الباب قريباً (٦٦٩٦)، وهو بمعنى حديث: ((لا
نَذْر في معصية))، ولو ثَبَتَتِ الزّيادة لكانت مُبيِّنة لما أُجِلَ فيه.
واحتَجَّ بعض الحنابلة بأنَّه ثَبَتَ عن جماعةٍ من الصحابة، ولا يُحْفَظ عن صحابيِّ خِلافه،
قال: والقياس يقتضيه، لأنَّ النَّذر يمينٌ، كما وَقَعَ في حديث عُقْبة لمَّا نَذَرَت أُخته أن تَحُّ
ماشيةً: (لِتُكَفِّر عن يمينها)) فسَمَّى النَّذر يميناً، ومن حيثُ النَّظَر: هو عُقدةٌ لله تعالى بالتِزام
شيء، والحالف عَقَدَ يمينَه بالله مُلتَزِماً بشيءٍ، ثمَّ بيَّن أنَّ النَّذر آكَدُ من اليمين، ورَتَّبَ عليه أنَّه
لو نَذَرَ معصيةً ففَعَلَها لم تَسقُط عنه الكفَّارة بخِلَاف الحالف، وهو وجهٌ لِلحَنابِلة، واحتَجَّ له
بأنَّ الشّارعِ نَهَى عن المعصية وأمَرَ بالكفَّارة فَتَعيَّنَتْ، واستَدَلَّ بحديثٍ: ((لا نَذر في معصية)»
لِصِحّة النَّذر في المباح، لأنَّ فيه نفيَ النَّذر في المعصية، فبَقِيَ ما عَداه ثابتاً.
واحتَجَّ من قال: إنَّه يُشرَع في المباح بما أخرجه أبو داود (٣٣١٢) من طريق عَمْرو بن
شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه، وأخرجه أحمد (٢٢٩٨٩) والتِّرمِذيّ (٣٦٩٠) من حديث
٥٨٨/١١ بُرَيدة: أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنّ نَذَرتُ أن أضرِبَ على رأسِك بالدُّفّ، فقال:/
((أوفٍ بِنَذْرِك))، وزاد في حديث بُرَيدة: أنَّ ذلك وقتَ خروجه في غزوة، فَتَذَرَت إن رَدَّه الله
تعالى صالحاً (١). قال البيهقيّ: يُشبِه أن يكون أذِنَ لها في ذلك لما فيه من إظهار الفَرَح
بالسَّلامة، ولا يَلْزَم من ذلك القولُ بانعِقادِ النَّذر به.
ويدلُّ على أنَّ النَّذر لا يَنْعَقِد في المباح حديثُ ابن عبّاس ثالثُ أحاديث الباب، فإنَّه أمَرَ
الناذِرَ بأن يقومَ ولا يَقعُدَ ولا يتكلّمَ ولا يَسْتَظِلَّ ويصومَ ولا يُفطِرِ بأن يُثُمَّ صومَه ويتكلَّم
ويَستَظِلَّ ويَقعُد، فأمَرَه يفِعلِ الطاعة وأسقَط عنه المباح.
وأصرَحُ من ذلك ما أخرجه أحمد (٦٧١٤) من طريق عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه
أيضاً: ((إِنَّمَا النَّذْرُ ما يُبْتَغَى به وجهُ الله)).
(١) في (س): سالماً، والمثبت من الأصلين، وكلاهما وردت فيه رواية.

٢٢٧
باب ٣١ / ح ٦٧٠٠
كتاب الأيمان والنذور
والجواب عن قصَّة التي نَذَرَتِ الضَّربَ بالدُّفِّ ما أشار إليه البيهقيُّ، ويُمكِن أن يقال:
إنَّ مِن قِسْمِ المباح ما قد يصير بالقَصدِ مندوباً، كالنَّومِ في القائلة لِلتَّقْوِّي على قيام اللّيل،
وأكلَةِ السَّحَر لِلتَّقَوِّي على صيام النَّهار، فيُمكِن أن يقال: إنَّ إظهار الفَرَحِ بعَودِ النبيّ ◌َِلـ
سالماً معنَى مقصودٌ يَحَصُلُ به الثَّواب.
وقد اختُلِفَ في جواز الضَّرب بالدُّفِّ في غير النِّكاح والخِتان، وَرَجَّحَ الرَّافعيُّ في
((المحرَّر)) وتَبِعَه في ((المنهاج)): الإباحة، والحديث حُجّة في ذلك، وقد حَمَلَ بعضهم إذنَه لها
في الضَّرب بالدُّفِّ على أصل الإباحة، لا على خُصُوص الوفاء بالنَّذْرِ كما تقدَّمَ، ويُشكِل
عليه أنَّ في رواية أحمد في حديث بُرَيدة: ((إن كنتِ نَذَرتِ فاضِرِبي، وإلّا فلا))، وزَعَمَ
بعضُهم أنَّ معنى قولها: نَذَرتُ: حَلَفتُ، والإذن فيه لِلِّ يفِعلِ المباح، ويُؤيِّد ذلك أنَّ في
آخِرِ الحديث: أنَّ عمر دَخَلَ فتَرَكَتْ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ الشَّيطان لَيَخافُ مِنكَ يا
عمر))، فلو كان ذلك مَّا يُتَقَرَّب به ما قال ذلك، لكن هذا بعينِهِ يُشكِل على أنَّه مُباحٌ لِكَونِه
نَسَبَه إلى الشَّيطان. ويُجاب بأنَّ النبيَّ وَّهَ اطَّلَعَ على أنَّ الشَّيطان حَضَرَ لمَحِيَّتِه في سماع
ذلك، لما يرجوه من تمكُّنِهِ من الفتنة به، فلمَّا حَضَرَ عمرُ فرَّ مِنه لِعِلمِه بمُبادَرَتِه إلى إنكار
مثل ذلك، أو أنَّ الشَّيطان لم يحضُر أصلاً وإنَّما ذُكر مِثالاً لِصورةٍ ما صَدَرَ من المرأة
المذكورة، وهي إنَّمَا شَرَعَت في شيءٍ أصلُه من اللّهو، فلمَّا دَخَلَ عمر خَشِيَت من مُبادَرَته،
لِكَونِه لم يعلم بخُصوصِ النَّذر أو اليمين الذي صَدَرَ منها، فشَبَّهَ النبيُّ وَلّ حالها بحالة الشَّيطان
الذي يخاف من حضور عمر.
والشَِّيءُ بالشَّيءٍ يُذكَر، وقريبٌ من قِصَّتها قصَّةُ القَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كانتا تُغَنِّيّان عند النبيِّ وَلِّ فِي
يوم عيد، فأنكَرَ أبو بكر عليهما وقال: أبِمَزمورِ الشَّيطان عند النبيّ وَّ؟ فأعلمَه النبيُّ ◌َّـ
بإباحة مثل ذلك في يوم العيد(١).
فهذا ما يَتَعلَّق بحديثٍ عائشة.
(١) سلف برقم (٩٤٩).

٢٢٨
باب ٣١ / ح ٦٧٠١
فتح الباري بشرح البخاري
٦٧٠١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن مُميدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال:
٥٨٦/١١ ((إنَّ الله لَغَنِيٌّ عن / تَعْذِيبٍ هذا نفسَه)) ورآه يَمْشِي بينَ ابنَه.
وقال الفَزَاريُّ، عن مُميدٍ: حدَّثني ثابتٌ، عن أنسٍ.
وأما حديث أنس - وهو الثّاني من أحاديث الباب - فذكره هنا مختصراً، وتقدَّم في أواخر
الحجّ (١٨٦٥) قُبَيل فضائل المدينة بتمامه، وأوَّلُه: رأى شيخاً يُهادَى بين ابنَيه، قال: ((ما بالُ هذا؟))
قالوا: نَذَرَ أن يَمشيَ، فذكر الحديث، وفيه: وأمَرَه أن یرکَب.
وقوله: ((قال الفَزَاريُّ)) يعني: مروان بن معاوية ((عن مُميدٍ، حدَّثني ثابتٌ، عن أنس)) كأنَّه
أراد بهذا التَّعليق تصريح حُميدٍ بالتَّحديث، وقد وَصَلَه في الباب المشارِ إليه في الحجّ عن
محمَّد بن سَلَام عن الفَزَاريّ، وبيَّنتُ هناك مَن رواه عن حُميدٍ موافقاً لِلفَزاريِّ، ومَن رواه
عن ◌ُمیدٍ بدون ذِكْر ثابتٍ فيه.
وذكر المصنِّف هناك (١٨٦٦) حديثَ عُقْبة بن عامر قال: نَذَرَتْ أُختي أن تمشيَ إلى
بيت الله ... الحديث، وفيه: ((لِتمشي ولتَركَب))، وتقدَّم بعضُ الكلام عليه ثَمَّ. ووَقَعَ لِلمِزُيِّ
في ((الأطراف)) فيه وهمٌّ، فإنَّه ذكر أنَّ البخاريّ أخرجه في الحجّ عن إبراهيم بن موسى، وفي
النُّذُور عن أبي عاصم، والموجودُ في نُسَخ البخاريّ أنَّ الطَّريقَينِ معاً في الباب المذكور من
الحجّ، وليس لِحديثِ عُقْبة في النُّور ذِكْرٌ أصلاً.
وإنَّما أمَرَ الناذِر في حديث أنس أن يَركَب جَزماً، وأمَرَ أُخت عُقْبة أن تمشي وأن تَركَب،
لأَنَّ الناذِرَ في حديث أنس كان شيخاً ظاهرَ العجز، وأُختُ عُقْبة لم توصَف بالعجْزِ، فكأنَّه
أمَرَها أن تمشي إن قَدَرَت وتَركَبَ إن عَجَزَت، وبهذا تَرجَمَ البيهقيُّ لِلحديثِ (٧٨/١٠-٧٩)،
٥٨٩/١١ وأورَدَ في بعض / طرقه من رواية عِكْرمة عن ابن عبّاسٍ: أنَّ أُخت عُقْبة نَذَرَت أن تَحُجّ ماشية،
فقال: ((إنَّ الله غَنِيٌّ عن مَشي أُخْتِك، فلتَركَب ولتُهدِ بَدَنةً)). وأصله عند أبي داود (٣٢٩٦) بلفظ:
((ولتُهدِ هَدياً))، ووَهِمَ مَن نَسَبَ إليه أنَّه أخرج هذا الحديث بلفظ: ((ولتُهدِ بَدَنةً)). وأورَدَه من
طریق أُخرى (٣٢٩٧) عن عكرمة بغیر ذِكْر الهدي.

٢٢٩
باب ٣١ / ح ٦٧٠١
كتاب الأيمان والنذور
وأخرجه الحاكم (٣٠٢/٤) من حديث ابن عبّاسٍ بلفظ: جاء رجلٌ فقال: إنَّ أُختي
حَلَفَت أن تمشيَ إلى البيت، وإِنَّه يَشُقُّ عليها المشي، فقال: (( مُرْها فلتَركَب إذا لم تَستَطِع أن
تمشي، فما أغنَى اللهَ أن يَشُقّ على أُختك)). ومن طريق كُرَيبٍ عن ابن عبّاس: جاء رجلٌ
فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أُختي نَذَرَت أن تَحُجّ ماشيةً، فقال: ((إنَّ الله لا يصنع بشَقاءِ أُختك
شيئاً، لِتَحُجَّ راكِبَةً ثمَّ لِتُكَفِّرِ يمِينَها)».
وأخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١) من طريق عبد الله بن مالك عن عُقْبة بن عامر قال: نَذَرَت
أُختي أن تَحُجّ ماشيةً غير مُخْتَمِرة، فذكرتُ ذلك لِرسولِ الله ◌َِّ فقال: ((مُر أُختَك فلتَخْتَمِر
ولَركَب، ولتَصُم ثلاثة أيام)) ونَقَلَ التِّرمِذيّ عن البخاريّ: أنَّه لا يَصِحُّ فيه الهَدْي.
وقد أخرج الطبرانيُّ (٨٩٦/١٧) من طريق أبي تَميم الجيَشانيّ عن عُقْبة بن عامٍ في هذه
القصّة: نَذَرَتْ أن تمشيَ إلى الكعبة حافيةً حاسرةً، وفيه: ((لِتَركَبْ ولتَلَبَس ولتَصُم)).
ولِلطَّحاويِّ (١٣٠/٣) من طريق أبي عبد الرّحمن الحُبُليّ عن عُقْبة بن عامرٍ نحوه.
وأخرج البيهقيُّ (٨٠/١٠) بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة: بينما رسولُ الله ◌َ ◌ّ يسير في جَوفٍ
اللَّيل، إذ بَصُرَ بِخَيالٍ نَفَرَت مِنه الإبل، فإذا امرأة عُريانةٌ نافضةٌ شَعرَها، فقالت: نَذَرتُ أن أُجَّ
ماشيةً عُريانةً نافضةً شَعري، فقال: ((مُرْها فلتَلَبَس ثيابَها ولتُهرِق دَماً).
وأورَدَ (١٠/ ٨٠) من طريق الحسن عن عمران رَفَعَه: ((إذا نَذَرَ أحدُكم أن يُحُجّ ماشياً فليُهدِ
هَذْیاً ولیرگَب)» وفي سنده انقطاع.
وفي الحديث صِحّةُ النَّذر بإتيان البيت الحرام، وعن أبي حنيفة: إذا لم يَنِ حَجّاً ولا عمرةً لا
يَنْعَقِد، ثمَّ إِن نَذَرَه راكِباً لَزِمَه، فلو مَشَى لَزِمَه دَمٌّ لِتَرَفُّهِه بتَوفَِّ مُؤنة الرُّكوب، وإن نَذَرَه ماشياً
لَزِمَه من حيثُ أحرَمَ إلى أن تنتهي العمرةُ أو الحجّ، وهو قول صاحبي أبي حنيفة، فإن رکِبَ لعُذرٍ
أجزأه ولَزِمَه دَمٌ في أحد القولَينِ عن الشافعيّ، واختُلِفَ هل يَلزَمُه بَدَنَةٌ أو شاة؟ وإن رَكِبَ بلا
عُذر لَزِمَه الدَّم، وعن المالكيَّة في العاجِز: يَرجِع من قابِلٍ فَيَمشي ما رَكِبَ إلّا إن عَجَزَ مُطلَقاً
(١) أخرجه أبوداود (٣٢٩٣)، وابن ماجه (٢١٣٤)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٣٨١٥).

٢٣٠
باب ٣١ / ح ٦٧٠٢ -٦٧٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
فيَلْزَمُه الهَدْيِ. وليس في طرق حديث عُقْبة ما يقتضى الرُّجوع، فهو حُجّة لِلشّافعيِّ ومَن تَبِعَه.
وعن عبد الله بن الزُّبَير: لا يَلْزَمه شيءٌ مُطلَقاً.
قال القُرطُبيّ: زيادةُ الأمر بالهَدْي رواتها ثقاتٌ ولا تُرَدّ، وليس سُكوت مَن سَكَتَ عنها
بحُجّةٍ على مَن حَفِظَها وذكرها، قال: والتَّمَسُّك بالحديث في عَدَم إيجاب الرُّجوع ظاهر، ولكنَّ
عُمْدة مالك عَمَلُ أهلِ المدينة.
تنبيه: يقال: إنَّ الرجل المذكور في حديث أنسٍ هو أبو إسرائيلَ المذكورُ في حديث ابن
عبَّاسٍ الذي بعد الباب، كذا نَقَلَه مُغَلْطاي عن الخطيب، وهو تركيبٌ مِنه، وإنَّما ذكر الخطيبُ
ذلك في الرجلِ المذكور في حديثِ ابن عبّاس آخرَ الباب، وتَغايُرِ القِصَّتَينِ أوضَح من أن
يُتَكلَّفَ لِبیانه.
٦٧٠٢ - حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن سليمانَ الأحوَلِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ: أنَّالنبيَّ ◌َ رَأى رجلاً يَطوفُ بالكَعْبةِ بِزِمامٍ أو غيرِهِ، فَقْطَعَه.
٦٧٠٣ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم، قال: أخبرني سليمانُ
الأحوَلُ، أنَّ طاووساً أخبَرَه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َ مَرَّ وهو يَطُوفُ بالكَعْبةِ
بإنسانٍ يقودُ إنساناً بخِزامةٍ في أنِهِ، فقطَعَها النبيُّنَّهِ بَلِهِ، ثُمّ أُمَرَه أن يقودَه بَيَلِه.
وأما حديث ابن عبّاس في الذي طافَ بزِمامٍ، وهو الحديثُ الثّالث، فأورَدَه بعُلوٍّ عن أبي
عاصمٍ عن ابن جُرَيج، ولفظُه: رأى رجلاً يَطوفُ بالكعبة بزِمامٍ أو غيره، فقطَعَه. ثمَّ أورَدَه
بنزولٍ عن إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جُرَيجِ بلفظ: مرَّ وهو يَطوفُ بالكعبة
بإنسانٍ يقود إنساناً بخِزامةٍ في أنفِه، فقطَعَها ثمَّ أمَرَه أن يقودَه بیَدِه.
والخِزامةُ بكسر المعجَمة وتخفيف الزّاي: حَلْقَةٌ من شَعر أو وَبَر، تُجُعَل في الحاجِز الذي بین
مَنخِرَي البعير يُشَدُّ فيها الزّمام ليَسهُل انقيادُه إذا كان صَعباً.
وقد تقدَّم في ((باب الكلام في الطَّواف)) من كتاب الحجّ (١٦٢٠) من هذَينِ الوجهَينِ عن
ابن جُرَيج، وذكرتُ ما قيل في اسم القائد والمقود، ووجه إدخاله في أبواب النَّذر، وأنَّه عند

٢٣١
باب ٣١ / ح ٦٧٠٤
كتاب الأيمان والنذور
النَّسائيِّ (٢٩٢٠-٢٩٢١) من وجهٍ آخر عن ابن جُرَيج، وفيه التَّصريح بأنَّه نَذَرَ ذلك، وأنَّ ٥٩٠/١١
الدَّاوُودِيَّ اسْتَدَلَّ به على أنَّ مَن نَذَرَ ما لا طاعةَ لله فيه لا يَنعَقِد نَذره، وتَعقَّبَ ابنِ التّينِ له
والجوابَ عن الدَّاووديِّ وتصويبه في ذلك.
٦٧٠٤ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ
عبَّاسٍ، قال: بَيْنا النبيُّ وَّمْ يَخْطُبُ إذا هو برجلٍ قائم، فسألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نَذَرَ أن
يقومَ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يتكلَّمَ، ويصومَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((مُرْهُ فَلْيتكلّم، ولْيَسْتَظِلَّ،
ولْيَقْعُد، ولْيُِّمَّ صَومَه)).
قال عبدُ الوهّاب: حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن النبيِّ وَّ.
وأما حديث ابن عباس أيضاً، وهو الحديث الرابع، فوُهَيبٌ في سنده: هو ابن خالد،
وعبدُ الوهّاب الذي عَلَّقَ عنه البخاريُّ آخرَ الباب: هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ. وقد يَتَمسَّك
بهذا مَن يرى أنَّ الثَّقات إذا اختَلَفوا في الوصل والإرسال، يُرجَّحُ قول مَن وصَلَ لما معه
من زيادة العلم، لأنَّ وُهَيباً وعبد الوهاب ثِقَتان، وقد وَصَلَه وُهَيبٌ وأرسَلَه عبد الوهّاب،
وصَحَّحَه البخاريُّ مع ذلك، والذي عَرَفناه بالاستقراءِ من صَنِيعِ البخاريّ أنَّه لا يَعمَل في
هذه الصُّورة بقاعِدةٍ مُطَّرِدةٍ، بل يدور مع التَّرجيح إلّا إن استَووْا فِيُقدِّم الوصل، والواقع
هنا أنَّ مَن وَصَلَه أكثر ممّن أرسَلَه، قال الإسماعيليّ: وَصَلَه مع وُهَيبٍ عاصمُ بنُ هلال
والحسنُ بن أبي جعفر، وأرسَلَه مع عبدِ الوهّاب خالدٌ الواسطيُّ. قلت: وخالدٌ مُتْقِنٌ، وفي
عاصمٍ والحسن مقالٌ، فَيَستَوي الطَّرَفان فيترجَّح الوصل، وقد جاء الحديث المذكور من
وجهٍ آخر فازدادَ قوّة، أخرجه عبد الرَّزاق (١٥٨١٨) عن ابن طاووسٍ عن أبيه عن أبي
إسرائيل(١).
قوله: (بَيْنا النبيُّ وَ لَهِ يَخْطُب)) زاد الخطيب في ((المبهَمات)) من وجهٍ آخر: يومَ الجمعة.
(١) هكذا أخرجه أحمد (١٧٥٣٢) عن عبد الرزاق بصورة الموصول، ولكن الذي في ((مصنف عبد الرزاق)): عن ابن
جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: دخل النبي ◌َّ ... فذكره مرسلاً.
جـ

٢٣٢
باب ٣١ / ح ٦٧٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إذا هو برجلٍ)) في رواية أبي يَعْلى عن إبراهيم بن الحجّاج عن وُهَيب: إذ التَفَتَ
فإذا هو برجلٍ(١).
قوله: ((قائم)) زاد أبو داود (٣٣٠٠) عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاريّ فيه: في الشمس،
وكذا في رواية أبي يَعْلى. وفي رواية طاووسٍ: وأبو إسرائيلَ يُصَلّي.
قوله: ((فسألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيل)) في رواية أبي داود: فقالوا: هو أبو إسرائيل، زاد
الخطيبُ: رجلٌ من قُرَيشٍ.
قوله: (نَذَرَ أن يقوم)) قال البَيْضاويّ: ظاهر اللَّفظ: السُّؤالُ عن اسمه، فلذلك ذَكَروه،
وزادوا فِعلَه، قال: ويحتمل أن يكون سألَ عن حاله، فذَكَروه وزادوا التَّعريف به، ثمّ قال: ولعلَّه
لمَّا كان السُّؤال مُحْتَمِلاً ذَكَروا الأمرَينِ جميعاً.
قوله: ((ولا يَسْتَظِلَّ)» في رواية الخطيب: ويقومَ في الشمس.
قوله: ((مُرْه)) في رواية أبي داود: ((مُروه)) بصيغة الجمع، وفي رواية طاووسٍ: ((لِيَقعُد
وليتكلّم)).
وأبو إسرائيلَ المذكورُ لا يُشاركُه أحدٌ في كُنْيته من الصحابة، واختُلِفَ في اسمه، فقيلَ: قُشَيْرٌ
بقافٍ وشينِ مُعجَمةٍ مُصغٌَّ، وقيل: يُسَير بتحتائيَّة ثمَّ مُهمَلة مُصغَّر أيضاً، وقيل: قَيصَر باسم
مَلِك الرُّوم، وقيل: بالسِّين المهمَلة بدلَ الصّاد، وقيل: بغير راءٍ في آخره، وهو قُرَشِيٌّ ثمَّ عامِرِيٌّ،
وتَرجَمَ له ابن الأثير في ((الصحابة)) تَبَعاً لغيره، فقال: أبو إسرائيل الأنصاريّ. واغتَرَّ بذلك
الكِرْمانِيُّ فَجَزَمَ بأنَّه من الأنصار، والأوَّل أولى.
وفي حديثه أنَّ السُّكوتَ عن المباح ليس مِن طاعةِ الله، وقد أخرج أبو داود (٢٨٧٣) من
حديث عليٍّ: ولا صَمْتَ يومٍ إلى اللّيل، وتقدَّم في السِّيرة النبويَّة (٣٨٣٤) قولُ أبي بكرِ الصِّدّيق
للمرأة: إنَّ هذا - يعني: الصَّمت - من فِعل الجاهليّة.
(١) أخرجه ابن حبان (٤٣٨٥) عن أبي يعلى والحسن بن سفيان، عن إبراهيم بن الحجاج، عن وهيب، ولفظه: إذا
رأى رجلاً قائماً. ولكن يحتمل أن يكون هذا لفظ الحسن بن سفيان وليس لفظ أبي يعلى.
وأخرج من وجه ثالث عن إبراهيم بن الحجاج، الطحاوي في ((شرح شكل الآثار)) (٢١٦٨) ولم يذكر لفظه.

٢٣٣
باب ٣٢ / ح ٦٧٠٥ - ٦٧٠٦
كتاب الأيمان والنذور
وفيه أنَّ كلَّ شيءٍ يَتأذَّى به الإنسان ولو مَآلاً، ممّا لم يَرِد بمشروعيَّتِّه كتابٌ أو سُنّة،
كالمشي حافياً والجلوسِ في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا يَنعَقِد به النَّذْر، فإنَّه ◌َّهِ أَمَرَ
أبا إسرائيل بإتمام الصوم دونَ غيره، وهو محمولٌ على أنَّه عَلِمَ أنَّه لا يَشُقّ عليه، وأمَرَه أن
يَقعُد ويتكلَّمَ ويَستَظِلَّ.
قال القُرطُبيُّ: في قصَّة أبي إسرائيل هذه أوضَحُ الحُجَجِ لِلجُمهورِ في عَدَم وجوب
الكفَّارة على مَن نَذَرَ معصيةً، أو ما لا طاعة فيه، فقد قال مالك لمَّا ذكره: ولم أسمع أنَّ
رسول الله وَالْ أَ مَرَه بالكفَّارة.
٣٢- باب مَن نذر أن يصوم أياماً، فوافق النّحرَ أو الفطر
٦٧٠٥ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّمِيُّ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ
عُقْبَةَ، حدَّثنا حَكِيمُ بنُ/ أبي حُرّةَ الأسلَمِيُّ: أنَّه سَمِعَ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما سُئلَ عن ٥٩١/١١
رجلٍ نَذَرَ أن لا يأتيَ عليه يومٌ إلا صامَ، فوافَقَ يومَ أضْحَى أو فِطْرٍ؟ فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِی
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لم يكن يصومُ يومَ الأضْحَى والفِطْرِ، ولا يَرَى
صِیامھما.
٦٧٠٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن يونُسَ، عن زيادِ بنِ جُبَيٍ،
قال: كنتُ معَ ابنِ عمرَ فسألَه رجلٌ، فقال: نَذَرْتُ أن أصومَ كلَّ يوم ثلاثاءَ أو أربِعاءَ ما
عِشْتُ، فوافَقْتُ هذا اليومَ يومَ النَّحْرِ؟ فقال: أمُرَ اللهُ بَوَفاءِ النَّذْرِ، ونُهِينا أن نصومَ يومَ النَّحْرِ،
فأعادَ علیه، فقال مِثلَه، لا یزیدُ عليه.
قوله: ((بابُ مَن نَذَرَ أن يصوم أياماً)) أي: مُعيَّنَةً ((فوافَقَ النَّحرَ أو الفِطْرَ)) أي: هل يجوز له
الصيام أو البَدَل أو الكفَّارة؟ انعَقَدَ الإجماع على أنَّه لا يجوز له أن يصومَ يوم الفِطْر ولا يومَ
النَّحر لا تَطَوُّعاً ولا عن نَذْر، سواء عَيَّنَهما أو أحدهما بالنَّذْرِ، أو وقَعا معاً أو أحدُهما اتِّفاقاً،
فلو نَذَرَ لم يَنعَقِد نَذرُه عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وخالَفَ
أبو حنيفة فقال: لو أقدَمَ وصامَ وَقَعَ ذلك عن نَذره.

٢٣٤
باب ٣٢ / ح ٦٧٠٥ - ٦٧٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم بسطُ ذلك في أواخر الصيام (١٩٩٤)، وذكرتُ هناك الاختلاف في تعيين
اليوم الذي نَذَرَه الرجل، وهل وافَقَ يومَ عيد الفِطْر أو النَّحر، وأنّي لم أقِفْ على اسمه مع
بيان الكثير من طرقه، ثمَّ وجدتُ في ((ثقات ابن حِبّان)) (٣٤٣/٥) من طريق كَرِيمة بنت
سِيرِين: أنَّها سألت ابنَ عمر فقالت: جَعَلتُ على نفسي أن أصوم كلَّ أربِعاء، واليومُ يومُ
أربعاء وهو يوم النَّحر، فقال: أمَرَ اللهُ بوفاءِ النَّدر ونَهَى رسولُ اللهِ وَ ◌ّر عن صوم يوم
النَّحر. ورواته ثقاتٌ، فلولا تَوارُد الرّواة بأنَّ السائل رجلٌ لَفَسَّرَتُ المبهَمَ بكَرِيمة، ولا
سيَّما في السَّنَد الأوَّل، فإنَّ قوله: سُئلَ - بضمٍّ أوَّله - يَشمَل ما إذا كان السائل رجلاً أو
امرأة، وقد ظَهَرَ من رواية ابن حِبّان أنَّها امرأة، فيُفَسَّر بها المبهم في رواية حَكيم، بخِلَاف
رواية زياد بن جُبَير حيثُ قال: فسألَه رجل، ثمَّ وجدتُ الخبر في كتاب ((الصيام)) ليوسف
ابن يعقوب القاضي، أخرجه عن محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ شيخ البخاريّ فيه، وأخرجه أبو
نُعَيم من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ ولفظه:
أنَّه سَمِعَ رجلاً يسأل عبدَ الله بنَ عمر عن رجل نَذَرَ ... فذكر الحديث.
وفُضَيل في السَّنَد الأوَّل بالتَّصغير، وحَكِيم بفتحِ أوَّله، وأبو حُرّة أبوه بضمِّ المهمَلة
والتَّشديد لا يُعرَف اسمُه، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد، وقد أورَدَه
مُتابعاً لِرواية زياد بن جُبير عن ابن عمر.
وفي سياق الرِّواية الأولى إشعارٌ بُرُجْحان المنع عند ابن عمر، فإنَّ لفظه: فقال: ﴿لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ لم يكن يصوم يومَ الأضحَى والفِطْرِ، ولا يرى صيامَهما.
ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من الزّيادة في آخره: قال يونس بن عُبيد: فذكرتُ ذلك لِلحَسن، فقال:
يصوم يوماً مكانه. أخرجه من طريق محمَّد بن المِنهال عن يزيد بن زُرَيعِ الذي أخرجه البخاريُّ
من طريقه.
قال الكِرْمانيُّ: قوله: لم يكن، أي: رسولُ الله وَّهِ، وقوله: ولا نَرَى، بلفظ المتكلِّم،
فيكون من جُملة مَقُول عبدِ الله بن عمر، وفي بعضها بلفظ الغائب، وفاعله عبدُ الله وقائلُه

٢٣٥
باب ٣٣ / ح ٦٧٠٧
كتاب الأيمان والنذور
حَكيم. قلت: وَقَعَ في رواية يوسف بن يعقوب المذكورة بلفظ: لم يكن رسولُ الله وَه
يصوم يوم الأضحَى ولا يوم الفِطْر ولا يأمُر بصيامهما، ومثله في رواية الإسماعيليّ. وجَوَّزَ
الكِرْمانيُّ - بناءً على تعدُّد القصَّة - أنَّ ابن عمر تَغيَّرَ اجتهادُه، فجَزَمَ بالمنع بعد أن كان
يَتَرَدَّد. / انتهى، وليس فيما أجابَ به ابنُ عمر أوَّلاً وآخِراً ما يُصرِّح بالمنع في خُصُوص هذه ٥٩٢/١١
القصّة، وقد بَسَطتُّ القول في ذلك في (باب صوم يوم النَّحر)) (١٩٩٤) وبالله التَّوفيق.
قوله: ((يونُس)) هو ابن عُبيد، وصَرَّحَ به الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن المِنهال عن يزيد
ابن زُرَیعِ.
قوله: ((فأعادَ عليه)) زاد ابن المنهال في روايته: فخُيِّلَ إلى الرجل أنَّه لم يَفهَم، فأعادَ عليه
الكلام ثانية.
٣٣- بابٌ هل يدخل في الأَيمان والنُّذور الأرضُ
والغَنمُ والزَّرِعُ والأمتعة؟
وقال ابنُ عمَرَ: قال عمرُ لِلنبيِّ وَّهِ: أَصَبتُ أرضاً لم أُصِب مالاً قَطُّ أَنفَسَ منه، قال: ((إنْ
شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها، وتَصَدَّقْتَ بها)).
وقال أبو طَلْحَةَ لِلنبيِّ وَّهِ: أَحَبُّ أموالي إليَّ بَيرُحاءَ، لِحائطٍ له مُسْتَقِبِلةِ المسجدِ.
٦٧٠٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ثَوْرِ بنِ زيدِ الدِّيلِيِّ، عن أبي الغَيْثِ
مولى ابنِ مُطِيعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ وَ لَ يومَ خَيرَ، فلم نَغْتَم ذهباً ولا
فِضّةً، إلا الأموالَ: المتاع والقِّيَابَ، فأهدى رجلٌ من بني الضُّبَيبِ - يقالُ له: رِفاعُ بنُ زيدٍ ۔
لِرسولِ الله وَل﴿ل غلاماً، يقال له: مِدْعَمٌّ، فَوَجَّهَ رسولُ الله ◌َّه إلى وادي القُرَى، حتَّى إذا كان
بوادي القُرَى بينَمَا مِدْعَمٌ يَخُطَّ رَحْلاً لِرسولِ اللهِوََّ إذا سَهْمٌ عايرٌ فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنِيئاً له
الجنّةُ! فقال رسولُ الله وَّةِ: ((كَلّ والذي نفسي بيده، إنَّ الشَّمْلةَ التي أخَذَها يومَ خَبِيرَ مِنَ
المغانمِ لم تُصِبْها المقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عليه ناراً»، فلمَّا سمعَ ذلك الناسُ جاء رجلٌ بشِراكٍ، أو شِراکَينِ
إلى النبيِّ ◌َّةِ، فقال: ((شِراٌ من نارٍ، أو شِراكان من نارٍ».

٢٣٦
باب ٣٣ / ح ٦٧٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌّ هل يَدخُل في الأَيمانِ والنُّذُور الأرضُ والغنمُ والزَّرْعُ والأمتِعةُ؟» قال ابن
عبد البَرِّ وتَبِعَه جماعة: المالُ في لُغة دَوسٍ قبيلةِ أبي هريرة غيرُ العَيْن كالعُروضِ والثّياب.
وعند جماعة: المالُ: هو العين كالذَّهَبِ والفِضّة، والمعروف من كلام العرب: أنَّ كلّ ما يُتَمَوَّل
ويُملَك فهو مال.
فأشارَ البخاريّ في التَّرجمة إلى رُجْحان ذلك بما ذَكَره من الأحاديث، كقولٍ عمر:
أصَبتُ أرضاً لم أُصِب مالاً قَطُّ أَنفَسَ مِنه، وقولِ أبي طلحة: أحَبُّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وقولِ
أبي هريرة: لم نَغْنَم ذهباً ولا ورِقاً، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَآءَ أَمْوَكُمُ﴾ [النساء: ٥]
فإنَّه يتناول كلَّ ما يَملِكه الإنسان.
وأمَّا قول أهل اللُّغة: العرب لا تُوقِع اسم المال عند الإطلاق إلّا على الإبل لِشَرَفِها
عندَهم، فلا يَدِفَع إطلاقَهم المالَ على غير الإبل، فقد أطلقوه أيضاً على غير الإبل من المواشي،
ووَقَعَ في السِّيرة: ((فَسَلَكَ في الأموال))(١) يعني: الحوائطُ ((ونَهَى عن إضاعة المال))(٢)، وهو
يَتناول كلّ ما يُتَمَوَّل، وقيل: المراد به هنا: الأرِقّاء، وقيل: الحيوان كلّه، وفي الحديث أيضاً:
((ما جاءك من الرِّزق وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ، فخُذْه وتَوَّله))(٣) وهو يَتَناول كلّ ما يُتَمَّوَّل،
والأحاديث الثلاثة مُخرَّجَةٌ في ((الصحيحين)) و((الموطَّأ)(٤)، وحُكيَ عن ثَعَلَب: المال: كلُّ ما
تجب فيه الزكاة قَلَّ أو كَثُرَ، فما نَقَصَ عن ذلك فليس بمالٍ، وبِهِ جَزَمَ ابن الأنباريّ. وقال غيره:
المال في الأصل العَيْن، ثمَّ أُطلِقَ على كلّ ما يُتَمَلَّك.
(١) هي لفظ رواية مسلم (٢٤٠٣) (٢٩) من حديث أبي موسى الأشعري في قصته مع رسول الله و عندما دخل
حائطاً من حيطان المدينة، والحديث عند البخاري (٣٦٧٤) بطوله دون هذه اللفظة.
(٢) سلف عند البخاري (١٤٧٧) من حديث المغيرة بن شعبة، وهو عند مسلم أيضاً من حديثه (١٧١٥) (١٢)
وأخرجه مسلم (١٧١٥) (١٠) و(١١) من حديث أبي هريرة.
(٣) سلف من حديث عمر بن الخطاب برقم (١٤٧٣)، وأخرجه كذلك مسلم (١٠٤٥) (١١٠)، وأخرجه
مسلم (١٠٤٥)(١١١) من حديث عبد الله بن عمر.
(٤) أما من ((الصحيحين)) فقد خرجنا كلًّا على حده، وأما من ((الموطأ) فقد أخرج مالك الحديث الثاني من حديث أبي
هريرة ٢/ ٩٠٠، والثالث ٩٨٨/٢ عن عطاء مرسلاً، وأما الأول فلم نجده فيه، والله أعلم.

٢٣٧
باب ٣٣ / ح ٦٧٠٧
كتاب الأيمان والنذور
واختَلَفَ السَّلَف فيمَنِ حَلَفَ أو نَذَرَ أَنَّه يَتَصَدَّق بماله على مذاهب، تقدَّم نَقلُها في ((باب إذا
أهدَى مالَه)) (٦٦٩٠)، ومَن قال كأبي حنيفة: لا يقع نَذرُه إلّا على ما فيه الزكاة، ومَن قال کمالك:
يَتناول جمیعَ ما یقعُ علیه اسم مال.
٥٩٣/١١
قال ابن / بَطّال: وأحاديث هذا الباب تَشهَد لقولِ مالك ومَن تابَعَه.
وقال الكِرْمانيُّ: معنى قول البخاريّ: ((هل يَدخُل)) أي: هل يَصِحّ اليمين أو النَّذر على
الأعيان، مِثل: والذي نفسي بيده إنَّ هذه الشَّملة لَتشتَعِل عليه ناراً، ومثل أن يقول: هذه
الأرضُ لله، ونحوه. قلت: والذي فهمَه ابن بَطّال أولى، فإنَّه أشارَ إلى أنَّ مُراد البخاريِّ
الردُّ على مَن قال: إذا حَلَفَ أو نَذَرَ أن يَتَصَدَّق بماله كلِّه اختُصَّ ذلك بما فيه الزكاة، دونَ ما
یملِکه ◌ُمَّا سوى ذلك.
ونَقَلَ محمَّد بن نَصرِ المروزيُّ في كتاب «الاختلاف)» عن أبي حنيفة وأصحابه فيمَن نَذَرَ
أن يَتَصَدَّق بماله كلِّهِ: يَتَصَدَّقُ بما تجب فيه الزكاة من الذَّهَب والفِضّة والمواشي، لا فيما
مَلَكَه مَّا لا زكاةَ فيه من الأرضينَ والدُّور ومَتاع البيت والرَّقيق والحمير ونحو ذلك، فلا
يجب عليه فيها شيءٌ، ثمَّ نَقَلَ بقيَّة المذاهب على نحو ما قَدَّمتُه في ((باب مَن أهدَى ماله))،
فعلى هذا فمُراد البخاريّ موافَقة الجمهور، وأنَّ المال يُطلَق على كلِّ ما يُتَمَوَّل، ونَصَّ أحمد
على أنَّ مَن قال: مالي في المساكين، إنَّما يُحمَل ذلك على ما نَوى أو على ما غَلَبَ على عُرفِه،
كما لو قال ذلك أعرابيّ، فإِنَّه لا يُحمَل ذلك إلّا على الإبل.
وحديثُ ابن عمر في قولٍ عمر تقدَّم موصولاً مشروحاً في کتاب الوصايا (٢٧٧٢
و ٢٧٧٣).
وقوله: ((وقال أبو طَلْحة)) هو زيد بن سَهلِ الأنصاريّ، وقد تقدَّم موصولاً أيضاً هناك
من حديث أنسٍ في أبواب الوقف (٢٧٥٢ و٢٧٦٩)، وتقدَّم شيءٌ من شرحه في کتاب
الزكاة (١٤٦١).
وحديثُ أبي هريرة تقدَّم شرحُه في ((غزوة خَيْبر)) من كتاب المغازي (٤٢٣٤).

٢٣٨
باب ٣٣ / ح ٦٧٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله فيه: ((فلم نَغْنَم ذهباً ولا فِضّةً، إلّا الأموالَ: المتاعَ والثّياب)) كذا لِلأکثرِ، ولابنِ
القاسم والقَعنبيِّ: والمتاع بالعطفِ، قال بعضهم: وفي تنزيل ذلك على لُغة دَوس نظرٌ، لأنَّه
اسْتَثْنَى الأموال من الذَّهَب والفِضّة، فدَلَّ على أنَّه منها، إلّا أن يكون ذلك مُنقَطِعاً، فتكون
((إلّا)) بمعنى لكن. كذا قال، والذي يظهر أنَّ الاستثناء من الغَنيمة التي في قوله: فلم نَغْنَم،
فنَفَى أن يكونوا غَنِموا العين وأثبَتَ أنَّهم غَنِموا المال، فدَلَّ على أنَّ المال عندَه غيرُ العين،
وهو المطلوب.
وقوله: ((الضُّبَيب)) بِضادٍ مُعجَمةٍ وموخَّدةٍ مُكرَّرة بصيغة التَّصغير، ومِدْعَم بكسر الميم
وسكون الدَّالّ وفتح العين المهمَلتَين.
وقوله: ((سَهمٌّ عاير)) بِعِينٍ مُهمَلة وبعد الألف تحتانيَّةٌ: لا يُدرَى مَن رَمَی به.
والشِّراك، بكسر المعجَمة وتخفيف الرَّاء وآخره كافٌ: من سُيور النَّعل، وقد تقدَّم جميعُ ذلك
یإعانة الله تعالى، وله الحمدُ علی کلِّ حال.

٢٣٩
باب ١ / ح ٦٧٠٨
كتاب كفارات الأيمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب كفّارات الأيمان
١- وقولِ الله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]
وما أمَرَ النبيُّ نَ ◌ّهِ حِينَ نزلت: ﴿فَفِذْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْنُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]
ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ وعطاءٍ وعِكْرمةَ: ما كان في القرآنِ: أَوْ أَوْ، فصاحبُه بالخِيار.
وَقَدْ خَيَّرَ النبيُّ ◌َ لِ كَعْباً في الفِذْيةِ.
٦٧٠٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حذَّثنا أبو شِهابٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ أبي ليلى، عن كَعْبٍ بنِ عُجْرةَ، قال: أتيتُهُ - يعني النبيَّ ◌َّهِ - فقال: ((ادْنُ)) فَدَنَوْتُ، فقال:
((أَيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟))/ قلتُ: نعم، قال: ((فِذْيةٌ من صيامٍ، أو صَدَقةٍ، أو نُسُكٍ)).
٥٩٤/١١
وأخبرني ابنُ عَوْنٍ، عن أيوبَ، قال: صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، والنُّسُكُ: شاةٌ، والمساكِينُ: سِتّةٌ.
قوله: ((بسمِ الله الرَّحمنِ الرحيم. كتابُ كفَّارات الأيمان)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((باب))،
وله عن المُستَمْلي: ((كتاب الكفَّارات)).
وسُمّيَت كفَّارة لأنَّها تُكَفِّر الذَّنب، أي: تَستُرُه، ومِنه قيل لِلزّارع: كافِرٍ، لأَنَّه يُغَطّي
البَذْرَ.
وقال الرَّاغِب: الكَفَّارة: ما يُغَطِّي(١) الحانثُ في اليمينِ، واستُعمِلَ في كفَّارة القتل
والظِّهار، وهو من التكفير: وهو سَتْر الفِعل وتَغطيتُه فيصير بمَنزِلة ما لم يُعمَل، قال:
ويَصِحّ أن يكون أصلُه: إزالةَ الكُفْرِ، نحو التَّمريض في إزالة المَرَض، وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَّاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]، أي: أزَلناها،
(١) تصحفت في (س) إلى ((يعطي)) بالعين المهملة، وفي ((المفردات)) للراغب ص٧١٧: والكفّارة: ما يُغطّي
الإثم. وفي ((اللسان)) مادة (كفر): قال بعضهم: كأنه غُطِّي عليه بالكفّارة.

٢٤٠
باب ١ / ح ٦٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأصل الكُفر السَّترُ، يقال: كَفَرَتِ الشمسُ النُّجومَ: سَتَرَتها، ويُسَمَّى السَّحاب الذي يَستُر
الشمسَ كافراً، ويُسَمَّى اللَّيل كافراً، لأنَّه يَستُر الأشياء عن العُيون، وتَكَفَّرَ الرَّجل
بالسِّلاح: إذا تَسَتَّرَ به.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطَعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ ﴾)) يريد إلى آخر الآية، وقد
تَسَّكَ به مَن قال بتَعُّنِ العَدَد المذكور، وهو قول الجمهور، خِلَافاً لمن قال: لو أعطَى ما
يَجِبُ لِلعشرة واحداً كَفَى، وهو مَرويٌّ عن الحسن أخرجه ابن أبي شَيْبة، ولمَن قال كذلك
لكن قال: عشرة أيام مُتَوالية، وهو مَرويٌّ عن الأوزاعيِّ حكاه ابن المنذر، وعن الثَّوريِّ
مِثله لكن قال: إن لم يَجِد العشرةَ.
قوله: ((وما أمَرَ النبيُّ ◌ِ لّه حين نزلت: ﴿فَفِدِيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾)) يشير إلى
حديث كعب بن عُجْرةَ الموصولِ في البابِ.
قوله: ((وقد خَيَّرَ النبيُّ ◌َلِ كَعْباً في الفِذْية)) يعني: كعب بن عُجْرةَ کما ذكره في الباب.
قوله: «وُذکر عن ابن عبّاس وعطاء وعكرمة: ما كان في القرآن أَوْ أَوْ، فصاحبه بالخِيار))
أمَّا أثر ابن عبّاس فَوَصَلَه سفيان الثَّوريُّ في ((تفسيره))(١) عن ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد
عن ابن عبّاس قال: كلَّ شيءٍ في القرآن ((أو)) نحو قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ
◌ُكٍ﴾ فهو فيه مُخيّرٌ، وما كان ﴿فَنَ لَّمْ يَجِدْ﴾ فهو على الولاء، أي: على التَّرتيب. وليثٌ
ضعيفٌ، ولذلك لم يَجِزِم به المصنِّف.
وقد جاء عن مجاهد من قوله بسندٍ صحيح عند الطَّبَريّ (٢٣٦/٢) وغيره.
وأمَّا أثر عطاء فوَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٢٣٧/٢) من طريق ابن جُرَيج قال: قال عطاءٌ: ما كان
في القرآن ((أَوْ أَوْ)) فِلِصاحبِه أن يختارَ أيَّ شاءَ. قال ابن جُرَيج: وقال لي عَمْرو بن دينار نحوه،
وسندُه صحيحٌ. وقد أخرجه ابن عُيَينةَ في ((تفسيره)) عن ابن جُرَيج عن عطاء بلفظ الأصل،
وسندُه صحيحٌ أيضاً.
(١) ((تفسير سفيان)) ص ٦١، وعنه أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف) برقم (٨١٩٢).