Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب ٥٠ / ح ٦٥٤٥
كتاب الرقاق
رواية فُضَيلٍ بن سليمان الماضية في بَدْء الخلق (٣٢٤٧): ((لا يَدخُل أوَّلهم حتَّى يَدخُل
آخرهم)) وهذا ظاهره يَستَلِزِمِ الدَّورَ، وليس كذلك، بل المراد أنَّهم يَدخُلُونَ صَفّاً واحداً،
فيَدخُل الجميع دُفْعةً واحدةً، ووَصْفُهم بالأوَّلَيَّة والآخِرِيَّة باعتبار الصِّفة التي جازوا فيها
على الصِّراط، وفي ذلك إشارة إلى سَعة الباب الذي يَدخُلُونَ منه الجنَّة، قال عِيَاض:
يحتمل أن يكون معنى كَونهم مُتَماسكينَ أنَّهم على صِفَة الوقار، فلا يُسابِقِ بعضُهم بعضاً،
بل يكون دخولهم جميعاً. وقال النَّوويّ: معناه أنَّهم يَدخُلونَ مُعتَرِ ضينَ صَفّاً واحداً بعضهم
بجَنْبٍ بعضٍ.
تنبيه: هذه الأحاديث تَخُصُّ عُموم الحديث الذي أخرجه مسلم(١) عن أبي بَرْزَ
الأسلَميِّ رَفَعَه: ((لا تَزول قَدَما عبدٍ يوم القيامة حتَّى يُسأل عن أربع: عن عُمُره فيما أفناه،
وعن جسده فيما أبلاه، وعن عِلْمِهِ فيما عَمِلَ به، وعن ماله من أين اكتَسَبَه وفيمَ أَنفَقَه))، وله
شاهد عن ابن مسعود عند التِّرمِذيّ (٢٤١٦)، وعن معاذ بن جبل عند الطبرانيّ (٢٠/ ١١١).
قال القُرطُبيّ: عُموم الحديث واضح، لأنَّ نَكِرة في سياق النَّفي، لكنَّه مخصوص بمَن
يَدخُل الجنَّة بغير حِساب، وبمَن يَدخُل النار من أوَّل وَهْلة على ما دَلَّ عليه قوله تعالى:
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ الآية [الرحمن: ٤١].
قلت: وفي سياق حديث أبي بَرْزة إشارة إلى الخُصوص، وذلك أنَّه ليس كلّ أحد عنده
عِلم يُسأل عنه، وكذا المال، فهو مخصوص بمَن له عِلم وبمَن له مال، دونَ مَن لا مال له
ومَن لا عِلم له، وأمَّا السُّؤال عن الجسد والعُمُر فعامٌّ، ويُخَصُّ من المسؤولينَ مَن ذُكِرَ، والله
أعلم.
الحديث الرابع: قوله: ((يعقوب بن إبراهيم)) أي: ابن سعد، وصالح: هو ابن
کَیْسانَ.
قوله: (يَدخُل أهلُ الجنَّة الجنَّة، وأهلُ النار النار)) في رواية محمَّد بن زيد عن ابن عمر في
(١) بل الترمذي (٢٤١٧). وليس هو في مسلم.

٤٠٢
باب ٥٠ / ح ٦٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
الباب الذي بعده (٦٥٤٨): ((إذا صارَ أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النار إلى النار أُتِيَ (١)
بالموتِ))، ووَقَعَ مِثلُه في طريق آخرَ عن أبي هريرة، ولفظه عند التِّرمِذيّ (٢٥٥٧) من
رواية العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بعد ذِكْر الجَوَاز على الصِّراط: ((فإذا
أدخَلَ اللهُ أهلَ الجنَّة الجنَّةَ، وأهلَ النار النارَ، أُتِيَ بالموتِ مُليَّباً) وهو بموخَّدتَين.
قوله: ((ثُمَّ يقوم مُؤَذِّنٌ بينهم)) في رواية محمَّد بن زيد قبل هذا قصَّة ذَبح الموت، ولفظه:
(ثمَّ جيءَ بالموتِ حتَّى يُحِعَل بين الجنَّة والنار ثمَّ يُذْبَح. ثمَّ ينادي مُنادٍ)) لم أقِفْ على اسم
هذا المنادي.
قوله: ((يا أهلَ النار لا مَوْتَ، ويا أهلَ الجَنَّةِ لا مَوْتَ، خُلود)» أمَّا قوله: ((لا موت)) فهو بفتح
المثنّاة فيهما، وأمَّا قوله في آخره: ((خُلود)) فهكذا وَقَعَ في رواية عليّ بن عبد الله عن يعقوب،
وأخرجه مسلم (٢٨٥٠) عن زُهَير بن حَرْب وغير واحد عن يعقوب، بتقديم نِداء أهل الجنَّة،
ولم يَقُل: ((لا موت))(٢) فيهما، بل قال: ((كلٌّ خالدٌ فيما هو فيه))، وكذا هو عند الإسماعيليّ من طريق
إسحاق بن منصور عن يعقوب.
وضبط ((خُلود)) في البخاريّ بالرَّفع والتَّنوين، أي: هذا الحال مُستَمِّرّ، ويحتمل أن يكون
جمعَ خالدٍ، أي: أنتم خُلُود في الجنَّة.
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة.
قوله: ((يقال لأهلِ الجنَّةُ: يا أهل الجنَّة)) سَقَطَ لغير الكُشْمِيهنيِّ قوله: ((يا أهل الجنَّة))، وثَبَتَ
للجميع في مُقابِله: ((يا أهل النار)).
قوله: «لا موت)) زاد الإسماعيليّ في روایته: «لا موت فیه»، وسيأتي في ثالث أحاديث الباب
الذي يليه أنَّ ذلك يقال للفَريقَينِ عند ذَبح الموت، وثَبَتَ ذلك عند التُّرمِذيّ (٢٥٥٧) من
وجه آخر عن أبي هريرة.
(١) هذا لفظ رواية مسلم (٢٨٥٠)، وأما لفظ البخاري فهو: جيء، دون خلاف.
(٢) بل لم يقل: ((خلود))، وقال: ((لا موت)).

٤٠٣
باب ٥١
كتاب الرقاق
تنبيه: مُناسَبة هذا الحديث والذي قبله لترجمة دخول الجنَّة بغير حِساب الإشارةُ إلى أنَّ كلّ
مَن يَدخُل الجنَّة يَخلُد فيها، فيكون للسابقِ إلى الدُّخول مَزيَّة على غيره، والله أعلم.
٥١- باب صفة الجنّة والنار
وقال أبو سعيدٍ: قال النبيُّ وَّ: ((أوَّلُ طعام يأكلُه أهلُ الجنَّةِ زيادةُ كَبِدِ حُوتٍ)).
عَدْنٌ: خُلْدٌ، عَدَنْتُ بأرضٍ: أَقَمْتُ، ومِنْه المعْدِنُ، ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: في مَنْبِتِ صِدْقٍ.
قوله: ((باب صِفَة الجنَّة والنار)) تقدَّم هذا في بَدْء الخلق في ترجمتَينِ (٣٢٤٠ و٣٢٥٨). ٤١٩/١١
ووَقَعَ في كلٍّ منهما: ((وأنَّها مخلوقة))، وأورَدَ فيهما أحاديث في تَثبيت كونهما موجودتَينِ،
وأحاديث في صِفَتهما، أعاد بعضها في هذا الباب، کما سأُنبِّه عليه.
قوله: ((وقال أبو سعيد: قال النبيّ وَليّ: أوَّل طعام يأكله أهل الجنّة زيادة گَبد ◌ُوتٍ» في
رواية أبي ذرٍّ: ((كَبِد الحوت))، وقد تقدَّم هذا الحديث مُطوَّلاً في ((باب يَقِض الله الأرض
يوم القيامة)) (٦٥٢٠).
وهو مذكور هنا بالمعنى، وتقدَّم بلفظه في بَدْء الخلق(١)، لكن من حديث أنس في سؤال
عبد الله بن سَلامٍ.
قوله: ((عَدْن: خُلْد، عَدَنْتُ بأرضٍ: أَقَمْت)) تقدَّم هذا في تفسير براءة(٢)، وأنَّه من كلام
أبي عُبيدة.
وقال الرَّاغِب: معنى قوله: ((جَنّات عَدن)) أي: الاستقرار، وعَدَنَ بمكانٍ كذا: إذا استَقرَّ به،
ومنه المعدِن لگَونِهِ مُستَقَرَّ الجواهر.
قوله: ((﴿فِ مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾: في مَنْبِت صِدْق)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((في مَعدِن)» بَدَل
((مَقَعَد))، وهو الصَّواب، وكأنَّ سبب الوهم أنَّه لمَّا رأى أنَّ الكلام في صِفَة الجنَّة، وأنَّ من
أو صافها مَقعَد صِدق كما في آخر سورة القمر ظنَّه هنا كذلك، وقد ذكره أبو عُبيدة بلفظ:
(١) بل في أحاديث الأنبياء (٣٣٢٩) وغيره.
(٢) بين يدي الحديث رقم (٤٦٥٤).

٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
((مَعدِن صِدق)) وأنشَدَ للأعشَی قوله:
فإن يَستَضيفوا إلى حِلمِه يُضافوا إلى راجِحِ قد عَدَنْ
أي: أقامَ واستَقرَّ، نعم قوله: ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾ معناه: مكان القُعود، وهو يَرجِع إلى
معنى المعدن.
ولَمَّحَ المصنِّف هنا بأسماءِ الجنَّة، وهي عشرة أو تَزيد: الفِرْدَوس وهو أعلاها، ودار
السَّلام، ودار الخُلد، ودار المُقامة، وجَنّة المأوى، والنَّعيم، والمقام الأمين، وعَدن، ومَقعَد
صِدق، والحُسنَى، وكلّها في القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾
[العنكبوت: ٦٤] فعَدَّ بعضهم في أسماء الجنَّة دارَ الحيوان، وفيه نظرٌ.
وذكر في الباب ثلاثة وعشرين حديثاً:
٦٥٤٦ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ الهيثم، حدَّثْنَا عَوْفٌ، عن أبي رَجَاءٍ، عن عِمْرانَ، عن النبيِّ وَّ،
قال: ((اطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ، واطَّلَعْتُ في النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها
النِّساء)).
٦٥٤٧ - حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، أخبرنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي عثمانَ، عن أُسامةَ،
عن النبيِّ وََّ، قال: ((قُمْتُ على باب الجنَّةِ فكان عامّةُ مَن دَخَلَها المساكِينَ، وأصحابُ
الجَدِّ محبُوسونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النار قد أُمِرَ بهم إلى النار، وقُمْتُ على باب النار، فإذا
عامّةُ مَن دَخَلَها النِّساءُ)).
٦٥٤٨ - حدَّثنا معاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عمرُ بنُ محمَّدِ بنِ زيدٍ، عن أبيه، أنَّه
حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا صارَ أهلُ الجنَّةِ إلى الجنَّةِ، وأهلُ النار إلى
النار جِيءَ بالموتِ، حتَّى يُجْعَلَ بينَ الجنَّةِ والنار، ثمَّ يُذْبَحُ، ثمَّ ينادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ لا
مَوْتَ، يا أهلَ النار لا مَوْتَ، فيَزْدادُ أهلُ الجِنَّةِ فَرَحاً إلى فَرَحِهم، ويَزْدادُ أهلُ النار حَزَناً إلى
حَزَنِهم)).

٤٠٥
كتاب الرقاق
٦٥٤٩- حدَّثنا معاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن
عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ الله تبارك وتعالى يقول
الأهلِ الجنَّةِ: يا أهلَ الجنَّةِ، فيقولون: لَبَّكَ رَبَّنَا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رَضِيتُم؟ فيقولون: وما
لنا لا نَرْضَى، وقد أعطَيتَنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقِكَ، فيقول: أنا أُعْطِيكم أفضلَ من ذلك،
قالوا: يا رَبِّ وأيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضْواني، فلا أسخَطُ عليكم
بعده أبداً)).
[طرفه في: ٧٥١٨]
٦٥٥٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن
مُميدٍ، قال: سمعتُ أنساً يقول: أُصِيبَ حارثةُ يومَ بَدْرٍ وهو غلامٌ، فجاءت أمُّه إلى النبيِّ وَّ،
فقالت: يا رسولَ الله، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حارثةَ منّي، فإن يَكُ في الجنَّةِ أصبِرٍ وأحتَسِب، وإن
تكنِ الأُخرى تَرَ ما أصنَعُ، فقال: ((ويَحَكِ! أوَهَبِلْتِ! أَوَجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنَّهَا جِنانٌ كثيرةٌ، وإِنَّه
لَفي جَّةِ الفِرْدَوسِ».
٦٥٥١- حدّثنا معاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ موسى، أخبرنا الفُضَيلُ، عن أبي
حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((ما بينَ مَنْكِبَي الكافرِ مَسِيرةٌ ثلاثةِ أيامٍ للرَّاكِبِ
◌ُ
المُسْرِعِ)).
٦٥٥٢ - وقال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: أخبرنا المغيرةُ بنُ سَلَمةَ، حدَّثنَا وُهَيبٌ، عن أبي حازمِ،
عن سَهْلٍ بنِ سعدٍ، عن رسولِ اللهِوََّ، قال: ((إنَّ في الجنَّةِ لَشجرةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مئةَ
عامِ لَا يَقْطَعُها».
٦٥٥٣ - قال أبو حازم: فحَدَّثْتُ به النُّعْمَانَ بنَ أبي عيَّاشِ، فقال: أخبرني أبو سعيدٍ، عن
النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّ في الجنَّةِ لَشجرةَ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ أو المضَمَّرُ السَّرِيعُ مئةَ عامٍ ما
يَقْطَعُها)».
٦٥٥٤ - حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، أنَّ رسولَ الله وَ له

٤٠٦
باب ٥١ / ح ٦٥٥٥ -٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال: (لَيَدخُلَنَّ الجنَّةَ من أمَّتي سبعون ألفاً، أو سبعُ مئةِ ألفٍ - لا يَدْري أبو حازم أيَّهما قال -
مُتَمَاسِكونَ آخِذُ بعضُهم بعضاً، لا يَدخُلُ أوَّهُم حتَّى يَدخُلَ آخِرُهم، وجوهُهم على صورةٍ
القمرِ ليلةَ البَدْرِ)».
٦٥٥٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبيه، عن سَهْلٍ، عن النبيِّ وَّ، قال:
(إِنَّ أَهلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرَفَ في الجِنَّةِ، كما تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكبَ في السماءِ».
٦٥٥٦ - قال أبي: فحَدَّثْتُ النُّعْمَانَ بنَ أبي عيَّاشٍ، فقال: أَشْهَدُ لَسَمعتُ أبا سعيدٍ مُحدِّثُ،
ويزيدُ فيه: ((كما تَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الغاربَ في الأُفُقِ الغَرْبيّ والشَّرْقِيِّ)».
الحديث الأول: قوله: ((عن أبي رَجَاء)) هو العُطارِدِيّ، وعِمران: هو ابن حُصَينٍ،
والسَّنَد كلّه بصريّونَ، وقد تقدَّم الحديث بهذا السَّنَد في آخر ((باب كُفْران العَشِير)) في
أواخر كتاب النِّكاح (٥١٩٨)، وتقدَّم في ((باب فضل الفقر)) (٦٤٤٩) بيان الاختلاف
على أيوب عن أبي رَجَاء في صحابيِّه، وتقدَّم بحث ابن بَطّال فيما يَتَعلَّق به من فضل
الفقر.
وقوله: ((اطَّلَعتُ)) بتشديد الطاء، أي: أشرَفتُ، وفي حديث أُسامة بن زيد الذي بعده:
((قُمت على باب الجنَّة)).
وظاهره أنَّه رأى ذلك ليلة الإسراء أو مَناماً، وهو غير رُؤيتِه النارَ وهو في صلاة
الكُسوف(١)، ووهمَ مَن وَخَّدَهما، وقال الدَّاوُوديُّ: رأى ذلك ليلة الإسراء أو حين
خَسَفَتِ الشمسُ. کذا قال.
قوله: «فرأيت أكثرَ أهلِها الفقراءَ)» في حديث أُسامة: «فإذا عامّةُ/ مَن دَخَلَها المساكينُ))،
٤٢٠/١١
وكلٌّ منهما يُطلَق على الآخر.
وقوله: ((فإذا (٢) أكثر)) في حديث أُسامة: ((فإذا عامّة مَن دَخَلَها)).
(١) سلف برقم (١٠٥٢).
(٢) کذا في الأصلین و(س)، خلافاً للیونینیة، حیث جاء فيها: « فرأیت أکثر» دون حکایة خلاف بين رواة
البخاري في ذلك.

٤٠٧
كتاب الرقاق
قوله: ((بكُفْرِهِنَّ))(١) أي: بسببٍ كفرهنَّ، تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((باب كفران
العشیر)).
قال القُرطُبيّ: إنَّما كان النِّساء أقلَّ ساكني الجنَّة لما يَغِلِب عليهنَّ من الهوى، والميل إلى
عاجل زينة الدُّنيا، والإعراض عن الآخرة لنقصٍ عقلهنَّ وسُرعة انخِداعِهِنَّ.
الحديث الثاني: قوله: ((إسماعيل)) هو المعروف بابنِ عُلِيَّةَ، وأبو عثمان: هو النَّهْدِيّ، وأُسامة:
هو ابن زيد بن حارثةَ، الصحابيُّ ابن الصحابيّ.
قوله: ((أصحاب الجَدِّ) بفتح الجيم، أي: الغِنَى.
قوله: ((محبوسونَ)) أي: ممنوعونَ من دخول الجنَّة مع الفقراء من أجل المحاسبة على المال،
وكأنَّ ذلك عند القَنْطَرة التي يَتَقَاصُونَ فيها بعد الجَواز على الصِّراط.
تنبيه: سَقَطَ هذا الحديث والذي قبله من كثير من النُّسَخ، ومَن ((مُستَخرَجَي)) الإسماعيليّ
وأبي نُعَيم، ولا ذكر المُِّّ في ((الأطراف)) طريق عثمان بن الهَثَم ولا طريق مُسدَّد في كتاب
الرِّقاق، وهما ثابتان في رواية أبي ذرِّ عن شيوخه الثلاثة.
الحديث الثالث: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، وعمر بن محمّد بن زيد، أي: ابن
عبد الله بن عمرَ.
قوله: ((إذا صارَ أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النار إلى النار)) في رواية ابن وهب عن عمر بن
محمَّد عند مسلم (٤٣/٢٨٥٠): ((وصارَ أهل النار إلى النار)).
قوله: ((جيءَ بالموتِ)) تقدَّم في تفسير سورة مريم من حديث أبي سعيد (٤٧٣٠):
(يُؤتَى بالموتِ كَهَيْئة كَبْشٍ أملَحَ))، وذكر مُقاتل والكَلْبيّ في ((تفسيرهما)) في قولِه تعالى:
﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ﴾ [الملك: ٢] قال: خَلَقَ الموتَ في صورة كَبْش لا يَمُرُّ على أحد
(١) لم يرد هذا الحرف في حديث الباب، لكنه ورد في حديث صلاة الكسوف الذي أشار إليه الحافظ قريباً.
وهو من حديث ابن عباس.

٤٠٨
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحياة على صورة فَرَسٍ لا يَمُرُّ على شيء إلّا حَيِيَ. قال القُرطُبيّ:
الحكمة في الإتيان بالموتِ هكذا الإشارةُ إلى أنَّهم حَصَلَ لهم الفِداء به، كما فُديَ ولدُ
إبراهيم بالكَبْش، وفي الأملَح إشارة إلى صِفَتَي أهل الجنَّة والنار، لأنَّ الأملَح ما فيه
بیاضٌ وسوادٌ.
قوله: ((حتَّى يُجِعَل بين الجنَّة والنار)) وَقَعَ للِّرمِذيِّ (٢٥٥٧) من حديث أبي هريرة: ((فُيُوقَف
على السُّور الذي بين الجنَّة والنار)).
قوله: ((ثُمَّ يُذْبَح)) لم يُسمِّ مَن يَذْبَحه، ونَقَلَ القُرطُبيّ عن بعض الصّوفيَّة أنَّ الذي
يَذْبَحه يحيى بن زكريّا بحَضْرة النبيّ ◌ََّ، إشارةً إلى دَوام الحياة، وعن بعض التَّصانيف أنَّه
چِبریل.
قلت: هو في ((تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشّاميّ)) أحد الضُّعَفاء في آخر حديث
الصّور الطّويل، فقال فيه: فيُحيي الله تعالى مَلَكَ الموت وجِبريل وميكائيل وإسرافيل،
ويجعلُ الموتَ في صورة كَبش أملَح، فيَذْبَح جِبْرِيلُ الكَبشَ، وهو الموت.
قوله: ((ثمَّ ينادي مُنادٍ)) لم أقِفْ على تسميته، وتقدّم في الباب الذي قبله (٦٥٤٤) من
وجه آخر عن ابن عمر بلفظ: ((ثمَّ يقوم مُؤَذِّن بينهم))، وفي حديث أبي سعيد بعد قوله:
(أملَح)): ((فينادي مُنادٍ))، وظاهره أنَّ الذَّبح يقع بعد النِّداء، والذي هنا يقتضي أنَّ النِّداء بعد
الذَّبح، ولا مُنافاة بينهما فإنَّ النِّداء الذي قبل الذَّبح للتَّنبيه على رُؤية الكَبش، والذي بعد
الذَّبح للتَّنبيه على إعدامه، وأنَّه لا يعود.
قوله: ((يا أهل الجنّة لا مَوْت)) زاد في الباب الماضي: ((خُلود))، وَقَعَ في حديث أبي سعيد
(٤٧٣٠): ((فينادي مُنادٍ: يا أهل الجنَّة، فيَشْرَئِّونَ ويَنظُرُونَ، فيقول: هل تَعرِفونَ هذا؟
فيقولون: نعم [هذا الموت](١)، وكلّهم قد رآه وعَرَفَه)) وذكر في أهل النار مِثله، قال:
(فِيُذْبَحِ ثُمَّ يقول - أي: المنادي - يا أهل الجنَّة خُلود فلا موت)) الحديث، وفي آخره: ثمَّ
(١) قوله: ((هذا الموت)) سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في الرواية دون خلاف.

٤٠٩
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
كتاب الرقاق
قرأ: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ إلى آخر الآية [مريم: ٣٩].
وعند التِّرمِذيّ (٢٥٥٨) في آخر حديث أبي سعيد: «فلو أنَّ أحداً ماتَ فَرَحاً لماتَ أهل
الجنَّة، ولو أنَّ أحداً ماتَ حزناً لماتَ أهل النار)).
وقوله: ((فَيَشْرَ تُبُّونَ)) بفتح أوَّله وسكون المعجَمة وفتح الرَّاء بعدها تحتانيَّة مهموزة ثمَّ
موحّدة ثقيلة، أي: يَمُدّونَ أعناقهم ويَرِفَعونَ رؤوسَهم للنَّظَر.
ووقَعَ عند ابن ماجه (٤٣٢٧) وفي «صحيح ابن حبان)) (٧٤٥٠) من وجه آخر عن أبي
هريرة: ((فيُوقَف على الصِّراط، فيقال: يا / أهل الجنَّة، فَيَطَّلِعونَ خائفينَ أن يَخِرُجوا من ٤٢١/١١
مكانهم الذي هم فيه، ثمَّ يقال: يا أهل النار، فيَطَّلِعونَ فِرِحينَ مُستَبَشِرِينَ أن يَخْرُجوا من
مكانهم الذي هم فيه)) وفي آخره: ((ثمَّ يقال للفَريقَين: كلاهما خُلود فيما تَجِدونَ لا موت فيه
أبداً».
وفي رواية التِّرمِذيّ: «فيقال لأهلِ الجنَّة وأهل النار: هل تَعرِفُونَ هذا؟ فيقولون: قد
عَرَفناه، هو الموت الذي وُكِّلَ بنا، فيُضجَعِ فِيُذْبَح ذَبْحاً على السُّور)).
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: استُشكِلَ هذا الحديث لكَونِهِ يُخالف صريح العقل،
لأَنَّ الموت عَرَض، والعَرَض لا يَنقَلِب جِسماً، فكيف يُذْبَح؟ فأنكَرَت طائفة صِحّة هذا الحديث
ودَفَعَتْه، وتأوَّلَته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل ولا ذَبح هناك حقيقةً. وقالت طائفة: بل الذَّبح على
حقيقته، والمذبوح مُتَولّي الموتِ، وكلّهم يَعِرِفه، لأنَّه الذي تَولَّى قبضَ أرواحهم.
قلت: وارتَضَى هذا بعض المتأخّرينَ وحَمَلَ قوله: ((هو الموت الذي وُكِّلَ بنا)) على أنَّ
المراد به مَلَك الموت، لأنَّه هو الذي وُكِّلَ بهم في الدُّنيا كما قال تعالى في سورة ((الّ
السَّجدة))(١) واستَشهَدَ له من حيثُ المعنى بأنَّ مَلَكَ الموت لو استَمَرَّ حَيّاً لَنَغَّصَ عَيش أهل
الجنَّة. وأيَّدَه بقوله في حديث الباب: ((فيزداد أهل الجنَّة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار
حزناً إلى حزنهم)).
(١) يعني قوله تعالى: ﴿قُلْ يَنَوَقَّنَكُم مَّلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾.

٤١٠
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقّبَ بأنَّ الجنَّة لا حزن فيها البَتَّةَ، وما وَقَعَ في رواية ابن حِبّان أنَّهم يَطَّلِعونَ
خائفينَ، إنَّما هو تَوهُّمٌ لا يَستَقِّ، ولا يَلزَم من زيادة الفَرَح تُبوت الحزن، بل التَّعبير بالزّيادة
إشارة إلى أنَّ الفَرَح لم يَزُل، كما أنَّ أهل النار يزداد حزنهم، ولم يكن عندهم فرَح إلّا مُجرَّد
الثَّوهُّم الذي لم يَستَقِرّ، وقد تقدَّم في ((باب نَفخ الصّور)) (٦٥١٧) عند نقل الخِلاف في المراد
بالمستَثنَى في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر:
٦٨] قول مَن زَعَمَ أنَّ مَلَكَ الموت منهم.
ووَقَعَ عند عليّ بن مَعبَد(١) من حديث أنس: ((ثُمَّ يأتي مَلَكُ الموت، فيقول: رَبِّ بَقيتَ
أنتَ الحيّ القَيّوم الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنتَ خلق من خلقي، فمُت ثمَّ لا
تَحیا، فیموت)».
وأخرج ابن أبي الدُّنيا من طريق محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ قال: بَلَغَني أنَّ آخر مَن يموت
من الخَلائق مَلَك الموت، فيقال له: يا مَلَكَ الموت مُتْ موتاً لا تَحيا بعده أبداً.
فهذا لو كان ثابتاً لكان حُجّةً في الردّ على مَن زَعَمَ أنَّه الذي يُذبَح، لگونِهِ ماتَ قبل
ذلك موتاً لا حیاة بعده، لكنَّه لم یثبُت.
وقال المازَرِيُّ: الموت عندنا عَرَض من الأعراض، وعند المعتَزِلة ليس بمعنّى،
وعلى المذهبينِ لا يَصِحّ أن يكون كَبْشاً ولا جِسماً، وإنَّ المراد بهذا التَّمثيل والتَّشبيه. ثمَّ
قال: وقد يَخْلُق الله تعالى هذا الجسم ثمَّ يُذبَح ثمَّ يُجِعَل مِثالاً، لأنَّ الموت لا يَطرأ على
أهل الجنَّة.
وقال القُرطُبيّ في ((التَّذكِرة)): الموت معنّى، والمعاني لا تَنْقَلِب جوهراً، وإنَّما يَخْلُق الله
أشخاصاً من ثواب الأعمال، وكذا الموت، يَخلُق الله كَبشاً يُسمّيه الموت، ويُلقي في قلوب
الفريقَينِ أنَّ هذا الموت يكون ذَبحُه دليلاً على الخُلود في الدَّارَين.
وقال غيره: لا مانع أن يُنشِئَ الله من الأعراض أجساداً يجعلها مادّة لها، كما ثَبَتَ في
(١) في كتاب ((الطاعة والمعصية))، وقد ذكره الحافظُ غير مرة.

٤١١
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
كتاب الرقاق
((صحيح مسلم)) (٨٠٤) في حديث: ((إِنَّ البقرة وآلَ عِمرانَ يَجِيئان كأنَّهما غَمامَتان»، ونحو
ذلك من الأحادیث.
قال القُرطُبيّ: وفي هذه الأحاديث التَّصريحُ بأنَّ خُلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمَد،
وإقامتهم فيها على الدَّوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة، كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى
عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن
يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، قال: فَمَن زَعَمَ أنَّهم يَخْرُجونَ منها وأنَّها تَبقَى
خالية، أو أنَّها تَفْنَى وتَزول، فهو خارج عن مُقْتَضَى ما جاء به الرَّسول وأجمَعَ عليه أهل
السُّنّة.
قلت: جَمَعَ بعض المتأخِرينَ في هذه المسألة سبعة أقوال:
أحدها: هذا الذي نُقِلَ فيه الإجماع.
والثّاني: يُعذَّبونَ فيها إلى أن تَنْقَلِب طَبِيعَتهم فَتَصيرَ ناريَّة، حتَّى يَتَلَذَّذوا بها لموافَقَة
طَبعهم، وهذا قول بعض مَن ينتسبُ إلى التَّصَوُّف من الزَّنادِقة(١).
والثّالث: يَدخُلها قوم ويَخْلُفهم آخرونَ/ كما ثَبَتَ في ((الصَّحيح))(٢) عن اليهود، وقد ٤٢٢/١١
أكذَبَهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
والرَّابع: يَخْرُجونَ منها وتَستَمِرّ هي على حالها.
الخامس: تَفَنَى لأنَّها حادثة وكلّ حادث يَفنَى، وهو قول الجَهْميَّة.
والسادس: تَفْنَى حَرَكاتهم البَّةَ، وهو قول أبي الهُذَيلِ العَلّف من المعتَزِلة.
والسابع: يَزول عذابها ويَخْرُج أهلها منها، جاء ذلك عن بعض الصحابة أخرجه عبد
ابن حُميدٍ في ((تفسيره)) من رواية الحسن عن عمر قولَه، وهو مُنقَطِع، ولفظه: لو لَبِثَ أهل
النار في النار عَدَد رَملِ عالجٍ، لكان لهم يوم يَخْرُجونَ فيه، وعن ابن مسعود: لَيأتيَنَّ عليها
(١) نسبه ابن القيّم في ((حادي الأرواح)) ص ٣٥٢ إلى ابن عربي الطائي.
(٢) سلف برقم (٣١٦٩).

٤١٢
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
زمان ليس فيها أحد. قال عُبيد الله بن معاذ راويه: كان أصحابنا يقولون: يعني به
الموحّدينَ.
قلت: وهذا الأثر عن عمر لو ثَبَتَ حُلَ على الموحِّدينَ، وقد مالَ بعض المتأخِّرينَ إلى هذا
القول السابع ونَصَرَه بعِدّة أوجُهٍ من جهة النَّظَر، وهو مذهبٌ رديءٌ مردودٌ علی قائله، وقد
أطنَبَ السُّبکيُّ الکبیر في بیان وهائه، فأجادَ.
الحديث الرابع: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((عن زيد بن أسلَمَ)) كذا في جميع الرِّوايات عن مالكِ بالعَنعَنة.
قوله: ((إنَّ الله تَبَارَكَ وتعالى يقول لأهلِ الجنَّة: يا أهل الجنَّة)) في رواية الحُنَينيّ(١) عن مالك
عند الإسماعيليّ: ((يَطَّلِعُ الله على أهل الجنَّة فيقول)).
قوله: ((فيقولون)) في رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي: ((يقولون)» بحذفِ الفاء.
قوله: ((وسَعْدَيكَ)) زاد سعيد بن داود وعبد العزيز بن يحيى، كلاهما عن مالك عند
الدَّارَ قُطنيِّ في («الغرائب)): ((والخير في يَدَيك)).
قوله: ((فيقول: هل رضيتُم؟)) في حديث جابر عند البزَّار وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٤٣٩):
((هل تَشتَهونَ شيئاً)).
قوله: ((وما لنا لا نَرْضَى وقد أعْطَيتنا)) في حديث جابر: ((وهل شيءٌ أفضلُ ممَّا أعطَيتنا؟».
قوله: ((أنا أُعْطيكم أفضلَ من ذلك)» في رواية ابن وهب عن مالك كما سيأتي في التَّوحيد
(٧٥١٨): ((ألا أُعطيكم)).
قوله: ((أُحِلُّ)) بضمِّ أوَّله وكسر المهملة، أي: أُنزِل.
قوله: ((رِضْواني)) بكسر أوَّله وضمِّه، وفي حديث جابر قال: ((رضواني أكبر))، وفيه
تَلميح بقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة: ٧٢]، لأنَّ رِضاه سبب كلّ فوز
(١) تصحَّف في (س) إلى: الحبيبي، وإنما هو إسحاق بن إبراهيم الحُنيني، وهو ضعيف الحديث.

٤١٣
كتاب الرقاق
وسَعادة، وكلّ مَن علم أنَّ سَيِّدَه راضٍ عنه كان أقَرَّ لعَينِه وأطيَبَ لقلبِهِ من كلّ نعيم، لما في
ذلك من التَّعظيم والتَّكريم.
وفي هذا الحديث أنَّ النَّعيمَ الذي حَصَلَ لأهلِ الجنَّة لا مزيدَ عليه.
تنبيهان:
الأوَّل: حديث أبي سعيد هذا كأنَّه مُختصَرٌ من الحديث الطَّويل الماضي في تفسير سورة
النِّساء (٤٥٨١) من طريق حفص بن مَيسَرةَ، والآتي في التَّوحيد (٧٤٣٩) من طريق سعيد
ابن أبي هلال، كلاهما عن زيد بن أسلَمَ بهذا السَّنَد، في صِفَة الجواز على الصِّراط، وفيه
قصَّة الذينَ يَخْرُجونَ من النار، وفي آخره أنَّه يقال لهم نحو هذا الكلام، لكن إذا ثَبَتَ أنَّ
ذلك يقال لهؤلاءِ لكَونهم من أهل الجنَّة، فهو للسابِقِينَ بطريق الأَولى.
الثّاني: هذا الخِطاب غير الخِطاب الذي لأهلِ الجنَّة كلّهم، وهو فيما أخرجه مسلم
(١٨١) وأحمد (١٨٩٤١) من حديث صُهَيبٍ رَفَعَه: ((إذا دَخَلَ أهل الجنَّة الجنَّة نادَى مُنادٍ:
يا أهل الجنَّة إنَّ لكم مَوعِداً عند الله تعالى يريد أن يُنجِزَكُمُوه)) الحديث، وفيه: ((فيُكشَف
الحِجَابُ فيَنظُرُونَ إليه)) وفيه: ((فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئاً أحبَّ إليهم من النَّظَر
إليه)).
وله شاهد عند ابن المبارك في ((الزُّهد))(١) من حديث أبي موسى من قوله، وأخرجه ابن
أبي حاتم من حديثه مرفوعاً باختصار.
الحديث الخامس: قوله: ((عبد الله بن محمَّد)) هو الْجُعْفيّ، ومعاوية بن عَمْرو: هو
الأزديُّ، يُعرَف بابنِ الكِرْمانيِّ، وهو من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج عنه بغير واسطةٍ كما
في كتاب الجمعة (٩٣٦)، وبواسطةٍ كالذي هنا، وقد تقدَّم بسنده ومتنه في ((باب فضل مَن
شَهِدَ بدراً)) من كتاب المغازي (٣٩٨٢).
قوله: ((أُصيب حارثة)) بمُهمَلةٍ ومُثَلَّثة: هو ابن سُرَاقة بن الحارث الأنصاريّ، له ولأبويه
(١) رواية نعيم بن حماد (٤١٩).

٤١٤
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
صُحْبٌ، وأُمّه هي الرُّبَيِّع - بالتَّشديدِ - بنت النَّضر عَمّةُ أنس، وقد ذكرت الاختلاف في
٤٢٣/١١ اسمها في ((باب مَن أتاه سهمٌ غَربٌ)) من كتاب الجهاد (٢٨٠٩)، وذكرت شرح الحديث/
في غزوة بدر(١).
وقولها هنا: ((وإن تكن الأُخرى تَرَ ما أصنَعُ)) كذا للكُشْمِيهنيِّ بالجزمِ جواب الشَّرط،
ولغيره: تَرَى، بالإشباع أو بحذفٍ شيء تقديره سوفَ، كما في الرِّواية الآتية في آخر هذا
الباب (٦٥٦٧): وإلّ سوف تَرَى، والمعنى: وإن لم يكن في الجنَّة صَنَعت شيئاً من صنيع
أهل الحزن مشهوراً يراه كلّ أحدٍ.
قوله: ((وإِنَّه لَفِي جَنّةِ الْفِرْدَوْسِ)) كذا للأكثر، وحَذَفَ الكُشْمِيهنيُّ في روايته اللّام،
ووَقَعَ في الرّواية الآتية: ((الفردوس الأعلى)).
قال أبو إسحاق الزَّجّاج: الفِردَوس من الأودية ما يُنبِتُ ضُروباً من النَّبات. وقال ابن
الأنباريّ وغيره: بُستان فيه كُرومٌ وَثَمَرة وغيرها ويُذكَّر ويُؤنَّث. وقال الفَرّاء: هو عربيٌّ
مُشْتَقٌّ من الفَردَسة وهي السَّعة، وقيل: روميٍّ نَقَلَته العرب، وقال غيره: سُريانيّ، والمراد
به هنا: مكان من الجنَّة هو أفضلُها.
الحديث السادس: قوله: ((الفَضْل بن موسى)) هو السّينانيّ، بكسر المهمَلة وسكونِ التَّحتانيَّة
ونونَین، المروزيّ.
قوله: ((أخبرنا الفُضَيلُ)) بالتَّصغير، كذا للأكثرِ غيرُ منسوب، ونَسَبَه ابن السَّكّن في
روايته فقال: الفُضَيلُ بن غَزْوانَ، وهو المعتمد، ونَسَبَه أبو الحسن القاسمُّ في روايته عن أبي
زيد المروزيِّ فقال: الفُضَيلُ بن عِيَاضٍ، ورَدَّه أبو عليّ الجيَّانيّ فقال: لا رواية للفُضَيلِ بن
عِيَاض في البخاريّ إلّا في موضعينٍ من كتاب التَّوحيد (١٣٩٧ و٧٤١٤)، ولا رواية له عن
أبي حازم راوي هذا الحدیث ولا أدرَگه. وهو كما قال.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث (٢٨٥٢) من رواية محمَّد بن فُضَيلِ بن غَزْوانَ عن أبيه
(١) عند شرح باب ((تسمية من سُمِّي من أهل بدرٍ في الجامع)) بعد شرح الحديث (٤٠٢٧).

٤١٥
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
كتاب الرقاق
بسندِه، ولكن لم يَرفَعه(١)، وهو عند الإسماعيليّ من هذا الوجه، وقال: رَفَعَه، وهو يُؤْيِّدُ
مقالة أبي علي الجيّانيّ.
قوله: ((مَنْكِبَي الكافر)) بكسر الكاف: تثنية مَنكِب، وهو مُجُتَمَعُ العَضُدِ والكَتِف.
قوله: ((مَسِيرة ثلاثة أيام للرَّاكِبِ المسْرِع)» في رواية يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى
بسندِ البخاريّ فيه: ((خمسة أيام)) أخرجه الحسن بن سفيان في «مُسنَده) عنه.
وفي حديث ابن عمر عند أحمد (٤٨٠٠) من رواية مجاهد عنه مرفوعاً: ((يَعظُم أهل النار في
النار، حتَّى إِنَّ بين شَحمة أُذُن أحدهم إلى عاتقه مَسيرةَ سبعٍ مئة عام)).
وللبيهقي في ((البعث)) (٥٧٣) من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عبّاس: ((مَسيرة سبعينَ
خَريفاً))(٢).
ولا بنِ المبارَك في ((الزّهد))(٣) عن أبي هريرة قال: ضِرس الكافر يوم القيامة أعظَم من
أُحُد، يَعِظُمُونَ لتَمتَلِئَ منهم ولیذوقوا العذاب. وسنده صحيحٌ، ولم يُصرِّح برفعِه، لکن له
حُكم الرَّفع لأنَّه لا مجال للَّأي فيه.
وقد أخرج أوَّلَه مسلم (٢٨٥١) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً وزاد: ((وغِلَظ
چلده مسيرة ثلاثة أيام)).
وأخرجه البزَّار (٨٧١٣) من وجه ثالث عن أبي هريرة بسندٍ صحيح بلفظ: ((غِلَظُ چِلد
الكافر وكثافة جِلده (٤) اثنان وأربعونَ ذِراعاً بذراع الجبّار)).
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، ومن قبله وقع ذلك للبيهقي في ((البعث والنشور)) (٥٦٤)، والمزي في ((تحفة
الأشراف)) (١٣٤٢٠)، حيث نصًّا على أنه عند مسلم من هذه الطريق موقوف، لكنّ الذي في مطبوع مسلم:
عن أبي هريرة يرفعه، وكذا في أصل خطي متقن منه عندنا، وكذلك وقع للحافظ ابن رجب في ((التخويف من
النار)) في باب ذكر عظم خلق أهل النار ص١٦٦، فالله تعالى أعلم.
(٢) وهو أيضاً في ((المسند)) (٢٤٨٥٦).
(٣) رواية نعيم بن حماد (٣٠٣)
(٤) كذا وقع في الأصلين و(س)، وكذا في ((عمدة القاري)) للعيني ١٢١/٢٣، بالجمع بين قوله: ((غلظ جلد =

٤١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه البيهقيُّ (٥٦٦) وقال: أراد بذلك التَّهويل، يعني بلفظ ((الجبّار))، قال: ويحتمل أن
يريد جَبّاراً من الجبابرة إشارة إلى عِظَمِ الذِّراع. وجَزَمَ ابن حِبّان لما أخرجه في ((صحيحه))
(٧٤٨٦) بأنَّ الجبّار مَلِكٌ كان باليمن.
وفي مُرسَل عُبيد بن عُمَير عند ابن المبارك في ((الزُّهد))(١) بسندٍ صحيحٍ: ((وكثافة جِلده
سبعونَ ذِراعاً)). وهذا يُؤيِّد الاحتمال الأوَّل، لأَنَّ السَّبعينَ تُطلَق للمُبالَغة.
وللبيهقي(٢) من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة: «وفَخِذه مِثل وَرقانَ، ومَقعَدهمِثل ما
بين المدينة والرَّبَذة))، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٧٧) ولفظه: ((بين مَكّة والمدينة))، وورقان بفتح
الواو وسكون الرَّاء بعدها قاف: جبل معروف بالحجاز، والرَّبذة تقدَّم ضبطها قريباً في حديث
أبي ذرِّ (٦٤٤٣).
وكأنَّ اختلاف هذه المقادير محمول على اختلاف تعذيب الكفّار في النار، وقال
القُرطُبيّ في ((المفهم)): إنَّما عَظُمَ خلق الكافر في النار ليَعظُمَ عذابه ويُضاعَف ألَمُه. ثمَّ قال:
وهذا إنَّما هو في حَقّ البعض بدليلِ الحديث الآخر: ((إنَّ المتكبِّرِينَ يُحِشَرونَ يوم القيامة
أمثال الذَّرّ في صُور الرِّجال، يُساقونَ إلى سِجن في جَهَنَّمَ يقال له: بُولَس)). قال: ولا شَكَّ
٤٢٤/١١ في أنَّ الكفَّار مُتَفاوتونَ في العذاب كما عُلمَ من الكتاب والسُّنّة، ولأنّا / نعلم على القطع أنَّ
عذاب مَن قتَل الأنبياءَ وفَتَكَ في المسلمينَ وأفسَدَ في الأرض، ليس مُساوياً لعذابٍ مَن كفرَ
فقط وأحسنَ مُعامَلة المسلمينَ مثلاً.
= الكافر)) وبين قوله: ((وكثافة جلده))، وقد روي الحديث عن أبي هريرة باللفظين كليهما، فكأن الحافظ رحمه الله
اعتزم أن يذكر اللفظين ويخرجهما، فذهل عن تخريج اللفظ الأول وخرَّج اللفظ الثاني من البزار، فمن
هاهنا حصل التشويش. وإسناد اللفظ الأول هو الصحيح. وقد أخرجه باللفظ الأول الترمذي
(٢٥٧٧)، وابن حبان (٧٤٨٦)، وغيرهما، والله تعالى أعلم.
(١) رواية نعيم بن حماد (٣٠٥)، لكن بلفظ: ((بُصْرُ جلد الكافر)) يعني غلظ جلده.
(٢) في ((البعث)) (٥٦٨). لكن من طريق سعيد المقبري عند أبي هريرة، وقد أخرجه البيهقي في ((البعث)) من طريق
عطاء بن يسار (٥٦٦)، لكن بلفظ: ((وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قُديد ومكة))، وفات الحافظ
تخريجه من «مسند أحمد)) (٨٣٤٥) و(٨٤١٠).

٤١٧
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
كتاب الرقاق
قلت: أمَّا الحديث المذكور فأخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٩٢) والنّسائيُّ (ك١١٨٢٧) بسندٍ جيّد عن
عَمْرو ابن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه. ولا حُجّة فيه لُدَّعاه، لأنَّ ذلك إنَّما هو في أوَّل الأمر عند
الحشر، وأمَّا الأحاديث الأُخرى فمحمولة على ما بعد الاستقرار في النار.
وأمَّا ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٨٠) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((إِنَّ الكافر لَيُسحَب
لسانُه الفَرسَخِ والفَرسَخَيْنِ يَتَوطَّؤُه الناسُ)) فسنده ضعيف.
وأمَّا تَفاوت الكفَّار في العذاب فلا شَكَّ فيه، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِى الذَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وتقدَّم قريباً الحديث في أهون أهل النار عذاباً (٦٥٦١).
الحديث السابع: قوله: ((وقال إسحاق بن إبراهيم)) هو المعروف بابنٍ راهويه، كذا في
جميع النُّسَخ، وأطلقَ الِّبيُّ تَبَعاً لأبي مسعود أنَّ البخاريّ ومسلماً أخرَجاه جميعاً عن
إسحاق بن راهويه، مع أنَّ لفظ مسلم: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنَظَليّ، وهو ابن راهويه،
وليس من رأي المِّيِّ التَّسويةُ بين حدَّثنا وقال، بل ولا قال لي، وقال لنا، بل يُعلِّمُ على مِثل
ذلك كلّه علامةَ التَّعليق بخِلَاف ((حدَّثنا)).
قوله: ((أخبرنا المغيرة بن سَلَمة)) في رواية مسلم (٢٨٢٧): أخبرنا المخزوميّ.
قلت: وهو المغيرة المذكور، وكُنْيته أبو هشام، وهو مشهور بكُنْيتِه، وقد أخرجه الإسماعيليّ
من طريق محمّد بن بشَّار، وقال: حدَّثنا أبو هشام المغيرة بن سَلَمة المخزوميّ.
قوله: ((عن أبي حازم)) هو سَلَمة بن دينار، بخلاف المذكور في الحديث الذي قبله فهو
سلمان الأشجَعيُّ، وهما مَدَنّان تابعيّان ثِقَتان لكنَّ سَلَمةَ أصغر من سلمان.
قوله: ((لا يَقْطَعها)) أي: لا يَنتَهي إلى آخر ما يَميل من أغصانها.
قوله: ((قال أبو حازم)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور. والنَّعمان بن أبي عيَّاش، بتحتانيَّةٍ ثمَّ
مُعجَمة: هو الزُّرَقِيّ، ووَقَعَ منسوباً في رواية مسلم (٢٨٢٨)، وهو أيضاً مَدَنيّ تابعيّ ثقة يُكنى أبا
سلمة، وهو أكبر من الراوي عنه.

٤١٨
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبرني أبو سعيد)) في رواية مسلمٍ: حدَّثني.
قوله: ((الجَواد)) بفتح الجيم وتخفيف الواو: هو الفرس، يقال: جادَ الفرسُ: إذا صارَ فائقاً،
والجمع: جِيَادٌ وأجواد، وسيجيءُ في صِفَة المرور على الصِّراط (٧٤٣٩): ((أجاويد الخيل)) وهو
جمع الجمع.
قوله: ((أو المضَمَّر)) بفتح الضّاد المعجَمة وتشديد الميم، تقدَّم تفسيره في كتاب الجهاد
(٢٨٦٩).
وقوله: ((السَّريع)) أي: في جَرْیه، وَقَعَ في رواية ابن وهب(١) من وجه آخر عند
الإسماعيليّ: ((الجَوَاد السَّريع)) ولم يَشُكَ، وفي رواية مسلم: ((الجَواد المضَمَّر السَّريع))
بحذفٍ أو.
والجَواد في روايتنا بالرَّفع وكذا ما بعده على أنَّ الثلاثة صِفَة للرَّاكِب، وضُبِطَ في ((صحيح
مسلم)) بنصبِ الثلاثة على المفعوليَّة، وقد تقدَّم هذا المتن في بَدْء الخلق (٣٢٥١ و٣٢٥٢)
من حديث أبي هريرة ومَن حديث أنس بلفظ: ((يسير الرَّاكِب))، وزاد في آخر حديث أبي
هريرة: ((واقرؤوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلّ ◌َمّدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]» والمراد بالظّلِّ الرَّاحة والنَّعيم والجهة،
يقال: عِزّ ظَليل، وأنا في ظِلّك، أي: كَنَفك.
وقال الرَّاغِب: الظّلّ أعَمّ من الفَيء، فإنَّه يقال: ظِلّ اللَّيل وظِلّ الجنَّة، ولكلٍّ موضع لا
تَصِل إليه الشمس، ولا يقال الفَيء إلّا لما زالَت عنه الشمس، قال: ويُعبَّر بالظّلِّ عن العِزّ والمنَعة
والرَّفاهية والحِراسة، ويقال عن غَضارة العيش: ظِلٌّ ظَليلٌ.
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): في رواية وهب، ولم يسبق للحافظ أن ذكر رواية ابن وهب عمن هي حتى
يطلق القول هنا، ولم نقف عليها نحن أيضاً، لذلك فالذي يغلب على ظننا أنَّ العبارة تحرفت عن: في
رواية عن وهيب، وإن يكن كذلك فقد أخرجه ابن المقرئ في الثالث عشر من «فوائده)) (١٦١)،
وأبوبكر الدِّيْنَوَرِيّ في ((المجالسة)) (٣٥٤٥) من طريق أبي أمية أيوب بن يونس الصفار، عن وهيب، به،
فقال فيه: ((الجواد السريع)) ولم يَشُكَّ، والله تعالى أعلم.

٤١٩
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
كتاب الرقاق
قلت: وَقَعَ التَّعبير في هذا الحديث بلفظ: ((الفَيء)»(١) في حديث أسماء بنت يزيد عند
التِّرمِذيّ (٢٥٤١) ولفظها: سمعت رسول الله وَّه يقول وذكر سِدرة المنتَهَى: ((يسير
الرَّاكِب في ظِلّ الفَيء منها مئة سنة، أو يَستَظِلّ بظِلّها الرَّاكِب مئة سنة» ويُستَفاد منه تعیین
الشَّجَرة المذكورة في حديث الباب.
وأخرج أحمد (١١٦٧٣) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٤١٣) من حديث أبي سعيد رَفَعَه:
((شجرة طُوبَى مئة سنة)).
وفي حديث عُتبة (٢) بن عبْدِ السُّلَميِّ في عِظَم أصل شجرة طوبَى: ((لو ارتَحَلَت جَذَعة
ما أحاطَت بأصلِها حتَّى تَنْكَسِرِ تَرقُوتها هَرَماً)) أخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٧٤١٤)،
والتَّرقوة، بفتح المثنّاة وسكون/ الرَّاء بعدها قاف مضمومة وواو مفتوحة: هي العَظم الذي ٤٢٥/١١
بين ثُغْرة النَّحر والعاتِقِ، والجمع تَرَاقٍ، ولكلِّ شَخص تَرقُوتان. وقد تقدَّم بعضُ هذا في
صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق(٣).
الحديث الثامن: قوله: ((عبد العزيز)) هو ابن أبي حازم.
وقوله: ((عن أبي حازم)) هو أبوه واسمه سَلَمة بن دينار المذكور قبلُ، ووَقَعَ في رواية أبي
نُعَيم في (المستخرَج)) من طريق محمَّد بن أبي يعقوب: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن
أبيه، وتقدَّم شرح المتن مُستَوفَّى في الباب الذي قبلَه.
الحديث التاسع: قوله: ((عبد الله بن مَسْلَمَةَ)) هو القَعنبيّ، وعبد العزيز: هو ابن أبي حازم
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، والذي في طبعتنا المحققة من ((جامع الترمذي)) (٢٧١٦): ((الفنن)) واحد
الأفنان، وهو الغصن، وهو الذي وقع لابن الأثير في ((جامع الأصول))، وللمنذري في ((الترغيب
والترهيب)) ٥٢٠/٤، وهو الذي عند سائر من خرَّج الحديث غير الترمذي، فالظاهر أنَّ ما وقع للحافظ
تحريف عن الفنن، والله أعلم. على أنَّ الحديث لأسماء بنت أبي بكر، وليس لبنت يزيد كما قال الحافظ
رحمه الله.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: عقبة.
(٣) بعد شرح الحديث (٣٢٣٩).

٤٢٠
باب ٥١ / ح ٦٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
المذكور قبل، وسهل: هو ابن سعدٍ.
قوله: ((الغُرَف)) بضمِّ المعجَمة وفتح الرَّاء: جمع غُرفة، بضمٍّ أوَّله وبفتحِه(١)، جاء في
صِفَتها من حديث أبي مالك الأشعَريّ مرفوعاً: ((إنَّ في الجنَّة غُرَفاً يُرَى ظاهرها من باطِنِها))
أخرجه الثِّرمِذيّ(٢) وابن حِبّان (٥٠٩).
ولِلطََّرانيّ (١٤٦٨٧) وصَحَّحَه الحاكم (١/ ٨٠) من حديث ابن عَمرو(٣) نحوه.
وتقدَّم في صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق (٣٢٥٦) الإشارة إلى مِثله من حديث عليّ.
وعند البيهقيِّ (٢٥٣) نحوه من حديث جابر، وزاد: ((من أصناف الجوهر كلّه)).
قوله: ((الكَوْكَب)) زاد في رواية الإسماعيليّ: «الدُّرِّيّ)».
قوله: ((قال أبي)) القائل: هو عبدُ العزيز.
قوله: ((أشهَدُ لَسمعتُ)) اللّم جواب قَسَمِ محذوفٍ، وأبو سعيد: هو الخُدْريّ.
قوله: ((يُحدِّث)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُحدِّثه)) أي: يُحدِّث الحديث، يقال: حَدَّثت كذا
وحَدَّثت بكذا.
قوله: ((الغارب)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الغابر))، بتقديم الموخَّدة على الرَّاء، وضَبَطَه
بعضهم بتحتائيَّةٍ مهموزة قبل الرَّاء. قال الطِّييُّ: شَبََّ رُؤية الرَّائي في الجنَّة صاحبِ الغُرفة
بُرُؤية الرَّائي الكوكبَ المضيءَ الباقي(٤) في جانب الشرق أو الغرب في الاستضاءة مع
البُعد، ومَن رواه الغائر من الغَور لم يَصِحّ، لأنَّ الإشراق يَفوت إلّا إن قَدَرَ المشرف على
(١) كذا ضبط الحافظ الغرفة واحدة الغُرف بفتح الغين أيضاً، ولم نجد له في ذلك سلفاً، فالله أعلم.
(٢) هو عند الترمذي من حديث علي برقم (١٩٨٤) و(٢٥٢٧).
(٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ابن عُمر. ولم يخرجه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عُمر، وإن كان أخرجه في
(الشاميين)) (١٢٤٧) من حديثه، لكن لم تجر عادة الحافظ بإطلاق ذكر الطبراني إلّا إن أراد ((معجمه الكبير))
ويؤيد كونه أراد ابن عمرو بن العاص ذكر الحاكم، إذ لم يخرجه الحاكم إلّا من حديثه، وكذلك خرّجه المنذري في
((الترغيب والترهيب)) من الطبراني والحاكم.
(٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: النائي.