Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
باب ٨ / ح ٦٢٣٥
كتاب الاستئذان
عمر نحوَه. لكن ليس فيها شيء على شرط البخاريِّ، فاكتَفَى بما ذكره من حديث البراء.
واستُدِلَّ بالأمرِ بإفشاءِ السَّلام على أنَّه لا يكفي السَّلامُ سِرّاً، بل يُشتَرَط الجهرُ، وأقلُّه أن
يُسمَعَ في الابتداء وفي الجواب، ولا تكفي الإشارةُ باليَدِ ونحوها. وقد أخرج النَّسائيُّ
(ك١٠١٠٠) بسندٍ جيِّ عن جابِرِ رَفَعَه: ((لا تُسَلِّموا تسليمَ اليهود [والنصارى]، فإنّ
تَسلیمَهم بالرُّؤوسِ والأكُفِّ))(١).
ويُستَثَنَى من ذلك حالةُ الصلاة، فقد ورَدَت أحاديث جيِدَةٌ أَنَّه وَل﴿ رَدَّ السَّلام وهو
يُصَلّي إشارةً، منها حديث أبي سعيد: أنَّ رجلاً سَلَّمَ على النبيّ ◌َّهِ وهو يُصَلّي، فَرَدَّ عليه
إشارةً(٢). ومن حديث ابن مسعود نحوَه (٣). وكذا مَن كان بعيداً بحيثُ لا يَسمعُ التَّسليمَ
يجوز السَّلام عليه إشارةً، ويَتَكَفَّظ مع ذلك بالسَّلام، وأخرج ابن أبي شَيْبة عن عطاء قال:
يُكرَه السَّلام باليَدِ ولا يُكرَه بالرَّأْسِ.
وقال ابن دقيق العيد: استَدَلَّ بالأمرِ بإفشاءِ السَّلام مَن قال بوجوبِ الابتداء بالسَّلام،
وفيه نظرٌ، إذ لا سبيلَ إلى القول بأنَّه فَرضُ عينٍ على التَّعميم من الجانبينِ، وهو أن يَجِبَ
على كلّ أحد أن يُسَلِّم على كلّ مَن لَفيَه لِمَا في ذلك من الخَرَج والمشَقّة، فإذا سَقَطَ من
جانبَي العُمومينِ سَقَطَ من جانبَي الْخُصوصَينِ، إذ لا قائلَ: يَجِبُ على واحدٍ دونَ الباقينَ، ولا
يَجِب السَّلام على واحدٍ دونَ الباقينَ، قال: وإذا سَقَطَ على هذه الصّورة لم يَسقُطِ الاستحبابُ،
لأنَّ العُموم بالنّسبة إلى كِلا الفريقَينِ مُمكِن. انتهى.
وهذا البحث ظاهر في حَقِّ مَن قال: إنَّ ابتداء السَّلامِ فَرضُ عَينٍ، وأمَّا مَن قال: فَرضُ
كِفاية فلا يَرِدُ عليه إذا قلنا: إنَّ فَرضَ الكِفاية ليس واجباً على واحد بعينه.
(١) تقدم ذكر الحافظ لهذا الحديث عند شرح الحديث (٦٢٣٠)، وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٢) أخرجه الطحاوي في ((أحكام القرآن)) (٤٠٨) والطبراني في ((الأوسط)) برقم (٨٦٣١).
(٣) أخرجه البيهقي ٢/ ٢٦٠ من طريق ابن سيرين قال: أُنبئتُ أنَّ ابن مسعود قال: أتيتُ النبيَِّ حين قدمتُ من
الحبشة أُسَلَّم عليه فوجدتُه قائماً يصلي، فسَلَّمتُ عليه فأومأ برأسه. وأخرجه أيضاً موصولاً بذكر أبي هريرة
بينهما، وأصله عند البخاري برقم (١١٩٩)، ومسلم برقم (٥٣٨) لکن دون ذکر الإيماء، واكتفى بذکر عدم
الردِّ، ويُحمِلُ على عدم الردِّبالكلام، فلا يتعارضان، والله أعلم.

٤٢
باب ٨ / ح ٦٢٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال: ويُستَنَى من الاستحباب مَن وَرَدَ الأمرُ بتَركِ ابتدائه بالسَّلام كالكافِ، قلت: ويدلّ
عليه قولُه في الحديث المذكور قبلُ: ((إذا فعَلتُموه تَّحَابَيتُمْ))، والمسلمُ مأمورٌ بمُعاداة الكافر،
فلا يُشرَع له فِعلُ ما يستدعي مَحَبَّتَه وموادَدَتَه. وسيأتي البحث في ذلك في ((باب التَّسليم على
مَجَلِس فيه أَخلاطٌ من المسلمينَ والمشرِكِينَ)) (٦٢٥٤).
وقد اختُلِفَ أيضاً في مشروعيَّة السَّلام على الفاسق وعلى الصبيّ، وفي سَلام الرجل
على المرأة وعكسه، وإذا جَمَعَ المجلِس كافراً ومسلماً، هل يُشرَع السَّلام مُراعاةً لِحَقِّ المسلمينَ؟
أو يَسقُط من أجل الكافر؟ وقد تَرجَمَ المصنِّف لذلك كلِّه.
وقال النَّوويّ: يُستَئِنَى من العُموم بابتداءِ السَّلام مَن كان مُشتَغِلاً بأكلِ أو شُرب أو
جماع، أو كان في الخَلاء أو الحَمّام، أو نائماً أو ناعِساً، أو مُصَلّياً أو مُؤَذِّناً ما دامَ مُتَلَبِّساً بشيءٍ
ثمّا ذُكِرَ، فلو لم تكنِ اللُّقمة في فَمِ الآكِل مثلاً شُرِعَ السَّلامُ عليه، ويُشرَع في حَقِّ المتبابِعَينِ
وسائر المعاملات، واحتَجَّ له ابن دقيق العيد بأنَّ الناسَ غالباً يكونونَ في أشغالهم، فلو رُوعيَ
ذلك لم يَحصُل امتثال الإفشاء.
وقال ابن دقيق العيد: احتَجَّ مَن مَنَعَ السَّلام على مَن في الحمّام بأنَّه بيت الشَّيطان،
وليس موضعَ التَّحيَّة، لاشتغال مَن فيه بالتَّنظيف، قال: وليس هذا المعنى بالقويِّ في
٢٠/١١ الكراهة،/ بل يدلّ على عَدَم الاستحباب.
قلت: وقد تقدَّم في كتاب الطَّهارة من البخاريِّ(١): إن كان عليهم إزارٌ فيُسَلِّم وإلّا فلا.
وتقدَّم البحث فيه هناك. وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٨٢/٣٣٦) عن أمّ هانئٍ: أتيتُ
النبيَّ وَّهُ وهو يَغْتَسِل وفاطمةُ تَستُره، فسَلَّمت عليه، الحديثَ(٢).
قال النَّوويّ: وأمَّا السَّلام حالَ الخُطبة في الجُمعة فيُكرَه للأمرِ بالإنصات، فلو سَلَّمَ لم
يَجِبِ الردُّ عندَ مَن قال: الإنصات واجب، ويَجِبُ عندَ مَن قال: إنَّه سُنّة، وعلى الوجهَينِ لا
ينبغي أن يَرُدَّ أكثرُ من واحدٍ.
(١) معلّقاً من قول إبراهيم النَّخعي، قبل الحديث (١٨٣)، وفي آخره: فسَلِّم وإلّا فلا تُسلِّم.
(٢) وهو أيضاً عند البخاري بالأرقام (٣٥٧) و(٣١٧١) و(٦١٥٨).

٤٣
باب ٨ / ح ٦٢٣٥
كتاب الاستئذان
وأمَّا المشتَغِل بقراءة القرآن فقال الواحديّ: الأَولى تَركُ السَّلام عليه، فإن سُلِّمَ عليه
كَفاه الرُّ بالإشارة، وإن رَدَّ لفظاً استأنَفَ الاستعاذةَ وقراً. قال النَّوويّ: وفيه نظرٌّ، والظاهر أنَّه
يُشرَعِ السَّلامُ عليه ويَجبُ عليه الردُّ.
ثمَّ قال: وأمَّا مَن كان مُشْتَغِلاً بالدُّعاءِ مُستَغرِقاً فيه مُستَجمِعَ القلب، فيُحتملُ أن يُقال: هو
كالقارئ، والأظهَر عندي أنَّه يُكرَه السَّلام عليه لأَنَّه يَتَنَكَّد به ويَشُقّ عليه أكثرَ من مَشَقّة الأكل.
وأمَّا المُلَبِّي في الإحرام فيُكرَه أن يُسَلَّمَ عليه، لأنَّ قَطْعَه التَّبِيةَ مَكروهٌ، ويجب عليه
الردُّ مع ذلك لفظاً أن لو سُلِّمَ عليه. قال: ولو تَبرَّعَ واحد من هؤلاءِ برَدِّ السَّلام إن كان
مُشْتَغِلاً بالبَولِ ونحوِه فيُكرَه، وإن كان آكِلاً ونحوه فُيُستَحَبّ في الموضع الذي لا يَجِب،
وإن كان مُصَلّياً لم يَجُز أن يقول بلفظ المخاطَبة كَعليك السَّلام أو عليك فقط، فلو فعل
بَطَلَت إن عَلِمَ التَّحريم لا إن جَهِلَ في الأصحّ، فلو أتى بضمير الغَيبة لم تَبطُل، ويُستَحَبّ أن
يَرُدّ بالإشارة، وإن رَدَّ بعد فراغ الصلاة لفظاً فهو أحَبّ، وإن كان مُؤَذِّناً أو مُلَبّياً لم يُكرَه له
الردّ لفظاً، لأنَّه قَدْرٌ يسيرٌ لا يُبطِلِ الموالاةَ.
وقد تَعقَّبَ والدي رَحِمَهَ اللهُ في (نُكَتِهِ على الأذكار)) ما قاله الشَّيخ في القارئ، لِكَونِه
يأتي في حَقِّه نَظيرُ ما أَبداهُ هو في الدّاعي، لأنَّ القارئ قد يَستَغرِق فِكرُه في تَدَبُّر معاني ما
يقرؤُه، ثمَّ اعتَذَرَ عنه بأنَّ الدّاعي يكون مُهتَّاً بطلبٍ حاجته فيَغْلِب عليه التَّوُّهُ طَبعاً،
والقارئ إنَّما يُطلَب مِنه التَّوجُّه شَرعاً فالوَساوِسُ مُسَلَّطة عليه، ولو فُرِضَ أنَّه يوفَّق
للحالة العَلِيَّة فهو على نُدُورٍ. انتهى.
ولا يخفى أنَّ التَّعليل الذي ذكره الشَّيخ من تَنَكُّد الدّاعي يأتي نَظيره في القارئ، وما ذكره
الشَّيخ في بُطْلان الصلاة إذا رُدَّ السَّلامُ بالخِطابِ ليس مُتَّفَقاً عليه، فعَنِ الشافعيِّ نَصُّ في أنَّه
لا يُبطِلُ، لأنَّه لا يريد حقيقةَ الخِطاب بلِ الدُّعاءَ، وإذا عَذَرنا الدّاعِيَ والقارئ بعَدَمِ الردِّ، فَرَدَّ
بعد الفَراغ كان مُستَحَبّاً.
وذكر بعض الحنفيَّة أنَّ مَن جَلَسَ في المسجد للقراءة أو التَّسبيح أو لانتظار الصَّلاة لا

٤٤
باب ٩ / ح ٦٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
يُشرَعِ السَّلامُ عليهم، وإن سُلَّمَ عليهم لم يَجِبِ الجوابُ، قال: وكذا الخَصمُ إذا سَلَّمَ على
القاضي لا يجب عليه الردُّ. وكذلك الأُستاذ إذا سَلَّمَ عليه تلميذه لا يجب الردّ عليه. كذا
قال. وهذا الأخير لا يُوافَقُ عليه.
ويَدخُل في عُموم إفشاء السَّلام، السَّلامُ على النَّفس لمَن دَخَلَ مكاناً ليس فيه أحدٌ،
لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، وأخرج البخاريّ في
((الأدب المفرَد)) (١٠٥٥) وابن أبي شَيْبة (٨/ ٤٦٠) بسندٍ حَسَنٍ عن ابن عمر: فُيُستَحَبّ إذا
لم يكن أحدٌ في البيت أن يقول: السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ. وأخرج الطَّبَرُّ عن ابن
عبَّاس ومن طريق كلٍّ من عَلْقمةَ وعطاءٍ ومجاهدٍ نحوَه.
ويَدْخُل فيه مَن مَّ على مَن ظنَّ أَنَّه إذا سَلَّمَ عليه لا يَرُدّ عليه، فإنَّه يُشرَع له السَّلام ولا
يَترُكِه لهذا الظَّنِّ، لأَنَّه قد يُخْطِئ.
قال النَّوويُّ: وأمَّا قول مَن لا تحقيقَ عندَه: أنَّ ذلك يكون سبباً لِتأثيمِ الآخَر فهو
غَبَاوَةٌ، لأنَّ المأموراتِ الشَّرعيَّةَ لا تُترَك بمِثلِ هذا، ولو أعمَلْنا هذا لَبَطَلَ إنكارُ كثير من
المنكرات. قال: وينبغي لمَن وَقَعَ له ذلك أن يقول له بعِبارةٍ لطيفة: رَدُّ السَّلام واجبٌ،
فينبغي أن تَرُدّ ليَسقُطَ عنك الفَرضُ، وينبغي إذا تَمَادَى على الثَّرك أن يُحَلِّلَه من ذلك لأنَّه
حَقُّ آدميٍّ.
٢١/١١ وَرَجَّحَ ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام) المقالةَ التي زَيَّفَها النَّوويّ: / بأنَّ مَفسَدةَ تَوريط
المُسلِمِ في المعصية أشدُّ من تَرك مَصلَحة السَّلام عليه، ولا سيَّما وامتثالُ الإفشاء قد حَصَلَ مع
غيرِه.
٩- باب السَّلام للمعرفةِ وغيرِ المعرفةِ
٦٢٣٦ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يزيدُ، عن أبي الخيرِ، عن
عبدِ الله بنِ عَمرِو: أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ وَّرِ: أَيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: ((تُطْعِمُ الطَّعامَ، وتَقْرَأُ
السَّلامَ على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعْرِفْ».

٤٥
باب ٩ / ح ٦٢٣٧
كتاب الاستئذان
٦٢٣٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّيغيِّ،
عن أبي أيوبَ عُ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا يَحِلُّ لمسلم أن يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، يَلْتَقِیان فيَصُدُّ
هذا ويَصُدُّ هذا، وخيرُهما الذي يَبدَأُ بالسَّلام)).
وذَكَر سفيانُ أنَّه سمعَه منه ثلاثَ مرَّاتٍ.
قوله: ((باب السَّلام للمَعْرِفِةِ وغير المعرفة)) أي: مَن يَعرِفه المسلِّمُ ومَن لا يَعرِفه، أي: لا
يُخُصّ بالسَّلامِ مَن يَعرِفه دونَ مَن لا يَعرِفه.
وصَدْرُ التَّرجمة لفظُ حديثٍ أخرجه البخاريُّ في ((الأدب المفرَد))(١) بسندٍ صحيح عن
ابن مسعود: أنَّه مَّ برجلٍ فقال: السَّلامُ عليك يا أبا عبد الرَّحمن، فرَدَّ عليه ثمَّ قال: إنَّه سيأتي
على الناس زمانٌ يكون السَّلامُ فيه للمَعرفة.
وأخرجه الطَّحاويُّ (٢) والطبرانيُّ (٩٤٨٩ و ٩٤٩٠) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٨٧٧٨) من
وجهٍ آخَر عن ابن مسعود مرفوعاً، ولفظه: ((إنَّ من أشراط الساعةِ أن يَمُرَّ الرجلُ بالمسجدِ
لا يُصَلّي فيه، وأن لا يُسَلِّم إلّا على مَن يَعرِفُه)» ولفظ الطَّحاويِّ: ((إنَّ من أشراط الساعة
السَّلام للمعرفة)).
ثم ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث عبد الله بن عمرو.
قوله: ((حدَّثني يزيد)) هو ابن أبي حَبيبٍ كما ذُكِرَ في رواية قُتَيبةَ، عن اللَّيث في كتاب
الإیمان (٢٨).
قوله: ((عن أبي الخَير)) هو مَرَد، بفتح الميم والمثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ وآخِرِه دالٌ مُهمَلة،
(١) لفظه في ((الأدب المفرد)) (١٠٤٩) بعد ذكر نحو هذه القصة من سلام الرجل على ابن مسعود يخصُّهُ بالسلام:
عن النبي ◌َّه: ((إن بين يدي الساعة تسليمَ الخاصّة ... )) الحديث، وهو أيضاً عند الشافعي في ((الأم)) ١٩٦/٧
بسند آخر قويّ، ولفظه قريب من اللفظ الذي ذكره الحافظ.
(٢) في ((شرح مشكل الآثار)) (١٥٩١).

٤٦
باب ٩ / ح ٦٢٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
والإسناد كلُّه مُصْريُّون(١)، وقد تقدَّم شرح الحديث في أوائل كتاب الإيمان (١٢).
قال النَّويّ معنى قوله: ((على مَن عَرَفت ومَن لم تَعرِفْ» تُسَلِّم على مَن لَقيتَه ولا تَخُصَّ
ذلك بمَن تَعرِف، وفي ذلك إخلاص العَمَل لله، واستعمالُ التَّواضُع، وإفشاء السَّلام الذي
هو شِعار هذه الأُمّة.
قلت: وفيه من الفوائد أنَّه لو تَرَكَ السَّلام على مَن لم يَعرِف احتملَ أن يظهر أنَّه من
معارفه، فقد يُوقعه في الاستیحاش منه.
قال: وهذا العُموم مخصوصٌ بالمسلِم، فلا يَبْتَدِئ السَّلامَ علی کافر.
قلت: قد تَسَّكَ به مَن أجازَ ابتداء الكافر بالسَّلام، ولا حُجّة فيه، لأنَّ الأصل مشروعيّة
السَّلام للمسلِم، فيُحمَل قولُه: ((مَن عَرَفت)) عليه، وأمَّا: ((من لم تَعرِف)) فلا دلالة فيه، بل
إن عَرَفَ أنَّه مسلمٌ فذاكَ وإلّا فلو سَلَّمَ احتياطاً لم يَمتَنِعِ حتَّى يَعرِف أنَّه كافر.
وقال ابن بَطّال: في مشروعيَّة السَّلام على غير المعرِفة استفتاحٌ للمُخاطَبة للتَّأنيسِ،
ليكونَ المؤمنونَ كلُّهم إخوةً فلا يَستَوحِش أحدٌ من أحدٍ، وفي التَّخصيص ما قد يُوقِع في
الاستِيحاش، ويُشبِهِ صُدودَ المتهاجِرَينِ المنھيَّ عنه.
وأورَدَ الطَّحاويُّ في ((المشكِل)) (١٥٩٥) حديث أبي ذرٍّ في قصَّة إسلامه، وفيه: ((فانتَهَيت
إلى النبيِّ وَّلــ وقد صَلَّى هو وصاحبُه - فكنت أوَّلَ مَن حَيّاه بتَحيَّة الإسلام))، قال الطَّحاويُّ:
وهذا لا يُنافي حديث ابن مسعود في ذَمّ السَّلام للمَعِرِفة، لاحتمال أن يكون أبو ذَرِّ سَلَّمَ على أبي
٢٢/١١ بكر قبل ذلك،/ أو لأنَّ حاجته كانت عندَ النبيِّ ◌َِّ دونَ أبي بكر.
قلت: والاحتمال الثّاني لا يكفي في تخصیص السَّلام، وأقرب مِنه أن یکون ذلك قبل
تقرير الشَّرع بتعميمِ السَّلام، وقد ساقَ مسلم (٢٤٧٣) قصَّة إسلام أبي ذرِّ بطولها، ولفظه:
وجاء رسول الله وَّهَ حتَّى اسْتَلَمَ الحَجر، وطافَ بالبيت هو وصاحبُه، ثمَّ صَلَّى، فلمَّا قَضَى
صلاته قال أبو ذَرّ: فكنت أوَّلَ مَن حَيّاه بتَحَيَّة الإسلام(٢) فقال: ((وعليكَ ورحمةُ الله)) الحديثَ،
(١) تحرَّف في (أ) و(ع) و(س) إلى: بصريون، والمثبت على الصواب من (ب).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: السَّلام.

٤٧
باب ١٠ / ح ٦٢٣٨-٦٢٣٩
كتاب الاستئذان
وفي لفظ (٢٢/٢٤٧٣) قال: وصَلَّى ركعتَينِ خَلف المقام فأتيتُه، فإنّي لَأوَّلُ الناس حَيّاه
بتَحَيَّة الإسلام فقال: ((وعليك السَّلام مَن أنتَ؟)) وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو بكر
تَوجَّهَ بعد الطَّواف إلى منزله، ودَخَلَ النبيُّ ◌َ﴿ مِنزلَه، فدَخَلَ عليه أبو ذَرِّ وهو وحده، ويَزِيدُه
ما أخرجه مسلم، وقد تقدَّم للبخاريِّ أيضاً في المبعَث (٣٨٦١) من وجه آخر عن أبي ذرٍّ في
قصَّة إسلامه، أنَّه قامَ يَلْتَمِس النبيَّ ◌َّهِ ولا يَعرِفه ويَكرَه أن يَسأل عنه، فرآه عليٌّ فعَرَفَه أنَّه
غريبٌ، فاستَتَبَعَه حتَّى دَخَلَ به على النبيّ وَّهِ فَأَسلَمَ.
الحديث الثاني: حديث أبي أيوب: ((لا يَحِلّ لمسلمٍ أن يَهجُرَ أخاه)) الحديثَ، تقدَّم شرحه
في كتاب الأدب مُستَوَى (٦٠٧٧)، وهو مُتعلِّق بالزُّكنِ الأوَّل من التَّرجمة.
١٠ - باب آية الحجاب
٦٢٣٨ - حدَّثْنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ: أَنَّه كان ابنَ عَشْرِ سنينَ مَقْدَمَ النبيِّ ◌َِّ المدينةَ، فَخَدَمْتُ رسولَ اله ◌ِه
عَشْراً حياتَه، وكنتُ أعلمَ الناسِ بشأنِ الحِجاب حينَ أُنزِلَ، وقد كان أُبِيُّ بِنُ كَعْبٍ يَسْألُني عنه،
وكان أوَّلَ ما نزلَ في مُبْتَى رسولِ اللهِ وَّهِ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ أصبَحَ النبيُّ ◌َّهِ بِهَا عَرُوساً،
فَدَعَا القومَ فَأَصابُوا منَ الطَّعامِ، ثمَّ خَرَجوا وبَقِيَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ الله وَّةِ، فَأَطالوا
المُكْثَ، فقامَ رسولُ الله ◌َّهِ فخَرَجَ وخَرَجْتُ معه كَي يَخْرُجوا، فَمَشَى رسولُ اللهِلَّهـ
ومَشَيتُ معه حتَّى جاء عَتَبَةَ حُجْرةٍ عائشةَ، ثمَّ ظنَّ رسولُ اللهِ وَِّ أَنَّهم خَرَجُوا، فَرَجَعَ
ورَجَعْتُ معه حتَّى دَخَلَ على زينبَ، فإذا هم جُلوسٌ لم يَتَفَرَّقوا، فَرَجَعَ النبيُّ ◌َّهِ وَرَجَعْتُ
معه حتَّى بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرةٍ عائشةَ، فظنَّ أنْ قد خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ معه، فإذا هم قد
خَرَجوا فأُنزِلَ آيَةُ الحِجاب، فضَرَبَ بيني وبينَه ◌ِتْراً.
٦٢٣٩- حدَّثنا أبو الثُّعْمان، حدَّثنا مُعتَمِرٌّ، قال أبي: حدَّثنا أبو مِجْلَزٍ، عن أنسٍ ﴾، قال:
لمَّا تَزوَّجَ النبيُّ ◌َّهزينبَ دَخَلَ القومُ فطَعِمُوا، ثمَّ جَلَسُوا يَتَحدَّثونَ، فَأَخَذَ كأنَّه يَتَهِيَّأُ لِلْقِيام
فلمْ يَقُوموا، فلمَّا رَأى ذلكَ قامَ، فلمَّا قَامَ قامَ مَن قامَ منَ القَومِ، وقَعَدَ بَقِيَّةُ القَومِ، وإنَّ النبيَّ ◌َهـ

٤٨
باب ١٠ / ح ٦٢٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
جاء ليَدخُلَ، فإذا القومُ جُلوسٌ، ثمَّ إِنَّهم قامُوا فانطَلَقوا، فأخبَرْتُ النبيَّ وَِّ فجاء حتَّى دَخَلَ
فذهبتُ أَدْخُلُ، فَأَلَقَى الِحِجَابَ بيني وبينَه، فأنزَّلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُواْ
بُيُوتَ النَّبِّ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٥٣].
قال أبو عبدِ الله: فيهِ منَ الفِقْهِ أَنَّه لمْ يَستأذِنْهُم حينَ قام وخرجَ، وفيه أنَّه تَهيًّ للقيام وهو
يُريدُ أنْ يقُوموا.
٦٢٤٠- حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان عمرُ بنُ الخطّاب
يقول لِرسولِ الله وَّ: احجُبْ نساءَكَ، قالت: فلم يَفْعَلْ، وكان أزْواجُ النبيِّ وَّهِ يَخْرُ جْنَ ليلاً إلى
ليلٍ قِبَلَ المَناصِعِ، فَخَرَجَتْ سَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ، وكانت امرأةً طويلةً، فرآها عمرُ بنُ الخطَّاب
وهو في المَجْلِسِ، فقال: عَرَفْناكِ يا سَوْدةُ، حِرْصاً على أن يُنْزَلَ الحِجابُ، قالت: فَأَنزَلَ الله عزَّ
وجلَّ الحِجابَ.
٢٣/١١
قوله: ((باب آية الحجاب)) أي: الآية التي نزلت في أمر نساء النبيِّ نَِّ بالاحتجابٍ منَ
الرِّجال.
وقد ذَكَر فيه حديثَ أنسٍ من وجهَينٍ عنه. وتقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في سورة الأحزاب
(٤٧٩).
وقوله في آخره: ((فأَنزَلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيةَ)) كذا
اتَّفَقَ عليه الرُّواة عن مُعتَمِر بن سليمان، وخالَفَهم عَمْرو بن عليِّ الفَلّاسُ عن مُعتَمِر،
فقال: فَأُنزِلَت: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]، أخرجه
الإسماعيليّ، وأشارَ إلى شُذوذه، فقال: جاء بآيةٍ غيرِ الآية التي ذَكَرها الجماعةُ.
قوله في أوَّل الطَّريق: ((عن ابن شِهابٍ، أخبرني أنس بن مالك أنَّه قال: كان)) قال الكِرْمانيُّ: فيه
التفاتٌ أو تجرید.
وقوله: ((خَدَمت رسول الله وَ لِّ عشراً حياته)) أي: بَقيَّةَ حياتِه إلى أن ماتَ.

٤٩
باب ١٠ / ح ٦٢٤٠
كتاب الاستئذان
وقوله: ((وكنت أعْلمَ الناس بشأنِ الحِجاب)) أي: بسَببِ نُزولِه، وإطلاقُ مِثلِ ذلك جائزٌ
للإعلام لا للإعجاب.
وقوله: ((وقد كان أَبُّ بن كَعْب يَسْألني عنه)) فيه إشارةٌ إلى اختصاصه بمَعرِفَتِهِ، لأنَّ أُبِيَّ
ابن كعب أكبرُ مِنه عِلماً وسِنّاً وقَدْراً.
وقوله في الطريق الأخرى: ((مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمِيّ.
وقوله: ((قال أَبي)) بفتح الهمزة وكسر الموحّدة مُفَّفاً، والقائل: هو مُعتَمِر، ووَقَعَ في الرِّواية
المتقدِّمة في سورة الأحزاب (٤٧٩١): سمعت أَبي.
قوله: ((حدَّثنا أبو مِجْلَزِ عن أنس)) قد تقدَّم في ((باب الحمد للعاطِسِ)) (٦٢٢١) لِسليمان
التَّيْميِّ حديثٌ عن أنسٍ بلا واسطة، وقد سمعَ من أنس عدّةً أحاديث، وروى عن أصحابه عنه
عِدّة أحاديث، وفيه دلالة على أنَّه لم يُدَلِّس.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ.
قوله: «فیه» أي: في حديث أنسٍ هذا.
قوله: ((من الفِقْه أنَّه لم يَستَأذِنهم حين قامَ وخَرَجَ، وفيه أنَّه تَهِيَّأْ للقيامِ وهو يُريدُ أن يقومُوا))
ثَبَتَ هذا كلّه للمُستَمْلِي وحدَه هنا وسَقَطَ للباقينَ، وهو أولى، فإنَّه أفرَدَ لذلك ترجمةً كما
سيأتي بعد اثنَينٍ وعشرينَ باباً (٦٢٧١).
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج)).
قوله: ((أخبَرَنا يعقوب بن إبراهيم)) أي: ابن سعد الزُّهْريّ.
قوله: (عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ، وقد سمعَ إبراهیم بن سعد الکثیرَ من ابن شِهابٍ،
وربَّما أدخَلَ بينه وبينه واسطةً كَهذا.
قوله: ((كان عمر بن الخطّاب يقول لِرسولِ الله ◌َّ: احجُب نساءَك)) تقدَّم شرحه مُستَوَى
في كتاب الطَّهارة (١٤٦).
وقوله في آخره: ((قد عَرَفناكِ يا سَودةُ، حرصاً على أن يُنزَلَ الِحِجَابُ، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ

٥٠
باب ١١ / ح ٦٢٤١
فتح الباري بشرح البخاري
الِحِجَابَ))، ويُجمَع بينه وبين حديث أنسٍ في نزول الحِجاب بسببٍ قصَّة زينبَ: أنَّ عمرَ
حَرَصَ على ذلك حتَّى قال لِسودةَ ما قال، فانَّفَقَتِ القصَّة للَّذينَ قَعَدوا في البيت في زَواج
زينب فنزلتِ الآيةُ، فكان كلٍّ من الأمرَينِ سبباً لِنزولها، وقد تقدّم تقرير ذلك بزيادةٍ فيه في
تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩١).
وقد سَبَقَ إلى الجمع بذلك القُرطُبيُّ: فقال: يُحِمَل على أنَّ عمر تَكَرَّرَ مِنه هذا القولُ
٢٤/١١ قبلَ الحِجاب وبعده،/ ويحتمل أنَّ بعض الرُّواة ضَمَّ قصَّةً إلى أُخرى. قال: والأوَّل أَولى،
فإِنَّ عمر قامَت عندَه أَنَفَةٌ من أن يَطَّلِعِ أحدٌ على حُرَم النبيِّ ◌َّهِ فِسألَه أن يَحِجُبَهُنَّ، فلمَّا
نزلَ الحِجاب كان قَصدُه أن لا يَخْرُجنَ أصلاً فكان في ذلك مَشَقّةٌ، فأذِنَ لهنَّ أن يَخْرُجنَ
لِحاجتِهِنَّ التي لا بُدَّ منها.
قال عياض: خُصَّ أزواجُ النّبِّنَ بِسَتِ الوجه والكَفَّين، واختُلِفَ في نَذْبه في حَقِّ غیرهِنَّ،
قالوا: فلا يجوز لهنَّ كَشف ذلك لِشهادةٍ ولا غيرها، قال: ولا يجوز إبرازُ أشخاصِهنَّ وإن كُنَّ
مُستَتِرات إلّا فيما دَعَتِ الضَّرورة إليه من الخروج إلى البَراز، وقد كُنَّ إذا حدَّثْنَ جَلَسنَ للنّاس
من وراء حجابٍ، وإذا خرجنَ لِحاجةٍ حُجِبْنَ وسُتِرْنَ. انتهى، وفي دَعوی وُجوبٍ حَجْبٍ
أشخاصِهنَّ مُطلَقاً إلّا في حاجة البَراز نظرٌ، فقد كُنَّ يُسافِرْنَ للحَجِّ وغيره، ومن ضَرُورة ذلك
الطَّوافُ والسَّعيُّ وفيه بُروز أشخاصِهِنَّ، بل وفي حالة الرُّكوب والتُزول لا بُدَّ من ذلك، وكذا
في خُروجِهِنَّ إلى المسجد النبويّ وغيره.
تنبيه: حكى ابن الِّين عن الدَّاوُودِيِّ أنَّ قصَّة سَودةَ هذه لا تَدخُل في باب الحِجاب، وإنَّما
هي في لباس الجلابيب، وتُعقِّبَ بأنَّ إرخاء الجلابيب هو السَّتر عن نظرِ الغير إليهنَّ، وهو من
◌ُملة الحجاب.
١١ - باب الاستئذان من أَجْل البَصَر
٦٢٤١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال الزُّهْريُّ: حَفِظْتُه كما أنَّكَ هاهنا، عن
سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: اطْلَعَ رجلٌ من جُحْرٍ فِي حُجَرِ النبِّ وَِّ، ومَعَ النبيِّ ◌َِّمِدْرَى يَحٌُ به رأسَه،

٥١
باب ١١ / ح ٦٢٤٢
كتاب الاستئذان
فقال: «لو أَعلمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُ لَطَعَنْتُ به في عَينِكَ، إِنَّا جُعِلَ الاستِئْذانُ من أجْلِ البَصَرِ)).
٦٢٤٢ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن أنسٍ: أَنَّ رجلاً
الطَّلَعَ من بعضِ حُجَرِ النبيِّ وََّ، فقامَ إليه النبيُّ ◌َّهِ بِمِشْقَصٍ - أو مَشَاقِصَ - فكأنّي أَنظُرُ إليه
يَخْتِلُ الرَّجلَ لِيَطْعُنَه.
[طرفاه في: ٦٨٨٩، ٦٩٠٠]
قوله: ((باب الاستِثْذان من أجْل البَصَر)) أي: شُرِعَ من أجله، لأنَّ المستأذِن لو دَخَلَ بغير
إذنٍ لَرأى بعضَ ما يَكرَه مَن يَدخُل إليه أن يَطَّلِعَ عليه، وقد وَرَدَ التَّصريح بذلك فيما
أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرَد)» (١٠٩٣) وأبو داود (٩٠) والتِّرمِذيّ (٣٥٧) وحَسَّنَ
من حديث ثوبانَ رَفَعَه: ((لا يَحِلّ لامِرِئٍ مسلم أن يَنظُرَ إلى جَوفٍ بيتٍ حتَّى يَستأذِنَ، فإن فعلَ
فقد دَخَلَ)) أي: صارَ في حُكم الدّاخل.
ولِلأوَّلَينِ (١) من حديث أبي هريرة بسندٍ حسن رَفَعَه: ((إذا دَخَلَ البَصَرُ فلا إذنَ)).
وأخرج البخاريّ أيضاً (١٠٩٢) عن عمر من قوله: مَن مَلأ عينَه من قاع بيتٍ قبل أن يُؤذَن
له فقد فَسَقَ.
قوله: ((سُفْيان قال الزُّهْريّ)) كانت عادة سفيانَ كثيراً حَذْفَ الصِّيغة فيقول: فلانٌ عن
فلانٍ، لا يقول: حدَّثنا، ولا: أخبرنا، ولا: عن.
وقوله: ((حفظته کما أنَّك هاهُنا)» هو قول سفیان، ولیس في ذلك تصریحٌ بأنَّه سمعه من
الزّهْريّ، لكن قد أخرج مسلم (٢١٥٦/ ٤١) والتِّرمِذيّ (٢٧٠٩) الحديث المذكور من طرق
عن سفيان فقالوا: عن الزُّهْريّ.
ورواه الْحُميديُّ (٩٢٤) وابن أبي عمر في ((مُسنَدَيهما)) عن سفيان، فقالا: حدَّثنا الزُّهْرِيّ،
أخرجه أبو نُعيم من طريق الحميديّ والإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر.
(١) أي البخاري في ((الأدب المفرد)) برقم (١٠٨٢) و(١٠٨٩)، وأبي داود برقم (٥١٧٣).

٥٢
باب ١١ / ح ٦٢٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
٢٥/١١
وقوله: ((كما أنَّك هاهنا» أي: حَفِظتُهُ حِفظاً كالمحسُوسِ لا شَكَّ فیه.
قوله: ((عن سَهْل)) في رواية الحميديّ: ((سمعت سهل بن سعد، ويأتي في الدّيات (٦٩٠١)
من رواية اللَّيث عن الزُّهْريّ: أنَّ سَهلاً أخبَرَه، وقد تقدَّم بعضُ هذا في كتاب اللِّباس (٥٩٢٤)
ووعدت بشرحِه في الدّیات.
وقوله في هذه الرّواية: ((من جُحْر في حُجَرٍ)) الأوَّل: بضمِّ الجيم وسكون المهمَلة: وهو كلَّ
تَقْبٍ مُستَدير في أرض أو حائط، وأصلُها مَكامِنُ الوَحْشِ، والثّاني: بضمِّ المهمَلة وفتح الجيم،
جَمَعُ حُجْرة: وهي ناحية البيت، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ ((حُجْرةٍ» بالإفرادِ.
وقوله: ((مِذْرَى يَحُكّ به)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: بها. والِدْرَى تُذكَّر وتُؤْنَّث.
وقوله: ((لو أعْلم أنَّك تَنْتَظِرِ)) كذا للأكثرِ بوزنٍ تَفْتَعِل، وللكُشْمِيهنيّ ((تَنظُر)).
وقوله: ((من أجْل البَصَر)) وَقَعَ فيه عندَ أبي داود (٥١٧٤) سَبَبٌ آخرُ من حديث سعد، كذا
عندَه مُبهَم (١)! وهو عندَ الطبرانيِّ (٥٣٨٦ ,٥٣٩٣) عن سعد بن عبادة: جاء رجل فقام على باب
النبيِّ ◌ِلَ يَستأذِن مُستَقْبِلَ الباب، فقال له: «هكذا عنك، فإنَّا الاستئذان من أجْلِ النَّظَرَ)).
وأخرج (٢) بسندٍ قويّ (٥١٩٢) من حديث ابن عبّاس: كان الناس ليس لِبُيوتهم سُتورٌ،
فأمَرَهُمُ اللهُ بالاستئذان، ثمَّ جاء اللهُ بالخير، فلمْ أرَ أحداً يعمل بذلك. قال ابن عبد البَرِّ: أظنُّهم
اکتَفُوا بقَرْع البابِ.
وله (٥١٨٦) من حديث عبد الله بن بُسر: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أتى بابَ قومٍ لم يَستَقِبِل
البابَ من تِلْقاء وَجِهِهِ، ولكن من رُكْنه الأيمَنِ أو الأيسَرِ، وذلك أنَّ الدُّور لم يكن عليها
ستورٌ.
(١) وقد وقع في بعض النسخ كما قال العظيم آبادي في ((عون المعبود)» ١٤/ ٥٤ تقييدُه بابن أبي وقاص. قلنا:
ولعلَّ ذلك هو الذي دعا المزي لذكره في ((التحفة)) (٣٩٤٧) في مسند سعد بن أبي وقاص، وكذلك فَعَل
ابنُ كثير في ((جامع المسانيد)» (٤٠٨٩)، لكن صحَّح أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في «العلل» (٢٢١٩) أنه
سعد بن عبادة، یعنی کما وقع عند الطبراني، وكذا عند البيهقي ٣٣٩/٨.
(٢) الضمير لأبي داود، لأنَّ الطبراني ذكره الحافظ اعتراضاً.

٥٣
باب ١١ / ح ٦٢٤٢
كتاب الاستئذان
وقوله في حديث أنس: ((بمِشْقَصٍ أو مَشاقِصَ)» بشینٍ مُعجَمة وقافٍ وصادٍ مُهمَلةٍ، وهو
شَكٌّ من الراوي، هل قاله شيخه بالإفرادِ أو بالجمع، والمِشقَص بكسر أوَّله وسكون ثانيه
وفتح ثالثه: نَصْل السَّهم إذا كان طويلاً غیر عَريض.
وقوله: ((يَخْتِل)) بفتحِ أوَّله وسكون المعجَمة وكسر المثنّاة، أي: يَطعُنُه وهو غافلٌ، وسيأتي
حُكُم مَن أُصيبَت عينُهُ أو غيرها بسببٍ ذلك في كتاب الدّيات(١) وهو مخصوص بمَن تَعَمَّدَ
النَّظَرِ، وأمَّا مَن وَقَعَ ذلك مِنه عن غير قصد فلا حَرَج عليه، ففي صحيح مسلم (٢١٥٩): أنَّ
النبيَّ نَّهِ سُئِلَ عن نَظرة الفُجاءَةِ، فقال: ((اصِرِفْ بَصَرَك))، وقال لِعليٍّ: ((لا تُتْبع النَّظرةَ النَّظرةَ،
فإنَّ لك الأُولى وليست لك الثّانيةُ))(٢).
واستُدِلَّ بقولِه: ((من أجل البَصَر)) على مشروعيَّة القياس والعِلَل، فإنَّه دَلَّ على أنَّ التَّحريم
والتَّحليل يتعلَّق بأشياء متى وُچِدَت في شيء وجَبَ الحُكم علیه، فمَن أوجبَ الاستئذان بهذا
الحديث وأعرَضَ عن المعنى الذي لأجلِهِ شُرِعَ، لم يعملْ بمُقتَضَى الحديثِ.
واستُدِلَّ به على أنَّ المرء لا يحتاج في دخول منزله إلى الاستئذان، لِفَقدِ العِلّة التي شُرِعَ
لأجلِها الاستئذان. نَعَم لو احتملَ أن يَتَجَدَّد فيه ما يحتاج معه إليه شُرِعَ له. ويُؤْخَذ مِنه أنَّه
يُشرَع الاستئذان على كلّ أحدٍ حتَّى المحارِم، لئلّا تكون مُنكَشِفةَ العَورة.
وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١٠٥٨) عن نافع: كان ابن عمرَ إذا بَلَغَ بعضُ
وَلِدِه الْحُلُمَ لم يَدخُل عليه إلّا بإذنٍ.
ومن طريق عَلْقمة (١٠٥٩): جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: أَستأذِنُ على أُمّي؟ فقال:
ما علی کلّ أحیانها تريد أن تراها.
ومن طريق مسلم بن نُذَير، بالنّونِ مُصغَّر (١٠٦٠): سألَ رجلٌ حُذَيفةَ: أَستأذِنُ على
أُمّي؟ قال: إن لم تَستأذِن عليها رأيت ما تَكرَه.
(١) الأحاديث (٦٩٠٠-٦٩٠٢).
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» برقم (١٣٦٩)، وابن حبان برقم (٥٥٧٠)، وهو عند أبي داود برقم (٢١٤٩)،
والترمذي برقم (٢٧٧٧) من حديث بريدة الأسلميّ أنَّ رسول الله وَّه قال لعليّ، فذكراه. وإسناده حسن.

٥٤
باب ١٢ / ح ٦٢٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
ومن طريق موسى بن طلحة (١٠٦١): دَخَلتُ مع أبي على أُمّي، فدَخَلَ واتَّبَعتُه، فدَفَعَ
في صدري، وقال: تَدخُل بغير إذنٍ!
ومن طريق عطاء (١٠٦٣): سألت ابنَ عبَّاس: أَستأذِن على أُختي؟ قال: نعم. قلت: إنَّها في
حِجري، قال: أَتُحِبُّ أن تَراها عُريانةً؟ وأسانيد هذه الآثارِ كلُّها صحيحة.
وذكر الأُصوليُّونَ هذا الحديث مِثالاً للتَّصيصِ على العِلّة التي هي أحد أركان القياس.
٢٦/١١
١٢ - باب زِنى الجَوارِحِ دُون الفَرْج
٦٢٤٣- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما: لم أرَ شيئاً أَشبَهَ باللَّمَمِ من قولِ أبي هريرةَ.
وحدَّثني محمودٌ، حدّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنٍ
عبَّاسٍ، قال: ما رأيتُ شيئاً أَشْبَةَ باللَّمَمِ مَّ قال أبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ: ((إنَّ الله كَتَبَ على
ابنِ آدمَ حَظَّ منَ الزّنى أدْرَكَ ذلك لا تَحالةَ، فزِنى العَيْنَيَنِ النَّظَرُّ، وزِنِى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ
تَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك كلَّه ويُكذِّبُه)).
[طرفه في: ٦٦١٢]
قوله: ((باب زِنى الجَوارِحِ دونَ الفَرْجِ)) أي: أنَّ الزِّنى لا يَخْتَصّ إطلاقُه بالفَرْج، بل يُطلَق على
ما دونَ الفَرْجِ من نَظَرِ وغيرِهِ. وفيه إشارة إلى حِكمة النَّهي عن رؤية ما في البيت بغير استئذانٍ،
لِتظهرَ مُناسَبته للَّذي قبله.
قوله: ((عن ابن طاووسٍ)) هو عبد الله، وفي ((مُسنَد الحميديّ))(١) عن سفيان: حدَّثنا
عبد الله بن طاووسٍ، وأخرجه أبو نُعَيم من طريقه.
قوله: ((لم أرَ شيئاً أشبه باللَّمَمِ من قول أبي هريرة)) هكذا اقتَصَرَ البخاريّ على هذا القَدْر
(١) لم نقف عليه في مطبوع ((مسند الحميدي))، مع أنَّ بشر بن موسى الأسدي راوي ((المسند)) عن الحميدي قد
رواه عنه في إسناد أبي نعيم الذي سيشير إليه الحافظ قريباً، فلعله سقط من النسخة المعتمدة في إخراج المطبوع
الحاضر، أو أنه مما رواه عنه بشر خارج ((المسند)) وظنه الحافظُ فيه، والله أعلم.

٥٥
باب ١٣ / ح ٦٢٤٤
كتاب الاستئذان
من طريق سفيان، ثمَّ عَطَفَ عليه رواية مَعمَر عن ابن طاووسٍ، فساقَه مرفوعاً بتمامه،
وكذا صَنَعَ الإسماعيليّ فأخرجه من طريق ابن أبي عُمر عن سفيان، ثمَّ عَطَفَ عليه رواية
مَعمَر، وهذا يُوهِم أنَّ سياقَهما سواءٌ، وليس كذلك فقد أخرجه أبو نُعَيم من رواية بِشْر بن
موسى عن الحميديّ، ولفظه: سُئلَ ابنُ عبَّاس عن اللَّمَم فقال: لم أرَ شيئاً أشبه به من قول
أبي هريرة: ((كُتِبَ على ابن آدم حَظَّه من الزِّنى)) وساقَ الحديث موقوفاً، فعُرِفَ من هذا أنَّ
رواية سفيان موقوفةٌ، ورواية مَعمَر مرفوعةٌ.
ومحمود شيخُه فيه: هو ابن غَيْلان، وقد أفرَدَه عنه في كتاب القَدَر (٦٦١٢) وعَلَّقَه فيه
لِوَرقاء عن ابن طاووسٍ، فلم يَذكُر فيه ابنَ عبَّاس بين طاووسٍ وأبي هريرة (١)، فكأنَّ طاووساً
سمعَه من أبي هريرة بعد ذِكْر ابن عبّاس له ذلك، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب القَدَر
(٦٦١٢) إن شاء الله تعالى.
قال ابن بَطّال: سُمّيَ النَّظَرُ والنُّطْق زِنَّى، لأنَّه يَدعُو إلى الزِّنى الحقيقيّ، ولذلك قال:
((والفَرْج يُصدِّق ذلك ويُكذِّبه)).
قال ابن بَطّال: اسْتَدَلَّ أشهَب بقولِه: ((والفَرج يُصدِّق ذلك ويُكذِّبه)) على أنَّ القاذِف إذا
قال: زَنَت يَدُكُ لا يُحَدّ، وخالَفَه ابن القاسم فقال: يُحَدُّ، وهو قولٌ للشّافعيِّ وخالَفَه بعض
أصحابه، واحتُجَّ للشّافعيِّ فيما ذكر الخطَّبيُّ بأنَّ الأفعال تُضاف للأيدي لقولِه تعالى: ﴿فَِمَا
كَبَتْ أَيْدِيَكُمْ ﴾ [الشورى: ٣٠] وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وليس المراد في الآيتينِ
جِنايةَ الأيدي فقط بل جميع الجنايات اتِّفاقاً، فكأنَّه إذا قال: زَنَت يَدُك وَصَفَ ذاتَه بالزِّنى، لأنَّ
الزِّنى لا يَتَبَعَّض. انتهى، وفي التَّعليل الأخير نَظَرٌّ، والمشهور عند الشافعيَّة أنَّه ليس صريحاً.
١٣ - باب التَّسليم والاستئذان ثلاثاً
٦٢٤٤ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا عبدُ الله بنُ المثنَّى، حدَّثنا ثُمَامةُ بنُ عبدِ الله،
عن أنسٍ ◌َُ: أنَّ رسولَ الله وَِّ كان إذا سَلَّمَ سَلَّمَ ثلاثاً، وإذا تَكلَّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثاً.
(١) أخرجه من طريقه البيهقي في ((القضاء والقدر)) (٢١٦) من طريق العباس بن محمد الدُّوْريّ عن شبابة.

٥٦
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦٢٤٥ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يزيدُ بنُ خُصَيفةَ، عن بُشْرِ بنِ
سعيدٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ، قال: كنتُ في تَجْلِسٍ من تَجالسِ الأنصار إذ جاء أبو موسى
كأنَّه مَذْعُورٌ، فقال: استأذَنْتُ على عمرَ ثلاثاً، فلم يُؤْذَن لي فَرَجَعْتُ، فقال: ما مَنَعَكَ؟ قلتُ:
استأذَنْتُ ثلاثاً فلم يُؤْذَن لِي فَرَجَعْتُ، وقال رسولُ الله وَّةِ: ((إذا استَأْذَنَ أحدُكم ثلاثاً، فلمْ
يُؤْذَنْ له فلْيَرجِعْ)) فقال: واللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عليه بَيِّنَةً، أَمِنْكم أحدٌ سمعَه منَ النبيِّ ◌ََّ؟ فقال أُبيّ:
والله لا يقومُ مَعَكَ إلّا أصغَرُ القومِ، وكُنْتُ أَصغَرَ القوم، فقُمْتُ معه، فأخبَرْتُ عمرَ أنَّ النبيَّ ◌َه
قال ذلك.
وقال ابنُ المبارَكِ: أخبرني ابنُ عُيَينةً، حدَّثني يزيدُ بن خُصَيفة، عن بُشْرِ بن سعيدٍ، سمعتُ
أبا سعیدٍ، بهذا.
٢٧/١١
قوله: ((باب التَّسْليم والاستِئْذان ثلاثاً) أي: سواءٌ اجتَمَعا أو انفَرَدا، وحديثُ أنسٍ شاهدٌ
للأوَّل، وحديث أبي موسى شاهدٌ للثّاني، وقد وَرَدَ في بعض طرقه الجمعُ بينهما، واختُلِفَ هل
السَّلام شرطٌ في الاستئذان أو لا؟
فقال المازَرِيّ: صيغة الاستئذان أن يقول: السَّلام عليكم، أَأَدخُل؟ ثمَّ هو بالخِيارِ بَين
أن يُسَمّيَ نفسَه أو يَقتَصِر على التَّسليم، كذا قال، وسيأتي ما يُعكِّر عليه في ((باب إذا قال: مَن
ذا؟ فقال: أنا)) (٦٢٥٠).
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصور، وعبد الصَّمَد: هو ابن عبد الوارث، وعبد الله ابن
المثنَّى، أي: ابن عبد الله بن أنس، تقدَّم القول فيه في ((باب مَن أعاد الحديث ثلاثاً) في كتاب
العلم (٩٥)، وقَدَّمَ هنا السَّلام على الكلام وهُناكَ بالعكس، وتقدَّم شرحه.
وقول الإسماعيليّ: إنَّ السَّلام إنَّما يُشرَع تَكراره إذا اقتَرَنَ بالاستئذان، والتَّعَقُّب عليه،
وأنَّ السَّلام وحدَه قد يُشرَع تكراره إذا كان الجمعُ كثيراً ولم يُسمِع بعضَهم، وقَصَدَ الاستيعابَ،
وبهذا جَزَمَ النَّوويُّ في معنى حديث أنس، وكذا لو سَلَّمَ وظنَّ أَنَّه لم يُسمَع فتُسَنّ الإعادةُ، فيُعيد
مرَّةً ثانيةً وثالثةً ولا يزيد على الثّالثة.

٥٧
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
كتاب الاستئذان
وقال ابن بَطّال: هذه الصِّيغة تقتضى العُمومَ، ولكنَّ المراد الخُصوصُ، وهو غالبُ أحوالِهِ.
كذا قال، وقد تقدَّم من كلام الكِرْمانيّ مِثْلُه، وفيه نظرٌّ، و((كان)) بمُجرَّدِها لا تقتضي مُداومةً ولا
تكثيراً، لكن ذِكْر الفِعل المضارع بعدها يُشعِر بالشَّكرار (١).
واختُلِفَ فيمَن سَلَّمَ ثلاثاً فظنَّ أنَّه لم يُسمِع، فعن مالك: له أن يزيد حتَّى يَتَحقَّق، وذهب
الجمهور وبعض المالكيَّة إلى أنَّه لا يزيد اتِّباعاً لِظاهرِ الخبر.
وقال المازَرِيّ: اختَلَفوا فيما إذا ظنَّ أنَّه لم يُسمِع، هل يزيد على الثلاث؟ فقيلَ: لا،
وقيل: نعم. وقيل: إذا كان الاستئذان بلفظ السَّلام لم يَزِد، وإن كان بغير لفظ السَّلام
زادَ.
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا يزيد بن خُصَيفة)) بِخاءٍ مُعجَمة وصادٍ مُهمَلة وفاءٍ مُصغَّرٌ، ووَقَعَ لمسلمٍ
(٢١٥٣) عن عَمْرو الناقد: حدَّثنا سفيان، حدَّثني - والله - يزيدُ بن خُصَيفة. وشيخُهُ بُسْر بضمِّ
الموحّدة وسكون المهمَلة، وقد صَرَّحَ بسماعِه من أبي سعيد في الرّواية الثّانية المعلّقة.
قوله: ((كنت في تَجْلِس من مجالس الأنصار)) في رواية مسلم عن عَمْرِو الناقد، عن سفيانَ
بسندِه هذا إلى أبي سعيد، قال: كنت جالساً بالمدينة، وفي رواية الحميديّ عن سُفيانَ (٧٥١): إنّ
لَفي حلقة فیھا أُبُّ بن كعب، أخرجه الإسماعيليّ.
قوله: ((إذ جاء أبو موسى كأنَّه مَذْهُور)) في رواية عَمْرٍو الناقد: فأتانا أبو موسى فَزِعاً أو
مَذْعُوراً، وزاد: قلنا: ما شأنُك؟ فقال: إنَّ عمر أرسَلَ إليَّ أن آتيَه فأتيتُ بابَه.
قوله: ((فقال: استأذَنْت على عمر ثلاثاً فلم يُؤْذَن لي فَرَجَعْتُ)) في رواية مسلم: فسَلَّمتُ
على بابِهِ ثلاثاً، فلم يَرُدُّوا عليَّ فرجعت، وتقدَّم في البيوع (٢٠٦٢) من طريق عُبيد بن
عُمَير: أنَّ أبا موسى الأشعريّ استأذَنَ على عمر بن الخطّاب فلم يُؤذَن/ له، وكأنَّه كان ٢٨/١١
(١) ولكنه هنا جاء بعده الفعلُ ماضياً في التسليم والكلام، ولو كان مضارعاً لأفاد المداومة والتكثير، هذا ما:
أراد الحافظ قوله، والله أعلم.

٥٨
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
مشغولاً، فَرَجَعَ أبو موسى، ففَزِعَ عمرُ، فقال: أَلَمْ أسمَع صوتَ عبدِ الله بن قَيْسٍ؟ ائذَنوا
له، قيل : إنَّه رَجَعَ.
وفي رواية بُكَير بن الأشَجّ عن بُسْر عند مسلم (٢١٥٣/ ٣٤): استأذَنت على عُمَر أمسٍ
ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمْ يُؤْذَن لي فرجعتُ، ثمَّ جِئتُ اليومَ فدَخَلتُ عليه، فأخبَرَتُه أنّ جِئت
أمسٍ فسَلَّمتُ ثلاثاً ثمَّ انصَرَفتُ، قال: قد سمعناك ونحنُ حينئذٍ على شُغْلِ، فَلَوْما
استأذَنت حتَّى يُؤذَنَ لك؟ قال: استأذَنتُ كما سمعتُ.
وله (٢١٥٣/ ٣٥) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد: أنَّ أبا موسى أتى بابَ عمرَ فاستأذَنَ،
فقال عمر: واحدةٌ، ثمَّ استأذَنَ فقال عمرُ: ثِنتان، ثمَّ استأذَنَ فقال عمرُ: ثلاث، ثمَّ انصَرَفَ
فَأَتْبَعَه فَرَدَّه.
وله (٣٧/٢١٥٤) من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدة: جاء أبو موسى إلى عمر فقال:
السَّلام عليكم، هذا عبدُ الله بن قيس، فلمْ يأذن له، فقال: السَّلام عليكم، هذا أبو موسى،
السَّلام عليكم، هذا الأشعَريّ، ثمَّ انصَرَفَ، فقال: رُدُّوه عليَّ. وظاهر هذَينِ السّياقَينِ التَّغايُرُ،
فإنَّ الأوَّل يقتضى أنَّه لم يَرجِع إلى عمر إلّا في اليوم الثّاني، وفي الثّاني أنَّه أرسَلَ إليه في الحال. وقد
وَقَعَ في روايةٍ لمالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٦٤): فأرسَلَ في أثَره.
ويُجمَع بينهما بأنَّ عمر لمَّا فَرَغَ من الشُّغْلِ الذي كان فيه تَذَكَّرَه، فسألَ عنه فأُخبِرَ برُجوعِه،
فأرسَلَ إليه فلمْ تَجِدْهُ الرَّسولُ في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم الثّاني.
قوله: ((فقال: ما مَنَعَك؟ قلت: استأذَنْتُ ثلاثاً فلم يُؤْذَن لي)) في رواية عُبيد بن حُنَينٍ(١)
عن أبي موسى عند البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١٠٧٣): فقال: يا عبدَ الله، اشتَدَّ عليك
أن تُحْتَبَسَ على بابي؟ اعلم أنَّ الناس كذلك يَشتَدّ عليهم أن يُحتَبَسوا على بابك، فقلت: بل
استأذَنت، إلى آخره. وفي هذه الزّيادة دلالة على أنَّ عمر أراد تأديبَه لمَّا بَلَغَه أنَّه قد يَحَتَبِس
(١) تحرَّف في المطبوع من ((الأدب المفرد)) إلى: عبيد بن عمير، وإنما هو هنا عبيد بن حُنين، وإن كان عبيد بن عمير قد
روى هذا الحديث عن أبي موسى أيضاً كما تقدم برقم (٢٠٦٢)، وهو عند مسلم كذلك (٢١٥٣) لكن لفظه
مغایر للفظ عبيد بن حنین.

٥٩
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
كتاب الاستئذان
على الناس في حال إمرَتِهِ، وقد كان عمرُ استَخلَفَه على الكوفة، مع ما كان عمر فيه من
ءُ
الشُّغل.
قوله: ((إذا استأذَنَ أحدُكم ثلاثاً فلم يُؤْذَن له فلْيَرجِع)) وَقَعَ في رواية عُبيد بن عُمَير
(٢٠٦٢): كنَّا نُؤمَر بذلك، وفي رواية عُبيد بن حُنَينٍ عن أبي موسى: فقال عمر: مَمَّن
سَمعتَ هذا؟ قلت: سمعتُه من رسول الله وَلّه، وفي رواية أبي نَضْرة: إنَّ هذا شيء حَفِظته
من رسول الله وَ ل﴾(١).
قوله: ((فقال: والله لَتُقيمنَّ عليه بيِّنَةً)) زاد مسلم (٣٣/٢١٥٣): وإلّا أو جَعتُك، وفي
رواية بُكَير بن الأشَجّ (٢١٥٣/ ٥٤): فوالله لَأُوجِعَنَّ ظهرَك وبَطْنَك، أو لَتأتيَنِّي بمَن يَشهَد
لك على هذا، وفي رواية عُبيد بن عُمَير: لَتأتيَنّ على ذلك بالبيِّنة، وفي رواية أبي نَضْرة: وإلّا
جَعَلتُك عِظةً.
قوله: ((أَمِنْكُم أحدٌ سمعَه من النبيِّ وَّ) في رواية عُبيد بن عُمَير: فانطَلَقَ إلى مجلِس
الأنصار فسألهم، وفي رواية أبي نَضْرة: فقال: ألم تَعلَموا أنَّ رسول الله وَلّه قال: ((الاستئذان
ثلاث؟)) قال: فجَعَلوا يَضحَكونَ، فقلت: أتاكم أخوكم وقد أُفِعَ فَتَضحَكونَ!
قوله: «فقال أُيِّ» هو ابن کعب، وهو في رواية مسلم كذلك.
قوله: ((لا يقوم مَعك إلّا أصغَر القوم)) في رواية بُكَير بن الأشَجّ: فوَالله لا يقوم مَعَك إلّا
أحدثُنا سِنّاً، قُم يا أبا سعيد.
قوله: ((فأخبَرْت عمرَ أنَّ النبيَّ وَِّ قال ذلك)) في رواية مسلم: فقُمتُ معه، فذهبتُ إلى
عمر فشَهِدتُ، وفي رواية أبي نَضْرة: فقال أبو سعيد: انطَلِقٍ وأنا شَرِيكك في هذه العُقوبة،
وفي رواية بُكَير بن الأشَجّ: فقُمتُ حتَّى أتيتُ عمرَ فقلتُ: قد سمعتُ رسول الله وَ لفهو يقول
هذا.
واتَّفَقَ الرُّواة على أنَّ الذي شَهِدَ لأبي موسى عند عمر أبو سعيد، إلّا ما عند البخاريِّ
(١) رواية أبي نَضْرة عند مسلم برقم (٢١٥٣) (٣٥) بلفظ: إن كان هذا شيئاً حفظتَه من رسول الله وَله.

٦٠
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
في «الأدب المفرَد)» (١٠٧٣) من طريق عُبيد بن حُنَينٍ، فإنَّ فيه: فقامَ معي أبو سعيد
الخُذْريُّ - أو أبو مسعود - إلى عمر، هكذا بالشكّ، وفي رواية لمسلم (٢١٥٤) من طريق
طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدة في هذه القصّة: فقال عمر: إن وجَدَ بيَِّةً تَجِدوه عند المِنْبَرَ
عَشِيَّةً، وإن لم يَجِد بيِّنَةً فلن تَجِدوه، فلمَّا أن جاء بالعَشِّ وَجَدَه، قال: يا أبا موسى ما تقولُ،
أَقَدْ وَجَدتَ؟ قال: نَعَم، أُبيَّ بن كعب، قال: عَدْلٌ. قال: يا أبا الطُّفَيل - وفي لفظٍ له: يا أبا
٢٩/١١ المنذر - ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول ذلك يا / ابنَ الخطّاب، فلا تكونَنَّ
عذاباً على أصحاب رسول الله وَ ل﴿، قال: سبحانَ الله، إنما سمعتُ شيئاً فأحببت أن أَتْشَبَّتَ!
هكذا وَقَعَ في هذه الطَّريق، وطلحةُ بن يحيى فيه ضعفٌ، ورواية الأكثر أَولى أن تكون محفوظةً،
ويُمكِن الجمع بأنَّ أُبيّ بن كعب جاء بعد أن شَهِدَ أبو سعيد.
وفي رواية عُبيد بن حُنَينِ التي أشرتُ إليها في ((الأدب المفرَد)) (١٠٧٣) زيادةٌ مُفيدةٌ:
وهي أنَّ أبا سعيد أو أبا مسعود قال لِعمر: خرجنا مع النبيِّ وَّ يوماً وهو يريد سعد بن
عُبادة حتَّى أتاه فسَلَّمَ فلمْ يُؤْذَن له، ثمَّ سَلَّمَ الثّانية فلم يُؤْذَن له، ثمَّ سَلَّمَ الثّالثة فلم يُؤذَن
له، فقال: قَضَينا ما علينا ثمَّ رَجَعَ، فأذِنَ له سعدٌ، الحديثَ، فَثَبَتَ ذلك من قوله ◌َّ, ومن
فِعْله.
وقصَّة سعد بن عبادة هذه أخرجها أبو داود (٥١٨٥) من حدیث قیس بن سعد بن
عُبادة مُطوَّلةً بمعناه، وأحمد (١٢٤٠٦) من طريق ثابت عن أنس أو غيره كذا فيه، وأخرجه
البزَّار (٦٨٧٢) عن أنس بغير تَرَدُّد، وأخرجه الطبرانيُّ (٣٤٨/٢٥ و٣٥٠) من حديث أمّ
طارق مولاة سعد.
واتَّفَقَ الرُّواة على أنَّ أبا سعيد حدَّث بهذا الحديث عن النبيِّ نَّه، وحكى قصَّة أبي موسى
عنه، إلّا ما أخرجه مالك في «الموطَّأ)) (٩٦٣/٢) عن الثِّقة عن بُكَير بن الأشَجّ، عن بُشْرٍ، عن
أبي سعيد، عن أبي موسى بالحديث مختصراً دونَ القصّة، وقد أخرجه مسلم (٣٤/٢١٥٣) من
طريق عَمْرو بن الحارث عن بُكَير بطُولِه وصَرَّحَ في روايته بسماع أبي سعيد له من النبيِّ ◌َِّ،