Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ٢٠ / ح ٦٢٥٤
كتاب الاستئذان
٢٠- باب التّسلیم في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من
المسلمين والمشركين
٦٢٥٤ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ بنِ
الزُّبَيِ، قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ: أنَّ النبيَّ وَّهِ رَكِبَ حِماراً عليه إكافٌ تحتَه قَطِيفةٌ فَدَكِيَّةٌ،
وأردَفَ وراءَه أُسامةَ بنَ زيدٍ، وهو يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادةَ في بني الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ، وذلك
قبلَ وَقْعةٍ بَدْرٍ حتَّى مَّ في تَجْلِسٍ فيه أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ عَبَدةِ الأَوْثان واليهودِ،
وفيهم عبدُ الله بنُ أَيِّ ابنُ سَلُولَ، وفي المَجْلِسِ عبدُ الله بنُ رَواحةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ
عَجاجةُ الدّابَةِ خََّ عبدُ الله بنُ أُبيِّ أنَهَ بِرِدائه، ثمَّ قال: لا تُغَبِّوا علينا، فسَلَّمَ عليهمُ النبيُّ ◌َه
ثُمَّ وقَفَ فنزلَ فدعاهم إلى الله وقرأ عليهمُ القرآنَ، فقال عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلولَ: أَيُّهَا المَرْءُ،
لا أحسنَ من هذا إن كان ما تقولُ حَقّاً، فلا تُؤْذِنا في مجالِنا، ارجع إلى رَحْلِكَ، فمَن جاءكَ مِنّا
فاقصُص علیه.
قال ابنُ رَواحةَ: اغشَنا في ◌َجالسِنا، فإنّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ،
حتَّى هُمُّوا أن يَتَواثَبوا، فلم يزلِ النبيُّ ◌َّهِ يُخُفِّضُهم، ثمَّ رَكِبَ دابَّتَه حتَّى دَخَلَ على سَعْدِ بنِ
عُبادةَ، فقال: ((أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إلى ما قال أبو حُبَابٍ؟ - يُرِيدُ عبدَ الله بنَ أُبيِّ - قال كذا
وكذا)). قال: اعْفُ عنه يا رسولَ الله واصْفَح، فوالله لقد أعطاكَ اللهُ الذي أعطاكَ، ولَقَدِ
اصْطَلَحَ أهلُ هذه البَحْرةِ على أن يُتَوِّجُوه فيُعَصِّبُوهُ بالعِصابةِ، فلمَّا رَدَّ اللهُ ذلك بالحقِّ الذي
أعطاكَ شَرِقَ بذلك، فذلك فَعَل به ما رأيتَ، فعَفا عنه النبيُّ ◌َلِّ.
قوله: ((باب التَّسْليم في مَجلِس فيه أخلاطٌ من المسلمينَ والمشركينَ)) أورَدَ فيه حديث ٣٩/١١
أُسامة بن زيد في قصَّة عبد الله بن أُبيّ.
قال ابن التِّين: قوله: ((ابن سَلُول)) هي قبيلة من هَوازِن، وهو اسم أُمّه، يعني: عبد الله،
فعلى هذا لا يَنصَرِف. قلت: ومرادُه أنَّ اسم أمّ عبد الله بن أُبيّ وافَقَ اسمَ جَدِّ القبيلة المذكورة،
لا أنَّها لمسمِّی واحدٍ.

٨٢
باب ٢٠ / ح ٦٢٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه: حتَّى مرَّ في مَجلِسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمينَ والمشرِكينَ. وفيه: فسَلَّمَ عليهم
النبيُّ ◌َّه. وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه قريباً في ((باب كُنية المشرِك)) من كتاب الأدب
(٦٢٠٧).
قال النَّوويّ: السُّنّة إذا مرَّ بمَجلِسٍ فيه مسلمٌ وكافرٌ أن يُسَلُّم بلفظ التَّعميم ويَقصِد به
المسلِمَ. قال ابن العربيّ: ومثلُه إذا مرَّ بمَجلِسٍ يجمع أهل السُّنّة والبِدعة، وبِمَجلِسٍ فيه عُدولٌ
وظَلَمٌ، وبِمَجلِسٍ فيه مُحِبُّ ومُبغِضٌ.
واستَدَلَّ النَّوويّ على ذلك بحديثٍ الباب، وهو مُفرَّع على مَنع ابتداء الكافر بالسَّلام، وقد
وَرَدَ النَّهيُ عنه صريحاً فيما أخرجه مسلم والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق سُهيل(١) بن
أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لا تَبدَؤوا اليهودَ والنَّصارَى بِالسَّلام، واضطَرّوهم
إلى أضيق الطَّريق))(٢)، وللبخاريِّ في ((الأدب المفرد)) (١١٠٢) والنَّسائيِّ (ك١٠١٤٨) من
حديث أبي بَصْرة - وهو بفتح الموخَّدة وسكون المهمَلة - الغِفَاريِّ أنَّ النبيَّ ◌َّ قال: ((إنّ
راكِب غَداً إلى اليهود، فلا تَبدَؤوهم بالسَّلام)).
وقالت طائفة: يجوز ابتداؤُهم بالسَّلام، فأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق ابن عُيَينَةَ قال: يجوز
ابتداء الكافر بالسَّلام لقولِه تعالى: ﴿لَّا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨]
وقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكَ﴾.
وأخرج ابن أبي شَيْبة من طريق عَوْن بن عبد الله عن محمَّد بن كعب: أنَّه سألَ عمر بن
(١) تحرَّف في (س) إلی: ((سهل)).
(٢) هذا لفظ الحديث عند أحمد (٧٦١٧) من طريق معمر، وعند مسلم (٢١٦٧) والترمذي (١٦٠٢) من
طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَزْدي، كلاهما عن سُهيل. وقد اختلف على سهيل في لفظه: فمرةً يقول
فيه: ((اليهود والنصارى)) كما وقع لأحمد والترمذي من طريق معمر والدراوردي، ومرةً يقول فيه: ((أهل
الكتاب)) كما وقع للبخاري في ((الأدب المفرد)» (١١٠٣) من طريق وُهَيب بن خالد، ومسلم (٢١٦٧)
من طريق شعبة، كلاهما عن سهيل. ومرة يقول فيه: ((المشركين)) كما وقع للبخاري في ((الأدب المفرد)»
(١١١١) من طريق سفيان الثوري عن سهيل، ومرةً يقول فيه: ((اليهود)) كما وقع لمسلم (٢١٦٧) من
طریق و کیع عن سهيل.

٨٣
باب ٢٠ / ح ٦٢٥٤
كتاب الاستئذان
عبد العزيز عن ابتداء أهل الذِّمّة بالسَّلام فقال: نَرُدّ عليهم ولا نَبدَؤُهم، قال عَوْن: فقلت
له: فكيف تقول أنتَ؟ قال: ما أرَى بأساً أن نَبدَأهم. قلت: لِمَ؟ قال: لقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ
عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ﴾ [الزخرف: ٨٩].
وقال البيهقيُّ بعد أن ساقَ حديث أبي أمامةَ: أَنَّه كان يُسَلِّم على كلّ مَن لَقِيَه، فسُئلَ
عن ذلك، فقال: إنَّ الله جَعَلَ السَّلامِ تَحيَّةً لأُمَّتِنا وأماناً لأهلِ ذِمَّتنا (١). هذا رأيُ أبي أُمامةَ،
وحديث أبي هريرة في النَّهي عن ابتدائهم أولى.
وأجابَ عياض عن الآية وكذا عن قول إبراهيم عليه السلام لأبيه بأنَّ القصدَ بذلك
المُتَارَكُ والمُباعَدة، وليس القصد فيهما التَّحِيَّة. وقد صَرَّحَ بعض السَّلَف بأنَّ قوله تعالى:
﴿وَقُلْ سَلَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] نُسِخَت بآية القتال(٢).
وقال الطَّبَرُّ: لا تُخالَفة بين حديث أُسامة في سَلام النبيِّوَّه على الكفَّار حيثُ كانوا
مع المسلمينَ، وبين حديث أبي هريرة في النَّهي عن السَّلام على الكفّار، لأنَّ حديث أبي هريرة
عامّ وحديث أُسامة خاصّ، فيُخَصُّ من حديث أبي / هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سببٍ ٤٠/١١
ولا حاجةٍ، من حَقّ صُحْبةٍ أو مجاورةٍ أو مُكافأةٍ أو نحو ذلك.
والمراد مَنعُ ابتدائهم بالسَّلام المشروع، فأمَّا لو سَلَّمَ عليهم بلفظٍ يقتضي خروجَهم عنه
كأن يقول: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ، فهو جائز كما كَتَبَ النبيُّ وَّهِ إلى هِرَقَلَ
وغيره: ((سَلامٌ على مَن اتَّبَعَ الهُدَى))(٣).
وأخرج عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة قال: السَّلام على أهل الكتاب إذا دُخِلتْ عليهم
بُيُوتُهم: السَّلامُ على مَن اتَّبَعَ اهُدَى.
وأخرج ابن أبي شَيْبة عن محمّد بن سِيرِين مِثلَه. ومن طريق أبي مالك: إذا سَلَّمت على
(١) أخرجه في ((شعب الإيمان)) (٨٧٩٨). وهذا الكلام الأخير رفعَه أبو أمامة للنبي ◌َّ، لكن في إسناده
رجل مجهول.
(٢) وتُسمَّى أيضاً آيَةَ السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
(٣) تقدم برقم (٧).

٨٤
باب ٢١ / ح ٦٢٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
المشرِكِينَ فَقُلِ: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ، فَيَحسبونَ أنَّك سَلَّمتَ عليهم، وقِد ..
صَرَفْتَ السَّلامَ عنهم.
قال القُرطُبيّ في قوله: ((وإذا لَقِيتُموهم في طريق فاضطَرُّوهم إلى أضيقه)) معناه: لا
تَتَنَخَّوا لهم عن الطَّريق الضَّيِّق إكراماً لهم واحتراماً، وعلى هذا فتكون هذه الجملةُ مُناسبةً
للجُملة الأولى في المعنى، وليس المعنى: إذا لَقيتُموهم في طريقٍ واسعٍ فَأَلِتُوهم إلى حَرْفِه
حتَّى يَضِيقَ عليهم، لأنَّ ذلك أذّى لهم وقد نُهينا عن أذاهم بغير سبب.
٢١ - باب من لم يسلّم علی من اقترف ذنباً، ولم بُدَّ سلامه حتّی تتبیّن توبتُه،
وإلى متى تتبيّن توبة العاصي؟
وقال عبدُ الله بنُ عَمرٍو: لا تُسَلِّموا على شَرَبِ الخَمرِ.
٦٢٥٥ - حدَّثنا ابنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الَّحمنِ بنِ
عبدِ الله بن عبدِ الله بن كعْبٍ، أنَّ عبد الله بنَ كَعْبٍ، قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حينَ
تَخَلَّفَ عن تَبُوكَ: وَنَهَى رسولُ اللهِ وَِّ عن كلامِنا، وآتي رسولَ الله وَِّ فَأَسَلِّمُ عليه فأقولُ في
نفسي: هل حَرَّكَ شَفَتَيَه بَرَدِّ السَّلام أم لا؟ حتَّى كَمَلَت خمسون ليلةً، وَآذَنَ النبيُّ ◌َّهِ بِتَوْبةِ الله
علينا حينَ صَلَى الفَجْرَ.
قوله: ((باب مَن لم يُسَلِّم على مَن اقتَرَفَ ذَنْباً، ولم يَرُدّ سَلامَه حتَّى تَتَبَّن تَوْبَته، وإلى متى
تَبَّن تَوْبة العاصي؟)) أمَّا الْحُكم الأوَّل فأشارَ إلى الِخِلَاف فيه، وقد ذهب الجمهور: إلى أنَّه
لا يُسَلَّم على الفاسق ولا المبتَدِع.
قال النَّوويّ: فإن اضطُرَّ إلى السَّلام بأن خافَ تَرَتُّب مَفسَدةٍ في دِين أو دُنيا إن لم يُسَلِّم
سَلَّمَ. وكذا قال ابن العربيّ، وزادَ: ويَنوي أنَّ السَّلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، فكأنَّه قال: الله
رقیب علیگم.
وقال المهلَّب: تَرْكُ السَّلام على أهل المعاصي سُنّة ماضية، وبِه قال كثير من أهل العلم
في أهل البِدَعِ، وخالَفَ في ذلك جماعةٌ كما تقدَّم في الباب قبلَه. وقال ابن وهب: يجوز ابتداء

٨٥
باب ٢١ / ح ٦٢٥٥
كتاب الاستئذان
السَّلام على كلّ أحد ولو كان كافراً، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]،
وتُعقّبَ بأنَّ الدَّليل أعَمّ من الدَّعوى.
وألحَقَ بعض الحنفيَّة بأهلِ المعاصي مَن يَتَعاطَى خَوارِمَ المروءة، كَكَثْرة المُزاح واللهو
وفُحش القول، والجلوس في الأسواق لِرُؤية مَن يَمُرّ من النِّساء ونحو ذلك. وحكى ابن رُشد
قال: قال مالك: لا يُسَلَّم على أهل الأهواء. قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل
التَّادیب لهم والتّمرّي منهم.
وأمَّا الحُكم الثّاني: فاختُلِفَ فيه أيضاً فقيلَ: يُستَبرأ حالُه سنةً، وقيل: ستةَ أشهُر، وقيل:
خمسين يوماً، كما في قصَّة كعب، وقيل: ليس لذلك حَدٌّ مَحَدود، بل المدار على وجود
القَرائن الدّالَّة على صِدق مُدَّعاه في تَوبَته، ولكن لا يكفي ذلك في ساعة ولا يوم، ويختلف ذلك
باختلاف الجناية والجاني.
وقد اعتَرَضَ الدَّاوُوديّ على مَن حَدَّه بخمسين ليلةً أخذاً من قصَّة كعب فقال: لم يُدَّه
النبيّ وَ له بخمسين، وإنَّما أخَّرَ كلامهم إلى أن أذِنَ الله فيه، يعني: فتكون واقِعَةً حالٍ / لا عُمومَ ٤١/١١
فيها.
وقال النَّوويّ: وأمَّا المبتَدِعِ ومَن اقتَرَفَ ذَنباً عظيماً ولم يَتُب مِنه فلا يُسَلَّم عليهم ولا
يُردّ عليهمُ السَّلام، كما قال جماعة من أهل العلم، واحتَجَّ البخاريّ لذلك بقصَّة كعب بن
مالك. انتھی.
والتَّقييدُ بمَن لم يَتُبِ جِيِّدٌ، لكن في الاستدلال لذلك بقصَّة كعب نظرٌ، فإنَّه نَدِمَ على ما
صَدَرَ مِنه وتابَ، ولكن أُخّرَ الكلامُ معه حتَّى قَبِلَ اللهُ تَوَبَته، وقَضَيْتُهُ أن لا يُكلَّمَ حتَّى تُقبَل
تَوبَته، ويُمكِن الجواب بأنَّ الاطّلاع على القَبُول في قصَّة كعب كان مُمكِناً، وأمَّا بعده فيكفي
ظُهور علامة النَّدَم والإقلاع وأمارةِ صِدق ذلك.
قوله: ((اقتَرَفَ)) أي: اكتَسَبَ، وهو تفسير الأكثر، وقال أبو عبيدة: الاقترافُ:
التُّهمةُ.

٨٦
باب ٢١ / ح ٦٢٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال عبد الله بن عَمْرو: لا تُسَلِّموا على شَرَبة الخمرِ)) بفتح الشّين المعجمة والرَّاء
بعدها موحّدة، جمع شارب.
قال ابن التِّين: لم يجمعه اللُّغَويُّونَ كذلك. وإنَّما قالوا: شارب وشَرْب، مِثل:
صاحب وصَحْب. انتهى، وقد قالوا: فَسَقة وكَذَبة في جمع فاسق وكاذِب. وهذا الأثر
وَصَلَه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (١٠١٧) من طريق حِبّان بن أبي جَبَلَةَ - بفتحِ الجيم
والموخَّدة - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص بلفظ: ((لا تُسَلِّموا على شُرّاب الخمر)).
وبِهِ إليه (٥٢٩) قال: ((لا تَعُودوا شُرّابَ الخمر إذا مَرِضوا)). وأخرج الطَّبَرَيُّ عن عليّ
موقوفاً نحوه.
وفي بعض النُّسَخِ من ((الصَّحيح)): وقال عبد الله بن عُمر، بضمِّ العين، وكذا ذكره
الإسماعيليّ، وأخرج سعيد بن منصور بسندٍ ضعيف عن ابن عمر: لا تُسَلِّموا على مَن شَرِبَ
الخمر، ولا تَعُودوهم إذا مَرِضوا، ولا تُصَلُّوا عليهم إذا ماتوا، وأخرجه ابن عَديّ (٢١٤/٢)
بسندٍ أضعف مِنه عن ابن عمر مرفوعاً.
قوله: «حدّثنا ابن ◌ُگیر)) هو یحیی بن عبد الله بن بُکیر، وذکر قِطعاً یَسیرةً من حديث
كعب بن مالك في قصَّة تَوبَته في غزوة تَبُوك، وقد ساقَه في المغازي (٤٤١٨) بطولِه عن
یحیی بن بُگیر، بهذا الإسناد.
وقوله: ((وآتي)) هو بمَدِّ الهمزة فِعل مُضارع من الإتيان، وبينَ قوله: عن كلامنا، وبين
هذه الجملة كلام كثير آخِرُه: فكنت أخرُج فأشهَد الصلاة مع المسلمينَ، وأطوف في الأسواق
ولا يُكلِّمني أحدٌ، وفي الحديث أيضاً قِصَّته مع أبي قَتَادة وتَسُّره عليه الحائطَ، وامتناعُ أبي
قَتَادة من رَدّ السَّلام علیه، ومن جوابه له عمّا سألَه عنه.
واقتَصَرَ البخاريّ على القَدْر الذي ذَكره لِحاجته إليه هنا، وفيه ما تَرجَمَ به من تَرْك
السَّلام تأديباً وتَرْك الردّ أيضاً، وهو ممَّا يُخُصّ به عُموم الأمر بإفشاءِ السَّلام عند
الجمهور.

٨٧
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٦
كتاب الاستئذان
وعَكَسَ ذلك أبو أُمامةَ، فأخرج الطَّبَرِيُّ(١) بسندٍ جَيِّد عنه: أنَّه كان لا يَمُرّ بمُسلِمٍ ولا
نَصرانيّ ولا صغير ولا كبير إلّا سَلَّمَ عليه، فقيلَ له، فقال: إنّا أُمِرنا بإفشاءِ السَّلام. وكأنَّه لم
يَطَّلِع علی دلیل الخصوص.
واستَثنَى ابنُ مسعود ما إذا احتاجَ لذلك المسلمُ لِضَرُورةٍ دينيَّة أو دُنيَويَّة، کَقضاءِ حَقّ
المرافَقة، فأخرج الطَّبَرِيُّ بسندٍ صحيح عن عَلْقمة قال: كنت رِدْفاً لابنِ مسعود، فصَحِبنا
دِهْقَانٌ، فلمَّ انشَعَبَت له الطَّريق أخَذَ فيها، فأتبَعَه عبدُ الله بَصَرَه، فقال: السَّلام عليكُم،
فقلت: ألستَ تَكرَه أن يُبدَؤُوا بالسَّلام؟ قال: نعم، ولكن حَقّ الصُّحبة. وبِهِ قال الطَّبَرَيُّ،
وَلَ عليه سَلامَ النبيِّ وَِّ على أهل مَجَلِس فيه أخلاطٌ من المسلمينَ والكفَّار، وقد تقدَّم
الجواب عنه في الباب الذي قبله.
٢٢ - باب كيف الرَّدُّ على أهل الذّة بالسَّلام؟
٦٢٥٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ
رضي الله عنها قالت: دَخَلَ رَهْطٌ منَ اليهودِ على رسولِ الله وَّةِ، فقالوا: السامُ عليكَ، ففَهِمْتُها
فقلتُ: عليكُمُ السامُ واللَّعْنَةُ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((مَهْلاً يا عائشةُ، فإنَّ الله يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ
كلِّه)). فقلتُ: يا رسولَ الله، أَوَلِمْ تَسْمَع ما قالوا؟ قال رسولُ الله ◌َّ: ((فقد قلتُ: ((عَلیكُمْ)).
قوله: ((باب كيف الردّ على أهل الذِّمّة بالسَّلام؟)) في هذه التَّرجمة إشارةٌ إلى أنَّه لا مَنْعَ من رَدّ ٤٢/١١
السَّلام على أهل الذِّمّة، فلذلك تَرجَمَ بالكيفيَّة، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿فَحَيُواْبِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ
رُدُّوهَا ﴾ [النساء: ٨٦]، فإنَّه يدلّ على أنَّ الردّ يكون وَفْقَ الابتداءِ إن لم يكن أحسنَ مِنه كما
(١) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من مصنفاته، وأخرجه ابن السُّنّ في ((عمل اليوم والليلة)) (٢١٦)، وأبو نعيم
في ((حلية الأولياء)» ١١٢/٦، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٧٥٢) من طرق عن بقية بن الوليد عن
محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، لكن آخره بلفظ: أمرنا نبيِّنَا وَ ﴿ أن نُفشى السلامَ. وأخرجه مقتصراً
على آخره المرفوع: ابنُ أبي شيبة في ((المصنف)) ٦٢٣/٨، وابن ماجه برقم (٣٦٩٣) والطبراني في «الكبير))
برقم (٧٥٢٤) و(٧٥٢٥)، وصرّح فيه بقيةُ بسماعِهِ وسماع شيخه، وأخرج نحوه البيهقي في ((الشعب))
(٨٧٩٨)، ومضى ذكرُ الحافظ له عند شرح الحديث الذي قبل هذا.

٨٨
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
تقدَّم تقريرُه، ودَلَّ الحديثُ على التَّفْرِقة في الردّ على المسلم والكافر.
قال ابن بَطّال: قال قوم: رَدُّ السَّلام على أهل الذِّمّة فرضٌ لِعُمومِ الآية، وثَبَتَ عن ابن
عبَّاس أنَّه قال: مَن سَلَّمَ عليك فُرُدَّ عليه، ولو كان مَجوسيً(١)، وبِه قال الشَّعبيّ وقَتَادة، ومَنَعَ
من ذلك مالكٌ والجمهور (٢).
وقال عطاء: الآيةُ مخصوصةٌ بالمسلمينَ، فلا يَرِدُ السَّلامُ على الكافر مُطلَقاً، فإن أراد
مَنْعَ الردِّ بالسَّلام، وإلّا فأحاديث الباب تَرُدّ عليه.
الحديث الأول:
قوله: ((أنَّ عائشة قالت)) كذا قال صالح بن كَيْسانَ مِثْلَه كما تقدَّم في الأدب (٦٠٢٤)، وقال
سفيان عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة: عن عائشة قالت، وسيأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٧).
قوله: ((دَخَلَ رَهْطٌ من اليهود)» لم أعرِف أسماءَهم، لكن أخرج الطبرانيُّ (٥٠١٤) بسندٍ
ضعيف عن زيد بن أرقَم قال: بينا أنا عند النبيِّ وَّه، إذ أقبَلَ رجل من اليهود يقال له: ثَعْلبة
ابن الحارث، فقال: السامُ عليك يا محمَّد. فقال: ((وعليكُم)). فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون
أحدَ الرَّهط المذكورينَ، وكان هو الذي باشَرَ الكلام عنهم، كما جَرَتِ العادة من نِسبة القول
إلى جماعة والمباشِرُ له واحدٌ منهم، لأنَّ اجتماعهم ورِضاهم به في قوّة مَن شارَكَه في النُّطق.
قوله: ((فقالوا: السامُ عليك)) كذا في الأُصول بألِفٍ ساكنة، وسيأتي في الكلام على الحديث
الثّاني(٣): أنَّه جاء بالهمز، وقد تقدَّم تفسير السّامِ(٤) بالموتِ في كتاب الطِّبّ (٥٦٨٧)، وقيل:
هو الموت العاجل.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٣١، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٣٠٧)، وفي ((مُداراة الناس)) (١٠٥)، وأبو
يعلى (١٥٣٠)، والطبري في تفسيره)) ١٨٩/٥، وغيرهم، وزاد ابن أبي شيبة في روايته: وإن كان يهودياً
أو نصرانياً أو مجوسیاً. وسنده حسن.
(٢) وسيأتي مزيدٌ في هذا البحث عند شرح حديث أنس ثالث أحاديث هذا الباب.
(٣) بل في هذا الحديث قريباً.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: السوم.

٨٩
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٦
كتاب الاستئذان
قوله: ((ففَهِمْتُها، فقلت: عليكم السامُ واللَّعْنة)) في رواية ابن أبي مُلَيكةً عن عائشة كما
تقدَّم في أوائل الأدب (٦٠٣٠): فقالت: عليكم ولَعَنَكم الله وغَضِبَ عليكُم، ولمسلمٍ (٢١٦٥)
من طريق أُخرى عنها: بل عليكم السام والذّام، بالذّال المعجَمة، وهو لُغة في الذَّمّ ضِدّ
المدح، يقال: ذَمِّ بالتَّشديدِ، وذامٌ بالتَّخفيفِ، وذَيْم بتحتائيَّة ساكنة.
وقال عياض: لم يختلفِ الرُّواة أنَّ الذّامَ في هذا الحديث بالمعجَمة، ولو رويَ بالمهمَلة
من الدَّوام لكان له وجهٌ، ولكن كان يحتاج لِحذفِ الواو ليصيرَ صِفَةً للسام، وقد حكى
ابن الأعرابيّ الدّام لُغَةً في الدّائم.
قال ابن بَطّال: فَسَّرَ أبو عُبيد السامَ بالموتِ، وذكر الخطَّبيُّ: أنَّ قَتَادة تأوَّلَه على خلاف
ذلك، ففي رواية عبد الوارث بن سعيد(١) عن سعيد بن أبي عَرُوبة قال: كان قَتَادة يقول:
تفسير السام عليكم: تَسأَمُونَ دينَكم، وهو - يعني: السّأْمَ - مصدر: سَئِمَهِ سَآَمَةً وَسَآَمَاً،
مِثل: رَضِعَه رَضاعة ورَضاعاً(٢).
قال ابن بَطّال: ووجَدتُ هذا الذي فَسَّرَه قَتَادةُ مَروّاً عن النبيِّ ◌َّ﴾، أخرجه بَقيُّ بن
تَلَد في ((تفسيره) من طريق/ سعيد عن قَتَادة عن أنس: أنَّ النبيَّ نَّهَ بَيْنا هو جالسٌٌ مع ٤٣/١١
أصحابه، إذ أتى يهوديّ فسَلَّمَ عليه فَرَدُّوا عليه، فقال: ((هل تَدرونَ ما قال؟» قالوا: سَلَّمَ
يا رسول الله، قال: «قال: سأُمّ عليكُم» أي: تَسأَمونَ دینکُم(٣).
(١) كذا فيَّده الحافظُ رحمه الله اعتماداً على ما ورد في ((شرح ابن بطال)) حيث جاء فيه ذكرُ عبد الوارث غيرَ
مقيَّد، ومن المعلوم أنَّ عبد الوارث إذا أُطلق في الرواية عن سعيد بن أبي عروبة يكون ابنَ سعيد
العنبريّ، وكأن الحافظ رحمه الله لم ينشط للرجوع إلى ((غريب الحديث)) للخطابي ١/ ٣٢٠، حيث أسند
فيه هذا النقلَ عن قتادة، وذكَرَ عبد الوهاب، بدل: عبد الوارث، فظهر أنَّ ما في ((شرح ابن بطال)»
تحريفٌ، وفات الحافظَ رحمه اللهُ استدراكُه وتصويبُه، وعبد الوهاب هذا هو ابن عطاء الخفّاف.
(٢) ولكن قال ابن الأثير بعد أن أورد هذه الرواية: والمشهور فيه تَرْكُ الهمز، ويعنون به الموت. ((النهاية في
غريب الحديث والأثر)) في مادة (سأم).
(٣) وأخرجه من هذه الطريق عن أنس : ابنُ جرير الطبري في «تفسيره)) (١٥/٢٨) وزاد: فقال النبي
وَله: ((أقُلتَ: سَأُمّ عليكم؟)) قال: نعم، فقال ◌ََّ: ((إذا سلَّم عليكم أحدٌ من أهل الكتاب فقولوا:
وعليك)) أي: عليك ما قلتَ.

٩٠
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: يحتمل أن يكون قوله: أي: (تَسأَمُونَ دِينَكُم)) تفسير قَتَادة كما بيَّنته رواية
عبد الوارث(١) التي ذكرها الخطَّبيّ، وقد أخرج البزَّار (٧٠٩٧) وابن حِبّان في (صحيحه)
(٥٠٣) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن أنس: مرَّ يهوديّ بالنبيِّ ◌َّ وأصحابه،
فسَلَّمَ عليهم، فَرَدَّ عليه أصحاب النبيِّ ◌َِّ، فقال: ((هل تَدُرُونَ ما قال؟)) قالوا: نعم، سَلَّمَ علينا!
قال: ((فإِنَّه قال: السّامُ عليكُم، أي: تَسأَمُونَ دينَكُم، رُدُّوه عليَّ))، فرَدُّوه، فقال: ((كيف قلتَ؟))
قال: قلتُ: السّام عليكُم. فقال: ((إذا سَلَّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليكم ما قلتُم)) لفظ
البَزَّار (٢)، وفي رواية ابن حِبّان: أنَّ يهوديّاً سَلَّمَ، فقال النبيّ ◌َّ: ((أتدرونَ)) والباقي نحوه، ولم
يَذْكُر قولَه: «رُدُّوه) إلى آخره، وقال في آخره: «فإذا سَلَّمَ عليكم رجل من أهل الكتاب فقولوا:
وعلیك)).
قوله: ((واللَّعْنة)) يحتمل أن تكون عائشةُ فهمَت كلامهم بفِطَتِها، فأنكَرَت علیھم،
وظنَّت أنَّ النبيَّ وَِّ ظِنَّ أَهم تَلَفَّظوا بلفظ السَّلام، فبالَغَت في الإنكار عليهم، ويحتمل أن
يكون سَبَقَ لها سماعُ ذلك من النبيّ وَّةِ، كما في حديثَي ابن عمر وأنس في الباب، وإنَّما
أطلقت عليهمُ اللَّعنةَ، إمّا لأنَّها كانت تَرَى جواز لَعْن الكافر المعَيَّن باعتبار الحالة الرّاهنة،
لا سيَّما إذا صَدَرَ منهم ما يقتضى التَّأديب، وإمّا لأنَّها تقدَّم لها عِلمُ بأنَّ المذكورينَ يموتونَ
على الكفر، فأطلقَتِ اللَّعن ولم تُقَيِّده بالموتِ.
والذي يظهر أنَّ النبيَّ ◌َّ أراد أن لا يَتَعَوَّد لسانُها بالفُحش، أو أنكَرَ عليها الإفراطَ في
السَّبّ، وقد تقدَّم في أوائل الأدب في ((باب الرِّفق)) (٦٠٢٤) ما يَتَعلَّق بذلك، وسيأتي الكلام
على جواز لَعن المشرِك المعَيَّن الحميِّ في ((باب الدُّعاء على المشرِكِينَ)) من كتاب الدَّعَوات (٦٣٩٢)
إن شاء الله تعالی.
قوله: ((مَهْلاً يا عائشة)) تقدَّم بشرحِه في ((باب الرِّفق)) من كتاب الأدب (٦٠٢٤).
(١) بل عبد الوهاب بن عطاء الخفَّاف كما بيَّنَّهُ قريباً.
(٢) وهكذا جاء نص رواية البزار في ((كشف الأستار)) للهيثمي (٢٠١٠)، ووقع في مطبوع («مسنده)) اختلافٌ عما
هنا في بعض حروفه، يغلب على ظننا أنه ناشئ عن سقط وقع في أصله أو عند طباعته، والله أعلم.

٩١
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٧
كتاب الاستئذان
قوله: ((فقد قلت: عليكُم)) وكذا في رواية مَعمَر وشُعَيب(١) عن الزُّهْريِّ عند مسلم
بحذفِ الواو، وعنده (٢) في رواية سفيان (٢١٦٥/ ١٠)، وعند النّسائيِّ من روایة أُخرى عن
الزُّهْرِيِّ بإثبات الواو (٣).
قال المهلَّب: في هذا الحديث جواز انخِداع الكبير للمُكايِدِ ومُعارَضَته من حيثُ لا يَشعُر
إذا رُجيَ رُجوعه. قلت: في تقييده بذلك نظرٌّ، لأنَّ اليهود حينئذٍ كانوا أهل عهد، فالذي
يظهر أنَّ ذلك كان لمَصلَحة التألُّف.
الحديث الثاني:
٦٢٥٧ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ
عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((إذا سَلَّمَ عليكُمُ اليهودُ، فإنَّما يقول أحدُهمُ:
السامُ عليكَ، فقُل: وعليكَ)).
[طرفه في: ٦٩٢٨]
قوله: ((عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر)) يأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٨) من وجهٍ
آخر بلفظ: حدّثني عبد الله بن دينار سمعت ابنَ عمر.
قوله: ((إذا سَلَّمَ عليكمُ اليهودُ، فإِنّما يقول أحدهم: السامُ عليك، فقُل: وعليك» هكذا هو في
جميع نُسَخ البخاريّ، وكذا أخرجه في ((الأدب المفرد)) (١١٠٦) عن إسماعيل بن أبي أُويس عن
(١) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ رواية مسلم التي بحذف الواو من طريق معمر وصالح بن
كيسان، ولم يروه مسلم من طريق شعيب أصلاً، وإنما هي رواية البخاري هنا. على أنَّ رواية صالح بن
كيسان تقدمت عند البخاري أيضاً (٦٠٢٤)، ورواية معمر ستأتي برقم (٦٣٩٢)، بحذف الواو في
رواية أبي ذر الهروي في كلتيهما.
(٢) فات الحافظَ رحمه الله أنها أيضاً عند البخاري فيما سيأتي برقم (٦٩٢٧).
(٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) برقم (١٠١٤١) من رواية سفيان، ومن رواية صالح برقم (١٠١٤٢)،
ومن رواية معمر برقم (١٠١٤٣)، ومن رواية شعيب برقم (١٠١٤٤). وثبتت الواو عنده في رواية
معمر، وسقطت في رواية سفيان وصالح، ولم يسُقْ لفظ رواية شعيب.

٩٢
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
مالك، والذي عند جميع رواة ((الموطَّا))(١) بلفظ: ((فقُل: عليك)) ليس فيه الواو.
وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق يحيى بن بُكَير، ومن طريق عبد الله بن
نافع، كلاهما عن مالكٍ، بإثبات الواو، وفيه نظرٌّ، فإنَّه في ((الموطَّأ)): عن يحيى بن بُكَير، بغير
واو، ومُقتَضَى كلام ابن عبد البَرِّ: أنَّ رواية عبد الله بن نافع بغير واو، لأنَّه قال: لم يُدخِل
أحدٌ من رواة ((الموطَّأ)) عن مالكٍ الواوَ.
قلت: لكن وَقَعَ عند الدّارَقُطْنِيِّ في ((الموطَّات)) من طريق رَوْح بن عُبادة عن مالك
بلفظ: ((فقُل: وعليكم)) بالواو وبِصيغة الجمع، قال الدّارَ قُطنيُّ: القول الأوَّل أصحّ، يعني:
عن مالك.
قلت: أخرجه الإسماعيليّ من طريق رَوْحِ ومَعنٍ وقُتَيبةَ، ثلاثتُهم عن مالكِ، بغیر واوِ،
وبالإفرادِ کرواية الجماعة.
وأخرجه البخاريّ في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٨) من طريق يحيى القَطّان عن مالكٍ
والثَّوريِّ جميعاً عن عبد الله بن دينار بلفظ: ((قُل: عليك)) بغير واو، لكن وَقَعَ في رواية
السَّرَخْسيّ وحدَه: ((فقُل: عليكُم)) بصيغة الجمع بغير واو أيضاً.
وأخرجه مسلم (٢١٦٤)، والنَّسائيُّ (ك١٠١٤٠) من طريق/ عبد الرّحمن بن مَهديّ
٤٤/١١
عن الثَّوريّ وحده، بلفظ: ((فقولوا: وعليكم)) بإثبات الواو بصيغة الجمع (٢).
وأخرجه مسلم (٨/٢١٦٤)، والنَّسائيُّ (ك ١٠١٤٠) من طريق إسماعيل بن جعفر عن
عبد الله بن دینار، بغیر واو، وفي نُسخة صحیحة من مسلم بإثبات الواو.
وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠١٣٩) من طريق ابن عُبَينَةَ عن ابن دينار بلفظ: ((إذا سَلَّمَ علیکمُ
اليهوديُّ والنَّصرانيُّ، فإنَّما يقول: السامُ عليكم، فقُل: عليكُم)) بغير واو وبِصيغة الجمع.
(١) كموطأ يحيى الليثي ٢/ ٩٦٠، وموطأ أبي مصعب الزهري (٢٠٢١)، وموطأ ابن القاسم - بتلخيص
القابسي - (٢٩٢)، وموطاً سويد بن سعيد (٦٦٤).
:
(٢) الذي في المطبوع من ((صحيح مسلم)): ((وعليك)) بالإفراد، وهو كذلك في عدة نسخ عندنا من ((صحيح مسلم))،
لكن جاء في نسخة ابن خير الإشبيلي بصيغة الجمع، کالذي وقع للحافظ رحمه الله.

٩٣
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٨
كتاب الاستئذان
وأخرجه أبو داود (٥٢٠٦) من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار مِثل
ابن مَهديّ عن الثَّوريّ، وقال بعده: وكذا رواه مالك والثّوريُّ عن عبد الله بن دینار، قال
فیه: ((وعلیگُم)).
قال المنذِرِيُّ في ((الحاشية)): حديث مالكٍ أخرجه البخاريُّ، وحديث الثَّوريِّ أخرجه
البخاريُّ ومسلمٌ.
وهذا يدلُّ على أنَّ رواية مالك عندهما بالواو، فأمَّا أبو داود فلعلَّه حَمَلَ رواية مالكٍ على رواية
الثَّورِيِّ(١)، أو اعتَمَدَ رواية رَوْح بن عُبادة عن مالكٍ(٢)، وأمَّا المنذِرِيُّ فَتَجَوَّزَ في عَزوه للبخاريّ،
لأَنَّه عنده بصيغة الإفراد. ولِحديثِ ابن عمر هذا سببٌ أذكره في الذي بعده.
الحديث الثالث:
٦٢٥٨ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثْنَا هُشَيمٌّ، أخبرنا عُبيدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ أنسٍ،
حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ مُه قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((إذا سَلَّمَ عليكم أهلُ الكتاب، فقولوا: وعليكُم)).
[ طرفه في: ٦٩٢٦]
أورَدَه من طريق عُبيد الله بن أبي بكر بن أنس، حدَّثنا أنس بن مالك - يعني: جَدَّه - بلفظ:
((إذا سَلَّمَ عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكُم)) كذا رواه مختصراً.
ورواه قَتَادة عن أنس أتمَّ مِنه، أخرجه مسلم (٢١٦٣/ ٧) وأبو داود (٥٢٠٧) والنَّسائيُّ
(ك١٠١٤٦ و١٠١٤٧) من طريق شُعْبة عنه بلفظ: إنَّ أصحاب النبيّ وَِّ قالوا: إنَّ أهل
الكتاب يُسَلِّمونَ علينا فكيف نَرُدّ عليهم؟ قال: ((قولوا: وعليكم)).
وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١١٠٥) من طريق همَّام عن قَتَادة بلفظ: مرَّ
يهوديّ فقال: السام عليكم، فَرَدَّ أصحابُ النبيِّ وَّهِ عليه السلامَ، فقال: ((قال: السام عليكم))
فأُخِذَ اليهوديّ فاعتَرَفَ، فقال: ((رُدّوا عليه)(٣).
(١) يعني التي عند مسلم والنسائي في ((الكبرى)) من رواية ابن مهدي عنه.
(٢) يعني التي عند الدار قطني في ((الموطآت)).
(٣) في مطبوع ((الأدب المفرد)) زيادة: ((ردُّوا عليه ما قال)).

٩٤
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه))(١) من طريق شَيْبانَ نحو رواية همَّام، وقال في آخره:
((رُدُّوه). فَرَدُّوه، فقال: ((أَقلتَ: السام عليكُم؟)) قال: نعم، فقال عند ذلك: ((إذا سَلَّمَ
علیکم أهل الكتاب فقولوا: وعلیگُم)، وتقدّم في الكلام على حديث عائشة من وجه آخر
عن قَتَادة بزيادةٍ فيه، وسيأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٢٦) من طريق هشام بن زيد بن
أنس: سمعت أنس بن مالك يقول: مرَّ يهوديّ بالنبيِّي ◌ََّ، فقال: السامُ عليك، فقال
رسول الله وَ﴿: ((وعليك))، ثمَّ قال: «أتدرونَ ماذا يقول؟ قال: السام علیك))، قالوا: يا
رسول الله، ألا نَقتُلُه؟ قال: ((إذا سَلَّمَ علیکم أهلُ الکتاب فقولوا: وعلیگُم»، وفي رواية
الطَّيالسيّ (٢١٨٢) أنَّ القائل: ألا نَقتُله؟ عمرُ.
والجمع بين هذه الرِّوايات: أنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظِ الآخَرُ، وأتمُّها سياقاً
رواية هشام بن زيد هذه، وكأنَّ بعض الصحابة لمَّا أخبَرَهم النبيُّ وَِّ أنَّ اليهود تقول
ذلك، سألوا حينئذٍ عن كيفيَّة الردّ عليهم كما رواه شُعْبة عن قَتَادة، ولم يقع هذا السُّؤال في
رواية هشام بن زيد، ولم تختلف الرُّواة عن أنس في لفظ الجواب وهو: ((وعلیگُم)) بالواو
وبصيغة الجمع(٢).
قال أبو داود في ((السُّنَن))(٣): وكذا رواية عائشة وأبي عبد الرَّحمن الْجُّهَنيّ وأبي بَصْرَةَ.
قال المنذريُّ: أمَّا حديث عائشة فمُتَّفَق عليه. قلت: هو أوَّل أحاديث الباب. قال: وأمَّا
حديث أبي عبد الرّحمن فأخرجه ابن ماجَهْ (٣٦٩٩)، وأمَّا حديث أبي بَصْرَةَ فأخرجه
النَّسائيُّ (ك١٠١٤٨).
(١) في الاستئذان، كما بينه الحافظ رحمه الله في ((إتحاف المهرة))، وهو من جملة ما سقط من مطبوع أبي عوانة، إذ
لم يُعثر عليه، وفاتَ الحافظَ رحمه الله أنَّ الترمذي أخرجه من طريق شيبان برقم (٣٣٠١).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله هنا! مع أنه أشار عند شرح الحديث (٦٢٥٦) عند تفسير السام، إلى تفسير
قتادة، يعني في روايته لهذا الحديث، وأشار إلى أنه وقع في آخر حديثه عند ابن حبان بلفظ: ((وعليك))،
وهي بصيغة الإفراد. قلنا: وكذلك وقع عند أحمد (١٢٤٢٧) و(١٢٤٦٧)، وأبي يعلى (٣١١٤)
والطبري في ((تفسيره)) ١٥/٢٨ من طرق عن قتادة بلفظ: ((وعليك)) بصيغة الإفراد.
(٣) بإثر الحديث رقم (٥٢٠٧).

٩٥
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٨
كتاب الاستئذان
قلت: هما حديث واحد اختُلِفَ فيه على يزيد بن أبي حَبيب عن أبي الخير، فقال
عبد الحميد بن جعفر: عن أبي بَصْرة، أخرجه النَّسائيُّ، والطَّحاويّ (٣٤١/٤)، وقال ابن
إسحاق: عن أبي عبد الرَّحمن، أخرجه أحمد (١٧٢٩٥ و١٨٠٤٥)، وابن ماجَهْ (٣٦٩٩)،
والطَّحاويّ (٤/ ٣٤١) أيضاً.
وقد قال بعض أصحاب ابن إسحاق عنه: مثل ما قال عبد الحميد، أخرجه
الطَّحاويّ، والمحفوظ قول الجماعة(١)، ولفظ النَّسائيِّ: ((فإن سَلَّموا عليكم فقولوا:
وعليگُم)).
وقد اختَلَفَ العلماء في إثبات الواو وإسقاطها في الردّ على أهل الكتاب لاختلافهم
في أيِّ الرِّوايتَينِ أرجَحُ؟ فذكر ابن عبد البَرِّ عن ابن حبيب: لا يقولها بالواو، لأنَّ
فيها تشريكاً، وبَسْطُ ذلك: أنَّ الواو في مِثل هذا التَّركيب تقتضي تقريرَ الجملة الأُولى
وزيادةً/ الثّانية عليها، كمَن قال: زيدٌ كاتبٌ، فقلت: وشاعرٌ، فإنَّه يقتضي ثُبُوتَ الوصفَينِ ٤٥/١١
لِزيدٍ، قال: وخالَفَه ◌ُهور المالكيَّة، وقال بعض شيوخهم: يقول: عليكم السِّلام - بكسر
السِّين - يعني: الحجارة، ووهّاه ابن عبد البَرِّ: بأنَّه لم يُشرَع لنا سَبّ أهل الذِّمّة. ويُؤيِّده إنكار
النبيِّ وَّةٍ على عائشة لمَّا سَبَّتهم.
وذكر ابن عبد البَرِّ عن ابن طاووسٍ قال: يقول: عَلاكم السَّلام، بالألف، أي: ارتَفَعَ.
وتَعقَّبَه.
وذهب جماعة من السَّلَف إلى أنَّه يجوز أن يقال في الردّ علیھم: علیکم السَّلام، کما يُردّ
على المسلم، واحتَجَّ بعضهم بقولِه تعالى: ﴿فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وحكاه
الماورديّ وجهاً عن بعض الشافعيَّة، لكن لا يقول: ورحمة الله، وقيل: يجوز مُطلَقاً، وعن
ابن عبّاس وعَلْقمة: يجوز ذلك عند الضَّرورة(٢)، وعن الأوزاعيِّ: إن سَلَّمت فقد سَلَّمَ
(١) يعني قول جماعة الرواة عن ابن إسحاق في ذكر أبي عبد الرحمن الجُهني.
(٢) لكن مقتضى ما ذكره ابن بطال عن ابن عباس فيما نقله عنه الحافظُ أولَ هذا الباب أنَّ مذهبه الردُّ على الإطلاق
دون تقييده بالضرورة!

٩٦
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
الصالحونَ، وإن تَرَكت فقد تَرَكوا. وعن طائفة من العلماء: لا يُرَدّ عليهم السَّلامُ أصلاً.
وعن بعضهم: التَّفْرِقة بين أهل الذُّمّة وأهل الحرب.
والرَّاجح من هذه الأقوال كلِّها ما دَلَّ عليه الحديثُ، ولكنَّه مُخْتَصُّ بأهلِ الكتاب. وقد
أخرج أحمد (١٢١١٥) بسندٍ جيِّ عن حُميدٍ بن زادُويه - وهو غير حُميدِ الطَّويل في الأصحّ -
عن أنس: أُمِرنا أن لا نَزِيدَ أهلَ(١) الكتابِ على: وعليكم.
ونَقَلَ ابن بطّال عن الخطّابِّ نحو ما قال ابن حبیب، فقال: روایة من روی: ((علیکم))،
بغیر واو أحسن من الرِّواية بالواو، لأنَّ معناه: رددت ما قلتُموہ علیگُم، وبالواو يصير
المعنى: عليَّ وعليكم، لأنَّ الواو حرفُ التَّشريك. انتهى.
وكأنَّه نَقَلَه من ((مَعالم السُّنَن)) للخَطّابِيِّ، فإنَّه قال فيه: هكذا يَرويه عامّة المحدِّثينَ: ((وعليكم))
بالواو، وكان ابن عُيَينَةَ يَرويه بحذفِ الواو، وهو الصَّواب، وذلك أنَّه بحذفِها يصير قولهُم
بعَينِه مردوداً عليهم، وبالواو يقع الاشتراك والدُّخول فيما قالوه. انتهى.
وقد رَجَعَ الخطَّبيُّ عن ذلك، فقال في ((الإعلام من شرح البخاريّ)) لمَّا تَكلَّمَ على
حديث عائشة المذكور في كتاب الأدب (٦٠٣٠) من طريق ابن أبي مُلَیکةً عنها نحوَ حدیث
الباب، وزاد في آخره: ((أَوَلم تسمعي ما قلتُ؟ رَدَدتُ عليهم، فيُستَجابُ لي فيهم، ولا يُستَجابُ
لهم فيَّ)). قال الخطَّبيُّ ما مُلخَّصه: إنَّ الدّاعي إذا دَعَا بشيءٍ ظُلماً، فإنَّ الله لا يَستَجيب له
ولا يَجِد دعاؤُه مَحَلَّ في المدعُوِّ عليه. انتهى.
وله شاهدٌ من حديث جابِرٍ قال: سَلَّمَ ناسٌ من اليهود على النبيّ وَّةِ، فقالوا: السامُ
عليكُم، قال: ((وعليكُم))، قالت عائشة وغَضِبَت: ألم تَسمَعْ ما قالوا؟ قال: ((بلى، قد رَدَدتُ
عليهم فنُجابُ عليهم، ولا يُجابونَ فينا))، أخرجه مسلم (٢١٦٦)، والبخاريّ في ((الأدب
المفرَد)» (١١١٠) من طريق ابن جُرَيج أخبرني أبو الزبير أنَّه سمعَ جابِراً.
(١) وقع في (أ) و(ع) و(س): ((على أهل)) بإقحام لفظة ((على))، ورُمِّجت في (ع)، ولم تَردْ في (ب)، وهو الصواب
الموافق لما في («إتحاف المهرة)) و((أطراف المسند)» للحافظ نفسه رحمه الله.

٩٧
باب ٢٢ / ح ٦٢٥٨
كتاب الاستئذان
وقد غَفَلَ عن هذه المراجَعة من عائشة وجوابِ النبيِّ وَِّ لها مَن أنكَرَ الرِّواية بالواو،
وقد تَجَاسَرَ بعضُ مَن أدرَكْناه، فقال في الكلام على حديث أنس في هذا الباب: الرِّواية
الصَّحيحة عن مالكِ بغير واو، وكذا رواه ابن عُيَينَةَ وهي أصوبُ من التي بالواو، لأنَّه بحذفِها
يَرجِع الكلام عليهم، وبإثباتها يقع الاشتراك. انتهى، وما أفهَمَه من تضعيف الرِّواية بالواو
وتَخطِئَتها من حيثُ المعنى مردودٌ عليه بما تقدَّمَ.
وقال النَّوويّ: الصَّواب أنَّ حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان، وبإثباتها أجود ولا مَفْسَدة
فیه، وعليه أکثر الرِّوايات، وفي معناها وجهان:
أحدهما: أنَّهم قالوا: عليكمُ الموتُ، فقال: وعليكم أيضاً، أي: نحنُ وأنتم فيه سواءٌ، كلّنا
نَموت.
والثّاني: أنَّ الواو للاستئناف لا للعَطْفِ والتَّشريك، والتَّقدير: وعليكم ما تَستَحِقُونَه من
الذَّمّ.
وقال البَيْضاويّ: في العطف شيءٌ مُقدَّر، والتَّقدير: وأقول: عليكم ما تُريدونَ بنا أو ما
تَستَحِقُونَ، وليس هو عَطفاً على ((عليكُم)) في كلامهم.
وقال القُرطُبيّ: قيل: الواو للاستئناف، وقيل: زائدة، وأولَى الأجوبة: أنّا نُجاب
عليهم ولا يُجابُونَ علينا.
وحكى ابن دقيق العيد عن ابن رُشد تفصيلاً يجمع الرِّوايتَينِ: إثبات الواو وحذفها،
فقال: مَن تَحَقَّقَ أنَّه قال: السام أو السِّلام - بكسر السّين-، فليَرُدَّ عليه بحذفِ الواو، ومَن/ لم ٤٦/١١
يَتَحقَّق مِنه فليَرُدَّ بإثبات الواو. فَيَجتَمِع من مجموع كلام العلماء في ذلك ستّةُ أقوال.
وقال النَّوويّ تَبَعاً لِعياضٍ: مَن فَسَّرَ السامَ بالموتِ فلا يَبْعُدُ ثُبُوتُ الواو، ومَن فَسَّرَها
بالسّآمَة فإسقاطُها هو الوجه. قلت: بل الرِّواية بإثبات الواو ثابتة وهي تُرَجِّح التَّفسير بالموت،
وهو أولى من تغليط الثِّقة.
واستُدِلَّ بقوله: ((إذا سَلَّمَ عليكم أهل الكتاب)) بأنَّه لا يُشرَع للمسلم ابتداءُ الكافر

٩٨
باب ٢٣ / ح ٦٢٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
بالسَّلام، حكاه الباجيّ عن عبد الوهّاب، قال الباجيّ: لأنَّه بيَّن حُكم الردّ ولم يَذكُر حُكم
الابتداء. كذا قال! ونَقَلَ ابن العربيّ عن مالك: لو ابتَدَأْ شَخصاً بالسَّلام وهو يَظُنّه مسلماً،
فبانَ كافراً كان ابن عمرَ يَستَرِدّ مِنه سَلامَه(١)، وقال مالكٌ: لا. قال ابن العربيّ: لأنَّ
الاسترداد حينئذٍ لا فائدة له، لأنَّه لم يَحَصُل له مِنه شيءٌ لِكَونِهِ قَصَدَ السَّلام على المسلِم.
وقال غيره: له فائدة، وهو إعلام الكافر بأنَّه ليس أهلاً للابتداءِ بالسَّلام. قلت: ويتأكَّد
إذا كان هناك مَن يُحِشَى إنكارُه لذلك، أو اقتداؤُه به إذا كان الذي سَلَّمَ مَمَّن يُقْتَدَى به.
واستُدِلَّ به على أنَّ هذا الردّ خاصّ بالكفَّار، فلا يُحِزِئ في الردّ على المسلِم، وقيل: إن
أجابَ بالواو أجزاً وإلا فلا.
وقال ابن دقيق العيد: التَّحقيق أنَّه كافٍ في حصول معنى السَّلام، لا في امتثال الأمر في
قوله تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وكأنَّه أراد الذي بغير واو، وأمَّا
الذي بالواو، فقد وَرَدَ في عِدّة أحاديث: منها في الطبرانيِّ (١٢٠٠٧) عن ابن عبّاس: جاء
رجل إلى النبيّ وَّ، فقال: سَلامٌ عليكم، فقال: ((وعليك ورحمة الله)).
وله في ((الأوسط))(٢) عن سلمان: أتى رجلٌ فقال: السَّلام عليك يا رسول الله، فقال:
((وعليك)). قلت: لكن لمَّا اشتَهَرَت هذه الصّيغة للرَّدِّ على غير المسلم ينبغي تَركُ جواب
المسلم بها، وإن كانت مُجْزِئةً في أصل الردّ، والله أعلم.
٢٣- باب من نَظَر في کتاب من ◌ُحذر علی
المسلمين لِيَستبينَ أمرُه
٦٢٥٩ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ مُهْلولٍ، حدَّثنا ابنُ إذْرِيسَ، قال: حدَّثني حُصَينُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ،
عن سَعْدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ◌َُّ، قال: بَعَثَنَ رسولُ اللهِوَّهِ وَالزُّبِيرَ
(١) أخرجه عنه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١١٥).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((الأوسط))، وهو في ((الكبير)) برقم (٦١١٤)، وإليه عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣/٨،
وقال: فيه هشام بن لاحق، قوّاه النسائي، وترك حديثَه أحمد، وبقية رجاله رجال الصحيح.

٩٩
باب ٢٣ / ح ٦٢٥٩
كتاب الاستئذان
ابنَ العَوّامِ، وأبا مَرْئَدِ الغَنَوِيَّ، وكلُّنا فارسٌ، فقال: ((انطَلِقِوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضةَ خاخ، فإنَّ بها امرأةً
منَ المشركينَ معها صَحِيفٌ من حاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى المشركينَ)). قال: فَأَدْرَكْناها تَسِيرُ على جَملِ لها
حَيثُ قال لنا رسولُ اللهِِّ قال: قُلْنا: أينَ الكتابُ الذي مَعَكِ؟ قالت: ما معي كتابٌ، فأنخْنا بها
فابْتَغَيْنا في رَحْلِها، فما وَجَدْنا شيئاً، قال صاحباي: ما نَرَى كتاباً، قال: قلتُ: لقد علمْتُ ما كَذَبَ
رسولُ الله ◌َّةِ، والذي يُحْلَفُ به لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لأُجَرِّدَّكِ، قال: فلمَّا رَأْتِ الْجِدَّ منّي أَهْوَتْ
بَيَدِها إلى حُجْزَتِها وهي مُخْتَجِزةٌ بكِساءٍ، فأخرَجَتِ الكتابَ. قال: فانطَلَقْنا به إلى رسولِ الله وَِّ،
فقال: ((ما ◌َمَلَكَ يا حاطِبُ على ما صَنَعْتَ؟))، قال: ما بي إلّا أن أكونَ مُؤْمِناً بالله ورَسُولِهِ، وما غَيَّرْتُ
ولا بَدَّلْتُ، أُرَدْتُ أن تكونَ لي عندَ القومِ يَدِّ يَدْفَعُ اللهُ بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابكَ هُناكَ
إلّا وله مَن يَدْفَعُ الهُ به عن أهلِهِ ومالِهِ، قال: ((صَدَقَ، فلا تقولوا له إلّا خيراً))، قال: فقال عمرُ بنُ
الخطّاب: إِنَّه قد خانَ اللهَ ورسوله والمؤمنينَ، فَدَعْني فأضْرِبَ عُنُقَه، قال: فقال: ((يا عمرُ، وما
يُدْرِيكَ؟ لعلَّ اللهَ قد اطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلوا ما شئتُم فقد وجَبَت لكمُ الجنَّةُ)). قال:
فَمَعَت عَيْنا عمرَ، وقال: اللهُ ورسولُهُ أَعلَمُ.
قوله: ((باب مَن نظرَ في كتاب مَن يُحذَر على المسلمينَ ليَستَبين أمرُه)) كأَنَّه يشير إلى أنَّ الأثر ٤٧/١١
الوارد في النَّهي عن النَّظَر في كتاب الغير يُخْصُّ مِنه ما يَتَعيَّن طريقاً إلى دفع مَفسَدةٍ هي أكثر
من مَفسَدة النَّظَر، والأثر المذكور أخرجه أبو داود (١٤٨٥) من حديث ابن عبّاس بلفظ: ((مَن
نظرَ في كتاب أخيه بغير إذنِهِ، فكأنَّما يَنظُر في النار)) وسنده ضعيف.
ثم ذكر فيه حديثَ عليّ في قصَّة حاطِب بن أبي بَلتَعةَ، وقد تقدَّم شرحه في تفسير سورة
الممتَحنة (٤٨٩٠).
ويوسفُ بن ◌ُهْلُول شيخُه فيه: بضمِّ الموخَّدة وسكون الهاء، شيخ كوفيّ أصله من الأنبار، ولم
يَروِ عنه من السِّة إلّا البخاريّ، وما له في ((الصَّحيح)) إلّا هذا الحديث، وقد أورَدَه من طرق
أُخرى في المغازي (٣٩٨٣) والتَّسير (٤٨٩٠)، منها في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم عن
عبد الله بن إدريس بالسَّنَد المذكور هنا، وبَقيَّة رجال الإسناد كلُّهم كوفيّونَ أيضاً.

١٠٠
باب ٢٤ / ح ٦٢٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن التِّين: معنى ◌ُهُلُول: الضَّحّاك، وسُمّيَ به، ولا يُفتَح أوَّلُه، لأنَّه ليس في الكلام
فَعْلُول بالفتح.
وقال المهلَّب: في حديث عليَّ هَتْكُ سِتر الذَّنب، وكَشفُ المرأة العاصية، وما رويَ أنَّه
لا يجوز النَّظَر في كتاب أحد إلّا بإذنِهِ، إنَّما هو في حَقّ مَن لم يكن مُتَّهَاً على المسلمينَ، وأمَّا
مَن کان مُتَّهَاً فلا حُزْمة له.
وفيه أنَّه يجوز النَّظَر إلى عورة المرأة للضَّرورة التي لا يَجِدِ بُدّاً من النَّظَر إليها.
وقال ابن التِّين: قول عمر: دَعني أضِرِبْ عُنُقَه، مع قول النبيِّ ◌َليل: ((لا تقولوا له إلّا
خيراً) يُحمَل على أنَّه لم يسمع ذلك، أو كان قولُه قبل قول النبيِّ وَّه. انتهى. ويحتمل أن
يكون عمرُ لِشِدَّتِه في أمر الله حَلَ النَّهيَ على ظاهره من مَنع القول السَّيِّئ له، ولم يَرَ ذلك
مانعاً من إقامة ما وجَبَ عليه من العُقوبة للذَّنبِ الذي ارتَكَبَه، فبيَّن النبيُّ ◌َِّ أَنَّه صادِقٌ
في اعتذاره، وأنَّ الله عفا عنه.
٢٤ - باب كيف يُكتب إلى أهل الكتاب؟
٦٢٦٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ،
قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخبَرَه، أنَّ أبا سفيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَه:
أَنَّ هِرَقْلَ أرسَلَ إليه فِي نَفَرِ من قُرَيشٍ، وكانوا تِجَارَاً بالشَّامِ فَأَتَوْهِ ... فَذَكَر الحديثَ، قال: ثمَّ
دَعَا بكتاب رسولِ الله وَلِّ، فَقُرِئَ، فإذا فيه: ((بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، من محمَّدٍ عبدِ الله ورسوله إلى
هِرَقْلَ عظيمِ الرّومِ، السَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْدُ)).
قوله: ((باب كيف يُكتَب إلى أهل الكتاب؟)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث أبي سفيان في قصّة
هِرَقل، وهو واضح فیما تَرجَمَ له.
قال ابن بَطّال: فيه جواز كتابة ((بسم الله الرَّحمن الرحيم)) إلى أهل الكتاب، وتقديم
اسم الكاتب على المكتوب إليه. قال: وفيه حُجّة لمن أجازَ مُكاتبة أهل الكتاب بالسَّلام عند
الحاجة.