Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
باب ٤٥ / ح ١٩٦ - ١٩٨
كتاب الوضوء
١٩٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرِيدٍ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي
موسى: أنَّ النبيَّ ◌َِّدَعا بقَلَحِ فيه ماءٌ فَغَسَلَ یدیهِ وَجْهَه فيه ومَجَّ فيه.
قوله: ((عن بُرَيد)» بالموخَّدة والراء مُصغَّراً: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة، والقَدْر المذكور
من المتن تقدَّم بعضه مُعلَّقاً في ((باب استعمال فضل وضوء الناس)) (١٨٨)، وسيأتي مُطوَّلاً في
المغازي (٤٣٢٨) إن شاء الله تعالى. والغرض منه ذِكْر القَدَح، وقد ذكرنا ما فيه.
١٩٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: حدَّثْنَا عَمرُو بنُ
يحيى، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ، قال: أتى رسولُ الله ◌َّةِ، فأخرَجْنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفْرٍ،
فتوضَّأ فغَسَلَ وجهَه ثلاثاً ويديهِ مرَّتين مرَّتين، ومَسَحَ بَأْسِه فأقبَلَ به وأدبَرَ، وغَسَلَ رِجْلیه.
قوله: ((أحمد بن يونس)) هو ابن عبد الله بن يونس نُسِبَ إلى جَدّه، وعبد العزيز شيخه: هو
ابن عبد الله بن أبي سَلَمَةَ نُسِبَ إلى جَدّه أيضاً، فانَّفقا في أنَّ كُلَّ منهما يُنسَب إلى جَدّه، وفي أنَّ
كُلَّا منهما اسم أبيه عبد الله، وأنَّ كُلَّ منهما يُكنَّى أبا عبد الله، وأنَّ كُلَّا منهما ثقة حافظ فقيه.
قوله: ((أتى رسول الله ◌َال﴾)، وللگُشْمِیھنيِّ وأبي الوَقْت: أتانا.
قوله: ((فغَسَلَ وجهه)) تفسير لقوله: ((فتوضَّأ))، وفيه حذف تقديره: فمضمض
واستنْشَقَ كما دلَّتْ عليه باقي الرِّوايات، والمخرَج مُتَّحِد، وقد تقدَّمتْ مباحثه (١٨٥)، وأنَّ
عبد العزيز هذا زاد في روايته: أنَّ التَّور كان من صُفْر، أي: نُحاس جيّد.
١٩٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ
عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ عائشةَ قالت: لمَّا تَقُلَ النبيُّ ◌َّهِ واشتَّ به وَجَعُه، اسْتَأْذَنَ أزواجَه في أنْ
يُمرَّضَ في بَيْتِي، فَأَذِنَّ له، فخَرَجَ النبيُّ ◌َ بِينَ رجلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاه في الأرضِ، بينَ عبَّاس
ورجلٍ آخرَ. قال عُبيدُ الله: فأخبرتُ عبد الله بنَ عبَّاس، فقال: أتدري مَنِ الرجلُ الآخرُ؟
قلتُ: لا، قال: هو عليٌّ.
وكانت عائشةُ رضي الله عنها تُحدِّثُ: أنَّ النبيَّ نَّهِ قال بعدَما دَخَلَ بِيتَه واشتَدَّ وَجَعُه:
(هَرِيقُوا عليَّ من سبع قِرَبٍ لم تُحلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلّي أعهَدُ إلى الناسِ)) وأُجلِسَ في مِخْضَبٍ

٦٢٢
باب ٤٥ / ح ١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
لحَفْصةَ زَوْجِ النبيِّ وَّةِ، ثمَّ طَفِقْنا نَصُبُّ عليه من تلكَ، حتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إلَيْنا: أنْ قد فَعَلْتُنَّ،
ثمَّ خَرَجَ إلى الناسِ.
[أطرافه في: ٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢،
٥٧١٤،٤٤٤٥، ٧٣٠٣]
قوله: ((لمَّا تَقُلَ)) أي: في المرض، وهو بضمِّ القاف بوَزْنِ صَغُرَ، قاله في ((الصِّحاح))،
وفي ((القاموس)) لشيخنا: ثَقِلَ كفَرِحَ فهو ثاقِل وثَقِيل: اشتَدَّ مرضه، فلعلَّ في النُّسْخة
سَقْطاً، والله أعلم.
٣٠٣/١
قوله: ((في أنْ يُمرَّض)) بفتح الراء الثَّقيلة، أي: يخدم في مرضه.
قوله: ((فأذِنَّ)) بكسر المعجَمة وتشديد النّون المفتوحة، أي: الأزواج، واستُدلَّ به على أنَّ
القَسْم كان واجباً عليه، ويحتمل أنْ يكون فعل ذلك تطبيباً لهنَّ.
قوله: ((قال عُبيد الله)) هو الراوي له عن عائشة، وهو بالإسناد المذكور بغير أداة عَطْف.
قوله: ((وكانت)) هو معطوف أيضاً بالإسناد المذكور.
قوله: ((هَرِيقُوا)) كذا للأكثر، وللأَصِيلِيِّ: ((أهْريقوا)) بزيادة الهمزة، قال ابن التِّين: هو
بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنَّه قال: أهْراقَ يُهْريق إهرياقاً، مثل: أسْطاع يُسْطيع
اسطياعاً، بقَطْعِ الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطاع يُطيع،
فجُعِلَت السّين والهاء عِوَضاً من ذهاب حركة عين الفعل، ورُوِيَ بفتح الهاء واستشكله،
ويُوَجَّه بأنَّ الهاء مُبدَلة من الهمزة، لأنَّ أصل هَراقَ: أراقَ، ثمَّ اجْتُلِبَت الهمزة، فتحريك
الهاء على إبقاء البدل والمبدَل منه وله نظائر، وذكر له الجَوْهري توجيهاً آخر وأنَّ أصله:
أَأْريقوا، فأُبدِلَت الهمزة الثانية هاء للخِفّة، وجزم تَعْلَب في ((الفصيح)) بأنَّ أهَرِيقَه بفتح
الهاء، والله أعلم.
قوله: ((من سبع قِرَب)) قال الخطّابيُّ: يُشْبه أنْ يكون خَصَّ السبع تَبُّكاً بهذا العَدَد؛ لأنَّ
له دخولاً في كثير من أُمور الشَّريعة وأصل الخِلقة. وفي رواية للطبراني في هذا الحديث: ((من

٦٢٣
باب ٤٦ / ح ١٩٩
كتاب الوضوء
آبار شَتَّى))(١)، والظاهر أنَّ ذلك للتَّداوي لقوله في رواية أُخرى في «الصحيح)) (٤٤٤٢).
(لَعَلِّي أَسْتَريح فأعهَد))(٢)، أي: أُوصي.
قوله: ((وأُجلِسَ في مِخْضَب لحفصة)) زاد ابن خُزيمة (٢٥٨) من طريق عُرْوة عن
عائشة: أنَّه كان من نُحاس، وفيه إشارة إلى الرَّد على مَن كَرِه الاغتسال فيه كما ثبت ذلك
عن ابن عمر، وقال عطاء: إنَّما كُرِهَ من النُّحاس ريحه.
قوله: ((نصبُّ عليه من تلك)) أي: القِرب السبع.
قوله: ((حتَّى طَفِقَ)) يقال: طَفِقَ يفعل كذا: إذا شَرَعَ في فعل واستمرَّ فيه.
قوله: (ثُمَّ خَرَجَ إلى الناس)) زاد المصنِّف (٤٤٤٢) من طريق عُقيل عن الزُّهْري: ((فصَلَّى
بهم وخَطَبَهم ثمَّ خرج))، وهو في ((باب الوفاة)) في آخر كتاب المغازي، وسيأتي الكلام على
بقيَّة مباحثه هناك، وعلى ما فيه من أحكام الإمامة في ((باب حَدِّ المريض أنْ يَشْهَد الجماعة»
(٦٦٤) إن شاء الله تعالى.
٤٦ - باب الوضوء من التَّوْر
١٩٩- حدَّثنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثني عمرُو بنُ يحيى، عن أبيه
قال: كان عَمّي يُكثِرُ مِن الوُضُوء، قال لعبد الله بنِ زيدٍ: أخِرْني كيفَ رأيتَ النبيَّ ◌ِيه
يتوضَّأُ؟ فَدَعَا بتَوْرٍ من ماءٍ فَكَفَأ على يديه فغَسَلَهُما ثلاثَ مِرارٍ، ثمَّ أدخلَ يدَه في النَّوْرِ
فَمَضْمَضَ واستَثَرَ ثلاث مَرّاتٍ من غَرْفٍ واحدةٍ، ثمَّ أدخلَ يدَه فاغتَرَفَ بها فغَسَلَ وجهَه
ثلاث مَرّاتٍ، ثمَّ غَسَلَ يديهِ إلى المِفقَينِ مرَّتين مرَّتين، ثمَّ أخذ بيدِه ماءً فمَسَحَ رَأْسَه فأدبَرَ به
وأقبَلَ، ثمَّ غَسَلَ رِجْليه، فقال: هكذا رأيتُ النبيَّ وَّ يتوضَّأُ.
قوله: ((باب الوُضُوء من التَّوْر)) تقدَّمت مباحث حديث الباب قريباً (١٩٧)، وأنَّ الثَّور
بفتح المثنَّاة: شِبْه الطَّسْت، وقيل: هو الطَّسْت، ووَقَعَ في حديث شَرِيك عن أنس (٧٥١٧)
(١) ((المعجم الأوسط)) للطبراني (٥٥٢٨).
(٢) في رواية ((الصحيح)): ((لعلِّي أعهد))، واللفظ المذكور عند أحمد (٢٥١٧٩)، وابن خزيمة (٢٥٨).

٦٢٤
باب ٤٦ / ح ٢٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
في المِعْراج: ((فأُتيَ بطَسْتٍ من ذَهَب فيه تَوْر من ذَهَب)) وظاهره المغايرة بينهما، ويحتمل
الترادُف، وكأنَّ الطَّسْت أكبر من الثَّور.
قوله: ((حدّثنا سلیمان)) هو ابن بلال، والإسناد/ كلُّه مدنُّون.
٣٠٤/١
قوله: ((كان عَمّي)) هو عَمْرو بن أبي حسن كما تقدَّم، وهو عمّه على الحقيقة.
قوله: ((ثمَّ أدخلَ بده في الثَّوْر فمَضْمَضَ)) فيه حذف تقديره: ثمَّ أخرجها فمضمض.
وقد صَرَّحَ به مسلم (٢٣٥).
قوله: ((من غَرْفة واحدة)) يتعلَّق بقوله: ((فمضمض واستَنثرَ)) والمعنى: أنَّه جمع بینھما ثلاث
مرات كل مَرّة من غَرْفة، ويحتمل أنْ يتعلَّق بقوله: ((ثلاث مرات)) والمعنى: أنَّه جمع بينهما
ثلاث مرات من غَرْفة واحدة، والأوَّل موافق لباقي الرِّوايات فهو أولى.
قوله: ((فقال)) أي: عبد الله بن زيد ((هكذا)) هذه الزّيادة صريحة في رفع الحديث وإنْ كان
أوَّل سياق الحديث يدل عليه.
٢٠٠ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ وَّهِدَعَا بإناءٍ من
ماءٍ فأُتيَ بِقَدَحِ رَخْراحٍ فيه شيءٌ من ماءٍ فَوَضَعَ أصابعَه فيه، قال أنسٌ: فجعلتُ أَنظُرُ إلى الماءِ
يَنْبُعُ من بينِ أصابعِهِ، قال أنسٌ: فحَزَرْتُ مَن توضَّأ ما بينَ السبعينَ إلى الثَّانِينَ.
قوله: ((حدَّثنا حمّاد)) هو ابن زيد، ولم يسمع مُسدّد من حمّاد بن سَلَمة.
قوله: (رَحْراح)» بمُهمَلاتِ الأولى مفتوحة بعدها سكون، أي: مُتَِّعِ الفَم، وقال الخطَّبيُّ:
الرَّحْراح: الإناء الواسع الصَّحْن القريب القَعْر، ومثله لا يَسَع الماء الكثير، فهو أدل على عِظَم
المعجزة.
قلت: وهذه الصِّفة شبيهة بالطَّسْت، وبهذا يظهر مُناسَبة هذا الحديث للترجمة.
وروی ابن خُزيمة (١٢٤) هذا الحدیث عن أحمد بن عبدة، عن حمّاد بن زید فقال بدل
(رَحْراح)): ((زُجاج)) بزاي مضمومة وجيمَين، وبَوَّبَ عليه: ((الوضوء من آنية الزُّجاج)) ضد
قول مَن زَعَمَ من المتصوِّفة أنَّ ذلك إسراف لإسراع الكسر إليه.

٦٢٥
باب ٤٧ / ح ٢٠١
كتاب الوضوء
قلت: وهذه اللفظة تفرَّد بها أحمد بن عبدة، وخالفه أصحاب حمَّد بن زيد فقالوا:
رَحْراح، وقال بعضهم: ((واسع الفَم)) وهي رواية الإسماعيلي عن عبد الله بن ناجية، عن
محمد بن موسى وإسحاق بن أبي إسرائيل وأحمد بن عبدة، كلّهم عن حَمَّد، وكأنَّه ساقه على
لفظ محمد بن موسى، وصَرَّحَ جمع من الحُذّاق بأنَّ أحمد بن عبدة صَحَّفَها، ويُقوِّي ذلك أنَّه
أتى في روايته بقوله: ((أحسَبه)) فدلَّ على أنَّه لم يُتْقِنه، فإنْ كان ضَبَطَه فلا مُنافاة بین روايته
ورواية الجماعة، لاحتمال أنْ يكونوا وَصَفوا هيئَتَه وذكر هو جنسه. وفي ((مسند أحمد)) عن ابن
عبَّاس: أنَّ المُقَوْقِس أهدَى للنبيِّ يٍَّ قَدَحاً من زُجاج، لكن في إسناده مقال(١).
قوله: ((فحَزَرْت)) بتقديم الزَّاي، أي: قَدَّرْت، وتقدَّم من رواية حُميدٍ (١٩٥): أنَّهم كانوا
ثمانين وزيادة، وهنا قال: ما بين السبعين إلى الثَّانِينَ.
والجمع بينهما أنَّ أنساً لم يكن يَضْبِطِ العِدّة بل كان يَتَحقَّق أنَّها تُنيف على السبعين، ويَشُك
هل بَلَغَتِ العَقْد الثامن أو تَّجَاوَزَتْه، فرُبَّما جزم بالمُجاوزة حيثُ يَغْلِب ذلك على ظنّه.
واستدلَّ الشافعي بهذا الحديث على رَدِّ قول مَن قال من أصحاب الرَّأْي: إنَّ الوضوء
مُقدَّر بقَدْرٍ من الماء مُعيَّن، ووجه الدّلالة: أنَّ الصحابة اغتَرَفوا من ذلك القَدَح من غير
تقدير، لأنَّ الماء النابع لم يكن قَدْره معلوماً لهم فدلَّ على عدم التقدير، وبهذا يظهر مُناسَبة
تعقيب المصنِّف هذا الحديث بـ(باب الوضوء بالمُد))، والمُدُّ: إناء يَسَع ◌ِطْلاً وثُلُثاً
بالبغدادي، قاله جمهور أهل العلم، وخالف بعض الحنفيّة فقالوا: المُدرِطْلان.
٤٧ - باب الوضوء بالمُدِّ
٢٠١ - حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا مِسْعَرٌّ، قال: حدَّثني ابنُ جَيْرٍ، قال: سمعتُ أنساً يقول:
كان النبيُّونَ﴿ يَغْسِلُ، أو كان يَغتسِلُ بالصاع إلى خمسةِ أمدادٍ، ويتوضَّأُ بالمُدّ.
(١) فيه مندل بن علي، وهو ضعيف. وقد وَهِمَ الحافظ رحمه الله في عزوه إلى («مسند أحمد»، فإنه ليس فيه، وهو
عند البزار (٢٩٠٤ - كشف الأستار)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤٣٤٣)، وأخرج ابن ماجه منه
شربَه في الزجاج برقم (٣٤٣٥) بالإسناد نفسه، ولم يذكر أن المقوقس هو الذي أهداه.

٦٢٦
باب ٤٧ / ح ٢٠١
فتح الباري بشرح البخاري
٣٠٥/١
قوله: ((ابن جَبْر)) بفتح الجيم وسكون الموحّدة، ومَن قاله بالتصغير فقد صَحَّفَ، لأنَّ
ابن جُبَير وهو سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، والراوي هنا هو عبد الله بن
عبد الله بن جَبْر بن عَتِيك الأنصاري، وقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي نُعيم شيخ
البخاري قال: حدَّثنا مِسعَر، حدَّثني شيخ من الأنصار يقال له: ابن جَبْر. وفي الإسناد
کوفیّان: أبو نعيم وشيخه، وبصریّان: أنس والراوي عنه.
قوله: (يَغسِل)) أي: جسده، والشَّك فيه من البخاري أو من أبي نُعيم لمَّا حدَّثه به، فقد
رواه الإسماعيلي من طريق أبي نُعيم فقال: ((يَغْتِل)) ولم يَشُك.
قوله: ((بالصاع)) هو إناء يَسَع خمسة أرطال وتُلُثاً بالبغدادي، وقال بعض الحنفيّة: ثمانية.
قوله: ((إلى خمسة أمداد)) أي: كان رُبَّما اقتَصَرَ على الصاع وهو أربعة أمداد، ورُبّما زاد عليها
إلى خمسة، فكأنَّ أنساً لم يَطَّلِع على أنَّه استعمل في الغُسْل أكثر من ذلك، لأَنَّه جعلها النِّهاية.
وقد روى مسلم (٤٣/٣٢١) من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّها كانت تَغتسِل هي
والنبي ◌َ﴿ من إناء واحد هو الفَرَق، قال ابن عُيَينَةَ والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصُع،
وروى مسلم أيضاً من حديثها (٤٤/٣٢١): أنَّه ◌َ ل﴿ كان يَغتسِل من إناء يَسَع ثلاثة أمداد،
فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقَدْرِ الحاجة، وفيه رَدٌّ على مَن قَدَّرَ الوضوء والغُسْل
بما ذُكر في حديث الباب كابن شَعْبان من المالكيَّة، وكذا مَن قال به من الحنفيَّة مع مخالفتهم
له في مِقْدار المُد والصاع، وحَمَلَه الجمهور على الاستحباب لأنَّ أكثر مَن قَدَّرَ وضوءَه
وغُسْلِهِ وَِّ من الصحابة قَدَّرَهما بذلك، ففي مسلم (٣٢٦) عن سَفينة مثله، ولأحمد
(١٤٢٥٠) وأبي داود (٩٣) بإسنادٍ صحيح عن جابر مثله(١)، وفي الباب عن عائشة وأُم
سَلَمَةَ وابن عبّاس وابن عمر وغيرهم (٢)، وهذا إذا لم تَدْعُ الحاجة إلى الزِّيادة، وهو أيضاً في
(١) وأخرجه من حديث جابر أيضاً: أحمد (١٤١٨٨)، والبخاري (٢٥٢)، ومسلم (٣٢٩) بذكر الغسل
دون الوضوء.
(٢) أحاديثهم أخرجها أحمد في ((المسند» على التوالي: حديث عائشة برقم (٢٤٨٩٧)، وحديث أم سلمة برقم
(٢٦٦٧٧)، وحديث ابن عباس برقم (٢٦٢٨)، وانظر تتمة تخريجها في هذه المواضع.

٦٢٧
باب ٤٨ / ح ٢٠٢
كتاب الوضوء
حق مَن يكون خَلْقه مُعتَدِلاً، وإلى هذا أشار المصنِّف في أوَّل كتاب الوضوء بقوله: وكَرِهَ
أهل العلم الإسراف فيه وأنْ يُجاوِزوا فعل النبي ◌َّ.
٤٨ - باب المسح على الخُقّین
٢٠٢ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ المِصْريُّ، عن ابن وَهْبٍ، قال: حدَّثْنِي عَمْرٌو، حدَّثني أبو
النَّضْرِ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، عن
النبيِّ وَِّ: أنَّه مَسَحَ على الخُفَّين، وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ سألَ عمرَ عن ذلك، فقال: نَعَم، إذا
حَدَّثَكَ شيئاً سعدٌ عن النبي ◌َّ فلا تَسألُ عنه غيرَه.
وقال موسى بنُ عُقْبة: أخبرني أبو النَّضْر، أنَّ أبا سَلَمَةَ أخبره: أنَّ سَعْداً حدَّثه ... فقال
عمرُ لعبد الله، نحوَه.
قوله: ((باب المسح على الخُفَّين)) نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على
الخُفَّيْنِ عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كل مَن رُوِيَ عنه منهم إنكاره فقد رُوِيَ عنه إثباته.
وقال ابن عبد البَرِّ: لا أعلم رُوِيَ عن أحد من فقهاء السَّلَف إنكاره إلَّا عن مالك، مع
أنَّ الرِّوايات الصحيحة عنه مُصرِّحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في ((الأم)) إلى إنكار ذلك
عن المالكيَّة، والمعروف المُستقِر عندهم الآن قولان: الجواز مُطلَقاً، ثانيهما: للمُسافِرِ دون
المُقيم. وهذا الثاني مقتضى ما في ((المدوَّنة)) وبه جزم ابن الحاجب، وصَحَّحَ الباجيُّ الأوَّل
ونقله عن ابن وَهْب، وعن ابن نافع في ((المبسوطة)) نحوه، وأنَّ مالكاً إنّما كان يتوقَّف فيه في
خاصّة نَفْسه مع إفتائه بالجواز، وهذا مِثل ما صَحَّ عن أبي أيوب الصحابي.
وقال ابن المنذر: اختلفَ العلماء أيهما أفضل: المسح على الخُفَّين، أو نَزْعهما وغسل
القدمين؟/ قال: والذي أختاره: أنَّ المسح أفضل، لأجلِ مَن طَعَنَ فيه من أهل البِدَع من ٣٠٦/١
الخوارج والرَّوافض. قال: وإحياء ما طَعَنَ فيه المخالفون من السُّنَن، أفضل من تركه. انتهى.
وقال الشيخ محيي الدِّين: وقد صَرَّحَ جمع من الأصحاب بأنَّ الغسل أفضل بشرطِ أنْ
لا يترك المسح رَغْبةً عن السُّنّة، كما قالوه في تفضيل القَصْر على الإتمام، وقد صَرَّحَ جمعٌ من

٦٢٨
باب ٤٨ / ح ٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
الحُفَّاظ بأنَّ المسح على الخُفَّيْنِ متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوَزوا الثمانين ومنهم
العشرةُ.
وفي ابن أبي شَيْبة وغيره عن الحسن البصري: حدَّثني سبعون من الصحابة بالمسح على
الخُفَّين.
قوله: ((حدَّثنا أصبَغ)) بفتح الهمزة، وكأنَّ البخاري اختارَ الرواية عنه لهذا الحديث
لقوله: المسح عن النبي ◌َ﴿﴿ وعن أكابر أصحابه في الحَضَر أثبت عندنا وأقوى من أنْ نَتْبَع
مالكاً على خلافه.
وعَمْرو: هو ابن الحارث، وهو ومن دونه ثلاثة مِصریُّون، والذين فوقه ثلاثة مدنُّون،
وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي: أبو النَّضْر عن أبي سَلَمة، وصحابي عن صحابي.
قوله: «وأنَّ عبد الله)) هو معطوف على قوله: ((عن عبد الله بن عمر» فهو موصول إذا
حَمَلْناه على أنَّ أبا سَلَمَةَ سمع ذلك من عبد الله، وإلَّا فأبو سَلَمَةَ لم يُدْرِك القِصّة.
وقد أخرجه أحمد (٨٧) من طريق أُخرى عن أبي النَّصْرِ، عن أبي سَلَمةَ، عن ابن عمر
قال: رأيت سعد بن أبي وَقَّاص يمسح على خُفَّيْه بالعراقِ حین توضّا، فأنكَرْتُ ذلك علیه،
فلمَّا اجتمعنا عند عمر قال لي سعد: سَلْ أباك ... فذكر القِصّة.
ورواه ابن خُزيمة (١٨٤) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه، وفيه أنَّ
عمر قال: كنَّا ونحنُ مع نبيّنا نَمْسَح على خِفافنا لا نرى بذلك بأساً.
قوله: ((فلا تسأل عنه غيره)) أي: لقّة الوُثوق بنقلِه، ففيه دليل على أنَّ الصِّفات المُوجِبة
للتَّرجيح إذا اجتمعت في الراوي، كانت من جملة القرائن التي إذا حَفَّتْ خَبَر الواحد قامت
مقام الأشخاص المتعدِّدة، وقد يفيد العلمَ عند البعض دون البعض، وعلى أنَّ عمر كان يَقْبَل
خبر الواحد، وما نُقِلَ عنه من التوقُّف إنَّما كان عند وقوع ريبة له في بعض المواضع، واحتَجَّ
به مَن قال بتفاوتِ رُتَب العدالة ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض، ويُمكِن إبداء
الفارق في ذلك بين الرواية والشَّهادة.

٦٢٩
باب ٤٨ / ح ٢٠٣
كتاب الوضوء
وفيه تعظيم عظيم من عمر لسعدٍ، وفيه أنَّ الصحابي القديم الصُّحْبة قد يخفى عليه من
الأُمور الجَليَّة في الشرع ما يَطَّلِعِ عليه غيره؛ لأنَّ ابن عمر أنكَرَ المسح على الخُفَينِ مع قديم
صُحْبته و کثرة روایته، وقد روی قِصّته مالك في ((الموطأ)) (٣٦/١) عن نافع وعبد الله بن دینار
أنَّهما أخبراه: أنَّ ابن عمر قَدِمَ الكوفة على سعد وهو أميرها فرآه يمسح على الخُفَّينِ فأنكَرَ ذلك
عليه، فقال له سعد: سَلْ أباك ... فذكر القِصّة. ويحتمل أنْ يكون ابن عمر إنَّما أنكَرَ المسح في
الحَضَر لا في السَّفَر لظاهر هذه القِصّة، ومع ذلك فالفائدة بحالها، والله أعلم.
قوله: ((وقال موسى بن عُقْبة)) هذا التعليق وَصَلَه الإسماعيلي وغيره بهذا الإسناد، وفيه
ثلاثة من التابعين على الولاء أوَّلهم موسى، وموسى وأبو النَّصْرِ قَرينان مَدَنّان.
قوله: ((أنَّ سَعْداً حَدَّثَه)) أي: حدَّث أبا سَلَمة، والمحَدَّث به محذوف تَبيَّن من الرواية
الموصولة أنَّ لفظه: أنَّ رسول الله وَّهِ مَسَحَ على الخُفَّين.
قوله: ((فقال)» هو معطوف على المقدَّر.
قوله: ((نحوَه)) بالنصب لأنَّه مَقُول القول، وظهر أنَّ قول عمر في هذه الرواية المعلّقة
بمعنى الرواية التي وَصَلها المؤلِّف لا بلفظها. وقد وَصَلَه الإسماعيلي أيضاً من طريق
أُخرى عن موسى بن عُقْبة ولفظه: وأنَّ عمر قال لعبد الله - أي: ابنه كأنَّه يلومه -: إذا
حدَّثك سعد عن النبي ◌ِّ فلا تَبْتَغِ وراء حديثه شيئاً.
٢٠٣- حدَّثنا عمرُو بنُ خالدِ الحَرَّانيُّ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعدِ
ابنِ إبراهيمَ، عن نافعٍ/ بنِ جُبَيرٍ، عن عُرْوةَ بنِ المغيرةِ، عن أبيه المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، عن رسولِ الله ٣٠٧/١
وَالَ: أَنَّه خَرَجَ لحاجَتِهِ فَاتَّبَعَه المغيرةُ بإداوةٍ فيها ماءٌ، فصَبَّ عليه حينَ فَرَغَ من حاجَتِهِ، فتوضَّأَ
ومَسَحَ علی الخُفَّین.
قوله: ((حدَّثنا الليث)) بن سعد ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وقد تقدَّم هذا
الحديث من طريق أُخرى عنه (١٨٢) في ((باب الرجل يوضِّئ صاحبه))، وأنَّ فيه أربعة من
التابعين على الولاء.

٦٣٠
باب ٤٨ / ح ٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه المصنّف في المغازي (٤٤٢١) من طريق أُخرى عن الليث فقال: ((عن عبد العزيز
ابن أبي سَلَمَةَ)) بدل يحيى بن سعيد، وسياقه أتمُّ، فكأنَّ للَّيْثِ فيه شيخَين.
قوله: ((أنَّه خَرَجَ لحاجَتِهِ)) في الباب الذي بعد هذا: ((أنَّه كان في سَفَر)) (٢٠٦)، وفي
المغازي (٤٤٢١): ((أنَّه كان في غَزْوة تبوك)) على تردُّد في ذلك من رواته.
ولمالك (٣٥/١-٣٦) وأحمد (١٨١٦٠) وأبي داود (١٤٩) من طريق عَبَّاد بن زياد، عن
عُرْوة بن المغيرة: أنَّه كان في غَزْوة تبوك بلا تردُّد، وأنَّ ذلك كان عند صلاة الفجْر.
قوله: ((فَاتَّبَعَه)) بتشديد المثنَّة المفتوحة، وللمصنّف من طريق مسروق عن المغيرة في
الجهاد(١) وغيره: أنَّ النبي ◌َّ هو الذي أمره أنْ يَتَبَعه بالإداوة، وزاد: «فانطَلَقَ حتَّى تَوارَى
عِنِّي فَقَضَى حاجته، ثمَّ أقبَلَ فتوضَّأ)). وعند أحمد (١٨٢٢٥) من طريق أُخرى عن المغيرة:
أنَّ الماء الذي توضَّأ به أخذه المغيرة من أعرابيَّ صَبَّتْه له من قِرْبة كانت ◌ِلْد مَيْتة، وأنَّ النبي
﴿ قال له: ((سَلْها فإنْ كانت دَبغَتْها فهو طَهُور)) وأنَّها قالت: إي والله لقد دبغتُها(٢).
قوله: ((فتوضَّأ)) زاد في الجهاد (٢٩١٨): ((وعليه جُبَّ شاميَّة) ولأبي داود (١٥١): ((من
صوف من جِباب الرُّوم))، وزاد المصنِّف (١٨٢) في الطريق الذي في ((باب الرجل يوضِّئ
صاحبه)): ((فغَسَلَ وجهه ويديه)) والفاء في (فغَسَلَ)) تفصيليّة، وتَبيَّن من ذلك أنَّ المراد
بقوله: ((توضّأ)) أي: بالكيفيَّة المذكورة، لا أنَّه غَسَلَ رِجْليه.
واستدلَّ به القُرْطبي على الاقتصار على فُروض الوضوء دون سُنَنه، لا سيَّما في حال
مَظِنّة قِلّة الماء كالسَّفَرِ، قال: ويحتمل أنَّ النبي ◌َّهِ فعلها فلم يَذكُرُها المغيرة، قال: والظاهر
خلافه.
قلت: بل فعلها وذكرها المغيرة، ففي رواية أحمد (١٨١٦٠) من طريق عَبَّاد بن زياد
المذكور: ((أَنَّه غَسَلَ كفَّيْه)»، وله من وجه آخر قوي (١٨١٨٢): «فَغَسَلَهما فأحسَنَ غسلَهما)»
(١) كذا قال: في الجهاد، ورواية الجهاد (٢٩١٨) مختصرة، والرواية المعنية هي في الصلاة (٣٦٣).
(٢) إسناده ضعيف، فیه راویان ضعيفان.

٦٣١
باب ٤٨ / ح ٢٠٣
كتاب الوضوء
قال: وأشُلُّ أقال: دَلَگھما بتُرابٍ أم لا.
وللمصنّف في الجهاد (٢٩١٨): ((أنَّه تمضمض واستَنَشَقَ وغَسَلَ وجهه)) زاد أحمد:
((ثلاث مرات، فذهب يُخْرِج يديه من كُمَّيْه فكانا ضَيِّقَين، فأخرجهما من تحت الجُبّة)»، ولمسلم
(٢٧٤ / ٨١) من وجه آخر: ((وألْقَى الْجُبّة على مَنكِبَيَه))، ولأحمد (١٨١٧٥): ((فغَسَلَ يده
اليمنى ثلاث مرات ويده اليُسرَى ثلاث مرات))، وللمصنّ (٢٩١٨): ((ومَسَحَ برأسِه))،
وفي رواية لمسلم (٢٧٤ / ٨١): ((ومَسَحَ بناصيَتِه وعلى عِمامَته وعلى الخُفَّين))، وسيأتي قوله:
((إني أدخلتُهما طاهرتَينٍ)) في الباب الذي بعد هذا (٢٠٦).
وحديث المغيرة هذا ذكر البزَّار أنَّه رواه عنه سِتّون رجلاً، وقد لخَّصْتُ مقاصد طرقه
الصحيحة في هذه القِطْعة.
وفيه من الفوائد الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين، واستحباب الدَّوام على
الطهارة لأمره ◌َ لقه المغيرة أنْ يَتَبَعه بالماء مع أنَّه لم يَستَنجِ به، وإِنَّا توضَّأ به حین رَجَع.
وفيه جواز الاستعانة كما شُرِحَ في بابه (١٥٢)، وغسل ما يصيب اليد من الأذى عند
الاستجمار، وأنَّه لا يكفي إزالته بغير الماء، والاستعانة على إزالة الرائحة بالتُّراب ونحوه.
وقد يُستَنَبَطَ منه أنَّ ما انتَشَرَ عن المُعْتاد لا يُزال إلَّا بالماء.
وفيه الانتفاع بجلودِ المَيْتَة إذا دُبِغَت، والانتفاع بثياب الكُفّار حتَّى تتحقَّق نجاستها،
لأَنَّه وَهْلَبِسَ الجُبّة الرّوميَّة ولم يَسْتَفصِل، واستدلَّ به القُرْطبي على أنَّ الصّوف لا يَنجُس
بالموتِ، لأَنَّ الْجُبّة كانت شاميَّة وكانت الشّام إذْ ذاكَ دار كفر ومأكول أهلها المَيْتات، كذا
قال.
وفيه الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ المسح على الخُفَّينِ منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة، لأنَّها
نزلتْ في/ غَزْوة المُرَيسيع، وكانت هذه القِصّة في غَزْوة تبوك، وهي بعدها باتِّفاقٍ، وسيأتي ٣٠٨/١
حديث جَرِير البَجَلي (٣٨٧) في معنى ذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
وفيه التشمير في السَّفَرِ، ولُبْس الثّياب الضَّيِّقة فيه لكَوْنها أعون على ذلك.

٦٣٢
باب ٤٨ / ح ٢٠٤ - ٢٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه المواظَبة على سُنَن الوضوء حتَّى في السَّفَر.
وفيه قَبُول خَبَرَ الواحد في الأحكام ولو كانت امرأة، سواء كان ذلك فيما تَعُم به
البَلْوَى أم لا؛ لأنَّه ◌ِ لّهِ قَبِلَ خَبَرَ الأعرابيَّة كما تقدَّم.
وفيه أنَّ الاقتصار على غسل مُعْظَم المفروض غسله لا يُجزئ، لإخراجه (ێ يديه من
تحت الجُبّة ولم يكتفِ فيما بقيَ منهما بالمسحِ عليه.
وقد يُستَدل به على مَن ذهب إلى وجوب تعميم مسح الرأس، لكَوْنه كمَّلَ بالمسح على
العِمامة، ولم يكتفِ بالمسحِ على ما بقيَ من ذِراعَيْه.
٢٠٤ - حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن جعفرِ بنِ عَمْرِو
ابنِ أُمَيَّةَ الضَّمْريّ، أنَّ أباه أخبرهُ: أنَّه رأَى النبيَّلَهِ يَمسَحُ على الخُفَّين.
وتابعه حربٌ وأبانُ عن یحیی.
[طرفه في: ٢٠٥]
قوله: ((شییان)) هو ابن عبد الرحمن، ویحیی: هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ)) وللإسماعيليِّ من طريق الحسن بن موسى، عن شَيْبان، عن يحيى،
قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ، قال: حدَّثني جعفر بن عَمْرو بن أُميَّة.
وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على الولاء: أوَّلهم يحيى وهو تابعي صغير، وأبو سَلَمةً
وجعفر قَرِینان.
قوله: ((وتابعَه)) أي: تابعَ شَيْبانَ «حربٌ)) وهو ابن شدَّاد، وحديثه موصول عند النَّسائيّ
(١١٩) والطبراني.
قوله: ((وأبان)) هو ابن يزيد العَطَّار، وهو معطوف على حَرْب، وحديثه موصول عند
أحمد (١٧٦١٩) والطبراني.
٢٠٥- حدَّثنا عَبْدَانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ، عن يحيى، عن أبي
سَلَمَةَ، عن جعفرِ بنِ عَمْرٍو، عن أبيه قال: رأيتُ النبيَّ وَّهِ يَمْسَحُ على عِمَامَتِهِ وخُفَّيْه.

٦٣٣
باب ٤٨ / ح ٢٠٥
كتاب الوضوء
وتابعَه مَعمَرٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن عَمْرٍو قال: رأيتُ النبيَّ ◌َِّ.
قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((عن يحيى)) لأحمد (١٧٦١٦ و٢٢٤٨١) عن أبي المغيرة عن الأوزاعيّ: حدَّثني
یحیی.
قوله: ((على عِمَامَته وخُفَّيْهِ)) هكذا رواه الأوزاعيُّ وهو مشهور عنه، وأسقَطَ بعض
الرّواة عنه جعفراً من الإسناد، وهو خطأ، قاله أبو حاتم الرازيُّ.
قوله: ((وتابعَه)) أي: تابعَ الأوزاعيَّ ((مَعمَرٌ)) ابن راشد في المتن لا في الإسناد، وهذا هو
السبب في سياق المصنِّ الإِسناد ثانياً ليُبِّنَ أنَّه ليس في رواية معمر ذِكْر جعفر، وذكر أبو
ذرّ في روايته لفظ المتن وهو قوله: ((يمسح على عِمَامَته)) زاد الكُشْمِيهَني: ((وخُفَّيْهِ))، وسقط
ذِكْر المتن من سائر الرِّوايات في ((الصحيح)).
وراوية مَعمَر قد أخرجها عبد الرزاق في «مصنَّفْه» (٧٤٦) عن مَعمَر بدونِ ذِكْر
العِمامة، لكن أخرجها ابن مَندَهْ في كتاب ((الطهارة)) له من طريق مَعمَر بإثباتها.
وأغربَ الأَصِيلي فيما حكاه ابن بَطَّل فقال: ذِكْر العِمامة في هذا الحديث من خطأ
الأوزاعيِّ؛ لأنَّ شَيْبان وغيره رَوَوْه عن يحيى بدونها، فوَجَبَ تغليب رواية الجماعة على
الواحدة، قال: وأمَّا متابعة مَعمَر فليس فيها ذِكْرِ العِمامة، وهي أيضاً مُرسَلة، لأنَّ أبا سَلَمةَ
لم يسمع من عمرو.
قلت: سماع أبي سَلَمَةَ من عَمْرو تُمكِن، فإنَّه مات بالمدينة سنة سِتّين، وأبو سَلَمَةَ مَدَني
ولم يُوصَف بتدليسٍ، وقد سمع من خَلْق ماتوا قبل عَمْرو، وقد روى بُكَير بن الأشج عن
أبي سَلَمةَ: أَنَّه أرسَلَ جعفر بنَ عَمْرو بن أُميَّة إلى أبيه/ يسأله عن هذا الحديث، فرجع إليه ٣٠٩/١
فأخبره به، فلا مانع أنْ يكون أبو سَلَمةَ اجتمع بعَمْرٍو بعدُ فسمعه منه، ويُقوِّيه تَوَقُّر
دَوَاعيهم على الاجتماع في المسجد النَّبوي.
وقد ذكرنا أنَّ ابن منده أخرجه من طريق معمر بإثبات ذِكْر العمامة فیه، وعلى تقدیر

٦٣٤
باب ٤٩ / ح ٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
تفرُّد الأوزاعي بذِكْرها لا يَستلزِم ذلك تخطئته؛ لأنَّها تكون زيادة من ثقة حافظ غير مُنافية
لرواية رُفْقَته، فتُقُبَل ولا تكون شاذَّة، ولا معنى لرَدِّ الرّوايات الصحيحة بهذه التعليلات
الواهية.
وقد اختلفَ السَّلَف في معنى المسح على العِمامة فقيل: إنَّه كمَّلَ عليها بعد مسح
الناصية، وقد تقدَّمت رواية مسلم (٢٧٤/ ٨١) بما يدل على ذلك، وإلى عدم الاقتصار على
المسح علیها ذهب الجمهور.
وقال الخطَّبيُّ: فَرَضَ الله مسح الرأس، والحديث في مسح العِمامة محتمِل للتأويل، فلا
يُترَك المتيقَّن للمُحتمَل. قال: وقياسه على مسح الخُف بعيد؛ لأنَّه يَشُقُّ نزعُه بخلافها.
وتُعُقِّبَ بأنَّ الذين أجازوا الاقتصار على مسح العِمامة، شَرَطوا فيه المَشَقّة في نَزْعها
كما في الخُف، وطريقه أنْ تكون مُنَّكة كعمائم العرب، وقالوا: عُضْو يَسْقُط فرضُه في
التيمُّم فجازَ المسح على حائله كالقدمين، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك ولا سيَّما عند مَن
يحمل المُشترَك على حقيقته ومجازه، لأنَّ مَن قال: قَبَّلتُ رأس فلان، يَصْدُق ولو كان على
حائل، وإلى هذا ذهب الأوزاعيُّ والثَّوْريُّ في رواية عنه، وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر
والطبري وابن خُزيمة وابن المنذر وغيرهم، وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر،
وقد صَحَّ أنَّ النبي ◌َّر قال: ((إِنْ يُطِع الناسُ أبا بكر وعمر يَرشُدو))(١)، والله أعلم.
٤٩- باب إذا أدخل رِجْلیه وهما طاهرتان
٢٠٦ - حدّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، عن عُرْوةَ بنِ المغيرةِ، عن أبيه قال:
كنتُ معَ النبيِّ وََّ فِي سَفَرٍ فَأهوَيْتُ لِأَنزِعَ خُقَّيْه، فقال: ((دَعْهُما، فإني أَدْخَلْتُهما طاهرَتَينٍ))
فمَسَحَ عليهما. [انظر: ١٨٢]
(١) أخرجه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة. وأخرج أحمد (٢٣٢٤٥)، وابن ماجه (٩٧)، والترمذي
(٣٦٦٢) و(٣٦٦٣) من حديث حذيفة مرفوعاً: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر))، قال
الترمذي: هذا حديث حسن.

٦٣٥
باب ٤٩ / ح ٢٠٦
كتاب الوضوء
قوله: ((باب إذا أدخلَ رِجْليه وهما طاهرتان)) هذا لفظ رواية أبي داود (١٥١) من طريق
يونس بن أبي إسحاق عن الشَّعْبي في هذا الحديث، وسنبيِّ ما بينها وبين لفظ حديث
الباب من التفاوت.
قوله: ((حدَّثْنا زكريًّ)) هو ابن أبي زائدة ((عن عامر)) هو الشَّعْبي، وزكريًّا مُدلِّس ولم أرَه من
حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه أحمد (١٨٢٣٥) عن يحيى القَطَّن عن زكريًّا، والقَطَّان لا يحمل
من حديث شيوخه المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعاً لهم، صَرَّحَ بذلك الإسماعيلي.
قوله: ((فأهوَيتُ)) أي: مَدَدْت يدي، قال الأصمعي: أهوَيْت بالشيء: إذا أومأتُ به،
وقال غيره: أهوَيْت: قَصَدْت الهَويَّ من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء: الإمالة.
قال ابن بَطَّل: فيه خِدْمة العالم، وأنَّ للخادِمِ أنْ يَقصِد إلى ما يعرف من عادة مخدومه قبل
أنْ يَأْمُره، وفيه الفَهْم عن الإشارة، ورَدُّ الجواب عمَّا يُفهَم عنها لقوله: ((فقال: دَعْهما)).
قوله: ((فإني أدخلْتُهما)) أي: القدمين ((طاهرَتَينِ)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَني: ((وهما
طاهرَتان»، ولأبي داود (١٥١): («فإني أدخلْتُ القدمين الخُفَّيْنِ وهما طاهرَتان))، وللحُميديِّ
في («مسنده)) (٧٥٨): قلت: يا رسول الله، أيمسحُ أحدنا على خُفَّيْهِ؟ قال: ((نَعَم، إذا أدخلهما
وهما طاهرتان».
ولابن خُزَيمة (١٩٣) من حديث صَفْوان بن عَسّال: ((أمَرَنا رسول الله وَّهِ أَنْ نَمْسَح
على الخُفَّيْنِ إذا نحنُ أدخلْناهما على طُهْر ثلاثاً إذا سافَرْنا، ويوماً وليلة إذا أقَمْنا))، قال ابن
خُزيمة: ذكرته للمُزَفيِّ فقال لي: حَدِّثْ به أصحابنا، فإنَّه أقوى حُجّة للشّافعي. انتهى،
وحديث صَفْوان وإنْ كان صحيحاً لكنَّه ليس على شرط البخاريّ، لكنَّ حديث الباب
موافق له في الدّلالة على اشتراط الطهارة عند اللُّبْس، وأشار المُزَني بما قال إلى الخلاف / في ٣١٠/١
المسألة.
ومُحصَّله: أنَّ الشافعيَّ والجمهور حملوا الطهارة على الشرعيّة في الوضوء، وخالفهم
داود فقال: إذا لم يكن على رِجْليه نجاسة عند اللَّبْس جازَ له المسح، ولو تَيمَّمَ ثمَّ لَبِسَهما لم

٦٣٦
باب ٤٩ / ح ٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
يُيَحْ له عندهم، لأنَّ التيمُّم مُبيح لا رافع، وخالفهم أصبغ.
ولو غَسَلَ رِجْليه بنيّة الوضوء ثمَّ لَبِسَهما ثمَّ أكمَلَ باقي الأعضاء، لم يُبَح المسح عند
الشافعي ومَن وافقه على إيجاب الترتيب، وكذا عند مَن لا يُوجِبه بناء على أنَّ الطهارة لا
تتبعَّض، لكن قال صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة: شرط إباحة المسح لُبْسهما على طهارة كاملة،
قال: والمراد بالكاملة وقت الحَدَث لا وقت اللُّبْس، ففي هذه الصورة إذا أكملَ الوضوء ثمَّ
أحدَثَ جازَ له المسح؛ لأنَّه وقتَ الحَدَث كان على طهارة كاملة. انتهى.
والحديث حُجّة عليه، لأنَّه جعل الطهارة قبل لُبْس الخُف شرطاً لجواز المسح، والمعلَّق
بشرطٍ لا يصح إلَّ بُوُجودِ ذلك الشَّرْط، وقد سَلَّمَ أنَّ المراد بالطهارة الكاملةُ، ولو توضّأ
مُرتِّباً وبَقِيَ غسل إحدى رِجْليه فَلَبِسَ ثمَّ غَسَلَ الثانية ولَبِسَ، لم يُيَخْ له المسح عند الأكثر،
وأجازَه الثَّوْري والكوفُّون والمُزَني صاحب الشافعي ومُطرِّف صاحب مالك وابن المنذر
وغيرهم لصِدْقِ أنَّه أدخلَ كُلَّ مِن رِجْليه الخُفَّيْنِ وهي طاهرة، وتُعُقِّبَ بأَنَّ الْحُكْم المُرتَّب
على التثنية غير الْحُكْم المُرتَّب على الوَحْدة، واستَضعَفَه ابن دقيق العيد لأنَّ الاحتمال باقٍ،
قال: لكن إنْ ضُمَّ إليه دليل يدل على أنَّ الطهارة لا تتبعَّض الَّجُه.
فائدة: المسح على الخُفَّينِ خاص بالوضوءِ لا مَدْخَل للغُسْلِ فيه بإجماعٍ.
فائدة أُخرى: لو نَزَعَ خُفَّيْه بعد المسح قبل انقضاء المدَّة عند مَن قال بالتوقيتِ، أعاد
الوضوء عند أحمد وإسحاق وغيرهما، وغَسَلَ قَدَمَيْه عند الكوفيِّين والمُزَني وأبي ثَوْر، وكذا
قال مالك والليث إلَّا إِنْ تَطاوَل، وقال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة: ليس عليه غسل قَدَمَيه،
وقاسوه على مَن مَسَحَ رأسه ثمَّ حَلَقَه: أنَّه لا يجب عليه إعادة المسح، وفيه نَظَر.
فائدة أُخرى: لم يُخرج البخاري ما يدل على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور،
وخالف مالك في المشهور عنه فقال: يمسح ما لم يَخْلَع، ورُوِيَ مثله عن عمر. وأخرج
مسلم (٢٧٦) التوقيت من حديث علي، كما تقدَّم من حديث صَفْوان بن عَسّال(١)، وفي
(١) تقدم في الصفحة السابقة، وانظر تخريجه أيضاً في ((مسند أحمد)) (١٨٠٩٣).

٦٣٧
باب ٥٠ / ح ٢٠٧
كتاب الوضوء
الباب عن أبي بَكْرةٍ(١) وصَحَّحَه الشافعي وغيره.
٥٠ - باب من لم يتوضَّأْ من لحم الشَّاة والسَّوِيق
وأكَلَ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ رضي الله عنهم لحماً فلم يتوضَّؤْوا.
٢٠٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن زيدٍ بنٍ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن عبدِ الله بنِ عبَّاس: أنَّ رسولَ اللهِو ◌َأَكَلَ كَتِفَ شاةٍ، ثُمَّ صَلَى ولم يتوضَّأْ.
[طرفاه في: ٥٤٠٤، ٥٤٠٥]
قوله: ((باب مَن لم يتوضَّأ من لحم الشَّاة)) نَصَّ على لحم الشّاة ليَندَرِج ما هو مثلها وما
دونها بالأَولى، وأمَّا ما فوقها فلعلَّه يشير إلى استثناء لحوم الإبل، لأنَّ مَن خَصَّه من عموم
الجواز عَلَّلَه بشدّة زُهومَته، فلهذا لم يُقيِّده بگوْنِه مطبوخاً، وفيه حديثان عند مسلم(٢)، وهو
قول أحمد واختاره ابن خُزيمة وغيره من مُحدِّثي الشافعيّة.
قوله: ((والسَّويق))/ قال ابن القِّين: ليس في أحاديث الباب ذِكْر السَّويق. وأُجيبَ بأنَّه ٣١١/١
دَخَلَ من باب الأَولى، لأنَّه إذا لم يتوضَّأ من اللَّحْم مع دُسومَته فعدمه من السَّويق أَولِ،
ولعلَّه أشار بذلك إلى حديث الباب الذي بعده (٢٠٩).
قوله: ((وأكَلَ أبو بكر ... )) إلى آخره سقط قوله: ((لحم)) من رواية أبي ذرٍّ إلَّا عن
الكُشْمِيهَني، وقد وَصَلَه الطبرانيُّ في ((مسند الشاميّين)) (٢٢٦٢) بإسنادٍ حسن(٣) من طريق
سُلَيم بن عامر قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكَلوا ممَّا مَسَّت النار ولم يتوضَّؤوا، ورُوّيناه
(١) أخرجه ابن ماجه (٥٥٦)، وابن خزيمة (١٩٢)، وابن حبان (١٣٢٤) وانظر تتمة تخريجه فيه. وفي الباب
أيضاً عن خزيمة بن ثابت، انظره وتخريجه في ((مسند أحمد)) (٢١٨٥١).
(٢) قوله: ((وفيه حديثان عند مسلم)) وهمٍّ من الحافظ رحمه الله، فإن مسلماً قد روى واحداً منهما وهو حديث
جابر بن سمرة (٣٦٠)، والحديث الآخر أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه
(٤٩٤)، وصححه ابن خزيمة (٣٢)، وابن حبان (١١٢٨)، وانظر تتمة تخريجه في ((مسند أحمد))
(١٨٥٣٨) من حديث البراء بن عازب.
(٣) بل ضعيف، فشيخ الطبراني فيه إبراهيم بن محمد بن عرق، قال الذهبي في ((الميزان)): غير معتمد. وفيه أيضاً
عبد الملك بن محمد الحميري، ليَّنه الحافظ في ((التقریب)، لکن ثبت عنهم هذا من غیر هذا الوجه كما سيأتي بعدُ.

٦٣٨
باب ٥٠ / ح ٢٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
من طرق كثيرة عن جابر مرفوعاً وموقوفاً على الثلاثة، مُفرَّقاً ومجموعاً(١).
قوله: ((أكَلَ كتف شاة)) أي: لحمه. وللمصنّف في الأطعمة (٥٤٠٤): ((تَعَرَّقَ)) أي: أكَلَ ما
على العَرْق - بفتح المهمَلة وسكون الراء - وهو العَظْم، ويقال له: العُراق، بالضم أيضاً.
وأفاد القاضي إسماعيل أنَّ ذلك كان في بيت ضُباعة بنت الزُّبَير بن عبد المطَّلِب وهي
بنت عَمِّ النبيِ وَِّ، ويحتمل أنَّه كان في بيت ميمونة كما سيأتي (٢١٠) من حديثها وهي
خالة ابن عبّاس، كما أنَّ ضُباعة بنت عمّه. وبيَّن النَّسائيُّ (١٨٢) من حديث أُم سَلَمَةَ: أنَّ
الذي دعاه إلى الصلاة هو بلال.
٢٠٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبرني
جعفرُ بنُ عَمْرِو بنِ أُميَّةً، أنَّ أباه أخبره: أنَّه رأى رسولَ الله وَّهِ يَحْتَزُّ من كَتِفِ شاةٍ، فَدُعِيَ إلى
الصلاةِ فألْقَى السِّكِّينَ فصَلَّى ولم يتوضَّأْ.
[أطرافه في: ٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢]
قوله: ((يَحَتَز) بالمهمَلة والزَّاي، أي: يَقْطَع، زاد في الأطعمة (٥٤٢٢) من طريق مَعمَر
عن الزُّهْري: ((يأكل منها))، وفي الصلاة (٦٧٥) من طريق صالح عن الزُّهْري: ((يأْكل
ذراعاً تحتَز منها)).
قوله: ((فألْقَى السِّكّينَ)) زاد في الأطعمة (٥٤٠٨) عن أبي اليَمَان، عن شعيب، عن
الزُّهْري: «فألقاها والسِّين))، وزاد البيهقيُّ (١٥٧/١) من طريق عبد الكريم بن الهيثم
عن أبي اليَمَان في آخر الحديث: قال الزُّهْري: فذهبتْ تلك - أي: القِصّة - في الناس، ثمَّ
أخبر رجال من أصحاب النبي وَ له ونساء من أزواجه أنَّ النبي ◌َّ قال: ((توضّؤوا ممّاً
مَسَّت النار)) قال: فكان الزُّهْري يرى أنَّ الأمر بالوضوءِ ممَّا مَسَّت النار ناسخٌ لأحاديث
الإباحة، لأنَّ الإباحة سابقة.
(١) انظر تخريج هذه الطرق في ((المسند)) عند الحديث (١٤٢٦٢) و(١٤٢٩٩) و(١٤٤٥٣)، وفي ((صحيح
ابن حبان)) (١١٣٢).

٦٣٩
باب ٥٠ / ح ٢٠٨
كتاب الوضوء
واعتُرِضَ عليه بحديث جابر قال: «كان آخرَ الأمرينِ من رسول الله وَلَه تركُ الوضوء
ثَمَّا مَسَّت النار)) رواه أبو داود (١٩٢) والنَّسائي (١٨٥) وغيرهما وصَحَّحَه ابن خُزيمة
(٤٣) وابن حِبَّان (١١٣٤) وغيرهما، لكن قال أبو داود وغيره: إنَّ المراد بالأمر هنا الشَّأْن
والقِصّة لا مُقابل النهي، وأنَّ هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قِصّة المرأة
التي صنعتْ للنبيِّ وَِّ شاة فأكَلَ منها ثمَّ توضَّأ وصَلَى الظُّهر، ثمَّ أكَلَ منها وصَلَّى العصر
ولم يتوضَّأ(١)، فيحتمل أنْ تكون هذه القِصّة وَقَعَتْ قبل الأمر بالوضوءِ ممَّا مَسَّت النار،
وأنَّ وضوءَه لصلاة الظَّهر كان عن حَدَثٍ لا بسبب الأكل من الشّاة.
وحكى البيهقيُّ (١/ ١٥٧) عن عثمان الدّارميِّ أنَّه قال: لمَّا اختلفَتْ أحاديث الباب
ولم يتبيَّن الراجح منها، نَظَرْنا إلى ما عَمِلَ به الْخُلَفاء الراشدون بعد النبيِ وَّ فَرَجَّحْنا به
أحد الجانبين، وارتَضَى النَّووي هذا في ((شرح المهذَّب)). وبهذا تَظْهَر حِكْمة تصدير
البخاري حديث الباب بالأثرِ المنقول عن الخُلَفاء الثلاثة.
قال النَّووي: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين، ثمَّ استَقَرَّ الإجماع على
أنَّه لا وضوء مَّا مَسَّت النار إلَّا ما تقدَّم استثناؤه من لحوم الإبل.
وجمع الخطَّبيُّ بوجهٍ آخر: وهو أنَّ أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على
الوجوب، والله أعلم.
واستدلَّ البخاري في الصلاة (٦٧٥) بهذا الحديث على أنَّ الأمر بتقديم العَشاء على
الصلاة خاصٌّ بغير الإمام الراتب/ وعلى جواز قَطْع اللَّحْم بالسِّكّين، وفي النهي عنه ٣١٢/١
حديث ضعيف في ((سنن أبي داود)) (٣٧٧٨) فإنْ ثبت خُصَّ بعدم الحاجة الدّاعية إلى
ذلك لما فيه من التشَبُّه بالأعاجم وأهل الترقُّه، وفيه أنَّ الشَّهادة على النَّفي - إذا كان
محصوراً - تُقبَل.
(١) ومثله قال ابن حبان في ((صحيحه)) (٤١٧/٣)، والحديث المطول أخرجه ابن حبان برقم (١١٣٠)،
وانظر تتمة تخريجه فيه.

٦٤٠
باب ٥١ / ح ٢٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
فائدة: ليس لعَمْرِو بن أُميَّة رواية في البخاري إلَّا هذا الحديث والذي مضى (٢٠٤) في
المسح فقط.
٥١- باب من مَضمَضَ مِن السَّوِيق ولم يتوضَّأْ
٢٠٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشَيرِ بنِ
يَسارٍ مولى بني حارثةَ، أنَّ سُوَيَدَ بنَ النُّعْمان أخبره: أنَّ خَرَجَ معَ رسولِ الله ◌ِِّ عامَ خيبرَ حتَّى
إذا كانُوا بالصَّهْباءِ - وهي أدنى خيبرَ - فصَلَّى العصرَ، ثمَّ دَعا بالأزْوادِ فلم يُؤْتَ إلَّا بالسَّوِيق،
فَأُمَرَ بِه فتُرِّيَ فَأَكَلَ رسولُ اللهِ له وأُكَلْنا، ثمَّ قامَ إلى المغربِ فَمَضْمَضَ ومَضْمَضْنا، ثمَّ صَلَّى
ولم يتوضَّأ.
[أطرافه في: ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥]
قوله: ((باب مَن مَضْمَضَ من السَّويق)) قال الدّاوودي: هو دقيق الشَّعير أو السُّلْت
المقلي، وقال غيره: ويكون من القَمْح. وقد وَصَفَه أعرابي فقال: عُدّة المسافر، وطعام
العَجْلان، وبُلغة المريض.
قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، والإسناد مدنيُّون إلَّا شيخ البخاري. ويُشَير
بالموحّدة والمعجَمة مُصغَراً، ويسار بالتَّحتانية والمهمَلة.
قوله: ((بالصَّهْباءِ)) بفتح المهملة والمد.
قوله: ((وهي أدنى خيبَرَ)) أي: طرفها ممّا يلي المدينةَ. وللمصنَّ في الأطعمة (٥٣٨٤):
وهي على رَوْحة من خيبر. وقال أبو عُبيد البَكْري في («مُعجَم البُلْدان)»: هي على بَرِید.
وبيَّن البخاري في موضع آخر من الأطعمة (٥٣٨٤) من حديث ابن عُيَينةَ أنَّ هذه
الزِّيادة من قول يحيى بن سعيد أُدْرِجَت، وسيأتي الحديث قريباً (٢١٥) بدونِ الزِّيادة من
طریق سليمان بن بلال عن يحيى.
قوله: ((ثُمَّ دَعا بالأزوادِ» فيه جمع الرُّفَقاء على الزّاد في السَّفَر، وإنْ كان بعضهم أكثر
أكلاً، وفيه حمل الأزواد في الأسفار وأنَّ ذلك لا يَقدَح في التوَكُّل.