Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب ١٥ / ح ١٥٠
كتاب الوضوء
ولم يقع في رواية يحيى: ((مُستَدبِرِ القِبْلة)) أي: الكعبة، كما في رواية عُبيد الله بن عمر
(١٤٨)؛ لأنَّ ذلك من لازِم مَن استقبل الشام بالمدينة، وإنَّما ذُكِرَتْ في رواية عُبيد الله للتأكيدِ
والتصريح به، والتعبير تارة بالشام وتارة ببيتٍ المقدِس بالمعنى لأنهما في جهة واحدة.
١٥ - باب الاستنجاءِ بالماءِ
١٥٠- حدّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملِك، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي معاذٍ، واسمُه
عطاءُ بنُ أبي ميمونةَ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان النبيُّ وَ﴿ إذا خَرَجَ لحاجَتِه
أچِيءُ أنا وغُلامُ معَنا إداوةٌ من ماءٍ، يعني: يَستَنجي به.
[أطرافه في: ١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠]
قوله: ((باب الاستنجاء بالماءِ)) أراد بهذه الترجمة الرَّدَّ على مَن كَرِهَه، وعلى مَن نَفَى ٢٥١/١
وقوعه من النبي ێے، وقد روى ابن أبي شيبة (١٥٤/١-١٥٥) بأسانيد صحيحة عن
حُذيفة بن اليمان ﴾ أنه سُئِلَ عن الاستنجاء بالماء فقال: إذاً لا يزال في يدي نَتْن، وعن
نافع: أنَّ ابن عمر كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن الزُّبَير قال: ما كنّا نفعَله. ونقل ابن النِّين
عن مالك أنه أنكر أنْ يكون النبي وَ ل﴿ استَنْجَى بالماء. وعن ابن حَبيب من المالكيَّة: أنه مَنَعَ
الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم.
قوله: ((هشام بن عبد الملك)) هو الطَّيالسي، والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: ((أجيء أنا وغُلام)) زاد في الرواية الآتية عَقِبها (١٥١): ((منّا)) أي: من الأنصار،
وصَرَّحَ به الإسماعيلي في روايته، ولمسلم (٢٧١): ((نحوي)) أي: مُقارب لي في السِّن.
والغُلام: هو المُتَرَغْرِعِ، قاله أبو عُبيد، وقال في ((المحكم): من لَدُنِ الفِطام إلى سبع
سنين، وحكى الَّتَشري في ((أساس البلاغة)): أنَّ الغُلام هو الصغير إلى حَدِّ الالتِحاء، فإنْ
قیل له بعد الالتحاء: غُلام، فهو مجاز.
قوله: «إداوة)» بکسر الهمزة: إناء صغير من چِلْد.
قوله: ((من ماء)) أي: مملوءة من ماء.

٥٢٢
باب ١٦ / ح ١٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يعني يَستَنجي به)) قائل ((يعني)) هو هشام. وقد رواه المصنّف بعد هذا عن سليمان
ابن حرب فلم يَذكُرها، لكنَّه رواه عَقِبَه (١٥٢) من طريق محمد بن جعفر، عن شُعْبة فقال:
(يَستَنجي بالماء))، والإسماعيلي من طريق ابن مرزوق عن شُعْبة: ((فأنْطَلِقِ أنا وغُلام من
الأنصار معنا إداوة فيها ماء يَستَنْجي منها النبي وَّ))، وللمصنّف (٢١٧) من طريق رَوْح بن
القاسم، عن عطاء بن أبي ميمونة: ((إذا تَبَرَّزَ لحاجَتِه أتيته بماءٍ فَيَغسِل به))، ولمسلم (٦٩/٢٧٠)
من طريق خالد الخَذّاء، عن عطاء، عن أنس: ((فخرج علينا وقد استَنْجَى بالماء)).
وقد بان بهذه الرِّوايات أنَّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الَّّد
على الأَصِيلي حيثُ تَعَقَّبَ على البخاري استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء قال:
لأنَّ قوله: ((يستنجي به)) ليس هو من قول أنس إنَّما هو من قول أبي الوليد، أي: أحد الرُّواة
عن شُعْبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شُعْبة فلم يَذكُرها، قال: فيحتمل أنْ يكون الماء
لوُضوئِه. انتهى، وقد انتفى هذا الاحتمال بالرِّوايات التي ذكرناها، وكذا فيه الرَّد على مَن
زَعَمَ أنَّ قوله: ((يستنجي بالماء)» مُدرَج من قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مُرسَلاً فلا
حُجّة فيه، كما حكاه ابن التِّين عن أبي عبد الملك البَوْني، فإنَّ رواية خالد التي ذكرناها تدل
على أنه قول أنس حيثُ قال: فخرج علينا.
ووَقَعَ هنا في ((نُكَت)) البدر الزَّرْكشي تصحيف، فإنَّه نَسَبَ التعقّب المذكور إلى الإسماعيلي
وإنَّما هو للأَصِيلي، وأقرّه فكأنه ارتَضَاه وليس بمَرْضٍّ كما أوضحناه. وكذا نَسَبَه الكِرْمانيُّ إلى
ابن بَطَّال وأقرّه عليه، وابن بَطَّال إنَّما أخذه عن الأَصِيلي.
١٦ - باب من مُلَ معه الماءُ لُهوره
وقال أبو الدَّرْداء: أليسَ فيكُم صاحبُ الثَّعْلَيْنِ والطَّهورِ والوِسَادِ؟
١٥١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي معاذٍ - هو عطاءُ بنُ أبي
ميمونة - قال: سمعتُ أنساً يقول: كان رسولُ اللهِ وَلّهِ إذا خَرَجَ لحاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أنا وغُلامٌ مِنّا
مَعَنا إداوةٌ من ماءٍ.

٥٢٣
باب ١٦ / ح ١٥١
كتاب الوضوء
قوله: ((باب من مُمل معه الماء لطُهورِه)) هو بالضم، أي: ليَتَطَّهَّر به.
قوله: ((وقال أبو الدَّرْداء: أليس فيكُم)) هذا الخِطاب لعَلْقَمةَ بن قيس، والمراد بصاحبٍ
النَّعْلَينِ وما ذُكِرَ معهما: عبد الله بن مسعود، لأنه كان يَتَوَلَى خِدْمة النبيِ ◌ّ في ذلك،
وصاحب الثَّعَلَينِ في الحقيقة هو النبي ◌َّهِ، وقيل لابن مسعود صاحب النَّعْلَيْنِ مَجازاً لكَوْنه
كان/ يَحمِلهما، وسيأتي الحديث المذكور موصولاً عند المصنّف في المناقب (٣٧٦١) إن شاء ٢٥٢/١
الله تعالى.
وإيراد المصنِّف لحديث أنس مع هذا الطَّرَف من حديث أبي الدَّرْداء يُشعِرِ إشعاراً قويّاً
بأنَّ الغُلام المذكور من حديث أنس هو ابن مسعود، وقد قدَّمنا أنَّ لفظ الغُلام يُطلَق على
غير الصغير مجازاً، وقد قال النبي ◌ِّ لابن مسعود بمكّة وهو يَرْعَى الغَنَمِ: ((إنَّك لَغُلام
مُعلَّم))(١)، وعلى هذا فقول أنس: ((وغُلام منّ)) أي: من الصحابة أو من خَدَم النبي ◌ِّ.
وأمَّا رواية الإسماعيلي التي فيها: ((من الأنصار)) فلعلَّها من تصرُّف الراوي حيثُ رأى
في الرواية ((منّ)) فحملها على القَبَليَّة فرواها بالمعنى فقال: ((من الأنصار))، أو إطلاق
الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإنْ كان العُرْف خَصَّه بالأوسِ والخَزْرَج.
وروى أبو داود (٤٥) من حديث أبي هريرة قال: ((كان النبي وَلّ إذا أتى الخَلاء أتيته
بماءٍ في رَكْوة فاستَنْجَى)) فيحتمل أنْ يُفسَّر به الغلام المذكور في حديث أنس، ويُؤيِّده ما
رواه المصنّف (٣٨٦٠) في ذِكْر الجِن من حديث أبي هريرة: أنه كان يَحمِل مع النبي ◌ِّ
الإداوة لوُضوئِه وحاجته، وأيضاً فإنَّ في رواية أُخرى لمسلم (٢٧٠): أنَّ أنساً وَصَفَه
بالصِّغَرِ في ذلك الحديث، فيَبَعُد لذلك أنْ يكون هو ابن مسعود والله أعلم، ويكون المراد
بقوله: ((أصغرنا)) أي: في الحال لقُرْبٍ عَهْده بالإسلام.
وعند مسلم (٣٠١٢) في حديث جابر الطّويل الذي في آخر الكتاب: أنَّ النبيَّ ◌َل
انطلقَ لحاجَتِه فاتَّبَعَه جابر بإداوةٍ، فيحتمل أنْ يُفسَّر به الُبهَم، لا سيَّما وهو أنصاري. ووَقَعَ
(١) أخرجه أحمد (٣٥٩٨)، وانظر تتمة تخريجه فيه.

٥٢٤
باب ١٧ / ح ١٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شُعْبة: ((فأَتْبَعه وأنا غُلام)) بتقديم الواو
فتكون حاليَّة، لكن تعقّبه الإسماعيلي بأنَّ الصحيح: ((أنا وغلام)) أي: بواو العَطْف.
١٧ - باب حَمْل العَنَزة مع الماء في الاستنجاء
١٥٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن عطاءِ
ابنِ أبي ميمونةَ، سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان رسولُ الله ◌َّهِيَدخُلُ الخَلَاءَ فأحملُ أنا وغُلامٌ
إداوةً من ماءٍ وعَنَزَةً يَستَنجي بالماءِ.
تابعَه النَّضْرُ وشاذانُ، عن شُعْبَةَ.
قوله: ((باب ◌َمْل العَنَّزة مع الماء في الاستنجاء)) العَنَزة بفتح النّون: عصاً أقصَر من الرُّمْح
لها ◌ِنان، وقيل: هي الحَرْبة القصيرة. ووَقَعَ في رواية كريمة في آخر حديث هذا الباب:
((العَنَزة عصاً عليها زُجٌ)) بزايٍ مضمومة ثمَّ جيم مُشدَّدة، أي: سِنان، وفي ((الطَّقات)) لابن
سعد (٢٣٥/٣- ٢٣٦): أنَّ النَّجاشي كان أهداها للنبيِّ ◌َێ، وهذا يُؤيِّد گَوْنها كانت على
صفة الحربة لأنها من آلات الحبشة كما سيأتي في العيدين (٩٧٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((سَمِعَ أنس بن مالك)) أي: ((أنه سمع)) ولفظة ((أنه)) تُحذَف في الخط عُرْفاً.
قوله: ((يَدخُل الخَلَاء)) المراد به هنا الفَضاء لقوله في الرواية الأخرى (١٥١): ((كان إذا
خرج لحاجَتِه)) ولِقَرينة حمل العَنَزة مع الماء، فإنَّ الصلاة إليها إنَّما تكون حيثُ لا سُتْرة
غيرها. وأيضاً فإنَّ الأخلِيَة التي في البيوت كان خِدْمته فيها مُتعلِّقة بأهلِهِ.
وفَهِمَ بعضهم من تبويب البخاري أنها كانت تُحمَل ليَستَتِرِ بها عند قضاء الحاجة، وفيه
نظر، لأنَّ ضابط السُّتْرة في هذا ما يَسْتُر الأسافل والعَنَزَةُ ليست كذلك. نعم يحتمل أنْ
يَرْكُزها أمامه ويضع عليها الثوب الساتر، أو يركزها بجَنْبه لتكون إشارة إلى منع مَن يَرُوم
المُرور بقُرْبه، أو تُحمَل لنَبْشِ الأرض الصُّلْبة، أو لمنع ما يَعِرِض من هوامٌّ الأرض، لكَوْنه
﴿ كان يُبعِد عند قضاء الحاجة، أو تُحمَل لأنه كان إذا استَنْجَى تَوضَّأ، وإذا تَوضَّأَ صَلَّى،
وهذا أظهرُ الأوجُه، وسيأتي التبويب على العَنَزة في سُتْرة المصلِّ في الصلاة (٤٩٩).

٥٢٥
باب ١٨ / ح ١٥٣
كتاب الوضوء
٢٥٣/١
واستدلَّ البخاري بهذا الحديث على غسل البول كما سيأتي (٢١٧).
وفيه جواز استخدام الأحرار - خصوصاً إذا أُرصِدوا لذلك - ليَحصُل لهم التمَرُّن على
التواضع.
وفيه أنَّ في خِدْمة العالم شرفاً للمُتعلُّم، لكَوْن أبي الدَّرْداء مَدَحَ ابن مسعود بذلك.
وفيه حُجّة على ابن حَبيب حيثُ مَنَعَ الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم، لأنَّ ماء المدينة كان
عَذْباً.
واستدلَّ به بعضهم على استحباب التوضُّؤْ مِن الأواني دون الأنهار والبِرَك، ولا
يستقيم إلَّا لو كان النبي ◌َ﴿﴿ وَجَدَ الأنهار والبِرَك فعَدَلَ عنها إلى الأواني.
قوله: ((تابعَه النَّضْر)) أي: ابن شُمَيلِ، تابعَ محمد بن جعفر، وحديثه موصول عند
النَّسائيّ (٤٥).
قوله: ((وشاذانُ) أي: الأسود بن عامر، وحديثه عند المصنِّف في الصلاة (٥٠٠) ولفظه:
((ومعنا عُّزة أو عصاً أو عَنَرة))، والظاهر أنَّ ((أو)) شك من الراوي لتَوافُقِ الرِّوايات على ذِكْر
العَنَزة، والله أعلم.
وجميع الرُّواة المذكورين في هذه الأبواب الثلاثة بصريُّون.
١٨ - باب النهي عن الاستنجاء باليمين
١٥٣ - حذَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، قال: حدّثنا هشامٌ - هو الدَّسْتُوائيُّ -عن یحیی بنِ أبي کثیرِ،
عن عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إذا شَرِبَ أحَدُكُمْ فلا يَتَنَفَّسْ في
الإناءِ، وإذا أَتِى الْخَلَاءَ فلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِینِه ولا يَتمَسَّحْ بیَمِينِهِ)).
[طرفاه في: ١٥٤، ٥٦٣٠]
قوله: ((باب النَّهْي عن الاستنجاء باليمين)) أي: باليدِ اليُمنَى، وعَبَّر بالنهي إشارة إلى أنه
لم يَظْهر له هل هو للتحريم أو للتنزيه، أو أنَّ القَرِينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تَظْهَر

٥٢٦
باب ١٨ / ح ١٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
له، وهي أنَّ ذلك أدب من الآداب، وبكَوْنِه للتنزيه قاله الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى
أنه للتحريم، وفي كلام جماعة من الشافعيَّة ما يُشعِر به.
لكن قال النَّووي: مراد مَن قال منهم: لا يجوز الاستنجاء باليمين، أي: لا يكون مباحاً
يستوي طرفاه، بل هو مكروه راجح التَّرك، ومع القول بالتحريم فمَن فعله أساءَ وأجزَأه.
وقال أهل الظاهر وبعض الحنابلة: لا يُجْزِئ، ومحلُّ هذا الاختلاف حيثُ كانت اليد تباشِر
ذلك بآلةٍ غيرها كالماء وغيره، أمَّا بغير آلة فحرام غير مُجْزِئ بلا خِلاف، واليُسرَى في ذلك
کالیُمنَی، والله أعلم.
قوله: ((حدّثنا معاذ بن فَضَالة)) بفتح الفاء والضاد المعجَمة، وهو بصري من قدماء
شيوخ البخاري.
قوله: ((هو الدَّستُوائي)) أي: ابن أبي عبد الله لا ابن حَسّان، وهما بصريّان ثِقَتان
مشهوران من طبقة واحدة.
قوله: ((عن أبيه)) أي: أبي قتادة الحارث، وقيل: عَمْرو، وقيل: النُّعْمان الأنصاري، فارس
رسول الله وَلَّه أوَّل مَشاهده أُحُد، ومات سنة أربع وخمسين على الصحيح فيهما.
قوله: ((فلا يَتَنَفَّسْ)) بالجَزْم و((لا)) ناهية في الثلاثة، ورُوِيَ بالضم فيها على أنَّ ((لا))
نافية.
قوله: ((في الإناء)) أي: داخله، وأمَّا إذا أبانَه وتَنفَّس فھی السُّنّة كما سيأتي في حديث أنس
في كتاب الأشربة (٥٦٣٠) إن شاء الله تعالی.
وهذا النهي للتَّأْدُّبِ لإرادة المبالَغة في النَّظافة، إذْ قد يَخْرُج مع النَّفَس بُصاق أو مُخاط أو
بُخار رديء فيُكْسِبه رائحة كريهة، فيَتقذَّر بها هو أو غيرُه عن شُرْبه.
قوله: ((وإذا أتى الخَلاء)) أي: فبالَ كما فسَّرَتْه الروايةُ التي بعدها (١٥٤).
قوله: ((ولا یَتمَسَّخْ بیمینِه)» أي: لا يَستَنجِ.
وقد أثارَ الخطَّبيُّ هنا بحثاً وبالَغَ في التبجُّح به، وحکی عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه

٥٢٧
باب ١٩ / ح ١٥٤
كتاب الوضوء
ناظَرَ رجلاً من الفقهاء الخُراسانيّين فسألَه عن هذه المسألة فأعياه جوابه، ثمَّ أجاب
الخطَّبيُّ عنه بجوابٍ فيه نظرٌ، ومُحصَّل الإيراد: أنَّ المُستجمِر متى استجمَرَ / بيساره ٢٥٤/١
اسْتَلْزَمَ مَسَّ ذَكرِه بيمينه، ومتى أمسَكَه بيساره استَلْزَمَ استجماره بيمينِهِ، وكلاهما قد شَمِلَه
النهي، ومُحصَّل الجواب: أنه يَقصِد الأشياء الضَّخْمة التي لا تزول بالحركة كالجِدار ونحوه
من الأشياء البارزة فيَسْتجمِر بها بيساره، فإنْ لم يجد فلْيُلْصِقْ مَفْعَدَته بالأرض ويُمْسِك ما
يَسْتجمِر به بين عَقِبَيَه أو إبهامَيْ رِجْليه ويَسْتجمِر بيساره، فلا يكون مُتصرِّفاً في شيء من
ذلك بيمينه. انتهى، وهذه هَيْئة مُنكَرة، بل يتعذَّر فعلها في غالب الأوقات.
وقد تعقّبه الطِّييُّ بأنَّ النهي عن الاستجمار باليمين مُخْتَصِّ بالدُّبُر، والنهي عن المسِّ
مُخْتَص بالذَّكَرِ، فبَطَلَ الإيراد من أصله، كذا قال.
وما ادَّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدُّبُرِ مردود، والمس وإنْ كان مُختصّاً بالذَّكَرِ لكن
يُلحَق به الدُّبُر قياساً، والتنصيص على الذَّكَر لا مفهوم له بل فَرْج المرأة كذلك، وإنَّما خُصَّ
الذَّكَر بالذِّكْر لكَوْن الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام
إلَّا ما خُصَّ.
والصواب في الصورة التي أوردها الخطّبيُّ ما قاله إمام الحرمين ومَن بعده كالغَزاليِّ في
((الوسيط)) والبَغَوي في ((التهذيب)): أنه يُمِرُّ العُضْو بيساره على شيء يُمْسِكه بيمينِه وهي
قارّة غير مُتَحَرِّكة، فلا يُعَدُّ مُستجمِراً باليمين ولا ماسّاً بها، ومَن ادَّعَى أنه في هذه
الحالة يكون مُستجمِراً بيمينِه فقد غَلِط، وإنَّما هو كمَن صَبَّ بيمينه الماء على يساره حال
الاستنجاء.
١٩ - باب لا یمسك ذکره بیمینه إذا بالَ
١٥٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدّثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بنِ أبي کثیرٍ، عن عبدِ الله
ابنِ أبي قتادةَ، عن أبيه، عن النبيِّ وَ قال: «إذا بالَ أحَدُكُم فلا يأْخُذَنَّ ذكرَه بِيَمِينِهِ، ولا
يَستَنجي بيَمِينِه، ولا يَتَنَفَّسْ في الإناء)).

٥٢٨
باب ١٩ / ح ١٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب لا يُمْسِك ذكره بيمينِهِ إذا بالَ)) أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ النهي المطلَق عن
مَس الذَّكَر باليمين كما في الباب قبله، محمول على المقيَّد بحالة البول فيكون ما عداه مباحاً.
وقال بعض العلماء: يكون ممنوعاً أيضاً من باب الأولى، لأنه نُهي عن ذلك مع مَظِنّة
الحاجة في تلك الحالة.
وتعقَّبه أبو محمد بن أبي جَمْرة بأنَّ مَظِنّة الحاجة لا تَخْتَصُّ بحالة الاستنجاء، وإنَّما
خُصَّ النهي بحالة البول من جهة أنَّ مُجَاوِر الشيء يُعطَى حُكْمِه، فلمَّا مُنِعَ الاستنجاء
باليمين، مُنِعَ مَسُ آلَتِهِ حَسْماً للمادّة. ثمّ استدلَّ على الإباحة بقوله وَّ لطَلْقٍ بن علي حين
سألَه عن مَسِّ ذَكَره: ((إنَّما هو بَضْعة منك))(١)، فدلَّ على الجواز في كل حال، فخرجت حالة
البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة. انتهى.
والحديث الذي أشار إليه صحيح أو حسن، وقد يقال: حملُ المطلَق على المقيَّد غير مُتَّفَق
عليه بين العلماء، ومَن قال به يشترط فيه شروطاً، لكن نَّه ابن دَقِيق العيد على أنَّ مَحَلَّ
الاختلاف إنَّما هو حيثُ تتغاير ◌َخارج الحديث بحيثُ يُعَد حديثَينِ مُخْتَلِفَين، فأمَّا إذا اَحَدَ
المخرَج وكان الاختلاف فيه من بعض الرُّواة، فينبغي حمل المطلق على المقيَّد بلا خِلاف،
لأَنَّ التقييد حينئذٍ يكون زيادة من عَدْل فتُقبَل.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يوسف)) هو الفِرْيابي، وقد صَرَّحَ ابن خُزيمة في روايته (٧٩)
بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة، وصَرَّحَ ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٣٩/١)
بالتحديث في جميع الإسناد، أورده من طريق بِشْر بن بكر عن الأوزاعيِّ، فحصل الأمنُ
من محذور التدلیس.
قوله: ((فلا يأخذَنَّ» كذا لأبي ذرِّ بنون التأكيد ولغيره بدونها، وهو مطابق لقوله في
٢٥٥/١ الترجمة: ((لا يُمْسِك)) وكذا في مسلم (٦٣/٢٦٧) التعبير بالمَسْكِ/ من رواية همَّام عن
يحيى، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي: ((لا يَمَس)) فاعتُرِضَ على ترجمة البخاري بأنَّ المسَّ أعمُّ
(١) أخرجه أحمد (١٦٢٨٦)، وأبو داود (١٨٢)، وابن ماجه (٤٨٣)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٣).

٥٢٩
باب ٢٠ / ح ١٥٥
كتاب الوضوء
من المسك، يعني: فكيف يُستَدل بالأعمِّ على الأخصّ؟ ولا إيراد على البخاري من هذه
الحَيْئِيَّة لما بَيَّنّاه.
واستَنْبَطَ منه بعضهم منع الاستنجاء باليدِ التي فيها الخاتَم المنقوش فيه اسم الله تعالى،
لكَّوْن النهي عن ذلك لتَشْرِيفِ اليمين فيكون ذلك من باب الأَولى، وما وَقَعَ في «العُنْبِيَّةِ))
عن مالك من عدم الكراهة، قد أنكره حُذّاق أصحابه.
وقيل: الحِكْمة في النهي لكَوْن اليمين مُعَدّة للأكل بها، فلو تَعاطَى ذلك بها لَأمكنَ أنْ
يَتَذكَّرَه عند الأكل فيتأذَّى بذلك، والله أعلم.
قوله: ((ولا يَتَنَّس في الإناء)» جملة خَبَرَيَّة مُستقِلّة إنْ كانت ((لا)) نافية، وإنْ كانت ناهية
فمعطوفة، لكن لا يلزم من كَوْن المعطوف عليه مقيَّداً بقَيْدٍ أنْ يكون المعطوف مقيّداً به،
لأَنَّ التَنَفُّس لا يتعلَّق بحالة البول وإنَّما هو حُكْم مُستقِل، ويحتمل أنْ تكون الحِكْمة في
ذِكْرها هنا أنَّ الغالب من أخلاق المؤمنين التأسّي بأفعال النبي ◌َِّ، وقد كان إذا بالَ
تَوضَّأ(١)، وثبت أنه شَرِبَ فضل وَضوئِهِ(٢)، فالمؤمن بصَدَدِ أنْ يفعل ذلك، فعلَّمَه أدب
الشُّرْب مُطلَقاً لاستحضاره، والتنَفُّس في الإناء مُخْتَص بحالة الشُّرْب كما دلَّ عليه سياق
الرواية التي قبله، وللحاكم (١٣٩/٤) من حديث أبي هريرة: «لا يَتَنَفَّس أحدُكم في الإناء
إذا كان يَشْرب منه))، والله أعلم.
٢٠ - باب الاستنجاء بالحجارة
١٥٥- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ المكِيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ يحيى بنِ سعيدِ بنِ عَمْرٍو المكِيُّ،
عن جَدِّه، عن أبي هُرَيرةَ قال: أَّبَعْتُ النبيَّ وَ﴿ وَخَرَجَ لحاجَتِهِ، وكان لا يَلتَفِتُ، فَنَوْتُ منه،
فقال: ((ابْغِني أحجاراً أَستنفِضْ بها - أو نَحْوَه - ولا تَأْتِ بعَظْم ولا رَوْثٍ)) فأتيتُه بأحجارٍ
(١) أخرجه أبو داود (١٦٦) من حديث سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، والحديث فيه اضطراب على
ما هو مبيَّن في التعليق على ((مسند أحمد)» (١٥٣٨٤).
(٢) أخرجه أحمد (٩٧١)، وانظر تتمة تخريجه فيه.

٥٣٠
باب ٢٠ / ح ١٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
بِطَرَفِ ثِيابي فَوَضَعْتُها إلى جَنْبه وأعرَضْتُ عنه، فلمَّا قَضَى آتْبَعَه بهِنَّ.
[طرفه في: ٣٨٦٠]
قوله: ((باب الاستنجاء بالحجارة)) أراد بهذه الترجمة الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الاستنجاء مُخْتَص
بالماء، والدّلالة على ذلك من قوله: ((أستنِفِض)) فإنَّ معناه: أستنجي، كما سيأتي.
قوله: «حدّثنا أحمد بن محمّد المگِي)» هو أبو الوليد الأزرقي، جد أبي الوليد محمد بن
عبد الله صاحب ((تاريخ مكّة))، وفي طَبَقَته أحمد بن محمد المكِّي أيضاً لكنَّ كُنْيته أبو محمد،
واسم جَدّه عَوْن ويُعرَف بالقَوّاس، وقد وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ البخاري روی عنه، وإنَّما روی
عن أبي الوليد، ووهمَ أيضاً مَن جعلهما واحداً.
قوله: ((عن جَدّه)) يعني سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص بن أُميَّةِ القُرَشِي الأُمَوي،
وعَمْرو بن سعيد هو المعروف بالأشدَقِ الذي وليَ إمرة المدينة، وكان يُجهِّز البُعوث إلى مكّة
كما تقدَّم في حديث أبي شُرَيح الخُراعي (١٠٤)، وكان عَمْرو هذا قد تَغَلَّبَ على دمشق في
زمن عبد الملك بن مروان، فقَتَلَه عبد الملك وسَيَّرَ أولاده إلى المدينة، وسَكنَ ولدُه مكّة لمَّا
ظهرتْ دولة بني العبّاس فاستمرُّوا بها، ففي الإسناد مَكِّان ومَدَنّان.
قوله: (أَبَعْت)) بتشديد التاء المثنَّة، أي: سِرْت وراءَه، والواو في قوله: ((وخرج)) حاليَّة
وفي قوله: ((وكان)) استئنافيَّة، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((فكان)) بالفاء.
قوله: ((فَدَنَوْتُ منه)) زاد الإسماعيليّ: ((أستأنِس وأتَنحنَح، فقال: مَن هذا؟ فقلت: أبو
هريرة)).
قوله: ((ابغِني)) بالوصل من الثَّلاثيّ، أي: اطلُبْ لي، يقال: بَغَيْتُك الشيءَ، أي: طلبتُه
٢٥٦/١ لك. وفي رواية بالقَطْع، أي: أعِنّي / على الطَّلَب، يقال: أبغَيْتُك الشيء، أي: أعنْتُك على
طلبه، والوصل ألْيَق بالسِّياق، ويُؤيِّده رواية الإسماعيلي: ((ائتِني)).
قوله: ((أستنفِضْ)) بفاءٍ مكسورة وضاد مُعجَمة مجزومٌ، لأنه جواب الأمر، ويجوز الرفع
على الاستئناف، قال القَزّاز: قوله: ((أستنفِض)) أستَفْعِلُ من النَّفْض: وهو أنْ تَهُزَّ الشيء

٥٣١
باب ٢٠ / ح ١٥٥
كتاب الوضوء
ليَطيرَ غبارُه، قال: وهذا موضع ((أستَنْظِف))، أي: بتقديم الظاء المُشالة على الفاء، ولكن
کذا روي. انتھی.
والذي وَقَعَ في الرواية صواب، ففي (القاموس)): استنفَضَه: استخرَجَه، وبالحَجَر:
استَنْجَى، وهو مأخوذ من كلام المطرِّزي قال: الاستنفاض: الاستخراج، ويُكنَّی به عن
الاستنجاء، ومَن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحَّف. انتهى.
ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي: ((أستَنْج)) بدل ((أستنفِض)) وكأنها المراد بقوله في روايتنا:
(أو نحوه))، ویکون التردُّد من بعض رواته.
قوله: ((ولا تَأْتِنِ)) كأنه ◌َّهِ خَشِيَ أنْ يَفْهَم أبو هريرة من قوله: ((أستَنْج)) أنَّ كل ما يُزيل
الأثر ويُنقّي كافٍ ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبّهه باقتصاره في النهي على العَظْم
والرَّوْث على أنَّ ما سواهما مجزئ، ولو كان ذلك مُتصّاً بالأحجار - كما يقوله بعض
الحنابلة والظاهريَّة - لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنًى، وإنَّما خَصَّ الأحجار بالذِّكْر
لكثرة وُجودها، وزاد المصنِّف في المبعَث (٣٨٦٠) في هذا الحديث: أنَّ أبا هريرة قال له وَّل
لمَّا فرغ: ((ما بال العَظْم والرَّوْث؟ قال: هما من طعام الجِن)) والظاهر من هذا التعليل
اختصاص المنع بهما، نعم يَلتَحِق بهما جميع المطعومات التي للآدميّين قياساً من باب الأَولى،
وكذا المحترمات كأوراقٍ كتب العلم.
ومَن قال: عِلّة النهي عن الرَّوْث كَوْنه نجساً، ألْقَ به كل نَجَس مُتنجِّس، وعن العَظْم كَوْنه
لَزِجاً فلا يُزيل إزالة تامّة، ألْقَ به ما في معناه كالزُّجاج الأملَس، ويُؤيِّده ما رواه الدَّارَقُطْنِيُّ
(١٥٢) وصَحَّحَه من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَّهِ نهى أنْ يُسْتَنجَى بَرَوْثٍ أو بعَظْم وقال:
(إنََّمَا لا يُطِّران)) وفي هذا رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ الاستنجاء بهما يُجْزِئ وإنْ كان منھیاً عنه. وسيأتي
في کتاب المبعث (٣٨٦٠) بیان قِصّة وفْد الجِن وأيّ وقت كانت إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وأعرَضْتُ)) كذا في أكثر الرِّوايات، وللكُشْمِيهَني: ((واعتَرَضْت)) بزيادة مُثنَّة
بعد العين والمعنى متقارب.

٥٣٢
باب ٢١ / ح ١٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلمَّا قَضَى)) أي: حاجتَه ((آتْبَعه)) بهمزة قَطْع، أي: ألْحقه، وكُنّيَ بذلك عن
الاستنجاء.
وفي الحديث جواز اتِباع السادات وإنْ لم يأْمُّروا بذلك، واستخدام الإمام بعض رَعيَّتَه،
والإعراض عن قاضي الحاجة، والإعانة على إحضار ما يُستَنجَى به وإعداده عنده لئلا
يحتاج إلى طلبها بعد الفَراغ فلا يأْمَن التلَوُّث، والله تعالى أعلم.
٢١ - بابٌ لا يُستَنجی بَرَوثٍ
١٥٦- حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا زهيرٌ، عن أبي إسحاقَ قال: ليسَ أبو عبيدةَ ذَكَرِه،
ولكنْ عبدُ الرحمنِ بنُّ الأسوَد، عن أبيه: أنَّه سَمِعَ عبدَ الله يقول: أتى النبيُّنَّ الغائطَ فأمَرَني
أنْ آتِيَه بثلاثةِ أحجارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَينِ والتَمَسْتُ الثالثَ فلم أجِدْه، فأخذْتُ رَوْثةً فأتيتُه بها،
فأخذ الحجَرَينِ وألْقَى الرَّوْثَةَ وقال: ((هذا رِكْسٌ)).
وقال إبراهيمُ بنُ يوسفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدَّثني عبدُ الرحمن.
قوله: ((باب)) بالتنوين ((لا يُستَنَجَى)) بضم أوَّله.
قوله: ((زهیر) هو ابن معاوية الجعفي الکوفي، والإسناد کلُّه کوفیُّون، وأبو إسحاق: هو
السَّبيعي وهو تابعي، وكذا شيخه عبد الرحمن وأبوه الأسود.
قوله: «ليس أبو عبيدة)) أي: ابن عبد الله بن مسعود.
٢٥٧/١
وقوله: «ذكره)) أي: لي «ولكنْ عبد الرحمن بن الأسود)» أي: هو الذي ذكره لي بدلیل
قوله في الرواية الآتية المعلّقة: ((حدَّثني عبد الرحمن)، وإنَّما عَدَلَ أبو إسحاق عن الرواية
عن أبي عُبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن - مع أنّ رواية أبي عُبيدة أعلى له - لگوْن أبي
عُبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون مُنقطِعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنَّهَا
موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند
التِّرمِذي (١٧) وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق، فمراد أبي إسحاق هنا

٥٣٣
باب ٢١ / ح ١٥٦
كتاب الوضوء
بقوله: ((ليس أبو عُبيدة ذكره)) أي: لست أرْوِيه الآن عن أبي عُبيدة وإنَّما أرويه عن عبد
الرحمن.
قوله: ((عن أبيه)) هو الأسود بن يزيد النَّخَعيُّ صاحب ابن مسعود، وقال ابن التِّين: هو
الأسود بن عبد يَغُوث الزُّهْرُّ، وهو غلط فاحش، فإنَّ الأسود الزُّهْري لم يُسْلِم فضلاً عن
أنْ یعیش حتّی یروي عن عبد الله بن مسعود.
قوله: ((أتى الغائط)) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاءِ الحاجة.
قوله: ((فلم أجِد)) وللكُشْمِيهَنيٍّ: ((فلم أجده)) أي: الحَجَر الثالث.
قوله: ((بثلاثة أحجار)) فيه العمل بها دلَّ عليه النهي في حديث سَلْمان عن النبي وَلّم قال:
((لا يَستَنجِ أحدكُم بأقلّ من ثلاثة أحجار)) رواه مسلم (٢٦٢)، وأخذ بهذا الشافعي
وأحمد وأصحاب الحديث فاشترطوا أنْ لا يَنقُص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم
يَحَصُل بها فيُزاد حتَّى يُنِي، ويُستحَب حينئذٍ الإيتار لقوله: ((ومَن استجمَرَ فَلْيُوتِرِ))(١)،
وليس بواجبٍ لزيادةٍ في أبي داود حسنة الإسناد قال: ((ومَن لا فلا حَرَج))(٢)، وبهذا يَحَصُل
الجمع بين الرِّوايات في هذا الباب.
قال الخطَّابيُّ: لو كان القصد الإنقاء فقط لَخَلا اشتراط العَدَد عن الفائدة، فلمَّا اشترطَ
العَدَد لفظاً وعُلِمَ الإنقاء فيه معنَى، دلَّ على إيجاب الأمرين، ونظيره العِدّة بالأقراءِ، فإنَّ
العَدَد مُشتَرَط ولو تَحقَّقَتْ براءة الرَّحِم بقُرْءٍ واحد.
قوله: ((فَأَخَذْت رَوْثة)) زاد ابن خُزيمة (٧٠) في رواية له في هذا الحديث: أنها كانت
رَوْثة حمار، ونقل التَّيْمِيُّ: أنَّ الرَّوْث مُخْتَص بما يكون من الخيل والبغال والحمير.
قوله: ((وألْقَى الرَّوْثة)) استدلَّ به الطَّحاويُّ على عدم اشتراط الثلاثة قال: لأنه لو كان
(١) سيأتي عند المصنف برقم (١٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف لضعف حصين
الحميري وجهالة أبي سعيد الخير، وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)) برقم (٨٨٣٨).

٥٣٤
باب ٢١ / ح ١٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
مُشْتَرَطاً لطلبَ ثالثاً، كذا قال، وغَفَلَ رحمه الله عمَّا أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٤٢٩٩) من
طريق مَعمَر، عن أبي إسحاق، عن عَلْقَمة، عن ابن مسعود في هذا الحديث فإنَّ فيه:
(فألْقَى الرَّوْثة وقال: إنَّهَا رِكْس، ائِنِي بحَجَرٍ)) ورجاله ثقات أثبات(١)، وقد تابعَ عليه
مَعمَراً أبو شَيْبة(٢) الواسطيُّ وهو ضعيف أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٢/١٤٨)، وتابعَهما عَّار بن
رُزَيق أحد الثَّقات عن أبي إسحاق، وقد قيل: إنَّ أبا إسحاق لم يسمع من عَلْقَمة(٣)، لكن
أثبَتَ سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسيُّ، وعلى تقدير أنْ يكون أرسَلَه عنه فالمُرسَل حُجّة
عند المخالفين وعندنا أيضاً إذا اعتُضد.
واستدلال الطَّحاوي أيضاً فيه نظرٌ بعد ذلك، لاحتمال أنْ يكون اكتفى بالأمر الأوَّل
في طلب الثلاثة فلم يُحدِّد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرفٍ أحدهما عن الثالث، لأنَّ
المقصود بالثلاثة أنْ يمسح بها ثلاث مَسَحات، وذلك حاصل ولو بواحدٍ، والدليل على
صِحَّته أنه لو مَسَحَ بطرفٍ واحدٍ ورَمَاه، ثمَّ جاءَ شخص آخر فمَسَحَ بطرفِه الآخر
لَأ جزأهما بلا خِلاف.
وقال أبو الحسن بن القَصّار المالكي: رُوِيَ: أنه أتاه بثالثٍ، لكن لا يصح، ولو صَحَّ
فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم، لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة فحصل لكُلِّ
منهما أقلّ من ثلاثة. انتهى، وفيه نظرٌ أيضاً، لأنَّ الزّيادة ثابتة كما قدَّمناه، وكأنه إنَّما وَقَفَ
على الطريق التي عند الدَّارَ قُطنيِّ فقط. ثمَّ يحتمل أنْ يكون لم يَخْرُج منه شيء إلَّا من سبيل
واحد، وعلى تقدير أنْ يكون خرج منهما فيحتمل أنْ يكون اكتفى للقُبُلِ بالمسح في الأرض
وللدُّبُرِ بالثلاثة، أو مَسَحَ من كلٍّ منهما بطرفين.
وأمَّا استدلالهم على عدم الاشتراط للعَدَدِ بالقياس على مسح الرأس ففاسد الاعتبار، لأنه
(١) انظر التعليق على («المسند» (٤٢٩٩) لزاماً.
(٢) تحرف في (س) إلى: شعبة. وأبو شيبة هذا: هو إبراهيم بن عثمان العبسي، قال الحافظ في ((التقريب)):
مشهور بكنيته، متروك الحديث.
(٣) قائل ذلك هو أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والبرديجي.

٥٣٥
باب ٢١ / ح ١٥٦
كتاب الوضوء
في مُقابلة النَّص الصریح کما قدَّمناه من حديث أبي هريرة وسَلْمان، والله أعلم.
قوله: ((هذا رِكْس)) كذا وَقَعَ هنا بكسر الراء وإسكان الكاف فقيل: هي لغة في رِجْس ٢٥٨/١
بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجَهْ (٣١٤) وابن خُزيمة (٧٠) في هذا الحديث فإنّها عندهما
بالجيم، وقيل: الرِّكْس: الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطَّابيُّ
وغيره. والأَولى أنْ يقال: رُدَّ من حالة الطعام إلى حالة الرَّوْث.
وقال ابن بَطَّل: لم أرَ هذا الحَرْف في اللُّغة، يعني الرِّكْس بالكاف. وتعقّبه أبو عبد الملك
بأنَّ معناه الرَّد كما قال تعالى: ﴿أُرْكِسُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] أي: رُدّوا، فكأنه قال: هذا رَدّ
علیك. انتھی، ولو ثبت ما قال لكان بفتح الراء يقال: رَكَسَه رَکْساً: إذا رَدَّه، وفي رواية
التِّرمِذي (١٧): «هذا رِكْس)) يعني نَجَساً(١)، وهذا يُؤْيِّد الأوَّل. وأغربَ النَّسائيُّ فقال عَقِب
هذا الحديث (٤٢): الرِّكْس طعام الجِن، وهذا إنْ ثبت في اللُّغة فهو مُريح من الإشكال.
قوله: ((وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه)) يعني: يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق
السَّبيعي، عن أبي إسحاق وهو جَدّه قال: حدَّثني عبد الرحمن - يعني ابن الأسود بن
يزيد - بالإسناد المذكور أوَّلاً.
وأراد البخاري بهذا التعليق الردَّ على مَن زَعَمَ أنَّ أبا إسحاق دلَّسَ هذا الخبر كما حُكيَ
ذلك عن سلیمان الشاذگُوني حیثُ قال: لم يُسمَع في التدليس بأخفی من هذا، قال: «لیس
أبو عُبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن)) ولم يقل: ذكره لي. انتهى.
وقد استدلَّ الإسماعيلي أيضاً على صِحَّة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن
بكَوْنِ يحيى القَطَّن رواه عن زهير فقال بعد أنْ أخرجه من طريقه: والقَطَّان لا يَرْضَى أنْ
يأخذ عن زهير ما ليس بسماعٍ لأبي إسحاق، وكأنه عُرِفَ ذلك بالاستقراءِ من صنيع القَطَّان
أو بالتصريح من قوله، فانزاحَتْ عن هذه الطريق عِلّة التدليس.
وقد أعلَّه قوم بالاضطراب، وقد ذكر الدَّارَقُطنُّ الاختلاف فيه على أبي إسحاق في
(١) الذي بين أيدينا من رواية الترمذي: «إنها رکس)) لم يزد.

٥٣٦
باب ٢٢ -٢٣ / ح ١٥٧ - ١٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
كتاب ((العِلَل))، واستوفيتُه في مُقدِّمة ((الشرح الكبير))، لكن رواية زهير هذه تَرَجَّحَتْ عند
البخاري بمتابعة يوسف حَفيد أبي إسحاق، وتابعَهما شَريك القاضي وزكريًّا بن أبي زائدة
وغيرهما، وتابعَ أبا إسحاق على روايته عن عبد الرحمن المذكور ليتُ بن أبي سُلَيم وحديثه
يُستشهَد به أخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ١٥٧). وممّا يُرجِّحها أيضاً استحضار أبي إسحاق
لطريق أبي عبيدة وعُدوله عنها بخلاف رواية إسرائيل عنه عن أبي عُبيدة، فإنَّه لم يتعرَّض
فيها لرواية عبد الرحمن كما أخرجه التِّرمِذي (١٧) وغيره، فلمَّا اختارَ في رواية زهير طريق
عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة، دلَّ على أنه عارف بالطريقين، وأنَّ رواية عبد الرحمن
عنده أرجح، والله أعلم.
٢٢ - باب الوضوء مرةً مرةً
١٥٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن زيدٍ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن ابن عبّاس قال: توضَّأ النبيُّ ◌ِل ◌ِهِ مَرّةً مَرّةً.
قوله: ((باب الوضوء مَرّة مَرّة)) أي: لكلِّ عُضْو، والحديث المذكور في الباب مُجمَل، وقد
تقدَّم بيانه (١٤٠) في («باب غسل الوجه باليدَينِ من غَرْفة واحدة)».
وسفيان: هو الثَّوْري، والراوي عنه الفِرْيابي لا البِيكَنْدي، وصَرَّحَ أبو داود (١٣٨)
والإسماعيلي في روایتھما بسماع سفیان له من زيد بن أسلم.
٢٣ - باب الوضوء مرَّتین مَّتین
١٥٨- حدَّثنا حُسَينُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا فُلِيحُ بنُ
سليمانَ، عن عبدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن عَبَّادِ بنِ تَميمٍ، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ: أنَّ
النبيَّ وَّهِ توضَّأْ مَرَّتين مرَّتين.
قوله: ((باب الوضوء مرَّتين مرَّتين)) أي: لكلِّ عضوٍ.
٢٥٩/١
قوله: ((حدَّثنا الحسين بن عيسى)) هو البَسْطامي بفتح الموحّدة، ويونس: هو المؤدِّب،

٥٣٧
باب ٢٤ / ح ١٥٩
كتاب الوضوء
وفُليح ومَن فوقه مدنُّون، وعبد الله بن زيد: هو ابن عاصم المازني، وحديثه هذا مُتْصَر
من حديثٍ مشهور في صفة وضوء النبي والتر كما سيأتي بعدُ (١٨٥) من حديث مالك
وغيره، لكن ليس فيه الغسل مرتين إلَّا في اليدَينِ إلى المرفقَين. نعم، روى النَّسائيُّ (٩٩)
من طريق سفيان بن عُيَينَةَ في حديث عبد الله بن زيد التثنية في اليدَينِ والرِّجلَينِ ومَسْح
الرأس وتثليث غسل الوجه، لكن في الرواية المذكورة نظرٌ سنشيرُ إليه بعدُ إن شاء الله
تعالى. وعلى هذا فحقُّ حديث عبد الله بن زيد أنْ يُوَّب له غسل بعض الأعضاء مَرّة
وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً.
وقد روى أبو داود (١٣٦) والتِّرمِذي (٤٣) وصحَّحه وابن حِبَّان (١٠٩٤) من حديث
أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َّه تَوضَّأ مرتين مرتين، وهو شاهد قوي لرواية فُليح هذه، فيحتمل أنْ
يكون حديثه هذا المجمَل غير حديث مالك المبيِّن لاختلاف تَخَرَجهما، والله أعلم.
٢٤ - باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
١٥٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأَوَسيُّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، عن ابن
شِهابٍ، أنَّ عطاءَ بنَ يزيدَ أخبره، أنَّ مُمْرانَ مولى عثمانَ أخبره: أنَّه رأى عثمانَ بنَ عَقَّانَ دَعا
بإناءٍ فأفرَغَ على كفَّيْه ثلاثَ مِرارٍ فَفَسَلَهُما ثمَّ أدخلَ يَمِينَه في الإناءِ فمَضْمَضَ واستثَرَ، ثمَّ
غَسَلَ وجهَه ثلاثاً ویدیهِ إلى المِفقَينِ ثلاثَ مِرارٍ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه ثمَّ غَسَلَ رِجْلیه ثلاث مِرارٍ
إلى الكَعْبين، ثمَّ قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((مَن تَوضَّأْ نَحْوَ وُضُوئي هذا، ثمَّ صَلَى رَڭعتَينِ لا
يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبه)).
[أطرافه في: ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣]
قوله: (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً) أي: لكل عُضوٍ.
قوله: ((عطاء بن يزيد)) هو الليثي المدني. والإسناد كلَّه مدنيُّون، وفيه ثلاثة من التابعين: حُمران
- وهو بضمِّ المهمَلة - ابن أبان، وعطاء، وابن شهاب. وفي الإسناد الذي يليه أربعة من التابعين:
مُمْران وعُرْوة وهما قَرينان، وابن شِهاب وصالح بن كَيْسان وهما قرينان أيضاً.

٥٣٨
باب ٢٤ / ح ١٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (دَعا بإناءٍ)) وفي رواية شعيب الآتية قريباً (١٦٤): ((دَعا بوَضوءٍ))، وكذا لمسلمٍ
(٢٢٦) من طريق يونس، وهو بفتح الواو: اسم للماءِ المُعَد للوضوء، وبالضم: الذي هو
الفعل، وفيه الاستعانة على إحضار ما يُتَوضَّأ به.
قوله: ((فأفرَغَ)) أي: صَبَّ.
قوله: ((على كفَّيْه ثلاث مِرار)) كذا لأبي ذرِّ وأبي الوَقْت، وللأصِيليِّ وكَرِيمة: ((مرات))
بِمُثَنَّةٍ آخره، وفيه غسل اليدينِ قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عَقِبَ نوم احتياطاً.
قوله: ((ثمَّ أدخلَ يمينه)) فيه الاغتراف باليمين. واستَدلَّ به بعضهم على عدم اشتراط نيَّة
الاغتراف، ولا دلالة فيه نفياً ولا إثباتاً.
قوله: ((فَمَضْمَضَ واستَنَثَ)) وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((واستنَشَقَ)) بدل ((واستثَر))، والأوَّل أعم، وثبتت
الثلاثة في رواية شعيب الآتية (١٦٤) في ((باب المضمضة)، ولم أرَ في شيء من طرق هذا الحديث
تقييد ذلك بعَدَدٍ. نعم، ذكره ابن المنذر(١) من طريق يونس عن الزُّهْري، وكذا ذكره أبو داود
(١٠٨- ١٠٩) من وجهين آخرَينٍ عن عثمان، وأَّفْقَتِ الرّوايات على تقديم المضمضة.
٢٦٠/١
قوله: ((ثمَّ غَسَلَ وَجْهه)) فيه تأخيره عن المضمضة/ والاستنشاق، وقد ذكروا أنَّ حِكْمة
ذلك اعتبار أوصاف الماء، لأنَّ اللون يُدرَك بالبصر، والطَّعْم يُدرَك بالفم، والرّيح يُدرَك
بالأنف، فقُدِّمَتِ المضمضة والاستنشاق وهما مسنونان قبل الوجه وهو مفروض، احتياطاً
للعبادة. وسیأتي ذِكْر حكمة الاستنثار في الباب الذي يليه.
قوله: ((ويديه إلى المِرفقَينِ)) أي: كل واحدة كما بيَّنه المصنّف في رواية مَعمَر عن الزُّهْري
في الصوم (١٩٣٤)، وكذا لمسلم (٢٢٦) من طريق يونس وفيها تقديم اليُمنَى على اليُسرَى
والتعبير في كلٍّ منهما بـ((ثُمَّ))، وكذا القول في الرِّجلَينِ أيضاً.
قوله: ((ثمَّ مَسَحَ بَرَأْسِه)) هو بحذف الباء في الرِّوايتين المذكورتين، وليس في شيء من
طرقه في ((الصحيحين)) ذِكْر عدد المسح، وبه قال أكثر العلماء.
(١) في ((الأوسط)) ١/ ٣٨٧.

٥٣٩
باب ٢٤ / ح ١٥٩
كتاب الوضوء
وقال الشافعي: يُستحَب التثليث في المسح كما في الغُسْل، واستَدلَّ له بظاهر رواية لمسلم
(٢٣٠): أنَّ النبيَّ ◌َّهِ تَوضَّأ ثلاثاً ثلاثاً، وأُجيبَ بأنه مُجمَل تَبيَّن في الرِّوايات الصحيحة أنّ
المسح لم يتكرّر فيُحمل على الغالب أو يختصُّ بالمغسول، قال أبو داود في ((السُّنَن)): أحاديث
عثمان الصِّحاح كلّها تدل على أنَّ مَسْح الرأس مَرّة واحدة. وكذا قال ابن المنذر: إنَّ الثابت
عن النبي ◌َّ في المسح مَرّة واحدة، وبأنَّ المسح مبنيّ على التخفيف فلا يُقاس على الغُسْل
المراد منه المبالَغة في الإسباغ، وبأنَّ العَدَد لو اعتُبِرَ في المسح لصارَ في صورة الغُسْل، إذْ حقيقة
الغُسْلِ جَرَيان الماء، والدَّلْك ليس بمُشتَرَطٍ على الصحيح عند أكثر العلماء.
وبالَغَ أبو عبيدة فقال: لا نعلم أحداً من السَّلَف استَحَبَّ تثليث مَسْح الرأس إلَّا إِبراهيم
التَّيْمي، وفيما قال نَظَر، فقد نقله ابن أبي شَيْبة وابن المنذر عن أنس وعطاء وغيرهما، وقد روى
أبو داود من وجهین (١٠٧، ١١٠) صَخَّحَ أحدهما ابن خزيمة (١٥١) وغيره في حديث عثمان
تثليثَ مسح الرأس، والزّيادة من الثَّقة مقبولة(١).
قوله: ((نحو وُضوئي هذا)) قال النَّووي: إنَّما لم يقل: ((مِثل)) لأنَّ حقيقة مُماثَلَته لا يَقْدِر
عليها غيره. قلت: لكن ثبت التعبير بها في رواية المصنِّف في الرِّقاق (٦٤٣٣) من طريق
معاذ بن عبد الرحمن، عن حُمْران، عن عثمان ولفظه: «مَن تَوضَّأ مثل هذا الوضوء)» وله في
الصيام (١٩٣٤) من رواية مَعمَر: ((مَن تَوضَّا وُضوئي هذا»، ولمسلم (٢٢٩) من طريق زيد
ابن أسلمَ عن حُمْران: ((تَوضَّأ مِثل وضوئي هذا)) وعلى هذا فالتعبير بـ((نحو)) من تصرُّف
الرُّواة لأنها تُطلَق على المِثِليَّة مَجازاً، لأنَّ (مِثل)) وإنْ كانت تقتضي المساواة ظاهراً، لكنَّها
تُطلَق على الغالب، فبهذا تَلْتَئِمِ الرِّوايتان ويكون المتروك بحيثُ لا يُحِلُّ بالمقصود، والله
تعالى أعلم.
(١) العجب من الحافظ رحمه الله كيف يقول هذا وفي إسناد الروايتين مقال، ففي الأولى عبد الرحمن بن
وَزْدان قال عنه هو في ((التقريب)): مقبول؛ أي: عند المتابعة وإلا فليِّن الحديث، وفي الثانية عامر بن شقيق
ابن جمرة قال عنه في ((التقريب)» أيضاً: ليِّن الحديث. فمثلُ هذين لا تُقبَل مخالفتهما للثقات الذين تدلُّ
رواياتهم لحديث عثمان على أن مسح الرأس مرة واحدة، والله الموفِّق.

٥٤٠
باب ٢٤ / ح ١٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ صَلَى رَكْعتَينٍ)) فيه استحباب صلاة رَكْعتَينِ عَقِب الوضوء، ويأتي فيهما ما
يأتي في تحِيَّة المسجد (٩٣٠).
قوله: ((لا يُحدِّث فيهما نفسه)» المراد به ما تَسْتَرسِل النفس معه ويُمكِّن المَرْءِ قَطْعه، لأنَّ
قوله: ((يُحدِّث)) يقتضي تَكَسُّباً منه، فأمَّا ما يَهْجُم من الخَطَرات والوساوس ويتعذَّر دفعه
فذلك معفوٌ عنه.
ونقل القاضي عِيَاض عن بعضهم: أنَّ المراد مَن لم يَحَصُل له حديث النفس أصلاً
ورأساً، ويَشْهَد له ما أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) بلفظ: ((لم يسر فيهما)».
ورَدَّ النَّووي فقال: الصواب حُصول هذه الفضيلة مع طَرَيان الخواطر العارضة غير
المُستقرّة، نعم من اتّفقَ أنْ تجمُل له عدم حدیث النفس أصلاً أعلى درجة بلا رَیْب. ثمَّ
إنَّ تلك الخواطر منها ما يتعلَّق بالدنيا والمراد دَفْعه مُطلَقاً، ووَقَعَ في رواية للحَكيم
التِّرمِذي في هذا الحديث: ((لا يُحدِّث نفسَه بشيءٍ من الدنيا»، وهي في ((الزهد)» لابن المبارك
أيضاً و((المصنَّف)) (٢/ ٣٨٦) لابن أبي شَيْبة، ومنها ما يتعلَّق بالآخرة فإنْ كان أجنبياً أشبهَ
أحوال الدنيا، وإنْ كان من مُتَعلَّقات تلك الصلاة فلا، وسيأتي بقيَّة مباحث ذلك في کتاب
الصلاة إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((من ذَنْبه)) ظاهره يَعُم الكبائر والصغائر، لكنَّ العلماء خَصّوه بالصغائرِ لوُرودِهِ
٢٦١/١ مقيّداً باستثناءِ الكبائر في غیر هذه الرواية، وهو / في حق من له کبائر وصغائر، فمَن ليس له
إلَّا صغائر كُفِّرَتْ عنه، ومَن ليس له إلَّا كبائر خُفِّفَ عنه منها بمِقْدار ما لصاحبِ الصغائر،
ومَن ليس له صغائر ولا كبائر يزداد في حسناته بنظیرٍ ذلك.
وفي الحديث التعليم بالفعل لكَوْنه أبلَغَ وأضبطَ للمُتعلِّم، والترتيب في أعضاء الوضوء
للإتيان في جميعها بثم، والترغيب في الإخلاص، وتحذير مَن لَهَا في صلاته بالتفكيرِ في
أُمور الدنيا من عدم القَبُول، ولا سيَّما إنْ كان في العَزْم على عمل معصية، فإنَّه يَحَضُرِ المَرْءِ
(١) انظر: باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة، في آخر كتاب العمل في الصلاة، بين يدي الحديث (١٢٢١).