Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ باب ٤٩ / ح ٦٢٩٣-٦٢٩٥ كتاب الاستئذان ٤٩ - باب لا تُترك النار في البيت عند النَّوم ٦٢٩٣ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّل قال: ((لا تَتْرُكوا النارَ في بُيُوتِكم حينَ تَنامُونَ». ٦٢٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ، قال: احترَقَ بيتٌ بالمدينةِ على أهلِهِ منَ اللَّيلِ، فَحُدِّثَ بشأنِهِمُ النبيُّ ◌َه قال: ((إنَّ هذه النارَ إنَّما هي عَدُوٌّ لكم، فإذا نِمْتُمْ فأَطْفِئوها عنكُم)). ٦٢٩٥ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن كثيرٍ، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((خَمِّرُوا الآنِيةَ، وأَحِيفُوا الأبوابَ، وأطْفِئوا المصابيحَ، فإنَّ الفُوَيسِقةَ رُبَّما جَرَّتِ الفَتِيلَةَ فأحرَقَت أهلَ البيتِ». قوله: ((باب لا تُتْرَكُ النارُ في البيت عند النَّوْم)) بضمٍّ أوَّل ((تُترَك)) ومُثنّةٍ فوقائَيَّةٍ على البناء للمجهولِ، وبفَتْحِه ومُثنّاةٍ تحتانيَّةٍ بصيغة النَّهي المفرَد. ذکر فیه ثلاثة أحادیث: الأوَّل: حديث ابن عمر في النَّهي عن ذلك. الثّاني: حديث أبي موسى، وفيه بيان حِكمة النَّهي، وهي خَشْيةُ الاحتراق. الثّالث: حديث جابر، وفيه بيان عِلّة الخَشْية المذكورة. فأمَّا حديث ابن عمر فقوله في السَّنَد: ((ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريِّ)) وَقَعَ في رواية الحميديِّ (٦١٨): عن سفيان، حدَّثنا الزُّهْريّ. وقوله ((حين تَنامُونَ)) قَيَّدَه بالنَّومِ لِحُصُولِ الغَفلة به غالباً، ويُستَنبَط مِنه: أنَّه متى وُجِدَتِ ٨٦/١١ الغَفلةُ حَصَلَ النَّهيُ. وأمَّا حديث أبي موسى فقوله: ((احترَقَ بيتٌ بالمدينة على أهله)) لم أقِفْ على تَسميتهم. قال ابن دقيق العيد: يُؤْخَذ من حديث أبي موسى سببُ الأمر في حديث جابِرٍ بإطفاءِ المصابيح، وهو فَنٌّ حسنٌ غريبٌ، ولو تُنَبِّعَ لَصَلَ مِنه فوائدُ. ١٨٢ باب ٤٩ / ح ٦٢٩٥ فتح الباري بشرح البخاري قلت: قد أفرَدَه أبو حَفْص العُكْبَريّ من شيوخ أبي يَعْلى بن الفَرّاء بالتَّصنيف، وهو في المئة الخامسة، ووَقَفْتُ على مختصرٍ منه، وكأنَّ الشَّيخ ما وقَفَ عليه، فلذلك تَنَّى أن لو تُبِّعَ. وقوله: ((إنَّ هذه النارَ إنَّما هي عَدُوٌّ لكم)) هكذا أورَدَه بصيغة الحَصْرِ مُبالَغةً في تأكيد ذلك. قال ابن العربيّ: معنى كَون النار عدوّاً لنا: أنَّها تُنافي أبدانَنا وأموالَنا مُنافاةَ العَدُوِّ، وإن كانت لنا بها مَنفَعَةٌ، لكن لا يَحَصُل لنا منها إلّا بواسطةٍ، فأطلقَ أنَّها عدوّ لنا لِوجودِ معنى العَدَاوة فيها، والله أعلم. وأمَّا حديث جابِرٍ فقوله في السَّنَد: ((كثيرٍ)) كذا للأكثرِ غير منسوب، زاد أبو ذَرِّ في روايته: ((هو ابن شِنْظِير)) وهو كذلك، وشِنْظير بكسر الشّين والظّاء المعجَمتَينِ بينهما نونٌ ساكنة تقدَّم ضبطُه والكلامُ علیه في (باب ذِكْر الجِنّ)) من کتاب بدء الخلق وشرُ حديثه هذا (٣٣١٦)، وأنَّه ليس له في ((الصَّحيح)) غير هذا الحديث، ووَقَعَ في ((رجال الصَّحيح)) للكَلاباذيّ أنَّ البخاريّ أخرج له أيضاً في ((باب استعانة اليد في الصلاة)) (١١٩٨)، فراجَعت الباب المذكور من ((الصَّحيح)) وهو قُبَيل كتاب الجنائز، فما وجَدت له هناك ذِكْراً، ثمَّ وجَدت له بعد الباب المذكور بأحدَ عشر باباً حديثاً آخر بسندِه هذا (١٢١٧) وقد نبّهت علیه في ((باب ذِكْر الجِنّ)). والشِّنظير في اللُّغة: السَّاعِ الْخُلُق، وكثيرٌ المذكور يُكْنى أبا قُرّة، وهو بَصْريّ. وقال القُرطُبيّ: الأمرُ والنَّهيُ في هذا الحديث للإرشاد، قال: وقد يكون للنَّذْبِ. وجَزَمَ النَّوويّ بأنَّه للإرشادِ لِكَونِهِ لمَصلَحة دُنْيَويَّة. وتُعقِّبَ بأنَّه قد يُفضي إلى مَصلَحة دينيّة، وهي حِفظ النَّفْس المحرَّم قتلُها، والمالِ المحرَّم تَبذیرُه. وقال الطبريُّ(١): في هذه الأحاديث أنَّ الواحد إذا بات ببيتٍ ليس فيه غیرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يُطِفِئها قبل نَومه، أو يفعل بها ما يُؤمَن معه الاحتراقُ، وكذا إن كان في البيت (١) تحرَّف في (س) إلى: القرطبي. ١٨٣ باب ٤٩ / ح ٦٢٩٥ كتاب الاستئذان جماعةٌ فإِنَّه يَتَعيَّن على بعضهم، وأحقُّهم بذلك آخرُهم نَوماً، فمَن فَرَّطَ في ذلك كان للسُّنّة مخالفاً ولأدبها(١) تاركاً. ثمَّ أخرج (٢) الحديث الذي أخرجه أبو داود (٥٢٤٧) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٥١٩) والحاكم (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: جاءت فأرةٌ فجَرَّتِ الفَتيلةَ فألقَتها بين يَدَي النبيِّ وَِّ على الخُمْرة التي كان قاعِداً عليها، فأحرَقَت منها مِثْلَ موضع الدِّرهَم، فقال النبيُّ وَّ: ((إذا نِمتُم فأَطِفِئوا سُرُجَكُم (٣)، فإنَّ الشَّيطان يَدُلُّ مِثلَ هذه على هذا فیُحرِقُكُم)). وفي هذا الحديث بيان سبب الأمر أيضاً وبيان الحامل للفُوَيسِقة - وهي الفَأْرة - على جَرّ الفَتيلة وهو الشَّيطان، فيستعين - وهو عَدُوُّ الإنسان - عليه بعَدُوِّ آخر وهي النار، أعاذنا الله بگرمِه من کیدِ الأعداء إنَّه رؤوف رحيم. وقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العِّة في إطفاء السِّراج الحَذَرَ من جَرّ الفُويسِقة الفَتيلَة، فمُقتَضاه أنَّ السِّراج إذا كان على هَيْئة لا تَصِل إليها الفَارة لا یُمنَع إیقاده، کما لو كان على مَنارة من نُحاس أملَسَ لا يُمكِّنِ الفَأْرةَ الصُّعودُ إليه، أو يكون مكانُه بعيداً عن موضع يُمكِنِها أن تَنِبَ مِنه إلى السِّراج. قال: وأمَّا وُرود الأمر بإطفاءِ النار مطلقاً كما في حديثي ابن عمر وأبي موسى - وهو أَعَمّ من نار السِّراج - فقد يَتَطَرَّق منه مَفسَدة أُخرى غيرُ جَرّ الفَتيلة، كَسُقوطِ شيءٍ من السِّراج على بعض متاع البيت، وكسُقوطِ المنارة فيَنْتَثِرُ السِّراجُ إلى شيءٍ من المتاع فَيَحْرِقُه، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك، فإذا استَوثَقَ بحيثُ يُؤمَن معه الإحراق، فیزول الحكم بَزَوَال عِلَّته. (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (ب): لآدابها، وفي (س): لأدائها. (٢) أي ابن جرير الطبري: ولم نقف عليه فيما طبع من كتبه. (٣) تحرَّف في (س) إلى: سراجكم. ١٨٤ باب ٥٠ / ح ٦٢٩٦ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وقد صَرَّحَ النَّوويّ بذلك في القِنديل مثلاً، لأنَّه يُؤْمَن معه الضَّرَرِ الذي لا يُؤمَن مِثلُه في السّراج. ٨٧/١١ وقال ابن دقيق العيد أيضاً: هذه/ الأوامر لم يَحمِلها الأكثر على الوجوب، ويَلزَم أهلَ الظّاهر حَملُها عليه، قال: وهذا لا يَخْتَصّ بالظّاهريِّ، بلِ الحَملُ على الظّاهر إلّا لمُعارضٍ ظاهرٍ يقول به أهلُ القياس، وإن كان أهل الظّاهر أولى بالالتزام به لِكَونِم لا يَلتَفِتونَ إلى المفهومات والمناسبات، وهذه الأوامر تتنوَّع بحَسَبٍ مقاصدها: فمِنها ما يُحمَل على النَّذْب وهو التَّسمية على كلّ حال، ومنها ما يُحمَل على النَّدب والإرشاد معاً كَإغلاق الأبواب من أجل التَّعليل بأنَّ الشَّيطان لا يَفتَح باباً مُغلَقاً (١)، لأنَّ الاحتراز من مُخَالَطة الشَّيطان مندوبٌ إليه، وإن كان ◌َحته مصالحُ دُنيَويَّةٌ كالحِراسة، وكذا إيكاءُ السِّقاء(٢) وتَخمير الإناء، والله أعلم. ٥٠- باب غَلْقِ الأبواب باللّیل ٦٢٩٦ - حدَّثنا حسَّانُ بنُ أبي عَبّادٍ، حدَّثْنَا هَّامٌ، حدَّثنا عطاءً، عن جابرٍ قال: قال النبيُّ ◌َلهُ ((أَطْفِئوا المصابيحَ باللَّيلِ إذا رَقَدْتُم، وَأَغْلِقوا الأبوابَ، وأَوْكُوا الأسقِيةَ، وخروا الطَّعامَ والشَّرابَ» قال همَّامٌ: وأحسِبُه قال: ((ولو بعُودٍ يَعرُّضُه)). قوله: ((باب غَلْق الأبواب باللَّلِ» في رواية الأَصِيلِيّ والجُرجانيّ وكذا لِكَرِيمة عن الكُشْمِيهنيّ: ((إغلاق)) وهو الفصيح، وقال عياضٌ: هو الصَّواب، قلت: لكن الأوَّل ثَبَتَ في لُغة نادرة. قوله: «هَّام) هو ابن یحی، وعطاء: هو ابن أبي رباح. قوله: ((أَطْفِئوا المصابيح باللَّيلِ)) تقدَّم شرحُه في الذي قبله. قوله: ((وأَغلِقُوا الأبواب)) في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: ((وغَلِّقوا)) بتشديد اللّام، وتقدَّم في الباب الذي قبله بلفظ: ((أَجِيفُوا)) بالجيم والفاء وهي بمعنى أَغْلِقوا، وتقدَّم شرحها في (١) يشير إلى رواية حديث جابر بن عبد الله المتقدمة برقم (٣٣٠٤). (٢) أي: شَدُّ رؤوسها بالخيط ونحوه؛ لئلا يدخلها حيوان أو يسقط فيها شيء. ((اللسان)) (وكي). ١٨٥ باب ٥٠ / ح ٦٢٩٦ كتاب الاستئذان ((باب ذِكْر الجِنّ)) وكذا بَقيَّة الحديث (٣٣١٦). قال ابن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدِّينَيَّة والدُّنيَويَّة: حِراسةٌ الأنفُس والأموال من أهل العَبَث والفساد، ولا سيّما الشَّياطين. وأمَّا قوله: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَفْتَح باباً مُغلَقً)(١) فإشارة إلى أنَّ الأمر بالإغلاق لمَصلَحة إبعاد الشّيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخَصَّه بالتَّعليلِ تنبيهاً على ما يخفى ممَّا لا يُطَّلَع عليه إلّا من جانب النُّة، قال: واللّم في ((الشَّيطان)) للجِنسِ إذليس المراد فرداً بعينِه. وقوله في هذه الرّواية: ((وَّرُوا الطَّعام والشَّراب. قال همَّام: وأحسِبُه قال: ((ولو بعُودٍ يَعرُضُه)) وهو بضمِّ الرَّاء بعدها ضاد مُعجَمة، وقد تقدَّم الجزم بذلك عن عطاء في رواية ابن جُرَيج في الباب المذكور(٢)، ولفظُه: ((وَمِر إناءَك ولو بعُودٍ تَعرُضُه عليه))، وزاد في كلِّ من الأوامر المذكورة: ((واذكُرِ اسمَ الله تعالى))، وقد تقدَّم في ((باب شُرب اللَّبَن)) (٥٦٠٥) من كتاب الأشربة بيانُ الحكمة في ذلك، وقد حَلَه ابن بَطّال على عُمومه، وأشار إلى استشكاله، فقال: أخبر وَ ﴿ أَنَّ الشَّيطان لم يُعطَ قوّةً على شيءٍ من ذلك، وإن كان أُعطيَ ما هو أعظَمُ مِنه، وهو وُلُوجُه في الأماكن التي لا يَقْدِر الآدميّ أَن يَلِجَ فيها. قلت: والزيادة التي أشرتُ إليها قبلُ تَرفع الإشكالَ، وهو أنَّ ذِكْر اسم الله يحول بينه وبين فِعل هذه الأشياء، ومُقتَضاه أنَّه يتمكَّن من كلّ ذلك إذا لم يُذكَرِ اسمُ الله، ويُؤيِّده ما أخرجه مسلمٌ والأربعة (٣) عن جابِرِ رَفَعَه: ((إذا دَخَلَ الرّجلُ بيتَه فذَكَر اللهَ عند دُخُولِه وعند طعامه، قال الشَّيطان: لا مَبِيتَ لكم ولا عشاءَ، وإذا دَخَلَ فلم يَذْكُرِ اللّهَ عند دُخولِه، قال الشَّيطان: أدرَكتُمُ المَبِيتَ والعَشاءَ)). (١) يشير إلى الرواية المتقدمة برقم (٣٣٠٤). (٢) بل في ((باب صفة إبليس وجنوده))، الحديث رقم (٣٢٨٠)، وكذا وقع الجزم به في حديث آخر عن جابر كما سيأتي برقم (٥٦٠٥)، و(٥٦٠٦) في ذكر التخمير وحده. (٣) أخرجه مسلم برقم (٢٠١٨)، وأبو داود برقم (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٣٨٨٧)، والنسائي في ((الكبرى)) برقم (٩٩٣٥)، ولم يخرجه الترمذي، وهو عند أحمد برقم (١٤٧٢٩)، وقوله في آخره: ((المبيت والعشاء)) أثبتناه من (ع) كما في الروايات، وسقط من (أ) و(ب) و(س). ١٨٦ باب ٥١ / ح ٦٢٩٧- ٦٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد تَرَدَّدَ ابن دقيق العيد في ذلك فقال في ((شرح الإلمام)): يُحتمل أن يُؤخَذ قوله: ((فإنَّ ٨٨/١١ الشَّيطان لا يَفتَح باباً مُغلَقاً)) على عُمومه، ويحتمل/ أن يُخُصّ بما ذُكِرَ اسمُ الله عليه، ويحتمل أن يكون المنع لأمرٍ يَتَعلَّق بچِسمِه، ويحتمل أن يكون لمانعٍ منَ الله بأمرٍ خارجٍ عن جسمه. قال: والحديث يدلّ على مَنْعِ دُخول الشَّيطانِ الخارجِ، فأمَّا الشَّيطانُ الذي كان داخلاً، فلا يدلُّ الخبر على خُروجه، قال: فيكون ذلك لِتِخفيفِ المفسَدة لا رَفْعِها، ويحتمل أن تكون التَّسمية عند الإغلاق تقتضي طَرْدَ مَن في البيت من الشَّياطين، وعلى هذا فينبغي أن تكون التَّسمية من ابتداء الإغلاق إلى تمامه. واستنَبَطَ مِنه بعضهم مشروعيَّة غَلْقَ الفَمِ عند التََّاؤُب لِدُخولِه في عُموم الأبواب مجازاً. ٥١- باب الخِتان بعد الكِبَر ونَثْف الإبط ٦٢٩٧ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((الفِطْرةُ خمسٌ: الخِتانُ، والاستِحْدَادُ، ونَتْفُ الإبطِ، وقَصُّ الشّاربِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ». ٦٢٩٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبُ بنُ أبي ◌َمزةَ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: («اختَتَنَ إبراهيمُ عليه السلام بعدَ ثمانينَ سَنةً، واختَتَنَ بالقَدُومِ» مُفَّفةً. قال أبو عبد الله: حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا المُغِيرةُ، عن أبي الزِّنادِ، وقال: ((بالقَلُّوم)): وهو موضعٌ، مُشَدَّدٌ. ٦٢٩٩ - وقال ابنُ إِدْرِيسَ: عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: قُبِضَ النبيُّ ◌َّه وأنا خَتِينٌ. ٦٣٠٠ - حدَّنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، أخبرنا عَبّادُ بنُ موسى، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرِ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سُئلَ ابنُ عبَّاسٍ: مِثلُ مَن أنتَ حينَ قُبِضَ النبيُّ ◌َِّ، قال: أنا يومَئذٍ مختونٌ. ١٨٧ باب ٥١ / ح ٦٣٠٠ كتاب الاستئذان قال: وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجلَ حتَّى يُدْرِكَ. [طرفه في: ٦٣٠٠] قوله: ((باب الخِتان بَعْد الكِبَرَ)) بكسر الكاف وفتح الموحّدة، قال الكِرْمانيُّ: وجه مُناسَبة هذه التَّرجمة بكتابِ الاستئذان، أنَّ الخِتان يستدعي الاجتماعَ في المنازِل غالباً. قوله: (الفِطْرُ خَمس)» تقدَّم شرحه في أواخر کتاب اللباس (٥٨٨٩ و٥٨٩١)، وکذلك حُكم الختان. واستَدَلَّ ابن بَطّال على عَدَم وُجوبه بأنَّ سلمانَ لمَّا أسلَمَ لم يُؤمَر بالاختتان. وتُعقّبَ باحتمال أن يكون تُرِكَ لِعُذرٍ، أو لأنَّ قِصَّته كانت قبلَ إيجاب الخِتان، أو لأنّه كان مُتَتِناً. ثمَّ لا يَلزَم من عَدَمِ النَّقْل عَدَمُ الوُقوعِ، وقد ثَبَتَ الأمر لغيره بذلك(١). قوله في الحديث الثاني: ((اختَتَنَ إبراهيمُ عليه السلام بَعْد ثمانينَ سَنةً)) تقدَّم بيان ذلك والاختلاف في سِنِّه حين اختَتَنَ، وبيان قَدْر عُمُره في شرح الحديث المذكور في ترجمة إبراهيم عليه السلام (٣٣٥٦)، وذكرت هناك أنَّه وَقَعَ في ((الموطَّأ)) من رواية أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفاً على أبي هريرة: أنَّ إبراهيم أوَّل مَن اختَتَنَ وهو ابن عشرينَ ومئةٍ، واختَتَنَ بالقَدُومِ، وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة. ورُوِّيناه في / ((فوائد ابن السَّمّاك)) من طريق أبي ٨٩/١١ أُوَيس (٢) عن أبي الزناد بهذا السَّنَد مرفوعاً، وأبو أُوَيس فيه لِينٌ، وأكثر الرّوايات على ما وَقَعَ في حديث الباب أنَّه عليه السلام اختَتَنَ وهو ابن ثمانِينَ سنةً. وقد حاولَ الكمال بن طلحة في جُزء له في الخِتان الجمع بين الرِّوايتَينِ فقال: نُقِلَ في الحديث الصَّحيح(٣): أنَّه اختَتَنَ لِثمانينَ، وفي رواية أُخرى صحيحة: أنَّه اختَتَنَ لمئةٍ (١) قد ورد في الختان أنه من سُنن الفطرة، كما هو نصُّ حديث الباب، وأما الأمر به صريحاً فلم يُروَ إلّا في حديث عُثَيم بن كليب عن أبيه عن جدِّه أنه جاء النبيَّ وََّ، وفي آخره قال له النبيُّ وَّ: ((أَلْقِ عنكَ شَعْرَ الگُفر، واختَتِنْ»، وعثيم وأبوه مجهولان. (٢) وأخرجه من طريقه أيضاً ابن عدي في ((الكامل)) ١٨٣/٤، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٦٣٩). (٣) يعني رواية البخاري في هذا الباب وغيره، وهي عند مسلم أيضاً برقم (٢٣٧٠). ١٨٨ باب ٥١ / ح ٦٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وعشرينَ(١)، والجمع بينهما أنَّ إبراهيم عيه الصَّلاة والسَّلامُ عاشَ مئتَي سنةٍ منها ثمانينَ سنةً غير تَتُون، ومنها مئةً وعشرينَ وهو تَخَتُون، فمعنى الحديث الأوَّل: اختَتَنَ لِثمانينَ مَضَت من عُمُره، والثّاني: لمئة وعشرين بَقِيَتْ من عُمُرِه. وتَعَقَّبَه الكَمالُ بن العَديم في جُزء سَمّه ((المُلْحة في الردّ على ابن طلحة)) بأنَّ في كلامه وَهْماً من أوجُه: أحدها: تصحيحه لِرواية ((مئة وعشرينَ)) وليست بصحيحةٍ، ثمَّ أورَدَها من رواية الوليد عن الأوزاعيِّ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة مرفوعة، وتَعقَّبَه بتدليسِ الوليد، ثمَّ أورَدَه من ((فوائد ابن المُقرئ)» من رواية جعفر بن عَوْن عن يحيى بن سعيد به موقوفاً، ومَن رواية عليّ بن مُسهِر وعِكْرمة بن إبراهيم كلاهما، عن يحيى ابن سعید کذلك(٢). ثانيها: قوله في كلِّ مِنهما: ((لِثمانينَ))، ((لمئةٍ وعشرينَ))، ولم يَرِد في طريق من الطُّرق باللّم، وإنَّما وَرَدَ بلفظ: ((اخْتَتَنَ وهو ابن ثمانِينَ))، وفي الأُخرى: ((وهو ابن مئة وعشرينَ))، وورَدَ الأوَّل أيضاً بلفظ: ((على رأس ثمانينَ))(٣)، ونحو ذلك. ثالثها: أنَّه صَرَّحَ في أكثر الرِّوايات أنَّه عاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنةً، فلا يوافق الجمعَ المذكورَ: أنَّ المئة وعشرينَ هي التي بَقِيَت من عُمره. ورابعها: أنَّ العرب لا تَزال تقول: خَلَوْنَ، إلى النِّصف، فإذا تَّجاوزَتِ النِّصف قالوا: بَقِينَ، (١) وممن رواه مرفوعاً أيضاً بهذا اللفظ ابنُ حبان (٦٢٠٤) من طريق ابن جُريج عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه كذلك (٦٢٠٥) من طريق الليث بن سعد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، وذكر الدار قطني في («العلل)) (١٣٥٢) أنه تابَعَ ابنَ جريج عليه مرفوعاً الأوزاعيُّ ومحمد بن إسحاق عن یحی بن سعید، وكذلك ابنُ وهب عن مالك واللیث عن یحیی بن سعيد. (٢) وكذلك رواه جماعةٌ آخرون عن يحيى بن سعيد الأنصاري على الوقف، ذكرهم الدار قطني في ((العلل)) (١٣٥٢)، وقد خرَّجنا جُلّ هذه الروايات في ((المسند)) برقم (٨٢٨١) فراجِعْه. (٣) أخرجه البزار في («مسنده)) برقم (٧٨٣٩)، وأبو يعلى في ((مسنده)) برقم (٥٩٨١) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﴾. ١٨٩ باب ٥١ / ح ٦٣٠٠ كتاب الاستئذان والذي جَمَعَ به ابن طلحة يقع بالعكس، ويَلزَم أن يقول فيما إذا مَضَى من الشَّهر عشرةُ أيام: لِعِشرينَ بَقِينَ، وهذا لا يُعرَف في استعمالهم. ثمَّ ذكر الاختلاف في ◌ِنّ إبراهيم، وجَزَمَ بأَنَّه لا يَئُبُت منها شيءٌ: مِنها قول هشام بن الكَلْبِيّ عن أبيه، قال: دَعَا إبراهيمُ الناسَ إلى الحجّ ثمَّ رَجَعَ إلى الشّام، فماتَ به وهو ابن مِنَتَي سنةٍ. وذكر أبو حُذَيفة البخاريّ - أحد الضُّعَفاء - في ((المبتَدَأ)) بسندٍ له ضعيف: أنَّ إبراهيم عاشَ مئة وخمساً وسبعينَ سنةً. وأخرج ابن أبي الدُّنيا من مُرسَل عُبيد بن عُمَير في وفاة إبراهيم وقِصَّته مع مَلَكَ الموت ودُخوله عليه في صُورة شيخ فأضافَه، فجَعَلَ يَضَعِ اللُّقمة في فِيهِ فَتَنَاثَرِ ولا تَنْبُت فِيهِ، فقال له: كم أتى عليك؟ قال: مئةٌ وإحدى وستّونَ سنة، فقال إبراهيم في نفسه وهو يومئذٍ ابن ستّينَ ومئةٍ: ما بَقِيَ إلى أن أصيرَ هكذا إلّا سنةٌ واحدةٌ، فكَرهَ الحياة، فقَبَضَ مَلَكُ الموت حينئذٍ رُوحَه برضاه. فهذه ثلاثة أقوال مُتَلِفة يَتَعَسَّر الجمع بينها، لكن أرجَحها الرِّواية الثّالثة. وخَطَرَ لي بعدُ أنَّه يجوز الجمعُ بأن يكون المراد بقوله: ((وهو ابن ثمانينَ)) أنَّه مِنْ وقتٍ فارَقَ قومَه وهاجَرَ من العراق إلى الشّام، وأنَّ الرّواية الأُخرى: ((وهو ابن مئةٍ وعشرينَ)) أي: من مَولِده، أو أنَّ بعض الرُّواة رأى مئةً وعشرينَ فظنَّها إلّا عشرينَ أو بالعكس، والله أعلم. قال المهلَّب: ليس اختِتان إبراهيم عليه السلام بعد ثمانينَ مَّا يُوجِب علينا مِثلَ فِعله، إذ عامّةُ مَن يموت من الناس لا يَبلُغ الثَّانينَ، وإنَّما اختَتَنَ وقتَ أوحَى اللهُ إليه بذلك وأمَرَه به. قال: والنَّظَر يقتضي أنَّه لا ينبغي الاختتان إلّا قُربَ وقتِ الحاجة إليه لاستعمال العُضو في الجِماع، كما وَقَعَ لابنِ عبّاس حيثُ قال: كانوا لا يَخْتِنونَ الرجل حتَّى يُدرِك. ثمّ قال: والاختتان في الصِّغَر لِتسهيل الأمر على الصَّغير، لِضعفِ عُضوه وقِلّة فَهْمه. قلت: يُستَدَلّ بقصَّة إبراهيم عليه السلام لمشروعيَّة الخِتان، حتَّى لو أُخِّرَ لمانع حتَّى ١٩٠ باب ٥١ / ح ٦٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري بَلَغَ السِّنّ المذكور لم يَسقُط طَلبُه، وإلى ذلك أشارَ البخاريّ بالتَّرجمة، وليس المراد أنَّ الخِتان ◌ُشرَع تأخیرُه إلى الكِبر حتَّی ◌ُحتاج إلى الاعتذار عنه. وأمَّا التعليل الذي ذكره من طريق النَّظَر ففيه نظرٌ، فإنَّ حِكمة الخِتان لم تَنخَصِر في ٩٠/١١ تَكميل ما يَتَعلَّق بالجِماعِ، بل ولما/ يُحْشَى من انحِباس بَقِيَّة البَوْل في الغُزْلَة ولا سيّما للمُستَجمِرِ، فلا يُؤمَن أن يسيل فيُنَجِّس الثَّوب أو البَدَن، فكانت المبادَرة لِقَطْعِها عند بلوغ السِّنّ الذي يُؤمَر به الصبيّ بالصلاة أَلْيَقَ الأوقات، وقد بيَّنت الاختلاف في الوقت الذي يُشرَع فيه فيما مَضَى(١). قوله: ((واختَتَنَ بالقَدُوم. مُفَّفة)) ثمَّ أشارَ إليه من طريق أُخرى: مُشَدَّدة، وزاد: وهو موضع. وقد قَدَّمت بيانُه في شرح الحديث المذكور في ترجمة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٣٥٦)، وأشرت إليه أيضاً في أثناء اللِّباس. وقال المهلَّب: القَدُوم بالتَّخفيفِ: الآلة، كقولِ الشّاعر: على خُطُوبٍ كَنَحْتٍ بِالقَدُومْ(٢) وبالتَّشديدِ: الموضعُ، قال: وقد يَتَّفِق لإبراهيم عليه السلام الأمران، يعني: أنَّه اختَتَنَ بالآلة وفي الموضع. قلت: وقد قَدَّمتُ الرَّاجحَ من ذلك هُناكَ. وفي ((المتَّفِقِ)) للجَوزَقيِّ بسندٍ صحيح عن عبد الرَّزّاق قال: القَدُّوم: القَرْيَةُ. وأخرج أبو العبّاس السَّاج في ((تاريخه)) عن عبيد الله بن سعيد (١) عند شرح الحديث (٥٨٨٩) من کتاب اللباس. (٢) هذا عَجُزُ بيت للشاعر الجاهلي ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، المشهور بالمُرقَّش الأصغر، و صدره: يابنتَ عَجْلان ما أصبَرَني انظر ((المفضَّليات)) ص٢٤٨ للمفضَّل الضَّبي، و((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ص ٢١٠. وقد وقع في الأصول و(س): ((مثل نَحْت القَدُوم))، وبه لا يستقيم الوزن الشِّعْري، وما أثبتناه هو الصحيح الثابت في کتب اللغة والأدب. ١٩١ باب ٥١ / ح ٦٣٠١ كتاب الاستئذان عن يحيى بن سعيد عن ابن عَجْلان عن أبيه عن أبي هريرة رَفَعَه: ((اختَتَنَ إبراهيم بالقَدُومِ» قال: فقلت ليحيى: ما القَدُوم؟ قال: الفَأْس. قال الكمال بن العَديم في الكتاب المذكور: الأكثر على أنَّ القَدوم الذي اختَتَنَ به إبراهيم هو الآلة، ويقال بالتَّشديدِ والتَّخفيف، والأفصَح التَّخفيفُ، ووَقَعَ في روايتَي البخاريّ بالوجهَين، وجَزَمَ النَّضر بن شُمَيلِ أنَّه اختَتَنَ بالآلة المذكورة، فقيلَ له: يقولون: قَدُوم قريةٌ بالشّام، فلم يَعرِفه وثَبَتَ على الأوَّل. وفي ((صِحاح الجَوْهريّ)): القَدُوم: الآلة والموضع، بالتَّخفيفِ معاً. وأنكَرَ ابن السُّكّيت التَّشديد مُطلَقاً. ووَقَعَ في ((مُتَّفِقِ البلدان)» للحازِمِيِّ: قَدُوم قرية كانت عند حَلَبَ، و کانت مجلس إبراهيم. قوله: ((وقال ابن إدريس)) هو عبد الله، وأبوه: هو ابن يزيد الأَوْديّ، وشيخه أبو إسحاق: هو السَّبيعيّ. قوله: ((قُبِضَ النبيُّ وَ﴿ وأنا خَتِينٌ)) أي: تَتون كقَتيلِ ومَقتول، وهذا الطَّريق وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن إدريس. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الرحيم)) هو البغداديّ المعروف بصاعِقة، وشيخُه عَبّاد بن موسى: هو الخُّلِيّ، بضمِّ المعجَمة وتشديد المثنّاة الفَوْقانيَّة وفتحها بعدها لامٌّ، من الطَّقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، وقد نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد درجةً بالنِّسبة لإسماعيل ابن جعفر، فإنَّه أخرج الكثير عن إسماعيل بن جعفر بواسطةٍ واحدة كَقُّتَيْبةَ وعليّ بن حُجِرٍ، ونزلَ فيه دَرَجَتَينِ بالنِّسبة لإسرائيل، فإنَّه أخرج عنه بواسطةٍ واحدة كعبيد الله(١) بن موسی ومحمّد بن سابق. قوله: ((أنا يؤمئذٍ تَخْتون)) أي: وَقَعَ له الخِتان، يقال: صبيٌّ ◌َتونٌ وَمُخْتَتَنٌّ وخَتِينٌ بمعنَى. (١) تحرَّف في (س) إلى: کعبد الله. مکېّراً، وهو عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، واسمه باذام، من كبار شيوخ البخاري. ١٩٢ باب ٥١ / ح ٦٣٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكانوا لا يَخْتِنونَ الرجل حتَّى يُدْرِك)) أي: حتَّى يَبلُغ الحُلُم، قال الإسماعيليّ: لا أدري مَنِ القائل: وكانوا لا يَخْتِنونَ، أهوَ أبو إسحاق أو إسرائيل أو مَن دُونه؟ وقد قال أبو بِشر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: قُبِضَ النبيُّ نَّهِ وأنا ابن عشر(١)، وقال الزُّهْرِيُّ عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس: أتيتُ النبيَّ وَّهِ بِمِنِّى وأنا قد ناهَزتُ الاحتلام(٢). قال: والأحاديث عن ابن عبّاس في هذا مُضطَرِبة. قلت: وفي كلامه نظرٌ، أمَّا أوَّلاً: فلأنَّ الأصل أنَّ الذي يَثبت في الحديث معطوفاً على ما قبله فهو مُضاف إلى مَن نُقِلَ عنه الكلام السابقِ حتَّى يَثبُتَ أنَّه من كلام غيره، ولا يَثْبُت الإدراج بالاحتمال. وأمَّا ثانياً: فدَعوى الاضطِراب مردودةٌ مع إمكان الجمع أو التَّرجيح، فإنَّ المحفوظ الصَّحيح أنَّه وُلِدَ بالشِّعبِ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبويَّة ثلاثَ عشرةَ سنةً، وبِذلك قَطَعَ أهلُ السّيَرَ، وصَخَّحَه ابن عبد البَرِّ، وأورَدَ بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس أنَّه قال: وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعب. وهذا لا يُنافي قوله: ناهَزت الاحتلام، أي: قارَبتُه، ولا قولَه: وكانوا لا يَخْتِنونَ الرَّجل حتَّى يُدرِك، لاحتمال أن يكون أدرَكَ فخُتِنَ قبل الوفاة النبويَّة وبعد حَجّة الوداع، وأمَّا قوله: وأنا ابن عشر، فمحمولٌ على إلغاء الكسر. وروى أحمد (٣٥٤٣) من طريق أُخرى عن ابن عبّاس: أنَّه كان حينئذٍ ابنَ خمسَ عشرةَ، ويُمكِن رَدّه إلى رواية ((ثلاثَ عشرةَ)) بأن يكون ابن ثلاثَ عشرةَ وشيءٍ، ووُلِدَ في ٩١/١١ أثناء السَّنة فجَبر الكسرَينِ بأن يكون وُلِدَ مثلاً في شؤَّال، فله من السَّنة الأولى ثلاثة أشهُر/ فأطلقَ عليها سنةً، وقُبِضَ النبيُّ ◌َّهِ فِي رَبيع، فله من السَّنة الأخيرة ثلاثة أُخرى، وأكمَلَ بينهما ثلاث عشرة، فمَن قال: ثلاث عشرة ألغَى الكسرَينِ، ومَن قال: خمسَ عشرةَ جَبَرَهما، والله أعلم. (١) سلف برقم (٥٠٣٥)، وتمامه: سنين، وقد قرأتُ المُحكَم. (٢) سلف برقم (٧٦). ١٩٣ باب ٥٢ / ح ٦٣٠١ كتاب الاستئذان ٥٢- بابٌ كلّ لهوِ باطلٌ إذا شغلَه عن طاعة الله ((ومَن قال لِصاحبِه: تَعالَ أُقَامِرْكَ)) وقولُه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ الآيةَ [لقمان: ٦]. ٦٣٠١ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني ◌ُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ:(مَن حَلَفَ منكم فقال في حَلِفِه: باللّات والعُزَّى، فلْيَقُل: لا إلهَ إلّا الله. ومَن قال لِصاحبِهِ: تَعالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَصَدَّقْ)). قوله: (باب كلّ لَهْوِ باطِلٌ إذا شَغَلَه)) أي: شَغَلَ اللّهي به ((عن طاعة الله)) أي: كمَن التَّهَى بشيءٍ من الأشياء مُطلَقاً، سواء كان مأذوناً في فِعله أو مَنهيّاً عنه، كمَن اشْتَغَلَ بصلاة نافلةٍ أو بتلاوةٍ أو ذِكْر أو تَفَكُّرٍ في معاني القرآن مثلاً، حتَّى خَرَجَ وقتُ الصلاة المفروضة عَمداً فإنَّه يَدخُل تحت هذا الضّابِط، وإذا كان هذا في الأشياء المَرَغَّب فيها المطلوب فِعلُها، فکیف حالُ ما دُونَها؟ وأوَّل هذه التَّرجمة لفظ حديثٍ أخرجه أحمد (١٧٣٠٠) والأربعة (١)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ والحاكم (٩٥/٢) من حديث عُقْبَةَ بن عامر رَفَعَه: ((كلُّ ما يَلهو به المرءُ المسلم باطِلٌ، إلّا رَميَه بقَوسِه، وتأديبَه فرسَه، ومُلاعَبَتَه أهلَه)) الحديث. وكأنَّه لمَّا لم يكن على شرط المصنِّف استعملَه لفظَ ترجمةٍ، واستَنْبَطَ من المعنى ما قَيَّدَ به الحُكم المذكور. وإنَّما أطلقَ على الرَّمي أنَّه لهوٌّ لِإمالة الرَّغَباتِ إلى تَعلَّمِه لما فيه من صورة اللَّهو، لكنَّ المقصود من تَعلُّمه الإعانةُ على الجهاد، وتأديبُ الفرس إشارةٌ إلى المسابقة عليها، ومُلاعَبةُ الأهل للتَّأنيسِ ونحوه، وإنَّما أَطلقَ على ما عَداها البُطْلانَ من طريق المقابلة، لا أنَّ جميعَها من الباطِلِ المحرَّم. قوله: ((ومَن قال لِصاحبِه: تعالَ أُقامِرْكَ» أي: ما یکون حُكمه. (١) أخرجه أبو داود برقم (٢٥١٣)، والترمذي برقم (١٦٣٧)، والنسائي برقم (٣٥٧٨)، وابن ماجه برقم (٢٨١١). ١٩٤ باب ٥٢ / ح ٦٣٠١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ الآية» کذا في رواية أبي ذرِّ والأكثر، وفي رواية الأَصِيلِيّ وكَرِيمة: ﴿لُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ الآيةَ [لقمان: ٦]. وذكر ابن بَطّال أنَّ البخاريّ استنَبَطَ تقييد اللهو في التَّرجمة من مفهوم قوله تعالى: ﴿لُضِلَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾، فإنَّ مفهومه أنَّه إذا اشتَراه لا لِيُضِلَّ لا يكون مذموماً، وكذا مفهوم التَّرجمة أنَّه إذا لم يَشْغَله اللَّهُوُ عن طاعة الله لا يكون باطِلاً، لكن عُموم هذا المفهوم يُخُصّ بالمنطوق، فكلُّ شيءٍ نُصَّ على تحريمه ممّا يُلهي يكون باطلاً، سواء شَغَلَ أو لم يَشْغَل. وكأنَّه رَمَزَ إلى ضعف ما وَرَدَ في تفسير اللهو في هذه الآية بالغِناءِ. وقد أخرج التِّرمِذيّ (١٢٨٢) من حديث أبي أمامةَ رَفَعَه: ((لا يَحِلّ بيعُ المغنّاتِ ولا شِراؤُهُنَّ)) الحديثَ، وفيه: وفيهِنَّ أَنزَلَ اللهُ: ﴿ وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآيةَ، وسنده ضعيف. وأخرج الطبريُّ(١) عن ابن مسعود موقوفاً: أنَّه فَسَّرَ اللَّهو في هذه الآية بالغِناء، وفي سنده ضعفٌ أيضاً(٢). ثم أورد حديث أبي هريرة وفيه: ((ومَن قال لِصاحبِه: تَعالَ أُقَامِرْكَ)) الحديثَ. وأشارَ بذلك إلى أنَّ القِمار من جُملة اللَّهو، ومَن دَعَا إليه دَعَا إلى المعصية، فلذلك أُمِرَ بالتَّصَدُّقِ لِتُكَفَّرَ عنه تلكَ المعصيةُ، لأنَّ مَن دَعَا إلى معصية وَقَعَ بدعائه إليها في معصية. ٩٢/١١ وقال الكِرْمانيُّ: وجه تَعلُّق هذا الحديث بالتَّرجمة والتَّرجمةِ بالاستئذان: أنَّ الدّاعيَ إلى القِمار لا ينبغي أن يُؤذَن له في دخول المنزل، ثمَّ لِكَونِهِ يَتَضَمَّن اجتماع الناس، ومُناسَبةُ بَقيَّة حديث الباب للتَّرجمة: أنَّ الحَلِفِ باللّت لهوٌ يَشغَل عن الحقّ بالخَلْق فهو باطلٌ. انتهى. ويحتمل أن يكون لمَّا قَدَّمَ ترجمة تَرْك السَّلام على مَن اقتَرَفَ ذَنباً، أشارَ إلى تَرْك الإذن لمن يَشتَغِل باللَّهوِ عن الطاعة، وقد تقدَّم شرح حديث الباب في تفسير سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (٤٨٦٠). (١) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني. والأثر المذكور في ((تفسير الطبري)) ٦٠/٢١. (٢) كذا قال الحافظ هنا، مع أنه صحَّح إسناده في ((التلخيص الحبير)) ٢٠٠/٤ بعد أن خرَّجه من ((مصنف ابن أبي شيبة)» ٣٠٩/٦! ١٩٥ باب ٥٣ / ح ٦٣٠٢ - ٦٣٠٣ كتاب الاستئذان قال مسلم في ((صحيحه)) بعد أن أخرج هذا الحديث (١٦٤٧): هذا الحرف: ((تَعالَ أُقَامِرْك)) لا يَرويه أحد إلّ الزُّهْريّ، وللزُّهريِّ نحوٌ مِن تسعينَ حرفاً لا يُشاركه فيها غيرُه عن النبيِّ ◌ِ﴾ بأسانيدَ چِیادٍ. قلت: وإِنَّا قَّدَ التَّفُرُّد بقولِه: ((تَعالَ أُقَامِرْكَ)) لأنَّ لِبقيّة الحدیث شاهداً من حديث سعد بن أبي وقّاص يُستَفاد مِنه سببُ حديث أبي هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (٣٧٧٦ و٣٧٧٧) بسندٍ قويّ، قال: كنَّا حَدِيثي عهدٍ بجاهليَّةٍ، فحَلَفت باللّات والعزَّى، فذكرت ذلك لرسولِ الله ◌ِّلـ فقال: ((قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قدير، وانفُثْ عن شِمالك، وتَعَوَّذْ بالله، ثمَّ لا تَعُدْ»، فيُمکِن أن یکون المراد بقوله في حدیث أبي هريرة: ((فليَقُل: لا إله إلّا الله))، أي: إلى آخر الذِّكر المذكور إلى قوله: ((قدير)) ويحتمل الاكتفاء بلا إله إلّا الله لأنَّها كلمة التَّوحيد، والزّيادة المذكورة في حديث سعدٍ تأكيدٌ. ٥٣- باب ما جاء في البناء قال أبو هريرةَ، عن النبيِّ بَّهَ: ((من أشراطِ الساعةِ إذا تَطاوَلَ رُعاةُ البَهْمِ في البُنْيَانِ)». ٦٣٠٢ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا إسحاقُ - هو ابنُ سعيدٍ - عن سعيدٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: رأيتُنِي مَعَ النبيِّنَّهِ بَنَيَتُ بَيَدِي بيتاً يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ، ويُظِلّنِي مِنَ الشَّمسِ، ما أعانَني عليه أحدٌ من خَلْقِ الله. ٦٣٠٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: قال ابنُ عمرَ: والله ما وضَعْتُ لَبِنَةً على لَبِنِةٍ، ولا غَرَسْتُ نَخْلةً منذُ قُبِضَ النبيُّ ◌َّه. قال سفيانُ: فذَكَرْتُه لبعضِ أهلِه، قال: والله لقد بَنَّی. قال سفيانُ: قلتُ: فلعلَّه قال قبلَ أن يَينِيَ. قوله: ((باب ما جاء في البناء)) أي: من مَنْعٍ وإباحةٍ. والبناءُ أعَمُّ من أن يكون بطِينٍ أو مَدَرٍ، أو بخَشَبٍ أو من قَصَب، أو من شَعَر. قوله: ((قال أبو هريرة عن النبيِّ وَّهِ: من أشراط الساعة إذا تَطاولَ رُعاة البَهْم في البُنْيان)) كذا ١٩٦ باب ٥٣ / ح ٦٣٠٣ فتح الباري بشرح البخاري للأكثرِ بضمِّ الرَّاء وبهاءِ تأنيثٍ في آخره، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((رِعاء)) بكسر الرَّاء وبالهمز مع المدّ، وقد تقدَّم هذا الحديث موصولاً مُطوَّلاً مع شرحه في كتاب الإيمان (٥٠). وأشارَ بإيرادِ هذه القِطعة إلى ذَمّ التطاول في البُنيان، وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، وقد وَرَدَ في ذَمّ تَطويل البناء صريحاً ما أخرج ابن أبي الدُّنيا من رواية عُمارة بن عامر: إذا رَفَعَ الرجل بناءً فوقَ سبعةٍ أَذرُعِ نُوديَ يا فاسقُ، إلى أينَ؟ وفي سنده ضعف مع كونه موقوفاً. وفي ذَمّ البناء مُطلَقاً حديثُ خَبّابِ رَفَعَه، قال: ((يُؤْجَرِ الرَّجلُ فِي نَفَقَتَه كلِّها إلّ التُّرابَ)) أو قال: ((البناءَ)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٨٣) وصَخَّحَه، وأخرج له شاهداً (٢٤٨٢) عن أنس بلفظ: ((إلّا البناءَ فلا خيرَ فیه)). ٩٣/١١ ولِلطََّرانيِّ (١٧٥٥) من حديث جابِرِ رَفَعَه: «إذا أراد اللهُ بعَبدِ/ شَرّاً خَضَّرَ له في اللَّبِن والطِّين حتَّى يَبْنِ)). ومعنى ((خَضَّرَ )) بمُعجَمَتَيْنِ: حَسَّنَ، وزناً ومعنّى. وله شاهد في («الأوسط)) (٨٩٣٩) من حديث أبي بشير(١) الأنصاريِّ بلفظ: ((إذا أراد الله بِعَبدٍ سوءاً (٢) أنفَقَ مالَه في البُنيان)). وأخرج أبو داود (٥٢٣٥ و٥٢٣٦) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: مرَّ بي النبيُّنَّهِ وأنا أُطَيِّن حائطاً، فقال: ((الأمرُ أعجَلُ من ذلك))، وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (٢٣٣٥) وابن حِبّان (٢٩٩٧). وهذا كلّه محمولٌ على ما لا تَمسُّ الحاجةُ إليه ممّا لا بدَّ مِنه للتَّوطُّنِ، وما يَكُنَّ منَ(٣) البَرْد والحَّ، وقد أخرج أبو داود أيضاً (٥٢٣٧) من حديث أنسٍ رَفَعَه: ((أمَا إِنَّ كلَّ بناءٍ وَبالٌ (١) كذا سماه الحافظ رحمه الله هنا، مع أنَّ المعروف في كتب الصحابة، وكذا في المصادر التي خرَّجت حديثه هذا أنَّ اسمه: محمد بن بشير، ولم يَكْنِهِ أحدٌ منهم بأبي بشير، ولعلها تحريفٌ عن: ابن بشير، والله أعلم. (٢) كذا في الأصول و(س) مع أنه عند جميع مَن خرَّجه بلفظ: ((هوانا))، كابن أبي الدنيا في ((قِصَر الأمل)) (٢٣٣)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢٢/٣، وغيرهما. وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١/ ٤٥: أراهُ مرسل. (٣) وقع في (س): يقي البرد. ١٩٧ باب ٥٣ / ح ٦٣٠٣ كتاب الاستئذان على صاحبه إلّا ما لا، إلّا ما لا)) أي: إلّا ما لا بدَّ مِنه، ورواته موثَّقونَ، إلّا الراوي عن أنس وهو أبو طلحة الأسَديُّ، فليس بمعروفٍ(١). وله شاهد عن واثِلة عند الطبرانيّ (١٣١/٢٢). قوله: ((حدَّثنا إسحاق - هو ابن سعيد_)) كذا في الأصل، وسعيدٌ المذكور: هو ابن عَمْرو ابن سعيد بن العاص الأَمَويّ، ونُسِبَ كذلك عند الإسماعيليّ من وجهٍ آخَر عن أبي نُعَيم شيخ البخاريّ فيه، وعَمْرو بن سعيد: هو المعروف بالأشدَقِ، وإسحاق بن سعيد يقال له: السَّعيديّ، سَكَنَ مَكّة. وقد روى هذا الحديث عن والده، وهو المراد بقوله: عن سعيد. قوله: ((رأيتُني)) بضمِّ المثنّاة، كأنَّه استَحضَرَ الحالة المذكورة، فصارَ لِشِدّة عِلمه بها كأنَّه یری نفسه يفعل ما ذَكَر. قوله: ((مع النبيِّ وَّ)) أي: في زمن النبيِّ وَلِّ. قوله: ((يُكِتُّني)) بضمِّ أوَّله وكسر الكاف وتشديد النُّون، من أكَنَّ: إذا وقَى، وجاء بفتح أوَّله، من كَنَّ، وقال أبو زيد الأنصاريّ: كَنَتُه وأكنَتُه بمعنَى، أي: سَتَرتُه وأسرَرتُه، وقال الكِسائيّ: كَنَنته: صُنْتُه، وأكتَتُه: أسرَرتُه. قوله: ((ما أعانَني عليه أحدٌ من خَلْق الله)) هو تأكيدٌ لقولِهِ: (بَنَيَت بَيَدِي)) وإشارةٌ إلى خِفّة مُؤنَته. ووَقَعَ في رواية يحيى بن عبد الحميد الحِّانيّ - بكسر المهمَلة وتشديد الميم - عن إسحاق بن سعيد السَّعيديّ بهذا السَّنَد عند الإسماعيليّ وأبي نُعَيم في ((المستخرَجَينٍ)): بيتاً من شَعَر. واعتَرَضَ الإسماعيليّ على البخاريّ بهذه الزيادة فقال: أدخَلَ هذا الحديث في البناء بالطّينِ والمَدَر، والخبرُ إنَّما هو في بيت الشَّعر. وأُجيبَ بأنَّ راويَ الزّيادة ضعيفٌ عندهم، وعلى تقدير ثُبوتها، فليس في التَّرجمة تقييدٌ بالطّينِ والمَدَر. قوله: «قال عَمْرو» هو ابن دینار. (١) ومع ذلك جَوَّد إسنادَه العراقيُّ في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ٢٣٦/٤. ١٩٨ باب ٥٣ / ح ٦٣٠٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (لَبِنةٍ)) بفتح اللّام وكسر الموحّدة مِثل: كَلمة، ويجوز كسر أوَّله وسكون الموحّدة مِثل: كِسْرَةٍ(١). قوله: ((ولا غَرَسْت نَخْلةً)) قال الدَّاوُوديّ: ليس الغَرس كالبناء، لأنَّ مَن غَرَسَ ونِيَّتُهُ طَلَبُ الگفاف، أو لِفضلِ ما ینال ◌ِمِنه، ففي ذلك الفضلُ لا الإثمُ. قلت: لم يَتقدَّم للإثمِ في الخبر ذِكْرٌ حتَّى يُعتَرَض به، وكلامه يُوهم أنَّ في البناء كلِّه الإثمَ، وليس كذلك بل فيه التَّفصيلُ، وليس كلّ ما زاد مِنه على الحاجة يَستَلِزِم الإثمَ، ولا شكَّ أنَّ في الغَرس من الأجر، من أجل ما يُؤْكَل مِنه، ما ليس في البناء، وإن كان في بعض البناء ما يَحِصُل به الأجرُ مِثلَ الذي يَحصُل به النَّفْع لغير الباني، فإنَّه يَحَصُل للباني به الثَّواب، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: ((فَذَكَرْته لبعضٍ أهله)» لم أقِفْ على تسميته، والقائل: هو سفيان. قوله: ((قال: والله لقد بَنَى)) زاد الكُشْمِيهنيّ في روايته: بيتاً. قوله: ((قال سُفْيان: قلت: فلعلَّه قال قبلَ)) أي: قال: ما وضَعت لَبِنَةً، إلى آخره «قَبلَ أن يَبْنِيَ)) الذي ذكرتَ، وهذا اعتذارٌ حَسنٌ من سفيان راوي الحديث، ويحتمل أن يكون ابن عمر نَفَى أن يكون بَنَى بَيَدِه بعد النبيِّ وَِّ، وكان في زَمَنه بَّهِ فِعَلَ ذلك، والذي أثبتَه بعضُ أهله كان بُنِيَ بأمره فنَسَبَه إلى فِعله مجازاً، ويحتمل أن يكون الذي بناهُ(٢) بيتاً من قَصَب أو شَعر، ويحتمل أن يكون الذي نَفاهُ ابن عمرَ ما زاد على حاجته، والذي أثبتَه بعض أهله بناءُ بیتٍ لا بدَّ له منه، أو إصلاح ما وَهَی من بیته. قال ابن بَطّال: يُؤْخَذ من جواب سفيان أنَّ العالم إذا جاء عنه قولان مُتَلِفان أنَّه ينبغي لِسامعِهما أن يَتأوَّلهما على وجهٍ يَنفي عنهما التَّاقُض تنزيهاً له عن الكذب. انتهى. ولعلَّ سفیان فَهِمَ من قول بعض أهل ابن عمر / الإنكار على ما رواه له عن عمرو بن دینار ٩٤/١١ (١) قوله: ((مثل كسرة)) سقط من (س). (٢) في (س): يكون بناؤه. ١٩٩ باب ٥٣ / ح ٦٣٠٣ كتاب الاستئذان عن ابن عمر، فبادَرَ سفيان إلى الانتصار لِشيخِه ولنفسِه، وسَلَكَ الأدب مع الذي خاطَبَه بالجمع الذي ذكره، والله سبحانه وتعالى أعلم. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الاستئذان من الأحاديث المرفوعة على خمسة وثمانينَ حديثاً، المعلَّق منها وما في معناه: اثنا عشر حديثاً، والبقيَّةُ موصولةٌ، المكرَّر منه فيه وفيما مَضَى: خمسةٌ وستّونَ حديثاً، والخالص عِشرونَ. وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة: ((رسولُ الرجل إذنُه))، وحديثٍ أنسٍ في المصافحة، وحديثِ ابن عمر في الاحتباء، وحديثه في البناء، وحديثِ ابن عبّاس في ختانه. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم: سبعةُ آثار، والله أعلم.