Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ باب ٥١ / ح ٦٥٥٧ -٦٥٥٩ بالجنة كتاب الرقاق الغَور، والمعنى إذا كان طالعاً في الأُفُق من المشرق وغائراً في المغرب، وفائدة ذِكْر المشرق والمغرب بيان الرِّفعةِ وَشِدّة البُعد. وقد تقدَّم حديث الباب بأتمَّ من هذا السّياق في بَدْء الخلق (٣٢٥٦) من حديث أبي سعيد، وتقدَّم شرحه هناك من حمض اللو ميلة ولا نية ـالة ، ووَقَعَ في رواية أيوب بن سُوَيد عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد فيه شيء مُدَرَجٌ بيَّنته هناك، وحَكَمَ الدَّارَقُطنيُّ عليه بالوهم، وأمَّا ابن حِبّان فاغتَرَّ بثقة أيوبَ عنده، فأخرجه في «صحيحه)) (٢٠٩)، وهو معلولٌ بِمَا نَبَّهُ عليهِ الدَّارَ قُطنيّ. واستُدِلَّ به على تَغاوُت دَرَجَاتِ أهل الجنَّة. وقد قُسِموا في سورة الواقعة إلى السابقينَ وأصحاب اليمين: فالقسم الأوَّل هم مَن ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم﴾ الآيةَ [النساء: ٦٩]، ومَن عَداهم أصحاب اليمين، وكلَّ من الصِّنفَينِ مُتَفاوتونَ في الدَّرَجَاتٍ، وفيه تَعقّبٌ على مَن خَصَّ المقرّبين بالأنبياءِ والشُّهَداء لقولِه في آخر الحديث(١): ((رجالٌّ آمنوا بالله وصَدَّقوا المرسَلِينَ)) ... ٦٥٥٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حِدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي عِمْرانَ، قال: سمعتُ أنساً عنه، عن النبيِّ وَّةَ، قال: ((يقول الله تعالى لأهوَنِ أهلِ النار عذاباً يومَ القيامةِ: لو أنَّ لكَ ما في الأرضِ مِن شيءٍ أكنتَ تَفْتَدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أرَدْتُ مِنكَ أهوَنَ من هذا وأنتَ في صُلْبٍ آدَمَ أن لا تُشِرِكَ بي شيئاً، فأبيتَ إلا أن تُشِرِكَ بي)). ٦٥٥٨ - حدَّثنا أبو النُّعْمانِ، حِدَّثنا حَادٌ، عن عَمْرٍو، عن جابرٍ عَُّ، أنَّ النبيَّ وَِّ، قال: ((يَخْرُجُ مِنَ النار بالشَّفاعةِ، كأنَّهِمُ الثَّعَارِيُ)) قلتُ: وما الثَّعاريرُ؟ قال: الضَّغاِس. كريبـ وكان قد سَقَطَ فِمُهِ، فقلتُ لعَمْرِو بنِ دِينارٍ: أبا محمَّدٍ، سمعتَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌ّه يقول: ((يَخْرُجُ بِالشَّفاعةِ منَ النار))؟ قال: نعم. ٦٥٥٩ - حدَّثْنَا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، حَدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((يَخْرُجُ قومٌ منَ النار بعدَما مَسَّهم منها سَفْعٌ، فَيَدخُلونَ الجنَّةَ، فيُسمِّيهم أهلُ الجنَّةِ الجَهَنَّمِيِّينَ)). [طرفِه في: ٧٤٥٠] (١) يعني الحديث المتقدم برقم (٣٢٥٦). ٤٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥٦٠- حدَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثْنا عَمْرو بنُ يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ◌َّهِ، أَنَّ رسولَ اللهَ وَّهِ قال: «إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النارِ النارَ يقول الله: مَن كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ من إيمانٍ فأخرِ جوه، فيَخرُجونَ قد امتُحِشُوا وعادُوا مُمَاً، فِيُلْقَوْنَ في نَهرِ الحياةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ - أو قال: حَمِيَّةِ السَّيلِ -)»، وقال النبيُّ ◌َّ: ((ألم تَرَوْا أنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلْتَوِيَةً)). ٦٥٦١ - حذَّثني محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ أبا إسحاقَ، قال: سمعتُ الثُّعْمَانَ، سمعتُ النبيَّ ◌َ يقول: ((إنَّ أهوَنَ أهلِ النار عذاباً يومَ القيامةِ لَرجلٌ تُوضَعُ فِي أْخَصٍ قَدَمَيهِ جَمْرَةٌ، يَغْلي منها دِماغُه)). [طرفه في: ٦٥٦٢] ٦٥٦٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التُّعْمان بنِ بَشِيرِ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َله يقول: ((إنَّ أهوَنَ أهلِ النار عذاباً يومَ القيامةِ رجلٌ على أْمَصٍ قَدَمَيه ◌َمْرَتان، يَغْلي منهما دِماغُه، كما يَغْلِ الِرْجَلُ بالقُمْقُمْ)». ٦٥٦٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمرِو، عن خَيْئمةَ، عن عَدِيٌّ بنِ حاتم: أنَّ النبيَّ وَّهِ ذكر النارَ، فَأشاحَ بوَجْهِه فتَعوَّذَ منها، ثمَّ ذكر النارَ فأشاحَ بوَجْهِه فَتَعوَّذَ منها، ثمَّ قال: ((اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرةٍ، فمَن لم يَجِدٍ فِكلمةٍ طيِّيةٍ)). ٦٥٦٤- حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازم والدَّراوَرْدِيُّ، عن يزيدَ، عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌ُ، أَنَّه سمعَ رسولَ اللهِ لّهِ يقولُ وذُكِرَ عندَه عَمُّه أبو طالبٍ، فقال: ((لعلَّ تَنْفَعُهُ شَفاعَتي يومَ القيامةِ، فَيُجْعَلُ في ضَحْضاحٍ منَ النار يَبلُغُ كَعْبَه، يَغْلي منه أمُّ دِماغِهِ)). الحديث العاشر: حديث أنس: (يقال لأهلِ النار)) الحديث الماضي في ((باب مَن نُوقِشَ الحِسابَ))، وقد تقدَّم مشروحاً (٦٥٣٨). الحديث الحادي عشر: قوله: ((أبو النُّعْمان)) هو محمّد بن الفضل، وحمّاد: هو ابن زيد، وعَمْرو: هو ابن دينار، وجابر: هو ابن عبد الله الأنصاريّ. ٤٢٣ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق قوله: ((يَخْرُج من النار بالشَّفاعةِ)) كذا للأكثرِ من رواية البخاريّ بحذفِ الفاعل، وثَبَتَ في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسيِّ عن الفِرَبْريّ: ((يَخْرُج قوم)). وكذا للبيهقيِّ في ((البعث))(١) من طريق يعقوب بن سفيان عن أبي النَّعمان شيخ البخاريّ فيه. وكذا لمسلمٍ (٣١٨/١٩١) عن أبي الرَّبيع الزَّهْرانيّ عن حَمَّاد بن زيد ولفظه: «إنَّ الله يُخْرِجُ قوماً من النار بالشَّفاعة)). وله (٣١٧/١٩١) من رواية سفيان بن عُبَينَةَ عن عَمْرو سمعَ جابراً، مِثله، لكن قال: ((ناساً(٢) من النار فيُدخِلُهم الجنَّة)). وعند سعيد بن منصور وابنٍ أبي عمر عن سفيان عن عَمْرو فيه سندٌ آخر، أخر جاه من رواية عَمْرو عن عُبيد بن عُمَير فذكره مُرسَلاً، وزاد: فقال له رجلٌ - يعني لعَبِيدِ بن عُمَير، وكان الرجل يُتَّهَمُ برأي الخوارج، ويقال له: هارونُ أبو موسى -: يا أبا عاصم، ما هذا الذي تُحدِّثُ به؟ فقال: إليك/ عنِّي، لو لم أسمعه من ثلاثينَ من أصحاب محمَّدٍ وَلاَ لم ٤٢٦/١١ ◌ُحدِّث به. قلت: وقد جاء بيان هذه القصَّة من وجه آخرَ أخرجه مسلم (١٩١/ ٣٢٠) من طريق يزيد الفقير - بفاءٍ ثمَّ قافٍ وزن عظيم، ولُقِّبَ بذلك لأنَّه كان يَشكو فَقَارَ ظَهرِهِ، لا أنَّه ضِدّ الغِنَى - قال: خرجنا في عِصابة نُريد أن نَحُجّ ثمَّ نَخرُج على الناس، فمَرَرنا بالمدينة فإذا رجل يُحدِّث وإذا هو قد ذكر الْجَهَنَّميّينَ. فقلت له: ما هذا الذي تُحدِّثونَ به، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] و﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَآ أُعِيدُ وافِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] قال: أتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أسمعت بمقام محمَّد الذي يَبعَثُه الله تعالى؟ قلت: نعم! قال: فإنَّه مقامُ محمَّدٍ المحمود الذي يُرِج الله به مَن يُرِج من (١) وهو أيضاً في ((سننه الكبرى)) ١٠/ ١٩١ لكن من طريق إسماعيل بن إسحاق عن محمد بن الفضل، ولم نقف عليه في المطبوع من كتابه ((البعث))، إذ هو في جملة ما سقط من النسخة التي اعتمدها محققه، والله أعلم. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ناس. ٤٢٤ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري النار بعدَ أن يكونوا فيها، ثمَّ نَعَتَ وضْعَ الصِّراطِ ومَرَّ الناسِ عليه، قال: فَرَجَعنا وقلنا: أترَونَ هذا الشَّیخ یَكذِب على رسول الله ێ؟ فوالله ما خَرَجَمِنّا غیر رجل واحد. : وحاصله أنَّ الخوارج الطائفة المشهورة من(١) المبتَدِعة كانوا يُنكِرُونَ الشَّفاعة، وكان الصحابة يُنكِرِونَ إنكارَهم، ويُحدِّثونَ بما سمعوا من النبيّ ◌َّهِ في ذلك، فأخرج البيهقيُّ في ((البَعث))(٢) من طريق شَبيبٍ بن أَبي فَضَالةَ: ذَكَروا عند عِمران بن حُصَينِ الشَّفاعةِ، فقال رجل: إِنَّكُم لَتُحدِّثُونا بأحاديثَ لا نَجِدُ لها في القرآن أصلاً، فغَضِبَ وذكر لِهِ ما معناه: أنَّ الحديث يُفسِّرُ القرآنَ. وأخرج سعيد بن منصور(٣) بسندٍ صحيح عن أنس قال: مَن كذَّبَ بالشَّفاعة فلا نَصيبَ له فيها. وأخرج البيهقيُّ (٤) في ((البعث)) (١٥٩) من طريق يوسف بن مهرانَ عن ابنِ عبَّاس: خَطَبَ عمر فقال: إنَّه سيكونُ في هذه الأُمّة قوم يُكذِّبونَ بالرَّجم، ويُكذِّبونَ بالدَّجّال، ويُكذِّبونَ بعذابِ القبر، ويُكذِّبونَ بالشَّفاعة، ويُكذِّبونَ بقومٍ يَخْرُجونَ من النار. ومن طريق أبي هلال عن قَتَادة قال: قال أنسٌ: يَخْرُج قومٌ من النار، ولا تُكذِّب بها كما يُكذِّب بها أهل حَرُوراء. يعني الخوارج. قال ابن بَطّالَ: أنكَرَتِ المعتَزِلة والخوارج الشَّفاعة في إخراج مَن أُدخِلَ النارَ من المذنِبين وَسَّكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وغير ذلك من الآيات. وأجابَ أهلُ السُّنّة بأنَّها في الكفّار، وجاءتِ الأحاديث في إثبات الشَّفاعة المحمَّديَّة (١) لفظة «من)) سقطت من (س). (٢) وهو أيضاً في ((دلائل النبوة)) له ٢٥/١، وسقط من المطبوع ((البعث)). (٣) وهو أيضاً في ((الزهد)) لهناد (١٨٩). (٤) فات الحافظ أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (١٥٦). ٤٢٥ كتاب الرقاق: بالبيت مُتَواترة، ودَلَّ عليها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. والجمهور على أنَّ المراد به الشَّفاعة، وبالَغَ الواحديُّ فنَقَلَ فیه الإجماعَ، ولكنَّه أشار إلى ما جاء عن مجاهدٍ وزَیَّفَهِ. وقال الطَّبَريُّ: قال أكثرُ أهلِ التَّأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبيّ وَّ لِيُرِيحَهم من كَرب الموقف، ثمَّ أخرج عِدّةٍ أحاديث في بعضها التَّصريح بذلك، وفي بعضها مُطلَق الشَّفاعة (١٤٣/١٥-١٤٧). فمنها حديث سلمان قال: فيُشفِّعُه الله في أمَّتِه، فهو المقام المحمود. س ... ومن طريق رِشدين بن كُرَيب عن أبيه عن ابنِ عبَّاس: المقام المحمود: الشَّفاعة. ومن طريق داود بن يزيد الأوديّ عن أبيه عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنِ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ قال: سُئلَ عنها النبيّ ◌َّه فقال: ((هي الشَّفاعة)). ومن حديث كعب بن مالك رَفَعَه: «أكونُ أنا وأُمَّتي على تَلِّ، فيكسوني رَبّ حُلّة خَضراء، ثمَّ يُؤذَن لي فأقول ما شاءَ الله أن أقولَ، فذلك المقام المحمود)). ومن طريق يزيد بن زُرَيع عن قَتَادة: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيّ الله وَ لَّ أَوَّلُ شافع، وكان أهل العلم يقولون: إنَّه المقام المحمود. ومن حديث أبي مسعود رَفَعَه: ((إنّي لَأَقُومُ يوم القيامة المقام المحمود إذا جيءَ بكم حُفاةً عُراةً)) وفيه: ((ثمَّ يَكسوني رَبّي حُلّة فألبَسُها، فأقومُ عن يمين العَرشَ مُقَاماً لا يقومه أحدٌ، يَغْبِطُني به الأوَّلونَ والآخرونَ)). أبوابه. والجمع ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: المقام المحمود: الشَّفاعةِ. ومن طريق الحسن البصريّ مِثله .. قال الطََّرِيُّ: وقال ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا فَحْمُودًا﴾: يُجِلِسُه معه على عَرَشِهِ. ثُمَّ أَسنَدَه وقال: الأوَّل أَولى، على أنَّ الثّانيَ ليس بمدفوع لا من جهة النَّقْلِ ولا من جهة النَّظَر. ٤٢٦ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابنُّ عَطيَّةَ: هو كذلك إذا ◌ُمِلَ على ما يَلِيقُ به. ٤٢٧/١١ وبالَغَ الواحديّ في / رَدِّ هذا القول. وأمَّا النَّقّاشُ فنَقَلَ عن أبي داود صاحبٍ ((السُّنَن)) أنَّه قال: مَن أنكَرَ هذا فهو مُتَّهَم. وقد جاء عن ابن مسعودٍ عند الثَّعَلَبيّ، وعن ابنِ عبَّاس عند أبي الشَّيخ، وعن عبد الله ابن سَلَام قال: إنَّ محمَّداً يوم القيامة على كُرسيّ الرَّبّ بين يَدَي الرَّبّ، أخرجه الطََّريّ. قلت: فيحتمل أن تكونُ الإضافة إضافةَ تشريفٍ، وعلى ذلك يُحِمَلُ ما جاء عن مجاهد وغيره، والرَّاجح أنَّ المراد بالمقام المحمود: الشَّفاعة، لكنَّ الشَّفاعة التي ورَدَت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان: الأوَّل: العامّة في فصل القضاء، والثّاني: الشَّفاعة في إخراج المذنبين من النار. وحديث سلمان الذي ذكره الطََّرِيُّ أخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ أيضاً. وحديث أبي هريرة أخرجه أحمدُ (٩٦٨٤) والتِّرمِذيّ (٣١٣٧). وحديث كعب أخرجه ابنُ حِبّان (٦٤٧٩) والحاكم (٢/ ٣٦٣) وأصلُه في مسلم. وحديث ابنٍ مسعود أخرجه أحمدُ (٣٧٨٧) والنَّسائيُّ (١١٢٩٦) والحاكم (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥ و ٤ /٤٩٦-٤٩٨ و ٥٩٨ - ٦٠٠). وجاء فيه أيضاً عن أنسٍ كما سيأتي في الثَّوحيد (٧٤١٠)(١). وعن ابنِ عمر كما مضى في الزكاة (١٤٧٥). وعن جابر عند الحاكم (٤/ ٥٧٠ - ٥٧١) من رواية الزّهْريِّ عن عليّ بن الحسين عنه، واختُلِفَ فيه على الزُّهْريّ، فالمشهور عنه أنَّه من مُرسَل عليّ بن الحسين، كذا أخرجه (١) وسيأتي في هذا الباب أيضاً برقم (٦٥٦٥). ٤٢٧ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر، وقال إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريِّ عن عليّ عن رجال من أهل العلم أخرجه ابنُ أبي حاتم (٢). وحديث جابر في ذلك عند مسلم (١٩١/ ٣٢٠) من وجه آخر عنه. وفيه عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه عند ابنِ مَرْدويه(٣). وعنده أيضاً من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ ولفظه: سُئلَ النبيّ وَّل عن المقام المحمود فقال: ((هو الشَّفاعة)). وعن أبي سعيد عند التِّرمِذيّ (٣١٤٨) وابنِ ماجَهْ (٤٣٠٨). وقال الماورديّ في «تفسيره): اختُلِفَ في المقام المحمود على ثلاثة أقوال، فذكر القولَين: الشَّفاعة، والإجلاس، والثّالث: إعطاؤه لواءَ الحمد يوم القيامة. قال القُرطُبيّ: هذا لا يُغايِرِ القول الأوَّل، وأثبَتَ غيره رابعاً: وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن أبي هلال أحدٍ صِغار التابعين: أنَّه بَلَغَه أنَّ المقام المحمود أنَّ رسول الله وَ ليهِ يكونُ يوم القيامة بين الجَبّار وبين جِبْريل، فيَغبِطه بمقامه ذلك أهل الجمع. قلت: وخامساً: هو ما اقتَضاه حديث حُذَيفة، وهو ثناؤه على رَبِّه، وسيأتي سياقه في شرح الحديث السابعَ عشرَ، ولكنَّه لا يُغايِرِ الأوَّل أيضاً. وحكى القُرطُبيّ سادساً: وهو ما اقتَضاه حديث ابنِ مسعود الذي أخرجه أحمد والنَّسائيُّ والحاكم قال: ((يَشفَع نبيُّكُم رابعَ أربعةٍ: جِبْريل، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ موسى أو عيسى، ثمَّ نبيّكم لا يَشفَع أحدٌ في أكثرَ ممّا يَشفَع فيه)) الحديث، وهذا الحديث لم يُصرَّح (١) في ((تفسيره)) ١/ ٣٨٧. (٢) قال أبو نعيم في ((الحلية)) ٣/ ١٤٥ وأخرجه من هذه الطريق: علي بن الحسين هو أفضل وأتقى من أن يرويه عن رجل لا يعتمدہ فینسبه إلى العلم، ويطلق القول به. (٣) وهو أيضاً عند الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٩٥). ٤٢٨ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري برفعِهِ، وقد ضَعَّفَه البخاريّ، وقال: المشهور قولهِ وَّ: ((أنا أوَّلُ شافع))(١). قلت: وعلى تقدير ثُبُوته فليس في شيء من طرقه التَّصريح بأنَّه المقام المحمود، مع أنَّه لا يُغايِرِ حديث الشَّفاعة في المذنِبينَ. وجَوَّزَ المحِبُّ الطَّبَرِيُّ سابعاً: وهو ما اقتَضاه حديث كعب بن مالك الماضي ذكره فقال بعد أنَّ أورَدَه: هذا يُشعِر بأنَّ المقام المحمود غير الشَّفاعة، ثمَّ قال: ويجوز أن تكونُ الإشارة بقوله: ((فأقول)) إلى المراجَعة في الشَّفاعة. قلت: وهذا هو الذي يَتَّجِه، ويُمكِن رَدُّ الأقوال كلّها إلى الشَّفاعة العامّة، فإنَّ إعطاءَه لواءَ الحمد، وثَناءَه على رَبِّه، وكلامه بين يَدَيهِ، وجُلوسه على كُرسِّه، وقيامه أقرَبَ من جِبْريل، كلّ ذلك صفات للمقام المحمود الذي يَشفَع فيه ليُقضَى بين الخلق، وأمَّا شَفاعَته في إخراج المذنبين من النار، فمن تَوابع ذلك. واختُلِفَ في فاعلِ الحمد من قوله: ﴿مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ فالأكثر على أنَّ المراد به أهل الموقِف، وقيل: النبيّ وََّ، أي: إِنَّه هو يَحمَد عاقبةَ ذلك المقام بتَهَجُّدِه في اللَّيل. والأوَّل أرجَحُ لما ثَبَتَ من حديث ابنِ عمر الماضي في الزكاة بلفظ: ((مقاماً محموداً تَحمَده أهلُ الجمْع كلّهم))، ويجوز أن يُحمَل على أعَمَّ من ذلك، أي: مقاماً يَحِمَده القائم فيه وكلّ مَن عَرَفَه، وهو مُطلَق في كلّ ما يَجلِب الحمدَ من أنواع الكرامات، واستَحسَنَ هذا أبو حَيّانَ وأيَّدَه بأنَّه نَكِرة، فدَلَّ على أنَّه ٤٢٨/١١ ليس المراد مقاماً مخصوصاً./ قال ابن بَطّال: سَلَّمَ بعض المعتَزِلة وقوع الشَّفاعة لكن خَصَّها بصاحبِ الكبيرة الذي تابَ منها، وبصاحبِ الصَّغيرة الذي ماتَ مُصِرّاً عليها، وتُعقِّبَ بأنَّ من قاعِدَتهم أنَّ التائب من الذَّنب لا يُعذّب، وأنَّ اجتناب الكبائر يُكفِّرِ الصَّغائر، فيَلزَم قائلَه أن يُخالف أصله. وأُجيبَ بأنَّه لا مُغايرة بين القولَين، إذ لا مانعَ من أنَّ حصول ذلك للفَريقَينِ إنَّما حَصَلَ (١) سيذكره الحافظ ويعزوه لمسلم، ولفظه ((أول شفيع)). ٤٢٩ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق بالشَّفاعة، لكن يحتاج مَن قَصَرَها على ذلك إلى دليلِ التَّخصيص، وقد تقدَّم في أوَّل الدَّعَوات الإشارةُ إلى حديث: ((شَفاعَتي لأهلِ الكبائر من أمَّتي)) (٦٣٠٤)، ولم يُخُصّ بذلك مَن تابَ. وقال عِيَاض: أثبَتَتِ المعتَزِلة الشَّفاعة العامّة في الإراحة من كَرْب الموقف، وهي الخاصّة بنبيِّنًا، والشَّفاعة في رفع الدَّرَجات، وأنكَرَت ما عَداهما. قلت: وفي تسليم المعتَزِلة الثّانية نظرٌ. قال النَّوويّ تَبَعاً لعياضٍ: الشَّفاعة خمس: في الإراحة من هَوْل الموقِف، وفي إدخال قومِ الجنَّةَ بغير حساب، وفي إدخال قوم حُوسِبوا فاستَحقّوا العذاب أن لا يُعذَّبوا، وفي إخراج مَن ◌ُدخِلَ النار من العُصاة، وفي رفع الدَّرَجات. ودليل الأولى: سيأتي التَّنبيه عليه في شرح الحديث السابعَ عشرَ (٦٥٦٥). ودليل الثّانية: قوله تعالى في جواب قوله ◌َّله: ((أُمَّتي أمَّتي: أدخِل الجنَّة من أمَّتك مَن لا حِساب عليهم)) كذا قيلَ، ويظهر لي أنَّ دليله سؤاله وَِّ الزّيادة على السَّبعينَ ألفاً الذينَ يَدخُلونَ الجنَّة بغير حساب، فأُجيبَ، وقد قَدَّمتُ بيانه في شرح الحديث المذكور في الباب الذي قبله. ودليل الثّالثة: قوله في حديث حُذَيفة عند مسلم (١٩٥) ((ونبيّكم على الصِّراط يقول: رَبِّ سَلِّم))، وله شواهد سأذكرها في شرح الحديث السابعَ عشر. ودليل الرَّابِعة: ذكرته فيه أيضاً مبسوطاً. ودليل الخامسة: قوله في حديث أنسٍ عند مسلم (١٩٦): ((أنا أوَّلُ شَفيع في الجنَّة))، كذا قاله بعض مَن لَقِيناه، وقال: وجه الدّلالة منه أنَّه جَعَلَ الجنَّة ظَرْفاً لشَفَاعَتِهِ. قلت: وفيه نظرٌّ، لأَنّ سأُبيِّنُ أنَّهَا ظَرف في شَفاعَته الأولى المختَصّة به، والذي يُطلَب هنا أن يَشِفَع لمن لم يَبلُغ عملُه درجةً عاليةً أن يَبلُغها بِشَفَاعَتِه. وأشارَ النَّوويّ في ((الرَّوضة)» ٤٣٠ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري إلى أنَّ هذه الشَّفاعة من خصائصه مع أنَّه لم يَذكُر مُستَنَدَها. وأشارَ عِيَاض إلى استدراك شَفاعةٍ سادسةٍ: وهي التَّخفيف عن أبي طالبٍ في العذاب، كما سيأتي بيانه في شرح الحديث الرَّابعَ عشرَ (٦٥٦٢). وزاد بعضهم شفاعةً سابِعةً: وهي الشَّفاعة لأهلِ المدينة، لحديثِ سعد رَفَعَه: ((لا يَثبُت على لَأْوائها أحدٌ إلّا كنت له شهيداً أو شَفيعاً) أخرجه مسلم (١٣٦٣)، ولحديث أبي هريرة(١) رَفَعَه: ((مَن استَطاعَ أن يموت بالمدينة فليفعل، فإنّي أشفَعُ لمن ماتَ بها)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٩١٧). قلت: وهذه غير واردة، لأنَّ مُتعلَّقَها لا يَخْرُج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدَّ مِثْلُ ذلك لَعُدَّ حديث عبد الملك بن عَبّاد: سمعت النبيّ نَّ يقول: ((أوَّلُ مَن أشفَع له أهل المدينة ثمَّ أهل مَكّة ثمَّ أهل الطائف)) أخرجه البزَّار(٢) والطبرانيّ(٣)، وأخرج الطبرانيُّ (١٣٥٥٠) من حديث ابنِ عمر رَفَعَه: ((أوَّل مَن أشفَع له أهل بيتي، ثمَّ الأقرب فالأقرب، ثُمَّ سائر العرب، ثمَّ الأعاجِم))(٤). وذكر القَزوينيّ في ((العُرْوة الوُثقَى)) شَفاعَته لجماعةٍ من الصُّلَحاء في التَّجاوز عن تقصيرهم، ولم يَذْكُر مُستَنَدها، ويظهر لي أنَّها تَندَرِج في الخامسة. وزاد القُرطُبيّ أنَّه أوَّلُ شافع في دخول أمَّته الجنَّة قبل الناس، وهذه أفرَدَها النَّقّاشُ بالذِّكرِ، وهي واردة ودليلها يأتي في حديث الشَّفاعة الطَّويل(٥). (١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ الحديث الذي ذكره إنما هو لعبد الله بن عُمر، وليس لأبي هريرة، وقد روى أبو هريرة في هذا الباب نحو حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في الصبر على لأواء المدينة، فلعلَّ الحافظ أراد ذكره فذهل، والله أعلم. وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا مسلمٌ (١٣٧٨). (٢) كما في ((كشف الأستار)» (٣٤٧٠). (٣) وهو أيضاً عنده في ((الأوسط)) (١٨٢٧). (٤) في إسناده حفص بن أبي داود، وهو متروك الحديث. (٥) تقدم من حديث أبي هريرة برقم (٤٧١٢)، وسيأتي من حديث أنس برقم (٧٤١٠). ٤٣١ كتاب الرقاق وزاد النَّقّاش أيضاً: شَفاعَته في أهل الكبائر من أمَّته، وليست واردة، لأنَّها تَدخُل في الثّالثة أو الرَّابِعة. وظَهَرَ لي بالتبُّع شفاعة أُخرى: وهي الشَّفاعة فيمَن استَوت حسناتُه وسَيِّئَاتُه أن يُدخَلِ الجنَّة، ومُستَنَدها ما أخرجه الطبرانيُّ (١١٤٥٤) عن ابنِ عبَّاس قال: السابِقِ يَدخُل الجنَّة بغير حسابٍ، والمقتَصِد يرحمه الله، والظّالم لنفسِه وأصحابُ الأعراف يَدخُلوَها بشفاعة النبيِّ وٍَّ. وقد تقدَّم قريباً أنَّ أرجَحَ الأقوال في أصحاب الأعراف أنَّهم قوم استَوتْ حسناتُهم وسَيِّئَاتُهم. وشفاعةٌ أُخرى: وهي شَفاعَتُه فيمَن / قال: لا إلهَ إلّا الله، ولم يعمل خيراً قَطّ، ومُستَنَدها ٤٢٩/١١ رواية الحسن عن أنسٍ كما سيأتي بيانه في شرح الباب الذي يليه، ولا يَمنَع من عَدِّها قولُ الله تعالى له: ((ليس ذلك إليك))(١) لأنَّ النَّفَيَ يَتَعلَّق بمُباشَرة الإخراج، وإلّا فنفسُ الشَّفاعة منه قد صَدَرَت وقَبُولها قد وَقَعَ وتَرَتَّبَ عليها أثرُها. فالواردُ على الخمسةِ أربعةٌ، وما عَدَاها لا يَرِدُ، كما لا(٢) تَرِدُ الشَّفاعةُ في التَّخفيفِ عن صاحبَي القبرَينِ(٣) وغير ذلك، لكَونِه من ◌ُملة أحوال الدُّنيا. قوله: ((كأنَّهم الثَّعارير)) بمُثلَّةٍ مفتوحةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، واحدُها تُعْرورٌ كَعُصفورٍ. قوله: ((قلت: وما الثَّعاريِرُ؟)) سَقَطَتِ الواوُ لغير الكُشْمِيهنيّ. قوله: ((قال: الضَّغابيس» بمُعجَمَتَينِ ثمَّ موخَّدة بعدها مُهمَلة. أمَّا الثَّعارير، فقال ابن الأعرابيّ: هي قِّاءٌ صِغارٌ. وقال أبو عُبيد(٤) مِثله، وزاد: ويقال: (١) جاء هذا في رواية عند مسلم لحديث أنس (١٩٣) (٣٢٦). (٢) حرف ((لا)) سقط من (س). (٣) يُشير إلى حديث ابن عباس المتقدم برقم (٢١٨). (٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبو عبيدة، وكذلك جاء في ((عمدة القاري)) ١٢٣/٢٣، وجاء على الصواب في (أ)، وهو أبو عبيد القاسم بن سلّام، وكلامه هنا في ((الغريب المصنف)) ص٣٣٠ وذَكَرَ الضغابيس لا التعارير، وليس عنده الزيادة التي ذكرها الحافظ، وإنما هي من قول أبي عُبيد أحمد بن محمد الهروي قالها = ٤٣٢ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري بالشّينِ المعجَمة بدلَ المثلَّثة، وكأنَّ هذا هو السَّبَب في قول الراوي: وكان عَمْرو ذهب فمُه - أي: سَقَطَت أسنانه - فَنَطَقَ بها ثاء مُثَلَّثة، وهي شينٌ مُعجَمةٌ. وقيل: هو نبتٌ في أُصول الثُّمام، كالقُطْنِ يَنْبُت في الرَّمْلِ يَنبَسِط عليه ولا يَطُول. ووَقَعَ تشبيههم بالطَراثيثِ في حديث حُذَيفة(١)، وهي بالمهمَلة ثمَّ المثلَّة: هي الثُّام، بضمّ المثَلَّثة وتخفيف الميم، وقيل: الثُّعْرور: الأقِطُ الرَّطْب. وأغرَبَ القابِسِيّ فقال: هو الصَّدَف التي تُخْرَجُ من البحر فيها الجواهر. وكأنَّه أخَذَه من قوله في الرِّواية الأُخرى: ((كأنَّهم اللُّؤْلُؤْ))، ولا حُجّة فيه لأنَّ ألفاظ التَّشبيه تختلف، والمقصود الوصف بالبياض والدِّقّة. وأمَّا الضَّغابيس فقال الأصمعيّ: شيءٌ يَنْبُتُ في أُصول الثَّامِ يُشبِهِ الهِلْيَون، يُسلَقُ ثمَّ يُؤكِّلُ بالزَّيتِ والخَلّ. وقيل: يَنْبُتُ في أُصولِ الشَّجَر وفي الإذخِرِ، يَخْرُج قَدرَ شِيرٍ في دِقّة الأصابع، لا ورق له، وفیه ◌ُوضة. وفي ((غريب الحديث)) للحربيّ: الضُّغبوس: شجرة على طول الإصبَع، وشُبِّهَ به الرجل الضَّعيف. وأغرَبَ الدَّاوُودِيُّ فقال: هي طُيُور صِغار فوق الذُّباب. ولا مُستَنَدَ له فيما قال. تنبيه: هذا التَّشبيه لصِفَتِهِم بعد أن يَنْبُتُوا، وأمَّا في أوَّل خروجهم من النار، فإنَّهم یکونونَ کالفحم کما سیأتي في الحدیث الذي بعده. ووَقَعَ في حديث يزيد الفقير عن جابر عند مسلم (١٩١/ ٢٣٠): ((فيَخرُ جونَ كأنَّهم عيدان السَّماسم، فيَدخُلُونَ نَهراً فيَغْتَسِلونَ، فَيَخرُجونَ كأنَّهم القَراطيس البيض)). والمراد بعيدان = في ((الغريبين)) ١١٢٩/٤ بعد نقله كلام أبي عبيد القاسم. (١) ذكره السيوطي في ((اللآلئ المصنوعة)) ٤٩/١، ونسبه لأبي الحسين ابن المُنادي أنه رواه في كتابه ((الملاحم))، وذكر السيوطي بإثره أنَّ في إسناده متروكاً وآخر متهماً بالوضع. ٤٣٣ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق السَّمَاسمِ: ما يَنْبُت فيه السِّمسِم، فإنَّه إذا جُمِعَ ورُمَيَتِ العيدان تَصير سوداً دِقاقاً. وزَعَمَ بعضهم أنَّ اللَّفظة مُحرَّفة، وأنَّ الصَّواب الساسم بميمٍ واحدة، وهو خَشَب أسود، والثّابِت في جميع طرق الحديث بإثبات الميمَينِ، وتوجيهُه واضحٌ. قوله: ((فقلت لعَمرو)) القائلُ حمّادٌ. قوله: ((أبا محمَّد)) بِحذفِ أداة النِّداء، وثَبَتَ بلفظ: ((يا أبا محمَّد)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ، وعمرو: هو ابن دینار، وأراد الاستثبات في سماعه له من جابر وسماع جابر له، ولعلَّ سبب ذلك رواية عَمْرو له عن عُبيد بن عُمَير مُرسَلاً، وقد حدَّث سفيان بن عُيَينةَ بالطَّريقَينِ، كما نَبَّهت عليه. الحديث الثاني عشر: قوله: ((عن أنس)) سيأتي في التَّوحيد نحو هذا في الحديث الطّويل في الشَّفاعة بلفظ: حدَّثنا أنس(١). وقوله: (سَفْع)) بفتح المهمَلة وسكون الفاء ثمَّ عين مُهمَلة، أي: سواد فيه زُرقة أو صُفرة، يقال: سَفَعَتْه النار: إذا لَفَحَتْه فغَيَّرَت لون بَشَرَتِه، وقد وَقَعَ في حديث أبي سعيد في الباب الذي يليه بلفظ: ((قد امتُحِشوا)» ويأتي ضبطُه، وفي حديثه عند مسلم (١٨٥) أنَّهم يصيرونَ فحماً، وفي حديث جابر (٢): حُمَاً. ومعانيها مُتَقاربةٌ. قوله: ((فيُسمّيهم أهل الجنَّة الجَهَنَّمَيِّينَ)) سيأتي في الثامن عشرَ من هذا الباب (٦٥٦٦) من حديث عِمران بن حُصَينٍ بلفظ: ((يَخْرُج قوم من النار بشفاعة محمّد، فيَدخُلُونَ الجنَّة ويُسمَّونَ الْجَهَنَّمَيِّينَ)). (١) لم يرد في حديث أنس الطويل في الشفاعة الآتي برقم (٧٤١٠) تَصريحُ قتادة بسماعه له من أنس، لكن جاء في التوحيد ذكر حديث الباب بعينه من طريق هشام الدستوائي عن قتادة، ثم ذيله البخاري بذکر رواية معلقةٍ عن همام عن قتادة قال فيها: حدثنا أنس. وهي رواية غير أبي ذرِّ الهروي هنا في حديث الباب. (٢) عند أحمد (١٥١٩٨)، والترمذي (٢٥٩٧). ٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري وثَبَتَت هذه الزيادة في رواية حُميدٍ عن أنس عند المصنّف في التَّوحيد (٧٥٠٩)(١). وزاد جابر في حديثه: ((فَيُكتَب في رِقابهم: عُتَقَاءُ الله، فيُسمَّونَ فيها الْجَهَنَّمَيّينَ)) أخرجه ابن حِبّان (١٨٣) والبيهقيُّ، وأصله في مسلم (١٩١). وللنَّسَائِيِّ(٢) من رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو عن أنس: «فيقول لهم أهل الجنَّة: هؤلاءٍ ٤٣٠/١١ الْجَهَنَّمَيّونَ، فيقول الله: هؤلاءِ عُتَقاء/ الله)). وأخرجه مسلم(٣) من وجهٍ آخر عن أبي سعيد، وزاد: ((فَيَدعُونَ اللهَ فيُذهِب عنهم هذا الاسم». وفي حديث حُذَيفة عند البيهقيِّ في ((البعث)) من رواية حَمَّاد بن أبي سليمان عن ربعيٍّ عنه: ((يقال لهم: الْجَهَنَّمَيّونَ))، فذُكرلي(٤) أنَّهم استَعفَوا اللهَ من ذلك الاسم فأَعفاهم. وزَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّ هذه التَّسمية ليست تنقيصاً لهم بل للاستذكار لنعمة الله ليزدادوا (١) لكن لم يقع فيها أنهم هم الذين يُسَمُّون الجهنَّميين. (٢) أخرج النسائي في ((الكبرى)) طرفاً من حديث أنس هذا (٧٦٤٣) وهو حديث طويل، لكن لم يخرج منه القطعة التي نَبَّه عليها الحافظ، وقد أخرجه بذكرها أحمد (١٢٤٦٩)، وانظر تمام تخريجه هناك. (٣) أخرج مسلم حديث أبي سعيد المشار إليه (١٨٥)، لكنه لم يذكر في روايته تلك القطعة التي ذكرها الحافظ، وقد أخرج الحديث بذكرها عبد بن حميد (٨٦٣) عن يزيد بن هارون وابن خزيمة في ((التوحيد)) ٦٨٩/٢ من طريق سالم بن نوح، كلاهما عن سعيد الجُريري، وأخرجه اللالكائي في ((أصول الاعتقاد)) (٢٠٥٨) من طريق عمرو بن رفاعة الربعي، كلاهما (الجريري وعمرو بن رفاعة) عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وأخرجه ابن حبان (٧٤٣٢) من طريق صالح بن أبي طريف عن أبي سعيد الخدري. فأما صالح ابن أبي طريف وعمرو بن رفاعة فمجهولان، وأما رواية سعيد الجريري فجاء في بعض طرقها ما يدل على أن ذكرها في الرواية إدراج، فقد أخرجه ابن خزيمة في ((التوحيد)» ٢/ ٦٩٠، من طريق عبد الوهاب الثقفي، وابن منده في ((الإيمان)» (٨٣٤) من طريق مهدي بن ميمون، كلاهما عن الجريري، به. قال: فبلغني في حديث آخر ... فذكره، وقال مهدي في روايته: فنبئتُ أنهم ... فذكره. ويؤيد الإدراج فيه أنَّ أصحاب أبي نضرة لم يذكروا هذه الزيادة مطلقاً، منهم عوف الأعرابي عند ابن خزيمة ٦٨٧/٢، وسليمان التيمي عند اللالكائي (٢٠٥٧) وعثمان بن غياث عند الحاكم ٤/ ٥٨٤. (٤) قائل ذلك حماد بن أبي سليمان، كما جاء موضحاً في ((أمالي المحاملي)) بتحقيق حمدي السلفي (٤٢٠). ٤٣٥ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق بذلك شُكراً، كذا قال، وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يَخِدِشُ في ذلك(١). الحديث الثالث عشر: قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، ووُهَيب: هو ابن خالد، وعَمْرو: هو ابن يحيى المازِنيّ، وأبوهُ يحيى: هو ابن عُمَارةَ بن أبي حسن المازِنيّ. قوله: ((إذا دَخَلَ أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النار، يقول الله تعالى: مَن كان في قَلْبه ◌ِمِثْقَال حَبّة من خَرْدَل من إيمان فأخرجوه)) هكذا روى يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخُدْريِّ آخر الحديث، ولم يَذكُر أوَّلَه. ورواه عطاء بن يسار عن أبي سعيد مُطوَّلاً، وأوَّله الرُّؤية وكشف الساق والعرض، ونصب الصِّراط والمرور عليه، وسُقوط مَن يَسقُط، وشَفاعة المؤمنينَ في إخوانهم، وقول الله: ((أخرِجوا مَن عَرَفْتُم صورتَه))، وفيه: ((مَن في قلبه مثقال دينار)) وغير ذلك، وفيه: قول الله تعالى: ((شَفَعَتِ الملائكة والنبّونَ والمؤمنونَ ولم يَبقَ إلّا أرحَم الرَّاحمينَ، فيَقِض قَبضةً من النار فُيُخرِج منها قوماً لم يعملوا خيراً قَطُّ، قد صاروا حُماً)). وقد ساقَ المصنّف أكثره في تفسير سورة النِّساء (٤٥٨١)، وساقه بتمامه في كتاب التَّوحيد (٧٤٣٩)، وسأذكر فوائده في شرح حديث الباب الذي يلي هذا مع الإشارة إلى ما تَضَمَّنَته هذه الطَّريق إن شاء الله تعالى. وتقدَّمَت لهذه الرِّواية طريق أُخرى في كتاب الإيمان في ((باب تَفاضُل أهل الإيمان في الأعمال)) (٢٢)، وتقدَّم ما يَتَعلَّق بذلك هناك. واستَدَلَّ الغَزاليّ بقوله: ((مَن كان في قلبه)) على نَجاة مَن أيقَنَ بذلك وحالَ بينه وبين النُّطق به الموت، وقال في حَقّ مَن قَدَرَ على ذلك فأخَّرَ فماتَ: يحتمل أن يكون امتناعه عن النُّطْق بمَنزِلة امتناعه عن الصلاة، فيكون غيرَ مُلَّدٍ في النار، ويحتمل غير ذلك. ورَجَّحَ غيرُه الثّانيَ، فيُحتاج إلى تأويل قوله: ((في قلبه))، فيُقدَّر فيه محذوف تقديره: مُنضَمّاً إلى النُّطق به مع القُدرة عليه. (١) هذا إن ثبت، ولكن الظاهر عدم ثبوته كما بيناه، والله أعلم. ٤٣٦ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الرابع عشر: حديث النُّعمان بن بشير. أورَدَه من وجهَينِ أحدهما أعلى من الآخر، لكن في العالي عَنعَنة أبي إسحاق عَمْرو بن عبد الله السَّبيعيّ، وفي النازِل تصريحه بالسَّماع، فانجَبَرَ ما فاته من العُلوّ الِحِسِّيّ بالعُلوِّ المعنويّ. ووَقَعَ في رواية يحيى بن آدم عن إسرائيل عن أبي إسحاق: سمعت النُّعمان بن بشير الأنصاريّ يقول، فذكر الحديثَ(١). وإسرائيل في الطريقين: هو ابن يونس بن أبي إسحاق المذكور. والنُّعمان: هو ابن بشير ابن سعد الأنصاريّ، ووَقَعَ مُصرَّحاً به في رواية مسلم (٣٦٣/٢١٣) عن محمَّد بن المثنَّى ومحمّد بن بشَّار جميعاً عن غُندَر. قوله: ((أهون(٢) أهل النار عذاباً)) قال ابن التِّين: يحتمل أن يُراد به أبو طالب. قلت: وقد بيَّت في قصَّة أبي طالب من المبعَث النبويّ (٣٨٨٣) أَنَّ وَقَعَ في حديث ابن عبَّاس عند مسلم (٢١٢) التَّصريح بذلك ولفظه: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب)). قوله: ((أخَص)) بِخاءِ مُعجَمة وصادٍ مُهمَلة، وزن أحمر: ما لا يَصِل إلى الأرض من باطِن القَدَم عند المشي. قوله: ((جَمْرة)) في رواية مسلم: ((جَمَرَتان))، وكذا في رواية إسرائيل: ((على أخَص قَدميه جَمَرَتان)). قال ابن التِّين: يحتمل أن يكون الاقتصار على الجمرة للدّلالة على الأُخرى لعِلم السامع بأنَّ لكلِّ أحدٍ قَدَمَين. ووَقَعَ في رواية الأعمَش عن أبي إسحاق عند مسلم (٣٦٤/٢١٣) بلفظ: ((مَن له نَعلان (١) أخرجه من هذه الطريق عبد الغني المقدسي في ((ذكر النار)) (٩٣)، وكأن الحافظ أراد أن يخرج هذه الرواية من ((مستخرج الإسماعيلي)) فذهل، لأنَّ رواية عبد الغني المقدسي من طريقه، والله أعلم. (٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في الرواية دون خلاف: ((إنَّ أهون)). ٤٣٧ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ كتاب الرقاق سا وشِراکان من نار یغلي منهما دِماغُه))، وفي حديث أبي سعيد عنده (٢١١) نحوه وقال: ((يَغلي دِماغُه من حرارةٍ فَعِلِهِ))(١).، أهدا فها ماجد ريبة قوله: ((منها دماغه)) في رواية إسرائيل: ((منهما)) بالتَّثنية، وكذا في حديث ابن عبّاسٍ. قوله: ((كما يَغْلي الِرْجَلَ بِالقُمْقُم)) زاد في رواية الأعمَش: ((لا(٢) يرى أنَّ أحداً أشدّ عذاباً منه، وإنَّه لَأهونُهم عذاباً». والمِرِجَل، بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح الجيم/ بعدها لامٌ: قِدْرٌ من نُحاس، ويقال ٤٣١/١١ أيضاً لكلِّ إناء يَغْلي فيه الماء من أي صنفٍ كان. والقُمقُم: معروف، من آنيَّةِ العَطّار، ويقال: هو إناءَ ضَيِّقَ الرَّأس، يُسَخّن فيه الماء، يكون من نُحاس وغيره، فارسيّ، ويقال: روميّ، وهو مُعرَّب، وقد يُؤنَّث فيقال: قُمِقُمة ◌ِن وز قال ابن التّين: في هذا التَّركيب نظر، وقال عِيَاض: الصَّواب: ((كما يَغلي المِرِجَل والقُمقُم)) بواو العطفِ لا بالباء، وجَوَّزَ غيره أن تكون الباء بمعنى مع، ووقع في رواية الإسماعيليّ: ((كما يَغلي المِرِجَل أو القُمقُم)) بالشكّ، تقدَّم شيء من هذا في قصَّة أبي طالب (٣٨٨٣ و ٣٨٨٥). الحديث الخامس عشر: حديث عَديّ بن حاتم، تقدَّم شرحه قريباً في آخر («باب مَن نُوقِشَ الحِسابَ)) (٦٥٣٩). س. الحديث السادس عشر: حديث أبي سعيد في ذِكْر أبي طالب، تقدَّم في قصَّة أبي طالب (٣٨٨٥) من طريق اللَّيث حدَّثني ابن الهادِ، وعَطَفَ عليه السَّنَد المذكور هنا، واختَصَرَ المتن، ويزيد المذكور هنا: هو ابن الهادِ المذكور هناك، واسم كلٌّ من ابن أبي حازم والدَّراوَرْديِّ (١) كذا في الأصلين و(س) بصيغة المفرد، والذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): نعليه، بصيغة التثنية، وهو تكاليف الذي عند سائر من خرَّج الحدیث، فالله تعالى أعلم. (٢) كذا في الأصلين و(س): لا، والذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): ما، وكذا هو في سائر مصادر التخريج. ٤٣٨ باب ٥١ / ح ٦٥٦٤ فتح الباري بشرح البخاري عبدُ العزيز، وهما مَدَنّان مشهوران، وكذا سائر رواة هذا السَّنَد. قوله: (لعلَّه تَنْفَعه شَفَاعَتِي)) ظَهَرَ من حديث العبَّاس وقوعُ هذا التَّرَجّي(١)، واستُشكِلَ قوله ◌َله: ((تنفعه شَفاعَتي)) بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وُجِيبَ بأنَّه خُصَّ، ولذلك عَدّوه في خصائص النبيّ وَّ، وقيل: معنى المنفَعة في الآية يُخالف معنى المنفَعة في الحديث، والمراد بها في الآية الإخراج مَن النار، وفي الحديث المنفَعة بالتَّخفيف، وبهذا الجواب جَزَمَ القُرطُبيّ. وقال البيهقيُّ في ((البعث)): صَحَّتِ الرِّواية في شأن أبي طالب فلا معنى للإنكار من حيثُ صِحّةُ الرِّواية، ووجهُه عندي أنَّ الشَّفاعة في الكفَّار إنَّما امتَنَعَت لوجودِ الخبرِ الصّادِق في أنَّه لا يُشفَّعُ فيهم أحدٌ، وهو عامّ في حَقّ كلّ كافر، فيجوز أن يُخْصَّ منه مَن ثَبَتَ الخبر بتخصيصِه. قال: وَمَلَه بعض أهل النَّظَر على أنَّ جزاء الكافر من العذاب يقع على كفره وعلى مَعاصيه، فيجوز أنَّ الله يَضَع عن بعض الكفَّار بعض جزاء مَعاصيه تَطبيباً لقلبٍ الشافع لا ثواباً للكافر، لأنَّ حسناته صارت بموتِه على الكفر هَباءً. وأخرج مسلم (٢٨٠٨) عن أنس: ((وأمَّا الكافر فيُعطَى حسناته في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضَى إلى الآخرة لم تكن له حسنة)). وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): اختُلِفَ في هذه الشَّفاعة هل هي بلسانٍ قوليّ أو بلسانٍ حاليٍّ؟ والأوَّل يُشكِل بالآية، وجوابه جواز التَّخصيص، والثّاني يكون معناه: أنَّ أبا طالب لمَّا بالَغَ في إكرام النبيّ وَّهِ والذَّبّ عنه جُوزيَ على ذلك بالتَّخفيف، فأطلقَ على ذلك شَفاعةً لكونها بسبِه. قال: ويُجاب عنه أيضاً أنَّ المخَفَّف عنه لمَّا لم يَجِد أثر التَّخفيف فكأنَّه لم يَنتَفِعِ بذلك، ويُؤيِّد ذلك ما تقدَّم أنَّه يَعتَقِّد أن ليس في النار أشدُّ عذاباً منه(٢)، وذلك أنَّ (١) يعني حديثه الذي ذكر البخاري طرفاً منه برقم (٦٥٧٢)، وذكره مسلم تامّاً برقم (٢٠٩) بنحو حديث أبي سعيد الخدري. (٢) كما تقدم في شرح الحديث الرابع عشر في هذا الباب. ٤٣٩ باب ٥١ / ح ٦٥٦٥ كتاب الرقاق القليل من عذاب جَهَنَّم لا تُطيقُه الجبالُ، فالمعَذَّبُ لاشتغاله بما هو فيه يَصدُق عليه أنَّه لم يَحَصُل له انتفاعٌ بالنَّخفيف. قلت: وقد يُساعِد ما سَبَقَ ما تقدَّم في النِّكاح من حديث أمّ حبيبة في قصَّة بنت أمّ سَلَمة: ((أرضَعَتني وإيّاها ثُويبة)) (٥١٠٦)، قال عُرْوة: إنَّ أبا لهب رُئيَ في المنام فقال: لم أرَ بعدكم خيراً غير أنّي سُقيلت في هذه بعَتَاقتي ثُويبةَ، وقد تقدَّم الكلام عليه هناك. وجَوَّزَ القُرطُبيّ في ((التَّذكِرة)) أنَّ الكافر إذا عُرِضَ على الميزان ورَجَحَت كِفّة سَيِّئاته بالكفرِ اضمَحَلَّت حسناته فدَخَلَ النار، لكنَّهم يَتَفاوتونَ في ذلك، فمَن كانت له منهم حسنات من عِتِقٍ ومواساة مسلمٍ ليس كمَن ليس له شيء من ذلك، فيحتمل أن يُجازَى بتخفيفِ العذاب عنه بمِقدار ما عَمِلَ، لقولِه تعالى: ﴿ وَتَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُّ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قلت: لكن هذا البحث النَّظَريَّ مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ [فاطر: ٣٦] وحديث أنس الذي أشرت إليه. وأمَّا ما أخرجه ابن مَرْدويه والبيهقيُّ (١) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((ما أحسنَ مُحسِن من/ مسلم ولا كافر إلّا أثابَه الله)) قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال: ((المال ٤٣٢/١١ والولد والصِّحّة وأشباه ذلك)) قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: ((عذابٌ دونَ العذاب))، ثمَّ قرأ: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. فالجواب عنه أنَّ سنده ضعيف، وعلى تقدير ثُبُوته فيحتمل أن يكون التَّخفيف فيما يَتَعلَّق بعذابٍ مَعاصيه، بخِلَاف عذابٍ الكفر. ٦٥٦٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ ظُه، قال: قال رسولُ اللهِ﴾. (يَجِمَعُ الله الناسَ يومَ القيامةِ فيقولون: لَوِ اسْتَشْفَعْنا على رَبِّنا حتَّى يُرِيحَنا من مكاننا، فيأتونَ آدمَ، فيقولون: أنتَ الذي خَلَقَكَ الله بَيَدِه، ونَفَخَ فيكَ من رُوحِه، وأمَرَ ملائِكتَه فسَجَدوا لكَ، (١) وأخرجه أيضاً الحاكم ٢/ ٢٥٣ وصحَّحه، فتَعقَّبه الذهبي بأنَّ في إسناده عتبة بن يقظان، وأنه واٍ. ٤٤٠ فتح الباري بشرح البخاري فاشفَع لنا عندَ رَبِّنا، فيقول: لستُ هُناكُم، ويَذكُرُ خَطِيئَتَه، اثْتُوا نوحاً أوَّلَ رسولٍ بَعَثَه الله، فيأتونَه، فيقول: لستُ هُناكُم، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَه، اثْتُوا إبراهيمَ الذي اتَّخَذَه الله خليلاً، فيأتونَه فيقول: لستُ هُناكُم، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَه، اثْتُوا موسى الذي كَلَّمَ الله، فيأتونَهِ، فيقول: لستُ هُناكُم، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَه، اثْتُوا عيسى، فيأتونَه، فيقول: لستُ هُناكُم، اثْنُوا محمَّداً وَّهِ، فقد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فيأتوني، فأستَأذِنُ على رَبِّي، فإذا رأيتُهُ وقَعْتُ له ساجداً، فيَدَعُني ما شاءَ، ثمَّ يقول لي: ارفَعْ رأسَكَ، وسَلْ تُعْطَة، وقُلْ يُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رأسي فأحمدُ رَبِي بِتَحميدٍ يُعلِّمُني، ثمَّ أشفَعُ، فَيَحُدُّ لى حَدّاً، ثمَّ أُخْرِجُهم من النار وأُدْخِلُهمُ الجِنَّة، ثمَّ أعودُ فأقَعُ ساجداً مِثْلَه في الثّالثةِ أو الرَّابعةِ، حتَّى ما يبقَى في النار إلّ مَن حَبَسَه القرآنُ)). فكان قَتَادةُ يقول عندَ هذا: أي: وَجَبَ عليه الخُلود. الحديث السابع عشر: حديث أنس الطّويل في الشَّفاعة. أورَدَه هنا من طريق أبي عَوَانة، ومضى في تفسير البقرة (٤٤٧٦) من رواية هشام الدَّستُوائيِّ ومن رواية سعيد بن أبي عَرُوبة، ويأتي في التَّوحيد (٧٤٤٠) من طريق همَّامِ، أربعَتهم عن قَتَادة، وأخرجه أيضاً أحمد من رواية شَيْبانَ عن قَتَادة(١)، ويأتي في الثَّوحيد (٧٥١٠) من طريق مَعبَد بن هلال عن أنس، وفيه زيادة للحسنِ عن أنسٍ. ومن طريق حُميدٍ عن أنس باختصارٍ (٧٥٠٩)، وأخرجه أحمد (١٢٨٢٤) من طريق النَّضر بن أنس عن أنس، وأخرجه أيضاً من حديث ابن عبّاس (٢٥٤٦)، وأخرجه ابن خُزَيمةَ (٢) من طريق مُعتَمِر عن ◌ُمیدٍ عن أنس. وعند الحاكم (٥٩٨/٤-٥٩٩) من حديث ابن مسعود، والطبرانيّ(٣) من حديث عُبادة ابن الصّامت، ولابنِ أبي شَيْبة (١١/ ٤٤٧-٤٤٩) من حديث سلمان الفارسيّ، (١) لم نقف عليه في («المسند»، وهو عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٦٩). (٢) في ((التوحيد)) ٧١٦/٢. (٣) لم نقف عليه في مطبوع الطبراني، إذليس فيما عُثر عليه من مسند عُبادة بن الصامت، وهو عند الهيثم بن كليب في ((مسنده)) (١١٩١)، والحاكم ٣٠/١.