Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ٧ / ح ٦٤٢٧ كتاب الرقاق وقال الطِّييُّ: يُؤخَذ منه أربعة أصناف: فمَن أكَلَ منه أكْلَ مُستَلِذّ مُفرِط مُنهَمِك حتَّى تنتفخ أضلاعُه ولا يُقلِعُ فُيُسرِعَ إليه الهلاك، ومَن أكَلَ كذلك لكنَّه أخَذَ في الاحتيال لدفع الدَّاء بعد أن استَحكَمَ فغَلَبَه فأهلَكَه، ومَن أكَلَ كذلك لكنَّه بادَرَ إلى إزالة ما يَضُرّه وتَحَيَّل في دفعه حتَّى انْهَضَمَ فَيَسلَم، ومَن أكَلَ غيرَ مُفرِط ولا مُنهَمِك وإنَّما اقتَصَرَ على ما يَسُدّ جَوْعتَه ويُمسِك رَمَقَه، فالأوَّل مِثالُ الكافر، والثّاني مِثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتَّوبة إلّا عند فَوْتها، والثّالث مِثال المخلِّطِ المبادِر للتَّوبة حيثُ تكون مقبولة، والرَّابع مِثال الزّاهد في الدُّنيا الرَّاغِبِ في الآخرة، وبعضها لم يُصرَّح به في الحديث وأخذُه منه مُحْتَمَل. وقوله: ((فنِعْمَ المعونة)) كالَّذِييلِ للكلام المتقدِّم، وفيه حذفٌ تقديره: إن عَمِلَ فيه بالحقّ. وفيه إشارة إلى عكسه، وهو: بئسَ الرَّفيقُ هو لمن عَمِلَ فيه بغير الحقّ. وقوله: ((كالذي يأكل ولا يَشْبَع)) ذُكِرَ في مُقَابَلة: ((فِنِعمَ المعونة هو)). وقوله: (ويكون شهيداً عليه)) أي: حُجّة يَشهَدُ عليه بحِرْصِه وإسرافه وإنفاقه فيما لا يُرضي الله. وقال الزّين بن المنيِّر: في هذا الحديث وجوهٌ من التَّشبيهات بديعة: أوَّلها: تشبيه المال ونُمُوِّه بالنَّبات وظُهوره. ثانيها: تشبيه المنهَمِك في الاكتِساب والأسباب بالبَهائمِ المنهَمِكة في الأعشاب. وثالثها: تشبيه الاستكثار منه والادِّخار له بالشَّرَه في الأكل والامتلاء منه. ورابعها: تشبيه الخارج من المال مع عَظَمَته في النُّفوس حتَّى أدَّى إلى المبالَغة في البُخل به بما تَطَرَحُه البهيمة من السَّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شَرعاً. وخامسها: تشبيه المتقاعِد عن جمعه وضمِّه بالشّاة إذا استَراحَت وحَطَّت جانبها مُستَقبِلةً عين الشمس، فإنَّها من أحسن حالاتها سُكوناً وسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها. ٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وسادسها: تشبيه موت الجامع المانع بموتِ البَهيمة الغافلة عن دفع ما يَضُرّها. وسابعها: تشبيه المال بالصّاحبِ الذي لا يُؤمَن أن يَنقَلِب عدوّاً، فإنَّ المال من شأنه أن يُجُرَز ويُشَدّ وَثَاقُه حُبّاً له، وذلك يقتضى مَنعَه من مُستَحِقْه؛ فيكون سبباً لعقاب مُقْتَنِيه. وثامنها: تشبيه آخِذه بغير حَقِّ بالذي يأكل ولا يَشبَع. وقال الغَزاليّ: مَثَل المال مَثَل الحَيَّة التي فيها تِرِياقٌ نافع وسُمّ ناقع، فإن أصابها العارف الذي يَحَتَرِز عن شَرّها ويَعِرِف استخراج تِرْياقها، كان نعمة، وإن أصابها الغَبيّ فقد لَقِيَ البلاء المهلك. وفي الحديث جلوسُ الإمام على المِنبَر عند الموعظة في غير خُطبة الجمعة ونحوها. وفيه جلوس الناس حوله والتَّحذير من المنافسة في الدُّنيا. وفيه استفهام العالم عمّا يُشكِل وطلب الدَّليل لدفع المعارضة. [العاديات: ٨] وفيه تسمية المال خيراً، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِن تَّرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. وفيه ضربُ المثَل بالحكمة وإن وَقَعَ في اللَّفظ ذِكْرِ ما يُستَهجَن كالبَوْل، فإنَّ ذلك يُغْتَفَر لما يَتَرتَّب على ذِكْره من المعاني اللّائقة بالمقام. وفيه أنَّه وَ له كان يَنتَظِرِ الوحيَ عند إرادة الجواب عمَّا يُسأل عنه، وهذا على ما ظنَّه الصحابة، ويجوز أن يكون سكوتُه ليأتيَ بالعِبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عَذَّ ابن دُرَيدِ هذا الحديث وهو قوله: ((إنَّ مَّا يُنِتِ الرَّبيعُ يقتل حَبَطاً أو يُلِمّ)) من الكلام المفرَد الوجيز الذي لم يُسبَقِ وَ لَ إلى معناه، وكلّ مَن وَقَعَ شيء منه في كلامه فإنَّما أخذه منه. ويُستَفاد منه تَركُ العَجَلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التَّأْمُّل. وفيه لَومُ مَن ظُنَّ به ٢٤٩/١١ تَعَثُّت في السُّؤال وحَمدُ مَن أجادَ فيه، ويُؤْيِّد/ أنَّه من الوحي قوله: يَمسَح العَرَق، فإنَّها كانت ٤٣ باب ٧ / ح ٦٤٢٨ - ٦٤٣٠ كتاب الرقاق عادته عند نزول الوحي كما تقدَّم في بَدْء الوحي (٢): ((وإنَّ جبينه لَيَتَفَصَّد عَرَقاً)). وفيه تفضيل الغنيّ على الفقير؛ ولا حُجّة فيه، لأنَّه يُمكِن التَّمَسُّك به لمن لم يُرجِّع أحدهما على الآخر، والعَجَب أنَّ النَّوويّ قال: فيه حُجّة لمن رَجَّحَ الغنيَّ على الفقير، وكان قبل ذلك شَرَحَ قوله: ((لا يأتي الخيرُ إلّا بالخيرِ)) على أنَّ المراد أنَّ الخير الحقيقيّ لا يأتي إلّا بالخير، لكن هذه الزّهرة ليست خيراً حقيقيّاً لما فيها من الفتنة والمنافَسة والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة. قلت: فعلى هذا يكون حُجّةً لمن يُفضِّل الفقر على الغِنَى، والتَّحقيق أن لا حُجّة فيه لأحدِ القولَين. وفيه الحضّ على إعطاء المسكين واليتيم وابن السَّبيل. وفيه أنَّ المکتَسِب للمال من غیر حِلّه لا يُبارَك له فيه، لتشبيهِه بالذي يأكل ولا يشبع. وفيه ذَمُّ الإسراف وكَثْرة الأكل والنَّهَم فيه، وأنَّ اكتساب المال من غير حِلّه وكذا إمساكه عن إخراج الحقّ منه، سبب لمَحْقِه فيصير غير مُبارَك كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ٦٤٢٨ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ أبا جَمْرةَ قال: حذَّثني زَهْدَمُ بنُ مُضرِّبٍ، قال: سمعتُ عِمْرانَ بنَ حُصَينٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((خيرُكمْ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم))، قال عِمْرانُ: فما أدْري قال النبيُّ نَّهِ بعدَ قولِهِ مرَّتَينِ أو ثلاثاً: ((ثُمَّ يكونُ بعدَهم قومٌ يَشهَدونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَخُونونَ ولا يُؤْ تَنونَ، ويَنْذُرونَ ولا يَفُونَ، ويَظْهَرُ فيهمُ السِّمَنُ». ٦٤٢٩ - حدَّثنا عَبْدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَبِیدةَ، عن عبدِ الله ◌ُ، عن النبيِّ وَّه قال: ((خيرُ الناسِ قَرْني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثمَّ يَجِيءُ من بَعْدِهم قومٌ تَسْبِقُ شهادتُهم أيمانَهم، وأيمانُهم شهادتهم)). ٦٤٣٠ - حدَّثْني يحيى بنُ موسى، حدَّنا وَكِيعٌ، حذَّثنا إسماعيلُ، عن قيسٍ، قال: سمعتُ خَبّاباً وقدِ اكْتَوَى يومَئذٍ سبعاً في بَطْنِهِ، وقال: لولا أنَّ رسولَ الله وَّل ◌َهَانا أن نَدْعوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ ٤٤ باب ٧/ ح ٦٤٣١- ٦٤٣٢ فتح الباري بشرح البخاري بالموتِ، إِنَّ أصحابَ محمَّدٍ نَِّ مَضَوْا، ولم تَنقُصْهِمُ الدُّنْيا بشيءٍ، وإِنّا أصَبْنا مِنَ الدُّنْيا ما لا نَجِدُ له موضعاً إلا التُرابَ. ٦٤٣١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسٌ، قال: أتيتُ خَبّاباً وهو يبني حائطاً له، فقال: إنَّ أصحابنا الَّذِينَ مَضَوْا لم تَنقُصْهِمُ الدُّنْيا شيئاً، وإنّا أَصَبْنا من بَعْدِهم شيئاً لا نَجِدُ له موضعاً إلا التُرابَ. ٦٤٣٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، عن سفيانَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ أبي وائلٍ، عن خبّابٍ مضى قال: هاجَرْنا معَ رسولِ الله وَِّ؛ قَصَّه. الحديث الرابع: حديث عِمران بن حُصَينٍ. قوله: ((سمعت أبا جَمْرة)) هو بالجيم والرَّاء، وهو الضُّبعيُّ نَصْر بن عمرانَ، وقد روى شُعْبة عن أبي حمزة - بالمهمَلة والزّاي - حديثاً لكنَّه عند مسلم دونَ البخاريّ(١)، وليس لشُعْبةَ في البخاريّ عن أبي جَمْرة بهذه الصّورة إلّا عن نصر بن عمرانَ. وزَهدَم بالزّاي وزنَ جعفر، ومُضرِّب بالضّادِ المعجَمة ثمَّ الموخَّدة والتَّشديد باسم الفاعل. وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في الشَّهادات (٢٦٥١)، وفي أوَّل فضائل الصحابة (٣٦٥٠)، وكذا الحدیث الذي بعده. الحديث الخامس: حديث ابن مسعود. قوله: ((عن أبي حمزة)) بالمهمَلة والزّاي: هو محمَّد بن ميمون السُّكَّريّ، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وعَبِيدة بفتح أوَّله: هو ابن عَمْرو. الحديث السادس: حديث خَبّاب أورَدَه من طريقَينِ في الأولى زيادةٌ على ما في الثّانية، وهو حديث واحد ذكر فيه بعضُ الرُّواة ما لم يَذْكُر بعضٌ وأبهَمَ شيئاً قاله شُعْبة، وقد تقدَّمَت (١) بل روى شعبةُ عن أبي حمزة حديثين، وكلاهما عند مسلم، الأولى: عن أبي حمزة عبد الرحمن بن عبد الله - وهو جار شعبة - عن أنس بن مالك برقم (١٤٢٧) (٨٣)، والثاني: عن أبي حمزة القصّاب عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس برقم (٢٦٠٤). ٤٥ كتاب الرقاق روايته له عن إسماعيل بن أبي خالد في أواخر كتاب المرضَى قبل كتاب الطِّبّ (٥٦٧٢) وشُرِحَ هناك، وزاد أحمد (٢١٠٥٩) عن وكيع بهذا السَّنَد في هذا المتن فقال في أوَّله: دَخَلْنا على خَبّاب نعودُه وهو يبني حائطاً له فقال: إنَّ المسلم يُؤْجَر في كلّ شيء إلّا ما يجعله في هذا التُراب، وقد تقدَّم شرح هذه الزّيادة هناك. وإسماعيل في الطَّريقَين: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، ورجال الإسناد من وكيع فصاعِداً كوفيّونَ، ويحيى في السَّنَد الثّاني: هو ابن سعيد القَطّان، وهو بصريّ. الحديث السابع: حديث خبّاب أيضاً، ورجاله من شيخ البخاريّ فصاعداً كوفيّونَ، وسفيان: هو الشّوْريّ. قوله: ((عن شَقِيقِ أبي وائل، عن خبّاب)) تقدَّم في الهجرة (٣٩١٤) من طريق يحيى بن سعيد القَطّان عن الأعمَش: سمعت أبا وائل حدَّثنا خَبّاب. قوله: ((هاجَرْنا مع النبيّ ◌َّه؛ قَصَّه)) كذا لأبي ذرِّ، وهو بفتح القاف وتشديد المهمَلة بعدها ضمير، والمراد: أنَّ الراوي قَصَّ الحديثَ، وأشارَ به إلى ما أخرجه بتمامه في أوَّل الهجرة إلى المدينة (٣٩١٣) عن محمَّد بن كثير بالسَّنَد المذكور هنا، وقَرَنَه برواية يحيى القَطّان عن الأعمَش وساقَه بتمامه وقال بعد المذكور هنا: فوَقَعَ أجرُنا على الله تعالى، فمِنّا مَن مضى لم يأخُذْ من أجره شيئاً، منهم مُصعَب بن عُمَير، الحديث. وقد تقدَّم ذِكْره في الجنائز (١٢٧٦) وأحلتُ شرحه على ما هنا، وذُكِرَ في الهجرة في موضعین (٣٨٩٧ و٣٩١٣) وفي غزوة أُحُد (٤٧ ٤٠) في موضعين، وأحَلْت به في الهجرة على المغازي، ولم يَتَسَّر في المغازي التعرُّضُ لشرحِه ذُهولاً، والله المستعان. وسيأتي بعد ثمانية أبواب في ((باب فضل الفقر)) (٦٤٤٨) إن شاء الله تعالى. ٨ - باب قولِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ الآيةَ إلى قوله: ﴿السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] جمعُه: سُعُرٌ. ٤٦ باب ٨ / ح ٦٤٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قال مجاهدٌ: ﴿اَلْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]: الشَّيطان. ٦٤٣٣ - حدَّثْنَا سَعْدُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ القُرَشِيِّ، قال: أخبرني معاذُ بنُ عبدِ الرَّحمن، أنَّ ابنَ أبانَ أخبَرَه، قال: أتيتُ عُثْمَانَ بِطَّهُورٍ وهو جالسُ على المقاعدِ، فَتَوضَّأ فأحسنَ الوُضوءَ، ثُمَّ قال: رأيتُ النبيَّ وَّ تَوضَّأ وهو في هذا المجلِسِ فأحسنَ الوُضوءَ، ثمَّ قال: ((مَن تَوضَّأ مِثلَ هذا الوُضوءِ، ثمَّ أتى المسجدَ فَرَكَعَ رَكْعتَينِ، ثمَّ جَلَسَ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِه))، قال: وقال النبيُّ ◌َّ: (( لا تَغْتَرُّوا)). ٢٥٠/١١ قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ الآيَةَ إلى قوله: ﴿اُلسَّعِيرِ﴾)) کذا لأبي ذرِّ، وساقَ في رواية كريمة الآيتين. قوله: ((جَمعُه: سُعُر)) بضمَّتَين، يعني: السَّعير، وهو فَعِيل بمعنى مفعول من السَّعْر، بفتح أوَّله وسكون ثانیه: وهو الشِّهاب من النار. قوله: ((وقال مجاهد: الغَرُور: الشَّيطان)) ثَبَتَ هذا الأثر هنا في روایة الگُشْمِیھنيّ وحده، ووَصَلَه الفِرْيابيّ في ((تفسيره)) عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] وهو فَعُول بمعنى فاعلٍ، تقول: غَرَرتُ فلاناً: أصَبتُ غِرَّتَه، ونِلتُ ما أردت منه، والغِرّة بالكسر: غفلة في اليَقَظة، والغَرور: كلّ ما يَغُرّ الإنسان، وإنَّمَا فُسِّرَ بالشَّيطان؛ لأنَّه رأس في ذلك. قوله: ((شَيْبان)) هو ابن عبد الرَّحمن، ويحيى: هو ابن أبي كثير(١)، ومحمَّد بن إبراهيم: هو التَّيْمِيُّ، واسم جَدّه الحارث بن خالد، وكانت له صُحْبة. قوله: ((أخبرني معاذ بن عبد الرَّحمن)) أي: ابن عثمان بن عُبيد الله التَّيْمِيّ، وعثمان جَدّه: هو أخو طلحة بن عبيد الله، ووالده عبد الرّحمن صحابيّ أخرج له مسلم (١٧٢٤)، وكان يُلقَّب شاربَ الذَّهَب، وقُتِلَ مع ابن الزُّبَير. (١) في (س): هو ابن كثير، وهو خطأ. ٤٧ باب ٨ / ح ٦٤٣٣ كتاب الرقاق ووَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ عن يحيى عن محمَّد بن إبراهيم عن شَقِيق بن سَلَمة(١)، هذه رواية الوليد بن مسلم عند النَّسائيِّ (ك١٧٥) وابن ماجَهْ (٢٨٥)، وفي رواية عبد الحميد ابن حبيب(٢) عن الأوزاعيِّ بسندِه: عن عيسى بن طلحة، بدلَ شَقِيق بن سَلَمة. قال المِّيّ في ((الأطراف)): رواية الوليد أصوب(٣). قلت: ورواية شَيْبانَ أرجَحُ من رواية الأوزاعيِّ؛ لأنَّ نافع بن جُبَير وعبد الله بن أبي سَلَمة وافَقًا محمَّدَ بن إبراهيم التَّيْميَّ في روايته له عن معاذ بن عبد الرَّحمن(٤)، ويحتمل أن يكون الطَّريقان محفوظَين، لأنَّ محمَّد بن إبراهيم صاحبُ حدیثٍ، فلعلّه سمعه من معاذ ومن عیسی بن طلحة، و کلّ منهما من رَهْطه ومن بلدِه المدينة النبويَّة، وأمَّا شَقِيق بن سَلَمة فليس من رَهْطه ولا من بلده، والله أعلم. قوله: «أنَّ ابن أبانَ أخبَرَه)) قال عِيَاض: وَقَعَ لأبي ذرٍّ والنَّسَفيّ والكافّة: أنَّ ابن أبان أخبَرَه، ووَقَعَ لابنِ السَّكَن: أنَّ حُران بن أبان، ووَقَعَ للجُرْجانيِّ وحده: أنَّ أبان أخبره، وهو خطأ. قلت: ووَقَعَ في نسخة مُعتمَدة من رواية أبي ذرٍّ: حُمران بن أبان(٥)، وقد أخرجه أحمد (٦٤) عن الحسن بن موسى عن شَيْبانَ بسند البخاريّ فيه، ووَفَعَ عنده: أنَّ حُمرانَ بن أبان أخبره. قوله: ((فأحْسَنَ الوضوءَ)) في رواية نافع بن جُبَير عن حُران (٦): ((فأسبَغَ الوضوء))، وتقدَّم في الطَّهارة (١٥٩) من وجه آخر عن حُمران بيان صِفَة الإسباغ المذكور والتَّثليث فيه، وقول عُرْوة: إِنَّ هذا أسبغ الوضوء. (١) يعني: عن حمران بن أبان عن عثمان. (٢) عند ابن ماجه بإثر رواية الوليد بن مسلم. (٣) كذا نقل الحافظ ابن حجر عن المزي، وهو خطأ، فإنَّ الحافظ المزي في ((الأطراف)) (٩٧٩٢) إنما صوَّب رواية هشام بن عمار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي. (٤) أخرجه مسلم (٢٣٢) (١٣) من طريقهما. (٥) في (س): أنَّ ابن أبان، وهو خطأ ولا يصحُّ سياق الكلام به. (٦) کذا قال تجۇُّزاً، وهي رواية نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة عن معاذ بن عبد الرحمن عن حمران، وهي عند مسلم کما سبق. ٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ قال: مَن تَوضَّأْ مِثْلَ هذا الوضوء)) تقدَّم هناك توجيهه وتُعقِّبَ مَن نَفَى ◌ُرودَ الرِّواية بلفظ ((مِثل))، وأنَّ الحكمة في وُرودها بلفظ ((نحو)) التعذُّرُ على كلّ أحد أن يأتي بِمِثْل وُضوء النبيّ ◌َّ. ٢٥١/١١ قوله: «ثمَّ أتى المسجدَ، فَرَكَعَ رَكْعتَينِ ثمَّ جَلَسَ)» هكذا أطلقَ/ صلاة ركعتين، وهو نحو رواية ابن شِهاب الماضية في كتاب الطَّهارة (١٥٩)، وقَيَّدَه مسلم (١٣/٢٣٢) في روايته من طريق نافع بن جُبَير عن حُران بلفظ: ((ثمَّ مَشَى إلى الصلاة المكتوبة، فصَلّاها مع الناس أو في المسجد))، وكذا وَقَعَ في رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه عن حُران عنده (٥/٢٢٧): ((فُيُصَلّي صلاة))، وفي أُخرى له عنه: ((فُيُصَلّ الصلاة المكتوبة))، وزاد: «إلّا غَفَرَ الله له ما بينها وبين الصلاة التي تليها)) أي: التي سَبَقَتها، وفيه تقييد لما أطلقَ في قوله في الرّواية الأُخرى: ((غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبه))، وأنَّ التقدُّم خاصٌّ بالزَّمان الذي بين الصَّلاَين. وأصرَحُ منه في رواية أبي صخرة عن حُمران عند مسلم أيضاً (٢٣١): ((ما من مسلم يَتَطَهَّرِ فِيُثُمّ الطُّهورَ الذي كُتِبَ عليه، فَيُصَلّي هذه الصَّلَوات الخمس، إلّا كانت كفَّارةً لما بينهنَّ)، وتقدَّم (١٦٠) من طريق عُرْوة عن حُمران: ((إلّا غُفِرَ له ما بينه وبين الصلاة حتَّى يُصَلّيها))، وله (١) من طريق عَمْرو بن سعيد بن العاص عن عثمان بنحوِه، وفيه تقييده بمَن لم يَغْشَ الكبيرة، وقد بيَّنتُ توجيه ذلك في كتاب الطَّهارة واضحاً. والحاصل أنَّ لُحُمرانَ عن عثمان حديثَينِ في هذا: أحدهما: مُقيّد بتَركِ حديث النَّفْس، وذلك في صلاة ركعتَينِ مُطلَقاً غير مُفيَّد بالمكتوبة، والآخر: في الصلاة المكتوبة في الجماعة أو في المسجد من غير تقييد بتَركِ حديث النَّفْس. قوله: ((قال: وقال النبيّ وَله: لا تَغْتَرُّوا)) قَدَّمتُ شرحه في الطَّهارة (١٥٩)، وحاصله: لا تَحمِلوا الغُفران على عُمومه في جميع الذُّنوب فَتَستَرسِلوا في الذُّنوب اتكالاً على غُفرانها بالصلاة، فإنَّ الصلاة التي تُكَفِّر الذُّنوبَ هي المقبولة ولا الطِّلَاعَ لأحدٍ عليه. (١) أي: لمسلم، وهو في ((صحيحه)) برقم (٢٢٨). ٤٩ باب ٩/ ح ٦٤٣٤ كتاب الرقاق وظَهَرَ لي جوابٌ آخر: وهو أنَّ المكَفَّر بالصلاة هي الصَّغائر، فلا تَغتَرّوا فتَعمَلوا الكبيرة بناءً على تكفير الذُّنوب بالصلاة، فإنَّه خاصٌّ بالصَّغائر، أو لا تستكثروا من الصَّغائر، فإنّها بالإصرار تُعطَى حُكمَ الكبيرة، فلا يُكفِّرها ما يُكفِر الصَّغيرة، أو أنَّ ذلك خاصٌّ بأهلِ الطاعة فلا يَنالُه مَن هو مُرتَبِك في المعصية، والله أعلم. ٩- باب ذَهَاب الصالحين ويقال: الذِّهَابُ: المَطَر. ٦٤٣٤ - حدَّثني يحيى بنُ حَمَّادٍ، حَدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن بَيَانٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن مِرْداسٍ الأَسْلَميِّ، قال: قال النبيُّ ◌َّةِ: («يذهبُ الصالحونَ الأَوَّلُ فالأوَّلُ، وَيَبْقَى حُقَالَةٌ كَحُفَالةِ الشَّعيرِ، أو التمرِ، لا يُبَالِيهِمُ اللهُ بالَةً)). قوله: ((باب ذهاب الصالحينَ)) أي: موتهم. قوله: ((ويقال: الذِّهاب: المطر)) ثَبَتَ هذا في رواية السَّرَخْسيّ وحده، ومُراده: أنَّ لفظ الذَّهاب مُشْتَرَك على المضيّ وعلى المطر، وقال بعض أهل اللّغة: الذِّهاب: الأمطار اللَّة، وهو جمع ذِهْبة، بکسر أوَّله وسکون ثانیه. قوله: ((حدَّثني يحيى بن حَّاد)) هو من قُدَماء مشايخه، وقد أخرج عنه بواسطةٍ في کتاب الحيض (٣٣٣). قوله: ((عن بَيَان)) بموخَّدةٍ ثمَّ تحتانيَّة خفيفة: وهو ابن بِشْر، وقيس: هو ابن أبي حازم، ومِرداس الأسلميّ: هو ابن مالك، زاد الإسماعيليّ: رجل من أصحاب النبيّ وَِّ، وهي عنده في رواية محمَّد بن فُضَيلٍ عن بيان، وتقدَّم من وجه آخر في غزوة الحُدَيبية من كتاب المغازي (٤١٥٦): أنَّه كان من أصحاب الشَّجَرة، أي: الذينَ بايعوا بيعة الرِّضوان، وذكر مسلم في ((الوحدان))، وتَبِعَه جماعة مَمَّن صَنَّفَ فيها: أنَّه لم يَروِ عنه إلّا قيس بن أبي حازم. ووَقَعَ في ((التَّهذيب)) للمِزِّيّ في ترجمة مِرداس هذا أنَّه روى عنه زياد بن عِلَاقة أيضاً، ٥٠ باب ٩ / ح ٦٤٣٤ فتح الباري بشرح البخاري ٢٥٢/١١ وتُعقّبَ بأنَّه مِرداسٌ آخرُ أفرَدَه أبو عليّ/بن السَّكَن في الصحابة عن مِرداس بن مالك، وقال: إنَّه مِرداس بن عروة. وممَّن فَرَّقَ، بينهما البخاريُّ والرَّازيّ والبُسْتِيّ، ورَجَّحَه ابن السّگن. قوله: ((يذهب الصالحونَ الأوَّلُ فالأوَّلُ)) في رواية عبد الواحد بن غِيَاث عن أبي عَوَانة عند الإسماعيليّ: ((يُقبَض)) بَدَل: يذهب، والمراد: قَبضُ أرواحهم، وعنده من رواية خالد الطَّحّان عن بيان: ((يذهب الصالحونَ أسلافاً، ويُقبَض الصالحونَ الأوَّل فالأوَّل))، والثّانية تفسیر للأُولى. قوله: ((ويَبقَى حُثَالة أو حُفَالة)) هو شَكٌّ هل هي بالثّاءِ المثلَّثة أو بالفاءِ والحاء المهمَلة في الحالَين، ووَقَعَ في رواية عبد الواحد: ((حُثَالة)) بالمثلَّثة جَزماً. قوله: ((كُثَالِةِ الشَّعير أو التمر)) يحتمل الشكَّ ويحتمل التَّنويع، وَقَعَ في رواية عبد الواحد: ((كحُثالة الشَّعير)) فقط، وفي رواية: ((حتَّى لا يبقى إلّا مِثْلُ حُثالة التَّمر والشَّعير))(١)، زاد غير أبي ذرٍّ من رواه البخاريّ: قال أبو عبد الله - وهو البخاريّ -: حُثَالة وحُفالة؛ يعني، أنهما بمعنی واحد. وقال الخطَّبيُّ: الحثالة بالفاءِ وبالمثلَّة: الرَّديء من كلّ شيء، وقيل: آخر ما يبقى من الشَّعير والتَّمر وأردَؤُه. وقال ابن التِّين: الحثالة: سَقَطُ الناس، وأصلُها: ما يَتَساقَط من قُشور النَّمر والشَّعير وغيرهما. وقال الدَّاوُوديّ: ما يَسقُط من الشَّعير عند الغَربَلة، ويبقى من التَّمر بعد الأكل. ووجدتُ لهذا الحديث شاهداً من رواية الفَزَاريَّة امرأة عمر بلفظ: تذهبونَ الخيِّرَ فالخيِّرَ حتَّى لا يبقى منكم إلّا حُثالة كحُثالة الثَّمر، يَنزُو بعضُهم على بعض نَزْوَ المعز؛ أخرجه أبو سعيد بن یونس في «تاریخ مِصر» ولیس فیه تصریح برفعه، لکن له حُكْم المرفوع. (١) هي في رواية خالد الطحان، وهي عند ابن حبان أيضاً (٦٨٥٢). ٥١ كتاب الرقاق قوله: ((لا يُبالِيهم اللهُ بالةً)) قال الخطّابيُّ: أي: لا يَرفَعُ لهم قَدراً ولا يُقيم لهم وزناً، يقال: بالَيتُ بفلانٍ، وما بالَيت به، مُبالاةً وبالِيَةً وبالَةً. وقال غيره: أصل ((بالةً)) بالية، فحُذِفَتِ الياء تخفيفاً. وتُعقِّبَ قول الخطَّبيِّ بأنَّ باليةً ليس مصدراً لبالَيتُ، وإِنَّما هو اسمُ مصدره. وقال أبو الحسن القاسيّ: سمعته في الوَقْف بالةً، ولا أدري كيف هو في الذَّرْج، والأصل: بالَيتُه بالاةَ، فكأنَّ الألف حُذِفَت في الوقف. كذا قال، وتَعقَّبَه ابنُ التِّين بأنَّه لم يُسمَع في مَصدَره بالاةٌ، قال: ولو علم القابِسِيُّ ما نَقَلَه الخطَّبيُّ أنَّ بالةً مصدر(١)، لمَا احتاجَ إلى هذا التكلُّف. قلت: تقدَّم في المغازي (٤١٥٦) من رواية عيسى بن يونس عن بيان بلفظ: ((لا يَعبأ الله بهم شيئاً)، وفي رواية عبد الواحد: ((لا يُبالي الله عنهم))، وكذا في رواية خالد الطَّحّان، و ((عن)) هنا بمعنى الباء، يقال: ما بالَيتُ به وما بالَيتُ عنه، وقوله: ((يَعبَأ)» بالمهمَلة الساكنة والموخَّدة مهموزٌ، أي: لا يُبالي، وأصله من العِبْء بالكسر ثمَّ الموخَّدة مهموز: وهو الثّقْل، فكأنَّ معنی ((لا يعبأ به)): أَنَّه لا وزن له عنده. ووَقَعَ في آخر حديث الفَزَاريَّة المذكور آنِفاً: «على أولئكَ تقوم الساعة)). قال ابن بَطّال: في الحديث أنَّ موت الصالحينَ من أشراط الساعة، وفيه النَّدبُ إلى الاقتداء بأهلِ الخير، والتَّحذير من مُالَفَتهم خَشْبةَ أن يصير مَن خالَفَهم ثمّن لا يَعبأ الله به. وفيه أنَّه يجوز انقراضُ أهل الخير في آخر الزَّمان حتَّى لا يبقى إلّا أهل الشّ، واستُدِلَّ به على جواز خُلوّ الأرض من عالم حتَّى لا يبقى إلّا أهلُ الجهل صِرفاً، ويُؤيِّده الحديث الآتي في الفتن: ((حتَّى إذا لم يَبْقَ عالمٌ الَّخَذَ الناسُ رَؤُوساً جُهّالاً)(٢)، وسيأتي بَسطُ القول في هذه المسألة هناك إن شاء الله تعالى. (١) في (س): مصدر مصار، بزيادة «مصار)) ولا وجه لها. (٢) بل في الاعتصام برقم (٧٣٠٧)، وليس في الفتن. ٥٢ باب ١٠ / ح ٦٤٣٥ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: وَقَعَ في نسخة الصَّغَانيّ هنا: قال أبو عبد الله: حُفَالة وحُثَالة؛ أي: أنَّهَا رُوِيَت بالفاءِ وبالمثلَّثة، وهما بمعنَى واحد. ١٠ - باب ما يُتّقى من فتنة المال وقولِ الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: ١٥]. ٢٥٣/١١ ٦٤٣٥ - حدَّثني يحيى بنُ يوسُفَ، أخبرني أبو بكرٍ بن عيّاش، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ عُ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ والقَطِيفةِ والخَمِيصةِ، إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ)». قوله: ((باب ما يُتَّقَى)) بضمٌّ أوَّله وبالمثنّة والقاف. قوله: ((من فِتْنة المال)) أي: الالتِهاء به. قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمَوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾)) أي: تَشغَل البالَ عن القيام بالطاعة، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٣٦) وابن حِبّان (٣٢٢٣) والحاكم (٣١٨/٤) وصَخَّحوه من حديث كعب بن عِيَاض: سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إِنَّ لكلِّ أمّة فتنةً، وفتنة أمَّتي المال))، وله شاهد مُرسَل عند سعيد بن منصور عن جُبَير بن نُفَير ٢٥٤/١١ مِثْلُه وزاد: (ولو سيلَ لابنِ آدم واديان/ من مال لتَمنَّى إليهما ثالثاً)(١) الحديث، وبها تظهر المناسَبة جدّاً، وقوله: ((سِيلَ)) بكسر المهمَلة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ لام على البناء للمجهول، يقال: سالَ الوادي: إذا جَرَى ماؤُه. وأمَّا الفتنة بالولدِ، فَوَرَدَ فيه ما أخرجه أحمد (٢٢٩٩٥) وأصحاب ((السُّنَن))(٢) صَخَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٤٥٦) وابن حِبّان (٦٠٣٨) من حديث بُرَيدة قال: كان رسول الله وَ ل يَخْطُب، فجاء الحسنُ والحسينُ عليهما قميصان أحمران يَعثُران، فنزلَ عن المِنْبَرَ، فحَمَلَهما (١) أخرج هذه الزيادة موصولةً من حديث جبير بن نفير عن كعب بن عياضِ الطبرانيُّ في ((الكبير)) ١٩/ (٤٠٦)، وفي إسناده المسيَّب بن واضح، وفيه ضعفٌ. (٢) أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، والنسائي (١٤١٣) و(١٥٨٥). ٥٣ باب ١٠ / ح ٦٤٣٥ كتاب الرقاق فَوَضَعَهما بين يَدَيه، ثمَّ قال: ((صَدَقَ اللهُ ورسولُه، إنَّما أموالكم وأوَّلاكم فتنة)) الحديث، وظاهر الحديث أنَّ قطعَ الخطبة والنُّزول لهما فتنة دَعَا إليها محبّة الولد فيكون مرجوحاً، والجواب: أنَّ ذلك إنَّما هو في حَقّ غيره، وأمَّا فعلُ النبيّ وَّ ذلك فهو لبيان الجواز، فيكون في حقّه راجحاً، ولا يَلزَمُ من فعل الشَّيء لبيان الجواز أن لا يكون الأَولِى تَركَ فعله، ففيه تنبيهٌ على أنَّ الفتنة بالولدِ مراتب، وأنَّ هذا من أدناها، وقد يَجُرّ إلى ما فوقَه فيُحذَر. وذكر المصنف في الباب أحاديث: الأول: قوله: ((حدَّثني يحيى بن يوسُف)) هو الزِّمِّيّ، بكسر الزّاي وتشديد الميم، ويقال له: ابن أبي كَرِيمة، فقيلَ: هي كُنية أبيه، وقيل: هو جَدُّه واسمه كُنْته، أخرج عنه البخاريُّ بغير واسطة في ((الصَّحيح)) وأخرج عنه خارجَ ((الصَّحيح)) بواسطةٍ. قوله: ((أخبرني أبو بكر بن عيَّاش)) بمُهمَلٍ وتحتانيَّة ثقيلة ثمَّ مُعجَمة، ووَقَعَ في رواية غير أبي ذرٍّ: حدَّثنا. قوله: ((عن أبي حَصِين)» بمُهمَلتَينِ بفتح أوَّله: هو عثمان بن عاصم، وفي رواية غير أبي ذرِّ أيضاً: حدَّثنا. قوله: ((قال النبيّ ◌َّ)) في رواية الإسماعيليّ: عن النبيّ وَّرَ، قال الإسماعيليّ: وافَقَ أبا بكر على رفعه شَرِيكٌ القاضي وقيسُ بن الرَّبيع عن أبي حَصينٍ، وخالَفَهم إسرائيلُ فرواه عن أبي حَصينٍ موقوفاً. قلت: إسرائيل أثبَتُ منهم، ولكن اجتماع الجماعة يُقاوِم ذلك، وحينئذٍ تَتِمّ المعارضة بين الرَّفع والوقف فيكون الحكم للرَّفع، والله أعلم. وقد تقدَّم هذا الحديث سنداً ومتناً في باب الحِراسة في الغَزْو من كتاب الجهاد (٢٨٨٦)، وهو من نَوادِر ما وَقَعَ في هذا ((الجامع الصَّحیح)). قوله: (تَعِسَ)) بكسر العين المهمَلة ويجوز الفتح، أي: سَقَطَ، والمراد هنا: هَلَكَ، وقال ابن الأنباريّ: التَّعْس: الشرّ، قال تعالى: ﴿فَتَعْسَالَهُمْ﴾ [ محمد: ٨] أراد: ألزَمَهم الشرّ، وقيل: ٥٤ فتح الباري بشرح البخاري التَّعس: البُعد، أي: بُعداً لهم. وقال غيره: قولهم: تَعْساً لفلانٍ، نقيض قولهم: لَعاً له، فَتَعساً دعاء عليه بالعَثْرة، ولَعاً دعاء له بالانتعاش(١). قوله: ((عبدُ الدّينار)) أي: طالبُهُ الحريصُ على جمعه، القائمُ على حِفظه، فكأنَّه لذلك خادمه وعبده. قال الطِّييُّ: قيل: خُصَّ العَبدُ بالذِّكرِ لِيُؤْذَنَ بانغماسه في مَحَبّة الدُّنيا وشَهَواتها كالأسير الذي لا يَجِدُ خَلاصاً، ولم يَقُل: مالك الدّينار ولا جامع الدّينار؛ لأنَّ المذموم من المِلك والجمع الزّيادةُ على قَدْر الحاجة، وقوله: ((إن أُعْطَيَ ... )) إلى آخره، يُؤذِن بشِدّة الحِرص على ذلك. وقال غيره: جعله عبداً لهما لشَغَفِه وحِرْصه، فمَن كان عبداً لهواهُ لم يَصدُق في حَقّه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ ﴾ [الفاتحة: ٥]، فلا يكون مَنِ اتَّصَفَ بذلك صِدّيقاً. قوله: ((والقَطِيفة)) هي الثَّوب الذي له خَمْل ((والخَمِيصة)): الكِساء المَرَبَّع، وقد تقدَّم الحديث في كتاب الجهاد (٣٨٨٧) من رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح بلفظ: ((تَعِسَ عبدُ الدّينار وعبدُ الدِّرهَم وعبدُ الخَمِيصة، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ)). وقوله: ((وانتَكَسَ)) أي: عاوَدَه المرض، فعلى ما تقدَّم من تفسير التَّعْس بالسُّقوطِ يكون المراد: أنَّه إذا قامَ من سَقطَته عاودَه السُّقوط، ويحتمل أن يكون المعنى بانتَكَسَ بعد تَعِسَ: انقَلَبَ على رأسه بعد أن سَقَطَ، ثمَّ وجدتُه في ((شرح الطِّييّ))، قال في قوله: (تَعِسَ وانتَكَسَ)): فيه الثَّرقّي في الدُّعاء عليه، لأَنَّه إذا تَعِسَ انكَبَّ على وجهه، فإذا انتَكَسَ انقَلَبَ على رأسه، وقيل: التَّعْس: الخَرُّ على الوجه، والنَّكْس: الْخَرُّ على الرَّأس. وقوله في الرِّواية المذكورة: ((وإذا شِيكَ)) بكسر المعجمة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ كاف، أي: إذا ٢٥٥/١١ دَخَلَت / فيه شوكة لم يَجِدْ مَن يُخْرِجها بالِنقاش، وهو معنى قوله: ((فلا انتَقَشَ))، ويحتمل أن یرید: لم يَقدِرِ الطَّبيب أن يُرِجها. (١) تحرفت في (س) إلى: الانتقاش. ٥٥ باب ١٠/ ح ٦٤٣٦-٦٤٣٧ كتاب الرقاق وفيه إشارة إلى الدُّعاء عليه بما يُئِبِّطه عن السَّعي والحركة، وسَوَّغَ الدُّعاء عليه كَونُه قَصَرَ عملَه على جمع الدُّنيا واشتَغَلَ بها عن الذي أُمِرَ به من التَّشاغُل بالواجبات والمندوبات. قال الطِّييُّ: وإنَّما خُصَّ انتقاشُ الشَّوكة بالذِّكر لأنَّه أسهَلُ ما يُتصوَّر من المعاونة، فإذا انْتَفَى ذلك الأسهَلُ، انتَفَى ما فوقه بطريق الأَولى. قوله: ((إن أُعْطيَ)) بضمِّ أَوَّله. قوله: ((وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ)) وَقَعَ من وجه آخر عن أبي بكر بن عيَّاش عند ابن ماجَهْ(١) والإسماعيليّ بلفظ الوفاء عِوَضَ الرِّضا، وأحدهما ملزوم للآخر غالباً. الحديث الثاني: ٦٤٣٦ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، يقول: سمعتُ النبيَّ ◌ِّ يقول: ((لو كان لابنِ آدمَ واديَانِ من مالٍ لَا بتَغَى ثالثاً، ولا يَمْلٌ جَوْفَ ابنِ آدمَ إِلّ التُرابُ، ويَتوبُ الله على مَن تابَ)). [طرفه في: ٦٤٣٧] ٦٤٣٧- حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا ◌َخَلَدٌ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: سمعتُ عطاءً يقول: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَ يقول: ((لو أنَّ لابنِ آدمَ مِثْلَ وادٍ مالاً، لَأحبَّ أنَّ له إليه مِثْلَه، ولا يَمْلأُ عينَ ابنِ آدمَ إلا التُرابُ، ويَتوبُ الله على مَن تابَ)). قال ابنُ عبّاسٍ: فلا أدري منَ القرآنِ هو أم لا، قال: وسمعتُ ابنَ الزُّبَيرِ يقول ذلك على المِنْرِ. قوله: ((عن عطاء)) هو ابن أبي رَباح، وصَرَّحَ فِي الرِّواية الثّانية بسماع ابن جُرَيج له من عطاء، وهذا هو الحكمة في إيراد الإسناد النازِل عَقِبَ العالي، إذ بينَه وبين ابن جُريج في الأوَّل واحد وفي الثّاني اثنان، وفي السَّنَد الثّاني أيضاً فائدة أُخرى وهي الزيادة في آخره، ومحمّد (١) لفظه عند ابن ماجه (٣١٣٥): «إن أُعطي رضي، وأن لم يرض لم يَفِ)). ٥٦ باب ١٠ / ح ٦٤٣٧ فتح الباري بشرح البخاري في الثّاني: هو ابن سَلَام، وقد نُسِبَ في رواية أبي زيد المروزيِّ كذلك، ومَلَد بفتح الميم واللّام بينهما خاء مُعجَمة. قوله: ((سمعتُ النبيَّ ◌َّ) هذا من الأحاديث التي صَرَّحَ فيها ابنُ عبَّاس بسماعِه من النبيّ ◌ََّ، وهي قليلة بالنِّسبة لمرويِّه عنه، فإنَّه أحدُ المكثِرِينَ، ومع ذلك فتَحَمُّله كان أكثرُه عن كبار الصحابة. قوله: (لو كان لابنِ آدم واديانٍ من مالٍ لَا بَتَغَى ثالثاً)) في الرّواية الثّانية: «لو أنَّ لابنِ آدم وادياً مالاً لَأَحبَّ أنَّ له إليه مِثله))، ونحوه في حديث أنس في الباب، وجَمَعَ بين الأمرَينِ في الباب أيضاً، ومثلُه في مُرسَل جُبَير بن نُفَير الذي قَدَّمتُهُ(١) وفي حديث أُبيِّ الذي سأذكره (٦٤٤٠)، وقوله: ((من مال)) فَسَّرَه في حديث ابن الزُّبَير بقوله: ((من ذهب))، ومثله في حديث أنس في الباب، وفي حديث زيد بن أرقَم عند أحمد (١٩٢٨٠) وزاد: ((وفِضّة)) وأوَّله مِثلُ لفظ رواية ابن عبّاس الأولى، ولفظه عند أبي عُبيد في ((فضائل القرآن))(٢): كنَّا نقرأُ على عهد رسول الله وَّة: ((لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفِضّة لابتَغَى الثّالث))، وله(٣) من حديث جابر بلفظ: ((لو كان لابنِ آدم وادي نَخْل)). وقوله: ((لابتَغَى)) بالغَينِ المعجَمة، وهو افتَعَلَ بمعنى الطَّلَب، ومثله في حديث زيد بن أرقَم، وفي الرّواية الثّانية: ((أحبَّ)) وكذا في حديث أنس(٤)، وقال في حديث أنس: ((لَتَمنَّى مِثْلَه ثمَّ تَنَّى مِثله، حتَّى يَتَمِنَّى أودية)). قوله: ((ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابن آدم)) في رواية حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج عند الإسماعيليّ: ((نفس)) بَدَل ((جَوْف))، وفي حديث جابر كالأوَّل، وفي مُرسَل جُبَير بن نُفَير: ((ولا يُشبع - بضمِّ (١) في أول الباب وعزاه لسعيد بن منصور. (٢) ((فضائل القرآن)) ص٣٢٣. (٣) أي: لأحمد، وهو في ((مسنده)) برقم (١٤٦٦٥). (٤) كذا وقع في أصول ((الفتح)) ويغلب على ظننا أنه سبقُ قلمٍ، فإنَّ هذا اللفظ في حديث جابر عند أحمد (١٤٦٦٥). ٥٧ باب ١٠ / ح ٦٤٣٧ كتاب الرقاق أوَّله ـ- جوفَ))، وفي حديث ابن الزُّبَير: ((ولا يَسُدّ جوفَ))، وفي الرِّواية الثّانية في الباب: (ولا يَملَأ عين))، وفي حديث أنس فيه: ((ولا يَملَأ فاُ))، ومثله في حديث أبي واقد عند أحمد(١)، وله في حديث زيد بن أرقَم: ((ولا يَملَأ بطن)). قال الكِرْمانيُّ: ليس المراد الحقيقة في عُضْو بعينِه بقَرِينة عَدَم الانحِصار في التُراب إذ غيره يَملَؤُه أيضاً، بل هو كِنايةٌ عن الموت لأنَّه مُستَلزِم للامتلاء، فكأنَّه قال: لا يَشبَعُ من الدُّنيا حتَّى يموت، فالغرض من العِبارات كلّها واحد، وهي من التَّنُّن في العِبارة. قلت: وهذا يَحسُن فيما إذا اختَلَفَت مَخارجُ الحديث، وأمَّا إذا اتَّدَت فهو من تَصَرُّف الرّواة، ثمَّ نسبةُ الامتلاء للجوفِ واضحة، والبطن بمعناه، وأمَّا النَّفْس فعَبَّرَ بها عن الذّات وأطلقَ الذّاتَ وأراد البطنَ، من إطلاق الكلّ وإرادة البعض، وأمَّا بالنّسبة إلى الفَم فِلِكَونِهِ الطَّريقَ إلى الوصول للجوف، ويحتمل أن يكون المراد بالنَّفْس: العين، وأمَّا العين فلأنَّها الأصل في الطََّب، لأنَّه يرى ما يُعجِبِه فيَطلُبه ليَحُوزَه إليه، وخصَّ البطن في أكثر الرِّوايات؛ لأنَّ أكثر ما يُطلَب المال لتحصيل المستَلَذّات، وأكثرها يكون للأكلِ والشُّرب. وقال الطِّييُّ: وَقَعَ قوله: ((ولا يَملَأ ... )) إلى آخره، مَوقِعَ التَّذييل والتَّقرير للكلام السابق، كأنَّه قيل: ولا يَشبَع مَن خُلِقَ من التُراب / إلّا بالتُراب. ويحتمل أن تكون الحكمة ٢٥٦/١١ في ذِكْر التُّراب دونَ غيره أنَّ المرء لا ينقضی طَمَعُه حتَّى يموت، فإذا ماتَ كان من شأنه أن يُدفَن، فإذا دُفِنَ صُبَّ عليه التُراب، فمَلَأَ جَوفَه وفاهُ وعينَه، ولم يَبقَ منه موضعٌ يحتاج إلى تراب غیره(٢). قوله في الطريق الثانية لابن عباس: ((ويتوبُ الله على مَن تابَ)) أي: أنَّ الله يقبل التَّوبة من الحريص كما يقبلها من غيره، قيل: وفيه إشارة إلى ذَمِّ الاستكثار من جمع المال، وتَمَنِّي ذلك (١) هو عنده برقم (٢١٩٠٦) لكن بلفظ: ((ولا يملأ جوف)). (٢) وقع بعد هذا في (ع) و(س) فقط: ((وأما النسبة إلى الفم فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف))، وهذا تكرار لما تقدم في الفِقْرة السابقة، ولا محلَّ له هنا. ٥٨ باب ١٠/ ح ٦٤٣٨ فتح الباري بشرح البخاري والحِرص عليه، للإشارة إلى أنَّ الذي يَترُك ذلك يُطلَق عليه أنَّه تابَ، ويحتمل أن يكون تابَ بالمعنى اللُّغَويّ: وهو مُطلَق الرُّجوع، أي: رَجَعَ عن ذلك الفعل والتمنِّي. وقال الطِّييُّ: يُمكِن أن يكون معناه: أنَّ الآدميّ مجبولٌ على حُبّ المال، وأنَّه لا يَشَبَع من جمعه إلّا مَن حَفِظَه الله تعالى ووَفَّقه لإزالة هذه الجِبِلّة عن نفسه وقليلٌ ما هم، فَوَضَعَ ((ويتوب)) موضعَه إشعاراً بأنَّ هذه الجِبِلّة مذمومة جارية مَجَرَى الذَّنب، وأنَّ إزالتها ◌ُمكِّنة بتوفيق الله وتسديده، وإلى ذلك الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، ففي إضافة الشُّحّ إلى النَّفْس دلالة على أنَّه غريزة فيها، وفي قوله: ﴿وَمَن يُوقَ﴾ إشارة إلى إمكان إزالة ذلك، ثمَّ رَتَّبَ الفلاحَ على ذلك. قال: وتُؤخَذ المناسَبة أيضاً من ذِكْر التُّراب، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الآدميّ خُلِقَ من التُراب ومن طَبْعه القَبْض واليَيْس، وأنَّ إزالته مُمكِنة بأن يُمطِر الله علیه ما يُصلِحِه حتَّى يُثْمِرَ الِخِلَالِ الَّكيَّة والخِصال المرضيَّة، قال تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الَِّبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ. وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا تَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، فوَقَعَ قوله: ((ويتوب الله ... )) إلى آخره، مَوقِعَ الاستدراك، أي: أنَّ ذلك العَسِرِ الصَّعب يُمكِّن أن يكون يسيراً على مَن يَسَّرَه الله تعالى علیه. قوله: ((قال ابن عبّاس: فلا أدري من القرآن هو أم لا)) يعني: الحديث المذكور، وسيأتي بیانُ ذلك في الكلام علی حدیث أُبيّ (٦٤٤٠). قوله: ((قال: وسمعتُ ابن الزُّبَير)) القائل هو عطاء، وهو مُتَّصِل بالسَّنَد المذكور. وقوله: ((على المِبَرَ)) بَيَّن في الرِّواية التي بعدها أنَّه مِنبَرَ مَكّة. وقوله: ((ذلك)) إشارة إلى الحديث، وظاهره أنَّه باللَّفظِ المذكور بدون زيادة ابن عبّاس. الحديث الثالث: ٦٤٣٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ سليمانَ بنِ الغَسِيلِ، عن عبَّاسِ بنِ سَهْلٍ ابنِ سعدٍ، قال: سمعتُ ابنَ الزُّبَيرِ على المِثْبِرِ بِمَكّةَ في خُطْبِه يقول: يا أيّها الناسُ، إنَّ النبيَّ وَّ ٥٩ كتاب الرقاق كان يقول: «لو أَنَّ ابنَ آدمَ أَعْطِيَ وادياً مَلْئاً من ذهبٍ، أحبَّ إليه ثانياً، ولو أُعْطِيَ ثانياً، أحبَّ إليه ثالثاً، ولا يَسُدُّ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلّا التُرابُ، ويَتوبُ الله على مَن تابَ)). قوله: ((عبد الرَّحمن بن سليمان بن الغَسِيل)) أي: غَسيل الملائكة، وهو حنظلة بن أبي عامر الأَوْسيّ، وهو جَدّ سليمان المذكور، لأنَّه ابن عبد الله بن حَنظَلة، ولعبد الله صُحْبة وهو من صِغار الصحابة، وقُتِلَ يوم الحَرّة، وكان الأميرَ على طائفة الأنصار يومئذٍ، وأبوه استُشهِدَ بأُحُدٍ وهو من كبار الصحابة، وأبوه أبو عامر يُعرَف بالرَّاهب، وهو الذي بُنيَ مسجد الضِّرار بسبِهِ ونزلَ فيه القرآن، وعبد الرَّحمن معدودٌ في صِغار التابعين، لأَنَّه لَقِيَ بعض صِغار الصحابة، وهذا الإسناد من أعلى ما في ((صحيح البخاريّ))، لأنَّه في حُكْم الثَّلاثيّات وإن كان رُباعيّاً، وعبَّاس بن سهل بن سعد هو ولد الصحابيّ المشهور. الحديث الرابع: ٦٤٣٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «لو أنَّ لابنِ آدمَ وادياً من ذهبٍ، أحبَّ أن يكونَ له واديَانٍ، ولن يَمْلأَ فاهُ إلا التُرابُ، ويَتوبُ الله علی مَن تابَ)). قوله: ((عبد العزيز)) هو الأَوَيسِيّ، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وابن شِهاب: هو الزّهْريّ. قوله: (أحبّ أن یکون)) كذا وَقَعَ بغیر لام وهو جائز، وقد تقدَّم من رواية ابن عبّاس بلفظ: ((لَأحبَّ)). الحديث الخامس: ٦٤٤٠ - وقال لنا أبو الوليدِ: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنس، عن أَبيِّ قال: كنّا نُرَى هذا منَ القرآنِ، حتَّى نزلت: ﴿أَلْهَنَّكُمُ الْتَّكَثِرُ﴾. قوله: ((وقال لنا أبو الوليد)) هو الطَّالسيّ هشام بن عبد الملك، وشيخه حَمَّاد بن سَلَمة لم يَعُدّوه فيمَن خَرَّجَ له البخاريّ موصولاً، بل عَلَّمَ الِّيُّ على هذا السَّنَد في ((الأطراف)) علامةَ التَّعليق، وكذا رَقَمَ لحَّادِ بن سَلَمة في ((التَّهذيب)) علامةَ التَّعليق ولم يُنبِّه على هذا ٦٠ فتح الباري بشرح البخاري الموضع، وهو مَصِير منه إلى استواء ((قال فلان)) ((وقال لنا فلان))، وليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ قوله: قال لنا، ظاهر في الوَصْل، وإن كان بعضهم قال: إنَّها للإجازة أو للمُناوَلة أو للمُذاكَرة، فكلّ ذلك في حُكم الموصول، وإن كان التَّصريح بالتَّحديثِ أشدّ اتِّصالاً. والذي ظَهَرَ لي بالاستقراءِ من صنيع البخاريّ: أنَّه لا يأتي بهذه الصِّيغة إلّا إذا كان ٢٥٧/١١ المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأن يكون ظاهرُه/ الوقف، أو في السَّنَد مَن ليس على شرطه في الاحتجاج، فمن أمثلة الأوَّل قولُه في كتاب النِّكاح (٥١٠٥) في ((باب ما يَحِلّ من النِّساء وما يَحِرُم)): قال لنا أحمد بن حَنبَل: حدَّثنا يحيى بن سعيد، هو القَطّان، فذكر عن ابن عبّاس قال: حَرُمَ من النَّسَب سبعٌ ومن الصِّهر سبعٌ ... الحديث، فهذا من كلام ابن عبّاس فهو موقوف، وإن كان يُمكِن أن يُتْلَمَّح له ما يُلحِقه بالمرفوع. ومن أمثلة الثّاني قولُه في المزارعة (٢٣٢٠): قال لنا مسلم بن إبراهيم: حدَّثنا أبانُ العَطّار، فذكر حديث أنس: ((لا يَغْرِس مسلم غَرساً» الحديث، فأبانُ ليس على شرطه كحمَّدِ بن سَلَمة، وعَبَّرَ في التَّخريج لكلٍّ منهما بهذه الصّيغة لذلك، وقد عَلَّقَ عنهما أشياءَ بخِلَاف الواسطة التي بينه وبينه، وذلك تعليق ظاهر، وهو أظهَرُ في كَونِه لم يَسُقه مَساقَ الاحتجاج من هذه الصّيغة المذكورة هنا، لكنَّ السِّ فيه ما ذكرتُ، وأمثلة ذلك في الكتاب كثيرة تظهر لمن تَتَبَّعَها. قوله: ((عن ثابت)) هو البُنَانُّ، ويقال: إنَّ حمّاد بن سَلَمة كان أثبَتَ الناس في ثابت، وقد أكثرَ مسلمٌ من تخريج ذلك مُحْتَجّاً به، ولم يُكثِرِ من الاحتجاج بحَّادِ بن سَلَمة كإكثاره في احتجاجه بهذه النُّسخة. قوله: ((عن أَبيّ)) هو ابن كَعْب، وهذا من رواية صحابيّ عن صحابيّ، وإن كان أُبيّ أكبر من أنس. قوله: ((كنَّا نُرَى)) بضمِّ النُّون أوَّله، أي: نَظُنّ، ويجوز فتحها من الرَّأي، أي: نَعتَقِد. قوله: ((هذا)) لم يُبيِّن ما أشارَ إليه بقوله: هذا، وقد بيَّنْه الإسماعيليّ من طريق موسى بن