Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٤٠ / ح ١١٥ كتاب العلم وقد روى الحميدي هذا الحديث في («مسنده)) (٢٩٢) عن ابن عُيَينةَ قال: حدَّثنا مَعمَر عن الزّهْري، قال: وحدَّثنا عَمْرو ويحيى بن سعيد عن الزُّهْري، فصَرَّحَ بالتحديث عن الثلاثة. قوله: ((ويحيى بنُ سعيد)) هو الأنصاري، وأخطَأْ مَن قال: إنَّه القَطَّان؛ لأنه لم يسمع من الزُّهْري ولا لَقیَه. ووقع في غير رواية عن أبي ذرٍّ: ((عن امرأة)) بدل قوله: ((عن هِنْد)) في الإسناد الثاني، والحاصل أنَّ الزُّهْرِي كان رُبَّما أبهَمَها ورُبَما سمّاها. وقد رواه مالك في ((الموطَّأ)) (٩١٣/٢) عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزُّهْري ولم يَذكُرِ هِنْداً ولا أُم سَلَمة. قوله: ((سُبْحان الله ماذا))، ((ما)) استفهامية متضمِّنة لمعنى التعجُّب والتعظيم، وعَبَّر عن الرَّحْمة بالخَزائنِ كقوله تعالى: ﴿خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وعن العذاب بالفتنِ لأنها أسبابه، قال الكِرْمانيُّ: ويحتمل أنْ تكون ((ما)) نَكِرة موصوفة. قوله: ((أُنزِلَ)) بضم الهمزة، وللكُشْمِيهَني: ((أَنزل الله)) بإظهار الفاعل، والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المقدور، أو أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَو حيَ إليه في نومه ذاكَ بما سيقعُ بعده من الفتن فعَبَّر عنه بالإنزال. قوله: ((وماذا فُتِحَ من الخزائن)) قال الدَّاوودي: الثاني هو الأوَّل، والشيء قد يُعطَف على نفسه تأكيداً، لأنَّ ما يُفتَح من الخزائن يكون سبباً للفتنة، وكأنه فهمَ أنَّ المراد بالخزائنِ خزائن فارس والرّوم وغيرهما ممَّا فُتِحَ على الصحابة، لكنَّ المغايرة بين الخزائن والفتن أوضح لأنهما غير متلازمين، وكم من نائلٍ من تلك الخزائن سالمٌ من الفتن. قوله: ((صواحب الحُجَر)) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حُجْرة: وهي مَنازِل أزواج النبي وَلّهِ، وإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بالإيقاظِ لأنهُنَّ الحاضرات حينئذٍ، أو من باب («ابدأُ بنَفْسِك ثمَّ بمن تَعُول)»(١). (١) هذا بمعنی حدیث أخرجه مسلم برقم (٩٩٧) من حديث جابر. ٤٤٢ باب ٤٠ / ح ١١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فُرُبَّ كاسيةٍ)) استدلَّ به ابن مالك على أنَّ ((رُبَّ)) في الغالب للتكثير، لأنَّ هذا ٢١١/١ الوصف للنساء وهُنَّ أكثر أهل / النار. انتهى، وهذا يدل لوُرودِها في التكثير لا لأكثريَّتها فیه. قوله: ((عاريَةٍ» بتخفيف الياء، وهي مجرورة في أكثر الروايات على النَّعْت، قال السُّهَيلي: إنَّه الأحسن عند سيبويه، لأنَّ ((رُبَّ)) عنده حرف جر يلزم صَدْر الكلام، قال: ويجوز الرفع على إضمار مُبتدَأ والجملة في موضع النَّعْت، أي: هي عارية، والفعل الذي تتعلَّق به ((رُبَّ)) محذوف. انتهى. وأشار ◌َله بذلك إلى مُوجِب إيقاظ أزواجه، أي: لا ينبغي لهنَّ أنْ يَتَغَافَلْنَ عن العبادة ويعتمدْنَ على كَوْنهنَّ أزواج النبي ◌ِّ. وفي الحديث جواز قول: ((سُبْحان الله)) عند التعجُّب، ونَدْبيَّة ذِكْر الله بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لا سيّما عند آية تَحدُث. وسيأتي بقيَّة الكلام على هذا الحديث في كتاب الفتن (٧٠٦٩) إن شاء الله تعالى. وفي هذا الإسناد رواية الأقران في موضعَين: أحدهما: ابن عُيَينةَ عن مَعمَر، والثاني: عَمْرو ويحيى عن الزُّهْري. وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض في نَسَقٍ. وهِنْد قد قيل: إنَّها صحابيَّة، فإنْ صَحَّ فهو من رواية تابعي عن مثله عن صحابيَّة عن مثلها، وأُم سَلَمةَ هي أُم المؤمنين، و كانت تلك الليلة ليلتها. وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خَشْية الشَّر كما قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان ◌َ له إذا حَزَبَه أمر فَزِعَ إلى الصلاة(١)، وأمَرَ مَن رأى في منامه ما یکْرَه أنْ يُصلّي(٢)، وسيأتي ذلك في مواضعه. (١) أخرجه أحمد (٢٣٢٩٩)، وأبو داود (١٣١٩) من حديث حذيفة، وفي إسناده ضعف. (٢) سيأتي عند المصنف برقم (٧٠١٧) من حديث أبي هريرة. ٤٤٣ باب ٤١ / ح ١١٦ كتاب العلم وفيه التسبيح عند رُؤْية الأشياء المَهُولة، وفيه تحذير العالم مَن يأخذ عنه من كل شيء يَتَوقَّع حصوله، والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور، والله أعلم. ٤١- باب السَّمَر في العلم ١١٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني الليثُ، حدَّثه عبدُ الرحمن بنُ خالد، عن ابن شِهابٍ، عن سالمٍ وأبي بَكْرِ بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ، قال: صَلَّى بنا النبيُّ وَّ العِشاءَ في آخر حَياتِه، فلمَّا سَلَّمَ قامَ فقال: ((أُرَأْيَتَكُمْ ليلتَكُم هذه، فإنَّ رَأْسَ مئةٍ سنةٍ منها لا يَبقَى مَمَّن هو على ظَهْرِ الأرضِ أحَدٌ)). [طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١] قوله: ((باب السَّمَر)) هو بفتح المهملة والميم، وقيل: الصواب إسكان الميم لأنه اسم للفعل، ومعناه: الحديث بالليل قبل النوم، وبهذا يَظْهر الفَرْق بين هذه الترجمة والتي قبلها. قوله: ((في العلم)) كذا في رواية أبي ذرِّ بإضافة الباب إلى السَّمَر، وفي رواية غيره: ((بابٌ السَّمَرُ في العلم» بتنوین ((باب)). قوله: ((حدَّثني الليث حدَّثه عبد الرحمن))(١) أي: أنه حدَّثه عبدُ الرحمن، وفي رواية غیر أبي ذرٍّ: ((حدَّثني عبد الرحمن))، والليث وعبد الرحمن قَرِينان. قوله: «عن سالم)) أي: ابن عبد الله بن عمر. قوله: ((أبي حَثْمة)) بفتح المهملة وسكون المثلَّثة، واسم أبي حَثْمة عبد الله بن حُذَيفة العَدَويُّ، وأمَّا أبو بكر الراوي فتابعي مشهور لم يُسمَّ، وقد قيل: إنَّ اسمه كُنْيته. قوله: ((صَلَّى لنا)) أي: إماماً، وفي رواية: ((بنا) بموخَّدةٍ. قوله: ((العِشاء)) أي: صلاة العِشاء. قوله: ((في آخر حياته)) جاءَ مقيَّداً في رواية جابر: أنَّ ذلك كان قبل موته وَِّ بشهرٍ(٢). (١) في (س): ((حدثني الليث قال: حدثني عبد الرحمن)) وهو خطأ. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٣٨). ٤٤٤ باب ٤١ / ح ١١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أُرَأْيَتَكُم)) هو بفتح المثنَّاة لأنها ضمير المخاطَب والكاف ضمير ثانٍ لا محل لها من الإعراب والهمزة الأولى للاستفهام، والرُّؤْية بمعنى العلم أو البصر، والمعنى: أعَلِمْتُم أو أبصَرْتُم ليلتَكم، وهي منصوبة على المفعوليَّة، والجواب محذوف تقديره: قالوا: نَعَم، قال: فاضبطوها. وتَرِدُ ((أرأيتَكم)) للاستخبار كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٧]، قال الزمخشري: المعنى: أخبروني، ومُتعلّق الاستخبار محذوف تقديره: مَن تَدْعون، ثمَّ بَكَّتَهم فقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]. انتهى، وإنَّما أوردت هذا ٢١٢/١ لأنَّ بعض الناس نقل كلام الزمخشري/ في الآية إلى هذا الحديث، وفيه نظر، لأنه جعل التقدير: أخبروني ليلتكم هذه فاحفظوها، وليس ذلك مطابقاً لسياق الآية. قوله: ((فإنَّ رَأْس» وللأَصِيلِيِّ: ((فإنَّ على رأس» أي: عند انتهاء مئة سنة. قوله: ((منها)) فيه دليل على أنَّ (من)) تكون لابتداءِ الغاية في الزَّمان كقول الكوفِین، وقد رَدَّ ذلك نُحاة البصرة، وأوَّلوا ما وَرَدَ من شواهده كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] وقول أنس: ((ما زِلْتُ أُحِب الدُّبّاء من يومئذٍ))(١)، وقوله: ((مُطِرْنا من يوم الجمعة إلى الجمعة))(٢). قوله: ((لا يَبقَى ثَمَّن هو على ظَهْر الأرض، أي: الآن موجوداً أحد إذْ ذاك، وقد ثبت هذا التقدير عند المصنّف من رواية شعيب عن الزُّهْري كما سيأتي في الصلاة (٦٠١) مع بقيّة الكلام عليه. قال ابن بَطَّل: إنَّما أراد رسول الله وَّهِ أَنَّ هذه المدَّة تَخْتَرِم الجيل الذي هم فيه، فَوَعَظَهم بقِصَرِ أعمارهم، وأعلمهم أنَّ أعمارهم ليست كأعمار مَن تقدَّم من الأُمَم ليَجْتَهِدوا في العبادة. (١) سيأتي عند المصنف برقم (٢٠٩٢). (٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٠١٦). ٤٤٥ باب ٤١ / ح ١١٧ كتاب العلم وقال النَّووي: المراد أنَّ كل مَن كان تلك الليلة على الأرض، لا يَعيش بعد هذه الليلة أكثر من مئة سنة، سواء قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مئة سنة، والله أعلم. ١١٧ - حدَّثْنا آدمُ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: حدَّثنَا الحَكَمُ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ، عن ابن عبّاس، قال: بِتُّ في بيتٍ خالَتي ميمونةَ بنتِ الحارثِ زوجِ النبيِّ وََّ، وكان النبيُّ ◌َلـ عندَها في ليلَتِها، فصَلَّى النبيُّ ◌ِ﴿ِ العِشاءَ، ثمَّ جاءَ إلى مَنْزِلِه فصَلَّى أربعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ نامَ، ثمَّ قامَ، ثُمَّ قال: «نامَ الغُلِيِّمُ؟)) أو كَلِمَةً تُشْبِهُها، ثمَّ قامَ، فقُمْتُ عن يسارِهِ، فَجَعَلَني عن يَمِينِهِ، فصَلَّى خمسَ رَكَعاتٍ، ثمَّ صَلَّى رَكْعتَين، ثمَّ نامَ حتَّى سمعتُ غَطِيطَه ◌ِ أَو خَطِيطَه - ثمَّ خَرَجَ إلى الصلاةِ. [أطرافه في: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٧٤٥٢،٦٣١٦،٦٢١٥] قوله: ((حدَّثنا الحكم)) بفتحتين: هو ابن عُتَبية - بالمثنَّة - تصغير عُتْبة، وهو تابعي صغير، وكان أحد الفقهاء. قوله: ((ثمَّ جاء)) أي: من المسجد. قوله: ((نامَ الغُلِّم)) بضم المعجَمة، وهو من تصغير الشَّفَقة، والمراد به ابن عبّاس، ويحتمل أنْ يكون ذلك إخباراً منه وَله بنومِه، أو استفهاماً بحذف الهمزة وهو الواقع. ووقع في بعض النُّسَخِ: ((يا أُم الغُلِّم)» بالنِّداءِ، وهو تصحیف لم تثبت به روایة. قوله: ((أو كَلِمة)) بالشَّكُّ من الراوي، والمراد بالكلمة: الجملة أو المفرَدة، ففي رواية أُخرى: ((نامَ الغلامُ))(١). (١) هذه الرواية عند أحمد (٣١٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٠٧). وقد جاء هنا بعد هذا في (ع) و(س) من قوله: ((غطيطه)) إلى قوله: ((دون الغطيط))، وما أثبتناه من (أ)، وهو الصواب الموافق لترتيب ألفاظ الحديث. ٤٤٦ باب ٤١ / ح ١١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثمَّ صَلَّى رَكْعتَينٍ)) أي: رَكْعتَ الفَجْر. وأغربَ الكِرْماني فقال: إنَّما فَصَلَ بينهما وبين الخمس ولم يقل: سبع ركعات، لأنَّ الخمس اقتَدَى ابن عبّاس به فيها بخلاف الرَّكْعَتَين، أو لأنَّ الخمس بسلامٍ والرَّكْعتَينِ بسلامٍ آخر. انتهى، وكأنه ظنَّ أنَّ الرَّكْعتَينِ من جملة صلاة الليل وهو مُتمَل، لكنَّ حملهما على سُنّة الفَجْر أَولى ليَحصُل الخَتْم بالوتر، وسيأتي تفصيل هذه المسألة في كتاب الصلاة في باب الوتر (٩٩٢) إن شاء الله تعالى. قوله: ((غَطِيطه) بفتح الغين المعجَمة: وهو صوت نَفَس النائم، والنَّخير أقوى منه. قوله: ((أو خَطيطه)) بالخاءِ المعجمة، والشَّك فيه من الراوي، وهو بمعنى الأوَّل، قاله الدَّاوودي، وقال ابن بَطَّال: لم أجده بالخاءِ المعجَمة عند أهل اللَّغة. وتَبِعَه القاضي عِيَاض فقال: هو هنا وَهْم. انتهى، وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغَطيط. ومناسبة حديث ابن عمر (١١٦) للترجمة ظاهرة لقوله فيه: ((قام فقال)) بعد قوله: ٢١٣/١ ((صَلَى العِشاء)). وأمَّا حديث ابن عبّاس فقال/ ابن المنيِرِ ومَن تَبِعَه: يحتمل أنْ يريد أنَّ أصل السَّمَر يَثْبُت بهذه الكلمة وهي قوله: ((نامَ الغُلَيِّم))، ويحتمل أنْ يريد ارتِقاب ابن عبّاس لأحوال النبي ◌َّ، ولا فَرْق بين التعليم من القول والتعليم من الفعل، فقد سَمَرَ ابن عبّاس ليلته في طلب العلم، زاد الكرماني: أو ما يُفهم من جعله إيّاه على یمینه کأنه قال له: قِفْ عن يميني، فقال: وقفتُ. وكل ما ذكره مُعتَرَض، لأنَّ مَن يَتَكَلَّم بكلمةٍ واحدة لا يُسمَّى سامراً، وصنيع ابن عبّاس يُسمَّى سَهَراً لا سَمَراً، إذ السَّمَر لا يكون إلَّا عن تحدُّث، قاله الإسماعيلي، وأبعدُها الأخير، لأنَّ ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يُسمَّى سَمَراً. وقال الكِرْماني تَبَعاً لغيره أيضاً: يحتمل أنْ يكون مراد البخاري: أنَّ الأقارب إذا اجتمعوا لا بُدَّ أنْ يَجريَ بينهم حديث للمُؤانَسة، وحديثه ◌َّ كلّه عِلْم وفوائد. قلت: والأَولى من هذا كلّه أنَّ مناسبة الترجمة مُستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعَينِه من طريق أُخرى، وهذا يصنعه المصنّف كثيراً يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتبُّع طرق الحديث، والنَّظَر في مواقع ألفاظ الزُّواة، لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أولى من الخَوْض فيه بالظَّن. ٤٤٧ باب ٤١ / ح ١١٧ كتاب العلم وإنَّما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحاً على حقيقة السَّمَر بعد العشاء، وهو ما أخرجه في التفسير (٤٥٦٩) وغيره من طریق گُریب عن ابن عبّاس قال: بتُّ في بيت ميمونة فتحدَّثَ رسول الله وَّه مع أهله ساعة ثمَّ رَقَد ... الحديث، فصَحَّت الترجمة بحَمْدِ الله تعالى من غير حاجة إلى تَعَسُّف ولا رَجْم بالظَّن. فإن قيل: هذا إنَّما يدل على السَّمَر مع الأهل لا في العلم، فالجواب: أنه يُلْحَق به، والجامع تحصيل الفائدة، أو هو بدليلِ الفَحْوى، لأنه إذا شَرَعَ في المباح ففي المُستَحَب من طريق الأَولى. وسنذكر باقي مباحث هذا الحديث حيثُ ذكره المصنّف مطوّلاً في كتاب الصلاة(١) (٩٩٢) إن شاء الله تعالى. ويدخل في هذا الباب حديث أنس: أنَّ النبيَّ وَّ خَطَبَهم بعد العِشاء، وقد ذكره المصنّف في كتاب الصلاة (٦٠٠)، ولأنسٍ حديث آخر في قِصَّة أُسَيْد بن حُضَيْر وقد ذكره المصنّف في المناقب (٣٨٠٥)، وحديث عمر: ((كان النبي ◌َِّ يَسْمُر مع أبي بكر في الأمر من أُمور المسلمينَ)) أخرجه التِّرمِذي (١٦٩) والنَّسائيُّ (ك ٨٢٠٠)، ورجاله ثقات، وهو صريح في المقصود، إلّا أنَّ في إسناده اختلافاً على عَلْقمة، فلذلك لم يصح على شرطه. وحديث عبد الله بن عَمْرو: ((كان نبي الله وَ ل﴿ يُحدِّثنا عن بني إسرائيل حتَّى يُصْبح لا يقوم إلّا إلى عظيم صلاة)) رواه أبو داود (٣٦٦٣) وصَحَّحَه ابن خُزيمة (١٣٤٢)، وهو من رواية أبي حَسّان عن عبد الله بن عَمْرو، وليس على شرط البخاري. وأمَّا حديث: ((لا سَمَر إلَّا لمُصَلٍّ أو مُسافر)) فهو عند أحمد (٣٦٠٣) بسندٍ فیه راوٍ مجهول، وعلى تقدير ثبوته فالسَّمَر في العلم يُلْحَق بالسَّمَرِ في الصلاة نافلة، وقد سَمَرَ عمر مع أبي موسى في مُذاكَرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاةَ! فقال عمر: إنّا في صلاة (٢)، والله أعلم. (١) في (س): في كتاب الوتر من كتاب الصلاة. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢/ ٢٨٠-٢٨١. ٤٤٨ باب ٤٢ / ح ١١٨ فتح الباري بشرح البخاري ٤٢ - باب حِفْظ العلم ١١٨ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، قال: إنَّ الناسَ يقولون: أكثرَ أبو هُرَيرةً! ولَوْلا آيتانِ في كتابِ الله ما حَدَّثْتُ حديثاً، ثمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِنَتِ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ -١٦٠]، إنَّ إخوانَنا مِن المهاجرِينَ كان يَشْغَلُهُم الصَّفْقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخْوانَنا مِن الأنصار كان يَشْغَلُهُم العملُ في أمْوالِهِم، وإِنَّ أبا هُرَيرةَ كان يَلزَمُ رسولَ اللهِ وَِّ لِشِبَعِ بَطْنِهِ، ويَحِضُرُ ما لا تَحِضُرُونَ، وتَحَفَظُ ما لا يَحِفَظُونَ. [أطرافه في: ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤] ٢١٤/١ قوله: ((باب حِفْظ العلم» لم يَذكُر في الباب شيئاً عن غير أبي هريرة، وذلك لأنه كان أحفظَ الصحابة للحديث، قال الشافعي : أبو هريرة أحفظ مَن روى الحديث في عصره. وقد كان ابن عمر يترحَّم عليه في جِنازَته ويقول: كان يَحِفَظ على المسلمین حديث النبي وَ ل، رواه ابن سعد (٣٤٠/٤). وقد دلَّ الحديث الثالث من الباب على أنه لم يُحدِّث بجميع محفوظه، ومع ذلك فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المُكْثِرِين، ولا يعارض هذا ما تقدَّم (١١٣) من تقديمه عبد الله بن عَمْرو على نَفْسه في كثرة الحديث لأنّا قدَّمنا الجواب عن ذلك، ولأنَّ الحديث الثاني من الباب دلَّ على أنه لم يَنْسَ شيئاً سمعه، ولم يَثبُت مثل ذلك لغيره. قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز)) هو الأُوَيسي المدني، والإسناد كلُّه مدنُّون. قوله: ((أكثرَ أبو هريرة)) أي: من الحديث عن رسول الله وَّه كما صَرَّحَ به المصنّف في البيوع (٢٠٤٧) من طريق شعيب عن الزُّهْري، وله فيه وفي المُزارَعة (٢٣٥٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري هنا زيادة وهي: «ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يُحدِّثون مِثل أحاديثه))، وبها تتبيَّن الحِكْمة في ذِكْره المهاجرين والأنصار ووضعه المُظْهَر موضع المُضمَر على طريق الحكاية حيثُ قال: ((أكثرَ أبو هريرة)) ولم يقل: أكثرتُ. ٤٤٩ باب ٤٢ / ح ١١٨ كتاب العلم قوله: ((ولولا آيتان)) مَقُول ((قال) لا مقول ((يقولون))، وقوله: ((ثُمَّ يتلو)) مَقُول الأعرَج، وذكره بلفظ المضارع استحضاراً لصورة التِّلاوة، ومعناه: لولا أنَّ الله ذَمَّ الكاتمين للعِلْم ما حدَّث أصلاً، لكن لمَّا كان الكِتْمان حراماً وَجَبَ الإظهار، فلهذا حصلت الكثرةُ لكثرة ما عنده. ثمَّ ذكر سبب الكثرة بقوله: ((إنَّ إخواننا)) وأراد بصيغة الجمع نَفْسه وأمثاله، والمراد بالأُخوّة أُخوّة الإسلام. قوله: ((يَشْغَلهم)) بفتح أوَّله من الثَّلاثي، وحُكيَ ضمّه وهو شاذّ. قوله: ((الصَّفْق)) بإسكان الفاء، هو ضَرْب اليد على اليد، وجَرَتْ به عادتهم عند عَقْد البيع. قوله: ((في أموالهم)) أي: القيام على مصالح زَرْعهم، ولمسلم (٢٤٩٢): ((كان يَشْغَلهم عمل أرَضيهم))، ولابن سعد: ((كان يَشْغَلهم القيام على أرَضيهم)»(١). قوله: ((وإنَّ أبا هريرة)) فيه الْتِفات، إذْ كان نَسَق الكلام أنْ يقول: وإني. قوله: (لِشِبَعِ)) بلام التعليل للأكثر وهو الثابت في غير البخاري أيضاً، وللأَصِيليِّ: ((بشِبَع)) بموخَّدةٍ أوَّله، وزاد المصنِّف في البيوع (٢٠٤٧): وكنت امرَأَ مِسْكيناً من مساكين الصُّفّة. قوله: ((ويَحَضُر)) أي: من الأحوال ((ويَحَفَظ)) أي: من الأقوال، وهما معطوفان على قوله: ((يلزم)). وقد روى البخاري في ((التاريخ)) (١٣٢/٦) والحاكم في ((المستدرك)) (٥١١/٣-٥١٢) من حديث طَلْحة بن عبيد الله شاهداً لحديث أبي هريرة هذا، ولفظه: لا أشُّك أنه سمع من رسول الله وَ ﴿ ما لا نسمع، وذلك أنه كان مِسْكيناً لا شيء له ضَيْفاً لرسول الله وَليم(٣)، (١) الذي في المطبوع من ((الطبقات)) ٢/ ٣٦٢ -٣٦٣ كرواية المصنف سواء. (٢) وهو بنحوه عند الترمذي أيضاً (٣٨٣٧) وأبي يعلى (٦٣٦)، وحسّن إسناده الحافظ فيما سيأتي عند الحديث (٣٧٠٨). ٤٥٠ باب ٤٢ / ح ١١٩ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج البخاري في ((التاريخ)) (١٨٦/١-١٨٧) والبيهقيُّ في ((المدخَل)) من حديث محمد ابن عُمارة بن حَزْم: أنه قَعَدَ في مجلس فيه مَشْيَخة من الصحابة بضعة عشر رجلاً فجعل أبو هريرة يُحِدِّثهم عن رسول الله وَّر بالحديث فلا يعرفه بعضهم، فيُراجعون فيه حتَّى يعرفوه، ثمَّ يُحدِّثهم بالحديث كذلك حتَّى فعل مِراراً، فعَرَفْت يومَئذٍ أنَّ أبا هريرة أحفظ الناس. وأخرج أحمد (٤٤٩٥) والتِّرمِذي (٣٨٣٦) عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: كنتَ ألْزِمَنا لرسول الله وَّهِ وأعرفَنا بحديثه. قال التِّرمِذي: حسن. واختُلِفَ في إسناد هذا الحديث على الزُّهْري فرواه مالك عنه هكذا، ووافقه إبراهيم ابن سعد (٢٣٥٠) وسفيان بن عُيَينَ (٧٣٥٤)، ورواه شعيب عن الزُّهْري عن سعيد بن ٢١٥/١ المسيِّب وأبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن كلاهما/ عن أبي هريرة (٢٠٤٧)، وتابعه يونس بن يزيد(١)، والإسنادان جميعاً محفوظان صَخَّحَهما الشيخان، وزادوا في روايتهم عن الزّهْري شيئاً سنذكره في هذا الحديث الثاني: ١١٩ - حذَّثنا أحمدُ بنُ أبي بكرٍ أبو مُصْعَبٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بن دِینارٍ، عن ابن أبي ذِثْبٍ، عن سعيدِ المَقْبُري، عن أبي هُرَيرةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إني أسمعُ منكَ حديثاً كثيراً أنساهُ. قال: ((ابسُطْ رِدَاءَكَ)) فَبَسَطْتُّه، قال: فَغَرَفَ بيديه، ثمَّ قال: ((ضُمَ)) فضَمَمْتُهُ، فما نَسِيتُ شَيئاً بعدُ. حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْك بهذا، أو قال: غَرَفَ بَيَدِه فيه. قوله: ((حدَّثنا أحمد بن أبي بَكْر)) هو الزُّهْري المدني صاحب مالك، وسقط قوله: ((أبو مُصعَب)) من رواية الأَصِيلي وأبي ذرٍّ، وهو بكُنْيته أشهر. والإسناد كلُّه مدنيُّون أيضاً وكذا الذي بعده. قوله: ((كثيراً) هو صفة لقوله: ((حديثاً)) لأنه اسم جنس. قوله: ((فغَرَفَ)) لم يَذكُر المغروف منه، وكأنها كانت إشارة مَخْضة. (١) متابعة يونس بن يزيد الشعيب أخرجها مسلم (٢٤٩٢) (١٦٠) من طريقه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحده عن أبي هريرة. ٤٥١ باب ٤٢ / ح ١١٩ كتاب العلم قوله: ((ضُمَّ)) وللكُشْمِيهَني والباقين: ((ضُمَّه)) وهو بفتح الميم ويجوز ضمّها، وقيل: يتعيَّن لأجلِ ضمّة الهاء، ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء وكسرها. قوله: ((فما نَسيت شيئاً بعدُ)) هو مقطوع الإضافة مبنيّ على الضم، وتنكير ((شيئاً) بعد النَّفي ظاهر العموم في عدم النِّسْيان منه لكلِّ شيء من الحديث وغيره. ووقع في رواية ابن عُيَينةَ (٧٣٥٤) وغيره عن الزُّهْري في الحديث الماضي: ((فوالذي بَعَثَه بالحقِّ ما نسيتُ شيئاً سمعته منه))، وفي رواية يونس عند مسلم (٢٤٩٢): ((فما نَسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدَّثني به)) وهذا يقتضي تخصيص عدم النِّسْيان بالحديث. ووقع في رواية شعيب (٢٠٤٧): ((فما نَسيت من مَقَالته تلك من شيء)) وهذا يقتضي عدم النِّسْيان بتلك المقالة فقط، لكنَّ سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومَن وافقه، لأنَّ أبا هريرة نبَّه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصح حمله على تلك المقالة وَحْدَها، ويحتمل أنْ تكون وقعت له قَضيَّتان: فالقَضيّهُ التي رواها الزّهْري مُختصّة بتلك المقالة، والقضيّة التي رواها سعيد المَقَبُرِيُّ عامّة. وأمَّا ما أخرجه ابن وَهْب من طريق الحسن بن عَمْرو بن أُميَّة قال: تَحدَّثْت عند أبي هريرة بحديثٍ فأنكره، فقلت: إني سمعته منك، فقال: إنْ كنتَ سمعته منّي فهو مكتوب عندي. فقد يُتَمسَّك به في تخصيص عدم النِّسْيان بتلك المقالة، لكنَّ سندَ هذا ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر، ويَلتَحِق به حديث أبي سَلَمَةَ عنه: ((لا عَدْوى)) فإنَّه قال فيه: إنَّ أبا هريرة أنكره. قال: فما رأيته نَسِيَ شيئاً غيره(١). فائدة: المقالة المُشار إليها في حديث الزُّهْري أُبهمَتْ في جميع طرقه، وقد وجدتها مُصرَّحاً بها في ((الِحِلْية)(٢) لأبي نُعيم (١٥٩/٢) من طريق أُخرى عن أبي هريرة قال: قال (١) سيأتي عند المصنف برقم (٥٧٧٠) و(٥٧٧١). (٢) المثبت من (أ)، وهو الموافق لتخريج الحافظ لهذا الحديث في مقدمته للشرح المسماة ((هدى الساري)) عند كلامه على بيان ترتيب الصحيح حسب الأبواب، في أول كلامه على كتاب البيوع، وفي (ع) و(س): مصرحاً بها في ((جامع الترمذي)) وفي ((الحلية))؛ بزيادة الترمذي وهو إقحام لا يصح. ٤٥٢ باب ٤٢ / ح ١١٩ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله وَله: ((ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ممَّا فَرَضَ الله، فيتعلَّمُهُنَّ ويُعلِّمُهُنَّ، إلَّا دخل الجنَّة)) فذكر الحديث. وفي هذين الحديثين فضيلة ظاهرة لأبي هريرة ومُعجِزة واضحة من علامات التُّبوّة، لأنَّ النِّسْيان من لوازم الإنسان، وقد اعترفَ أبو هريرة بأنه كان يُكثِرِ منه ثمَّ تَخَلَّفَ عنه ببَرَكة النبي ◌َلّ. وفي ((المستدرك)) للحاكم (٥٠٨/٣) من حديث زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخرُ عند النبيِنَ ◌ِّفقال: ((ادْعُوا)) فَدَعَوْت أنا وصاحبي وأمَّنَ النبي ◌َِّ، ثمَّ دَعا أبو هريرة فقال: اللهمَّ إني أسألك مِثل ما سألك صاحباي، وأسألك عِلْماً لا يُنسى، فَأَمَّنَ النبي ◌ِّه فقلنا: ونحنُ كذلك يا رسول الله، فقال: ((سَبَقَكما الغلامُ الدَّوْسي)»(١). ٢١٦/١ وفيه الحث على حِفْظ العلم. وفيه أنَّ التقلُّل/ من الدنيا أمكن لِحِفْظِهِ. وفيه فضيلة التكسُّب لمن له عيال. وفيه جواز إخبار المَرْء بما فيه من فضيلة إذ اضطُرَّ إلى ذلك وأُمنَ من الإعجاب. قوله: ((حدثنا ابن أبي فُدَيْك بهذا» أشكَلَ قوله: ((بهذا)) على بعض الشارحين لأنَّ ابن أبي فُدَيْك لم یتقدَّم له ذِكْر، وقد ظنَّ بعضهم أنه محمد بن إبراهيم بن دينار المذكور قبل، فيكون مراده أنَّ السِّياقَيْنِ مُتَّحِدان إلَّا في اللفظة المبيَّنَة فيه، وليس كما ظَنَّ، لأنَّ ابن أبي فُدَيْك اسمه محمد بن إسماعيل بن مسلم وهو لَيْئِي(٢) يُكنَى أبا إسماعيل، وابن دينار جُهَني يُكنَى أبا عبد الله، لكنِ اشتركا في الرواية عن ابن أبي ذِئْب لهذا الحديث ولغيره، وفي گوْنهما مَدَنَّين، وجَوَّزَ بعضهم أنْ يكون الحديث عند المصنِّ بإسنادٍ آخر عن غير ابن أبي ذِئْب، وكل ذلك غَفْلة عمَّا عند المصنِّف في علامات النُّبوّة (٣٦٤٨) فقد ساقه بالإسناد المذكور والمتن من غير تغيير إلَّا في قوله: ((بيديه)) فإنَّه ذكرها بالإفراد، وقال فيها أيضاً: ((فغَرَفَ)) (١) وأخرجه أيضاً النسائي في («الكبرى» (٥٨٣٩)، والراوي عندهما عن زيد بن ثابت هو قیس المدني، وهو مجهول تفرَّد بالرواية عنه ابنه. (٢) في (تهذيب الكمال)» وفروعه نسبوه دِيلّاً مولّ لهم. ٤٥٣ باب ٤٢ / ح ١٢٠ كتاب العلم وهي رواية الأكثرين في حديث الباب، ووقع في رواية المُستَمْلِي وَحْدَه: ((فحَذّفَ)) بدل: فَغَرَف، وهو تصحيف لما وَضَحَ في سياقه في علامات النُّبوّة. وقد رواه ابن سعد في ((الطَّقات)) (٢/ ٣٦٢) عن ابن أبي فُدَيْك فقال: فَغَرَف. ١٢٠ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المَقْبُري، عن أبي هُرَيرةَ، قال: حَفِظْتُ عن رسولِ الله ◌ِوَ﴿َ وِعاءَيْن، فأَمَّا أحَدُهما فبَثَنْتُهُ، وأَمَّا الآخرُ فلو بَثَنْتُه قُطِعَ هذا البُّلْعُومُ. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس ((حدَّثني أخي)) هو أبو بكر عبد الحميد. قوله: ((حَفِظْت عن)) وفي رواية الكُشْمِيهَني: ((من)) بدل ((عن))، وهي أصرح في تَلَقّيه من النبي ◌ُّ و بلا واسطة. قوله: ((وِعاءَينٍ)) أي: ظَرْفَين، أطلق المحلَّ وأراد به الحالَّ، أي: نوعَينٍ من العلم، وبهذا التقرير يَندفِعِ إيراد مَن زَعَمَ أنَّ هذا يعارض قوله في الحديث الماضي: ((كنت لا أكتُب)) وإنَّما مراده أنَّ محفوظه من الحديث لو كُتِبَ لملأَّ وِعاءَين، ويحتمل أنْ يكون أبو هريرة أملى حديثه على مَن يَثِقُ به فكتبه له وتركه عنده، والأوَّل أولى. ووقع في ((المسند)) عنه: ((حَفِظت ثلاثة أجرِبة، بَثْتُ منها جِرابين))(١) وليس هذا مخالفاً لحديث الباب، لأنه يُحمل على أنَّ أحد الوعاءَينٍ كان أكبر من الآخر بحيثُ يجيء ما في الكبير في جِرابينٍ، وما في الصغير في واحد. ووقع في «المحدِّث الفاصل)) (٧٤٩) للرامَهُرْ مُزي من طريق مُنقطِعة عن أبي هريرة: (١) لم نقف على هذه الرواية في ((المسند)) - والمراد به عند إطلاقه: مسند أحمد - وعبارة العيني في ((عمدة القاري: ١٨٥/٢: وقع في مسند أبي هريرة ... وهي أدقُّ من عبارة الحافظ ابن حجر هنا، لكن لم يبيِّن العيني في أي كتابٍ مسندُ أبي هريرة هذا، وقد وقفنا على حديثه هذا في ترجمته من ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر ٣٣٨/٦٧ من طريق عبيد الله بن عمر القواريري عن عمر بن عبد الله ابن الرومي عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا سند محتمل للتحسين، وقد خالف القواريريَّ فيه داهرُ بن نوح عن عمر بن عبد الله عند الرامهرمزي في ((المحدِّث الفاصل)» (٧٤٩) - وتحرف في المطبوع منه داهر إلى: ضاهر - فقال فيه: (خمس جُب))، وداهر ليس بالقوي في الحديث، وسيشير الحافظ إلى هذه الرواية لاحقاً. ٤٥٤ باب ٤٢ / ح ١٢٠ فتح الباري بشرح البخاري ((خمسة أجرِبة)) وهو إنْ ثبت محمول على نحو ما تقدَّم. وعُرِفَ من هذا أنَّ ما نَشَرَه من الحديث أكثر ممّا لم يَنْشُرِه. قوله: (بَشَتُه) بفتح الموحَّدة والمثلَّثة وبعدها مثلَّة ساكنة تُدْغَم في المثنَّة التي بعدها، أي: أذَعْته ونَشَرْته، زاد الإسماعيلي: «في الناس)». قوله: (قُطِعَ هذا البُلْعوم)) زاد في رواية المُستَمْلي: ((قال أبو عبد الله - يعني المصنِّف -: البُلْعوم مَجَرَى الطعام))، وهو بضم الموخَّدة، وكنَّى بذلك عن القتل. وفي رواية الإسماعيلي: (لقُطِعَ هذا) يعني رأسه. وحمل العلماء الوعاء الذي لم يَبُّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أُمراء السُّوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكنّي عن بعضه ولا يُصرِّح به خوفاً على نَفْسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس السِّين وإمارة الصِّبْيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة سِتّين من الهجرة، فاستجاب الله دعاءَ أبي هريرة فمات قبلها بسنةٍ، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك أيضاً في كتاب الفتن (٧٠٥٨) إن شاء الله تعالى. قال ابن المنيِر: جعل الباطنيَّة هذا الحديث ذَريعةً إلى تصحيح باطلهم حيثُ اعتَقَدوا أنَّ للشَّريعة ظاهراً وباطناً، وذلك الباطن إنَّما حاصله الانحلال من الدّين. ٢١٧/١ قال: / وإنَّما أراد أبو هريرة بقوله: ((قُطِعَ)) أي: قَطَعَ أهل الجَوْر رأسه إذا سَمِعوا عَيْبه لفعلهم، وتضليله لسَعْيِهِم، ويؤيِّد ذلك أنَّ الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعيَّة، ما وَسِعَه كِتْمانها لما ذكره في الحديث الأوَّل من الآية الدَّالّة على ذم مَن كَتَمَ العلم. وقال غيره: يحتمل أنْ يكون أراد مع الصِّنْف المذكور ما يتعلَّق بأشراط الساعة وتغيُّر الأحوال والملاحم في آخر الزَّمان، فيُنكِرِ ذلك مَن لم يألَفه، ويعترض عليه مَن لا شُعور له به. ٤٥٥ باب ٤٣ / ح ١٢١ كتاب العلم ٤٣- باب الإنصات للعلماء ١٢١ - حدَّثنا حَجّاجٌ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عليٌّ بنُ مُدْرِكٍ، عن أبي زُرْعةَ، عن جَرِيرٍ: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّه قال له في حَجّةِ الوَدَاعِ: ((استَنَصِتِ الناسَ)) فقال: ((لا تَرجِعُوا بَعْدي كُفّاراً يَضْرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ». [أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠] قوله: ((باب الإنصات للعلماء)) أي: السُّكوت والاستماع لما يقولونه. قوله: «حدّثنا حجّاج)) هو ابن مِنهال. قوله: ((عن جَرِير)) هو ابن عبد الله البَجَلي، وهو جد أبي زُرْعة الراوي عنه هنا. قوله: ((قال له في حَجّة الوداع)) اذَّعَى بعضهم أنَّ لفظ ((له)) زيادة، لأنَّ جَرِيراً إنَّما أسلمَ بعد حَجّة الوداع بنحو من شهرين، فقد جزم ابن عبد البَرِّ بأنه أسلمَ قبل موت النبي وَّ بأربعين يوماً، وما جزم به يعارضه قول البَغَويِّ وابن حِبَّان: إنَّه أسلمَ في رمضان سنة عشر. ووقع في رواية المصنِّف لهذا الحديث في باب حَجّة الوداع (٤٤٠٥) بأنَّ النبيَّ ◌َ قال ◌َجَرِيرٍ، وهذا لا يحتمل التأويل فيُقوِّي ما قاله البَغَويُّ، والله أعلم. قوله: ((يَضْرِب) هو بضم الباء في الروايات، والمعنى لا تَفْعَلوا فعل الكُفّار فتُشبِهوهم في حالة قتل بعضهم بعضاً. وسيأتي بقيَّة الكلام عليه في كتاب الفتن (٧٠٨٠) إن شاء الله تعالى. قال ابن بَطَّال: فيه أنَّ الإنصات للعلماء لازم للمُتعلِّمين، لأنَّ العلماء وَرَثة الأنبياء، كأنه أراد بهذا مناسبة الترجمة للحديث، وذلك أنَّ القصة المذكورة كانت في حَجّة الوداع والجمع كثير جدّاً، وكان اجتماعهم لرمي الجِمار وغير ذلك من أمور الحج، وقد قال لهم: (خُذوا عنِّي مناسككم)) كما ثبت في ((صحيح مسلم)) (١٢٩٧)، فلمَّا خَطَبَهم ليُعلِّمهم ناسب أنْ يأْمُرهم بالإنصات. وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ومعناهما مُخُتِلِف، فالإنصات ٤٥٦ باب ٤٤ / ح ١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري هو السُّكوت وهو يَحَصُل ◌َمَّن يَستَمِع وثمَّن لا يَستَمِع كأنْ يكون مُفكِّراً في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السُّكوت وقد يكون مع النُّطْق بكلام آخر لا يَشْتَغِل الناطق به عن فَهْم ما يقول الذي يَستَمِع منه. وقد قال سفيان الثَّوْري وغيره: أوَّل العلم الاستماع، ثمَّ الإنصات، ثمَّ الِحِفْظ، ثمَّ العمل، ثمَّ النَّشْر. وعن الأصمعي تقديم الإنصات على الاستماع. وقد ذكر علي بن المَدِيني أنه قال لابن عُيَينة: أخبرني مُعتمِر بن سليمان عن كَهْمَسٍ عن مُطرِّف قال: الإنصات من العينين. فقال له ابن عُبَينة: وما ندري كيف ذلك؟ قال: إذا حَدَّثْتَ رجلاً فلم يَنظُر إليك لم يكن مُنْصِتاً. انتهى، وهذا محمول على الغالب، والله أعلم. ٤٤- باب ما يستحبُّ للعالم إذا سُئل: أيُّ الناس أعلمُ؟ فيَكِلُ العلم إلى الله ١٢٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدّثنا سفيانُ، قال: حدَّثْنَا عَمْرٌو، قال: أخبرني ٢١٨/١ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، قال: / قلتُ لابن عبّاس: إنَّ نَوْفاً البَكَاليَّ يَزْعُمُ أنَّ موسى ليسَ بموسى بني إسرائيلَ، إِنَّما هو موسَى آخرُ، فقال: كَذَبَ عَدُوُّ الله، حدَّثنا أبيُّ بنُ كَعْبٍ، عن النبيِّ ◌َّ: ((قام موسى النبيُّ خَطِيباً في بني إسرائيلَ، فسُئِل: أيُّ الناس أعلَمُ؟ فقال: أنا أعلَمُ، فعَتَبَ اللهُ عليه إذْ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحَى الله إليه: أنَّ عَبْداً من عِبادي بمَجْمِعِ البَحرَيْن، هو أعلَمُ منكَ، قال: يا رب، وكيفَ به؟ فقِيلَ له: احِمِلْ حُوتاً في مِكْتَلٍ، فإذا فَقَدْتَه فهو ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتَاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ، وَلا حُوتاً في مِكْتَلِ، حتَّى كانا عند الصَّخْرةِ وَضَعا رُؤوسَهما وناما، فانْسَلَّ الحُوتُ مِن المِكْتَلِ ﴿فَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] وكان لموسى وفَتَاه عَجَباً، فَانْطَلَها بَقِيَّةَ ليلَتِهما ويومَهما، فلمَّا أَصْبَحَ قال موسى لِفَتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا ◌َذَا نَصَبًا﴾ ولم يجدْ موسى مَسّاً مِن النَّصَب، حتَّى جاوَزَ المكان الذي أُمِرَ به، فقال له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّ نَسِيتُ الْحُتَ﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَى ،َ اثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. ٤٥٧ باب ٤٤ / ح ١٢٢ كتاب العلم فلمَّا انتَهَيا إلى الصَّخْرة، إذا رجلٌ مُسَجّى بثوبٍ - أو قال: تَسَجَّى بثوبِهِ - فسَلَّمَ موسى فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السلامُ؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ يا موسى، إني على عِلْم من عِلْم الله عَلَّمَنِيه لا تَعْلَمُه أنتَ، وأنتَ على عِلْم عَلَّمَكَه لا أعلَمُه، ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾. فَانْطَلَقا يَمْشِيان على ساحلِ البحرِ ليسَ لهما سَفِينَةٌ، فمَرَّتْ بهما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يحملُوهما، فعُرِفَ الخضِرُ فحَمَلُوهما بغيرِ نَوْلٍ، فجاءَ عُصْفُورٌ فوقع على حرْف السَّفِينِةِ فَتَقَرَ نَقْرةً أو نَقْرَتَينِ في البحرِ، فقال الخضِرُ: يا موسى ما نَقَصَ عِلْمي وعِلْمُكَ من عِلْمِ الله إِلَّ كتَقْرةِ هذا العُصْفُورِ في البحر، فعَمَدَ الخضِرُ إلى لَوْحٍ من ألواحِ السَّفِينِةِ فَزَعَه، فقال موسى: قومٌ ◌َلُونا بغيرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِم فخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أهلَها، ﴿ قَالَ أَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٦) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِىِ بِمَا نَسِيتُ ﴾ فكانتِ الأُولَى من موسى نِسْياناً. فانْطَلَقا، فإذا غُلامٌ يَلْعَبُ معَ الغِلْمان، فأخذ الخضِرُ بَرَأْسِه من أعلاه فاقتَلَعَ رَأْسَه بَيَدِه، فقال موسى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، ﴿ قَالَ أَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾ - قال ابنُ عُيَينة: وهذا أَوكَهُ۔۔ ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال الخضِرُ بَيَدِه فأقامَه، فقال له موسى: ﴿لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٦) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ﴾. قال النبيُّ ونَ: ((يَرْحَمُ اللهُ موسى، لَوَدِدْنا لو صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ علينا من أمْرِهما)). [انظر: ٧٤] قوله: «باب ما يُستَحب للعالم إذا سُئِل: أيُّ الناس أعلم؟)) أي: من غيره، والفاء في قوله: ((فَيَكِل)» تفسيريَّة بناء على أنَّ فعل المضارع بتقدير المصدر، أي: ما يُستَحب عند السؤال هو الوُكول، وفي رواية: ((أنْ يَكِل)) وهو أوضح. ٤٥٨ باب ٤٤ / ح ١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢١٩/١ قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ المُسنَدي، وسفيان: هو ابن عُيَينة، وعَمْرو: هو ابن دينار، ونَوْف: بفتح النون وبالفاء، والبَكَالي: بفتح الموحّدة وكسرها وتخفيف الكاف ـ ووهمَ مَن شَدَّدَها - منسوب إلى بَكَال بَطْن من ◌ِمْيَرَ، ووهمَ مَن قال: إنَّه منسوب إلى بَكِيل - بكسر الكاف - بَطْن من هَمْدان، لأنهما مُتَغايران، ونَوْف المذكور تابعي من أهل دمشق، فاضل عالم لا سيَّما بالإسرائيليّات، وكان ابن امرأة كَعْب الأحبار، وقيل غير ذلك. قوله: ((إنَّ موسى)) أي: صاحب الخَضِر، وصَرَّحَ به المصنِّف في التفسير (٤٧٢٥). قوله: ((إنَّما هو موسَى آخر)) كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما، وهو عَلَم على شخص مُعيَّن قالوا: إنَّه موسى بن مِيشا، بكسر الميم وبالشّينِ المعجَمة، وجزم بعضهم أنه منوَّن مصروف لأنه نكِرة، ونُقِلَ عن ابن مالك أنه جعله مثالاً للعَلَم إذا نُكِّرَ تخفيفاً، قال: وفيه بحث. قوله: ((كَذَبَ عدوُّ الله)) قال ابن التِّين: لم يُرِدِ ابن عبّاس إخراج نَوْف عن ولاية الله، ولكنَّ قلوب العلماء تنفِر إذا سمعت غير الحق، فيُطلِقون أمثال هذا الكلام لقَصْدِ الَّجْر والتحذير منه وحقيقته غير مرادة. قلت: ويجوز أنْ يكون ابن عبّاس اتَّهَمَ نَوْفاً في صِحَّة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحُر ابن قيس هذه المقالة مع تَوارُدهما عليها. وأمَّا تكذيبه فيستفاد منه أنَّ للعالم إذا كان عنده عِلْم بشيءٍ فسمع غيره يَذكُر فيه شيئاً بغير عِلْم، أنْ يُكذِّبه، ونظيره قوله ◌َّهِ: ((كذَبَ أبو السَّنابل))(١) أي: أخبر بما هو باطل في نَفْس الأمر. قوله: ((حدَّثْني أُبي بن كَعْب)) في استدلاله بذلك دليل على قوّة خبر الواحد المُتَقِن عنده حيثُ يُطلِقِ مِثْلَ هذا الكلام في حق مَن خالفه، وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي وهما عَمْرو وسعيد، وصحابي عن صحابي وهما ابن عبّاس وأُبي. (١) أخرجه أحمد (٤٢٧٣) من حديث ابن مسعود، بسندٍ فيه مقال. ٤٥٩ باب ٤٤ / ح ١٢٢ كتاب العلم قوله: ((فقال: أنا أعلم)) في جواب: أيُّ الناس أعلم؟ قيل: إنَّه مخالف لقوله في الرواية السابقة (٧٨) في ((باب الخروج في طلب العلم)): ((قال: هل تعلَم أحداً أعلم منك؟» وعندي لا مُالَفة بينهما، لأنَّ قوله هنا: ((أنا أعلم)) أي: فيما أعلم، فيطابق قوله: ((لا)) في جواب مَن قال له: هل تعلَم أحداً أعلم منك؟ في إسناد ذلك إلى عِلْمه لا إلى ما في نَفْس الأمر. وعند النَّسائيّ (ك١١٢٤٣) من طريق عبد الله بن عُبيد عن سعيد بن جُبَير بهذا السَّنَد: «قام موسى خطيباً فعَرَضَ في نَفْسه أنَّ أحداً لم يُؤْتَ من العلم ما أُوتي، وعَلِمَ الله بما حدَّث به نَفْسَه فقال: يا موسى، إنَّ من عبادي مَن آتَيْته من العلم ما لم أوتِك)). وعند عبد الرزاق(١) عن مَعمَر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جُبَير: ((فقال: ما أحدٌ أعلمَ بالله وأمره منّي))، وهو عند مسلم (١٧٢/٢٣٨٠) من وجه آخر عن أبي إسحاق بلفظ: ((ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً أو أعلم منّي)). قال ابن المنيِر: ظنَّ ابن بَطَّال أنَّ ترك موسى الجواب عن هذه المسألة كان أولى، قال: وعندي أنه ليس كذلك، بل رَدُّ العلم إلى الله تعالى مُتعيِّن أجاب أو لم يُحِب، فلو قال موسى عليه السلام: ((أنا واللهُ أعلم)) لم تَحصُل المعاتَبة، وإنَّما عُوتِبَ على اقتصاره على ذلك، أي: لأنَّ الجَزْم يوهم أنه كذلك في نَفْس الأمر، وإنَّما مراده الإخبار بما في عِلْمه كما قدَّمناه، والعَتْب من الله تعالى محمول على ما يليق به، لا على معناه العُرْفي في الآدميّين، كنظائرِه. قوله: ((هو أعلم مِنْك)) ظاهر في أنَّ الْخَضِر نبي، بل نبي مُرسَل، إذْ لو لم يكن كذلك لَزِمَ تفضيلُ العالي على الأعلى، وهو باطل من القول، ولهذا أورد الزمخشري سؤالاً وهو: دَلَّتْ حاجة موسى إلى التعليم من غيره أنه موسى بن ميشا كما قيل، إذ النبي يجب أنْ يكون أعلمَ أهل زمانه، وأجاب عنه بأنه لا نَقْص بالنبيِّ في أخذ العلم من نبي مثله، قلت: وفي الجواب نظر، لأنه يستلزم نفي ما أوجَب، والحق أنَّ المراد بهذا الإطلاق تقييدُ الأعلميّة بأمرٍ مخصوص، لقوله بعد ذلك: ((إني على عِلْم من عِلْم الله عَلَّمَنيه لا تعلمه أنت، وأنتَ (١) في ((تفسيره)) ٤٠٥/١. ٤٦٠ باب ٤٤ / ح ١٢٢ فتح الباري بشرح البخاري على عِلْمٍ عَلَّمَكَه الله لا أعلمه))، والمراد بكَوْنِ النبي أعلم أهل زمانه، أي: ممَّن أُرسِلَ إليه، ٢٢٠/١ ولم يكن موسى مُرسَلاً إلى الخَضِر، وإذاً فلا نَقْصَ به إذا كان الخَضِر أعلم / منه إنْ قلنا: إنَّه نبي مُرسَل، أو أعلم منه في أمر مخصوص إنْ قلنا: إنَّه نبي أو ولي، ويَنحَلُّ بهذا التقرير إشكالات كثيرة. ومن أوضح ما يُستَدل به على نُبوّة الخَضِر قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ [الكهف: ٨٢]، وينبغي اعتقاد كَوْنه نبيّاً، لئلّا يَتذرَّعَ بذلك أهلُ الباطل في دعواهم أنَّ الوليَّ أفضل من النبي، حاشا وكلًا. وتَعَقَّبَ ابن المنيِّرِ على ابن بَطَّل إيراده في هذا الموضع كثيراً من أقوال السَّلَف في التحذير من الدَّعْوى في العلم، والحث على قول العالم: لا أدري، بأنَّ سياق مثل ذلك في هذا الموضع غير لائق، وهو كما قال رحمه الله. قال: وليس قول موسى عليه السلام: أنا أعلم، كقول آحاد الناس مِثْلَ ذلك، ولا نتيجةُ قوله كنتيجة قولهم، فإنَّ نتيجة قولهم العُجْب والكِبْر، ونتيجة قوله المَزيدُ من العلم والحث على التواضُع والخِرْص على طلب العلم. واستدلاله به أيضاً على أنه لا يجوز الاعتراض بالعقلِ على الشرع، خطأ، لأنَّ موسى إنَّما اعتَرَضَ بظاهر الشرع لا بالعقلِ المجرّد، ففيه حُجّة على صِحَّة الاعتراض بالشرع على ما لا يَسُوغ فيه ولو كان مستقيماً في باطن الأمر. قوله: ((في مِكْتَل)) بكسر الميم وفتح المثنّاة من فوق. قوله: ((فانْطَلَقا بقيّة ليلتِهما)) بالجرِّ على الإضافة و ((يومَهما)) بالنصب على إرادة سَيْر جميعه، ونبّه بعض الخُذّاق على أنه مقلوب، وأنَّ الصواب: بقيّة يومِهما وليلتَهما، لقوله بعده: ((فلمَّا أصبَحَ)) لأنه لا يُصبح إلَّا عن ليل. انتهى، ويحتمل أنْ يكون المراد بقوله: ((فلمَّا أصبَحَ)) أي: من الليلة التي تَلِي اليوم الذي سارا جميعَه، والله أعلم. قوله: ((أَنَّى)) أي: كيف ((بأرضِك السلامُ)) ويؤيِّده ما في التفسير (٤٧٢٦): «هل بأرضي من سلام؟))، أو: من أين، كما في قوله تعالى: ﴿ أَّ لَكٍ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، والمعنى: