Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ باب ١٨ / ح ٦٤٦٣ كتاب الرقاق الثّالث: جاء في بعض الأحاديث أنَّ نفس دخول الجنَّة برحمة الله، واقتسام الدَّرَجات بالأعمال. الرّابع: أنَّ أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثَّواب لا يَنفَدُ، فالإنعام الذي لا يَنفَد في جزاء ما يَنفَد بالفضل، لا بمُقابلة الأعمال. وقال الكِرْمانيُّ: الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليست للسَّبَبيَّة بل للإلصاق أو المصاحَبة؛ أي: أُورِ ثتُموها مُلاَبَسة أو مُصاحَبة، أو للمُقابلة نحو: أعطيت الشّاةَ بالدِّرهَم. وبهذا الأخير جَزَمَ الشَّيخ جمال الدّين بن هشام في ((المغني)) فسَبَقَ إليه فقال: تَرِدُ الباء للمُقابَلة وهي الدَّاخلة على الأعواض كاشتَرَيتُه بألفٍ، ومنه: ﴿آدْخُلُواْ الْجَنَّةً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وإنَّما لم تُقدَّر هنا للسَّبيَّة كما قالت المعتَزِلة، وكما قال الجميع في: ((لن يَدخُلَ أحدُكم الجنَّةَ بعَمَلِه))؛ لأنَّ المعطي بعِوَضٍ قد يُعطي مجاناً بخِلَاف المسبّب، فلا يُوجَد بدون السَّبَب، قال: وعلى ذلك يَنتَفي التَّعارُضُ بين الآية والحديث. قلت: سَبَقَه إلى ذلك ابنُ القَيِّم فقال في كتاب ((مِفتاح دار السَّعادة)): الباء المقتَضية للدُّخولِ غيرُ الباء الماضية، فالأولى: السَّبَبيَّة الدَّالَّة على أنَّ الأعمال سبب الدُّخول المقتضية له كاقتضاءِ سائر الأسباب لمسَبَّباتها، والثّانية: باءُ المعاوضة نحو: اشتَرَیتُ منه بكذا، فأخبر أنَّ دخول الجنَّة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنَّه لولا رحمةُ الله لعبده لمَا أدخَلَه الجنَّة، لأنَّ العمل بمُجرَّدِه ولو تَناهَى، لا يُوجِب بمُجرَّدِه دخول الجنَّة، ولا أن يكون عِوَضاً لها، لأنَّه ولو وَقَعَ على الوجه الذي يُحِبّه الله لا يُقاوِمِ نِعمةَ الله، بل جميع العمل لا يوازي نِعمةً واحدةً، فتَبقَى سائرُ نِعَمه مُقتَضية لشُكرها وهو لم يُوفِّها حَقَّ شُكرها، فلو عَذَّبَه في هذه الحالة لَعَذَّبَه وهو غير ظالم، وإذا رَحِمَه في هذه الحالة كانت رحمتُه خيراً من عمله، كما في حديث أُبيّ بن كعب الذي أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) وابن ماجَهْ (٧٧) في ذِكْرِ القَدَر ففيه: ((لو أنَّ الله عَذَّبَ أهل سَماواتِه وأرضِه لَعَذَّبَهم وهو غير ظالم لهم، ولو رَحِمَهم كانت رحمته خيراً لهم)) الحديث. ١٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قال: وهذا فصلُ الخِطاب مع الجَبْريَّة الذينَ أنكَروا أن تكون الأعمال سبباً في دخول الجنَّة من كلّ وجه، والقَدَريَّة الذينَ زَعَموا أنَّ الجنَّة ◌ِوضُ العمل وأنَّهَا ثَمَنُه، وأنَّ دخولها بِمَحْضِ الأعمال، والحديث يُبطِل دعوى الطائفتين، والله أعلم. قلت: وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أيضاً أن يكون المراد: أنَّ الدُّخول ليس بالعمل، والإدخال المستفاد من الإرث بالعمل، وهذا إن مَشَى في الجواب عن قوله تعالى: ﴿أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾، لم يَمشِ في قوله تعالى: ﴿آدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جوابٌ آخر: وهو أن يُحمَل الحديث على أنَّ العمل من حيثُ هو عمل، لا يستفيد به العامل دخولَ الجنَّة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القَبُول إلى الله تعالى، وإنَّما يَحَصُل برحمة الله لمن يُقبَل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ آدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: تَعمَلونَه من العمل المقبول، ولا يَضُرّ بعد ٢٩٧/١١ هذا أن تكون الباء/ للمُصاحَبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يَلزَمُ من ذلك أن تكون سبيَّة. ثمَّ رأيت النَّوويَّ جَزَمَ بأنَّ ظاهر الآيات أنَّ دخول الجنَّة بسببِ الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث: أنَّ التَّوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقَبُولها إنَّما هو برحمة الله وفضله، فيَصِحّ أنَّه لم يَدخُل بمُجرَّدِ العمل، وهو مُراد الحديث، ويَصِحّ أنَّه دَخَلَ بسببٍ العمل وهو من رحمة الله تعالی. ورَدَّ الكِرْمانيُّ الأخير بأنَّه خِلافُ صريح الحديث. وقال المازَرِيّ: ذهب أهل السُّنّة إلى أنَّ إثابة الله تعالى مَن أطاعَه بفضلٍ منه، وكذلك انتقامه ممَّن عَصَاه بعَدلٍ منه، ولا يَثْبُت واحد منهما إلّا بالسَّمع، وله سبحانه وتعالى أن يُعذّب الطائعَ ويُنعِّم العاصيَ، ولكنَّه أخبر أنَّه لا يفعل ذلك وخبره صِدقٌ لا خُلْف فيه، وهذا الحديث يُقوِّي مقالتهم ويَرُدّ على المعتَزِلة، حيثُ أثبتوا بعقولهم أعواضَ الأعمال، ولهم في ذلك خَبْط کثیر وتفصيل طويل. ١٤٣ باب ١٨ / ح ٦٤٦٣ كتاب الرقاق قوله: ((قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟» وَقَعَ في رواية بشر بن سعيد عن أبي هريرة عند مسلم (٧١/٢٨١٦): فقال رجل، ولم أقِفْ على تعيين القائل. قال الكِرْمانيُّ: إذا كان كلّ الناس لا يَدخُلونَ الجنَّةَ إلّا برحمة الله، فوجه تخصیص رسول الله ﴿ بالذِّكرِ أَنَّه إذا كان مقطوعاً له بأنَّه يَدخُل الجنَّة ثمَّ لا يَدخُلها إلّا برحمة الله، فغيرُه يكون في ذلك بطريق الأولى. قلت: وسَبَقَ إلى تقرير هذا المعنى الرَّافعيُّ في ((أماليه)) فقال: لمَّا كان أجرُ النبيّ ◌َّه في الطاعة أعظَمَ، وعَمَلُه في العبادة أَقْوَمَ، قيل له: ولا أنتَ؟ أي: لا يُنَجّيك عملك مع عِظَم قَدْره، فقال: ((لا، إلّا برحمة الله)). وقد وَرَدَ جواب هذا السُّؤال بعينِه من لفظ النبيّ ◌َِّ عند مسلم (٢٨١٧) من حديث جابر بلفظ: ((لا يُدخِل أحداً منكم عملُه الجنَّة ولا يُجيره من النار ولا أنا، إلّا برحمةٍ من الله تعالى)). قوله: ((إلّا أن يَتَغَمَّدنيَ الله)) في رواية سُهَيل: ((إلّا أن يَتَدارَكني)). قوله: ((برحمةٍ)) في رواية أبي عُبيد: ((بفضلٍ ورحمة))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ من طريقه: ((بفضلٍ رحمته))، وفي رواية الأعمَش: ((برحمةٍ وفضل))، وفي رواية بشر بن سعيد: ((منه برحمةٍ))، وفي رواية ابن عَوْن: ((بمَغْفِرةٍ ورحمة)) وقال ابن عَوْن بَيَدِه هكذا، وأشارَ على رأسه؛ وكأنَّه أراد تفسير معنى ((يَتَغَمَّدني)). قال أبو عُبيد: المراد بالتَّغَمُّد: السَّتر، وما أظنّه إلّا مأخوذاً من غِمْد السّيف، لأنَّك إذا أغمَدتَ السَّيف، فقد ألبستَه الغِمدَ وسَتَرته به. قال الرَّافعيّ: في الحديث: أنَّ العامل لا ينبغي أن يَتَّكِل على عمله في طلب النَّجاة ونَيْلِ الدَّرَجات، لأنَّ إِنَّمَا عَمِلَ بتوفيق الله، وإِنَّمَا تَرَكَ المعصية بعِصْمة الله، فكلُّ ذلك بفضله ورحمته. قوله: ((سَدِّدوا)) في رواية بشر بن سعيد عن أبي هريرة عند مسلم (٧١/٢٨١٦): «ولكن سَدِّدوا)) ومعناه: اقصِدوا السَّداد، أي: الصَّواب، ومعنى هذا الاستدراك أنَّه قد يُفهَم من ١٤٤ فتح الباري بشرح البخاري النَّفي المذكور نفيُ فائدة العمل، فكأنَّه قيل: بل له فائدة، وهو أنَّ العمل علامةٌ على وجود الرَّحمة التي تُدخِل العاملَ الجنَّة، فاعمَلوا واقصِدوا بعَمَلِكم الصَّواب، أي: اتِّاعَ السُّنّة من الإخلاص وغيره ليُقْبَل عملكم، فيُنزِل عليكم الرَّحمة. قوله: ((وقارِبوا)) أي: لا تُفرِطوا فتُجهِدوا أنفُسَكم في العبادة، لئلّا يُفضي بكم ذلك إلى المَلَال فتَتركوا العمل فتُفرِّطوا، وقد أخرج البزَّار(١) من طريق محمّد بن سُوقة عن ابن المنكَدِر عن جابر ولكن صَوَّبَ إرسالَه، وله شاهد في ((الزّهد)) (١٣٣٤) لابنِ المبارَك من حديث عبد الله بن عَمْرو موقوف: إنَّ هذا الدِّين مَتين فأوغِلوا فيه برفقٍ، ولا تُبغّضوا إلى أنفسكم عبادةَ الله فإنَّ المنبَتّ لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهراً أبقَى (٢)، والمنبَتّ بنونٍ ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُثّاة ثقيلة، أي: الذي عَطِبَ مركوبُه من شِدّة السَّير، مأخوذ من البَتّ: وهو القَطْع، أي: صار مُنقَطِعاً لم يَصِل إلى مقصوده وفَقَدَ مركوبَه الذي كان يُوصِله لو رَفَقَ به، وقوله: ((أوغِلوا)) بكسر المعجَمة من الوُغول: وهو الدُّخول في الشَّيء. قوله: ((واغدُوا ورُوحُوا وشيئاً من الدُّبْجة)) في رواية الطَّالسيّ (٢٤٤١) عن ابن أبي ذِئْب: ٢٩٨/١١ ((وخُطاً من الدُّلجة))(٣)، والمراد بالغُدوِّ: السَّير/ من أوَّل النَّهار، وبالرَّواح: السَّير من أوَّل النِّصف الثّاني من النَّهار، والدُّلْجة بضمِّ المهمَلة وسكون اللّام ويجوز فتحها وبعد اللّام جيمٌ: سَيْرِ اللَّيل، يقال: سارَ دُلجةً من اللَّيل، أي: ساعة، فلذلك قال: ((شيئاً من الدُّلجة)) لعُسِرِ سير جميع اللَيل، فكأنَّ فيه إشارة إلى صيام جميع النَّهار وقيام بعض اللَّيل، وإلى أعَمَّ من ذلك من سائر أوجُه العبادة. وفيه إشارة إلى الحثّ على الرِّفق في العبادة وهو الموافق للتَّرجمة، وعَبَّرَ بما يدلّ على السَّير (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٧٤). (٢) وله شاهد من حديث أنس مرفوعاً عند أحمد في ((المسند)) (١٣٠٥٢)، وانظر كلامنا عليه وتتمة شواهده هناك. (٣) في المطبوع من ((مسند الطيالسي)) بلفظ: ((وحظٍّ من الدلجة))، لكن أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٨/٣ من طريق الطيالسي باللفظ الذي ذكره الحافظ. ١٤٥ كتاب الرقاق لأنَّ العابد كالسائرِ إلى مَحَلّ إقامته وهو الجنَّة. و((شيئاً)) منصوب بفعلٍ محذوف، أي: افعَلوا. وقد تقدَّم (٣٩) بأبسطَ من هذا في كتاب الإيمان في ((باب الدِّین يُسر)). قوله: ((والقَصْدَ القَصْدَ» بالنَّصبِ على الإغراء، أي: الزَموا الطَّريق الوسط المعتَدِل، ومنه قوله في حديث جابر بن سَمُرة عند مسلم (٨٦٦): كانت خُطبَته قَصْداً؛ أي: لا طويلةً ولا قصيرةً، واللَّفظ الثّاني للتَّأكید. ووقفتُ على سبب لهذا الحديث: فأخرج ابن ماجه (٤٢٤١) من حديث جابر قال: مرَّ رسول الله وَّه برجلِ يُصَلّي على صخرة، فأتى ناحيةً فمَكَثَ ثمَّ انصَرَفَ، فوَجَدَه على حاله فقامَ فَجَمَعَ يَدَيه، ثمَّ قال: ((أيّها الناس، عليكم القصدَ، عليكم القصدَ))(١). الحديث الرابع: ٦٤٦٤- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهَِّ قال: ((سَدِّدوا وقارِبوا، واعلَمُوا أن لن يُدخِلَ أحدكم عملُه الجنّةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها، وإنْ قَلَّ)). [طرفه في: ٦٤٦٧] قوله: (حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله)) هو الأُویسيّ، وسلیمانُ: هو ابن بلالٍ. قوله: ((عن موسى بن عُقْبةَ)) قال الإسماعيليّ بعد أن أخرجه من طريق محمَّد بن الحَسَن(٢) المخزوميّ عن سليمان بن بلال عن عبد العزيز بن المطَّلِب عن موسى بن عُقْبَةَ: لم أرَ في كتاب البخاريّ عبد العزيز بن المطّلِب بین سلیمان وموسى. قلت: وهو المحفوظ، والذي زاده غيرُ مُعتمَد، لأنَّه مُتَّفَق على ضعفه، وهو المعروف - (١) في إسناده عيسى بن جارية، قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): فيه لينٌ. (٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: الحسين، مصغّراً، والمثبت على الصواب من (أ)، ومحمد بن الحسن المخزومي هذا: هو ابن زَبَالة. ١٤٦ باب ١٨ / ح ٦٤٦٥ فتح الباري بشرح البخاري بابنِ زَبَالة - بفتح الزّاي وتخفيف الموحَّدة - المدنيّ، وهذا من الأمثلة لما تَعقَّبتُه على ابن الصَّلاح في جَزمِه بأنَّ الزّيادات التي تقع في ((المستخرجات)) يُحِكَم بصِحَّتِها لأنَّها خارجةٌ تَخَرَجَ الصَّحيح، ووجه التَّعقُّب أنَّ الذينَ استَخرَجوا لم يُصرِّحوا بالتِزام ذلك، سَلَّمْنا أَّهم التَزَموا ذلك لكن لم يَفُوا به، وهذا من أمثلة ذلك، فإنَّ ابن زَبالة ليس من شرط ((الصَّحیح)). قوله: ((عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن)) سيأتي ما يَتَعلَّق باتِّصاله بعد حديثَين، وقد تقدَّم شرحُ المتن في الذي قبله. قوله: ((وأنَّ أحبّ الأعْمال ... )) إلى آخره، خَرَجَ هذا جواب سؤال سيأتي بيانه في الذي بعده. الحديث الخامس: ٦٤٦٥ - حذَّثني محمَّدُ بنُ عَرْعَرة، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالت: سُئلَ النبيُّ ◌َّةِ: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: ((أدْوَمُها وإنْ قَلَّ))، وقال: ((اكْلَفُوا منَ الأعمال ما تُطِيقونَ)). قوله: ((عن سَعْد بن إبراهيم)) أي: ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف، وأبو سَلَمة شيخه: هو عَمُّه. قوله: ((عن عائشة)) وَقَعَ عند النَّسائيِّ (١٦٥٤) من طريق أبي إسحاق - وهو السَّبيعيّ - عن أبي سَلَمة عن أمّ سَلَمة، فذكر معنى حديث عائشة، ورواية سعد بن إبراهيم أقوى لكَونِ أبي سَلَمة بَلَدَّه وقريبه، بخِلَاف أبي إسحاق في الأمرَين، ويحتمل أن يكون عند أبي سَلَمة عن أمَّي المؤمنينَ لاختلاف السِّياقَين، فإنَّ لفظه عن أمّ سَلَمة بعد زيادة في أوَّله: وكان أحبُّ الأعمال إليه الذي يدوم عليه العبدُ وإن كان يسيراً(١)، وقد تقدَّم(١) من طريق (١) لفظه عند النسائي من طريق أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة: وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، أما اللفظ الذي ساقه الحافظ فهو من هذا الطريق عند أحمد (٢٦٦٠٥)، وابن ماجه (١٢٢٥). ١٤٧ كتاب الرقاق القاسم بن محمَّد عن عائشة نحو سياق أبي سَلَمة عن عائشة. قوله: ((سُئلَ رسول الله وََّ: أَيُّ الأعمال أحبّ إلى الله؟)) لم أقِفْ على تعيين السائل عن ذلك، لكن .... (٢). قوله: ((قال: أدْوَمها وإن قَلَّ)) فيه سؤال: وهو أنَّ المسؤول عنه أحبّ الأعمال، وظاهره السُّؤال عن ذات العمل، والجوابُ وَرَدَ بأدوَمَ، وهو صفة العمل(٣)، فلم يَتَطابَقا، ويُمكِن أن يقال: إنَّ هذا السُّؤال وَقَعَ بعد قوله في الحديث الماضي في الصلاة (٥٢٧) وفي الحجّ(٤) وفي برّ الوالدَينِ (٥٩٧٠) حيثُ أجابَ بالصلاة ثمَّ بالبِرّ ... إلى آخره، ثمَّ خَتَمَ ذلك بأنَّ المداومة على عمل من أعمال البِرّ، ولو كان مفضولاً، أحبُّ إلى الله من عمل يكون أعظمَ أجراً، لكن ليس فيه مُدَاوَمة. قوله: ((وقال)) أي: النبيّ وََّ، هو موصول بالسَّنَّدِ المذكور. قوله: ((اكْلَفوا)) بفتح اللّام وبضمِّها أيضاً، قال ابن التِّين: هو / في اللُّغة بالفتح ورُوِّيناه ٢٩٩/١١ بالضَّمّ، والمراد به: الإبلاغ بالشَّيءٍ إلى غايته، يقال: كَلِفِتُ بالشَّيء: إذا أُولِعتَ به، ونَقَلَ بعض الشُّاح أنَّه رُوِيَ بفتح الهمزة وكسر اللّام من الرُّباعيّ، ورُدَّ بأنَّه لم يُسمَع: أُكِلِفَ بالشّيء، قال المحِبّ الطََّرِيُّ: الكَلَف بالشَّيء: التَّولُّع به، فاستُغيرَ للعَمَلِ للالتزام والملابَسة، وألِفُه ألِفُ وَصْل، والحكمة في ذلك أنَّ المديم للعَمَلِ يُلازِم الخدمة، فيُكثِر التردُّد إلى باب الطاعة كلَّ وقت ليُجازَى بالبِرِّ لكَثْرة تَرَدُّده، فليس هو كمَن لازَمَ الخِدمة مثلاً ثُمَّ انقَطَعَ. وأيضاً فالعامل إذا تَرَكَ العملَ صار كالمعرِضِ بعد الوَصْلِ، فَتَعرَّض للذَّمِّ والجفاء، ومن (١) كذا قال الحافظ، وهو ذهول، فطريق القاسم هذه إنما أخرجها مسلم (٧٨٣) (٢١٨) لا البخاري. (٢) هنا بياض في أصول ((الفتح)). (٣) من قوله: ((والجواب)) إلى هنا سقط من (س). (٤) بل في الجهاد (٢٧٨٢). ١٤٨ باب ١٨ / ح ٦٤٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ وَرَدَ الوعيد في حقٌّ مَن حَفِظَ القرآن ثمَّ نَسِيَهَ(١)، والمراد بالعملِ هنا: الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات. قوله: ((ما تُطِيقونَ)) أي: قَدرَ طاقَتكم. والحاصل أنَّه أمَرَ بالجِدِّ في العبادة والإبلاغ بها إلى حَدّ النّهاية، لكن بقَيدِ ما لا تقعُ معه المشَقّة المُفضِية إلى السَّآمة والمَلَال. الحديث السادس: ٦٤٦٦ - حذَّثني عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: سألتُ أمَّ المؤمنينَ عائشةَ قلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، كيفَ كان عملُ النبيِّ ◌َلَ؟ هل كان يَخُصُّ شيئاً منَ الأيامِ، قالت: لا، كان عملُهُ دِيمةً، وأيُّكم يستطيعُ ما كان النبيُّ وَِّ يستطيعُ؟ قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وعَلْقمة: هو ابن قيس وهو خالُ إبراهيم، والسَّنَد كلّه إلى عائشة كوفيّونَ. قوله: «هل كان يَخُصّ شيئاً من الأيام؟)) أي: بعبادةٍ مخصوصة لا يفعل مِثلَها في غيره ((قالت: لا))، وقد استُشكِلَ ذلك بما ثَبَتَ عنها أنَّ أكثر صيامه كان في شعبان كما تقدَّم تقريره في كتاب الصيام (١٩٦٩)، وبأنَّه كان يصوم أيامَ البيض كما ثَبَتَ في ((السُّنَن)) وتقدَّم بيانه أيضاً (١٩٨١). وأُجيبَ بأنَّ مُرادَها تخصيصُ عبادة مُعيَّنة في وقت خاصّ، وإكثاره الصيام في شَعْبان إنَّما كان لأنَّه كان يَعتَريه الوَعْك كثيراً، وكان يُكثِرِ السَّفَر في الغزو فيُفْطِر بعضَ الأيام التي كان يريد أن يصومها، فيَتَّفِق أن لا يتمكَّن من قضاء ذلك إلّا في شعبان، فيصير صيامُه في (١) أخرج أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، من حديث أنس رفعه: ((عُرضت عليَّ أجور أمتي حتى القَذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعُرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أو آية، أُوتِيَها رجل ثم نسيها))، وإسناده ضعيف. وأخرج أبوداود (١٤٧٤) من حديث سعد بن عبادة يرفعه: «ما من امرىء يقرأ القرآن ثم ينساه إلّا لقي الله عزَّ وجلّ يوم القيامة أجذم))، وإسناده ضعيف أيضاً. وانظر ما سلف عند البخاري برقم (٥٠٣١- ٥٠٣٣). ١٤٩ باب ١٨ / ح ٦٤٦٧ كتاب الرقاق شعبان بحَسَبِ الصّورة أكثرَ من صيامه في غيره. وأمَّا أيام البيض، فلم يكن يُواظِب على صيامها في أيام بعَينِها، بل كان رُبَّما صامَ من أوَّل الشَّهر ورُبَّما صامَ من وَسَطه ورُبَّما صامَ من آخره، ولهذا قال أنس: ما كنتَ تشاء أن تراه صائماً من النَّهار إلّا رأيته، ولا قائماً من اللَّيل إلّا رأيته (١). وقد تقدَّم هذا كلّه بأبسطَ من هذا في كتاب الصيام أيضاً. قوله: ((كان عمله ديمةً)) بكسر الدَّال المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة، أي: دائماً، والدِّيمة في الأصل: المطر المستَمِّ مع سكونٍ بلا رعدٍ ولا برق، ثمَّ استُعمِلَ في غيره، وأصلها الواو فانقَلَبَت بالكسرة قبلها ياء. قوله: ((وأيكم يستطيع ... ؟)) إلى آخره، أي: في العبادة كَمّيَّةً كانت أو كيفيَّةً من خُشوع وخُضوع وإخبات وإخلاص، والله أعلم. الحديث السابع: ٦٤٦٧ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ الزِّبْرِقانِ، حَدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ نَّه قال: ((سَدِّدوا وقاربوا وأبشِروا، فإنَّه لا يُدخِلُ أحداً الجنَّةَ عملُه)) قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَنيَ اللهُ بمغْفِرةٍ ورحمةٍ». قال: أظنُّه عن أبي النَّضْرِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ. وقال عَفّانُ: حدَّثْنا وُهَيبٌ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، قال: سمعتُ أبا سَلَمةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّ: ((سَدِّدوا وأبشِروا)). وقال مجاهدٌ: ﴿سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]: سَدَاداً: صِدْقاً. قوله: ((محمَّد بن الزِّبْرِقان)) بكسر الزّاي والرَّاءِ بينهما باءٌ موحّدة وبالقاف: هو أبو هَمَّام الأهوازيّ، وثَّقه عليُّ بن المَدِينِيّ والدارَقُطْنيّ وغيرهما، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: صَدُوق، وذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)) وقال: رُبَّما أخطأ، وما له في البخاريّ سوى هذا (١) سلف برقم (١٩٧٢). ١٥٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الواحد، وقد تُوبِعَ فيه. قوله: ((قال: أظُنّه عن أبي النَّضْر)) هو سالم بن أبي أُميَّة المدنيّ التَّيْمِيّ، وفاعل («أظنّه)) هو عليّ بن المَدِينيّ شيخ البخاريّ فيه، وكأنَّه جَوَّزَ أن يكون موسى بن عُقْبةَ لم يسمع هذا الحديث من أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن، وأنَّ بينهما فيه واسطة وهو أبو النَّضر، لكن قد ظَهَرَ من وجه آخر أن لا واسطةَ، لتصريح وُهَيب - وهو ابن خالد - عن موسى بن عُقْبةَ بقوله: سمعتُ أبا سَلَمة، وهذا هو النُّكتة في إيراد الرّواية المعلَّقة بعدها عن عَفّانَ عن وُهَيب. وطريق عَفّانَ هذه وَصَلَها أحمد في «مُسنَدَه)) (٢٤٩٤١) قال: حدَّثنا عَفّانُ بسنِدِه، وأخرجها البيهقيُّ في ((البعث))(١) من طريق إبراهيم الخَرْبيّ عن عَفّانَ، وأخرج مسلم (٢٨١٨) الحديث المذكور من طريق بَهز بن أسَد عن وُهَيب. قوله: ((سَدِّدوا وأبشِروا)) هكذا اقتَصَرَ على طَرَف المتن، لأنَّ غَرَضه منه بيان اتِّصال السَّنَد فاكتَفَى، وقد ساقَه أحمدُ بتمامه عن عَفّانَ مِثل رواية أبي همَّام سواء، لكن قَدَّمَ وأَخَّرَ ٣٠٠/١١ في بعض ألفاظه، وكذا لمسلم في رواية بَهْز وزاد في آخره: / ((واعلموا أنَّ أحبَّ العمل إلى الله أدوَمُه وإن قَلَّ)». ومضى لنحوِ هذا الحديث في كتاب اللِّباس (٥٨٦١) سببٌ، وهو من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ عن أبي سَلَمة عن عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َّكان يَحَتَجِرِ حَصيراً باللَّيْلِ فَيُصَلّ عليه ويَسُطه في النَّهار فيَجلِس عليه، فجَعَلَ الناس يُصَلّونَ بصلاته حتَّى كَثُرُوا، فَأقبَلَ عليهم فقال: ((يا أيّها الناس، عليكم من الأعمال بما تُطيقونَ)»، ووقفتُ له على سبب آخر، وهو عند ابن حِبّان (١١٣ و٣٥٨) من حديث أبي هريرة قال: مرَّ رسول الله وَ لّ على رَهْط من أصحابه وهم يَضحَكونَ، فقال: ((لو تَعلَمونَ ما أعلمُ لَضَحِكُم قليلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً» فأتاه جِبْرِيل فقال: إنَّ رَبّك يقول لك: لا تُقَنِّط عبادي، فَرَجَعَ إليهم فقال: ((سَدِّدوا وقارِبوا)). (١) تحرَّف في الأصلين و(س) ونسخة من ((تغليق التعليق)) للحافظ ١٧١/٥ إلى: الشعب، والتصويب من نسخة أخرى من ((التعليق))، والحديث في كتاب ((البعث والنشور)) للبيهقي برقم (٤٩). ١٥١ باب ١٨ / ح ٦٤٦٨ كتاب الرقاق قال ابن حَزْم في كلامه على مواضع من البخاريّ: معنى الأمر بالسَّدادِ والمقارَبة: أنَّه وَه أشارَ بذلك إلى أنَّه بُعِثَ مُيسِّراً مُسَهِّلاً، فأمَرَ أمَّته بأن يَقْتَصِدوا في الأُمور لأنَّ ذلك يقتضي الاستدامةَ عادة. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿سَدِيدًا﴾: سَدَاداً: صِدْقاً)) كذا ثَبَتَ للأكثر، والذي ثَبَتَ عن مجاهد عند الفِرْيابيّ والطَّبَريّ (٥٢/٢٢) وغيرهما من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال: سَدَاداً، والسَّداد بفتح أوَّله: العَدْل المعتَدِل الكافي، وبالكسر: ما يَسُدّ الخَلَل. والذي وَقَعَ في الرِّواية بالفتح. وزَعَمَ مُغَلْطاي وتَبِعَه شيخنا ابن الملقِّن: أنَّ الطَّبَرِيَّ وَصَلَ تفسير مجاهد عن موسى بن هارون بن عَمْرو بن طلحة عن أسباط عن السُّدِّيّ عن ابن أبي نَجَيح عن مجاهد، وهذا وهمٌّ فاحش، فما للسُّدِّيِّ عن ابن أبي نَجِيح رواية، ولا أخرجه الطََّرِيُّ من هذا الوجه، وإنَّما أخرج من وجه آخر عن السُّدِّيّ عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال: القول السَّديد أن يقول لمن حَضَرَه الموتُ: قَدِّم لنفسِك واترُك لولدِك، وأخرج أثرَ مجاهد من رواية وَرْقاء عن ابن أبي نَجيح، وأخرج أيضاً من طريق يزيد بن زُرَيع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة قال في قوله تعالى: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال: عَدلاً، يعني في مَنطِقِه وفي عمله، قال: والسَّدَاد: الصِّدق. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن قَتَادة، ومن طريق مُبارَك بن فَضَالة عن الحسن البصريّ في قوله: ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال: صِدقاً. وأخرج الطَّرُّ من طريق الكَلْبِّ مِثله. والذي أظنّ أنَّه سَقَطَ من الأصل لفظةٌ والتَّقدير: قال مجاهد: سَدَاداً، وقال غيره: صِدقاً. أو الساقط منه لفظة ((أي)) كأنَّ المصنّف أراد تفسير ما فَسَّرَ به مجاهدُ السَّديدَ. الحديث الثامن: ٦٤٦٨ - حذَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيح، قال: حدَّثني أَبي، عن هلال بنِ ١٥٢ فتح الباري بشرح البخاري عليٍّ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ عُ، قال: سمعتُه يقول: إنَّ رسولَ الله ◌َّهِ صَلَّى لنا يوماً الصلاةَ، ثمَّ رَقِيَ الِنْبِرَ فأشارَ بَيَدِهِ قِبَلَ قِبْلةِ المسجدِ، فقال: «قد أُرِيتُ الآنَ - منذُ صَلَّيتُ لكمُ الصلاةَ - الجنَّةَ والنارَ، مُثَّلْتَينِ في قُبُلِ هذا الجِدار، فلم أرَ كاليومٍ في الخيرِ والشّرِّ، فلم أرَ كاليومٍ في الخيرِ والشرّ)). قوله: ((فُلَيِح)) هو ابن سليمان، والإسناد كلّه مَدَنّونَ. قوله: ((صَلَّى لنا يوماً الصلاةَ)) وَقَعَ في رواية الزُّهْريِّ عن أنس: أنَّها الظُّهر. قوله: ((ثُمَّ رَقِيَ)) بفتح أوَّله وكسر القاف من الارتقاء، أي: صَعِدَ، وزناً ومعنّى. قوله: ((من قِبَلٍ))(١) أي: من جِهَة، وزناً ومعنّى. قوله: ((أُرِيتُ)) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، وفي بعضها: ((رأيت)) بفتحَتَين. قوله: (مُمثَّلْتَينِ)) أي: مُصوَّرتَينٍ، وزناً ومعنَى، يقال: مَثَّلَه: إذا صَوَّرَه كأنَّه يَنظُر إليه. قوله: ((في قُبُل)) بضمِّ القاف والموخَّدة، والمراد بالجِدار جِدارُ المسجد. قوله: ((فلم أرَ كاليومٍ في الخير والشّ)) وَقَعَ هنا مُكرَّراً تأكيداً، وقد تقدَّم شرح هذا اللَّفظ في ((باب وقت الظّهر)) من أبواب المواقيت (٥٤٠)، ويأتي شرح الحديث مُستَوفَّى في كتاب الاعتصام (٧٢٩٤) إن شاء الله تعالى. وفي الحديث إشارةٌ إلى الحثّ على مُداوَمة العمل، لأنَّ مَن مَثَّلَ الجنَّةَ والنارَ بين عينَيَه، كان ذلك باعِثاً له على المواظَبة على الطاعة والانكِفاف عن المعصية، وبهذا التَّقريب تظهر مُناسَبة الحديث للتَّرجمة. ١٩ - باب الرّجاء مع الخوف وقال سفيانُ: ما في القرآنِ آيَةٌ أشَدُّ عليَّ مِن: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَى شَىْءٍ حَقَّ تُقِيمُواْ (١) هكذا وقع للحافظ هنا: ((مِن قِبَل)) بزيادة (من))، وليست في شيء من روايات ((الصحيح)) كما في النسخة اليونينية، وعدم ذِكْرِها أَوجَهُ. ١٥٣ كتاب الرقاق التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. ٦٤٦٩ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عَمْرو بنِ أبي عمرو، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يومَ خَلَقَها مئةَ رحمةٍ، فأمسَكَ عندَه تسعاً وتسعينَ رحمةً، وأرسَلَ في خلقِه كلِّهم رحمةً واحدةً، فلو يَعلَمُ الكافرُ بكلِّ الذي عندَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ لم يَيأَسْ مِنَ الجنَّةِ، ولو يَعلَمُ المؤمنُ بكلِّ الذي عندَ الله منَ العذابِ لم يَأْمَنْ منَ النارِ)). قوله: ((باب الرَّجاء مع الخوف)) أي: استحباب ذلك، فلا يَقطَع النَّظَرُ في الرَّجاء عن ٣٠١/١١ الخوف، ولا في الخوف عن الرَّجاء، لئلّا يُفضِيَ في الأوَّل إلى المكر وفي الثّاني إلى القُنوط، وكلَّ منهما مذموم، والمقصود من الرَّجاء أنَّ مَن وَقَعَ منه تقصير فليُحسِن ظنَّه بالله ويرجو أن يَمحُوَ عنه ذنبَه، وكذا مَن وَقَعَ منه طاعة يرجو قَبُولها، وأمَّا مَن انهَمَكَ على المعصية راجياً عدم المؤاخَذة بغير نَدَمِ ولا إقلاعٍ، فهذا في غُرور. وما أحسنَ قولَ أبي عثمان الخِيريِّ(١): من علامة السَّعادة أن تطيع وتخاف أن لا تُقبَلَ، ومن علامة الشَّقاء أن تعصي وتَرجو أن تَنْجُو. وقد أخرج ابن ماجَهْ (٤١٩٨) من طريق عبد الرَّحمن بن سعيد بن وَهْب عن أبيه (٢) عن عائشة: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أهو الذي يَسِرِق ويَزني؟ قال: ((لا، ولكنَّه الذي يصوم ويتصدّق وُصَلّي وتخاف أن لا يُقبَل منه)). وهذا كلّه مُتَّفَق على استحبابه في حالة الصِّحّة، وقيل: الأَوْلى أن يكون الخوف في الصِّحّة أكثرَ وفي المرض عكسه، وأمَّا عند الإشراف على الموت فاستَحَبَّ قومٌ الاقتصار على (١) تصحَّف في (س) إلى: الجيزي، بالمعجمتين، والحِيري: نسبة إلى محلّة بنيسابور يقال لها: الحِيرة، ولأبي عثمان الحيري هذا ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ١٤ / ٦٢ - ٦٦. (٢) قوله: ((عن أبيه)) في هذا الإسناد زياد مقحَمة من الحافظ - وتابعه على ذلك العيني في ((عمدة القاري)) ٦٦/٢٣ - والحديث من رواية عبد الرحمن بن سعيد عن عائشة كما عند ابن ماجه والترمذي (٣١٧٥) وأحمد (٢٥٢٦٣) وغيرهم، وهذا سند منقطع، عبد الرحمن لم يدرك عائشة. ١٥٤ باب ١٩ / ح ٦٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري الرَّجاء لما يَتَضَمَّن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأنَّ المحذور من تَرْك الخوف قد تَعذَّرَ فيَتَعِيَّن حُسْنِ الظَّنّ بالله برجاءِ عَفْوه ومَغْفِرَته، ويُؤيِّده حديث: ((لا يموتَنَّ أحدُكم إلّا وهو يُحسِن الظَّنَّ بالله))(١)، وسيأتي الكلام عليه في كتاب التَّوحيد (٧٤٠٥). وقال آخرونَ: لا يُهمِل جانبَ الخوف أصلاً بحيثُ يَجِزِم بأنَّه آمِنٌ، ويُؤَيِّده ما أخرج الثِّ مِذيُّ (٩٨٣) عن أنس: أنَّ النبيَّ نَّهَدَخَلَ على شابّ وهو في الموت فقال له: «كيف تَجِدُك؟» فقال: أرجو اللهَ وأخافُ ذُنوبي، فقال رسول الله وَّ: ((لا يجتمعانِ في قلب عبدٍ في هذا الموطِن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمَنَه ممّا يَخاف))، ولعلَّ البخاريَّ أشارَ إليه في التَّرجمة، ولمَّا لم يوافق شرطَه أورَدَ ما يُؤخَذ منه، وإن لم يكن مُساوياً له في التَّصريح بالمقصود. قوله: ((وقال سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ ((ما في القرآن آيةٌ أشدّ عليَّ من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ﴾)) وقد تقدَّم الكلامُ على هذا الأثر وبيانه والبحث فيه في تفسير المائدة(٢)، ومُناسَبته للتَرجمة من جهة أنَّ الآية تَدُلّ على أنَّ مَن لم يعمل بما تَضَمَّنَه الكتابُ الذي أُنزِلَ عليه، لم تَحصُل له النَّجاة، لكن يحتمل أن يكون ذلك من الإصْر الذي كان كُتِبَ على مَن قبلَ هذه الأُمّة، فيَحصُل الرَّجاء بهذه الطَّريق مع الخوف. قوله: ((حدَّثْنَا قُتَيبة)) هو ابن سعيد، وثَبَتَ كذلك لغير أبي ذرِّ، وعَمْرو: هو ابن أبي عَمْرو مولى المطَّلِب، وهو تابعيُّ صغير، وشيخه تابعيّ وَسَط، وهما مَدَنیّان. قوله: ((إنَّ الله ◌َخَلَقَ الرَّحْمة يومٍ خَلَقَها مئة رحمة)» قال ابن الجَوْزيّ: رحمةٌ الله صِفَة من صفات ذاته، وليس هي بمعنى الرِّقّة التي في صفات الآدميّينَ، بل ضَرَبَ ذلك مثلاً لما يُعقَل من ذِكْر الأجزاء ورحمة المخلوقينَ، والمراد أنَّه أرحَمُ الَّاحمينَ. قلت: المراد بالرَّحمة هنا: ما يقع من صفات الفعل كما سأُقرِّرُه فلا حاجة للتّويل، وقد تقدَّم (١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧) من حديث جابر. (٢) بين يدي الحديث رقم (٤٦٠٦). ١٥٥ باب ١٩ / ح ٦٤٦٩ كتاب الرقاق في أوائل الأدب (٦٠٠٠) جواب آخر مع مباحث حَسَنة، وهو في ((باب جَعَلَ الله الرَّحمة مئةً جُزء». قوله: ((وأرسَلَ في خلقه كلّهم)) كذا لهم وكذا للإسماعيليِّ عن الحسن بن سفيان، ولأبي ٣٠٢/١١ نُعَيم من طريق السَّاج، كلاهما عن قُتَيبة، وذكر الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض الرّوايات: ((في خلقہ کلّه)). قوله: ((فلو يَعلَم الكافر)» كذا ثَبَتَ في هذه الطَّريق بالفاءِ إشارة إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلَها، ومن ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْر الكافر لأنَّ كَثْرتَها وسَعَتَها تقتضي أن يَطمَع فيها كلَّ أحد، ثمَّ ذكر المؤمنَ استطراداً. وروى هذا الحديثَ العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فقطَّعَه حدیثینِ أخرجهما مسلم من طريقه، فذكر حديث الرَّحمة (٢٧٥٢/ ١٧) بلفظ: (خَلَقَ الله مئة رحمة، فَوَضَعَ واحدة بين خلقه وخَبَأَ عنده مئة إلّا واحدة))، وذكر الحديث الآخر (٢٧٥٥) بلفظ: ((لو يعلم المؤمن ... )) إلى آخره. والحكمة في التَّعبير بالمضارعِ دونَ الماضي الإشارةُ إلى أنَّه لم يقع له عِلمُ ذلك ولا يقع، لأنَّه إذا امتَنَعَ في المستَقبَل، كان مُمْتَنِعاً فيما مَضَى. قوله: ((بكلِّ الذي)) استُشكلَ هذا التَّركيب لكَونِ ((كلّ)) إذا أُضيفَت إلى الموصول كانت إذ ذاكَ لعُمومِ الأجزاء، لا لعُمومِ الأفراد، والغرض من سياق الحديث تعميمُ الأفراد، وأُجيبَ بأنَّه وَقَعَ في بعض طرقه (١): أنَّ الرَّحمة قُسِّمَت مئة جُزء، فالتَّعميم حينئذٍ لعُمومٍ الأجزاء في الأصل، أو نُزّلتِ الأجزاء مَنزِلة الأفراد مُبالَغة. قوله: ((لم يَيأَس من الجنَّة)) قيل: المراد أنَّ الكافر لو عَلِمَ سَعَة الرَّحمة، لَغَطَّى على ما يَعلَمه من عظيم العذاب، فَيَحصُل له الرَّجاء، أو المراد أنَّ مُتعلِّق عِلمه بسَعَة الَّحمة مع عَدَم التِفاته إلى مُقابِلها، يُطمِعه في الَّحمة. (١) سلفت برقم (٦٠٠٠). ١٥٦ باب ١٩ / ح ٦٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري ومُطابقة الحديث للتَّرجمة: أَنَّه اشتَمَلَ على الوعد والوعيد المقتَضِيَينِ للرَّجاءِ والخوف، فمَن عَلِمَ أنَّ من صفات الله تعالى الرَّحمة لمن أراد أن يرحمه، والانتقام ثمَّن أراد أن يَنْتَقِم منه، لا يَأْمَنُ انتقامَه مَن يرجو رحمتَه ولا يَيَأْسُ من رحمته مَن يَخاف انتقامَه، وذلك باعتٌ على مجانَبَة السَّيِّئَة ولو كانت صغيرة، ومُلازَمة الطاعة ولو كانت قليلة. قيل: في الجملة الأولى نوع إشكال، فإنَّ الجنَّة لم تُحُلَق للكافِرِ ولا طَمَعَ له فيها، فغیرُ مُستَبعَد أن يَطمَعَ في الجنَّة مَن لا يَعْتَقِد كُفرَ نفسه، فيُشكِل تَرَتُّبُ الجواب على ما قبلَه، وأُجِيبَ بأنَّ هذه الكلمة سِيقَت لترغيبِ المؤمن في سَعَة رحمة الله، التي لو عَلِمَها الكافر الذي كُتِبَ عليه أنَّه يُخْتَم عليه أنَّه لا حَظّ له في الرَّحمة، لَتَطاولَ إليها ولم ييأس منها، إمّا بإيمانه المشروط، وإمّا لقَطْع نظره عن الشَّرط مع تَيَقُّنه بأنَّه على الباطل واستمراره عليه عِناداً، وإذا كان ذلك حالَ الكافر فكيف لا يَطمَعُ فيها المؤمن الذي هداه الله للإيمان؟ وقد وَرَدَ: ((أنَّ إبليس يَتَطاول للشَّفاعة، لما يرى يومَ القيامة من سَعَة الرَّحمة)) أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٠٨٢ و٥٢٢٧) من حديث جابر ومن حديث حُذَيفة، وسندُ كلٌّ منهما ضعيفٌ. وقد تَكلَّمَ الكِرْمانيُّ هنا على ((لَوْ)) بما حاصلُه: أنَّها هنا لانتفاءِ الثّاني: وهو الرَّجاء، لانتفاءِ الأوَّل: وهو العِلم، فأشبَهَت: لو جئتَني أكرَمتُك، وليست لانتفاءِ الأوَّل لانتفاءِ الثّاني كما بَحَثَه ابنُ الحاجب في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَ إِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والعلم عند الله. قال: والمقصود من الحديث: أنَّ المكلّف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرَّجاء، حتَّى لا يكون مُفرِطاً في الرَّجاء بحيثُ يصير من المرجِئة القائلينَ: لا يَضُرّ مع الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيثُ لا يكون من الخوارج والمعتَزِلة القائلينَ بتخليدِ صاحب الكبيرة إذا ماتَ عن غير توبةٍ في النار، بل يكون وَسَطاً بينهما كما قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ. وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ومَن تَتَبَّعَ دين الإسلامَ وجَدَ قواعده أُصولاً وفُروعاً كلَّها في جانب الوَسَط، والله أعلم. ١٥٧ باب ٢٠ كتاب الرقاق ٢٠- باب الصّبر عن محارم الله ﴿إِنَّمَا يُوَلَى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال عمرُ: وَجَدْنا خيرَ عَیشِنا بالصَّبْر. قوله: ((باب الصَّبْر عن محارم الله) يَدخُل في هذا المواظَبةُ على فعل الواجبات وعلى الكَفِّ عن ٣٠٣/١١ المحرَّمات، وذلك يَنشَأ عن عِلْم العبد بقُبحِها، وأنَّ الله حَرَّمَها صِيانةً لعبده عن الرَّذائل، فيَحمِل ذلك العاقلَ على تَركِها ولو لم يَرِدْ على فعلها وعيد، ومنها الحياءُ منه والخوف منه أن يُوقِعَ وعيده فيَرُكها لسوءٍ عاقبتِها، وأنَّ العبد منه بمرأَى ومَسمَع فيَبعَثه ذلك على الكَفّ عَّا نُّهيَ عنه، ومنها مراعاة النِّعَم، فإنَّ المعصية غالباً تكون سبباً لزوال النِّعمة، ومنها محبّة الله، فإنَّ المحِبّ يُصَيِّر نفسه على مُراد مَن يُحِبّ. وأحسنُ ما وُصِفَ به الصَّبر: أنَّه حبسُ النَّفس عن المكروه، وعَقْل اللِّسان عن الشَّكوى، والمكابَدة في تَحمُّلُه وانتظار الفَرَج. وقد أثنَى الله على الصّابرينَ في عِدّة آيات، وتقدَّم في أوائل كتاب الإيمان حديث: ((الصَّبر نصفُ الإيمان)) مُعلَّقاً(١). قال الرّاغِب: الصَّبر: الإمساك في ضِيق، صَبَرَتَ الشَّيء: حَبَستَه، فالصَّبر حَبسُ النَّفْس على ما يقتضيه العقل أو الشَّرع. وتختلف معانيه بتَعلَّقاته: فإن كان عن مصيبة، سُمّيَ صَبراً فقط، وإن كان في لقاء عدوّ، سُمّيَ شجاعةً، وإن كان عن كلام، سُمّيَ كِتماناً، وإن كان عن تعاطي ما نُهي عنه، سُمّيَ عِفّة. قلت: وهو المقصودهنا. قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَخْرَهُمْ بِغَيْرِحِسَابٍ﴾ كذا للأكثر، ولأبي ذرِّ: «وقوله تعالى)) وفي نسخة: ((عزَّ وجلَّ)). ومُناسَبة هذه الآية للتَرجمة أنَّهَا صُدِّرَت بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ (١) هو قطعة من أثر موقوف علَّق البخاري في أول الإيمان شطرَه الآخر بين يدي الحديث رقم (٨) فقال: قال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، ووصله الحافظ ابن حجر في ((التغليق)) ٢١/٢ -٢٣ موقوفاً ومرفوعاً وقال: لا يثبت مرفوعاً. ١٥٨ باب ٢٠ / ح ٦٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ ومَن اتَّقَى رَبَّ كَفَّ عن المحرَّمات وفَعَلَ الواجبات، والمراد بقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: المبالَغة في التّكثير. قوله: ((وقال عمر: وَجَدْنا خيرَ عَيشِنا بالصَّبْر)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني بحذفِ الموحّدة وهو بالنَّصبِ على نَزْع الخافض، والأصل: في الصَّبر، والباء بمعنى: في. وقد وَصَلَه أحمد في كتاب ((الزُّهد))(١) بسندٍ صحيح عن مجاهد قال: قال عمر: وَجَدْنا خير عَيشنا الصَّبر. وأخرجه أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (١/ ٥٠) من طريق أحمد كذلك، وأخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب ((الزُّهد)) (٦٣٠) من وجه آخر عن مجاهد به، وأخرجه الحاكم(٣) من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيّب عن عمر. والصَّبر إن عُدّيَ بعَنْ كان في المعاصي، وإن عُدّيَ بعَلَى كان في الطاعات، وهو في الآية والحديث وفي أثر عمر شامل للأمرَين، والتَّرجمة لبعضٍ ما دَلَّ عليه الحديث. وذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري. ٦٤٧٠ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عطاءُ بنُ يزيدَ، أَنَّ أبا سعيد أخبره: أنَّ ناساً منَ الأنصار سألوا رسولَ الله وَّةَ، فلم يَسأله أحدٌ منهم إلا أعطاه، حتَّى نَفِدَ ما عندَه، فقال لهم حينَ نَفِدَ كلُّ شيءٍ أَنْفَقَ بَيَدَيه: ((ما يكونُ عندي من خيرٍ لا أدَّخِرُه عنكم، وإِنَّه مَن يَستَعِفَّ يُعِفَّ الله، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه الله، ومَن يَستَغْنِ يُغْنِهِ الله، ولن تُعْطَوْا عطاءً خيراً وأوْسَعَ منَ الصَّيْرِ)). قوله: ((أنَّ أُناساً من الأنصار)» لم أقِفْ على أسمائهم، وتقدَّم في الزكاة (١٤٦٩) من طريق مالك عن ابن شِهاب الإشارةُ إلى أنَّ منهم أبا سعيد. (١) ((الزهد)) ص ١١٧. (٢) في ((المستدرك)) كما ذكر الحافظ نفسه في ((تغليق التعليق)) ١٧٣/٥ لكن لم نقف عليه فيه، فلعلَّه وهمٍّ من الحافظ، أو أنه في بعض كتبه الأخرى والتي لم نقف عليها، والله تعالى أعلم. ١٥٩ باب ٢٠ / ح ٦٤٧٠ كتاب الرقاق ووَقَعَ عند أحمد (١٠٩٨٩) من طريق أبي بشر عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد: أنَّ رجلاً/ ٣٠٤/١١ كان ذا حاجة فقال له أهله: ائتِ النبيَّ ◌َّ فاسأله، فأتاه، فذكر نحوَ المتن المذكور هنا، ومن طريق عُمارة ابن غَزِيَّة عن عبد الرَّحمن بن أبي سعيد عن أبيه (١١٠٦٠) قال: سَرَّحَتني أمّي إلى رسول الله وَل﴿ أسأله، فأتيته فقال ... الحديث، فعُرِفَ المراد بقوله: ((أهله))، ومن طريق هلال بن حِصْن(١) (١١٤٠١) قال: نزلتُ على أبي سعيد فحدَّث: أنَّه أصبَحَ وقد عَصَبَ على بطنه حجراً من الجوع، فقالت له امرأته أو أمُّه: ائتِ النبيّ ◌َّ فاسأله، فقد أتاه فلان فسألَه فأعطاه ... الحديث. ووَقَعَ عند البزَّار (١٠٣٩) من حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف: أنَّه وَقَعَ له نحوُ ما وَقَعَ لأبي سعيد، وأنَّ ذلك حين افتُتِحَت قُرَيظة (٢). قوله: ((أنَّ ناساً)) في بعض النُّسَخِ: أنَّ أُناساً، والمعنى واحد. قوله: ((فلم يَسْأله أحدٌ منهم)) كذا للكُشْمِيهنيّ، ولغيره بحذفِ الضَّمير، وتقدَّم في الزكاة (١٤٦٩) بلفظ: سألوا فأعطاهم ثمَّ سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، وفي رواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ عند أحمد (١١٨٩٠): فجَعَلَ لا يسأله أحدٌ منهم إلّا أعطاه. قوله: ((حتَّى نَفِدَ)) بفتح النُّون وكسر الفاء، أي: فَرَغَ. قوله: ((فقال لهم حينَ نَفِدَ كلُّ شيءٍ أَنفَقَ بِيَدَيه)) يحتملُ أن تكونَ هذه الجملةُ حاليَّةً أو اعتراضيَّةً أو استئنافيَّة، والباء تتعلَّق بقوله: شيء، ويحتمل أن تتعلَّق بقوله: أنفَقَ. ووَقَعَ في رواية مَعمَر: فقال لهم حين أنفَقَ كلَّ شيء بيَدِه، وسَقَطَت هذه الزّيادة من رواية مالك. قوله: ((ما يكون عندي من خير)) أي: مال، و((ما)) موصولة مُتَضَمِّنة معنى الشَّرط، وفي رواية صَوَّبَها الدِّمياطِيُّ: ((ما يكن))، و((ما)) حينئذٍ شرطيَّة وليستِ الأولى خطأً. (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: حصين، مصغَّر. (٢) وإسناده ضعيف جداً. ١٦٠ باب ٢٠ / ح ٦٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا أدَّخِرُه عنكم)) بالإدغام وبغيره، وفي رواية مالك: ((فلم))، وعنه: «فلن أدَّخِرَه عنكم)) أي: أجعَله ذَخِيرةً لغيرِكم مُعرِضاً عنكم، ودالُهُ مُهمَلة، وقيل: مُعجَمة. قوله: ((وإِنَّه مَن يَستَعِفّ)) كذا للأكثر بتشديد الفاء، وللكُشْمِيهني: ((يَستَعِفِفْ)» بفاءَين. وقوله: ((يُعِفَّه الله)) بتشديد الفاء المفتوحة. قوله: ((ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله)) قَدَّم في رواية مالك الاستغناءَ على التَّصَبُّ، ووَقَعَ في رواية عبد الرّحمن بن أبي سعيد بَدَل التَّصَبُّ: ((ومَن استَكفَى كَفَاه الله))، وزاد: ((ومَن سألَ وله قيمة أُوقِيَّة فقد أَحَفَ))، وزاد في رواية هلال: ((ومَن سألَنا إمّا أن نَبذُل له وإمّا أن نُواسيه، ومَن يَستَعِفّ أو يَستَغنِ أحبُّ إلينا ممَّن يسألُن)». قوله: ((ولن تُعْطَوْا عطاءً)) في رواية مالك: ((وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً))، وأُعطيَ بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول. قوله: ((خيراً وأوسَعَ من الصَّبْ)) كذا بالنَّصبِ في هذه الرِّواية وهو مُتَّجِهٌ، ووَقَعَ في رواية مالك: ((هو خيرٌ)) بالرَّفع، ولمسلمٍ (١٠٥٣): ((عطاءٍ خيرٌ))، قال النَّوويّ: كذا في نُسَخ مسلم ((خيرٌ)) بالرَّفع وهو صحيح، والتَّقدير: هو خيرٌ، كما في رواية البخاريّ؛ يعني من طريق مالك (١٤٦٩). وفي الحديث الحضُّ على الاستغناء عن الناس، والتَّعَفُّف عن سؤالهم بالصَّيرِ والتَّوُّل على الله، وانتظار ما يَرزقه الله، وأنَّ الصَّبر أفضل ما يُعطاه المرءُ لكَونِ الجزاءِ عليه غيرَ مُقدَّر ولا محدود. وقال القُرطُبيّ: معنى قوله: ((مَن يَستَعِفّ)) أي: يمتنع عن السُّؤال، وقوله: ((يُعِفَّ الله)) أي: أَنَّه يُجازِیه على استعفافه بصِيَانة وجهه ودفع فاقَتِه. وقوله: ((ومَن يَستَغْنِ)) أي: بالله عمَّن سواه. وقوله: (يُغنِه)) أي: فإنَّه يُعطيه ما يَستَغني به عن السُّؤال، ويَخْلُق في قلبه الغِنَى فإنَّ