Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
كتاب الرقاق
فذكر ما مُلخَّصُه: أنَّه لولا أنَّ العربَ كانوا يَعرِفونَ أنَّ لها مدلولاً مُتَداولاً بينهم، لكانوا
أوَّلَ مَن أنكَرَ ذلك على النبيّ وََّ، بل تلا عليهم صّ وحمّ وفُصِّلَت وغيرهما، فلم يُنكِرِوا
ذلك بل صَرَّحوا بالتَّسليم له في البلاغة والفَصَاحة، مع تَشَوُّفِهم إلى عَثْرة وحِرصِهم على زَلّة،
فدلَّ على أنَّه كان أمراً معروفاً بينهم لا إنكار فيه.
قلت: وأمَّا عَدُّ الحروفِ بخُصوصِه، فإنَّما جاء عن بعض اليهودِ كما حكاه ابن إسحاق
في (السِّيرة النبويَّة)) عن أبي ياسر بن أخطَبَ وغيره: أنَّهم ◌َلوا الحروفَ التي في أوائل
السُّور على هذا الحساب، واستَقصَروا المدّة أوَّلَ ما نزلَ الّمّ والّر، فلمَّا نزلَ بعدَ ذلك
الّمّصّ وطسّمَ وغير ذلك قالوا: ألبَسْتَ علينا الأمرَ. وعلى تقدير أن يكون ذلك/ مُراداً ٣٥٢/١١
فليُحمَل على جميع الحروف الواردة ولا يُحذَف المكرَّر، فإنّه ما من حرفٍ منها إلّا وله سِرُّ
يُخُصُّه، أو يُقتَصَرُّ على حذف المكرَّرِ من أسماء السّور ولو تَكَّرَتِ الحروفُ فيها، فإنَّ
السّور التي ابتُدِئَت بذلك تِسِعٌ وعشرونَ سورةً، وعَدَد حروف الجميع ثمانية وسبعونَ
حرفاً، وهي: الّمّ ستّةٌ، حمّ ستّة، الّر خمسة، طسّمَ ثِنتان، الّمَصَ الَمَرِ كَهِيعَصَ حِمَ عَسَقّ
طه طسّ يسَّ صَّ قَ نّ، فإذا حُذِفَ ما كُرِّرَ من السّور وهي خمسٌ من الّمّ، وخمس من حمّ،
وأربع من الّر، وواحدة من طسّمَ، بَقِيَ أربعَ عشرةَ سورةً عَدَدُ حُروفِها ثمانية وثلاثونَ
حرفاً، فإذا حُسِبَ عَدَدُها بالجُمَّلِ المغربيِّ بَلَغَت ألفَينِ وستَّ مئةٍ وأربعة وعشرينَ، وأمَّا
بالجُمَّلِ المشرقيِّ فَتَبلُغُ ألفاً وسبع مئة وأربعة وخمسين، ولم أذكر ذلك ليُعتَمَد عليه إلّا لأُبيِّنَ
أنَّ الذي جَنَحَ إليه السُّهَيلُّ لا ينبغي الاعتمادُ عليه لِشِدّة التَّخالُفِ فيه، وفي الجملة فأقوى
ما يُعتَمَد في ذلك عليه حديثُ ابن عمر الذي أشرتُ إليه قبلُ.
وقد أخرج مَعمَرٌ في ((الجامع)) عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهدٍ، قال مَعمَر: وبَلَغَني عن
عِكْرمة في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: الدُّنيا من أوَّلها
إلى آخرها يومٌ مِقدارُه خمسونَ ألفَ سنةٍ، لا يَدري كم مضى ولا كم بَقِيَ إلّا الله تعالى(١)، وقد
(١) لم نقف على هذا في المطبوع من ((جامع معمر)) في آخر ((مصنف عبد الرزاق))، لكن عند عبد الرزاق في =

٢٦٢
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
حَلَ بعض شُرّاح ((المصابيح)) حديث: ((لن تَعجِزَ هذه الأُمَّةُ أن يُؤَخِّرَها نِصفَ يومٍ)) (١) على
حال يوم القيامة، وزَيَّفَه الطَّييُّ فأصاب، وأمَّا زيادة جعفر فهي موضوعةٌ لأنَّها لا تُعرَفُ إلّا
من جِهَته، وهو مشهورٌ بوَضْع الحديث، وقد كذَّبَه الأئمّة مع أنَّه لم يَسُقْ سندَه بذلك،
فالعَجَبُ من السُّهَيلِيِّ كيف سَكَتَ عنه مع مَعرِفَته بحاله، والله المستعان(٢).
= ((تفسيره)) ٣١٦/٢ عن معمر به، وذكر الواسطة بينه وبين عكرمة، وهو الحكم بن أبان. قلنا: وهذا أحد
الأقوال في تفسير هذه الآية، والذي عليه الجمهور أنَّ المراد بهذا اليوم هو يوم القيامة، بدليل ما وقع في
حديث أبي هريرة عند مسلم (٩٨٧) في الذي لم يؤدِّ زكاة أمواله، ففيه أنَّ هذا المقدار هو مقدار يوم
القيامة.
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٩) من حديث أبي ثعلبة الخُشَني مرفوعاً، والراجح وقفه كما عند أحمد في
((المسند)) (١٧٧٣٤)، وقد سبق عند الحافظ الإشارة إلى ذلك.
(٢) ويَحسُن هنا في آخر هذا المبحث في عمر الدنيا أن ننقل كلام الإمام أبي محمد بن حَزْم رحمه الله في كتابه
((الفصل في الِلَل والأهواء والنِّحَل)) ٢ / ٨٤ (طبعة الخانجي) لوجاهته، فقد قال بعد ذِكر مقالة اليهود
والنصارى في ذلك: وأما نحن - يعني المسلمين - فلا نقطعُ على عددٍ معروف عندنا، وأمّا من ادَّعى في
ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقلّ، فقد كذبَ وقال ما لم يأتِ قطُّ عن رسول الله وَ﴿ فيه لفظٌ تصُّ،
بل صحَّ عنه عليه السلام خلافُه، بل نَقطَع على أن للدنيا أمراً لا يعلمه إلا الله عز وجل، قال الله تعالى:
﴿َّا أَشْهَدُّهُمْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقولُ رسول الله ◌َّ: ((ما أنتم في
الأُمم قبلكم إلا كالشَّعرة البيضاء في الثَّور الأسود، أو كالشَّعرة السوداء في الثَّور الأبيض» هذا عنه عليه
السلام ثابتٌ، وهو عليه السلام لا يقول إلا عينَ الحقّ، ولا يُسامِحُ بشيء من الباطل، وهذه نسبةٌ من
تدبّرها وعرف مقدارَ أعداد أهل الإسلام ونسبةَ ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكثر، عَلِمَ أن
للدنيا عدداً لا يُحصيهِ إلا الله الخالق تعالى، وكذلك قوله وَّ: ((بُعِثت أنا والساعة كهاتين)) وضمَّ إصبعيه
المقدَّستين السَّبابة والوسطى، وقد جاء النصُّ بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا اللهُ عز وجل لا أحد
سواه، فصحَّ أنه عليه السلام إنما عني شدَّةَ القُرْب لا فضلَ طول الوسطى على السَّبابة، إذ لو أراد فضلَ
ذلك لأُخذت نسبةُ ما بين الإصبعين ونسبةُ ذلك من طول الوسطى، فكان يُعلَم بذلك متى تقوم
الساعة، وهذا باطل، وأيضاً فكان تكون نسبتُه عليه السلام إيّانا إلى مَن قبلَنا بأنه كالشَّعرة في الثور كذباً،
ومَعاذَ الله من ذلك، فصحَّ أنه عليه السلام إنما أراد شدَّة القُرْب، وله عليه السلام مُذْ بُعِث أربعُ مئة عام
ونيِّ، والله أعلم بمقدار ما بقيَ من عمر الدنيا، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبةً له عند ما سَلَفَ
لِقِلَّه وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهذا الذي قاله عليه السلام من أنّنا فيمن مضى كالشَّعرة في الثور أو
الرَّقمة في ذِراع الحمار.

٢٦٣
كتاب الرقاق
٤٠- بابٌ
٦٥٠٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي
هريرةَ عَهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا
طَلَعَت فرآها الناسُ آمَنُوا أجْمَعونَ، فذلك حينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]،
ولَتَقومَنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهما بينَهما، فلا يَتَبايعانه ولا يَطْوِيانه، ولَتقومَنَّ الساعةُ
وقَدِ انصَرَفَ الرجلُ بلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُه، ولَنقومَنَّ الساعةُ وهو يُلِيطُ حَوْضَه فلا يَسْقي
فيه، ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَه إلى فيه فلا يَطْعَمُها)).
قوله: ((بابٌ)) كذا للأكثر بغير ترجمة، وللكُشميهني: ((باب طلوع الشمس من مغربها)»
وكذا هو في نسخة الصغَاني، وهو مناسب، ولكن الأول أنسب لأنه يصيرُ كالفصل من
الباب الذي قبله، ووجهُ تعلَّقه به أنَّ طُلوع الشمس من مغربها إنما يقع عند إشراف قيام
الساعة کما سأقرّرُه.
قوله: ((أبو الزناد، عن عبد الرحمن)) هو الأعرج، وصرَّح به الطبراني في ((مسند الشاميين))
(٣٢٣٧) عن أحمد بن عبد الوهاب، عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه.
قوله: ((لا تقوم الساعة حتى تَطلُعَ الشمسُ من مَغرِبها ... )) إلى آخره، هذا بعضُ حديثٍ
ساقَه المؤلِّف في أواخر كتاب الفتن بهذا الإسناد بتمامه (٧١٢١)، وفي أوله: ((لا تقومُ
الساعةُ حتَّى تَقتَتَل فئتان عظيمتان)) الحديث، وذكر فيه نحوَ عشرة أشياء من هذا الجِنس،
ثم ذكر ما في هذا الباب، وسأذكرُ شرحَه مُستوفَى هناك، وأقتصر هنا على ما يَتعلَّق بطُلوع
الشمس، لأنه المناسب لما قبلَه وما بعده من قُرب القيامة خاصةً وعامةً.
قال الطِّيبي: الآيات أماراتٌ للساعة إما على قُربها، وإما على حصولها:
فمن الأوَّل: الدجال، ونزول عيسى، ويَأْجُوج ومَأْجُوج، والخَسف.
ومن الثاني: الدخان، وطلوعُ الشمس من/ مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تَحشُر ٣٥٣/١١
الناس، وحديث الباب يُؤْذِن بذلك، لأنه جَعَلَ طلوعَها من المغرب غايةً لعدم قيام الساعة،

٢٦٤
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
فيقتضي أنها إذا طَلَعت كذلك انتفى عدم القيام، فثبت القيام.
قوله: ((فإذا طَلَعت فرآها الناسُ آمنوا أجمعون)) وقع في رواية أبي زُرْعة عن أبي هريرة في
التفسير (٤٦٣٥): ((فإذا رآها الناسُ آمن مَن عليها)) أي: على الأرض من الناس.
قوله: ((فذاك)) في رواية الكُشمِيهَني: ((فذلك))(١) وكذا هو في رواية أبي زُرْعة، ووَقَع في
رواية همَّام، عن أبي هريرة في التفسير أيضاً (٤٦٣٦): ((وذلك)) بالواو.
قوله: ((حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ الآية)) كذا هنا وفي رواية أبي زرعة: ﴿إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ
ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، وفي رواية همام: ﴿إِيمَتُهَا﴾ ثم قرأ الآية.
قال الطبري: معنى الآية: لا يَنفعُ كافراً لم يكن آمن قبلَ الطلوع إيمانٌ بعد الطلوع، ولا
ينفعُ مُؤمناً لم يكن عَمِلَ صالحاً قبل الطلوع عملٌ صالحٌ بعد الطُّلوع، لأن حكم الإيمان
والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغَرْغَرة، وذلك لا يفيدُ شيئاً كما قال
تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وكما ثبت في الحديث الصحيح:
(«تُقبل تَوبةُ العبد ما لم يَبلغ الغَرْغَرة)(٢).
وقال ابن عَطَيَّة(٣): في هذا الحديث دليلٌ على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طلوع الشمس من المغرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور،
وأسندَ الطبريُّ عن ابن مسعود أنَّ المراد بالبعض إحدى ثلاث: هذه، أو خروج الدابة،
أو الدجال، قال: وفيه نظرٌ، لأن نزول عيسى ابن مريم يَعقُب خروجَ الدجال، وعيسى لا
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله وتَبِعه العيني، مع أنَّ الذي في اليونينية عكس ذلك بأنَّ رواية الكشميهني: فذاك، ورواية
غيره: فذلك، فالله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٣)، والترمذي (٣٥٣٧).
(٣) وقع في الأصلين قبل نقل قول ابن عطية ما نصُّه: وقد حاول صاحب ((الكشاف)) حمل هذه الآية على
مذهبه في الاعتزال، فقال: وقال ابن عطية؛ فأوهمَ ذلك أنَّ الزمخشري هو الذي نقل كلام ابن عطية بما
يؤيد مذهب الاعتزال، وهو خطأ، فليس في قول ابن عطية ما يدل لشيء من مذهب الاعتزال، على أنَّ
الزمخشري وابن عطية لم يلتقيا قطَّ، وسيذكر الحافظ احتجاج الزمخشري بهذه الآية المذكورة على مذهب
الاعتزال.

٢٦٥
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
كتاب الرقاق
يَقبلُ إلا الإيمان، فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يُقبل الإيمان ولا التوبة.
قلت: ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٥٨) من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة رفعه: ((ثلاثٌ إذا
خرجنَ لم ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ: طُلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة
الأرض)). قيل: فلعلَّ حصول ذلك يكون مُتابعاً بحيث تبقى النسبة إلى الأوَّل منها مجازية،
وهذا بعيد، لأن مُدَّةَ لُبث الدجال إلى أن يقتله عيسى، ثم لُبث عيسى وخروج يَأْجُوج ومَأُجُوج
كلُّ ذلك سابِقٌ على طلوع الشمس من المغرب.
فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خُروجَ الدَّجال أولُ الآيات العِظام الموزِنة
بتغيُّر الأحوال العامة في مُعظَم الأرض، وينتهى ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأنَّ
طلوع الشمس من المغرب هو أولُ الآيات العظام المؤذنة بتغيُّر أحوال العالم العُلْوي،
وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعلَّ خروج الدَّابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه
الشمس من المغرب.
وقد أخرجَ مسلم أيضاً (٢٩٤١) من طريق أبي زُرْعة، عن عبد الله بن عَمْرو بن
العاص، رفعه: ((أولُ الآيات طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس
ضُحَى، فأيُّهمَا خَرَجت قبلَ الأُخرى فالأُخرى منها قريب))، وفي الحديث قصةٌ لمروان بن
الحَكَم وأنه كان يقول: أولُ الآيات خروج الدَّجال، فأنكر عليه عبدُ الله بن عَمْرو. قلت:
ولكلام مروان محملٌ يُعرف مما ذكرتُه.
قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوعَ الشمس يَسْبِقُ خروج الدَّابة، ثم تخرج
الدَّابةُ في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه. قلت: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس
من المغرب يُغلَق بابُ التوبة فتَخْرُجُ الدابة تُميِّزُ المؤمن من الكافر تَكميلاً للمقصود من
إغلاق باب التوبة.
وأول الآيات المؤذِّنَة بقيام الساعة النارُ التي تَحشُّر الناس، كما تقدم في حديث أنس في بَدْء

٢٦٦
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
الخلق(١) في مسائل عبد الله بن سَلَام ففيه: ((وأما أولُ أشراطِ الساعة فنارٌ تَحَشُر الناسَ من
المشرق إلى المغرب)) وسيأتي فيه زيادة في: ((باب كيف الحشر))(٢).
قال ابن عَطيَّة وغيرُه ما حاصله: معنى الآية أن الكافرَ لا يَنفعُه إيمانُه بعد طلوع الشمس
من المغرب، وكذلك العاصي لا تنفعُه توبته، ومن لم يَعمل صالحاً مِن قبلُ ولو كان مؤمناً
لا ينفعُه العَملُ بعد طلوعها من المغرب.
وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفعُ توبةٌ بعد ذلك، بل يُتم على عملِ كلِّ أحدٍ بالحالة
٣٥٤/١١ التي هو عليها، والحكمة / في ذلك أن هذا أولُ ابتداءِ قيام الساعة بتغيُّر العالم العُلْوي، فإذا
شُوهِد ذلك حَصَلَ الإيمانُ الضروري بالمعاينة وارتَفَع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند
الغَرْغَرة وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله.
وقال القرطبي في ((التذكرة)) بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا فتوبةٌ مَن شاهدَ ذلك أو كان
كالمشاهد له مردودة، فلو امتدت أيامُ الدنيا بعد ذلك إلى أن يُنسى هذا الأمرُ، أو يَنقطع
تواتُرُه، ويصير الخَبر عنه آحاداً، فمَن أسلمَ حينئذٍ، أو تاب قُبِل منه. وأيد ذلك بأنه روي
أن الشمس والقمر يُكسيان(٣) الضوءَ بعد ذلك، ويَطلُعان ويَغرُبان من المشرق کما کانا
قبل ذلك.
قال: وذكر أبو الليث السَّمَرْ قَندي في ((تفسيره)) عن عمران بن حُصَين قال: إنما لا يُقبَل
الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذٍ صيحةٌ فيهلِك بها كثيرٌ من الناس، فمن
أسلَمَ أو تابَ في ذلك الوقت لم تقبل توبتُه، ومن تاب بعد ذلك قُبِلت توبتُه.
قال: وذكر الميَّانِشي عن عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه، قال: ((يبقى الناسُ بعد طلوع الشمس
من مغربها عشرين ومئة سنة)).
(١) بل في أوَّل أحاديث الأنبياء (٣٣٢٩).
(٢) قبل شرح الحديث (٦٥٢٢).
(٣) تحرَّف في الأصلين إلى: يكسفان، وسيخرج الحافظ هذا الأثر عن ابن عباس من عند ابن مردويه قريباً.

٢٦٧
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
كتاب الرقاق
قلت: رفعُ هذا لا يثبت، وقد أخرجه عبدُ بن حُميد في ((تفسيره)) بسند جيد عن عبد الله
ابن عَمْرو موقوفاً، وقد ورد عنه ما يعارضُه، فأخرج أحمد (٧٠٤٠)، ونُعيم بن حماد
(١٨٣٥) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمْرو رَفَعه(١): ((الآيات خَرَزات مَنظُومات في
سِلْكِ، إذا انقطعَ السِّلْك تَبع بعضُها بعضاً).
وأخرج الطبراني (١٤٦٩٥) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمْرو رفعه: ((إذا طلعت
الشمسُ من مغربها خَرَّ إبليسُ ساجداً ينادي: إلهي مُرْني أن أسجدَ لمن شِئت)) الحديث.
وأخرج نُعيم نحوَه عن أبي هريرة والحسن وقَتَادة بأسانيد مختلفة.
وعند ابن عساكر (٢٦٦/٢٨) من حديث حُذيفة بن أَسِيد الغِفَاري رَفَعه: «بین یدي
الساعة عشرُ آيَات كالنّظم في الخيط، إذا سَقَطَ منها واحدةٌ توالت)).
وعن أبي العاليَة: بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر يتتابَعن كتتابُع الخَرزات في
النظام.
ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عَمْرو بأن المدَّة ولو كانت كما قال عشرين
ومئة سنةً، لكنها تمرُّ مُروراً سريعاً كمِقدار مرور عشرين ومئة شهر من قبل ذلك أو دون
ذلك، كما ثَبَت في ((صحيح مسلم)(٢) عن أبي هريرة رفعه: ((لا تقوم الساعةُ حتَّى تكون
السنة كالشَّهر)) الحديث: وفيه: ((واليومُ كاحتراق السَّعَفة)).
وأما حديث عمران فلا أصلَ له، وقد سَبَقَه إلى هذا الاحتمال البيهقي في ((البعث
والنشور)) فقال في ((باب خروج يَأْجُوج ومَأْجُوج)): فصل: ذَكَر الحَليمي أنَّ أوَّل الآيات
الدجال، ثم نزول عيسى، لأن طُلوعَ الشمس من المغرب لو كان قبلَ نزول عيسى لم ينفع
الكفّار إيمانُهم في زمانه، ولكنه ينفعُهم، إذ لو لم ينفعهم لمَا صارَ الدينُ واحداً بإسلام مَن
أسلم منهم.
(١) الوجهان إسنادهما ضعيف.
(٢) بل هو في («المسند» (١٠٩٤٣).

٢٦٨
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال البيهقي: وهو كلام صحيحٌ لو لم يُعارِض الحديثَ الصَّحيح المذكور: أن أول
الآيات طلوعُ الشمس من المغرب، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو: «طلوعُ الشمس، أو
خروج الدابة))(١)، وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة الجزم بهما وبالدجال في عَدَم نَفع
الإيمان.
قال البيهقي: إن كان في علم الله أنَّ طُلوع الشمس سابق احتَمَل أن يكونَ المراد نفي النَّفْع
لِنفسِ القَرْن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضُهم إلى الكفر عاد
تكليفُه الإيمان بالغيب، وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمانُ مَن آمن بعيسى عند مشاهدة
الدَّجال وينفعُه بعد انقراضه، وإن كان في علم الله طلوعُ الشمس بعد نزول عيسى، احتملَ أن
يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عَمْرو آیات أخرى غير الدجال ونزول عيسى، إذ
ليس في الخبر نصُّ على أنه يتقدم عیسی.
قلت: وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة تخالفُه: ففي ((صحيح مسلم)) (٢٧٠٣)
من رواية محمد بن سِيرِين، عن أبي هريرة رفعه: ((مَن تاب قبلَ أن تطلعَ الشمسُ من مغربها
تاب الله عليه))، فمفهومُه أن من تاب بعد ذلك لم تُقبل.
ولأبي داود (٢٤٧٩)، والنسائي (ك٨٦٥٨) من حديث معاوية رَفَعه: «لا تزال تُقبل
٣٥٥/١١ التوبةُ حتّى تطلعُ / الشمس من مغربها)) وسنده جيد.
وللطبراني (١٤٩٧٣) عن عبد الله بن سَلام نحوه.
وأخرج أحمد (١٦٧١) والطبري (٩٨/٨)، والطبراني (٨٩٥/١٩) من طريق مالك بن
يخامر - بضم التحتانية بعدها خاء معجمة وبكسر الميم - عن معاوية وعبد الرحمن بن
عوف وعبد الله بن عَمْرو رفعوه: ((لا تزال التوبةُ مقبولةً حتّى تطلعَ الشمسُ من مغربها،
فإذا طلعت طَبَعَ اللهُ على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناسُ العملَ)).
(١) جاء كذلك بحرف التردُّد في رواية أبي داود (٤٣١٠)، والحاكم ٤/ ٥٤٧، خلافاً لرواية مسلم (٢٩٤١)
وابن ماجه (٤٠٦٩) حيث جاءت بالعطف.

٢٦٩
كتاب الرقاق
وأخرج أحمد (١٦٩٠٦) والدارمي (٢٤٧٩) وعبدُ بن حُميد في ((تفسيره)(١) كلهم من
طريق أبي هند عن معاوية رَفَعَه: ((لا تنقطعُ التوبةُ حتّى تطلعَ الشمسُ من مغربها)).
وأخرج الطبري (٨/ ١٠١) بسندٍ جيّد من طريق أبي الشَّعثاء عن ابن مسعود موقوفاً:
التوبة مفروضةً (٢) ما لم تَطلعِ الشمسُ من مغربها.
وفي حديث صفوان بن عَسّال: سمعت رسولَ الله وَ ﴿ يقول: ((إنَّ بالمغرب باباً مفتوحاً
للتوبة مَسيرة سبعين سنةً، لا يُغلق حتّى تطلع الشمس من نحوه)) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥)،
وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضاً النسائي (ك١١١١٤)، وابن ماجه (٤٠٧٠)، وصححه
ابن خزيمة (١٩٣) وابن حبان (١٣٢١).
وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه(٣)، وفيه: ((فإذا طلعت الشمسُ من
مغربها رُدَّ المِصراعان فيَلتِمُ ما بينهما، فإذا أُغلق ذلك الباب لم تُقبل بعد ذلك توبةٌ، ولا
تَنْفِعُ حَسنةٌ إلا من كان يَعملُ الخيرَ قبلَ ذلك، فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك))، وفيه:
فقال أبيّ ابن كعب: فكيف بالشمس والناس بعد ذلك؟ قال: ((تُكسى الشمسُ الضوءَ
وتَطلعُ كما كانت تَطلع، ويُقبل الناسُ على الدنيا، فلو نُتِجَ رجلٌ مُهراً لم يَركبْه حتّى تقومَ
الساعة)).
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص عند نُعَيم بن حماد في كتاب ((الفتن)) (١٨٤٦)
وعبد الرزاق في («تفسيره)) (٢/ ١٤٢) عن وَهْب بن جابر الخَيواني - بالخاء المعجمة - قال:
كنّا عند عبدِ الله بن عَمْرو فذكر قصةً، قال: ثم أنشأ يُحدِّثنا، قال: إن الشمس إذا غَرَبَت
سلَّمت وسَجَدت واستأذنت في الطلوع فيؤذن لها، حتَّى إذا كان ذاتَ ليلةٍ فلا يؤذَن لها،
(١) تقدم تخريج الحافظ له قبل سطور فلا ندري لم أعاد تخريجه مرة أخرى!
(٢) كذا في (أ) و(س): مفروضة، وسقط الآثر برُمَّته من (ع)، والذي في رواية الطبري: مبسوطة، وكذلك
عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ٢٢١، وسعيد بن منصور في قسم التفسير من ((سننه)) (٩٣٧).
(٣) أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ من
سورة الأنعام، وقال: سنده واهٍ.

٢٧٠
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وتُحبَس ما شاء الله تعالى، ثم يقال لها: اطلُعي من حيث غَرَبت، قال: فمن يومئذٍ إلى يوم
القيامة ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾.
وأخرجه عبد بن حميد في «تفسيره)) عن عبد الرزاق كذلك، ومن طريق أخرى، وزاد
فيها قصةَ المتهَجِّدين وأنَّهم هم الذين يَستَنكرون بُطء طُلوع الشمس.
وأخرج أيضاً من حديث عبد الله بن أبي أوفى(١) قال: تأتي ليلةٌ قَدرَ ثلاث ليالٍ لا
يَعرِفُها إلا المتهجدون، يقوم فيقرأ حِزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ، ثم ينام، ثم يقوم، فعندها
يموجُ الناسُ بعضُهم في بعض، حتى إذا صَلَّوا الفجرَ وجَلَسوا فإذا هم بالشمس قد طَلَعت من
مغربها، فيضِجُّ الناسُ ضَجَّةً واحدةً(٢)، حتى إذا توسَّطَت السماءَ رجعت.
وعند البيهقي في ((البعث والنشور)) من حديث ابن مسعود نحوه: فيُنادي الرجل جاره: یا
فلان، ما شأنُ الليلة لقد نِمتُ حتّى شَبِعتُ وصَلَّتُ حتى أعْيَيتُ.
وعند نُعيم بن حماد (١٨٤٣) من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عَمْرو، قال: لا يَلْبَئون بعد
يَأْجُوج ومَأُجُوج إلا قليلاً حتّى تطلُع الشمسُ من مغربها، فيناديهم مُنادٍ: يا أيها الذين
آمنوا، قد قُبل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أُغلق عنكم بابُ التوبة وجَفَّت الأقلامُ
وطُويَتِ الصحفُ.
ومن طريق يزيد بن شُرَيح وكثير بن مُرَّة: إذا طَلَعت الشمسُ من المغربِ يُطْبَع على
القلوب بما فيها، وتَرتَفِعُ الحَفَظة، وتُؤْمَر الملائكة أن لا يكتبوا عملاً.
وأخرج عبد بن حميد والطبري (١٠٣/٨) بسندٍ صحيح من طريق عامر الشَّعبي عن
عائشة: إذا خرجت أولُ الآيات طُرِحَت الأقلامُ وطُوِيَتِ الصحفُ، وخلصت (٣) الحفظةُ،
(١) في إسناده سليمان بن زيد أبو إدام، وهو ضعيف، وكذَّبه ابن معين.
(٢) كذا في (ع) و(س)، وفي (أ): فيصيح الناس صيحةٌ واحدةٌ.
(٣) كذا في الأصلين و(س)، والذي في رواية الطبري: وحُبِسَت، وكذلك جاء عند عبد الرزاق في ((تفسيره))
٢٢٢/١، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٧٩٨).

٢٧١
كتاب الرقاق
وشَهِدَت الأجسادُ على الأعمال. وهو وإن كان موقوفاً فحكمُه الرفعُ، ومن طريق العَوْفي
عن ابن عباس نحوه.
ومن طريق ابن مسعود قال: الآيةُ التي تُخْتَم بها الأعمال طلوعُ الشمس من مغربها.
فهذه آثار يشدُّ بعضُها بعضاً مُتَّفِقة على أنَّ الشمسَ إذا طلعت من المغرب أُغْلِقِ بابُ
التوبة ولم يُفتَح بعد ذلك، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يَمتدُّ إلى يوم القيامة، ويؤخذ
منها أن طلوع الشمس من مَغرِبها أوَّلُ الإنذار بقيام الساعة، وفي ذلك ردٌّ على / أصحاب ٣٥٦/١١
الهيئة ومَن وافقهم أن الشمسَ وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مُقتضَياتُها، ولا
يتطرَّق إليها تغييرُ ما هي عليه.
قال الكِرْماني: وقواعدُهم منقوضة ومُقدِّماتهم ممنوعة، وعلى تقدير تسليمها فلا امتناعَ
في انطباق منطقة البُروج التي هي مُعدَّل النهار بحيث يصير المشرقُ مغرباً وبالعكس.
واستدلَّ صاحبُ ((الكشاف)) بهذه الآية للمُعتزلة، فقال: ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صفة
لقوله: ﴿نَفْسًا﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ عطف على ﴿ءَامَنَتْ﴾، والمعنى: أن
أشراط الساعة إذا جاءت، وهي آيات مُلجِئة للإيمان، ذهب أوانُ التكليف عندها، فلم ينفع
الإيمانُ حينئذٍ من غير مُقدِّمة إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مُقَدِّمة إيمانها من غير تقديم عمل
صالح، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة وبين النفس التي آمنت في وَقِتِه ولم تَكْسِبْ خيراً،
ليُعلم أن قوله: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ﴾ جمعٌ بين قرينتين لا ينبغي أن تنفَكَّ
إحداهما عن الأخرى حتى يفوزَ صاحبُها ويَسعَد، وإلا فالشِّقوة والهلاك.
قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى بعضُ الآيات لا ينفع
نفساً كافرةً إيمانُها الذي أوقعتْه إذ ذاك، ولا يَنْفعُ نفساً سَبْقُ إيمانها ولم تَكسِب فيه خيراً، فقد عَلَّقَ
نَفْيَ نَفْع الإيمان بأحد وَصْفينٍ: إما نفيُ سَبْقِ الإيمان فقط، وإما سَبقُه مع نَفْي كسب الخير،
ومفهومُه أنه ينفعُ الإيمانُ السابقُ وحدَه، وكذا السابقُ ومعه الخيرُ، ومفهوم الصفة قويٌّ فيُستدلُّ
بالآية لمذهب أهل السنة، ويكون فيه قلبُ دليل المعتزلة دليلاً عليهم.

٢٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأجاب ابن المنير في ((الانتصاف)) فقال: هذا الكلام من البلاغة يُلقَّبُ اللفَّ،
وأصله يومَ يأتي بعضُ آيات ربك لا ينفعُ نفساً لم تكن مُؤمنةً قبلَ إيمانها بعد، ولا نفساً
لم تَكسِب خيراً قبلَ ما تَكسِبُه من الخير بعدُ، فلفَّ الكلامَين فجعلهما كلاماً واحداً
إيجازاً، وبهذا التقرير يظهر أنها لا تُخالفُ مَذهب أهلِ الحق، فلا يَنفعُ بعد ظهور الآيات
اكتسابُ الخير ولو نَفَعَ الإيمان المتقدِّم من الخُلود، فهي بالرد على مَذهبِه أولى من أن
يَدَّ له.
وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): الإيمان قبلَ مجيءٍ الآيات نافعٌ ولو لم يكن عملٌ صالحٌ
غيرَه، ومعنى الآية: لا ينفعُ نفساً إيمانُها ولا كَسْبُها العملَ الصالحَ، لم يكن الإيمانُ قبلَ الآية
أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلَها، فاختَصر للعِلم.
ونقل الطِّيبي كلامَ الأئمة في ذلك، ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنيِّر وابنُ الحاجب،
وبَسْطُه: أن الله تعالى لمَا خاطب المعانِدين بقوله تعالى: ﴿ وَهَذَا كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ
فَأَتَِّعُوهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٥] علل الإنزال بقوله: ﴿ أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ﴾ [١٥٦] إلى
آخره، إزاحةً للعذر وإلزاماً للحُجَّة، وعقّبه بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَبِّكُمْ
وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] تبكيتاً لهم، وتقريراً لما سبق من طلب الاتّباع، ثم قال:
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ﴾ الآية، أي: أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفاً لكل رَيْب، وهادياً إلى
الطريق المستقيم، ورحمةً من الله للخَلْق، ليجعلوه زاداً لمَعادِهم فيما يُقدِّمونه من الإيمان
والعمل الصالح، فجعلوا شُكرَ النعمة أن كَذَّبوا بها ومَنعُوا من الانتفاع بها، ثم قال: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ﴾ الآية، أي: ما يَنتَظر هؤلاء المكذِّبون إلّا أن يأتيَهم عذابُ الدنيا بنزولِ الملائكة
بالعِقاب الذي يستأصِلُ شَأْفَتَهم، كما جرى لمن مضى من الأُمم قبلَهم، أو يأتيهم عذابٌ
الآخرة بوجودِ بعضٍ قَوارِعها، فحينئذٍ تفوتُ تلك الفُرصَة السابقة، فلا ينفعُهم شيءٌ مما
كان ينفعُهم مِن قَبْلُ مِن الإيمان، وكذا العمل الصالح مع الإيمانِ، فكأنه قيل: يوم يأتي
بعضُ آيَاتِ رَبِّك لا ينفعُ نفساً إيمانُها ولا كَسْبُها العملَ الصالحَ في إيمانها حينئذٍ إذا لم تكن

٢٧٣
باب ٤٠ / ح ٦٥٠٦
كتاب الرقاق
آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً من قبلُ.
ففي الآية لفّ لكن حُذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَمَن
يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] قال: فهذا الذي
عناه ابنُ المنّيِّر بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: اللَّفّ، والمعنى: يومَ يأتي بعضُ
آيات رَبِّك، لا ينفعُ نفساً لم تكن مؤمنةً مِن قبل ذلك إيمانُها مِن بعد ذلك، ولا ينفع نفساً ٣٥٧/١١
كانت مؤمنةً لكن لم تَعمل في إيمانها عملاً صالحاً قبل ذلك ما تعملُه من العمل الصالح
بعد ذلك.
قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة، فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتسابُ الخير، أي:
لإغلاق باب التوبة ورفع الصُّحُف والحَفَظة، وإن كان ما سَبَق قبل ظُهور الآية من الإيمان
ينفعُ صاحبه في الجملة.
ثم قال الطِّيبي: وقد ظفِرتُ بفضلِ الله بعد هذا التقرير على آية أُخرى تُشبه هذه الآية
وتناسبُ هذا التقرير معنّى ولفظاً، من غير إفراط ولا تفريط، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
◌ِثْنَهُم بِكِتَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلٍْ هُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ يَوْمَ يَأْتِى
تَأْوِيلُ, يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوَ
ثُرَدُّ فَتَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]، فإنه يظهر منه أنَّ
الإيمان المجرَّد قبل كَشف قَوارِع الساعة نافعٌ، وأن الإيمان المقارَن بالعمل الصالح أنفَع، وأما
بعد حُصولها فلا يَنفعُ شيءٌ أصلاً، والله أعلم، انتهى مُلخَّصاً.
قوله: ((ولتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بلبن لِقِحَتِه)) بكسر اللام وسكون القاف بعدها
مهملة: هي ذات الدَّرِّ من النُّوق.
قوله: ((يُلِيط حَوْضَه)) بضم أوله، ويقال: ألاطَ(١) حوضَه: إذا مَدَره، أي: جمع حجارةً
(١) كذا اقتصر الحافظ هنا على ضبطه من الرُّباعي، وفي اليونينية: يَليط؛ يعني من الفعل الثُّلائي (لاطَ)، وهو
من: لاط وألاط، يعني من بابي: فَعَلَ وأَفْعَلَ، وقد ذكرهما عند شرح الحديث (٧١٢١).

٢٧٤
باب ٤١ / ح ٦٥٠٧ - ٦٥٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
فصَيَّرها كالحوض، ثم سَدَّ ما بينها من الفُرَج بالمدَر وَنحوه، لِيَنحَبِس الماء، هذا أصلُه، وقد
يكون للحوض خُروقٌ فيسدُّها بالمدَر قبل أن يملأه. وفي كلّ ذلك إشارةٌ إلى أنَّ القيامة تقومُ
بَغْتَةً كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].
٤١ - باب من أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه
٦٥٠٧ - حدَّثنا حَجَاجٌ، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ، عن عُبادةَ بنِ الصّامِتِ، عن
النبيِّ وََّ، قال: ((مَن أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ لقاءَه)) قالت
عائشةُ - أو بعضُ أزواجِه -: إنّا لَنَكْرَه الموتَ، قال: ((ليس ذلِكِ، ولكنِ المؤمنُ إذا حَضَرَه
الموتُ بُثِّرَ بِرِضْوان الله وكَرامَتِهِ، فليس شيءٌ أحبَّ إليه ثمَّ أمامَه، فأحبَّ لقاءَ الله وأحبَّ اللهُ
لقاءَه، وإنَّ الكافرَ إذا حُضِرَ بُفِّرَ بعذابِ الله وعُقوبَتِهِ، فليس شيءٌ أكرَهَ إليه ممّا أمامَه، فَكَرِهَ
لقاءَ الله وكَرِهَ اللهُ لقاءَه)).
اختَصَرَه أبو داودَ وعَمْرٌو، عن شُعْبةَ.
وقال سعيدٌ: عن قَتَادَةَ، عن زرارةَ، عن سعدٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّ.
٦٥٠٨- حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدٍ، عن أبي بُرْدَ، عن أبي
موسى، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((مَن أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومَن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ
لقاءه)).
٦٥٠٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني سعيدُ
ابنُ المسيّبٍ وعُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ في رجالٍ من أهلِ العِلْمِ، أنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ اله ◌َه
يقول وهو صَحِيحٌ: ((إنَّه لم يُقْبَض نبيٍّ قَطُ حتَّى بَرَى مَفْعَدَه منَ الجنَّةِ، ثمَّ يُخِيََّ)) فلمَّا نزِلَ به
ورأسُه على فخذي غُشِيَ عليه ساعةً، ثمَّ أفاقَ فأشخَصَ بَصَرَه إلى السَّقْفِ، ثمَّ قال: ((اللّهمَّ
الرَّفِيقَ الأعلى))، قلتُ: إذاً لا يَخْتارُنا، وعَرَفْتُ أنَّه الحديثُ الذي كان يُحدِّثُنا به، قالت: فكانت
تلكَ آخِرَ كلمةٍ تَكلَّمَ بها النبيُّ وَّهِ قولُهُ: ((اللهمَّ الَّفِيقَ الأعلى)».
/ قوله: ((بابٌ مَن أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءَه)» هكذا تَرجَمَ بالشِّقِّ الأوَّل من الحديث
٣٥٨/١١

٢٧٥
باب ٤١ / ح ٦٥٠٩
كتاب الرقاق
الأوَّل إشارةً إلى بَقَّتِه على طريق الاكتِفاء. قال العلماء: مَحَبّةُ الله لعبده إرادَتُه الخيرَ له وهِدايتُه إليه
وإنعامُه عليه. وكَراهَتُه له على الضِّدِّ من ذلك(١).
قوله: «حدّثنا حجاج)) هو ابن المنهال البصريّ، وهو من کِبار شيوخ البخاريّ، وقد روى
عن همَّام أيضاً حَجّاج بن محمَّد المِصّيصيّ، لكن لم يُدرِكه البخاريّ.
قوله: ((عن (٢) قَتَادَةَ)) لهَّام فيه إسنادٌ آخر أخرجه أحمد (١٨٢٨٣) عن عَفّان عن هَمَّام عن
عطاء بن السائب عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، حدَّثني فلانُ ابنُ فلانٍ، أَنَّه سمِعَ رسول الله ◌ََّ،
فذكر الحديثَ بطولِه بمعناه، وسندُه قويٌّ، وإبهامُ الصحابيِّ لا يَضُرُّ، وليس ذلك اختلافاً على
هَمَّام فقد أخرجه أحمد (٢٢٧٤٤) عن عَفّان (٣) عن همَّام عن قَتَادة.
قوله: ((عن أنسٍ)) في رواية شُعْبةَ عن قَتَادة: سمعت أنساً، وسيأتي بيانُه في الرِّواية
المعلّقة.
قوله: ((عن عُبادةَ بن الصّامِت)) قد رواه حُميدٌ عن أنس عن النبيّ وَّ بغير واسطةٍ،
أخرجه أحمد (١٢٠٤٧) والنَّسائيُّ (ك١١٧٥٨) والبزَّار (٦٦٠٤) من طريقه. وذكر البزَّارُ
أَنَّه تفرَّد به، فإن أراد مُطلَقاً ورَدَت عليه روايةُ قَتَادة، وإن أراد بقَيدٍ گَونِه جعله من مُسنَدِ
أنسٍ سُلِّمَ(٤).
قوله: ((مَن أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءَه)) قال الكِرْمانيُّ: ليس الشَّرطُ سبباً للجزاءِ بل
الأمرُ بالعكس، ولكنَّه على تأويل الخبر، أي: مَن أحبَّ لقاءَ الله أخبَرَه بأن الله أحبَّ لقاءَه،
(١) هذا تفسير للمحبة بلوازمها، والحق أن يقال: محبة الله كما يليق به تعالى، وكذا خُلّتُه في قوله سبحانه:
﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. انظر ((شرح العقيدة الطحاوية)) ٣٩٦/٢.
(٢) كذا في الأصلين و(س) بصيغة العنعنة، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري:
حدَّثنا.
(٣) قرن به أحمدُ بهزَ بنَ أسَدٍ.
(٤) وهذا الاحتمال الثاني هو الصحيح، لأنه أخرج حديث عبادة أيضاً برقم (٢٦٧٩)، فالتفرد الذي أراده
مقید.

٢٧٦
باب ٤١ / ح ٦٥٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وكذا الكراهةُ. وقال غيره فيما نَقَلَه ابن عبد البَرِّ وغيره: ((مَن)) هنا خَبَرِيَّةٌ وليست شرطيَّةً،
فليس معناه أنَّ سبب حُبِّ الله لقاءَ العبد حُبُّ العبد لقاءَه ولا الكراهة، ولكنَّه صِفَة حال
الطائفَتَينِ في أنفُسهم وعند رَبِّهم، والتَّقدير: مَن أحبَّ لقاءَ الله فهو الذي أحبَّ الله لقاءَه
وكذا الكراهة.
قلت: ولا حاجةَ إلى دَعْوى نفي الشَّرْطيَّة، فسيأتي في التَّوحيدِ (٧٥٠٤) من حديثٍ
أبي هريرة رَفَعَه: ((قال الله عزَّ وجلَّ: إذا أحبَّ عبدي لقائي أحبَبت لقاءَه)) الحديثَ، فيتعيّن
أنَّ((مَن)) في حديث الباب شرطيّةٌ وتأويلُها ما سَبَقَ، وفي قوله: ((أحبَّ الله لقاءَه)) العُدولُ
عن الضَّمير إلى الظّاهِرِ تفخيماً وتعظيماً، ودفعاً لتَوهُمِ عَودِ الضَّمير على الموصولِ لئلّا يَتَّحِدَ
في الصّورة المبتَدَأُ والخبرُ، ففيه إصلاحُ اللَّفظِ لتصحيح المعنى، وأيضاً فعَودُ الضَّمير على
المضاف إليه قلیل.
وقرأت بخَطِّ ابن الصّائغ في ((شرح المشارقِ)): يحتمل أن يكون ((لِقاء الله)) مُضافاً
للمفعول، فأقامَه مقام الفاعل، و((لقاءَه)) إمّا مُضاف للمفعولِ أو للفاعلِ الضَّمير أو
للموصول، لأنَّ الجواب إذا كان شرطاً فالأولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو موجودٌ هنا
ولكن تقديراً.
قوله: «ومَن كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءَه)) قال المازَرِيُّ: مَن قَضَى اللهُ بموتِه لا بدَّ أن يموت
وإن كان كارهاً لِلِقاءِ الله، ولو كَرِهَ الله موتَه لمَا ماتَ، فيُحمَلُ الحديثُ علی کَراهَتِهِ سبحانَه
وتعالى الغُفرانَ له، وإرادَتِه لإبعاده من رحمته.
قلت: ولا اختصاصَ لهذا البحثِ بهذا الشِّقّ، فإنَّه يأتي مِثلُه في الشِّقِّ الأوَّل، كأن يقال
مثلاً: مَن قَضَى اللهُ بامتدادِ حياته لا يموتُ ولو كان يُحِبّاً للموت ... إلى آخره.
قوله: ((قالت عائشة - أو بعض أزْواجه -)) كذا في هذه الرِّواية بالشكّ، وجَزَمَ سعد بن
هشام في روايته عن عائشة بأنَّها هي التي قالت ذلك ولم يَتَردَّد(١)، وهذه الزّيادة في هذا الحديث
(١) هي الطريق التي علَّقها البخاري، وسيأتي تخريجها.

٢٧٧
كتاب الرقاق
لا يظهرُ صريحاً هل هي من كلام عُبادة، والمعنى أنَّه سمعَ الحديث من النبيّ ◌َِّ وسمعَ
مُراجَعةً عائشةَ؟ أو من كلام أنس بأن يكون حَضَرَ ذلك؟ فقد وَقَعَ في رواية حُميدٍ التي
أشرتُ إليها بلفظ: فقلنا: يا رسول الله، فيكون أسنَدَ القول إلى جماعة، وإن كان المباشرُ له
واحداً، وهي عائشة، وكذا/ وَقَعَ في رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها، وفيه: ٣٥٩/١١
فأكَبَّ القومُ يَبكونَ، وقالوا: إنّا نَكرَه الموت، قال: ((ليس ذلك))، ولابنِ أبي شَيْبة(١) من
طريق أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة نحو حديث الباب وفيه: قيلَ: يا رسول الله، ما مِنّا من أحدٍ
إلّ وهو يَكرَه الموتَ، فقال: «إذا كان ذلك كُشِفَ له)).
ويحتمل أيضاً أن يكون من كلام قَتَادة أرسَلَه في رواية همَّام، ووَصَلَه في رواية سعید
ابن أبي عَرُوبةَ عنه عن زرارةَ عن سعد بن هشام عن عائشة، فيكون في رواية همَّام إدراج
وهذا أرجَحُ في نظري، فقد أخرجه مسلمٌ (٢٦٨٣) عن هَذّاب بن خالد عن هَّام مُقْتَصِراً
على أصل الحديث دونَ قوله: فقالت عائشة ... إلى آخره، ثمَّ أخرجه من رواية سعيد بن
أبي عَرُوبة موصولاً تاماً (٢٦٨٤)، وكذا أخرجه هو (٢٦٨٣) وأحمد (٢٢٦٩٦) من رواية
شُعْبة، والنَّسائيُّ(٣) (١٨٣٧) من رواية سليمانَ التَّيْميِّ، كلاهما عن قَتَادة، وكذا جاء عن
أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجَعة، وقد أخرجه الحسن بن سفيان
وأبو يَعْلى (٣) جميعاً عن هُدبةَ بن خالد عن هَمَّام تامّاً، كما أخرجه البخاريّ عن حَجّاجٍ عن
هَمَّامِ، وهُدبة هو هَذّاب شيخ مسلمٍ، فكأنَّ مسلماً حَذَفَ الزّيادة عَمداً لكونها مُرسَلةً من
هذا الوجه، واكتَفَى بإيرادِها موصولةً من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة، وقد رَمَزَ البخاريُّ
إلى ذلك حيثُ عَلَّقَ رواية شُعْبة بقوله: اختَصَرَه ... إلى آخره، وكذا أشارَ إلى رواية سعيد
تعليقاً، وهذا من العِلَل الخَفيَّة جدّاً.
قوله: ((إنّا لَنَكْرَه الموتَ)) في رواية سعد بن هشام: فقالت: يا نبيَّ الله، أكراهةُ
(١) لم نقف عليه فيما بأيدينا من كتب ابن أبي شيبة المطبوعة، وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٩٨٢٢).
(٢) وكذا هو عند الترمذي (١٠٦٦) من رواية سليمان التيمي.
(٣) لم نقف عليه في ((مسنده)) الذي برواية ابن حمدان، فلعله في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ.

٢٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
الموتِ؟ فكلُّنا نَكرَه الموتَ.
قوله: ((بُثِّر برِضْوان الله وكَرامَته)) في رواية سعد بن هشام: ((بُشِّر برحمة الله ورضوانه
وجَنَّتِّه))، وفي حديث حُميدٍ عن أنس: ((ولكنَّ المؤمن إذا حُضِرَ جاءه البشيرُ من الله، وليس شيءٌ
أحبَّ إليه من أن يكون قد لَقِيَ الله فأحبَّ الله لقاءَه))، وفي رواية عبد الرّحمن بن أبي ليلى: ((ولكنَّه
إذا حُضِرَ ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ {(٣٥) فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ وَحَنَّثُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨-٨٩]، فإذا
بُثِّرَ بذلك أحبَّ لقاءَ الله، واللهُ لِلِقائه أحبُّ)).
قوله: ((فليس شيءٌ أحبَّ إليه ممَّ أمامَه)) بفتح الهمزة، أي: ما يَستَقِلُه بعد الموت، وقد
وَقَعَت هذه المراجَعةُ من عائشة لبعضِ التابعين، فأخرج مسلمٌ (٢٦٨٥) والنَّسائيُّ من
طريق شُرَيح بن هانئٍ قال: سمعت أبا هريرة - فذكر أصلَ الحديث - قال: فأتيت عائشة
فقلت: سمعت حديثاً إن كان كذلك فقد هَلَكنا، فذكره قال: وليس مِنّا أحدٌ إلّا وهو يَكرَه
الموتَ، فقالت: ليس بالذي تذهبُ إليه، ولكن إذا شَخَصَ البَصَرُ - بفتح الشّينِ والخاءِ
المعجَمْتَينِ وآخره مُهمَلة، أي: فَتَحَ المحتَضِرُ عينَه إلى فوق فلم يَطِف - وحَشْرَجَ الصَّدُرُ- بحاءِ
مُهمَلةٍ مفتوحة بعدَها مُعجَمةٌ وآخره جيم، أي: تَردَّدَتِ الرّوحُ في الصَّدرِ - واقشَعَرَّ الجِلدُ
وتَشَنَّجَت - بالشّينِ المعجَمة والنُّون الثَّقيلة والجيم [الأصابع](١)، أي: تَقَبَّضَت.
وهذه الأُمورُ هي حالة المحتَضِر، وكأنَّ عائشة أخَذَته من معنى الخيرِ الذي رواه عنها
سعد بن هشام مرفوعاً، وأخرجه مسلم (١٦/٢٦٨٤) والنَّسائيُّ أيضاً(٢) عن شُرَيح بن هانئ
عن عائشة مِثل روايته عن أبي هريرة، وزاد في آخره: والموت دونَ لقاءِ الله. وهذه الزّيادة
من كلام عائشة - فيما يظهرُ لي - ذَكَرتْها استنباطاً ممّا تقدَّمَ.
وعند عبد بن حُميدٍ من وجهٍ آخر (٣) عن عائشة مرفوعاً: ((إذا أراد الله بعَبدٍ خيراً قَيَّضَ
(١) لفظة ((الأصابع)) سقطت من الأصلين و(س)، وهي ثابتة في الرواية.
(٢) لم نقف على هذه الرواية في كتابي النسائي، ونسبها ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٧٣٦٨) لمسلم فقط.
(٣) وهو أيضاً في زيادات الحسين المروزي على ((الزهد)) لابن المبارك (٩٧٢).

٢٧٩
باب ٤١ / ح ٦٥٠٩
كتاب الرقاق
له قبلَ موتِه بعام مَلَكاً يسدِّده ويوفّقُه، حتَّى يقال: ماتَ بخيرٍ مَا كان، فإذا حُضِرَ ورأى
ثوابَه اشتاقَت نفسه، فذلك حينَ أحبَّ لقاءَ الله وأحبَّ الله لقاءَه، وإذا أراد الله بعَدٍ شَرّاً قَيَّضَ له
قبلَ موتِه بعامٍ شيطاناً، فأضَلَّه وفَتَنَه حتَّى يقال: ماتَ بشَرِّ ما كان عليه، فإذا حُضِرَ ورأى
ما أُعِدَّله من العذاب جَزِعَت نفسُه، فذلك حين كَرِهَ لقاءَ الله وكَرِهَ الله لقاءَه)).
قال الخطَّابُّ: تَضَمَّنَ حديث الباب من التَّفسير ما فيه غُنية عن غيره، واللِّقاء يقع على
أوجُه: منها: المعاينة، ومنها: البعث كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اُللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]،
ومنها: الموت كقوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْلِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ ٣٦٠/١١
اَلْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
وقال ابن الأثير في ((النِّهاية)): المراد بلقاءِ الله هنا: المصير إلى الدَّار الآخرة وطلب ما
عند الله، وليس الغرض به الموت، لأنَّ كلَّ يَكرَهُه، فمَن تَرَكَ الدُّنيا وأبغَضَها أحبَّ لقاءَ الله،
ومَن آثَرَها ورَكَنَ إليها كَرِهَ لقاءَ الله، لأنَّه إِنَّمَا يَصِلُ إليه بالموت. وقول عائشة: والموت دونَ
لقاء الله، يُبيِّنُ أنَّ الموت غيرُ اللِّقاء، ولكنَّه مُعتَرَضٌ دونَ الغرضِ المطلوب، فَيَجِبُ أن
يَصبِرَ عليه ويحتملَ مَشاقَّه حتَّى يَصِل إلى الفَوزِ باللِّقاء.
قال الطِّييُّ: يريد أنَّ قول عائشة: إنّا لَنَكرَه الموت، يُوهِمُ أنَّ المراد بلقاءِ الله في الحديث
الموتُ، وليس كذلك، لأنَّ لقاء الله غير الموت بدليل قوله في الرِّواية الأُخرى: ((والموت
دونَ لقاءِ الله))، لكن لمَّا كان الموتُ وسيلةً إلى لقاء الله عَبَّر عنه بلِقاءِ الله.
وقد سَبَقَ ابنَ الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمامُ أبو عُبيدِ القاسمُ بن سَلّام
فقال: ليس وجهُه عندي كراهةَ الموتِ وشِدَّتَه، لأنَّ هذا لا يكاد يخلو عنه أحدٌ، ولكنَّ المذمومَ
من ذلك إيثارُ الدُّنيا والرُّكون إليها، وكراهيةُ أن يصير إلى الله والدَّار الآخرة. قال: ومَّاً
يُبيِّنُ ذلك أنَّ الله تعالى عابَ قوماً بحُبِّ الحياة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ
بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا﴾ [يونس: ٧].
وقال الخطَّبيُّ: معنى مَحَبّة العَبد للقاءِ الله: إيثارُه الآخرةَ على الدُّنيا، فلا يُحِبُّ استمرارَ

٢٨٠
باب ٤١ / ح ٦٥٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
الإقامة فيها، بل يَستَعِدُّ للارتحال عنها، والكراهةُ بضِدٌّ ذلك.
وقال النَّوويّ: معنى الحديث أنَّ المحبّة والكراهة التي تُعتَبَر شَرعاً هي التي تقع عند
النّزْع في الحالة التي لا تُقبِلُ فيها الثَّوبةُ، حيثُ يُكشَفُ الحالُ للمُحتَضَرِ، ويظهرُ له ما هو
صائرٌ إلیه.
قوله: (بُثِّر بعذابِ الله وعُقوبَتِه)) في رواية سعد بن هشام: ((بُشِّر بعذابِ الله وسَخَطِه))،
وفي رواية حُميدٍ عن أنس: ((وإنَّ الكافرَ أو الفاحِرَ إذا جاءه ما هو صائرٌ إليه من السّوءِ، أو
ما يَلقَى من الشّ.)) إلى آخره، وفي رواية عبد الرَّحمنِ بن أبي ليلى نحو ما مَضَى.
قوله: ((اختَصَرَه أبو داودَ وعَمْرو، عن شُعْبة)) يعني: عن قَتَادة عن أنس عن عُبادة،
ومعنى اختصاره أنَّه اقتَصَرَ على أصل الحديث، دونَ قوله: فقالت عائشة ... إلى آخره، فأمَّا
رواية أبي داود، وهو الطَّيالسيُّ، فوصَلَها التِّرمِذيّ (٢٣٠٩) عن محمود بن غَيْلان عن أبي
داود، وكذا وَقَعَ لنا بعُلُوِّ في ((مُسنَدِ أبي داود الطَّيالسيِّ)» (٥٧٥).
وأمَّا رواية عَمْرو، وهو ابن مرزوقٍ، فوصَلَها الطبرانيُّ في ((المعجم الكبير))(١) عن أبي
مسلمٍ الكَجِّيّ ويوسف بن يعقوب القاضي، كلاهما عن عَمْرو بن مرزوق. وكذا أخرجه
أحمد (٢٢٦٩٦) عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبة، وهو عند مسلم (٢٦٨٣) من رواية محمَّد
ابن جعفر، وهو غُندَرٌ.
قوله: ((وقال سعيد: عن قَتَادَةَ ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٢٦٨٤) من طريق خالد بن
الحارث ومحمَّد بن بَكر، كلاهما عن سعيد بن أبي عَرُوبة، كما تقدَّم بيانُه، وكذا أخرجه
أحمد (٢)، والتِّرمِذيّ (١٠٦٧) والنَّسائيُّ (١٨٣٨) وابن ماجَهْ (٤٢٦٤) من رواية سعيد ابن
أبي عَرُوبة، ووَقَعَ لنا بعُلوٍّ في كتاب ((البعث)) (٢) لابن أبي داود.
(١) سقط مسند عبادة بن الصامت برُمَّته من مطبوع ((معجم الطبراني الكبير)).
(٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد)) من هذه الطريق، ولا ذكره الحافظ في ((أطراف المسند)) ولا في («إتحاف
المهرة» (٢١٦٨٢).