Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب ٤ / ح ٦٤١٧ - ٦٤١٨
كتاب الرقاق
وقوله: (ولا حِسابَ)) بالفتح بغير تنوين، ويجوز الرَّفع مُنَوَّناً، وكذا قوله: ولا عمل.
٦٤١٧ - حدَّثْنَا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حذَّثني أَبي، عن مُنْذِرٍ،
عن رَبيعِ بنِ خُثَيم، عن عبدِ اله ◌َّ، قال: خَطَّ النبيُّ ◌َِّ خَطاً مُربَّعاً، وخَطَّ خَطاً في الوَسَطِ خارجاً
منه، وخَطَّ خُطُطاً صِغاراً إلى هذا الذي في الوَسَطِ من جانبِهِ الذي في الوَسَطِ، وقال: ((هذا
الإنسانُ، وهذا أجَلُهُ مُحِيطٌ به - أو قد أحاطَ به - وهذا الذي هو خارجُ أمَلُه، وهذه الخُطُطُ الصِّغارُ
الأعراضُ، فإنْ أخطأَه هذا نَهَشَه هذا، وإن أخطأَه هذا نَهَشَه هذا)).
٦٤١٨- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا همَّامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسٍ،
قال: خَطَّ النبيُّ ◌َِّ خُطوطاً، فقال: ((هذا الأمَلُ، وهذا أجَلُه، فبينما هو كذلك إذْ جاءه الخطّ
الأقرب».
قوله: (يحيى بن سعيد)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ، وأبوهُ سعيد بن مسروق،
ومُنذِر: هو ابن يَعْلى أبو يعلى الثَّوْرِيُّ، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: أبو يَعْلِى، فقط. والرَّبيع
ابن خُثَيم بمُعجَمةٍ ومُثلَّثة مُصغَّر، وعبد الله: هو ابن مسعود، ومن الثَّوْريّ فصاعِداً
كوفيّونَ.
قوله: ((خَطَّ النبيُّ ◌َّ- خَطّاً مُربَّعاً)) الخطّ: الرَّسْم والشَّكل، والمَرَبَّع: المستَوي الَّوايا.
قوله: ((وخَطَّ خَطّاً في الوَسَط خارجاً منه، وخَطَّ خُطَطاً صِغاراً إلى هذا الذي في الوَسَط
وقيل: ھذہ صفته:
من جانبه الذي في الوَسَط)) قيل: هذه صِفَة الخطِّ:
ورسمه ابنُ الِّين
وقيل: صفته:
وقيل: صفته:
الأمل
الإنسان
والأوَّل / المعتمد، وسياق الحديث يتنزّل عليه، فالإشارة بقوله: «هذا ٢٣٨/١١
هکذا:
الإنسان)) إلى النقطة الدَّاخلة، وبقوله: ((وهذا أجَلُه محيطٌ به)) إلى المربَّع، وبقوله: ((وهذا
الذي هو خارج أمَلُه)) إلى الخطّ المستطيل المنفَرِد، وبقوله: ((وهذه)) إلى الخطوط، وهي
مذكورة على سبيل المثال لا أنَّ المراد انحِصارُها في عَدَد مُعيَّن، ويُؤِّده قوله في حديث
أنس بعده: ((إذ جاءه الخطُّ الأقرَبُ)) فإنَّه أشارَ به إلى الخطِّ المحيط به، ولا شكَّ أنَّ الذي

٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
يُحيط به أقربُ إليه من الخارج عنه.
وقوله: ((خُطُطاً)) بضمِّ المعجَمة والطاء الأولى للأكثرِ، ويجوز فتح الطاء.
وقوله: ((هذا إنسان)) مُبْتَدَأ وخَبَر، أي: هذا الخطّ هو الإنسان على التَّمثيل.
قوله: ((وهذه الخُطُط)) بالضَّمِّ فيهما أيضاً، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ: ((وهذه
الخطوط)).
قوله: ((الأعْراض)) جمع عَرَض بفتحَتَين، وهو ما يُنتَفَع به في الدُّنيا في الخير وفي الشّ،
والعَرْض بالسُّكون: ضِدّ الطّويل، ويُطلَق على ما يُقابِلِ النَّقْدَين، والمراد هنا الأوَّل.
قوله: (نَهَشَه)) بالنّونِ والشّين المعجمة، أي: أصابه. واستُشكلَت هذه الإشارات الأربع
مع أنَّ الخطوط ثلاثة فقط، وأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ للخَطِّ الدَّاخل اعتبارَين: فالمِقِدار
الدَّاخِلُ منه هو الإنسان والخارج أمَلُه، والمراد بالأعراض الآفات العارضة له، فإن سَلِمَ
من هذا لم يَسلَم من هذا، وإن سَلِمَ من الجميع ولم تُصِبه آفة من مرض أو فَقْد مال أو غير ذلك
بَغَتَه الأجَل، والحاصل أنَّ مَن لم يَمُت بالسَّبب ماتَ بالأجل.
وفي الحديث إشارة إلى الحضّ على قِصَر الأمل والاستعداد لبَغْتَة الأجل. وعَبَّرَ بالنَّهشِ،
وهو لَدِغُ ذات السُّمّ، مُبالَغةً في الإصابة والإهلاك.
قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وثَبَتَ كذلك في رواية الإسماعيليّ عن الحسن بن
سفيان عن عبد العزيز بن سَلّام عنه.
قوله: ((هَمَّام)) هو ابن يحيى، وثَبَتَ كذلك في رواية الإسماعيليّ.
قوله: ((عن إسحاق)) في رواية الإسماعيليّ: حدَّثنا إسحاق، وهو ابن أخي أنس لأُمُّه.
قوله: «خطوطاً» قد فُسّرَت في حديث ابن مسعود.
قوله: ((فبينما هو كذلك)) في رواية الإسماعيليّ: ((يأمُل)) وعند البيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٤٥٣)
من وجهٍ آخر عن إسحاق سياقُ المتن أتمّ منه ولفظه: خَطَّ خُطوطاً وخَطَّ خَطّاً ناحيةً ثمّ قال:

٢٣
باب ٥ / ح ٦٤١٩
كتاب الرقاق
((هل تدرونَ ما هذا؟ هذا مَثَلُ ابنِ آدم ومَثَلُ التمنِّي، وذلك الخطّ الأمل، بينما يأمُّل إذ جاءه
الموت))، وإِنَّمَا جَمَعَ الخطوطَ ثمَّ اقتَصَرَ في التَّفصيل على اثنَينِ اختصاراً، والثّالث الإنسان،
والرَّابع الآفات.
وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٣٣٤) حديث أنس من رواية حَمَّد بن سَلَمة عن عُبيد الله بن
أبي بكر بن أنس عن أنس بلفظ: ((هذا ابن آدم وهذا أجَله)) ووَضَعَ يدَه عند قَفَاه ثمَّ بَسَطَها
فقال: ((وثَمَّ أمَله، وثَمَّ أجَله)) أي: أنَّ أجَله أقرب إليه من أمَله. قال التِّرمِذيّ: وفي الباب
عن أبي سعيد. قلت: أخرجه أحمد (١١١٣٢) من رواية عليّ ابن عليّ عن أبي المتوكّل عنه
ولفظه: أنَّ النبيّ ◌َّهَ غَرَزَ عوداً بين يَدَيه ثمَّ غَرَزَ إلى جنبه آخر، ثمَّ غَرَز الثّالث فأبعَدَه، ثمّ
قال: ((هذا الإنسانُ وهذا أجَله وهذا أمَله))، والأحاديث مُتوافِقة على أنَّ الأجل أقرَبُ من
الأمل.
٥- بابٌ مَن بلغ ستّين سنةً، فقد أعذَرَ الله إليه في العُمُر
لقولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]: يعني
الشَّيبَ.
٦٤١٩ - حدَّثني عبدُ السَّلامِ بنُ مُطهّرٍ، حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ، عن مَعْنِ بنِ محمَّدِ الغِفَاريِّ،
عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((أعذَرَ اللهُ إلى امرِئٍ أَخَّرَ
أجَلَه حتَّى بَلَّغَه سِتِّينَ سَنةً)).
تابَعَه أبو حازمٍ وابنُ عَجْلانَ، عن المقُريِّ.
قوله: ((باب مَن بَلَغَ سِتّينَ سنةً فقد أعذَرَ الله إليه في العُمُر، لقولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا ٢٣٩/١١
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ﴾)) كذا للأكثر، وسَقَطَ قوله: ((لقولِه تعالى)) في رواية
النَّسَفيّ(١)، وثَبَتَ قوله: ((يعني الشَّيب)) في رواية أبي ذرِّ وحده، وقد اختَلَفَ أهل التَّفسير
(١) وقع في الأصول: ((وفي رواية النسفي: يعني الشيب)) بزياد الواو في أوله و ((يعني الشيب)) في آخره، وبهاتين
الزيادتين يضطرب الكلام، ويغلب على ظنِنا أنَّ الصواب ما أثبتناه.

٢٤
باب ٥ / ح ٦٤١٩
فتح الباري بشرح البخاري
فيه، فالأكثر على أنَّ المراد به الشَّيب، لأَنَّه يأتي في سِنّ الكُهولة فما بعدها، وهو علامة لمُفارَقة
سِنّ الصِّبَا الذي هو مَظِنّة اللهو، وقال عليٌّ: المراد به النبيّ وَّ.
واختلفوا أيضاً في المراد بالتَّعمير في الآية على أقوال:
أحدها: أنَّه أربعون سنة، نَقَلَه الطَّبَرِيُّ عن مسروق وغيره، وكأنَّه أخَذَه من قوله: ﴿بَلَغَ
أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ﴾ [الأحقاف: ١٥].
والثّاني: ستّ وأربعونَ سنة، أخرجه ابن مَرْدويه من طريق مجاهد عن ابن عبّاس وتلا
الآية، ورواته رجال الصَّحيح إلّ ابنَ خُثَيم فهو صَدُوق وفيه ضعف.
والثّالث: سبعونَ سنة، أخرجه ابن مَرْدويه من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: ﴿أَوَلَمْ
نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فقال: نزلت تعبيراً لأبناءِ السَّبعينَ، وفي
إسناده یحیی بن میمون وهو ضعيف.
الرَّابع: ستّون، وتَسَّكَ قائلُه بحديث الباب، ووَرَدَ في بعض طرقه التَّصريح بالمراد،
فأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق سعيد بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي حازم
عن أبيه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بلفظ: العُمُر الذي أعذَرَ الله فيه لابنِ آدم
ستّونَ سنة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِهِ مَن تَذَكَّرُ﴾، وأخرجه ابن مَرْدويه من طريق
حمّاد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد مِثله.
الخامس: التردُّد بين السِّينَ والسَّبعينَ، أخرجه ابن مَرْدويه من طريق أبي مَعشَر عن
سعيد عن أبي هريرة بلفظ: ((مَن عُمِّرَ ستّينَ أو سبعينَ سنةً فقد أعذَرَ اللهُ إليه في العمر))،
وأخرجه أيضاً من طريق مُعتَمِر بن سليمان عن مَعمَر عن رجل من غِفَار يقال له: محمّد
عن سعيد عن أبي هريرة بلفظ: ((مَن بَلَغَ السِّينَ والسَّبعينَ))، ومحمّد الغِفَاريُّ: هو ابن مَعْن
الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، اختُلِفَ عليه في لفظه، كما اختُلِفَ على سعيد المقبريِّ في
لفظه، وأصحّ الأقوال في ذلك ما ثَبَتَ في حديث الباب، ويدخل في هذا حديث: ((مُعتَرَك
المنايا ما بين ستّينَ وسبعينَ)) أخرجه أبو يَعْلى (٦٥٤٣) من طريق إبراهيم بن الفضل عن

٢٥
باب ٥ / ح ٦٤١٩
كتاب الرقاق
سعيد عن أبي هريرة، وإبراهيم ضعيف.
قوله: ((حدَّثنا عبد السَّلام بن مُطهّر)) بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد الهاء المفتوحة،
وشيخه عمر بن عليّ: هو المقدَّميّ، وقد تقدَّم بهذا الإسناد إلى أبي هريرة حديثٌ آخر (٣٩)،
وذكرتُ أنَّ عمر مُدلِّس وأنَّه أورَدَه بالعَنعَنة، وبيَّنتُ عُذر البخاريّ في ذلك أنَّه وُجِدَ من
وجه آخر مُصرَّح فيه بالسَّماع.
وأمَّا هذا الحديث، فقد أخرجه أحمد (٧٧١٣) عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن رجل من
بني غِفَار عن سعيد المقبريِّ بنحوِهِ، وهذا الرجل المبهم هو مَعْن بن محمَّد الغِفَاريّ، فهي
مُتَابَعة قويَّة لعمر بن عليّ، وأخرجه / الإسماعيليّ من وجه آخر عن مَعمَر، ووَقَعَ لشيخِه فيه ٢٤٠/١١
وهم ليس هذا موضعَ بیانه.
قوله: ((أعْذَرَ الله)) الإعذار: إزالة العُذْر، والمعنى: أنَّه لم يَبقَ له اعتذار، كأن يقول: لو مُدَّ
لي في الأجَل لَفَعَلتُ ما أُمِرت به، يقال: أعذَرَ إليه: إذا بَلَّغَه أقصَى الغاية في العُذر ومَكَّنَه
منه. وإذا لم يكن له عُذر في ترك الطاعة مع تمكُّنه منها بالعُمرِ الذي حَصَلَ له، فلا ينبغي له
حينئذٍ إلّا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكُلَيَّة، ونسبة الإعذار إلى الله مَجَازِيَّة،
والمعنى: أنَّ الله لم يَترُك للعبد سبباً في الاعتذار يَتَمسَّك به، والحاصل أنَّه لا يُعاقِب إلّا بعد
حُجّة.
قوله: ((أَخَّرَ أجَلَه) يعني: أطالَه ((حَتَّى بَلَّغَه سِتّينَ سنة)) وفي رواية مَعمَر: ((لقد أعذَرَ الله إلى عبدٍ
أحياه حتَّى يَبلُغ ستّينَ سنة أو سبعينَ سنة، لقد أعذَرَ الله إليه، لقد أعذَرَ الله إليه)).
قوله: ((تابَعَه أبو حازم وابن عَجْلان، عن المقبُريِّ)) أمَّا مُتابعة أبي حازم - وهو سَلَمة بن
دينار - فأخرجها الإسماعيليّ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم: حدَّثني أبي عن سعيد بن
أبي سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة، كذا أخرجه الحُفّاظ عن عبد العزيز بن أبي حازم،
وخالَفَهم هارون ابن معروف فرواه عن ابن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبريِّ عن أبيه
عن أبي هريرة، أخرجه الإسماعيليّ، وإدخالُه بين سعيد وأبي هريرة فيه رجلاً من المَزِيد في

٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
مُتَّصِل الأسانيد، وقد أخرجه أحمد (٩٣٩٤) والنَّسائيُّ (ك١١٨٢٢) من رواية يعقوب بن
عبد الرّحمن عن أبي حازم عن سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة، بغير واسطة.
وأمَّا طريق محمَّد بن عَجْلان، فأخرجه أحمد (٨٢٦٢) من رواية سعيد بن أبي أيوب عن
محمَّد بن عَجْلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة بلفظ: ((مَن أتت عليه ستّونَ
سنة، فقد أعذَرَ اللهُ إليه في العُمُر)).
قال ابن بَطّال: إنَّما كانت السِّونَ حَدّاً لهذا، لأنَّها قريبة من المعتَرَك، وهي سِنّ الإنابة
والخُشوع وتَرَقُّب المنيّة، فهذا إعذار بعد إعذار لُطفاً من الله بعبادِه حينَ نَقَلهم من حالة
الجهل إلى حالة العلم، ثمَّ أعذَرَ إليهم فلم يعاقبهم إلّا بعد الحُجَج الواضحة، وإن كانوا
فُطِروا على حُبّ الدُّنيا وطول الأمل، لكنَّهم أُمِروا بمجاهدة النَّفْس في ذلك ليَتَمثَّلُوا ما
أُمِروا به من الطاعة، ويَنْزَجِروا عَّا نُهوا عنه من المعصية.
وفي الحديث إشارة إلى أنَّ استكمال السِّينَ مَظِنّة لانقضاءِ الأجل، وأصرَحُ من ذلك ما
أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٥٠) بسندٍ حسن إلى أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة رَفَعَه:
((أعمار أمَّتي ما بين السِّينَ إلى السَّبعينَ، وأقلُّهم مَن يَجُوزُ ذلك)).
قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سِنّ الطُّفوليَّة، ثمَّ الشَّباب، ثمَّ الكُهولة، ثمَّ
الشَّيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون ما بين السِّينَ والسَّبعينَ، فحينئذٍ يظهر
ضعفُ القوّة بالنَّقَصِ والانحطاط، فينبغي له الإقبالُ على الآخرة بالكُلّيَّة لاستحالة أن
يَرجِع إلى الحالة الأولى من النَّشاط والقوّة. وقد استَنَبَطَ منه بعض الشافعيَّة: أنَّ مَن
اسْتَكمَلَ ستّينَ فلم يَحِجَّ مع القُدْرة، فإنَّه يكون مُقصِّراً، ويأثَم إن ماتَ قبل أن يحجّ،
بِخِلَاف ما دونَ ذلك.
الحديث الثاني:
٦٤٢٠ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو صَفْوانَ عبدُ الله بنُ سعیدٍ، حدثنا يونسُ، عن
ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهوَلا يقول:

٢٧
كتاب الرقاق
((لا يزالُ قَلْبُ الكبيرِ شاباً في اثنتَينِ: في حُبِّ الدُّنْيا، وطولِ الأملِ)).
قال ليثٌ: حدَّثني يونسُ. وابنُ وَهْب: عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني سعيدٌ
وأبو سَلَمةَ.
قوله: ((يونس)) هو ابن يزيد الأَيَليّ.
قوله: ((لا يزال قَلْب الكبير شابّاً في اثنتَينِ: في حُبّ الدُّنْيا، وطولِ الأمل)) المراد بالأملِ هنا
مَحَبّة طول العُمُر، فَسَّرَه حديثُ أنس الذي بعده في آخر الباب، وسَمّاه شابّاً إشارةً إلى قوّة
استحكام حُبّه للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة.
قوله: «قال ليثٌ: عن يونس(١)، وابنُ وَهْب: عن يونس، عن ابن شِهاب، أخبرني سعيد)»
هو ابن المسيّب ((وأبو سَلَمة)) يعني: كلاهما عن أبي هريرة. أمَّا رواية ليث - وهو ابن سعد -
فَوَصَلَها الإسماعيليّ من طريق أبي صالح كاتب اللَّيث: حدَّثنا اللَّيث حدَّثني يونس - هو
ابن يزيد - عن ابن شِهاب أخبرني سعيد وأبو سَلَمة عن أبي هريرة بلفظه، إلّا أنَّه قال:
(المال)) بَدَل: الدُّنيا.
وأمَّا رواية ابن وهب، فوَصَلَها مسلم (١١٤/١٠٤٦) عن حَرمَلة (٢) عنه بلفظ: ((قلبُ
الشَّيخ شابٌّ على حُبّ اثنتين: طول الحياة، وحُبّ المال)).
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق أيوب بن سُويدٍ عن يونس مِثلَ/ رواية ابن وهب سواء. ٢٤١/١١
وأخرجه البيهقيُّ (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة بزيادةٍ في أوَّله قال: ((إنَّ ابن آدم يَضعُف
جِسمُه ويَنحَلُ لحمُّه من الكِبر وقلبه شابٌ)).
(١) كذا وقع في أصول ((الفتح)) بالعنعنة، وهو خطأ، فإنَّ في روايات ((الصحيح))، كافة - كما في اليونينية -:
حدثني يونس بصيغة التحديث، وهي هكذا موصولة عند الإسماعيلي، وإلا فلا فائدة من إيراد روايتي
الليث وابن وهب كلٌّ على حِدَة، وما ذلك إلّا للتنبيه على اختلاف صيغتي التحمُّل.
(٢) وقرن بحرملة أبا الطاهر المصري.
(٣) في ((الزهد)) (٤٥٥)، وسنده ضعيف جداً.

٢٨
باب ٥ / ح ٦٤٢١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث:
٦٤٢١ - حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، عن أنس ◌َُ، قال: قال رسولُ الله ◌َله.
((يَكْبَرُ ابنُ آدَمَ ويَكْبُرُ معه اثنانٍ: حُبُّ المالِ، وطولُ العُمُرِ)).
رواه شُعْبةُ، عن قَتَادةَ.
قوله: ((حدَّثنا مسلمٌ)) كذا لأبي ذرِّ غير منسوب، ولغيره: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم،
وهشام: هو الدَّستُوائيّ.
قوله: (يَكبَ)) بفتح الموحّدة، أي: يَطعُن في السِّنّ.
قوله: ((وَيَكْبُرُ معه)) بضمِّ الموخَّدة، أي: يَعظُم، ويجوز الفتح، ويجوز الضَّمّ في الأوَّل تعبيراً
عن الكَثْرة، وهي كَثْرة عَدَد السِّنينَ بالعِظَم.
قوله: ((اثنتان: حُبُّ المال، وطولُ العُمُر)) في رواية أبي عَوَانة عن قَتَادة عند مسلم (١٠٤٧):
(يَهَرَم ابنُ آدم ويَشِبّ معه اثنتان: الحِرص على المال، والحرص على العمر))، ثمَّ أخرجه من طريق
معاذ بن هشام عن أبيه، قاله بمثله.
قوله: ((رواه شُعْبة، عن قَتَادة)» وَصَلَه مسلم (١١٥/١٠٤٧) من رواية محمّد بن جعفر
عن شُعْبة، ولفظه: سمعت قَتَادة يُحدِّث عن أنس بنحوه، وأخرجه أحمد (١٢٢٠٢
و١٢٧٢١ و١٣٩١٧) عن محمّد بن جعفر بلفظ: «يَهرَم ابن آدم ويَشِبّ منه اثنتان»(١).
وفائدة هذا التَّعليق دفعُ تَوهُّم الانقطاع فيه لكَونِ قَتَادةَ مُدلِّساً وقد عَنعَنَه، لكن شُعْبة
لا يُحدِّث عن المدِّسينَ إلّا بما علم أنَّه داخل في سماعهم، فيستوي في ذلك التَّصريحُ والعَنعَنة
بخِلاف غيره.
قال النَّوويّ: هذا مجاز واستعارةٌ ومعناه: إنَّ قلب الشَّيخ كامل الحُبّ للمال مُحُتَكِم في
ذلك كاحتكام قوّة الشّابِّ في شَبابه، هذا صوابه، وقيل في تفسيره غير هذا ممّا لا يُرتَضَى.
(١) هو عنده بلفظ: ((ويبقى)) بدل: ويشب.

٢٩
باب ٦ / ح ٦٤٢٢ - ٦٤٢٣
كتاب الرقاق
وكأنَّه أشارَ إلى قول عِيَاض: هذا الحديث فيه من المطابقة وبديع الكلام الغايةُ، وذلك
أنَّ الشَّيخ من شأنه أن تكون آماله وحِرصُه على الدُّنيا قد بَلِيَت على بلاء جسمه إذا انقَضَى
عُمُره، ولم يَبَقَ له إلّا انتظارُ الموت، فلمَّا كان الأمر بضِدِّه ذُمَّ. قال: والتَّعبير بالشّابِّ إشارة
إلى كَثْرة الحِرص وبُعْد الأمل الذي هو في الشَّباب أكثر وبهم أليَقُ، لكَثْرة الرَّجاء عادةً
عندهم في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولَذّاتهم في الدُّنيا.
قال القُرطُبيّ: في هذا الحديث كراهةُ الحِرص على طول العُمُر وكَثْرة المال، وأنَّ ذلك
لیس بمحمودٍ.
وقال غيره: الحكمة في التَّخصيص بهذَينِ الأمرَينِ أنَّ أحبّ الأشياء إلى ابن آدم نفسه،
فهو راغِبٌ في بقائها فأحبَّ لذلك طول العُمُر، وأحبَّ المال لأنَّه من أعظم الأسباب في
دَوَامِ الصِّحّة التي يَنشَأ عنها غالباً طول العمر، فكلَّما أحَسَّ بقُربِ نَفادِ ذلك اشتَدَّ حُبّه له
ورغبته في دوامه. واستُدِلَّ به على أنَّ الإرادة في القلب خِلافاً لمن قال: إنَّها في الرَّأس، قاله
المازَرِيّ.
تنبيه: قال الكِرْمانيُّ: كان ينبغي له أن يَذكُر هذا الحديث في الباب السابق؛ يعني ((باب
في الأمل وطوله)). قلت: ومُناسَبته للباب الذي ذكره فيه ليست ببعيدة ولا خَفيَّة.
٦ - باب العمل الّذي يُبتغَی به وجهُ الله
فیه سَعْدٌ.
٦٤٢٢- حدّثنا معاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
محمودُ بنُّ الرَّبيع؛ وزَعَمَ محمودٌ: أَنَّه عَقَلَ رسولَ اللهِّهِ، وقال: وعَقَلَ تَجَّةً تَجَّها من دَلْوٍ كانت
في دارهم.
٦٤٢٣- قال: سمعتُ عِثْبانَ بنَ مالكِ الأنصاريَّ، ثمَّ أحدَ بني سالم قال: غَدَا عليَّ
رسولُ اللهِ وَّةِ، فقال: «لن يُوافيَ عبدٌ يومَ القيامةِ يقول: لا إلهَ إلّا الله، يَبْتَغي به وجهَ الله، إلّا
حَرَّمَ اللهُ عليه النارَ)).

٣٠
باب ٦ / ح ٦٤٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
٦٤٢٤ - حذَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عَمرو، عن سعيد المقبريِّ، عن
أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ وَّه قال: «يقول الله تعالى: ما لِعَبْدي عندي جزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّه من
أهلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهَ إلّ الجنَّةَ».
٢٤٢/١١
قوله: ((باب العمل الذي يُبتَغَى به وَجْه الله تعالى)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة للجميع، وسَقَطَت
من ((شرح ابن بَطّال)) فأضافَ حديثَها عن عِتْبان للذي قبله، ثمَّ أَخَذَ في بيان المناسَبة لترجمة
مَن بَلَغَ ستّينَ سنة، فقال: خَشِيَ المصنِّف أن يُظنّ أنَّ مَن بَلَغَ السِّتّينَ وهو مُواظِب على
المعصية أن يَنفُذ عليه الوعيد، فأورَدَ هذا الحديث المشتَمِل على أنَّ كلمة الإخلاص تنفع
قائلها، إشارةً إلى أنَّها لا تَّخُصّ أهل عُمُرِ دونَ عُمُر، ولا أهل عملٍ دونَ عمل، قال:
ويُستَفاد منه أنَّ التَّوبة مقبولة ما لم يَصِلْ إلى الحدّ الذي ثَبَتَ النَّقَل فيه أنَّها لا تُقبَل معه، وهو
الوصول إلى الغَرغَرة.
وتَبِعَه ابن المنِّر فقال: يُستفاد منه أنَّ الإعذار لا يقطعُ التَّوبة بعد ذلك، وإنَّما هو لقَطْع الْحُجّة
التي جعلها الله للعبد بفضلِه، ومع ذلك فالرَّجاء باقٍ بدلیلِ حديث عِتْبان وما ذُكِرَ معه. قلت:
وعلى ما وَقَعَ في الأُصول، فهذه مُناسبة تعقيب الباب الماضي بهذا الباب.
قوله: ((فيه سَعْد)) كذا للجميع، وسَقَطَ للَّسَفيِّ وللإسماعيليِّ وغيرهما، وسعدٌ فيما يظهر لي:
هو ابن أبي وقّاص، وحديثه المشار إليه ما تقدَّم في المغازي (٤٤٠٩) وغيرها (٥٦) من رواية عامر
ابن سعد عن أبيه في قصَّة الوصيّة، وفيه: ((الثُّلث والثُّلث كثير))، وفيه قوله: فقلت: يا رسول الله
أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: ((إنَّك لن تُحُلَّف فتَعمَلَ عملاً تبتغي به وجه الله إلّا ازدَدتَ به درجةً
ورِفعة)) الحديث، وقد تقدَّم هذا اللَّفظ في كتاب الهجرة إلى المدينة (٣٩٣٦). ثم ذكر المصنف
طرفاً من حديث محمود بن الرَّبيع عن عِتبان بن مالك.
قوله: ((حدَّثنا معاذ بن أسد)) هو المروزيّ، وشيخه عبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((غَدَا عليَّ رسول الله وَ له فقال: لن يُوافي)) هكذا أورَدَه مختصراً، وليس هذا القول
مُعَقَّباً بالغُدوّ، بل بينهما أُمور كثيرة من دخول النبيّ ◌َّه مَنْزِلَه وصلاته فيه، وسؤالهم أن

٣١
باب ٦ / ح ٦٤٢٤
كتاب الرقاق
يَتأخّر عندهم حتَّى يُطعِموه، وسؤاله عن مالك بن الدُّخشُم وكلام مَن وَقَعَ في حَقّه
والمراجَعة في ذلك، وفي آخره ذلك القولُ المذكور هنا، وقد أورَدَه في ((باب المساجد في
البيوت)) في أوائل الصلاة (٤٢٥)، وأورَدَه أيضاً مُطوَّلاً من طريق إبراهيم بن سعد عن
الزُّهْريِّ في أبواب صلاة التطوُّع (١١٨٦)، وأخرج منه أيضاً في أوائل الصلاة في (باب إذا
زارَ قوماً فصَلَّى عندهم)) (٦٨٦) عن معاذ بن أسَد بالسَّنَدِ المذكور في حديث الباب من المتن
طَرَفاً غير المذكور هنا.
وقوله في هذه الرّواية: ((حَرَّمَ الله عليه النار)) وَقَعَ في الرِّواية الماضية: ((حَرَّمَه الله على
النار))، قال الكِرْمانيُّ ما مُلخَّصه: والمعنى واحد لوجودِ التَّلازم بين الأمرين، واللَّفظ
الأوَّل هو الحقيقة، لأنَّ النار تأكُل ما يُلقَى فيها، والتَّحريم يناسب الفاعل فيكون اللَّفظ
الثّاني مجازاً.
قوله: «يعقوب بن عبد الرحمن)» هو الإسكندرانيّ.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن أبي عَمْرو مولى المطَّلِب.
قوله: ((أنَّ رسول الله وَّل قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء)) أي: ثواب،
ولم أرَ لفظ ((جزاء)» في رواية الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان، ولأبي نُعَيم من طريق
السَّرّاج كلاهما عن قُتَيبة.
قوله: ((إذا قَبَضْتُ صَفِيَّه)) بفتح الصّاد المهمَلة وكسر الفاء وتشديد التَّحتانيَّة، وهو
الحبيب المصافي كالولدِ والأخ وكلِّ مَن يُحِبّه الإنسان، والمراد بالقَبْض قَبضُ روحه، وهو
الموت.
قوله: ((ثمَّ احتَسَبَهَ إِلّ الجنَّة)) قال الجَوْهريّ: احتَسَبَ ولدَه: إذا ماتَ كبيراً، فإن ماتَ
صغيراً قيل: أفرَطَه، وليس هذا التَّفصيل مُراداً هنا، بل المراد باحتَسَبَه: صَبَرَ على فَقْده
راجياً الأجرَ من الله على ذلك، وأصل الحِسبة بالكسر: الأَجرة، والاحتساب: طلبُ الأجر
من الله تعالی خالصاً./
٢٤٣/١١

٣٢
باب ٦ / ح ٦٤٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
واستَدَلَّ به ابن بَطّال على أنَّ مَن ماتَ له ولد واحد يَلتَحِق بمَن ماتَ له ثلاثة وكذا
اثنان، وأنَّ قول الصحابيّ كما مضى في ((باب فضل مَن ماتَ له ولد)) من كتاب الجنائز
(١٢٥٠ و١٢٥١): ولم نسأله عن الواحد (١)، لا يَمنَع من حصول هذا الفضل لمن ماتَ له
واحد، فلعلَّهِ وَّ سُئلَ بعد ذلك عن الواحد فأخبر بذلك، أو أنَّه أعلم بأنَّ حُكم الواحد
حُكم ما زاد عليه فأخبر به.
قلت: وقد تقدَّم في الجنائز تسمية مَن سألَ عن ذلك، والرِّواية التي فيها: ثمَّ لم نسأله
عن الواحد، ولم يقع لي إذ ذاكَ وقوعُ السُّؤال(٢) عن الواحد، وقد وجدتُ من حديث جابر
ما أخرجه أحمد (١٤٢٨٥) من طريق محمود بن لَبيد(٣) عن جابر، وفيه: قلنا: يا رسول الله،
واثنان؟ قال: ((واثنان))، قال محمود: فقلت لجابر: أُراكم لو قلتُم واحداً، لَقال واحداً، قال:
وأنا والله أظنُّ ذاكَ، ورجاله موثَّقونَ.
وعند أحمد (٢٢٠٠٨) والطبرانيِّ (٢٩٩/٢٠) من حديث معاذ رَفَعَه: ((أوجَبَ ذو الثلاثة»
فقال له معاذ: وذو الاثنَينِ؟ قال: ((وذو الاثنَينِ))، زاد في رواية الطبرانيّ: قال: أو واحد،
قال: ((أو واحدة)) (٤) وفي سنده ضعف. وله في ((الكبير)) (٢٠٣٠) و((الأوسط)) (٢٤٨٩) من
حديث جابر بن سَمُرة رَفَعَه: ((مَن دُفِنَ له ثلاثة فصَبَرَ)) الحديث، وفيه: فقالت أمّ أيمَن:
وواحد؟ فسَكَتَ ثمّ قال: ((يا أمّ أيمَن، مَن دَفَنَ واحداً فصَبَرَ عليه واحتَسَبَه، وَجَبَت له الجنَّة))،
وفي سندهما ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جدّاً.
ووجه الدّلالة من حديث الباب: أنَّ الصَّفيّ أعَمُّ من أن يكون ولداً أم غيره، وقد أفرَدَ
ورَتَبَ الثَّواب بالجنَّة لمن ماتَ له فاحتَسَبَه، ويدخل في هذا ما أخرجه أحمد (١٥٥٩٥)
والنَّسائيُّ (١٨٧٠ و ٢٠٨٨) من حديث قُرّة بن إياس: أنَّ رجلاً كان يأتي النبيَّ ◌َِّ ومعه
(١) ليس فيه ما ذكره ابن بطال كما سينبه عليه الحافظ بعد قليل.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: السائل.
(٣) تحرَّف (لبيد)) في (أ) و(س) إلى: أسد.
(٤) عبارة: ((قال: أو واحد)) الثانية سقطت من (س).

٣٣
كتاب الرقاق
ابن له، فقال: ((أُحِبُّه؟)) قال: نعم، ففَقَدَه، فقال: ((ما فعل فلانٌ؟» قالوا: يا رسول الله، ماتَ
ابنه، فقال: ((ألا تُحِبّ أن لا تأتيَ باباً من أبواب الجنَّة، إلّا وَجَدتَه يَنتَظِرك؟» فقال رجل: يا
رسول الله، أَلَّه خاصّة أم لكلِّنا؟ قال: ((بل لكلِّكم))، وسنده على شرط الصَّحيح، وقد صَحَّحَه
ابن حِبّان (٢٩٤٧) والحاكم (٣٨٤/١).
٧- باب ما يُحِذَر من زَهْرة الدّنيا والتّنافس فيها
٦٤٢٥- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن
موسى بنِ عُقْبةَ، قال: قال ابنُ شِهابٍ: حدَّثْنِي عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخَرَمةَ أخبَرَه، أنَّ
عَمْرَو بنَ عَوْفٍ - وهو حَلِيفٌ لبني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، كان شَهِدَ بَدْراً معَ رسولِ اللهِوَّ ـ أخبَرَه:
أنَّ رسولَ الله ◌َّهَ بَعَثَ أبا عُبيدةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البحرَينِ يأتي بجِزْيَتِها، وكان رسولُ اللهِوَه
هو صالَحَ أهلَ البحرَينِ، وأَمَّرَ عليهمُ العلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، فقَدِمَ أبو عُبيدةَ بمالٍ منَ البحرَينِ،
فسمعَتِ الأنصارُ بِقُدومِه فوافَقَت صلاةَ الصُّبْحِ معَ رسولِ الله وَّةِ، فلمَّا انصَرَفَ تَعَّضوا له،
فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهَوَِّ حِينَ رآهم، وقال: ((أظُنُكُم سمعتُم بقُدوم أبي عُبيدةَ، وأنَّه جاء بشيءٍ؟))
قالوا: أجَل يا رسولَ الله، قال: ((فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسُُكم، فوالله ما الفقرَ أخشَى عليكم،
ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكمُ الدُّنْيا، كما بُسِطَت على مَن كان قبلَكم، فتَنَافَسُوها كما
تَنافَسوها، وتُلْهِیکم کما ألھَتْھم)».
قوله: ((باب ما يُحذّر من زَهْرة الذُّنْيا والتَّافُس فيها)) المراد بزَهْرة الدُّنيا بهجَتُها ونضارتها ٢٤٥/١١
وحُسْنها، والتَّنافُس یأتي بيانه في الباب.
ذکر فیه سبعة أحادیث:
الحديث الأول: قوله: ((إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُويس.
قوله: (عن موسی بن عُقْبةَ)) هو عَمّ إسماعيل الراوي عنه.
قوله: ((قال: قال ابن شِهاب)) هو الزُّهْريّ.

٣٤
باب ٧ / ح ٦٤٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّ عَمْرو بن عَوْف)) تقدَّم بيان نَسَبه في الجِزية (٣١٥٨). وفي السَّنَد ثلاثة من التابعين
في نَسَقٍ، وهم موسى وابن شِهاب وعُرْوة، وصحابيّان وهما المِسوَر وعَمْرو، وكلّهم مَدَنّونَ
وكذا بقيَّة رجال الإسناد من إسماعيل فصاعِداً.
قوله: ((إلى البحرَينِ)) سقطت ((إلى)) من رواية الأكثر وثَبَتَت للكُشْمِیھنیّ.
قوله: ((فوافَقَت)) في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ: فوافَتْ.
قوله: ((فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم)) بنصبِ الفقر، أي: ما أخشى عليكم الفقرَ، ويجوز
الرَّفع بتقدير ضمير، أي: ما الفقرْ أخشاه عليكم، والأوَّل هو الرَّاجح، وخَصَّ بعضهم
جواز ذلك بالشِّعر. وهذه الخَشْية يحتمل أن يكون سببُها عِلمَه أنَّ الدُّنيا ستُفتَحُ عليهم
ويَحَصُل لهم الغِنَى بالمال، وقد ذُكِرَ ذلك في أعلام النُّبوّة ممَّا أخبر ◌َّ بوقوعِه قبل أن يقع
فَوَقَعَ.
وقال الطِييُّ: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمامُ بشأنِ الفقر، فإنَّ الوالد المشفِقِ إذا
حَضَرَه الموتُ كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلمَ وَّ أصحابه أنَّه وإن كان لهم في
الشَّفَقة عليهم كالأبِ، لكنَّ حاله في أمر المال يُخالف حالَ الوالد، وأنَّه لا يَخْشَى عليهم
الفقرَ كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغِنَى الذي هو مطلوب الوالد لولدِه.
والمراد بالفقرِ العهديُّ، وهو ما كان عليه الصحابة من قِلّة الشَّيء، ويحتمل الجِنس،
والأوَّل أَولى، ويحتمل أن يكون أشارَ بذلك إلى أنَّ مَضَرّة الفقر دونَ مَضَرّة الغِنَى، لأنَّ
مَضَرّة الفقر دُنيَويَّة غالباً، ومَضَرّة الغِنَى دينيَّة غالباً.
قوله: ((فَنَافَسُوها)) بفتح المثنّاة فيها، والأصل: فَتَنَافَسوا، فحُذِفَت إحدَى التاءَين،
والتَّنَافُس من المنافَسة: وهي الرّغبة في الشَّيء وعَحَبّة الانفراد به والمغالَبة عليه، وأصلها من
الشَّيء النَّفيس في نوعه، يقال: نافَستُ في الشَّيء مُنافَسَةً ونَفاسَةً ونِفاساً، ونَفُسَ الشَّيء
بالضَّمِّ نَفاسةً: صارَ مرغوباً فيه، ونَفِستُ به بالكسر: بَخِلتُ، ونَفِستُ عليه: لم أرَه أهلاً
لذلك.

٣٥
باب ٧ / ح ٦٤٢٦ - ٦٤٢٧
كتاب الرقاق
قوله: ((فتُهْلِككم))(١) أي: لأنَّ المال مرغوب فيه فترتاح النَّس لطلبِهِ فتُمنَع منه، فَتَقَع
العَدَاوة المقتَضية للمُقاتَلة المفضية إلى الهلاك.
قال ابن بَطّال: فيه أنَّ زَهْرة الدُّنيا ينبغي لمن فُتِحَت عليه أن يَحَذَر من سوء عاقبتها وشَرّ
فِتْنتها، فلا يَطْمَئِنّ إلى زُخرُفها ولا ينافس غيرَه فيها، ويُستَدَلّ به على أنَّ الفقر أفضل من
الغِنَى، لأنَّ فتنة الدُّنيا مقرونة بالغِنَى، والغِنَى مَظِنّة الوقوع في الفتنة التي قد تجرُّ إلى هلاك
النَّفْس غالباً، والفقير آمِنٌ من ذلك.
٦٤٢٦ - حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن
عُقْبَةَ بنِ عامٍ: أَنَّ رسولَ الله وَّهِ خَرَجَ يوماً، فصَلَّى على أهلِ أَحُدٍ صلاتَه على الميّتِ، ثُمَّ
انصَرَفَ إلى المِنْبِرِ فقال: ((إنّي فَرَطُكم، وأنا شَهِيدٌ عليكم، وإنّ والله لَأَنظُرُ إلى حَوْضي الآنَ،
وإتّ قد أُعْطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرضِ - أو مفاتيحَ الأرضِ - وإنّ والله ما أخافُ عليكم أن
تُشِرِ كوا بَعْدي، ولكنّي أخافُ عليكم أن تَنَافَسُوا فيها)).
٦٤٢٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن
أبي سعيدِ الخُذْري، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إنَّ أكثرَ ما أخافُ عليكم ما يُخْرِجُ الله لكم من
بَرَكاتِ الأرض)) قيلَ: وما بَرَكاتُ الأرض؟ قال: ((زَهْرةُ الدُّنْيا)» فقال له رجلٌ: هل يأتي الخيرُ
بالشرِّ؟ فصَمَتَ النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّه يُنْزَلُ عليه، ثمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عن جَبِينِهِ، فقال: («أينَ
السائل؟)) قال: أنا - قال أبو سعيد: لقد ◌َمِدْناه حينَ طَلَعَ لذلك - قال: ((لا يأتي الخيرُ إلّا
بالخيرِ، إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ كلَّ ما أنْبَتَ الرَّبيعُ يقتلُ حَبَطَاً أو يُلِمُّ، إلّ آكِلَةَ
الخَضِرِ، أكَلَت حتَّى إذا امتَدَّت خاصِرَ تاها اسْتَقْبَلَتِ الشمسَ، فاجتَرَّت وثَلَطَت وبالَت، ثمَّ
عادت فأكَلَت، وإنَّ هذا المالَ حُلْوةٌ، مَن أخَذَه بحَقِّه، ووَضَعَه في حَقِّه، فنِعْمَ المَعُونُ هو، ومَن
أَخَذَه بغيرِ حَقِّه كان كالذي يأكلُ ولا يَشْبَع)».
(١) كذا وقع هنا للحافظ، وهذا الحرف إنما وقع في رواية غیر موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وذلك فيما سلف عند
البخاري برقم (٣١٥٨) و(٤١٠٥)، أما في رواية موسى بن عقبة هنا فقد اتفقت الروايات المنقولة في النسخة
اليونينية على أنها (تلهيكم)) من الإلهاء لا من الهلاك.

٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثاني: حديث عُقْبةَ بن عامر في صلاته ◌َّ﴾( علی شُهَداء أُحُد بعد ثمان سنين، وقد
تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أواخر كتاب الجنائز (١٣٤٤)، وعلامات النَّبَّة (٣٥٩٦).
وقوله: ((أنا فَرَطكم)) بفتح الفاء والرَّاء، أي: السابق إليه.
الحدیث الثالث: حديث أبي سعيد.
قوله: ((إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس، وقد وافَقَه في رواية هذا الحديث عن مالك بتمامه
ابنُ وهب وإسحاق بن محمَّد وأبو قُرّة، ورواه مَعْن بن عيسى والوليد بن مسلم عن مالك
مختصراً كلٌّ منهما طَرَفاً، وليس هو في (الموطَّ))، قاله الدَّارَ قُطنيُّ في ((الغرائب)).
قوله: ((عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: قال رسول الله وَّ: إنَّ أكثر ما أخافُ عليكم)) في
٢٤٦/١١ رواية هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يَسَار الماضية/ في كتاب الزكاة (١٤٦٥) في أوَّله:
أنَّه سمعَ أبا سعيد الخُدْريَّ يُحدِّث: أنَّ رسول الله وَّهِ جَلَسَ ذاتَ يوم على المِبَرَ وجَلَسنا
حوله فقال: ((إنَّ ممَّا أخاف عليكم من بعدي ما يُفتَح عليكم))، وفي رواية السَّرَخْسِيّ: ((إنّ
ثمَّا أخاف))، و((ما)) في قوله: ((ما يُفتَح)) في موضع نصب لأنَّها اسم إنَّ، و((ممّا)) في قوله: ((إنَّ
ثمّ)) في موضع رفع لأنَّها الخبر.
قوله: ((زَهْرة الدُّنْيا)) زاد هلال: ((وزِيتَها)) وهو عطف تفسير، وزَهْرة الدُّنيا بفتح الزّاي
وسكون الهاء، وقد قُرِئَ في الشّاذِّ عن الحسن وغيره بفتح الهاء (١)، فقيلَ: هما بمعنَى مِثْلُ: جَهْرة
وجَهَرة، وقيل: بالتَّحريكِ جمع زاهرٍ كفاجِرٍ وفَجَرة، والمراد بالزَّهرة: الزّينة والبَهْجة كما في
الحديث، والزهرة مأخوذة من زَهْرة الشَّجَر: وهو نَوْرها، بفتح النّون، والمراد ما فيها من أنواع
المتاع والعَيْن والثّياب والزُّروع وغيرها ممَّا يَغترُّ(٢) الناس بحُسنِهِ مع قِلّة البَقَاء.
قوله: ((فقال رجل)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((هل يأتي)) في رواية هلال: ((أوَيأتي)) وهي بفتح الواو، والهمزة للاستفهام والواو
(١) يعني في قوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١].
(٢) في (س): یفتخر.

٣٧
باب ٧ / ح ٦٤٢٧
كتاب الرقاق
عاطفة على شيء مُقدَّر، أي: أتصير النِّعمة عُقوبةً؟ لأنَّ زَهْرة الدُّنيا نِعمة من الله، فهل تعود
هذه النِّعمة نِقمة؟ وهو استفهام استرشاد لا إنكار، والباء في قوله: ((بالشرِّ)) صِلَة ليأتيَ،
أي: هل يَستَجلِب الخيرُ الشرَّ؟
قوله: ((ظَنَنتُ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ظَنَنّا، وفي رواية هلال: فرُئينا، بضمِّ الرَّاء وكسر
الهمزة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: فَأُرِينا، بضمِّ الهمزة.
قوله: ((يُنزَل عليه)) أي: الوحي، وكأنَّهم فهموا ذلك بالقَرِينة من الكيفيَّة التي جَرَت
عادته بها عندما يُوحَی إلیه.
قوله: (ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَح عن جَبِينه)) في رواية الدَّارَ قُطنيّ: العَرَقَ، وفي رواية هلال: فمسحَ عنه
الرُّحَضاءَ، بضمِّ الرَّاء وفتح المهمَلة ثمَّ المعجَمة والمدّ: هو العَرَق، وقيل: الكثير، وقيل:
عَرَق الْحُمَّى، وأصل الرَّحْض بفتح ثمَّ سكون: الغَسْل، ولهذا فَسَّرَه الخطّابيُّ أنَّه عرق يَرحَض
الجِلدَ لکثرتِه.
قوله: ((قال أبو سعيد: لقد ◌َمِدْناه حين طَلَعَ لذلك)) في رواية المُستَمْلِي: حين طَلَعَ ذلك،
وفي رواية هلال: وكأنَّه حَدَه. والحاصل أنَّهم لامُوه أوّلاً حيثُ رأوا سكوت النبيّ وَّه
فظنُّوا أنَّه أغضَبَه، ثمَّ حَمِدوه آخِراً لمَّا رأوا مسألته سبباً لاستفادة ما قاله النبيّ وَّ. وأمَّا
قوله: ((وكأنَّه ◌َمِدَه)) فأخذوه من قَرِينة الحال.
قوله: ((لا يأتي الخيرُ إلّا بالخيرِ)) زاد في رواية الدَّارَ قُطنيِّ تَكرار ذلك ثلاث مرّات، وفي
رواية هلال: ((إنَّه لا يأتي الخيرُ بالشرِّ))، ويُؤخَذ منه أنَّ الرِّزق ولو كَثُرَ فهو من جُملة الخير،
وإنَّما يَعرِض له الشرُّ بعارضِ البُخل به عمَّن يَستَحِقّه، والإسرافِ في إنفاقه فيما لم يُشرَع،
وأنَّ كلّ شيءٍ قَضَى الله أن يكون خيراً فلا يكون شَرّاً وبالعكس، ولكن يُحْشَى على مَن رُزِقَ
الخير أن يَعرِضَ له في تَصَرُّفه فيه ما يَجلِب له الشرَّ.
ووَقَعَ في مُرسَل سعيد المقبريِّ عند سعيد بن منصور: أوخيرٌ هو؟ ثلاث مرَّات، وهو
استفهامُ إنكار، أي: أنَّ المال ليس خيراً حقيقياً وإن سُمّيَ خيراً؛ لأنَّ الخير الحقيقيّ هو ما

٣٨
باب ٧ / ح ٦٤٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
يَعِرِضُ له من الإنفاق في الحقّ، كما أنَّ الشّ الحقيقيّ فيه ما يَعِرِضُ له من الإمساك عن الحقّ
والإخراج في الباطل، وما ذُكِرَ في الحديث بعد ذلك من قوله: ((إنَّ هذا المال خَضِرة حُلْوة))
كضربِ المثَل بهذه الجملة.
قوله: ((إنَّ هذا المال)) في رواية الدَّارَ قُطنيّ: ((ولكنَّ هذا المال ... )) إلى آخره، ومعناه: أنَّ صورة
الدُّنيا حَسَنة مُونِقة، والعرب تُسمّي كلّ شيء مُشِرِق ناضر أخضَرَ.
وقال ابن الأنباريّ: قوله: ((المال خَضِرة حُلوة)) ليس هو صِفَة المال وإنَّما هو للتَّشبيه، كأنَّه
قال: المال كالبَقْلة الخضراء الحلوة، أو التاء في قوله: ((خَضِرة)) و((حُلوة)) باعتبار ما يَشتَمِل عليه
المال من زَهْرة الدُّنيا، أو على معنى فائدة المال، أي: أنَّ الحياة به أو العيشة، أو أنَّ المراد بالمال هنا
الدُّنيا لأنَّه مِن زينتها، قال الله تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقد وَقَعَ
في حديث أبي سعيد أيضاً المخرَّج في (السُّنَن))(١): ((الدُّنيا خَضِرة حُلوة))، فَيَتَوافَق الحديثان،
٢٤٧/١١ ويحتمل أن/ تكون التاء فيهما للمُبالَغة.
قوله: ((وإنَّ كلّ ما أنبَتَ الَّبيعُ)) أي: الجَدْول، وإسناد الإثبات إليه ◌َجازيّ، والمُنبِت في
الحقيقة هو الله تعالى، وفي رواية هلال: ((وإنَّ مَمَّا يُنِت))، و((ما)) في قوله: ((مَّا يُنِت)) للتَّكثير
وليست ((مِن)) للتَّبعيض، لتوافق رواية: ((كلّ ما أنْبَتَ))، وهذا الكلام كلّه وَقَعَ كالمثَلِ للُّنيا، وقد
وَقَعَ التَّصريح بذلك في مُرسَل سعيد المقبريّ.
قوله: ((يقتل حَبَطاً أو يُلِمُّ)) أمَّا حَبَطاً، فبفتح المهملة والموخَّدة والطاءُ مُهمَلة أيضاً، والحَبَط:
انتفاخ البطن من كَثْرة الأكل، يقال: حَبِطَتِ الدَّابَةُ تَحَبَط ◌َبَطاً: إذا أصابت مَرعَى طيّباً فأمعَنَت
في الأكل حتَّى تَنتَفِخَ فتموت، ورُوِيَ بالخاءِ المعجَمة من التَّخَبُّط: وهو الاضطراب، والأوَّل
المعتمَد، وقوله: ((يُلِمّ)) بضمٍّ أوَّله، أي: يُقرِّب من الهلاك.
قوله: ((إلّا)) بالتَّشديد على الاستثناء، ورويَ بفتح الهمزة وتخفيف اللّام للاستفتاح.
(١) عند الترمذي (٢١٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٢٢٤)، وابن ماجه (٤٠٠٠)، وفاته أن يعزوه لمسلم،
فهو في «صحيحه)) برقم (٢٧٤٢).

٣٩
باب ٧/ ح ٦٤٢٧
كتاب الرقاق
قوله: ((آكِلة)) بالمدِّ وكسر الكاف و((الخَضِر)) بفتح الخاء وكسر الضّاد المعجَمتَينِ للأكثر،
وهو ضربٌ من الكَلَأَ يُعجِب الماشية وواحدُه: خَضِرة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بضمِّ الخاء
وسكون الضّاد وزيادة الهاء في آخره، وفي رواية السَّرَخْسيّ: ((الخضراء)) بفتح أوَّله وسكون
ثانيه وبالمدّ، ولغيرهم بضمٍّ أوَّله وفتح ثانيه جمع: خُضْرة.
قوله: ((امتَلَأَت خاصرَتاها)) تثنية خاصرة بخاءٍ مُعجَمة وصاد مُهمَلة: وهما جانبا البطن
من الحيوان، وفي رواية الگُشْمِيهنيّ: ((خاصِرَتها» بالإفراد.
قوله: ((أَنت)) بمُثّةٍ، أي: جاءت، وفي رواية هلال: ((استَقْبَلَت))(١).
قوله: ((اجتَرَّت)) بالجيم، أي: استَرفَعَت ما أدخَلَته في كَرِشها من العَلَف فأعادت
مَضْغه.
قوله: ((وَثَلَطَت)) بمُثلَّثَةٍ ولام مفتوحَتَينِ ثمَّ طاء مُهمَلة، وضَبَطَها ابن التِّين بكسر اللّام،
أي: ألقَت ما في بطنها رَقيقاً، زاد الدَّارَ قُطنيُّ: ((ثمَّ عادت فأكَلَت))، والمعنى: أنَّها إذا شَبِعَت
فَتَقُلَ عليها ما أكَلَت تَحَيَّلَت في دفعه بأن تَجَتَرّ فيزداد نعومةً، ثمَّ تَستَقبِل الشمس فتَحمَى
بها فيَسهُل خروجه، فإذا خَرَجَ زالَ الانتفاخ فسَلِمَت، وهذا بخِلَاف مَن لم تَتمكَّن من
ذلك، فإنَّ الانتفاخ يقتلها سريعاً.
قال الأزهَريّ: هذا الحديث إذا فُرِّقَ لم يَكَدْ يظهر معناه، وفيه مَثَلان: أحدهما: للمُفرِطِ
في جمع الدُّنيا المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدَّمَ؛ أي: الذي يقتل حَبَطاً.
والثّاني: المقتَصِد في جمعها وفي الانتفاع بها وهو آكلة الخضر، فإنَّ الخَضِر ليس من أحرار
الْبُقول التي يُنِها الرَّبيع، ولكنَّها الحِبَة، والحِبّة ما فوق البَقْل ودون الشَّجَر التي تَرعاها المواشي
بعد هَيْج البُقول، فضَرَبَ آكِلَةَ الحَضِر من المواشي مثلاً لمن يَقتَصِد في أخذ الدُّنيا وجمعها، ولا
يَجِمِله الحِرصُ على أخذها بغير حَقّها ولا مَنعِها من مُستَحِقّها، فهو يَنجُو من وَبَالها كما نَجَت
(١) كذا قال الحافظ، ولم تختلف روايات ((الصحيح)) - كما في النسخة اليونينية - أنَّ رواية زيد بن أسلم فيها:
(استقبلت))، وكذلك هي عند غير البخاري.

٤٠
باب ٧ / ح ٦٤٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
آكلة الخَضِر، وأكثر ما تَحَبَطُ الماشيةُ إذا انحَبَسَ رَجيعُها في بطنها.
وقال الزّين بن المنّيِّر: آكِلة الخَضِر هي بهيمة الأنعام التي ألِفَ المخاطَبونَ أحوالها في سَوْمِها
ورَعْيها، وما يَعِرِض لها من البَشَمُ(١) وغيره، والخَضِر: النَّبات الأخضَر، وقيل: حِرارُ العُشب
التي تَستَلِذّ الماشية أكلَه فتستكثر منه، وقيل: هو ما يَنْبُت بعد إدراك العُشب وهِيَاجه، فإِنَّ الماشية
تَقْتَطِف منه(٢) شيئاً فشيئاً ولا يصيبها منه ألم؛ وهذا الأخير فيه نظرٌ، فإنَّ سياق الحديث يقتضي
وجودَ الحَبَط للجميع إلّا لمن وَقَعَت منه المداواةُ (٣) حَتَّى اندَفَعَ عنه ما يَضُرّه، وليس المراد أنَّ آكِلة
الخَضِرِ لا يَحَصُل لها من أكله ضَرَر البَّةَ، والمستثنى آكِلةُ الْخَضِرِ بالوصفِ المذكور، لا كلُّ مَن
أَتَّصَفَ بأنَّه آكلة الْخَضِر، ولعلَّ قائله وَقَعَت له رواية فيها: ((يقتل أو يُلِمّ إلّا آكِلَةَ الْخَضِرِ)) ولم
یذکُر ما بعده فشَرَ حَه على ظاهر هذا الاختصار.
قوله: ((فنِعْمَ المَعُونَةُ هو)) في رواية هلال(٤): ((فِنِعمَ صاحبُ المسلم هو)).
قوله: ((وإن أخَذَه بغيرِ حَقّه)) في رواية هلال: ((وإنَّه مَن يأخذُه بغير حَقّه)).
قوله: ((كالذي يأكل ولا يَشْبَع)) زاد هلال: ((ويكون شهيداً عليه يوم القيامة))، يحتمل أن
٢٤٨/١١ يَشهَد عليه حقيقةً بأن يُنطِقَه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً،/ والمراد: شهادة المَلَك
المُوكَل به.
ويُؤْخَذ من الحديث التَّمثيلُ لثلاثة أصناف، لأنَّ الماشية إذا رَعَت الْخَضِرَ للتَّغذية إمّا أن
تَقْتَصِر منه على الكِفاية، وإمّا أن تستكثر، الأوَّل: الزُّهّاد، والثّاني: إمّا أن يحتالَ على إخراج ما لو
بَقِيَ لَضَرّ، فإذا أخرجه زالَ الضُّ واستَمَرَّ النَّع، وإمّا أن يُهمِل ذلك، الأوَّل: العاملونَ في جمع
الدُّنيا بما يجب من إمساك وبَذْل، والثّاني: العاملونَ في ذلك بخِلاف ذلك.
(١) البَشَم: هو التُّخَمة.
(٢) زاد بعده في (س) لفظة ((مثلاً)) ولا داعي لها.
(٣) تحرَّفت في (س) إلى: المداومة.
(٤) فيما سلف عند البخاري برقم (١٤٦٥).