Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق قال البَيْضاويّ: وقوله: ((ليس ذلك لك)) أي: أنا أفعل ذلك تعظيماً لاسمي وإجلالاً لتوحيدي، وهو مُخُصِّص لعُمومٍ حديث أبي هريرة الآتي: ((أسعَد الناس بشَفاعَتي مَن قال: لا إله إلّا الله مُخلِصاً)). قال: ويحتمل أن يُجُرَى على عُمومه ويُحمَل على حالٍ ومقامٍ آخر. قال الطِّييُّ: إذا فَسَّرنا ما يَخْتَصّ بالله بالتَّصديق المجَرَّد عن الثَّمَرة وما يَخْتَصّ برسولِه هو الإيمان مع الثَّمَرة من ازدياد اليقين أو العمل الصالح، حَصَلَ الجمْع. قلت: ويَحَتمِل وجهاً آخر، وهو أنَّ المراد بقوله: ((ليس ذلك لك)) مُباشرة الإخراج لا أصل الشَّفاعة، وتكون هذه الشَّفاعة الأخيرة وَقَعَت في إخراج المذكورينَ، فأُجيبَ إلى أصل الإخراج ومُنِعَ من مُبَاشَرَته، فنُسِبَت إلى شَفاعَته في حديث (أسعَد الناس)) لكَونِه ابتَدَأ بطلبٍ ذلك، والعلم عند الله تعالى. وقد مضى شرح حديث ((أسعَد الناس بشَفاعَتي)) في أواخر الباب الذي قبله مُستَوفَّى. قوله: ((فَيَعرِفوَهم بعلامةِ آثار السُّجود)) في رواية إبراهيم بن سعد: ((فَعرِفوَهم في النار بأثرِ السُّجود)». قال الزَّين بن المنيِّر: تُعرَف صِفَة هذا الأثر ممَّا وَرَدَ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] لأنَّ وجوهَهم لا تُؤَثِّر فيها النارُ فَتَبقَى صِفَتُها باقيةً. وقال غيره: بل يَعرِفونَهم بالغُرّة، وفيه نظرٌّ، لأنَّها مُخْتَصّةٌ بهذه الأمة والذينَ يُخْرَجونَ أُعَمُّ من ذلك. قوله: ((وحَرَّمَ الله على النار أن تَأْكُل من ابن آدم أثّرَ السُّجودِ)) هو جوابٌ عن سؤال مُقدَّرٍ تقديره: كيف يَعرِفونَ أثر السُّجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم (١٨٥): ((فأماتَهم الله إماتةً، حتَّى إذا كانوا فحماً أُذِنَ بالشَّفاعة))، فإذا صاروا فحماً كيف يَتَميَّزْ مَحَلّ السُّجود من غيره حتَّى يُعرَف أثرُه. ٥٠٢ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السُّجود من عُموم الأعضاء التي دَلَّ عليها هذا الخبر، وأنَّ الله مَنَعَ النار أن تُحِرِق أثر السُّجود من المؤمن. وهل المراد بأثرِ السُّجود نفسُ العُضو الذي يَسجُد أو المراد مَن سَجَدَ؟ فيه نظرٌ، والثّاني أظھَر. قال القاضي عِيَاض: فيه دليل على أنَّ عذاب المؤمنينَ المذنِبين مخالفٌ لعذابِ الكفَّار، وأنَها لا تأتي على جميع أعضائهم، إمّا إكراماً لموضع السُّجود وعِظَم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلكَ الصّورة التي خُلِقَ آدمُ والبشرُ عليها، وفُضِّلوا بها على سائر الخلق. / قلت: الأوَّل منصوص والثّاني مُحْتَمَل، لكن يُشكِل عليه أنَّ الصّورة لا تَخْتَصّ بالمؤمنينَ، فلو كان الإکرام لأجلها لَشارگھم الكفّار، وليس كذلك. ٤٥٧/١١ قال النَّوويّ: وظاهر الحديث أنَّ النار لا تأكُل جميع أعضاء السُّجود السَّبعة، وهي الجَبْهة واليَدان والرُّكَبَتَان والقَدَمان، وبهذا جَزَمَ بعض العلماء. وقال عِيَاض: ذِكْرِ الصّورة ودارات الوجوه يدلُّ على أنَّ المراد بأثرِ السُّجود الوجهُ خاصّةً، خِلافاً لمن قال: يَشمَل الأعضاء السَّبعة، ويُؤْيِّد اختصاص الوجه أنَّ في بقيَّة الحديث: ((أنَّ منهم مَن غابَ في النار إلى نصف ساقيه))، وفي رواية سَمُرة عند مسلم (٣٣/٢٨٤٥): ((وإلى رُكَبَتَيه))، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد: ((وإلى حَقْوِه)). قال النَّوويّ: وما أنكَرَه هو المختار، ولا يَمنَع من ذلك قولُه في الحديث الآخر في مسلم (٣١٩/١٩١): ((إنَّ قوماً يُخْرَجونَ من النار يَحَتَرِقونَ فيها، إلّا داراتٍ وجوهِهم))، فإنَّه يُحمَل على أنَّ هؤلاءِ قومٌ مخصوصونَ من ◌ُملة الخارجينَ من النار، فيكون الحديث خاصّاً بهم، وغيرُه عامّاً، فيُحمَل على عُمومه إلّا ما خُصَّ منه. قلت: إن أراد أنَّ هؤلاءِ يُصّونَ بأنَّ النار لا تَأْكُل وجوههم كلَّها، وأنَّ غيرهم لا تأكُل منهم مَحَلّ السُّجود خاصّةً، وهو الجَبْهة، سَلِمَ من الاعتراض، وإلّا يَلزَمه تسليم ما قال ٥٠٣ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق القاضي في حَقّ الجميع إلّا هؤلاء، وإن كانت علامَتهم الغُرّة، كما تقدَّم النَّقل عمَّن قاله. وما تَعقَّبَه بأنَّهَا خاصّةٌ بهذه الأُمّة، فيُضاف إليها التَّحجيل، وهو في اليَدَينِ والقَّدَمَينِ ممَّا يَصِل إليه الوضوء، فيكون أشمَل ممَّا قاله النَّوويّ من جهة دخول جميع اليَدَينِ والرجلينِ لا تخصيص الكَفَّيْنِ والقَدَمَينِ، ولكن يَنقُص منه الرُّكبتان. وما استَدَلَّ به القاضي من بقيَّة الحديث لا يَمنَع سَلامة هذه الأعضاء مع الانغمار، لأنَّ تلكَ الأحوال الأُخرَويَّة خارجة على قياس أحوال الدُّنيا، ودَلَّ التَّنصيص على دارات الوجوه أنَّ الوجه كلّه لا تُؤثِّر فيه النار، إكراماً لمَحَلِّ السُّجود، ويُحمَل الاقتصار عليها على التَّنْويه بها لشَرَفِها. وقد استنْبَطَ ابن أبي جَمْرة من هذا أنَّ مَن كان مسلماً، ولكنَّه كان لا يُصَلّي، لا يُخْرَج، إذ لا علامةَ له، لكن يُحمَل على أنَّه يُخْرَج في القَبْضة لعُمومٍ قوله: ((لم يعملوا خيراً قَطّ» وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في التَّوحيد(١). وهل المراد بمَن يَسلَم من الإحراق من كان يَسجُد أو أعَمّ من أن يكون بالفعلِ أو القوّة؟ الثّاني أظهَر لِيَدخُلَ فيه مَن أسلَمَ مثلاً وأخلَصَ فَبَغَتَه الموتُّ قبل أن يَسجُد. ووجدت بخَطِّ أبي رَحِمَه الله تعالى ولم أسمَعه منه مِن نظمِه ما يوافق مُختَارَ النَّوويِّ، وهو قوله: يا رَبِّ أعضاءَ السُّجودِ عَتَقتَها من عبدك الجاني وأنتَ الواقي والعِتقُ يسري بالغِنَى يا ذا الغِنَى فامنُن على الفاني بعِتقِ الباقي قوله: ((فُخرِجونَهم قد امتُحِشوا)) هكذا وَقَعَ هنا، وكذا وَقَعَ في حديث أبي سعيد في التَّوحيد عن يحيى بن بُكَير عن اللَّيث بسندِه، ووَقَعَ عند أبي نُعَيم من رواية أحمد بن إبراهيم بن مِلحانَ عن يحيى بن بُكَير: ((فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا))، ليس فيه: ((قد امتُحِشوا)) (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، لأنَّ هذه الجملة جاءت في رواية مسلم لحديث أبي سعيد الخدري (١٨٣) (٣٠٢)، وليست في رواية البخاري الآتية في التوحيد برقم (٧٤٣٩). ٥٠٤ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وإنَّما ذكرها بعد قوله: فيقبِض قَبْضةً، وكذا أخرجه البيهقيُّ وابن مَندَهْ (٨١٧) من رواية رَوْح بن الفَرَج ویحیی بن أيوب العلاف، كلاهما عن یحیی بن بُگیر به. قال عِيَاض: ولا يَبعُد أنَّ الامتحاش يَخْتَصّ بأهلِ القَبضة، والتَّحريم على النار أن تأكُل صورة الخارجينَ أوَّلاً قبلهم مَّن عَمِلَ الخير على التَّفصيل السابق والعلم عند الله تعالى. وتقدَّم ضبط ((امتَحَشُوا)) وأنَّه بفتح المثنّاة والمهمَلة وضمِّ المعجَمة(١)، أي: احتَرَقوا وزنه ومعناه، والمَحْشُ: احتراق الجلد وظُهورِ العَظم. قال عِيَاض: ضَبَطْناه عن مُتِقِني شيوخنا، وهو وجهُ الكلام، وعند بعضهم بضمِّ المثنّاة وكسر الحاء، ولا يُعرَف في اللّغة امتُحِشَه متعدّياً، وإنَّما سُمِعَ لازِماً مُطاوِعَ مَشْتُه، يقال: ◌َحَشْتُهُ وأمحَشْتُه، وأنكَرَ يعقوب بن السِّكّيت الثَّلاثيَّ، وقال غيره: أمحَشتُه فامتَحَشَ، وأمحَشَه ٤٥٨/١١ الحَرُّ: أحرَقَه، والنارُ: أحرَقَته، وامتَحَشَ هو / غَضَباً، وقال أبو نصر الفارابيّ: والامتحاشُ: الاحتراق. قوله: ((فيُصَبّ عليهم ماءٌ يقال له: ماء الحياة)) في حديث أبي سعيد: ((فيُلقَونَ في نهر بأفواه الجنَّة يقال له: ماء الحياة))، والأفواه جمع فُوَّهة على غير قياس، والمراد بها الأوائل، وتقدَّم في الإيمان (٢٢) من طريق يحيى بن عُمارةَ عن أبي سعيد: ((في نهر الحياة، أو الحياء)) بالشكّ، وفي رواية أبي نَضْرة عند مسلم: ((على نهر يقال له: الحيوان أو الحياة)(٢) وفي أُخرى له (١٨٣/ ٣٠٢): «فيُلقيهم في نهر في أفواه الجنَّة يقال له: نهر الحياة)»، وفي تسمية ذلك النَّهر به (١) كذا ضبطه الحافظ هنا، مع أنه ضبطه في المقدمة بضم المثناة وكسر المهملة، على ما لم يُسمَّ فاعله، وهو الذي ضُبطت به الكلمة في اليونينية، وقال صاحب ((المطالع)) فيما نقله عنه القسطلاني ٣٣٣/٩-٣٣٤: هذه لأکثرهم، وعند أبي ذرً والأصيلي: ((امتخشوا)) بفتحهما. (٢) رواية أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عند مسلم (١٨٥)، لكن ليس فيها هذه الجملة المذكورة، وقد جاءت في روايته عند أحمد (١١٠١٦)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٨٦٥)، وابن خزيمة في ((التوحيد)» ٦٧٩/٢ و٦٨٠، وابن منده في «الإيمان)) (٨٢٤) و(٨٢٥) و(٨٢٦). وتسمية النهر بالحيوان جاء أيضاً في رواية لحديث ابن مسعود عند أحمد (٤٣٣٧)، وابن حبان (٧٤٣٣). ٥٠٥ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق إشارةٌ إلى أنَّهم لا يَحَصُل لهم الفَناء بعد ذلك. قوله: ((فيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الِحِبّةِ)) بكسر المهمَلة وتشديد الموحَّدة، تقدَّم في كتاب الإيمان أنَّها بُزور الصَّحراء، والجمع حِبَب، بكسر المهمَلة وفتح الموحّدة بعدها مِثْلُها، وأمَّا الحَبّة، بفتح أوَّله، وهو ما يَزْرَعه الناس، فجمعها حُبوب بضمَّتَين. ووَقَعَ في حديث أبي سعيد: «فَيَنْبُتُونَ في حافَتَیه)). وفي رواية لمسلم (٣٠٥/١٨٤): ((كما تَنْبُت الغُثاءة)) بضمِّ الغَين المعجَمة بعدها مُثَلَّثة مفتوحة وبعد الألف همزة ثمَّ هاء تأنيث: هو في الأصل كلّ ما حَمَلَه السَّيل من عِیدانٍ وورَقٍ ويُزور وغيرها، والمراد به هنا ما حَمَلَه من البُزُور خاصّةً. قوله: ((في ◌َميل السَّيل)» بالحاءِ المهمَلة المفتوحة والميم المكسورة، أي: ما يَحمِله السَّيل، وفي رواية يحيى بن عُمارة المشار إليها: ((إلى جانب السَّيل)) والمراد: أنَّ الغُثاء الذي يَجيء به السَّيل يكون فيه الحِبّة فتقع في جانب الوادي فتُصبح مِن يومها نابِتَةً. ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ (١٨٤/ ٣٠٥): ((في حَتَّة السَّيل)» بعد الميم همزة ثمَّ هاء، وقد تُشبَعُ الميم فتصير بوزنٍ عظيمة، وهو ما تَغيَّرَ لونه من الطّين، وخُصَّ بالذِّكرِ لأنَّه يقع فيه النَّبت غالباً. قال ابن أبي جَمْرة: فيه إشارة إلى سُرعة نَباتهم، لأنَّ الِحِبّة أسرعُ في النَّبات من غيرها، وفي السَّيل أسرعُ لما يجتمع فيه من الطّين الرِّخو الحادث مع الماء مع ما خالَطَه من حَرارة الزِّبل المجذوب معه. قال: ويُستَفاد منه أنَّه وَله كان عارفاً بجميع أمور الدُّنيا بتعليمِ الله تعالی له، وإن لم يُباشر ذلك(١). وقال القُرطُبيّ: اقتَصَرَ المازَرِيُّ على أنَّ مَوقِعِ التَّشبيه السُّرعة، وبَقِيَ عليه نوعٌ آخرُ دَلَّ عليه قوله في الطَّريق الأُخرى (٢): ((ألّا تَرَوتَها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس (١) لكن يُعكِّر عليه قوله وَ له في حديث أنس وعائشة عند مسلم (٢٣٦٣) وغيره، في قصة تلقيح النخل: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)). (٢) في رواية أبي سعيد الآتية في التوحيد (٧٤٣٩)، وعند مسلم (١٨٣) (٣٠٢). ٥٠٦ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري أصفَر وأخضَر، وما يكون منها إلى الظِّلّ يكون أبيض))، وفيه تنبيه على أنَّ ما يكون إلى الجهة التي تَلي الجنَّة يَسبِق إليه البياض المستَحسَن، وما يكون منهم إلى جهة النار يَتأخّر النُّصوع عنه، فيبقى أُصَيفِر وأُخَيضِر، إلى أن يَتَلاحَق البياض ويَستَويَ الحُسنُ والنّورُ ونَضارة النِّعمة عليهم. قال: ويحتمل أن يشير بذلك إلى أنَّ الذي يُباشر الماء، يعني: الذي يُرَشّ عليهم، يُسرِع نصوعه، وأنَّ غيره يَتأخّر عنه النُّصوع لكنَّه يُسرِع إليه، والله أعلم. قوله: «ويَبْقَى رجل - زاد في رواية الكُشْمِيهنيّ: منهم - مُقبِل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولاً الجنَّة)) تقدَّم القول في آخر أهل النار خروجاً منها في شرح الحديث الثّاني والعشرينَ من الباب الذي قبله (٦٥٧١)، ووَقَعَ في وصف هذا الرجل أنَّه كان نَّاشاً، وذلك في حديث حُذَيفة كما تقدَّم في أخبار بني إسرائيل (٣٤٥٢): أنَّ رجلاً كان يُسيء الظَّنّ بِعَمَلِهِ، فقال لأهلِهِ: أحرِقوني، الحديثَ، وفي آخره: ((كان نبّاشاً». ووَقَعَ في حديث حُذَيفة عن أبي بكر الصِّدّيق عند أحمد (١٥) وأبي عَوَانة (٤٤٣) وغيرهما، وفيه: «ثمَّ يقول الله: انظُرُوا هل بَقِيَ في النار أحد عَمِلَ خیراً قَطِ؟ فیچِدونَ رجلاً فيقال له: هل عَمِلت خيراً قَطّ؟ فيقول: لا، غير أنّ كنت أُسامِح الناس في البيع))، الحديث. وفيه: ((ثُمَّ يُخْرِجونَ من النار رجلاً آخر فيقال له: هل عَمِلت خيراً قَطّ؟ فيقول: لا، غير أنّي أمَرت ولدي: إذا متُّ فأحرِقوني))، الحديث. وجاء من وجه آخر أنَّه: ((كان يسأل الله أن يُجِيرَه من النار، ولا يقول: أدخِلْني الجنَّة)) أخرجه الحسين المروزيُّ في زيادات ((الزُّهد)) لابن المبارك (١٢٦٥) من حديث عَوف الأشجَعيِّ رَفَعَه: ((قد علمتُ آخرَ أهل الجنَّة دخولاً الجنَّة: رجل كان يسأل الله أن يُجِيرَه من النار، ولا ٤٥٩/١١ يقول: أدخِلني الجنَّة، / فإذا دَخَلَ أهلُ الجنَّة الجنَّةَ وأهلُ النار النارَ بَقِيَ بين ذلك، فيقول: يا رَبّ، قَرِّبْني من باب الجنَّة أنظُرُ إليها وأجِدُ مِن ريحها، فيُقرِّبه، فيَرَى شجرة)) الحديث، وهو عند ابن أبي شَيْبة أيضاً (١١٦/١٣-١١٧). ٥٠٧ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق وهذا يُقوِّي التعدُّد، لكنَّ الإسناد ضعيف. وقد ذكرتُ عن عِيَاض في شرح الحديث السابعَ عشرَ(١) أنَّ آخر مَن يَخْرُج من النار، هل هو آخر مَن يبقى على الصِّراط أو هو غيره، وإن اشتَرَكَ كلٍّ منهما في أنَّه آخر مَن يَدخُل الجنَّة؟ ووَقَعَ في (نَوادِرِ الأُصول)) للتِّرمِذيِّ الحكيم، من حديث أبي هريرة: ((أنَّ أطول أهل النار فيها مُكثاً مَن يَمكُث سبعة آلاف سنة)) وسند هذا الحديث واهٍ، والله أعلم. وأشارَ ابن أبي جَمْرة إلى المغايرة بين آخر مَن يَخْرُج من النار، وهو المذكور في الباب الماضي، وأنَّه يَخْرُج منها بعد أن يَدخُلها حقيقةً، وبين آخر مَن يَخْرُج ثمّن يبقى مارّاً على الصِّراط، فيكون التَّعبير بأنَّه خَرَجَ من النار بطريق المجاز، لأنَّه أصابه من حَرّها وگَرْبها ما يُشارِك به بعضَ مَن دَخَلَها. وقد وَقَعَ في ((غرائب مالك)) للدّارَ قُطنيِّ من طريق عبد الملك بن الحَكَم - وهو واٍ - عن مالك عن نافع عن ابن عمر رَفَعَه: ((إنَّ آخر مَن يَدخُل الجنَّة رجلٌ من جُهَينة، يقال له: جُهَينة، فيقول أهلُ الجنَّة: عند جُهَينة الخبرُ اليقينُ)). وحكى السُّهَيليُّ أنَّه جاء أنَّ اسمه هَنّاد، وجَوَّزَ غيره أن يكون أحدُ الاسمَينِ لأحدٍ المذكورَينِ، والآخر للآخر. قوله: ((فيقول: يا رَبِّ)) في رواية إبراهيم بن سعد في التَّوحيد: ((أي رَبِّ)). قوله: «قد قَشَبَنِي رِئُها)» بقافٍ وشینٍ مُعجمةٍ مفتوحتینِ مُفَّفاً ۔ وُکيَ النَّشدید- ثمَّ موحّدة. قال الخطَّبيُّ: قَشَبَه الدُّخان: إذا مَلَأَ خَيَاشِيمه وأخَذَ بِكَظَمِهِ (٢)، وأصل القَشْب خَلْطِ السّمِّ بالطَّعام، يقال: قَشَبَه: إذا سَمَّه، ثمَّ استُعمِلَ فيما إذا بَلَغَ الدُّخان والرَّائحة الطيِّية منه غایته. (١) هو الحديث (٦٥٦٥) من الباب الذي قبل هذا. (٢) الكَظَمُ، مُحرَّكةً: الحَلْقُ أو الفَمُ أو تَرِجُ النَّفَس. ٥٠٨ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوويّ: معنى قَشَبني: سَمَّني وآذاني وأهلَكَني. هكذا قاله جَاهير أهل اللَّغة. وقال الدَّاوُودُّ: معناه: غَيَّرَ چِلدي وصورتي. قلت: ولا يخفى حُسن قول الخطَّبيّ، وأمَّا الدَّاوُوديُّ فكثيراً ما يُفسِّر الألفاظ الغريبة بلوازمِها، ولا يُحافظ على أُصول معانيها. وقال ابن أبي جَمْرة: إذا فَسَّرنا القَشْبَ بالنَّتْنِ والمُستَقذَر، كانت فيه إشارة إلى طِيب ريح الجنَّة، وهو من أعظم نعيمها، وعكسها النار في جميع ذلك. وقال ابن القَطّاع: قَشَبَ الشَّيءَ: خَلَطَه بما يُفسِدُه من سَمِّ أو غيره، وقَشَبَ الإنسانَ: لَطَخَه بسوءِ. كاغتابَه وعَابَه، وأصله السَّمّ، فاستُعمِلَ بمعنى أصابه بالمكروهِ: إذا أهلَگە، أو أفسَدَه، أو غَيَّرَه، أو أزالَ عقله، أو تَقَذَّرَه هو، والله أعلم(١). قوله: ((وأحْرَقَنِي ذَكَاؤُها)) كذا للأَصِيلِيِّ وكَرِيمة هنا بالمدِّ، وكذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية أبي ذرٍّ وغيره: ((ذَكاها)) بالقصرِ، وهو الأشهر في اللُّغة. وقال ابن القَطّاعِ: يقال: ذَكَتِ النارُ تَذكُو ذَكاً بالقصرِ، وذُكوّاً بالضّمِّ وتشديد الواو، أي: كَثُرَ لهُبُها واشتَدَّ اشتِعالها ووَهَجُها، وأمَّا ذَكا الغلامُ ذَكاء بالمدِّ، فمعناه: أسرعَت فِطْنتُه. قال النَّوويّ: المدّ والقصر لُغَتان ذكره جماعةٌ فيها. وتَعقَّبَه مُغَلْطاي بأنَّه لم يُوجَد عن أحد من المصنّفينَ في اللُّغة ولا في الشّارحينَ لدَواوين العرب حكايةُ المدّ إلّا عن أبي حنيفة الدِّينَوَريّ في ((كتاب النَّبات)) في مواضع، منها: ضَرَبَ العربُ المثَل بجَمْرٍ الغَضَا لذكائه. قال: وتَعقَّبَه عليّ بن حمزة الأصبهانيّ، فقال: ذَكَا النارِ مقصور، ويُكتَب بالألف، لأنَّه واويٌّ يقال: ذَكَتِ النارُ تَذْكُو ذُكُوّاً، وذَكَا النارِ وذُكُوُّ النارِ بمعنَى، وهو التِهابها، والمصدر ذَكاً وذُكْوٌ وذُكُوٌّ، بالتَّخفيفِ والتَّثقيل، فأمَّا الذَّكاء بالمدِّ فلم يأتِ (١) انتهى كلام ابن القطّاع عند قوله: ((بسوء))، وباقي الكلام الظاهر أنه من قول الحافظ لخّص فيه معاني هذا الفعل في لغة العرب، والله أعلم. ٥٠٩ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق عنهم في النار، وإنَّما جاء في الفَهم. وقال ابن قُرْقُول في ((المطالع))، وعليه يَعتَمِد الشَّيخ: وَقَعَ في مسلم (١٨٢): ((فقد أحرَ قَنِي ذَكاؤُها)) بالمدِّ، والمعروف في شِدّة حَرّ النار القصرُ، إلّا أنَّ الدِّينَوريّ ذكر فيه المدّ، وخَطَّأَه عليُّ بن حمزة، فقال: ذَكَتِ النار ذَكاً وذُكُوّاً، ومنه طيبٌ ذَكيُّ: مُنَتَشِرُ الرّيح، وأمَّا الذَّكاء بالمدِّ، فمعناه: تمام الشَّيء، ومنه ذكاء القلب. وقال صاحب ((الأفعال)): ذَكا الغلامُ والعقلُ: أسرعَ في الفِطنة، وذَكا/ الرجلُ ذَكاء، من ٤٦٠/١١ حِدة فِكره، وذَكَتِ النار ذَكاً، بالقصرِ: تَوقَّدَت. قوله: ((فاصْرِف وَجْهي عن النار)) قد استُشكِلَ كَون وجهه إلى جهة النار، والحال أنَّه مَمَّن يَمُرُّ على الصِّراط طالباً الجنَّةَ، فوجهُه إلى الجنَّة، لكن وَقَعَ في حديث أبي أمامةَ المشار إليه قبلُ(١) أنَّه يَنقَلِب على الصِّراط ظَهْراً لبطنٍ، فكأنَّه في تلكَ الحالة انتهى إلى آخره، فصادَفَ أنَّ وجهه كان مِن قِبَل النار، ولم يَقدِر على صَرفه عنها باختياره، فسألَ رَبَّه في ذلك(٢). قوله: ((لعلِّ إن أعْطَيتُك ذلك)) في رواية التَّوحيد: «فَهَل عَسَيت إن فُعِلَ بك(٣) ذلك أن تسألني غيره))، أمَّا ((عَسَيت)) ففي سينِها الوجهان: الفتح والكسر، وُجُملة ((أن تسألَني)) هي خَبَرَ عَسَى، والمعنى: هل يُتوقَّع مِنك سؤال شيء غير ذلك، وهو استفهامُ تقرير، لأنَّ ذلك عادة بني آدم، والتَّرَجّي راجع إلى المخاطَب لا إلى الرَّبّ، وهو من باب إرخاء العِنان إلى الخَصم ليَبعَثَه ذلك على التفكّر في أمره والإنصاف من نفسه. (١) هو عند الطبراني في ((الكبير)) (٧٦٦٩). (٢) والأحسن من ذلك أن يقال: إنه من قبيل قوله تعالى: ﴿آهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: ثبّتْ صرف وجهي عن النار، لأنه لما توجه إلى الجنة سأل الله تعالى أن يُديم عليه صرف وجهه عن النار، لما كان يُقاسي منها. قاله العيني، وتبعه القسطلاني. (٣) هذا اللفظ أقرب للفظ أحمد (٧٩٢٧)، وأما لفظ البخاري لأبي ذر الهروي: ((هل عسيت إن أعطيتُك ذلك أن تسألني غيره))، ولغير أبي ذر: ((إن أُعْطِيتَ)) بدل: أعطيتُك)). ٥١٠ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «فيقول: لا وعِزَّتِك لا أسألُك غيره، فيُعْطِي اللهَ ما شاءَ(١) من عَهْدٍ وميثاقٍ)) يحتمل أن يكون فاعل ((شاءَ)) الرجل المذكور أو الله. قال ابن أبي جَمْرة: إنَّما بادَرَ للحَلِفِ من غير استحلافٍ لما وَقَعَ له من قوّة الفَرَح بقضاء حاجته، فوطَّنَ نفسَه على أن لا يَطلُبَ مزيداً وأكَّدَه بالحَلِفِ. قوله: ((فِيُصْرَفُ وَجْهُه عن النار)) بضمٌّ أوَّلِه على البناء للمجهول، وفي رواية شُعَيب: ((فيَصِرِف الله))، ووَقَعَ في رواية أنس عن ابن مسعود عند مسلم (١٨٧)، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٢١٦) والبزَّار نحوه أنَّه: ((تُرفَعُ له شجرةٌ فيقول: رَبّ أدنِني من هذه الشَّجَرة، فِلأستَظِلَّ بظِلِّها وأشرَبَ من مائها، فيقول الله: لعلّي إن أعطَيتُك تسألُني غيرها، فیقول: لا یا رَبّ، ويُعاهده أن لا يسأل غيرها ورَبّه يَعذُره، لأنَّه یری ما لا صبر له علیه))، وفيه: أنَّه يَدنُو منها، وأنَّه تُرفَع له شجرة أُخرى أحسن من الأُولى عند باب الجنَّة، ويقول في الثّالثة: ائذَنْ لي في دخول الجنَّة. وكذا وَقَعَ في حديث أنس الآتي في التَّوحيد من طريق حُميدٍ عنه رَفَعَه: ((آخِرِ مَن يَخْرُج من النار تُرفَع له شجرة))(٢). ونحوه لمسلم (١٨٨) من طريق النُّعمان بن أبي عيَّاش عن أبي سعيد بلفظ: ((إنَّ أدنَى أهل الجنَّة مَنزِلة رجل صَرَفَ الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنَّة، ومُثِّلَت له شجرة)). ويُجمَع بأنَّه سَقَطَ من حديث أبي هريرة هنا ذِكْرِ الشَّجَرات، كما سَقَطَ من حديث ابن مسعود ما ثَبَتَ في حديث الباب من طلب القُرب من باب الجنَّة. قوله: ((ثمَّ يقول بَعْد ذلك: يا رَبّ، قَرِّبْني إلى باب الجنَّة)» في رواية شُعَيب: «قال: يا رَبّ، قَدِّمني)). (١) قوله: ((ما شاء)) لم يرد في رواية معمر دون خلاف بين رواة البخاري حسب ما في اليونينية، وقد جاء في رواية شعيب المتقدمة برقم (٨٠٦) لكن بلفظ: ((فيُعطي ربَّه ما شاء)». (٢) هو في ((التوحيد)) لابن خزيمة ٧٥٦/٢، وفي ((الإيمان)) لابن مَندَهْ (٨٧٥)، وليس هو عند البخاري كما قال الحافظ رحمه الله. ٥١١ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق قوله: ((فيقول: أليس قد زَعَمْت)) في رواية شُعَيب: «فيقول الله: أليس قد أعطَيت العهْدَ والميثاقَ)). قوله: ((فإذا رَأى ما فيها سَكَتَ)) في رواية شُعَيب: «فإذا بَلَغَ بابَها ورأى زَهرتَها وما فيها من النَّضرة)، وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((من الحَبْرة)) بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة، ولمسلمٍ: ((الخير)) بمُعجَمةٍ وتحتانيَّةٍ بلا هاء. والمراد أنَّه يرى ما فيها من خارجها، إمّا لأنَّ جِدارها شَفّف فيَرَى باطِنَها من ظاهِرِها كما جاء في وصف الغُرَف(١)، وإمّا أنَّ المراد بالرُّؤية العلمُ الذي يَحصُل له من سُطوع رائحَتها الطيِّة وأنوارها المضيئة، كما كان يَحَصُل له أذَى لَفْح النار وهو خارجَها. قوله: ((ثُمَّ قال)) في رواية إبراهيم بن سعد: ((ثُمَّ يقول)). قوله: ((وَيلَك)) في رواية شُعَيب: ((وَيُحَك)). قوله: ((يا رَبِّ، لا تَجْعَلْني أشقَى خلقِك)) المراد بالخلق هنا: مَن دَخَلَ الجنَّة، فهو لفظٌّ عامٌ أُرِيدَ به خاصٌّ، ومُراده أنَّه يصير إذا استَمرَّ خارجاً عن الجنَّة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهرٌ لو استَمرَّ خارجَ الجنَّة وهم من داخلها. قال الطِّييُّ: معناه: يا رَبّ قد أعطَيتُ العهدَ والميثاق، ولكن تَفَكَّرت في گَرَمِك ورحمتك فسألتُ. ووَقَعَ في الرِّواية التي في كتاب الصلاة: ((لا أكون أشقَى خلقك))، وللقابِسيّ: ((لَأكونَن)». قال ابن التِّين: المعنى: لَئِن أبقَيْتَني على هذه الحالة، ولم تُدخِلني الجنَّة، لَأكونَن، والألف في الرّواية الأولى زائدة. (١) يشير إلى حديث: ((إنَّ في الجنة غرفةً يُرَى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، وقد روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ومن حديث أبي مالك الأشعري، وهما في ((المسند)) (٦٦١٥) و(٢٢٩٠٥)، وانظر تمام تخريجهما هناك. ٥١٢ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٦١/١١ وقال الكِرْمانيُّ: معناه: لا أكون كافراً. قلت: هذا أقرَب ممّاً/ قال ابن التِّين، ولو استَحضَرَ هذه الرِّواية التي هنا ما احتاجَ إلى التكلَّف الذي أبداه، فإنَّ قوله: ((لا أكون)) لفظُه لفظُ الخبرِ ومعناه الطَّلَب، ودَلَّ عليه قوله: ((لا تجعلني))، ووجه كَونه أشقَى أنَّ الذي يُشاهِد ما يُشاهِده، ولا يَصِلُ إليه يصيرُ أشدَّ حَسرةً مَمَّن لا يُشاهِد. وقوله: ((خلقك)) مخصوص بمَن ليس من أهل النار. قوله: ((فإذا ضَحِكَ منه)) تقدَّم معنى الضَّحِكِ في شرح الحديث الماضي قريباً (٦٥٧١). قوله: (ثمَّ يقال له: ثَمَنَّ مِن كذا، فيَمنَّى)) في رواية أبي سعيد (١) عند أحمد (١١٦٦٧ و١١٧٠٨): ((فيسأل ويَتَمِنَّى مِقدارَ ثلاثة أيام من أيام الدُّنيا»، وفي رواية التَّوحيد (٧٤٣٧): ((حَتَّى إِنَّ الله لَيُذكِّرُهُ مِن كذا))، وفي حديث أبي سعيد: ((ويُلقِّنُهُ الله ما لا عِلمَ له به)). قوله: ((قال أبو هريرة» هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور. قوله: ((وذلك الرجل آخر أهل الجنَّة دخولاً) سَقَطَ هذا من رواية شُعَيب، وثَبَتَ في رواية إبراهيم بن سعد هنا، ووَفَعَ ذلك في رواية مسلم مرَّتَينِ إحداهما هنا، والأُخرى في أوَّله عند قوله: ((ويبقى رجل مُقبِلٌ بوجهه على النار)). قوله: ((قال: وأبو سعيد)) أي: الخُدْريّ، والقائل هو عطاء بن يزيد، بيَّنَه إبراهيم بن سعد في روایته عن الزُّهْريِّ، قال: قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخُدْريّ. قوله: ((لا يُغيِّر عليه شيئاً)) في رواية إبراهيم بن سعد: لا يَرُدُّ عليه. قوله: ((هذا لك ومِثْله معه، فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله وَ ل﴿) ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن سعد: قال أبو سعيد: ((وعشرة أمثاله)) يا أبا هريرة! فقال، فذكره، وفيه: قال أبو سعيد الخُذْريُّ: أشهد أنّ حَفِظتُه من رسول الله وَلّ. (١) مقروناً به أبو هريرة. ٥١٣ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق ووَقَعَ في حديث أنس عن ابن مسعود(١): ((أيُرضِيكَ أن أُعطيَك الدُّنيا ومثلَها معها)). ووَقَعَ في حديث حُذَيفة عن أبي بكر: ((انظُرُ إلى مُلكِ أعظَم مَلِكِ، فإنَّ لك مِثلَه وعشرةَ أمثاله، فيقول: أتسخَرُ بي وأنتَ الملِك)). ووَقَعَ عند أحمد (١١٦٦٧ و١١٧٠٨) من وجه آخر عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً في هذا الحديث: فقال أبو سعيد: ((ومثله معه)) فقال أبو هريرة: ((وعشرة أمثاله)) فقال أحدهما لصاحبِهِ: حَدِّث بما سمعتَ وأُحدِّثُ بما سمعتُ. وهذا مقلوبٌ، فإنَّ الذي في ((الصَّحيح)) هو المعتمد(٢). وقد وَقَعَ عند البزَّار (٧٨٤٩) من الوجه الذي أخرجه منه أحمد على وَفْقِ ما في ((الصَّحيح)). نعم وَقَعَ في حديث أبي سعيد الطَّويل المذكور في التَّوحيد (٧٤٣٩) من طريق أُخرى عنه بعد ذِكْر مَن يَخرُج من عُصاة الموحِّدينَ، فقال في آخره: ((فيقال لهم: لكم ما رأيتُم ومثله معه)). فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل. ويُمكِن أن يُجمَع بأن يكون عشرة الأمثال إنَّما سمعَه أبو سعيد في حَقّ آخر أهل الجنَّة دخولاً، والمذكور هنا في حَقّ جميع مَن يَخْرُج بالقَبْضة. وَمَعَ عِيَاض بين حديثَي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعَ أَوَّلاً قوله: ((ومثله معه)) فحدَّث به، ثمَّ حدَّث النبيّ وَّ بالزّيادة فسمعَه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعَه أبو سعيد وأبو هريرة معاً أوَّلاً ثمَّ سمعَ أبو سعيد الزّيادة بعدُ، وقد وَقَعَ في حديث أبي سعيد أشياءُ كثيرةٌ زائدةٌ على حديث أبي هريرة نَبَّهتُ على أكثرها فيما تقدَّم قريباً. وظاهر قوله: ((هذا لك وعشرة أمثاله)) أنَّ العشرة زائدة على الأصل. (١) روايته عند مسلم (١٨٧). (٢) فإنَّ في إسناد أحمد عليَّ بنَ زيد بن جُدعان، وهو ضعيفٌ باتفاقٍ. ٥١٤ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في رواية أنس عن ابن مسعود: ((لَك الذي تَمَّيْتَ وعشرة أضعاف الدُّنيا)(١)، وُلَ على أنَّه تَنَّی أن یکون له مِثلُ الذُّنیا فیُطابق حديث أبي سعيد. ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ (٣٠٨/١٨٦) عن ابن مسعود: «لَك مِثل الدُّنيا وعشرة أمثالها»، والله أعلم. وقال الكَلاباذيّ: إمساكه أوَّلاً عن السُّؤال حياءً من رَبّه والله يُحِبُّ أن يُسألَ، لأنَّه يُحِبّ صوتَ عبده المؤمن فيُباسطه بقوله أوَّلاً: ((لعلَّك إن أُعطيتَ هذا تسأل غيره))، وهذه حالة المقَصِّر، فكيف حالة المطيع؟ وليس نَقض هذا العَبد عهْدَه، وتَركُه ما أقسَمَ عليه جهلاً منه ولا قِلّةَ مُبالاةٍ، بل عِلماً منه بأنَّ نَقض هذا العهدِ أولى من الوفاء به، لأنَّ سؤاله رَبَّه أولى من تَرك السُّؤال مُراعاةً للقَسَم، وقد قال رَ ◌َّ ((مَنْ حَلَفَ على يمينٍ فرأى خيراً منها، فليُكفِّر ٤٦٢/١١ عن يمينه وليأتِ الذي هو / خير))(٢)، فعَمِلَ هذا العَبد على وَفْق هذا الخبر، والتَّكفير قد ارتَفَعَ عنه في الآخرة. قال ابن أبي جَمْرة رحمه الله تعالى: في هذا الحديث من الفوائد جواز مُخاطَبة الشَّخص بما لا تُدرَك حقيقتُه، وجواز التَّعبير عن ذلك بما يَفهَمُه، وأنَّ الأُمور التي في الآخرة لا تُشَبَّه بما في الدُّنيا إلّا في الأسماء والأصل، مع المبالَغة في تَفاوت الصِّفة، والاستدلال على العلم الضَّروريّ بالنَّظَرِيّ، وأنَّ الكلام إذا كان مُحْتَمِلاً لأمرَينِ يأتي المتكلِّم بشيءٍ يَتَخَصَّصُ به مُرادُه عند السامع، وأنَّ التَّكليف لا يَنقَطِع إلّا بالاستقرار في الجنَّة أو النار، وأنَّ امتثال الأمر في الموقف يقع بالاضطرار. وفيه فضيلةُ الإيمان، لأَنَّه لمَّا تَلَبَّسَ به المنافق ظاهراً بَقِيَت عليه حُرمَتُه إلى أن وَقَعَ الثَّمييز بإطفاءِ النّور وغير ذلك. وأنَّ الصِّراط مع دِقَّتِهِ وحِدَّتِه يَسَعُ جميع المخلوقينَ مُنذُ آدم إلى قيام الساعة. (١) عند مسلم (١٨٦) (٣٠٩). (٢) سيأتي برقم (٦٦٢٢). ٥١٥ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق وفيه أنَّ النار مع عِظَمِها وشِدَّتها لا تَتَجاوز الحدّ الذي أُمِرَت بإحراقه، والآدميّ مع حَقارة جِرمِه يُقدِمُ على المخالَفة، ففيه معنَى شديدٌ من التَّوبيخ، وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم٦٠]، وفيه إشارة إلى توبيخ الطُّغاة والعُصاة. وفيه فضل الدُّعاء، وقوّة الرَّجاء في إجابة الدَّعوة، ولو لم يكن الدَّاعي أهلاً لذلك في ظاهر الحُكم، لكنَّ فضل الكريم واسعٌ. وفي قوله في آخره في بعض طرقه: ((ما أغدَرَك)) إشارة إلى أنَّ الشَّخص لا يُوصَف بالفعلِ الذَّميم إلّا بعد أن يَتكَرَّر ذلك منه. وفيه إطلاق اليوم على جُزء منه، لأنَّ يوم القيامة في الأصل يوم واحد، وقد أُطلِقَ اسم الیوم علی کثیر من أجزائه. وفيه جواز سؤال الشَّفاعة، خِلَافاً لمن مَنع مُحْتَجّاً بأنَّها لا تكون إلّا لمُذْنِبٍ. قال عِيَاض: وفاتَ هذا القائلَ أنَّها قد تقع في دخول الجنَّة بغير حساب وغير ذلك كما تقدَّم بيانه، مع أنَّ كلّ عاقل مُعتَرِفٌ بالنَّقصير، فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره، وكذا كلّ عامل يَخْشَى أن لا يُقْبَل عمله فيحتاج إلى الشَّفاعة في قَبُوله. قال: ويَلزَم هذا القائل أن لا يَدعُو بالمغِفِرة ولا بالرَّحمة، وهو خِلَاف ما دَرَجَ عليه السَّلَف في أدعيتهم. وفي الحديث أيضاً تكليف ما لا يُطاق، لأنَّ المنافقينَ يُؤْمَرونَ بالسُّجودِ وقد مُنِعوا منه. كذا قيل! وفيه نظرٌ، لأنَّ الأمر حينئذٍ للتَّعجيزِ والتَّبكيت. وفيه إثبات رُؤية الله تعالى في الآخرة. قال الطِّييُّ: وقول مَن أثبَتَ الرُّؤية ووَكَلَ عِلمَ حقيقَتِها إلى الله فهو الحقّ، وكذا قول مَن فَسَّرَ الإتيان بالتَّجَلّى هو الحقّ، لأنَّ ذلك قد تقدَّمَه قوله: ((هل تُضارّونَ في رُؤية الشمس والقمر))، وزِيدَ في تقرير ذلك وتأكيده، وكلّ ذلك يَدَفَع المجازَ عنه، والله أعلم. واستَدَلَّ به بعض السالِمِيَّة ونحوهم على أنَّ المنافقينَ وبعض أهل الكتاب يَرَونَ اللهَ مع المؤمنينَ، وهو غَلَطُ، لأنَّ في سياق حديث أبي سعيد أنَّ المؤمنينَ يَرَونَه سبحانَه ٥١٦ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وتعالى بعد رفع رُؤوسِهم من السُّجود، وحينئذٍ يقولون: أنتَ رَبّنا، ولا يقع ذلك للمُنافقينِ ومَن ذُكِرَ معهم، وأمَّا الرُّؤية التي اشتَرَكَ فيها الجميع قبلُ، فقد تقدَّم أنَّه صورة الملك وغيره. قلت: ولا مَدخَل أيضاً لبعضٍ أهل الكتاب في ذلك، لأنَّ في بقيَّة الحديث أنَّهم يَخْرُجونَ من المؤمنينَ ومَن معهم ممَّن يُظهِر الإيمان، ويقال لهم: ما كنتُم تَعبُدُونَ؟ وأنَّهم يَتَساقطونَ في النار، وكلّ ذلك قبل الأمر بالسُّجود. وفيه أنَّ جماعةً من مُذنِبِي هذه الأُمّة يُعذَّبونَ بالنار، ثمَّ يَخْرُجونَ بالشَّفاعة والرَّحمة، خِلَافاً لمن نَفَى ذلك عن هذه الأُمّة، وتأوَّلَ ما وَرَدَ بضُروبٍ مُتَكلَّفة، والنُّصوص الصَّريحة متظافرةٌ مُتَظاهرةٌ بِثُبُوتِ ذلك. وأنَّ تعذيب الموحّدينَ بخِلَاف تعذيب الكفَّار، لاختلاف مراتبهم، مِن أخْذِ النار بعضَهم إلى ساقِه، وأنَّها لا تأكُل أثر السُّجود، وأنَهم يموتونَ فيكون عذابهم إحراقهم وحَبسهم عن دخول الجنَّة سريعاً كالمسجونينَ، بخِلَاف الكفَّار الذينَ لا يموتونَ أصلاً ليذوقوا العذاب، ولا يَحِيَونَ حياةً يَستَريحُونَ بها. ٤٦٣/١١ على أنَّ بعض أهل العلم أوَّلَ ما وَقَعَ في حديث أبي سعيد من قوله: ((يموتونَ/ فيها إماتة)) بأنَّه ليس المراد أنه يَحصُل لهم الموت حقيقةً، وإنَّما هو كِناية عن غَيبة إحساسهم، وذلك للرِّفقِ بهم، أو كَنَى عن النَّوم بالموتِ، وقد سَمَّى الله النَّومَ وفاةً(١)، ووَقَعَ في حديث أبي هريرة أنَّهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم أمَسَّهم ألمَ العذاب تلكَ الساعة. قال: وفيه ما طُبعَ عليه الآدميّ من قوّة الطَّمَع وجودة الحيلة في تحصيل المطلوب، فطلبَ أوَّلاً أن يُبعَد من النار ليَحصُل له نِسبةٌ لطيفة بأهلِ الجنَّة، ثمَّ طلبَ الدُّنوّ منهم، وقد وَقَعَ في بعض طرقه طلبُ الدُّنّ من شجرة بعد شجرة إلى أن طلبَ الدُّخول. ويُؤخَذ منه أنَّ صفات الآدميّ التي شُرِّفَ بها على الحيوان تعود له كلّها بعد بَعثَتِهِ كالفِكرِ (١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ٥١٧ باب ٥٣ / ح ٦٥٧٥ -٦٥٧٩ كتاب الرقاق والعقل وغيرهما. انتهى مُلخَّصاً مع زيادات في غُضون كلامه، والله المستعان. ٥٣- باب في الحوض وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾. وقال عبدُ الله بنُ زيدٍ، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((اصْبِروا حتَّى تَلْقَوْني على الخَوْضِ)). ٦٥٧٥- حدَّثنا يحيى بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن سليمانَ، عن شَقِيقٍ، عن عبد الله، عن النبيِّ ◌ََّ: ((أنا فرَطُكم على الخَوْضِ)). [طرفه في: ٦٥٧٦، ٧٠٤٩] ٦٥٧٦- حدَّثْنِي عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن المغيرةِ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، عن عبدِ الله ◌َّ، عن النبيِّ وَّهِ قال: «أنا فَرَطُكم على الحَوْضِ، وَيِّرْفَعنَّ مَعِي رجالٌ مِنْكم، ثمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني، فأقولُ: يا رَبِّ، أصحابي، فيقال: إنَّكَ لا تَذْري ما أحدَثُوا بعدَكَ)). تابَعَه عاصمٌ، عن أبي وائلٍ. وقال محُصَينٌّ: عن أبي وائلٍ، عن خُذَيفةَ، عن النبيِّ وَّهِ. ٦٥٧٧ - حدَّثْنا مُسدّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، حذَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((أمامَكم حَوْضٌ كما بينَ جَرْباءَ وأذْرُحَ)). ٦٥٧٨ - حدَّثْنا عَمْرو بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هُشَيٌّ، أخبرنا أبو بِشْرِ وعطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﴾، قال: الكَوْثَرُ: الخيرُ الكَثيرُ الذي أعطاه الله إيّاه. قال أبو بِشْرٍ: فقلتُ لسعيدٍ: إنَّ ناساً يَزِعُمونَ أَنَّه نَهَرٌّ في الجنَّةِ؟ فقال سعيدٌ: النَّهُرُ الذي في الجنَّةِ منَ الخيرِ الذي أعطاه الله إيّاه. ٦٥٧٩- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا نافعٌ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال: قال عبدُ الله بنُ عَمٍو: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((حَوْضِي مَسِيرةُ شهرٍ، ماؤه أبيضُ منَ اللَّبَنِ، ورِيحُه أطْيَبُ منَ المِسْكِ، ٥١٨ باب ٥٣ / ح ٦٥٨٠ -٦٥٨٥ فتح الباري بشرح البخاري وكِيْزانُه كَنُجوم السماءِ، مَن شَرِبَ منها فلا يَظْمأُ أبداً». ٦٥٨٠ - حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حذَّني ابنُ وَهْب، عن یونُسَ، قال ابنُ شِهابٍ: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ صَ﴾، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((إنَّ قَدْرَ حَوْضي كما بينَ أيلةَ وصَنْعاءَ منَ الْيَمَنِ، وإِنَّ فيه مِنَ الأباريقِ كَعَدَدِ نُجومِ السماءِ». ٦٥٨١- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا هنَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلِّ. وحدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثَنِي هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ، عن النبيِّ وَلـ قال: ((بَيْنا أنا أسِيرُ في الجنَّةِ إذا أنا بنَهَرِ حافَتَاهُ قِبابُ الدُّرِّ المجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جِبْيل؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعطاكَ رَبُّكَ، فإذا طينُه أو طِيبُهُ - مِسْكٌ أَذْفَرُ)) شَكَّ هُدْبةٍ. ٦٥٨٢ - حدَّثْنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنَا وُهَيبٌ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وََّ، قال: «لَیِرِنَّ عليَّ ناس من أصحابي الخَوْضَ، حتّى إذا عَرَفْتُهمُ اختُلُوا دوني، فأقولُ: أُصَيْحابي! فيقول: لا تَذْري ما أحدَثُوا بعدَكَ)). ٦٥٨٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ، حدَّثني أبو حازمٍ، عن سَهْلٍ ابنِ سعدٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((إنّ فَرَطُكم على الحَوْضِ، مَن مَّ عليَّ يَشْرَبُ، ومَن شَرِبَ لم يَظْمَأْ أبداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويَعرِفونني، ثمَّ يُحالُ بيني وبينَهم)). [طرفه في: ٧٠٥٠] ٦٥٨٤ - قال أبو حازم: فسمعَني التُّعْمانُ بنُ أبي عيَّشٍ، فقال: هكذا سمعتَ من سَهْلٍ؟ فقلتُ: نعم، فقال: أَشهَدُ على أبي سعيدٍ لَسِمعتُه وهو يزيدُ فيها: ((فأقولُ إنَّهم منّي! فيقال: إِنَّكَ لا تَدْري ما أحدَثُوا بعدَكَ، فأقولُ: سُحْقاً سُحْقاً لمن غَيَّرَ بَعْدِي)). وقال ابنُ عبَّاسٍ: ((سُحْقاً)): بُعْداً، يقال: سَحِيقٌ: بَعِيدٌ، سَحَقَه وأسحَقَه: أبعَدَه. [طرفه في: ٧٠٥١] ٦٥٨٥ - وقال أحمدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سعيدِ الحَبَطِيُّ، حدَّثنا أبي، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، ٥١٩ باب ٥٣ / ح ٦٥٨٦ -٦٥٨٩ كتاب الرقاق عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّه كان يُحدِّثُ أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((يَرِدُ عليَّ يومَ القيامةِ رَهْطٌّ من أصحابي، فيُجْلَونَ عن الحَوْضِ، فأقولُ: يا رَبِّ، أصحابٍ! فيقول: إِنَّكَ لا عِلْمَ لكَ بما أحدَثُوا بعدَكَ، إِنَّهُمُ ارتَدُّوا على أعقابِمُ القَهْقَرَى)). وقال شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ: كان أبو هريرةَ يُحدِّثُ، عن النبيِّ ◌َِّ: ((فِيُجْلَوْنَ)). وقال عُقَيِلٌ: فِيُحَلَّؤُونَ. وقال الزُّبَيديُّ: عن الزُّهْريِّ، عن محمَّدٍ بنٍ عليٍّ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ. ٦٥٨٦- حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، أَنَّه كان يُحدِّثُ عن أصحاب النبيِّلَّهِ، أَنَّ النبيَّ نَّه قال: ((يَرِدُ عليَّ الخَوْضَ رجالٌ من أصحابٍ، فيُجْلَونَ عنه، فأقولُ: يا رَبِّ، أصحابي، فيقول: إِنَّكَ لا عِلْمَ لكَ بما أحدثوا بعدَكَ، إِنَّهُ ارتَدُّوا على أدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى)). ٦٥٨٧ - حدَّثْنَا إِبراهيمُ بنُ المنذِر الحِزاميُّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيِحِ، حدَّثنا أبي، قال: حدّثنا هلالُ بنْ عليٍّ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((بينا أنا نائمٌ إذا زُمْرةٌ، حتَّى إذا عَرَفْتُهم خَرَجَ رجلٌ من بيني وبينِهم، فقال: هَلُمَّ، فقلتُ: أينَ؟ قال: إلى النار والله، قلتُ: وما شأنُهم؟ قال: إنَّهُمُ ارتَدّوا بعدَكَ على أدبارهمُ القَهْقَرَى، ثمَّ إذا زُمْرةٌ، حتَّى إذا عَرَفْتُهم خَرَجَ رجلٌ من بيني وبينِهم، فقال: هَلُمَّ، قلتُ: أينَ؟ قال: إلى النار والله، قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنَّهُمُ ارتَدّوا بعدَكَ على أدْبارهمُ القَهْقَرَى، فلا أُراه يَخُلُصُ منهم إلا مِثلُ هَمَلٍ النَّعَمِ)). ٦٥٨٨ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن خُبَيَبٍ بنِ عبد الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ عَّ، أنَّ رسولَ الله ◌َلاَ قال: ((ما بينَ بيتي ومِنْبري رَوْضةٌ من رِیاض الجنَّةِ، ومِنْبري على حَوْضِي». ٦٥٨٩ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن عبدِ الملِكِ، قال: سمعتُ جُنْدُباً، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ يقول: ((أنا فَرَطُكم على الخَوْضِ)). ٥٢٠ باب ٥٣ / ح ٦٥٩٠ - ٦٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥٩٠ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ ﴾: أنَّ النبيَّ وَّةٍ خَرَجَ يوماً، فصَلَّى على أهلِ أُحُدٍ صلاتَه على الميّتِ، ثمَّ انصَرَفَ على المِنْبرِ، فقال: ((إنّ فَرَطُكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عليكم. والله إنّ لأَنظُرُ إلى حَوْضي الآنَ، وإنّ أُعْطِتُ مفاتیحَ خزائنِ الأرضِ - أو مفاتيحَ الأرضِ - وإنّي والله ما أخافُ عليكم أن تُشِرِكوا بَعْدي، ولكن أخافُ علیکم أن تَناقَسُوا فيها». ٦٥٩١ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مَعْبَدِ بنِ خالدٍ، أنَّه سمعَ حارثةَ بنَ وَهْب يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َّهَ، وذكر الحَوْضَ، فقال: ((كما بينَ المدينةِ وصَنْعاء)». ٦٥٩٢ - وزادَ ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن مَعْبَدِ بنِ خالدٍ، عن حارثةَ، سمعَ النبيَّ ◌َّ قال: ((حَوْضُه ما بينَ صَنْعاءَ والمدينةِ))، فقال له المُستَوْرِدُ: ألم تَسْمَعْه قال: ((الأواني))؟ قال: لا، قال المستَوْرِدُ: ((تُرَى فيه الآنِيةُ مِثلَ الكَواكِبِ)). ٦٥٩٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، عن نافعٍ بنِ عمرَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكَ، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنّ على الحَوْضِ حتَّى أَنظُرَ مَن يَرِدُ عليَّ مِنْكم، وسَيُؤْخَذُ ناسٌ دوني، فأقولُ: يا رَبِّ، منّي ومن أمَّتي! فيقال: هل شَعَرْتَ ما عَمِلوا بعدَكَ؟ والله ما بَرِحوا يَرجِعونَ على أعقابهم». فكان ابنُ أبي مُلَيكةَ يقول: اللهمَّ إِنّا نعوذُ بكَ أن نَرْجِعَ على أعقابنا، أو نُفْتَنَ عن دِينِنا. [طرفه في: ٧٠٤٨] ﴿عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: تَرْجِعونَ على العَقِبِ. ٤٦٦/١١ / قوله: ((باب في الحَوْض)) أي: في حَوض النبيّ وَّةِ، وجمع الحوض حِياض وأحواض، وهو مَجَمَعُ الماء، وإيراد البخاريّ لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشَّفاعة، وبعد نصب الصِّراط، إشارة منه إلى أنَّ الورود على الحوض يكون بعد نصب الصِّراط والمرور عليه، وقد أخرج أحمد (١٢٨٢٥) والتِّرمِذيّ (٢٤٣٣) من حديث النَّضر بن أنس عن أنس قال: