Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب ٦ / ح ٦٣١١ كتاب الدعوات قوله: «وپرسولك الذي أرسَلْتَ، قال: لا، ونَبِّك الذي أرسلت» في روایة جَرِیر عن منصور: فقال: ((قل: ونَبِّك)». قال القُرطُبيّ تَبَعاً لغيره: هذا حُجّة لمن لم يُجِز نقل الحديث بالمعنى، وهو الصَّحيح من مذهب مالك، فإنَّ لفظ النُّبوّة والرِّسالة مُخْتَلِفان في أصل الوضع، فإنَّ النُّبوّة من النَّأْ، وهو الخبر، فالنبيّ في العُرف: هو المنبّأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفاً، فإن أُمِرَ بتبليغِه إلى غيره فهو رسول، وإلّا فهو نبيّ غير رسول، وعلى هذا فكلّ رسول نبيّ بلا عكس، فإنَّ النبيّ والرَّسول اشتَرَكا في أمر عامّ، وهو النَّبأ، وافتَرَقا في الرِّسالة، فإذا قلت: فلان رسول تَضَمَّنَ أنَّه نبيّ رسول، وإذا قلت: فلان نبيّ لم يَستَلِزِم أنَّه رسول، فأراد وَِّ أن يجمع بينهما في اللَّفظ لاجتماعِهما فيه، حتَّى يُفهَم من كلّ واحد مِنهما من حيثُ النُّطْقُ ما وُضِعَ له، وليَخرُج عمَّا يكون شِبهَ التَّكرار في اللَّفظ من غير فائدة، فإنَّه إذا قال: ((ورسولك)) فقد فُهمَ مِنه أنَّه أرسَلَه، فإذا قال: ((الذي أرسَلت)) صارَ كالحَشوِ الذي لا فائدة فيه، بخِلَاف قوله: ((ونبيّك الذي أرسَلت)) فلا تَكرار فيه لا تُحْقَّقاً ولا مُتَوَّماً. انتهى كلامه. وقوله: صارَ كالْحَشوِ، مُتَعقَّبٌ لِثُبوتِه في أفصَح الكلام كقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿إِنّا أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] ومن غير هذا اللَّفْظ ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، إلى غير ذلك، فالأولى حذف هذا الكلام الأخير، والاقتصار على قوله: ((ونبيّك الذي أرسَلت)) في هذا المقام أفيد من قوله: ((ورسولك الذي أرسَلت)) لما ذُكِرَ، والذي ذكره في الفَرق بين الرَّسول والنبيّ مُفَيَّد بالرَّسولِ البشريّ، وإلّا فإطلاق الرّسول كما في اللَّفظ هنا يَتناول الملَك كَجِبْریل مثلاً، فيظهر لذلك فائدة أُخرى وهي تَعُّن البشريّ دونَ الملَك، فَيَخلُص الكلام من اللُّبْس. وأمَّا الاستدلال به على مَنع الرِّواية بالمعنى ففيه نظر، لأنَّ شرط الرِّواية بالمعنى أن يَتَّفِق اللَّفظان في المعنى المذكور، وقد تَقرَّرَ أنَّ النبيَّ والرَّسول مُتَغايران لفظاً ومعنَى، فلا يَتِمّ الاحتجاج بذلك. ٢٤٢ باب ٦ / ح ٦٣١١ فتح الباري بشرح البخاري قيل: وفي الاستدلال بهذا الحديث لمَنع الرِّواية بالمعنى مُطلَقاً نظر، وخصوصاً إبدال الرَّسول بالنبيِّ وعكسه إذا وَقَعَ في الرِّواية، لأنَّ الذّات المحدَّث عنها واحدة، فالمراد يُفهَم بأيِّ صِفَة وُصِفَ بها الموصوف إذا ثَبَتَتِ الصِّفة له، وهذا بناء على أنَّ السَّبَب في مَنع الرّواية بالمعنى: أنَّ الذي يَستَجيز ذلك قد يَظُن اللفظ يوفي بمعنى اللَّفظ الآخر، ولا يكون كذلك في نفس الأمر، كما عُهِدَ في كثير من الأحاديث، فالاحتياط الإتيان باللَّفظ، فعلى هذا إذا تُحقِّقَ بالقطع أنَّ المعنى فيهما مُتَّحِد لم يَضُرّ، بخِلَاف ما إذا اقتُصِرَ على الظَّنّ ولو كان غالباً. وأَوَلَى ما قيل في الحكمة في رَدّه ◌ِوَ ل﴿ على مَن قال: الرَّسول بَدَل النبيّ: أنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّة، ولها خصائص وأسرار لا يَدخُلها القياس، فتجب المحافظة على اللَّفظ الذي ورَدَت به، وهذا اختيار المازَرِيّ. قال: فَيُقْتَصَر فيه على اللَّفظ الوارد بحُروفِه، وقد يَتَعلَّق الجزاء بتلكَ الحروف، ولعلَّه أُوحِيَ إليه بهذه الكلمات، فيَتَعيَّن أداؤُها بحُروفِها. وقال النَّوويّ: في الحديث ثلاث سُنَن مهمة، إحداها: الوضوء عند النَّوم، وإن كان مُتَوضِّئاً كَفاه لأنَّ المقصود النَّوم على طهارة. ثانيها: النَّوم على اليمين. ثالثها: الختم بذكر الله. ١١٣/١١ وقال الكِرْمانيُّ: هذا الحديث يَشتَمِل على الإيمان بكلِّ / ما يجب الإيمان به إجمالاً من الكتب والرُّسُل من الإلهيّات والنبوات، وعلى إسناد الكلّ إلى الله من الذَّوات والصِّفات والأفعال، لِذِكْر الوجه والنَّفس والأمر وإسناد الظَّهر، مع ما فيه من التَّوُّل على الله والرِّضا بقَضائه، وهذا كلّه بحَسَب المعاش، وعلى الاعتراف بالثَّوابِ والعِقاب خيراً وشَرّاً وهذا بحسب المعاد. تنبيه: وَقَعَ عند النَّسائيِّ (ك١٠٥٤٨)(١) في رواية عَمْرو بن مُرّة عن سعد بن عُبيدة في أصل الحديث: ((آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبِرسولِك الذي أرسَلتَ))، وكأنَّه لم يسمع من سعد بن عُبيدة الزّيادة التي في آخره، فروى بالمعنى. (١) كذا اقتصر الحافظ رحمه الله على عزوه للنسائي، مع أنه عند مسلم أيضاً (٢٧١٠)! ٢٤٣ باب ٧ / ح ٦٣١٢ كتاب الدعوات وقد وَقَعَ في رواية أبي إسحاق عن البراء نَظيرُ ما في رواية منصور عن سعد بن عُبيدة، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٩٤) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن أبي إسحاق، وفي آخره: قال البراء: فقلت: ويِرسولِك الذي أرسَلت، فطَعَنَ بَيَدِه في صَدري ثمَّ قال: ((ونبيّك الذي أرسلت)). وكذا أخرج النَّسائيُّ (ك١٠٥٥١) من طريق فِطر بن خليفة عن أبي إسحاق(١)، ولفظه: فوضَعَ يده في صَدري. نعم أخرج التِّرمِذيّ (٣٣٩٥) من حديث رافع بن خديج، أنَّ النبيَّ وَله قال: ((إذا اضطَجَعَ أحدكم على يمينه ثمَّ قال)) فذكر نحو الحديث، وفي آخره: ((أُؤمِن بكتابِك الذي أنزلت، ويِرُسُلِك)) هكذا فيه بصيغة الجمع (٢)، وقال: حسن غريب. فإن كان محفوظاً فالسّ فيه حصول الثَّعميم الذي دلَّت عليه صيغة الجمع صريحاً، فدَخَلَ فيه جميع الرُّسُل من الملائكة والبشر فأُمِنَ اللَّبس، ومِنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِّكَتِهِ. وَكُهِ. وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والله أعلم. ٧- باب ما يقول إذا نام ٦٣١٢ - حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ، عن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عن خُذَيفةً ابن اليمان، قال: كان النبيُّ وَ لّ إذا أوَى إلى فِراشه قال: ((باسمِكَ أموتُ وأحيا))، وإذا قامَ قال: (الحمدُ لله الذي أحيانا بعدَما أماتنا وإليه النُّشُورُ)). [أطرافه في: ٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٧٣٩٤] («نُشِرُها)) [البقرة: ٢٥٩]: نُخرِجها. (١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، لأنَّ الذي عند النسائي إنما هو رواية فطر عن سعد بن عُبيدة، وإن كان فطر قد روى هذا الحديث أيضاً عن أبي إسحاق عن البراء عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١١٣٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (٢٤٠) والخطيب في ((الكفاية)» ص١٧٥ . (٢) اختلفت نسخ الترمذي في هذه اللفظة، والذي في معظمها ومنها نسخة بخط الكروخي: برسولك، بصيغة المفرد، وجاءت في نسخة جيدة منه مصورة عن أصل خطي موجود في مكتبة تشستربتي بصيغة الجمع، کما قال الحافظ هنا. ٢٤٤ باب ٧ / ح ٦٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري ٦٣١٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبِيع ومحمّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، قالا: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ البراءَ بنَ عازِبٍ: أنَّ النبيَّ نَّ أُمَرَ رجلاً (ح) وحدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو إسحاقَ الهَمْدائيُّ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ: أنَّ النبيَّ ◌َِله أوْصَى رجلاً فقال: ((إذا أرَدْتَ مَضْجَعَكَ فقُلٍ: اللهمَّ أسلَمْتُ نفسي إليكَ، وفَوَّضْتُ أمري إليكَ، ووَجَّهْتُ وجهي إليكَ، وألجَأْتُ ظَهْري إليكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إليكَ، لا مَلْجأ ولا مَنْجا منكَ إلّا إليكَ، آمَنْتُ بكتابكَ الذي أُنزَلْتَ، وبِنبيِّكَ الذي أرسَلْتَ، فإن مُتَّ مُتَّ على الفِطْرةِ». قوله: ((باب ما يقول إذا نامَ)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لِبعضِهم، وثَبَتَت للأكثرِ. قوله: «سُفْیان» هو الثّوريّ، وعبد الملك: هو ابن عُمير، وثبت في رواية أبي ذرِ وأبي زيد المروزيٌّ: عن عبد الملك بن عُمَیر. قوله: ((إذا أوى إلى فراشه)) أي: دَخَلَ فيه، وفي الطَّريق الآتية قريباً: ((إذا أخَذَ مَضجعه)) وأوى بالقصرِ. وأمَّا قوله: ((الحمد لله الذي آوانا)) فهو بالمدِّ، ويجوز فيه القصر، والضّابِط في هذه اللَّفظة أنَّها مع اللُّزومِ تُمَدّ في الأفصَح ويجوز القصر، وفي التعدِّي بالعكس(١). قوله: ((باسمِك أموت وأخْيا)» أي: بذِكْر اسمك أحيا ما حَيِيتُ وعليه أموت. ١١٤/١١ وقال القُرطُبيّ: قوله: / ((باسمِك أموت)) يدلّ على أنَّ الاسم هو المسَمَّى، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، أي: سَبِّح رَبّك. هكذا قال جُلّ الشّارحينَ. قال: واستَفَدتُ من بعض المشايخ معنى آخر: وهو أنَّ الله تعالى سَمَّى نفسه بالأسماءِ الحُسنَى ومعانيها ثابتة له، فكلّ ما ظهر في الوجود فهو صادر عن تلكَ المقتَضَيات، فكأنَّه قال: باسمِك المحيي أحيا، وباسمِك المميت أموت. انتهى مُلخَّصاً. والمعنى الذي صَدَّرت به أليَق، وعليه فلا يدلّ ذلك على أنَّ الاسم غير المسَمَّى ولا عَينُه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سَبْق قلم، صوابه أن يقول: مع التعدي تمد في الأفصح ويجوز القصر، وفي اللزوم بالعكس. وكلام الحافظ الذي قدّم به لهذا الضابط يدلّ على أنه أراد ذلك. ٢٤٥ باب ٧ ٪ ح ٦٣١٣ كتاب الدعوات هنا زائداً كما في قول الشّاعر(١): إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السَّلامِ عليكما قوله: ((وإذا قامَ، قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا)) قال أبو إسحاق الزَّجّاج: النَّفْس التي تُفارق الإنسان عند النَّوم هي التي للتَّمييز، والتي تُفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يَزول معها التَّفُّس، وسُمّيَ النَّومُ موتاً لأنَّه يَزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً. قاله في ((النِّهاية)). ويُحتمل أن يكون المراد بالموتِ هنا السُّكون، كما قالوا: ماتتِ الرّيح، أي: سَكَنَت، فيحتمل أن يكون أطلقَ الموت على النائم بمعنى إرادة سكون حَرَكَته لقولِه تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس:٦٧]. قاله الطِّييُّ، قال: وقد يُستَعار الموت للأحوال الشّاقّة، كالفقرِ والذُّلّ والسُّؤال والھَرَم والمعصية والجهل. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): النَّوم والموت يجمعهما انقطاع تَعلَّق الرّوح بالبَدَنِ، وذلك قد يكون ظاهراً، وهو النَّوم، ولِذا قيل: النَّوم أخو الموت. وباطِناً، وهو الموت، فإطلاق الموت على النَّومِ يكون مجازاً لاشتراكهما في انقطاع تَعلُّق الرّوحِ بالبَدَنِ. وقال الطِّييُّ: الحكمة في إطلاق الموت على النَّوم أنَّ انتفاع الإنسان بالحياة إنَّما هو بتحرّي رِضا الله عنه، وقصد طاعَته، واجتناب سُخْطه وعِقابه، فمَن نامَ زالَ عنه هذا الانتفاع، فكان كالميِّتِ، فحَمْدُ الله تعالى على هذه النِّعمة وزَوال ذلك المانع، قال: وهذا التَّأويل موافق للحديثِ الآخر الذي فيه: ((وإن أرسَلتَها فاحفَظها بما تَحَفَظ به عبادك الصالحينَ))، ويَنْتَظِم معه قوله: ((وإليه النُّشور)) أي: وإليه المرجع في نَيل الثَّواب بما يُكتَسَب في الحياة. قلت: والحديث الذي أشارَ إليه سيأتي مع شرحه قريباً (٦٣٢٠). (١) هو لَبید بن ربيعة الشاعر المشهور، وقوله هذا صدرُ بیت عجزه: ومن يَيْكِ حولاً كاملاً فقد اعتَذَرْ انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)» لابن الأنباري ٤٣٩/١. ٢٤٦ باب ٧ / ح ٦٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وإليه النشور)) أي: البعث يوم القيامة، والإحياء بعد الإماتة، يقال: نَشَرَ الله الموتَى فنُشِروا، أي: أحياهم فحَیُوا. قوله: («نُنْشِرُها (١): نُخْرِجها)) كذا ثَبَتَ هذا في رواية السَّرَخْسيّ وحده، وقد أخرجه الطَّبَرِيُّ (٤٣/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس بذلك، وذكرها بالزّاي، من أنشَزَه: إذا رَفَعَه بتدريجٍ، وهي قراءة الكوفّينَ وابن عامر. وأخرج من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ((نُنْشِرُها)): أي: نُحييها، وذكرها بالرَّاءِ، من أنشَرَها، أي: أحياها، ومِنه ﴿ثُمَّ إِذَا سَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وهي قراءة أهل الحجاز وأبي عَمْرو. قال(٢): والقراءتان مُتَقاربَتان في المعنى. وقُرِئَ في الشّاذّ بفتحِ أوَّله بالرَّاءِ وبالزّاي أيضاً، وبضمِّ التَّحتانيَّة معهما أيضاً(٣). قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيّ ((سمعت البراء: أنَّ النبيَّ ◌َ أُمُرَ رجلاً ح وحدَّثنا آدم، حدَّثنا شُعْبة، حدَّثنا أبو إسحاق الهَمْدانيُّ، عن البراء بن عازِب)» كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخْسيّ: عن أبي إسحاق سمعت البراء، والأوَّل أصوب، وإلّا لكان موافقاً للرِّواية الأولى من كلّ جهة، ولأحمد (١٨٥١٥) عن عَفّانَ عن شُعْبة: أمَرَ رجلاً من الأنصار. وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوفّى في الباب قبله. تنبيهان: الأوَّل: لِشُعْبةَ في هذا الحديث شيخ آخر أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٥٥٤) من طريق غُندَر عنه عن مُهاجِر أبي الحسن عن البراء، وغُندَر من أثبت الناس في شُعْبة، ولكن لا يَقدَح ذلك (١) كذلك أُعجمت بنونين في أولها في النسخة المتقنة التي عندنا برواية أبي ذر الهروي، خلافاً لما ذكره القسطلاني عن الفرع وأصله أنها بتاء فوقية ونون، بصيغة المفرد المخاطب، والمثبت هو الموافق لإحدى القراءتين اللتين في هذه اللفظ كما بيّنه الحافظ هنا. (٢) القائل: الطبري. (٣) يعني: ((ننشئها))، وهي قراءة نَسَبَها السَّمين في ((الدرّ المصون)) لأبيّ بن كعب. ٢٤٧ باب ٨ / ح ٦٣١٤ كتاب الدعوات في رواية الجماعة عن شُعْبة، فكأنَّ لِشُعْبةَ فيه شیخَينِ. الثّاني: وَقَعَ في رواية شُعْبة عن أبي إسحاق في هذا الحديث عن البراء: ((لا مَلجَأ ولا مَنْجا مِنك إلّا إليك)) وهذا القَدر من الحديث مُدرَج لم يسمعه أبو / إسحاق من البراء، وإن ١١٥/١١ كان ثابتاً في غير رواية أبي إسحاق عن البراء، وقد بيَّن ذلك إسرائيل عن جَدّه أبي إسحاق، وهو من أثبَت الناس فيه (١)، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦ ١٠٥٤) من طريقه، فساقَ الحديث بتمامه ثمَّ قال: كان أبو إسحاق يقول: ((لا مَلجَأ ولا مَنْجا مِنك إلّا إليك)) لم أسمع هذا من البراء، سمعتھم یذکُرونَه عنه. وقد أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك١٠٥٤٧) من وجه آخر عن أبي إسحاق عن هلال بن يساف عن البراء. ٨- باب وضع الید تحت اخدّ الیمنی ٦٣١٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذَيفةَ ﴾، قال: كان النبيُّ وَّهِ إذا أخَذَ مَضْجَعَه مِنَ اللَّلِ وضَعَ يدَه تحتَ خَدِّه، ثمَّ يقول: ((اللهمَّ باسمِكَ أموتُ وأحيا))، وإذا استَيقَظَ قال: «الحمدُ لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه التُّشُورُ)». قوله: ((باب وَضْع اليد تحت الخَدّ اليُمْنَى)) كذا فيه بتأنيثِ الخَدّ، وهو لُغة (٢)، ثمَّ ذكر فيه حدیث حُذيفة المذکور في الباب الذي قبله. وفیه: وضع يده تحت خدِّه. قال الإسماعيليّ : ليس فيه ذِكْر اليُمنَى، وإِنَّمَا ذلك وَقَعَ في رواية شَرِيك ومحمَّد بن جابر عن عبد الملك بن عُمَیر. (١) كذا جزم الحافظ رحمه الله تعالى بالإدراج اعتماداً على رواية إسرائيل عن جده أبي إسحاق، مع أنَّ شعبة ابن الحجاج وسفيان الثوري وهما من كبار أصحاب أبي إسحاق قد ذكرا هذا الحرف في الحديث، وتابعهما جميع أصحاب أبي إسحاق، كأبي الأحوص وابن عيينة وابن الهاد وعبد الله بن المختار وحبيب ابن الشهيد ومعمر بن راشد وغيرهم. انظر رواياتهم عند عبد الرزاق (١٩٨٢٩) وأحمد (١٨٦٥١)، ومسلم (٢٧١٠)، والترمذي (٣٣٩٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٤١ -١٠٥٤٤). (٢) كذا وقع هنا، مع أنَّ ابن سيده نقل في ((المحكم)) ٤/ ٥٠٥ عن اللحياني قوله: هو مذكّر لا غير. ٢٤٨ باب ٩ / ح ٦٣١٥ فتح الباري بشرح البخاري قلت: جَرَى البخاريّ على عادته في الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث، وطريق شَرِيك هذه أخرجها أحمد (٢٣٢٨٦) من طريقه. وفي الباب عن البراء أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٥٢٠ و١٠٥٢) من طريق أبي خَيْئمةَ والثّوريّ عن أبي إسحاق عنه: أنَّ النبيَّ وَِّكان إذا أوى إلى فِراشه وضَعَ يده اليُمنَى تحت خَدّه الأيمَن، وقال: «اللهمَّ قِني عذابك یوم تبعث عبادك))، وسنده صحيح. وأخرجه أيضاً (ك١٠٥٢٩) بسندٍ صحيح عن حفصة، وزاد: يقول ذلك ثلاثاً. ٩- باب النّوم على الشّقّ الأيمن ٦٣١٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، حدَّثنا العلاءُ بنُ المسيّبِ، قال: حدَّثني أبي، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، قال: كان رسولُ الله وَّهِ إذا أوَى إلى فِراشه نامَ على شِقِّه الأيمَنِ، ثمَّ قال: ((اللهمَّ أسلَمْتُ نفسي إليكَ، ووَجَّهْتُ وجهي إليكَ، وفَوَّضْتُ أمري إليكَ، وألجَأْتُ ظَهْري إليكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إليكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجا منكَ إلّا إليكَ، آمَنْتُ بكتابكَ الذي أنزَلْتَ، وبِنَبَيِّك الذي أرسَلْتَ)). وقال رسولُ الله وَّةِ: ((مَن قالهُنَّ، ثمَّ ماتَ تحتَ ليلِه ماتَ على الفِطْرةِ». قوله: ((باب النَّوْمِ على الشِّقّ الأيمَن)) تقدَّمَت فوائد هذه التَّرجمة قريباً(١)، وبين النَّومِ والضَّجْع عُموم وخُصوص وجهيٌّ. قوله: ((العلاء بن المسيّب، عن أبيه)) هو ابن رافع الكاهليّ، ويقال: الثَّعلَبيّ، بمثلَّئةٍ ثمَّ مُهمَلة، يُكْنى أبا العلاء، وكان من ثقات الكوفيّينَ، وما لِولِدِه العلاء في البخاريّ إلّا هذا الحديث وآخر تقدَّم في غزوة الحديبية (٤١٧٠)، وهو ثقة، قال الحاكم: له أوهام. تنبيه: وَقَعَ في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم) في هذا الموضع ما نَصّه: ﴿وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]: من الرَّهبة. ﴿مَلَكُوتَ﴾ [الأنعام: ٧٥]: مُلْك، مَثَلَ: رَهَبُوت ورَحَموت، تقول: تَرَهَبُ خيرٌ من أن تَرحَم. انتهى، ولم أرَه لغيره هنا، وقد تقدَّم قوله: ((استَرهبوهم)): من الرَّهبة (١) عند الكلام على الباب رقم (٥). ٢٤٩ باب ١٠ / ح ٦٣١٦ -٦٣١٧ كتاب الدعوات في تفسير سورة الأعراف(١) وباقيه تقدَّم في تفسير الأنعام(٢)، وتَكلَّمت عليه هناك، وبيَّنت/ ما ١١٦/١١ وَفَعَ في سياق أبي ذرٍّ فيه من تغيير، وأنَّ الصَّواب كالذي وَقَعَ هنا، والله أعلم. ١٠ - باب الدعاء إذا انتبه من الليل ٦٣١٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن سَلَمةَ، عن كُرَيبٍ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بِتُّ عندَ ميمونةَ، فقامَ النبيُّ نَّهِ فَأَتِى حاجَتَه، فَغَسَلَ وجهَه ويَدَيه، ثمَّ نامَ ثمَّ قامَ فأتى القِرْبةَ، فأطْلَقَ شِناقَها، ثمَّ تَوضَّأ وَضوءاً بينَ وَضوءَینِ لم يُكثِرِ، وقد أبلَغَ فصَلَى، فقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كراهِيةَ أن يَرَى أنّي كنتُ أَتَّقِيهِ، فَتَوضَّأتُ، فقامَ يُصَلّي فَقُمْتُ عن يَساره، فَأَخَذَّ بأُذُني فأدارَني عن يَمِينِهِ، فَتَمَّت صلاتُه ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثمَّ اضْطَجَعَ فنامَ حتَّى نَفَخَ - وكان إذا نامَ نَفَخَ - فَاذَنَه بلالٌ بالصلاةِ فصَلَّى ولم يَتَوضَّأ، وكان يقول في دعائه: «اللهمَّ اجْعَل في قَلْبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سَمْعي نوراً، وعن يَمِيني نوراً، وعن يساري نوراً، وفَوْقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخَلْفي نوراً، واجْعَل لي نوراً)). قال كُرَيبٌ: وسَبْعُ في التابوتِ، فَلَقِيتُ رجلاً من ولدِ العبّاسِ، فحدَّثني بِنَّ، فذكر: عَصبي، ولحمي، ودَمي، وشَعَري، وبَشَري، وذكر خَصْلَتَينِ. ٦٣١٧ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ أبي مسلمٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: كان النبيُّ نِ ﴿ إذا قامَ منَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قال: «اللهمَّ لكَ الحمدُ أنتَ نورُ السماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ قَيِّمُ السَّماوات والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحُّ، وقولُكَ الحقُّ، ولِقَاؤُكَ حَقٍّ، والجنَّةُ حَقٍّ، والنارُ حَقٌّ، والساعةُ حٍَّ، والنبيّونَ حَقٍّ، ومحمَّدٌ حَقٍّ. اللهمَّ لكَ أسلَمْتُ، وعليكَ تَوَكَّلْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وإليكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حَاكَمْتُ، فاغفِرٍ لي ما قَدَّمْتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ، وما أعلَنْتُ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤَخِّرُ لا إلهَ إلّا أنتَ - أو لا إلهَ غيرُكَـ)). (١) بين يدي الحديث رقم (٤٦٣٧). (٢) بين يدي الحديث رقم (٤٦٢٧). . : ٢٥٠ باب ١٠ / ح ٦٣١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الدُّعاء إذا انتبه من اللَّيل)» رواية الكُشْمِيهنيّ: باللَّيلِ، ووَقَعَ عندهم في أوَّل التَّهَجُّد في أواخر كتاب الصلاة بالعكس (١١٤٥). ذکر فیه حدیثینِ عن ابن عباس: الأول: قوله: ((عن سُفْيان)) هو الثَّريّ، وسَلَمة: هو ابن كُهَيل. قوله: ((بِتّ عند مَيمونة)) تقدَّم شرحه مضموماً إلى ما في ثاني حديثَي الباب في أوَّل أبواب الوِتر (٩٩٢) دونَ ما في آخره من الدُّعاء، فأحلْتُ به على ما هنا. وقوله فيه: ((فَفَسَلَ وَجْهِه)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: غَسَلَ، بغير فاء. وقوله: ((شِناقها) بكسر المعجَمة وتخفيف النُّون ثمَّ قاف: هو رِباط القِرْبةِ يَشُدّ عُنُقَها، فُيُشبه ما يُشْنَقَ به، وقيل: هو ما تُعلَّق به. ورَجَّحَ أبو عُبيد الأوَّلَ. قوله: ((وَضوءاً بين وَضوءَينٍ)) قد فَسَّرَه بقولِه: لم يُكثِرِ وقد أبلَغَ، وهو تحتمِل أن يكون قَلَّلَ من الماء مع التَّليث، أو اقتَصَرَ على دونَ الثلاث. ووَقَعَ في رواية شُعْبة عن سَلَمة عند مسلم (٧٦٣/ ١٨٧): وَضوءاً حسناً. ووَقَعَ عند الطبرانيِّ (١٠٦٤٩) من طريق منصور بن مُعتَمِر عن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه في هذه القصَّة: وإلى جانبه مِخضَب من بِرام(١) مُطَبَق، عليه سِواك، فاستَنَّ به، ثمَّ تَوضَّا. ١١٧/١١ قوله: ((أَنَّقيه)) بِمُثنّةٍ ثقيلة وقاف مكسورة،/ كذا للنَّسَفيِّ وطائفة. قال الخطَّبيُّ: أي: أرتَقِيه(٢). وفي رواية بتخفيفِ النُّون وتشديد القاف ثمَّ موحّدة من التَّنقيب: وهو التَّفتيش. وفي رواية القاِسيّ: أبغيه، بسكونِ الموحّدة بعدها مُعجَمة مكسورة ثمَّ تحتانيَّة، أي: أطلُبه. وللأكثرِ: أرقُبه، وهي أوجَهُ. (١) البرام: بكسر الباء، حجارة تصنع منها القدور. والمخضب: وعاء تُغسل فيه الثياب. (٢) الرواية التي وقعت للخطابي وفسّرها بقوله: أرتقبه، هي: أبقيه، بفتح الهمزة وسكون الباء، حيث قال في ((أعلام الحديث)) ٢٢٣٩/٣: يقال: بَقَيتُ الشيء أَبَقِيه بُقْياً. قلنا: وهي رواية ابن السكن والقابسي والأصيلي، كما قال عياض في ((المشارق)) ١/ ٩٩. ٢٥١ باب ١٠ / ح ٦٣١٧ كتاب الدعوات قوله: ((فَتَامَّت)) بِمُثنّاتَين، أي: تَكَامَلَت. وهي رواية شُعْبة عن سَلَمة عند مسلم. قوله: ((فنامَ حتَّى نَفَخَ، وكان إذا نامَ نَفَخَ» في رواية مسلم: ثمَّ نامَ حتَّى نَفَخَ، وكنَّا نعرفه إذا نامَ بنَفْخِه. قوله: ((وكان يقول في دعائه)) فيه إشارة إلى أنَّ دعاءَه حينئذٍ كان كثيراً، وكان هذا من ◌ُلَته، وقد ذكر في ثاني حديثَي الباب قوله: ((اللهمَّ أنتَ نور السَّماوات والأرض ... )) إلى آخره، ووَقَعَ في رواية شُعْبة عن سَلَمة: فكان يقول في صلاته وسُجوده، وسأذكر أنَّ في رواية الثِّرمِذيّ زيادةً في هذا الدُّعاء طويلةً. ووَقَعَ عند مسلم أيضاً في رواية عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه: أنَّه قال الذِّكر الآتي في الحديث الثّاني أوَّلَ ما قامَ قبل أن يَدخُل في الصلاة، وقال هذا الدُّعاء المذكور في الحديث الأوَّل وهو ذاهب إلى صلاة الصُّبح، فأفادَ أنَّ الحديثَينِ في قصّة واحدة، وأنَّ تفريقهما من صنيع الزُّواة. وفي رواية التِّرمِذيّ التي سيأتي التَّنبيه عليها: أنَّه وَ لِّ قال ذلك حين فَرَغَ من صلاته، ووَقَعَ عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٦٩٦) من طريق سعيد بن جُبَيَر عن ابن عبّاس: كان رسول الله ◌َ له إذا قامَ من اللَّيل يُصَلّ فقَضَى صلاته يُثني على الله بما هو أهله، ثمَّ يكون آخرَ كلامه: «اللهمَّ اجعل في قلبي نوراً ... » الحديث. ويُجمَع بأنَّه کان یقول ذلك عند القُرب من فراغه. قوله: ((اللهمَّ اجْعَل في قَلْبي نوراً ... )) إلى آخره. قال الكِرْمانيُّ: التَّنوين فيها للتَّعظيم، أي: نوراً عظيماً. كذا قال، وقد اقتَصَرَ في هذه الرِّواية على ذِكْر القلب والسَّمع والبَصَر والجِهات السِّتّ، وقال في آخره: «واجعل لي نوراً)». ولمسلم (٧٦٣/ ١٨١) عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرَّحمن بن مهديٌّ، بسندِ حدیث الباب: ((وعَظِّم لي نوراً» بتشديد الظّاء المعجَمة. ولأبَى يَعْلى(١) عن أبي خَيْئمةَ عن عبد الرَّحمن: ((وأعظِم لي نوراً))، أخرجه الإسماعيليّ، (١) هو في ((مسنده الكبير)) برواية ابن المقرئ، وقد أخرجه من طريقه أبو نعيم في ((المستخرج على صحيح مسلم) (١٧٤٤)، وهو أيضاً عند ابن حبان (٢٦٣٦) عن أبي يعلى. ٢٥٢ باب ١٠ / ح ٦٣١٧ فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه أيضاً من رواية بُندار عن عبد الرّحمن. وكذا لأبي عَوَانة (٢٢٧٢) من رواية أبي حُذَيفة عن سفيان. ولمسلم في رواية شُعْبة عن سَلَمة: ((واجعَل لي نوراً - أو قال: واجعَلْني نوراً ـ)) هذه رواية غُندَر عن شُعْبة، وفي رواية النَّضر عن شُعْبة: ((واجعَلني)) ولم يَشُكّ. ولِلطََّرانيِّ في ((الدُّعاء)) (٧٥٩) من طريق المِنهال بن عَمْرو عن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه في آخره: ((واجعَل لي يوم القيامة نوراً». قوله: ((قال كُرَیب: وسَبْعٌ في التابوت)» قلت: حاصل ما في هذه الرِّواية عشرة، وقد أخرج مسلم (٧٦٣) (١٨٩) من طريق عُقَيل عن سَلَمة بن كُهَيل: فدعا رسول الله وَله بتسعَ عشرةَ كلمةً حدَّثنيها كُرَيب، فحَفِظت منها ثِنَتَي عشرة ونَسيت ما يَقِيَ، فذكر ما في رواية الثَّوريِّ هذه، وزاد: ((وفي لساني نوراً)) بعد قوله: ((في قلبي))، وقال في آخره: ((واجعَل لي في نفسي نوراً وأعظِم لي نوراً»، وهاتان ثِنتان من السَّبع التي ذكر كُرَیب: أنَّها في التابوت ممّا حدَّثه بعض ولد العباس. وقد اختُلِفَ في مُراده بقولِه: التابوت، فجَزَمَ الدِّمياطِيّ في ((حاشيته)) بأنَّ المراد به الصَّدر الذي هو وِعاء القلب، وسَبَقَ ابنُ بَطّال والدَّاوُودِيُّ إلى أنَّ المراد بالتابوتِ: الصَّدر، وزاد ابنُ بَطّال: كما يقال لمن يحفظ العلم: عِلمه في التابوت مُستَودَع. وقال النَّوويّ تَبَعاً لغيره: المراد بالتابوتِ: الأضلاع وما تحويه من القلب وغيره، تشبيهاً بالتابوتِ الذي يُحرَز فيه المتاع، يعني: سبع كلمات في قلبي ولكن نَسيتها، قال: وقيل: المراد سبعة أنوار كانت مكتوبة في التابوت الذي كان لبني إسرائيل فيه السَّكينة. وقال ابن الجَوْزيّ: يريد بالتابوتِ الصُّندوقَ، أي: سبع مكتوبة في صُندوق عنده، ولم یحفظها في ذلك الوقت. قلت: ويُؤيِّده ما وَقَعَ عند أبي عَوَانة من طريق أبي حُذَيفة عن الثّوريّ بسندٍ حديث الباب: ١١٨/١١ قال كُرَيب: وستّة عندي/ مكتوبات في التابوت. ٢٥٣ باب ١٠ / ح ٦٣١٧ كتاب الدعوات وجَزَمَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) وغير واحد بأنَّ المراد بالتابوتِ: الجسد، أي: أنَّ السَّبع المذكورة تتعلَّق بجسدِ الإنسان، بخِلَاف أكثر ما تقدَّم، فإنَّ يَتَعلَّق بالمعاني كالجِهات السِّتّ، وإن كان السَّمع والبَصَر والقلب من الجسد. وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ معنى قوله: في التابوت، أي: في صحيفة في تابوت عند بعض ولد العبَّاس، قال: والخَصلَتان: العَظم والمخّ. وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّهما الشَّحم والعَظم. كذا قالا، وفيه نظر، سَأوضّحُه. قوله: ((فَلَقِيت رجلاً من ولد العبَّاس)) قال ابن بَطّال: ليس كُرَيب هو القائل: فَقيت رجلاً من ولد العبّاس، وإنَّما قاله سَلَمة بن كُهَيل الراوي عن كُرَيب. قلت: هو مُحْتَمَل، وظاهر رواية أبي حُذَيفة أنَّ القائل هو كُرَيب(١). قال ابن بَطّال: وقد وجدت الحديث من رواية عليّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه قال، فذكر الحديث مُطوَّلاً، وظَهَرَت مِنه مَعرِفة الخَصلَتَينِ اللَّتَيْنِ نَسِيَهما، فإنَّ فيه: ((اللهمَّ اجعَل في عِظامي نوراً وفي قبري نوراً». قلت: بل الأظهَر أنَّ المراد بهما: اللِّسان والنَّفس، وهما اللَّذان زادَهما عُقَيل في روايته عند مسلم، وهما من ◌ُملة الجسد، ويَنْطَبِقِ عليه التَّأويل الأخير للتّابوت. ويِذلك جَزَمَ القُرطُبيّ في «المفهم)) ولا يُنافيه ما عداه. والحديث الذي أشارَ إليه أخرجه التِّرمِذيّ (٣٤١٩) من طريق داود بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس عن أبيه عن جَدّه: سمعت نبيّ الله وَ لَ ليلةً حين فَرَغَ من صلاته يقول: ((اللهمَّ إنّي أسألك رحمةً من عندك)) فساقَ الدُّعاء بطولِهِ، وفيه: «اللهمَّ اجعَل لي نوراً في قبري)) ثمَّ ذكر القلب، ثمَّ الجِهات السِّتّ والسَّمع والبَصَر، ثمَّ الشَّعر والبشر، ثمَّ اللَّحم والدَّم والعِظام، ثمَّ قال في آخره: ((اللهمَّ أَعظِمْ لي نوراً وأعطِنِي نوراً واجعلني نوراً» قال (١) بل وقع التصريح بأنه كريب عند ابن حبان (٢٦٣٦)، وأبي نعيم في ((المستخرج على صحيح مسلم)) (١٧٤٤). ٢٥٤ باب ١٠ / ح ٦٣١٧ فتح الباري بشرح البخاري التِّرمِذيّ: غريب. وقد روى شُعْبة وسفيان عن سَلَمة عن كُرَيب بعض هذا الحديث، ولم یذگروه بطوله. انتھی. وأخرج الطَّبَريُّ(١) من وجه آخر عن عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه في آخره: «وزِدني نوراً) قالها ثلاثاً. وعند ابن أبي عاصم في كتاب ((الدُّعاء)) من طريق عبد الحميد بن عبد الرَّحمن عن كُرَيب في آخر الحديث: ((وهَب لي نوراً على نور)». ويَجَتَمِع من اختلاف الرِّوايات كما قال ابن العربيّ: خمس وعشرونَ خَصْلة. قوله: ((فذكر عَصَبي)) بفتح المهمَلتَينِ وبعدهما موخَّدة. قال ابن التِّين: هي أطناب المفاصل. وقوله: ((وبَشَري)) بفتحِ الموحّدة والمعجَمة: ظاهر الجسد. قوله: ((وذكر خَصْلَتَينِ)) أي: تكملة السَّبعة. قال القُرطُبيّ: هذه الأنوار التي دَعا بها رسول الله وَل﴿ يُمكِن حَملها على ظاهرها، فيكون سألَ الله تعالى أن يجعل له في كلّ عُضو من أعضائه نوراً يَستَضيء به يوم القيامة في تلكَ الظَّلَم هو ومَن تَبِعَه أو مَن شاءَ الله منهم، قال: والأَولى أن يقال: هي مُستَعارة للعِلمِ والهداية كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ، نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ثمَّ قال: والتَّحقيق في معناه: أنَّ النّور مُظهِرٌ ما يُنسَبُ إليه، وهو يختلف بحَسَبِهِ: فنور السَّمع مُظهِر للمسموعات، ونور البَصَر كاشف للمُبصَرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجَوارح ما يَبدو عليها من أعمال الطاعات. قال الطِّييُّ: معنى طلب النّور للأعضاءِ عُضواً عُضواً: أن يَتَحلَّى بأنوار المعرفة والطاعات ويَتعرَّى عمَّا عَداهما، فإنَّ الشَّياطين تُحيط بالجِهات السِّتّ بالوساوِسِ، فكان التَّخَلُّص منها (١) لم نقف عليه فيما طبع من كتب الطبري، وهو بهذا الإسناد عند تمام في «فوائده)) (١٣١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في («تاريخ دمشق)» ١٦٢/١٧. وفات الحافظ رحمه الله أنَّ هذا الحرف ثابت أيضاً في رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عند البخاري في «الأدب المفرد» (٦٩٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٠٥) وغيرهما. ٢٥٥ باب ١١ / ح ٦٣١٨ كتاب الدعوات بالأنوار السادّة لِتلكَ الجِهات. قال: وكلّ هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحقّ، وإلى ذلك يُرشِد قوله تعالى: ((﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] إلى قوله تعالى: ﴿أُوْرٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥]. انتهى مُلخَّصاً، وكان في بعض ألفاظه ما لا یلیق بالمقام فحَذَفته. وقال الطِّييُّ أيضاً: خَصَّ السَّمع والبَصَر والقلب بلفظ ((في)) لأنَّ القلب مَقَرُّ الفِكرة في آلاء الله، والسَّمع والبَصَر مَسارح آيات الله المنصوبة(١)، قال: وخَصَّ اليمين والشِّمال بـ((عن)) إيذاناً بتَجاوُزِ الأنوار عن قلبه وسَمعه وبَصَره إلى مَن عن يمينه وشماله/ من أتباعه، ١١٩/١١ وعَبَّرَ عن بَقيَّة الجِهات بـ((من)) ليشملَ استنارَته وإنارته من الله والخلق. وقوله في آخره: ((واجعَل لي نوراً» هي فذلَكة(٢) لذلك وتأكيد له. قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((كان إذا قامَ من اللَّيل يَتَهَجَّد)) تقدَّم شرحه مُستَوقَى في أوائل التَّهَجُّد (١١٢٠). وقوله في آخره: ((لا إله إلّا أنتَ - أو لا إله غيرك ـ)) شَكّ من الراوي. ووَقَعَ في رواية للطَّبَرانيِّ(٣) في آخره: ((ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم)). ١١ - باب التَّسبيح والتَّكبير عند المنام ٦٣١٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن ابنِ أبي ليلى، عن عليٍّ: أنَّ فاطمةَ عليهما السَّلامِ شَكَت ما تَلْقَى في يَدِها مِنَ الرَّحَى، فأنتِ النبيَّ ◌َّ تسألُه خادِماً، فلم تَجِدْه، فذكرت ذلك لعائشةَ، فلمَّا جاء أخبَرَتْه، قال: فجاءنا وقد أخَذْنا مَضاجِعَنا، فذهبتُ (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: المصونة. والمثبت على الصواب من ((مرقاة المفاتيح)) للقاري ٩٠٥/٣ حيث نقل كلام الطيبي بِرُمَّته. (٢) الفذلكة: أصلها بمعنى إنهاء الحساب والفراغ منه، ثم أُطلقت لكل ما هو نتيجة متفرّعة على ما سَبَق حساباً كان أو غيره، وهي كلمة منحوتة من جملة: فذلك كذا وكذا. (٣) كذا نسبه الحافظ رحمه الله للطبراني، ولم نقف عليه عند الطبراني في شيء من كتبه، وفَاتَه أن يعزوه لابن ماجه (١٣٥٥)، والنسائي (١٦١٩)، حيث جاءت هذه الزيادة عندهما بلفظ: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله)). ٢٥٦ باب ١١ / ح ٦٣١٨م فتح الباري بشرح البخاري أقومُ، فقال: ((مكانَكَ)) فجَلَسَ بينَنا، حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيه على صَدْري، فقال: ((ألا أدُلَّكُما على ما هو خيرٌ لكما من خادِمِ؟ إذا أوَيتُما إلى فِراشكُما - أو أخَذْتُمَا مَضاجِعَكُما - فكَبًِّا ثلاثاً وثلاثينَ، وسَبِّحا ثلاثاً وثلاثينَ، واحمدا ثلاثاً وثلاثينَ، فَهَذا خيرٌ لكما من خادمٍ). ٦٣١٨°م- وعن شُعْبةَ، عن خالدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، قال: التَّسْبِيحُ أربعٌ وثَلاثونَ. قوله: ((باب التَّسْبيح والتَّكْبير عند المَنام)) أي: والتَّحميد. قوله: ((عن الحَكَم)) هو ابن عُتَيبة - بمُثّاةٍ وموخَّدة مُصغَّر -: فقيه الكوفة. وقوله: (عن ابن أبي ليلى» هو عبد الرَّحمن. وقوله: ((عن عليّ)) قد وَقَعَ في النَّفَقات: عن بَدَلِ بن المحَبَّر عن شُعْبة أخبرني الحُكم سمعت عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: أخبرنا عليّ(١). قوله: ((أنَّ فاطمة شَكَت ما تَلْقَی في يدها من الرَّحَى)) زاد بَدَل في روايته: ممَّا تَطحَن. وفي رواية القاسم مولى معاوية عن عليّ عند الطبري (٢): وأرَتْه أثراً في يَدها من الرَّحَى. وفي زوائد عبد الله بن أحمد في ((مُسنَد)) أبيه (٩٩٦)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٩٢٢)(٣) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن عَبيدة بن عَمْرو عن عليّ: اشتَكَت فاطمة مجل يدها، وهو بفتحِ الميم وسكون الجيم بعدها لامٌّ، معناه التَّقطيع، وقال الطَّبَريُّ: المراد به غِلَظ اليد، وكلّ مَن عَمِلَ عَمَلاً بِكَفِّه، فغَلُظَ جِلدها. قيل: مَجَلَتْ كَنُّه. وعند أحمد (١٢٥٠) من رواية هُبَيرة بن يَرِيم عن عليّ: قلتُ لفاطمة: لو أتيتِ النبيَّ وَيه فسألتيه خادِماً، فقد أجهَدَكِ الطَّحن والعَمَل. وعنده (٨٣٨)، وعند ابن سعد (٢٥/٨) من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عليّ: أنَّ (١) بل في كتاب فرض الخمس (٣١١٣). (٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: الطبراني، والمثبت على الصواب من (أ) موافقاً ما جاء في ((عمدة القاري)) ٢٨٨/٢٢، والظاهر أنه في ((تهذيب الآثار)) فيما هو مفقود منه، فقد صرَّح بذكره الحافظ غير مرة في شرح هذا الحديث. (٣) فات الحافظَ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبرى)) (٩١٢٧). ٢٥٧ باب ١١ / ح ٦٣١٨م كتاب الدعوات رسول الله وَ ◌ّ لمَّا زَوَّجَه فاطمة، فذكر الحديث، وفيه: فقال عليٌّ لفاطمة ذات يوم: والله لقد سَنَوَتُ حتَّى اشتَكَيت صدري، فقالت: وأنا والله لقد طَحَنتُ حتَّى مَجَلَت يَداي. وقوله: ((سَنَوتُ)) بفتح المهمَلة والنُّون، أي: استَقَيتُ من البئر، فكَنَّت مكان السانِيَة، وهي الناقة. وعند أبي داود (٢٩٨٨ و٥٠٦٣) من طريق أبي الورد بن ثُمامة عن عليّ بن أعبُدَ عن عليّ قال: كانت عندي فاطمة بنت النبيّ وَّهِ، فجَرَّت بالرَّحَى حتَّى أَثَّرَت بَيَدِها، واستَقَت بالقِربة حتَّى أَثَّرَت في عُنُقُها، وقَمَّتِ البيت حتَّى اغبَرَّت ثيابها. وفي رواية له: وخَبَزَت حتَّى تَغيَّرَ وجهها. قوله: ((فأنتِ النبيّ ◌َ﴿ تسأله خادِماً)) أي: جارية تَخْدُمها، ويُطلَق أيضاً على الذَّكَر. وفي رواية السائب: وقد جاء الله أباك بسَبيٍ، فاذهَبي إليه فاستَخدِميه، أي: اسأليه خادِماً. وزاد في رواية يحيى القَطّان عن شُعْبة كما تقدَّم في النَّفَقات (٥٣٦١): وبَلَغَها أنَّه جاءه رَقيق، وفي رواية بَدَل: وَبَلَغَها أنَّ رسول الله وَّهِ أَتِيَ بِسَبٍ. قوله: «فلم تَجِده»/ في رواية القَطّان: فلم تُصادِفه، وفي رواية بَدَل: فلم توافقه، وهي بمعنى ١٢٠/١١ تُصادِفِه، وفي رواية أبي الوَرْد: فأتته فوجَدَت عنده حُدّاثاً، بضمِّ المهمَلة وتشديد الدّال وبعد الألف مُثَلَّئة، أي: جماعة يَتَحدَّثُونَ، فاستَحيَت فَرَجَعَت. فيُحمَل على أنَّ المراد أنَّها لم تَجِدْه في المنزل، بل في مكان آخر كالمسجدِ وعنده مَن يَتَحدَّث معه. قوله: «فذكرتْ ذلك لعائشة، فلمَّا جاء أخبَرَتْه)) في رواية القَطّان: أخبرته عائشة، زاد غُندَر عن شُعْبة في المناقب (٣٧٠٥): بمجيءٍ فاطمة، وفي رواية بَدَل: فذكرت ذلك عائشة له. وفي رواية مجاهد عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عند جعفر الفِرْيابيّ في (الذِّكر))، والدّارَ قُطنيّ في ((العِلَل)) (٤٠٦) - أصله في مسلم (٢٧٢٧) -: حتَّى أتت منزل النبيّ ◌َّ فلم توافقه، فذكرت ذلك له أمّ سَلَمة بعد أن رَجَعَت فاطمة. ٢٥٨ باب ١١ / ح ٦٣١٨م فتح الباري بشرح البخاري ويُجمَع بأنَّ فاطمة التَمَسَته في بيتَي أمَّ المؤمنينَ، وقد وَرَدَتِ القصَّة من حديث أمّ سَلَمة نفسها. أخرجها الطَّبَريُّ في ((تهذيبه))(١) من طريق شهر بن حَوشَب عنها، قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله بَّه تَشكُو إليه الخدمة، فذكرتِ الحديث مختصراً. وفي رواية السائب: فأتتِ النبيّ وَ ◌ّ فقال: ((ما جاء بك يا بُنيَّة؟)) قالت: جِئت لأُسَلِّم عليك، واستَحَيَت أن تسأله ورَجَعَت، فقلت: ما فعَلتِ؟ قالت: استَحيَيتُ. قلت: وهذا مخالف لما في ((الصَّحيح))، ويُمكِن الجمع بأن تكون لم تَذكُر حاجتها أوَّلاً على ما في هذه الرِّواية، ثمَّ ذكرتها ثانياً لعائشة لمَّا لم تَجِدْه، ثمَّ جاءت هي وعليٌّ على ما في روایة السائب، فذكر بعض الزُّواة ما لم یذُر بعض. وقد اختَصَرَه بعضهم، ففي رواية مجاهد الماضية في النَّفَقات (٥٣٦٢): أنَّ فاطمة أتتِ النبيّ وَّ﴿ تسأله خادِماً، فقال: ((ألا أُخبِرك ما هو خير لك مِنه؟»، وفي رواية هُبَيرة: فقالت: انطَلِقٍ معي، فانطَلَقت معها فسألناه، فقال: ((ألا أدُلّكُم)) الحديث. ووَقَعَ عند مسلم (٢٧٢٨) من حديث أبي هريرة: أنَّ فاطمة أتتِ النبيّ يَّ تسأله خادِماً وشَكَتِ العَمَل، فقال: ما ألفَيته(٢) عندنا، وهو بالفاء، أي: ما وجَدته، ويُحمَل على أنَّ المراد ما وجَدته عندنا فاضلاً عن حاجتنا إليه، لما ذكر من إنفاق أثمان السَّبي على أهل الصُّفّة. قوله: «فجاءنا وقد أخذنا مضاچِعَنا) زاد في رواية السائب: فأتيناه جمیعاً، فقلت: بأبي یا رسول الله، والله لقد سَنَوتُ حتَّى اشتَكَيتُ صدري، وقالت فاطمة: لقد طَحَنتُ حتَّى تَجَلَت يَداي، وقد جاءك الله بسَبِي وسَعة فأَخْدِمنا، فقال: ((والله لا أُعطيكُما وأدَعُ أهلَ الصُّفّة تَطْوَى بُطونهم لا أجِدُ ما أُنفِق عليهم، ولكنّي أبيعُهم وأُنفِق عليهم أثمانَهم)). (١) لم نقف عليه فيما طبع من الكتاب. (٢) كذا وقع للحافظ، وكذا للعيني رحمهما الله، وهو على صيغة المتكلُّم، ويعني به النبيُّ وَلقال نفسَه، كما يُومئ إليه توجيه الحافظ بعده، والذي في مطبوع ((صحيح مسلم))، وكذا في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ٢٨١/٣: ما ألفيتيه، على صيغة المخاطب المؤنث إذ كان النبي وَ ز مخاطباً فاطمة. ٢٥٩ باب ١١ / ح ٦٣١٨م كتاب الدعوات وقد أشارَ المصنِّف إلى هذه الزّيادة في فرض الخُمُس (٣١١٣)، وتَكلَّمت على شرحها هناك. ووَقَعَ في رواية عَبيدة بن عَمْرو عن عليّ عند ابن حِبّان (٦٩٢٢) (١) من الزّيادة: فأتانا وعلينا قَطِيفَةٌ، إذا لَبِسناها طُولاً خَرَجَت منها جُنوبنا، وإذا لَبِسناها عَرَضاً خَرَجَت منها رؤوسنا وأقدامنا. وفي رواية السائب: فَرَجَعا، فأتاهما النبيّ وَّ وقد دَخَلا في قَطيفة لهما، إذا غَطَّتْ رُؤوسهما تَكَشَّفَت أقدامهما، وإذا غَطّیا أقدامهما تَكَشَّفَت رُؤوسھما. قوله: ((فذهبْت أقوم)) وافَقَه غُندَر، وفي رواية القَطّان: فذهبنا نَقوم، وفي رواية بَدَل: لِنَقومَ، وفي رواية السائب: فقاما(٢). قوله: ((فقال: مكانَكَ) وفي رواية غُندَر: ((مكانَكُما)) وهو بالنَّصب، أي: الْزَما مكانَكُما، وفي رواية القَطّان وبَدَلٍ: فقال: ((على مكانِكُما)) أي: استَمِرًا على ما أنتما عليه. قوله: ((فجَلَسَ بيننا)» في رواية غُندَر: فَقَعَدَ، بَدَل: جَلَسَ، وفي رواية القَطّان: فَقَعَدَ بيني وبينها، وفي رواية عَمْرو بن مُرّة عن ابن أبي ليلى عند النَّسائيِّ (ك١٠٥٨٢): أتى رسولُ الله ◌َليل حتَّى وضَع قَدمه بيني وبين فاطمة. قوله: ((حَتَّى وَجَدْت بَرْدَ قَدَمَيه)) هكذا هنا بالتَّنية، وكذا في رواية غُندَر، وعند مسلم أيضاً، وفي رواية القطّان بالإفراد، وفي رواية بدلٍ کذلك بالإفرادِ للگُشْمِيهنيّ، وفي رواية للطَّرِيِّ: فسخّنتُهما، وفي رواية عطاء عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند جعفر في ((الذِّكر)) - وأصله في مسلم - من الزّيادة: فخَرَجَ حتَّى أتى منزل فاطمة، وقد دَخَلَت هي وعليّ في اللِّحاف، فلمََّ/ استأذَنَ هَمّا أن يَلبَسا، فقال: ((كما أنتما، إنّي أُخبِرِتُ أنَّكَ جِئْتِ تَطْلُبِيني، ١٢١/١١ فما حاجتُك؟» قالت: بَلَغَني أنَّه قَدِمَ عليك خَدَم، فأحبَبت أن تُعطيني خادِماً يكفيني الخبز (١) فات الحافظ رحمه الله تعالى أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبرى)) (٩١٢٧). (٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في مطبوع ((المسند)) (٨٣٨)، وكذا في مطبوع ((طبقات ابن سعد) ٢٥/٨ وغيرهما: فثارا. ٢٦٠ باب ١١ / ح ٦٣١٨م فتح الباري بشرح البخاري والعَجْن، فإنَّه قد شَقَّ عليَّ، قال: ((فما جِئت تَطلُبين أحَبُّ إليك أو ما هو خيرٌ مِنه؟)) قال عليّ: فغمزتُها فقلتُ: قولي: ما هو خيرٌ مِنه أحبُّ إليّ، قال: «فإذا کنُما على مثل حالِگما الذي أنتما عليه)) فذكر التَّسبيح. وفي رواية عليّ بن أعبُدُ(١): فجَلَسَ عند رأسها، فأدخَلَت رأسها في اللِّفاع حياءً من أبيها. ويُحمَل على أنَّه فعل ذلك أوَّلاً، فلمَّا تآنَسَتْ به دَخَلَ معهما في الفِراش مُبالَغة مِنه في التَّانیس. وزاد في رواية عليّ بن أعبد: فقال: ((ما كان حاجتُكِ أمسٍ؟)) فسَكَتَت مرَّتَين، فقلت: أنا والله أُحدِّثك یا رسول الله، فذکرُه له. ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنَّا أوَّلاَ اسْتَحِيَت فَتَكلَّمَ عليّ عنها، فَنَشِطَت(٢) للكلام فأكمَلَتِ القصَّة. واتَّفَقَ غالب الرُّواة على أنَّه ◌َليهِ جاء إليهما. ووَقَعَ في رواية شَبَث - وهو بفتحِ المعجَمة والموحّدة بعدها مُثلَّثة - ابن رِبعيّ عن عليّ عند أبي داود (٥٠٦٤)، وجعفر في ((الذِّكر))(٣) والسّياق له: قَدِمَ على النبيّ ◌ِ ل﴿ِ سَبِيٍّ، فانطَلَقَ عليّ وفاطمة حتَّى أتيا رسول الله وَ لآه فقال: ((ما أتى بكما؟)) قال عليّ: شَقَّ علينا العَمَل، فقال: ((ألا أدُلّكُم)). وفي لفظ جعفر: فقال عليّ لفاطمة: انتِ أباك فسَلِيهِ أن يُحْدِمَك، فأتت أباها حين أمسَت، فقال: ((ما جاء بك يا بُنِيَّة؟)) قالت: جِئت أُسَلِّم عليك، واستَحَيَتْ، حتَّى إذا كانت القائِلةُ قال: انتِ أباك، فذكر مثله، حتَّى إذا كان اللَّيلةُ الثّالثةُ قال لها عليّ: امشي، فخَرَجا معاً، الحديث وفيه: ((ألا أدُلّكُما على خير لكما من مُمْرُ النَّعَم؟». وفي مُرسَل عليّ بن الحسين عند جعفر أيضاً: أنَّ فاطمة أتتِ النبيّ ◌َّ تسأله خادِماً، وبيَدِها أثر الطَّحن من قُطب الرَّحَى، فقال: ((إذا أويتٍ إلى فِراشك)) الحديث. (١) عند أبي داود (٥٠٦٣). (٢) في (س): فأُنْشِطَت. (٣) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبير)) (١٠٥٨٣).