Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ باب ٣٨ / ح ١٠٨ كتاب العلم وفي تمسُّك الزُّبَير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قِلّة التحديث، دليل للأصحِّ في أنَّ الكذب هو الإخبار بالشيءٍ على خلاف ما هو عليه سواء كان عَمْداً أم خطأ، والمخطِئ وإنْ كان غير مأثوم بالإجماع، لكنَّ الزُّبَير خشِيَ من الإكثار أنْ يقع في الخطأ وهو لا يَشعُر، لأنه وإنْ لم يأْثَم بالخطأ لكن قد يأْثَم بالإكثار، إذ الإكثار مَظِنَّة الخطأ، والنِّقة إذا حدَّث بالخطأ فحُمِلَ عنه وهو لا يَشعُر أنه خطأ، يُعْمِلُ به على الدَّوامِ للوُثوقِ بنقلِه، فيكون سبباً للعمل بما لم يقله الشارع، فمَن خشِيَ من إكثار الوقوع في الخطأ، لا يُؤْمَن عليه الإثم إذا تَعَمَّدَ الإكثار، فمن ثَمَّ تَوقَّفَ الزُّبَير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأمَّا مَن أكثرَ منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفُسهم بالتثُبُّت، أو طالَتْ أعمارهم فاحتیجَ إلی ما عندهم فسُئِلوا فلم يُمكنهم الكتمان، رضي الله عنهم. قوله: ((فلْيَتَبَّا)) أي: فلْيَتَّخِذْ لنَفْسِه مَنزِلاً، يقال: تَبَوَّأ الرجل المكان: إذا الَّخَذَه سَكناً، وهو أمر بمعنى الخبر أيضاً، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهَكُّم، أو دُعاء على فاعل ذلك، أي: بَوَّأه الله ذلك. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أنْ يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: مَن كذَبَ فلْيأْمُرْ نَفْسه بالتبوُّءٍ ويلزم عليه كذا، قال: وأوَّلها أَوْلاها، فقد رواه أحمد (٤٧٤٢) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر بلفظ: ((بُنيَ له بيتٌ في النار)). قال الطِّبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذَّنْب وجزائه، أي: كما أنه قَصَدَ في الكذب التعمُّد فليقصِدْ بجزائه التبُّء. ١٠٨ - حذَّثنا أبو مَعمَر، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، عن عبدِ العزيز، قال أنسٌ: إنَّه لَيمنعُني أَنْ أُحَدِّئَكُمْ حديثاً كثيراً أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّ قال: ((مَن تَعَمَّدَ عليَّ كَذِباً، فلْيَبَوَّأُ مَفْعَدَه مِن النارِ». قوله: ((حدَّثنا أبو مَعمَر)) هو البصري المُقُعَد، وعبد الوارث: هو ابن سعيد، وعبد العزيز: هو ابن صُهَيب. والإسناد كلُّه بصريُّون. قوله: ((حديثاً) المراد به جنس الحديث، ولهذا وَصَفَه بالكثرة. ٤٢٢ باب ٣٨ / ح ١٠٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ النبيَّ ◌ِّ) هو وما بعده في محل الرفع لأنه فاعل ((يمنعني))، وإِنَّا خَشِيَ أنس ممّا خَشِيَ منه الزُّبَيرِ، ولهذا صَرَّحَ بلفظ الإكثار لأنه مَظِنّة، ومَن حامَ حول الحِمَى لا يأْمَن وقوعه فيه، فكان التقليل منهم للاحتراز، ومع ذلك فأنس من المُكْثِرِين، لأنه تأخّرَتْ وفاته فاحتيجَ إليه كما قدَّمناه ولم يُمكِنه الكِتْمان. ويُجمَع بأنه لو حدَّث بجميع ما عنده لكان أضعاف ما حدَّث به. ووقع في رواية عَتّاب - بمُهمَلةٍ ومُثنَّة فوقانيَّة - مولى هُرْمُز، سمعت أنساً يقول: لولا أتّي أخشى أنْ أُخطئ حَدَّتُك بأشياء قالها رسول الله وَّةٍ ... الحديث، أخرجه أحمد (١٢٧٦٤)، فأشار إلى أنه لا يُحدِّث إلَّا ما تَحقَّقَه ويترك ما يَشُك فيه. وحمله بعضهم على أنه كان يُحافظ على الرواية باللفظ، فأشار إلى ذلك بقوله: ((لولا أنْ أُخطئ)). وفيه نظر، والمعروف عن أنس جواز الرواية بالمعنى كما أخرجه الخطيب عنه صريحاً، وقد وُجِدَ في رواياته ذلك كالحديث في البسملة(١)، وفي قِصَّة تكثير الماء عند الوضوء(٢)، وفي قِصَّة تکثیر الطعام(٣). قوله: («كَذِباً» هو نَكِرة في سياق الشَّرْط فيَعُم جميع أنواع الكذب. ١٠٩ - حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌ّه يقول: (مَن يَقُلْ عليَّ ما لم أقُلْ، فَلْيَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النارِ)). قوله: ((حدّثنا المِّي)) هو اسم وليس بنَسَبٍ كما تقدَّم (٨٥): وهو من كِبَار شيوخ البخاري، ٢٠٢/١ سمع من سبعة عشر / نَفْساً من التابعين منهم يزيد بن أبي عُبيد المذكور هنا، وهو مولى سَلَمةً ابن الأكوع صاحب النبي ێے، وهذا الحديث أوَّل ثُلاثي وقع في البخاري، وليس فيه أعلى من الثُّلاثِيّات، وقد أُفِرِدَتْ فَبَلَغَتْ أكثر من عشرين حديثاً. قوله: ((مَن يَقُل)) أصله: يقول، وإنَّمَا جُزِمَ بِالشَّرْط. (١) سيأتي عند المصنف برقم (٧٤٣). (٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٦٩). (٣) سيأتي عند المصنف برقم (٣٥٧٨). ٤٢٣ باب ٣٨ / ح ١١٠ كتاب العلم قوله: ((ما لم أقُلْ)) أي: شيئاً لم أقُلْه، فحَذَفَ العائدَ، وهو جائز، وذكر القول لأنه الأكثر، وحُكْم الفعل كذلك لاشتراكهما في عِلّة الامتناع، وقد دخل الفعل في عموم حديث الزُّبَير (١٠٧) وأنس (١٠٨) السابقَينِ لتعبيرِهما بلفظ الكذب عليه، ومثلهما حديث أبي هريرة الذي ذكره بعد حديث سَلَمةَ فلا فرقَ في ذلك بين أنْ يقول: قال رسول الله صل ◌ّ كذا، وفَعَلَ كذا، إذا لم يكن قاله أو فعلَه، وقد تَمَسَّكَ بظاهر هذا اللفظ مَن مَنَعَ الرواية بالمعنى. وأجاب المجيزون عنه بأنَّ المراد النهي عن الإتيان بلفظٍ يُوجِب تغيُّر الحُكْم، مع أنَّ الإتيان باللفظ لا شكَّ في أَوْلَويَّته، والله أعلم. ١١٠- حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((تَسَمَّوْا بِاسْمي ولا تَكْتَنُوا بِكُنْتِي، ومَن رَآتي في المنام فقد رَآني، فإنَّ الشيطانَ لا يَتمَثَّلُ في صُورَتي، ومَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَبَوَّ أْ مَفْعَدَه مِن النارِ)). [أطرافه في: ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣] قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي. قوله: ((عن أبي حَصين)) هو بمُهملتَين مفتوح الأوَّل، وأبو صالح: هو ذَكْوانُ السَّمّان. وقد ذكر المؤلِّف هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب (٦١٩٧) من هذا الوجه، ويأتي الكلام علیه فیه إن شاء الله تعالى. وقد اقتصر مسلم (٣) في روايته له على الجملة الأخيرة وهي مقصود الباب، وإنّما ساقه المؤلِّف بتمامه ولم يَخْتَصِره كعادته، ليُنبِّ على أنَّ الكذب على النبيِّ وَّهِ يَستَوي فيه اليَقَظةُ والمنام، والله سبحانه وتعالى أعلم. فإن قيل: الكذب معصية إلَّا ما استُثنيَ في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد تُؤُعِّدَ عليها بالنار، فما الذي امتازَ به الكاذب على رسول الله وَّهِ من الوعيد على مَن كَذَبَ على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنَّ الكذب عليه يُكفَّر مُتعمّدُه عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد ٤٢٤ باب ٣٨ / ح ١١٠ فتح الباري بشرح البخاري الْجُوَيني، لكن ضَعَّفَه ابنه إمام الحرمين ومَن بعده، ومالَ ابن المنيِّرِ إلى اختياره، ووَجَّهَه بأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً، لا يَنْفَكُّ عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر؛ وفيما قاله نظر لا يَخْفَى، والجمهور على أنه لا يكفر إلَّا إذا اعتَقَدَ حِلَّ ذلك. الجواب الثاني: أنَّ الكذب عليه كبيرة والكذب على غيره صغيرة فافتَرَقا، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق مَن كذَبَ عليه أو كذَبَ على غيره أنْ يكون مَقَرُّهما واحداً، أو طول إقامتهما سواءً، فقد دلَّ قوله ◌َّةِ: ((فَلْيَتَبَوَّ)) على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا تَخْرُج منها، لأنه لم يجعل له مَنزِلاً غيره، إلّا أنَّ الأدلَّة القَطْعيَّة قامت على أنَّ خُلود التأبيد مُخْتَص بالكافرين، وقد فَقَ النبي ◌ّڅز بین الكذب علیه وبین الكذب على غیرہ کما سيأتي في الجنائز في حديث المغيرة (١٢٩١) حيثُ يقول: ((إنَّ كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدٍ))، وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه الاختلاف في توبة مَن تَعَمَّدَ الكذب عليه هل تُقبَل أو لا. تنبيه: رَتَّبَ المصنِّف أحاديث الباب ترتيباً حسناً، لأنه بدأ بحديث علي (١٠٦) وفيه مقصود الباب، وثنَّى بحديث الزُّبَير (١٠٧) الدالِّ على تَوقّي الصحابة وتحرُّزهم من الحديث عنه خوفاً من(١) الكذب عليه، وثَلَّثَ بحديث أنس (١٠٨) الدالِّ على أنَّ امتناعهم إنَّما كان من الإكثار المُفْضي إلى الخطأ لا عن أصل التحديث، لأنهم مأمورون بالتبليغ، ٢٠٣/١ وخَتَمَ بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم / الكذب عليه، سواء كانت دعوى السَّماع منه في اليقظة أو في المنام. وقد أخرج البخاري حديث: ((مَن كذَبَ عليَّ)) أيضاً من حديث المغيرة وهو في الجنائز (١٢٩١)، ومن حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص وهو في أخبار بني إسرائيل (٣٤٦١)، ومن حديث واثلة بن الأسقَع وهو في مناقب قريش (٣٥٠٩)، لكن ليس هو بلفظ الوعيد بالنار صريحاً. (١) قوله: ((الحديث عنه خوفاً من)) سقط من (ع) و(س). ٤٢٥ باب ٣٨ / ح ١١٠ كتاب العلم واتَّفقَ مسلم معه على تخريج حديث علي (١) وأنس (٢) وأبي هريرة (٣) والمغيرة (٤)، وأخرجه مسلم أيضاً (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد أيضاً، وصَحَّ أيضاً في غير ((الصحيحين)) من حديث عثمان بن عَفَّان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة وجابر وزيد ابن أرقم(١)، وورد بأسانید حِسان من حديث طلحة بن عبيد الله وسعید بن زيد وأبي عُبيدة بن الجَرَّاحِ وسعد بن أبي وَقَّاص ومعاذ بن جبل وعُقْبة بن عامر وعِمْران بن حُصَينٍ وابن عبّاس وسَلْمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافع بن خَدِيج وطارق الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عُرْفُطة وأبي أُمامةَ وأبي قِرْصافة وأبي موسى الغافقي وعائشة(٢)، فهؤلاء ثلاثون نَفْساً من الصحابة(٣)، ووَرَدَ أيضاً عن نحوٍ من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحوٍ من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة. (١) انظر تخريج هذه الأحاديث في ((مسند الإمام أحمد» على التوالي (٤٦٩) و(٣٨١٤) و(٤٧٤٢) و(٢٢٥٣٨) و(١٤٢٥٥) و(١٩٢٦٦)، وقول الحافظ: إنها صحیحة، فیه تجوز، فبعضها إسناده حسن. (٢) حديث طلحة أخرجه أبو يعلى (٦٣١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠٤)، وحديث سعيد بن زيد أخرجه البزار (١٢٧٥) و(١٢٧٦)، وأبو يعلى (٩٦٦)، وحديث أبي عبيدة أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٢٨٢/١٠، وابن الجوزي في مقدمة ((الموضوعات)) ٦٤/١، وحديث سعد أخرجه الخطيب ٣١٩/٥، وابن الجوزي ٦٣/١-٦٤، وحديث معاذ بن جبل أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٢٠٢)، والخطيب ٣٧٩/٥، وابن الجوزي ٦٧/١، وحديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد (١٧٤٣١)، وانظر تتمة تخريجه فيه، وحديث عمران بن حصين أخرجه البزار (٣٦١٢)، والطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٢٤٤)، وحديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٦٧٥) وانظر تتمة تخريجه فيه، وحديث سلمان الفارسي أخرجه الخطيب ٣٣٩/٨، وابن الجوزي ٦٨/١، وحديث معاوية أخرجه أحمد (١٦٩١٦)، وانظر تتمة تخريجه فيه، وحديث رافع بن خديج أخرجه الطبراني (٤٤١٠)، والقضاعي (٥٥٦)، وحديث طارق الأشجعي أخرجه البزار (٢٧٧٤)، والطبراني (٨١٨١)، وحديث السائب بن يزيد أخرجه الطبراني أيضاً (٦٦٧٩)، وحديث خالد بن عرفطة أخرجه أحمد (٢٢٥٠١)، وانظر تتمة تخريجه فيه، وحديث أبي أمامة أخرجه الطبراني (٧٥٩٩)، وابن الجوزي ٨٦/١، وحديث أبي قرصافة أخرجه أيضاً الطبراني (٢٥١٦)، وابن الجوزي ١/ ٨٨، وحديث أبي موسى الغافقي أخرجه أحمد (١٨٩٤٦)، وابن الجوزي ٨٨/١، وحديث عائشة أخرجه ابن الجوزي ١/ ٩٢. وقول الحافظ: أسانيدها حسان، فيه تساهلٌ شديد، ففيها الضعيف ودون الضعيف! (٣) بل هم اثنتان وثلاثون نفساً. ٤٢٦ باب ٣٨ / ح ١١٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد اعتنى جماعة من الحُفَّاظ بجمع طرقه، فأوَّل مَن وقفتُ على كلامه في ذلك علي ابن المَدِيني، وتَبِعَه يعقوب بن شَيْبة فقال: رُوِيَ هذا الحديث من عشرين وجهاً عن الصحابة من الحجازيّين وغيرهم، ثمَّ إبراهيم الحربي وأبو بكر البزَّار فقال كلٌّ منهما: إنَّه وَرَدَ من حديث أربعين من الصحابة. وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد ابن صاعد فزاد قليلاً، وقال أبو بكر الصَّيْرِيُّ شارح ((رسالة الشافعي)): رواه ستون نَفْساً من الصحابة. وجمع طرقه الطبرانيُّ فزاد قليلاً. وقال أبو القاسم بن مَندَهْ: رواه أكثر من ثمانين نَفْساً. وقد خَرَّجَها بعض النَّيْسابوريّين فزادتْ قليلاً، وقد جمع طرقه ابن الجَوْزي في مُقدِّمة كتاب ((الموضوعات)) فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دِخْية، وقال أبو موسى المديني: يرويه نحو مئة من الصحابة، وقد جمعها بعده الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهما متعاصران، فوقع لكلٍّ منهما ما ليس عند الآخر، وتَحَصَّلَ من مجموع ذلك كلّه رواية مئة من الصحابة على ما فصَّلتُه من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أنَّ فيها ما هو في مُطلَق ذَمِّ الكذب عليه من غیر تقييد بهذا الوعيد الخاص. ونقل النَّووي أنه جاءً عن مئتين من الصحابة، ولأجلِ كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر، ونازَعَ بعض مشايخنا في ذلك قال: لأنَّ شرط التواتر استواء طرفَيْه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق منها بمُفرَدِها. وأُجيبَ بأنَّ المراد بإطلاق كَوْنه متواتراً، روايةُ المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم. وأيضاً فطريق أنس وَحْدَها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترتْ عنهم. نعم، وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عَمْرو، فلو قيل في كلٍّ منها: إنَّه متواتر عن صحابيّه، لكان صحيحاً، فإنَّ العدد المعيَّن لا يُشتَرَط في المتواتر، بل ما أفاد العلمَ كَفَى، والصِّفات العليَّة في الرُّواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قَرَّرتُه في ((نُكَت ٤٢٧ باب ٣٩ / ح ١١١ كتاب العلم علوم الحديث)) وفي ((شرح نُخْبة الفِكْر))، وبَيَّنْتُ هناك الردّ على مَن ادَّعَى أنَّ مثال المتواتر لا يُوجَد إلَّا في هذا الحديث، وبَيَّنْت أنَّ أمثِلَته كثيرة، منها: حديث ((مَن بنى الله مسجداً)(١)، والمسح على الخُفَّين(٢)، ورفع اليدَينِ(٣)، والشفاعة(٤)، والحوْض(٥)، ورُؤْية الله في الآخرة (٦)، و((الأئمّة من قُرَيش))(٧) وغير ذلك. والله المستعان. وأمَّا ما نقله البيهقيُّ عن الحاكم ووافقه أنه جاءَ من رواية العشرة المشهورة، قال: وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقّبه غير واحد، لكنَّ الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجَوْزي ومَن بعده(٨)، والثابت منها ما قدَّمت ذِكْره، فمن الصِّحاح: علي والزُّبَير/ ومن الحِسان: طَلْحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف ٢٠٤/١ المتماسك طريق عثمان، وبقيَّتها ضعيف وساقط. ٣٩- باب كتابة العلم ١١١ - حدَّثَنَا ابنُ سَلَامٍ، قال: أخبرنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مُطرِّفٍ، عن الشَّعْبِيّ، عن أبي جُحَيْقةَ، قال: قلتُ لِعليّ: هل عندَكُم كتابٌ؟ قال: لا، إلَّا كتابُ الله، أو فَهْمٌ أُعطِيَه رجلٌ مُسلِمٌ، أو ما في هذه الصَّحِيفة. قال: قلتُ: فما هذه الصَّحِيفة؟ قال: العقلُ، وفِكَاكُ الأسِير، ولا يُقتَلُ مُسلِمٌ بكافٍ. [أطرافه في: ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٧٣٠٠،٦٩١٥] (١) سيأتي عند البخاري برقم (٤٥٠)، وانظر ((مسند أحمد)) (٧٠٥٦)، فقد ذكرنا عنده بعض الشواهد. (٢) سيأتي عند البخاري برقم (١٨٢). (٣) سيأتي عند البخاري برقم (٧٣٥). (٤) سيأتي عند البخاري برقم (٣٣٤٠) و(٤٤٧٦). (٥) سيأتي عند البخاري برقم (٦٥٧٥) و(٦٥٩٣). (٦) سيأتي عند البخاري ضمن حديث (٤٥٨١). (٧) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة وأنس وأبي موسى، انظر أحاديثهم في ((المسند)» على التوالي: (٨٧٦١) و(١٢٣٠٧) و(١٩٥٤١). (٨) في مقدمة ((الموضوعات)) ١/ ٥٥ -٩٥. ٤٢٨ باب ٣٩ / ح ١١١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب كتابة العلم)) طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أنْ لا يَجِزِمَ فيها بشيءٍ بل يُورِدها على الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك، لأنَّ السَّلَف اختلفوا في ذلك عملاً وتركاً، وإنْ كان الأمر استَقَرَّ، والإجماع انعَقَدَ على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يَبْعُد وجوبه على مَن خَشِيَ النِّسْيان مَمَّن يتعيَّن عليه تبليغ العلم. قوله: ((حدَّثنا ابن سَّلَام)) كذا للأَصِيلي، واسمه محمد، وقد صَرَّحَ به أبو ذرِّ(١) وغيره. قوله: ((عن سفيان)) هو الثَّوْري، لأنَّ وكيعاً مشهور بالرواية عنه، وقال أبو مسعود الدِّمشقي في ((الأطراف)): يقال: إنَّ ابن عُبَينة. قلت: لو كان ابن عُيَينةَ لنَسَبَه، لأنَّ القاعدة في كل مَن روى عن مُتَّفِقَي الاسم أنْ يُحِمَل مَن أُهمل نسبُه على مَن يكون له به خصوصيَّة من إكثار ونحوه كما قدَّمناه قبل هذا، وهكذا نقول هنا، لأنَّ وكيعاً قليل الرواية عن ابن عُيَينةَ بخلاف الثَّوْري. قوله: ((عن مُطرِّف)) هو بفتح الطاء المهملة وكسر الراء، ابن طَريف بطاءٍ مُهمَلة أيضاً. قوله: ((عن الشَّعْبِي) وللمصنّف في الدّيات (٦٩٠٣): سمعت الشَّعْبي. قوله: ((عن أبي جُحَيْفَةَ)) هو وَهْب السُّوَائي، وقد صَرَّحَ بذلك الإسماعيلي في روايته، وللمصنّف في الدّيات: سمعت أبا جُحَيْفة. والإسناد كلُّه كوفيُّون إلَّا شيخ البخاري وقد دخل الكوفة، وهو من رواية صحابي عن صحابي. قوله: ((قلت لعليٍّ)) هو ابن أبي طالب قوله: ((هل عندكُم) الخِطاب لعليٌّ، والجمع إمّا لإرادِه مع بقيّة أهل البيت، أو للتعظيم. قوله: ((كتاب)) أي: مكتوب أخَذْتُوه عن رسول الله ◌ِ له ◌ِمّا أوحيَ إليه، ويدل على ذلك رواية المصنّف في الجهاد (٣٠٤٧): ((هل عندكم شيء من الوحي إلَّا ما في كتاب الله؟))، وله في الدّيات (٦٩٠٣): ((هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟))، وفي ((مسند إسحاق بن راهويه)) عن جَرِير عن مُطرِّف: ((هل عَلِمْت شيئاً من الوحي؟)) وإنَّما سأله (١) تحرف في (س) إلى: أبو داود. ٤٢٩ باب ٣٩ / ح ١١١ كتاب العلم أبو جُحَيْفةَ عن ذلك لأنَّ جماعة من الشّيعة كانوا يَزْعُمون أنَّ عند أهل البيت - لا سيّما عليّاً- أشياء من الوحي خَصَّهم النبي ◌ِّر بها لم يُطلِع غيرهم عليها. وقد سأل عليّاً عن هذه المسألة أيضاً قيس بن عُبَاد - وهو بضم المهملة وتخفيف الموخَّدة - والأشتَرَ النَّخَعيِّ، وحديثهما في ((مسند النَّسائيّ)) (٤٧٣٤). قوله: ((قال: لا) زاد المصنّف في الجهاد (٣٠٤٧): لا والذي فَلَقَ الحَبّة، وبَرَأْ النَّسَمة. قوله: («إلَّا كتابُ الله)) هو بالرفع. وقال ابن المنيِر: فيه دليل على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المُسْتَبَط من كتاب الله، وهي المراد بقوله: ((أو فَهْم أُعطيَه رجل)) لأنه ذُكِرَ بالرفع، فلو كان الاستثناء من غير الجنس لكان منصوباً. كذا قال، والظاهر أنَّ الاستثناء فيه مُنقطِعٍ، والمراد بذِكْرِ الفَهْم: إثبات إمكان الزّيادة على ما في الكتاب. وقد رواه المصنِّف في الدّيات (٦٩٠٣) بلفظ: ((ما عندنا إلَّا ما في القرآن، إلَّا فَهْماً يُعطَى رجل من الكتاب)) فالاستثناء الأوَّل مُفرَّغ، والثاني مُنقطِع، معناه: لكن إنْ أعطَى الله رجلاً فَهْماً في كتابه، فهو يَقْدِر على الاستنباط، فتَحصُل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وقد روى أحمد (٧٨٢) بإسنادٍ حسن من طريق طارق بن شهاب/ قال: شهدت عليّاً ٢٠٥/١ على المنبر وهو يقول: ((والله ما عندنا كتاب نَقْرؤه عليكم إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة))، وهو يؤيِّد ما قلناه أنه لم يُرِدْ بالفَهْم شيئاً مكتوباً. قوله: ((الصحيفة)) أي: الوَرَقة المكتوبة. وللنَّسائي (٤٧٣٤) من طريق الأشتَر(١): ((فأخرج كتاباً من قِراب سیفه». قوله: ((العَقْل)) أي: الدِّيَة، وإِنَّما سُمّيَتْ به لأنهم كانوا يُعْطُون فيها الإبل ويَرْبِطونها يفِناءِ دار المقتول بالعِقال وهو الحَبْل. ووقع في رواية ابن ماجَهْ (٢٦٥٧) بدل العقل: ((الدّيَات)) والمراد: أحكامها ومقاديرها وأصنافها. قوله: ((وفِكاك)) بكسر الفاء وفتحها. وقال الفَرّاء: الفتح أفصح، والمعنى: أنَّ فيها حُكْم (١) بل هو من طريق قيس بن عُبَاد عن علي، أما الأشتر فقد ذكر قيس أنه كان معه عندما سأل علياً. ٤٣٠ باب ٣٩ / ح ١١٢ فتح الباري بشرح البخاري تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك. قوله: ((ولا يُقتَلُ)) بضم اللام، وللكُشْمِيهَني: ((وأنْ لا يُقتَلَ)) بفتح اللام، وعُطِفَت الجملة على المفرَد لأنَّ التقدير: فيها - أي: الصحيفة - حُكْم العقل وحُكْم تحريم قتل المسلم بالكافر، وسيأتي الكلام على مسألة قتل المسلم بالكافر في كتاب القِصاص والدّيات (٦٩٠٣) إن شاء الله تعالى. ووقع للمصنِّف (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠) من طريق يزيد التَّيْميِّ عن علي قال: ما عندنا شيء نَقْرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها: ((المدينة حَرَمٌ ... )) الحديث، ولمسلم (١٩٧٨ /٤٥) عن أبي الطَّفَيل عن علي: ما خَصَّنا رسول الله وَِّ بشيءٍ لم يَعُمَّ به الناس كافّة إلَّا ما في قِراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبة فيها: ((لَعَنَ اللهُ مَن ذبحَ لغير الله ... )) الحديث. وللنَّسائي من طريق الأشتَر (٤٧٣٤) وغيره عن علي: فإذا فيها: ((المؤمنون تَتكافَاً دِماؤُهم، يَسْعَى بذِمَّتِهم أدناهم ... )) الحديث، ولأحمد (٧٨٢) من طريق طارق بن شهاب: («فيها فرائض الصدقة)). والجمع بين هذه الأحاديث: أنَّ الصحيفة كانت واحدة. وكان جميع ذلك مكتوباً فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حَفِظَه، والله أعلم. وقد بيَّن ذلك قتادةُ في روايته لهذا الحديث عن أبي حَسّان عن علي، وبيَّن أيضاً السبب في سؤالهم لعليٍّ ﴾ عن ذلك، أخرجه أحمد (٩٥٩) والبيهقيُّ في ((الدلائل)) (٢٢٨/٧) من طريق أبي حَسّان: أنَّ عليّاً كان يأْمُر بالأمر فيقال: قد فعلْناه، فيقول: صَدَقَ الله ورسوله، فقال له الأشتَر: هذا الذي تقول، أهو شيءٍ عَهِدَه إليك رسول الله وَ لا خاصّة دون الناس؟ فذكره بطوله. ١١٢ - حدَّثنا أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرة: أنَّ خُزاعةَ قَتَلُوا رجلاً من بني لَيْثٍ عامَ فَتْحِ مَكّةَ بقَتِيلٍ منهم قَتَلُوه، فأُخبِرَ بذلكَ النبيُّ وَّهِ فَرَكِبَ راحِلتَه، فخَطَبَ، فقال: ((إنَّ الله حَبَسَ عن مَكّةَ القتلَ أو الفِيلَ - كذا ٤٣١ باب ٣٩ / ح ١١٢ كتاب العلم قالَ أبو نُعيم، وغيرُه يقول: الفِيلَ - وسُلِّطَ عليهم رسولُ الله ◌َّهِ والمؤمنونَ، أَلَا وإنَّها لم تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِيٍ، ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بعدي، ألا وإنَّهَا حَلَّتْ لي ساعةً من نَهَارٍ، ألا وإنَّها ساعتي هذه حرامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا تُلتَقَطُ ساقِطتُها إلَّا لِمُنشِدٍ، فمَن قُتِلَ فهو بِخَيرِ النَّظَرَينِ، إِمَّا أنْ يُعقَلَ، وإمَّا أنْ يُقادَ أهلُ القَتِيلِ)). فجاءَ رجلٌ من أهل اليَمَنِ فقال: اكتُبْ لي يا رسولَ الله، فقال: ((اكتُبُوا لأبي فلانٍ)). فقال رجلٌ من قُرَيشٍ: إِلَّ الإذخِرَ يا رسولَ الله، فإنّا نَجْعَلُه في بُيوتِنا وَقُبُورِنا، فقال النبيُّ وَلاَ: ((إلَّ الإذخِرَ، إِلَّا الإذخِرَ)». قال أبو عبدِ الله: يقالُ: يُقادُ بالقاف. فِقِيلَ لأبي عبدِ الله: أيُّ شيءٍ كتب له؟ قال: كتب له هذه الخُطبة. [طرفاه في: ٢٤٣٤، ٦٨٨٠] قوله: ((حدَّثنا شَيْبان)) هو ابن عبد الرحمن يُكْنى أبا معاوية، وهو بفتح الشّين المعجمة بعدها تحتانيَّة ثمَّ موحّدة، وليس في البخاري بهذه الصورة غيره. قوله: ((عن یحیی)) هو ابن أبي كثير. ٢٠٦/١ قوله: ((عن أبي سَلَمةَ)) في رواية المصنّف في الدّيات (٦٨٨٠): حدَّثنا أبو سَلَمةَ، حدَّثنا أبو هريرة. قوله: ((أنَّ خُزاعة)) أي: القبيلة المشهورة، والمراد واحد منهم فأطلق عليه اسم القبيلة تَجازاً، واسم هذا القاتل خِراش بن أُميَّة الخُراعي، والمقتول في الجاهليَّة منهم اسمه أحمر، والمقتول في الإسلام من بني لَیْث لم يُسمَّ. قوله: ((حَبَسَ)) أي: مَنَعَ عن مكَّة ((القتل)) أي: بالقاف والمثنَّاة من فوق ((أو الفيل)) أي: بالفاءِ المكسورة بعدها ياء تحتانيَّة. قوله: ((كذا قال أبو نُعيم)) أراد البخاري أنَّ الشَّك فيه من شيخه. ٤٣٢ باب ٣٩ / ح ١١٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وغيره يقول: الفيل)) أي: بالفاءِ ولا يَشُك، والمراد بالغير: مَن رواه عن شَيْبان رفيقاً لأبي نعيم وهو عُبيد الله بن موسى، ومَن رواه عن یحیی رفيقاً لشَيْبان وهو حرب بن شدَّاد كما سيأتي بيانه عند المصنِّف في الدّيات (٦٨٨٠)، والمراد بحَبْسِ الفيل: أهل الفيل، وأشار بذلك إلى القِصَّة المشهورة للحبشة في غزوهم مكَّة ومعهم الفيل، فمَنَعَها الله منهم وسَلَّطَ عليهم الطَّيْرِ الأبابيل، مع كَوْن أهل مكَّة إذْ ذاكَ كانوا كُفّاراً، فحُرْمة أهلها بعد الإسلام آكَد، لكنَّ غَزْو النبي ◌َّ إِيَّها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، وسيأتي الكلام على المسألة في كتاب الحج مفصَّلاً إن شاءَ الله تعالى. قوله: ((وسُلِّطَ عليهم)) هو بضم أوَّله، و((رسولُ)) مرفوع، و((المؤمنون)) معطوف عليه. قوله: ((ولا تَحِلّ)) للكُشْمِيهَني: ((ولم تَحِلَّ))، وللمصنِّف في اللَّقَطة (٢٤٣٤) من طريق الأوزاعيِّ عن يحيى: ((وَن)) وهي أَلْيَق بالمستقبل. قوله: ((لا يُخْتَلَى)) بالخاءِ المعجَمة، أي: لا يُحِصَد، يقال: اختَلَيْته: إذا قَطَعْته، وذِكْرِ الشَّوْك دالٌّ على منع قَطْع غيره من باب أولى، وسيأتي ذِكْر الخلاف فيه في الحج (١٨٣٢) إن شاء الله تعالی. قوله: ((إلَّا لمُنشِدٍ)) أي: مُعرِّف، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في كتاب اللُّقَطة إن شاء الله تعالى. قوله: ((فمَن قُتِل فهو بخيرِ النَّظَرَينِ)) كذا وقع هنا، وفيه حذف وقع بيانه في رواية المصنّف في الدِّيَات (٦٨٨٠) عن أبي نُعيم بهذا الإسناد: ((فمَن قُتِل له قتيل)). قوله: ((وإمَّا أنْ يُقاد)» هو بالقاف، أي: يُقْتَص، ووقع في رواية لمسلمٍ (١٣٥٥): ((إمَّا أنْ يُفادَى)) بالفاءِ وزيادة ياء بعد الدَّال، والصواب أنَّ الرواية على وجهين: مَن قالها بالقاف قال فيما قبلها: ((إمَّا أنْ يُعقَل)) من العَقْل وهو الدّية، ومَن قالها بالفاءِ قال فيما قبلها: ((إِمَّا أنْ يُقتَل)) بالقاف والمثنَّة، والحاصل تفسير ((النَّظَرَين)) بالقصاص أو الدّية. وفي المسألة بحث یأتي في الدِّیات إن شاء الله تعالی. ٤٣٣ باب ٣٩ / ح ١١٣ كتاب العلم قوله: ((فجاءَ رجل من أهل اليَمَن)) هو أبو شاهٍ بهاءٍ منَوَّنة، وسيأتي في اللَّقَطة (٢٤٣٤) مُسمّى، والإشارة إلى مَن حَرَّفَه، وهناك من الزّيادة عن الوليد بن مسلم: ((قلت الأوزاعيّ: ما قوله: اكتُبوا لي؟ قال: هذه الخُطْبة التي سمعها من رسول الله وٌَّ)) قلت: وبهذا تَظْهَر مطابقة هذا الحديث للترجمة. قوله: ((فقال رجل من قُريش)) هو العبَّاس بن عبد المطَّلِّب كما يأتي في اللَّقَطة، ووقع في رواية لابن أبي شَيْبة (١٤ /٤٩٥): «فقال رجل من قُرَيش يقال له: أبو شاه)» وهو غلط(١). قوله: ((إلَّا الإذخِرَ)) كذا هو في روايتنا بالنصب، ويجوز رفعه على البدل ممّا قبله. قوله: ((إلَّا الإذخِر إلَّا الإذخِر)) كذا هو في روايتنا، والثانية على سبيل التأكيد. ١١٣ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثْنَا عَمْرٌو، قال: أخبرني وَهْبُ ابنُ مُنبٍِّ، عن أخِيه، قال: سمعت أبا هُرَيرةَ، يقول: ما من أصحاب النبيِّ وََّ أَحَدٌ أكثرَ حديثاً عنه منّي، إلَّا ما كان من عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، فإنَّه كان يَكْتُبُ ولا أكتُبُ. تابعه مَعمَرٌ، عن هنَّامٍ، عن أبي هُرَيرةَ. قوله: «حدّثنا عمرو» هو ابن دینار المكِّي. قوله: ((عن أخيه)) هو همَّام بن مُنبِّه- بتشديد الموحّدة المكسورة- وكان/ أكبر منه سِنّاً، لكن ٢٠٧/١ تأخّرَتْ وفاته عن وَهْب، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين من طبقة متقاربة أوَّلهم عَمْرو. قوله: ((فإنَّه كان يكتب ولا أكتُب)) هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثريَّة ما عند عبد الله بن عَمْرو، أي: ابن العاص، على ما عنده، ويستفاد من ذلك أنَّ أبا هريرة كان جازماً بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي وَله منه إلَّا عبد الله، مع أنَّ الموجود المروي عن عبد الله بن عَمْرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعافٍ مضاعفة، فإنْ قلنا: الاستثناء مُنقطع، فلا إشكال، إذ التقدير: لكنَّ الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن منّي، سواء لَزِمَ منه كَوْنه أكثر حديثاً لما تقتضيه العادة، أم لا. وإنْ قلنا: (١) رواية ابن أبي شيبة كرواية البخاري، لكن الحافظ رحمه الله انتقل بصره من سطر إلى سطر، والله أعلم. ٤٣٤ باب ٣٩ / ح ١١٣ فتح الباري بشرح البخاري الاستثناء مُتَصِل، فالسبب فيه من جهات: أحدها: أنَّ عبد الله كان مُشتغِلاً بالعبادة أكثرَ من اشتغاله بالتعليم، فقلَّت الرواية عنه. ثانيها: أنه كان أكثرُ مُقامه بعد فُتوح الأمصار بمصرَ أو بالطائفِ، ولم تكن الرِّحْلة إليهما مَّن يَطلُب العلم كالرِّحْلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة مُتَصَدّياً فيها للفَتْوى والتحديث إلى أنْ مات، ويَظْهر هذا من كثرة مَن حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روی عنه ثمانُ مئة نَفْس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. ثالثها: ما اختُصَّ به أبو هريرة من دعوة النبي ◌َّ له بأنْ لا يَنْسى ما يُحدِّثه به كما سنذكره قريباً (١١٩). رابعها: أنَّ عبد الله كان قد ظَفِرَ في الشام بحِمْلٍ جملٍ من كتب أهل الكتاب، فكان يَنظُر فيها ويُحدِّث منها، فَتَجَنَّبَ الأخذ عنه لذلك كثيرٌ من أئمّة التابعين، والله أعلم. تنبيه: قوله: ((ولا أكتُب)) قد يعارضه ما أخرجه ابن وَهْب من طريق الحسن بن عَمْرو ابن أُميَّة قال: تُحُدِّثَ عند أبي هريرة بحديثٍ، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كُتّباً من حديث النبي أقل﴾ وقال: هذا هو مكتوب عندي. قال ابن عبد البَرِّ: حديث همَّام أصح، ويُمكِن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العَهْد النبوي ثمَّ کتب بعده. قلت: وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنه أنْ يكون بخَطِّه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب، فتَعيَّنَ أنَّ المكتوب عنده بغير خَطّه. قوله: ((تابعه مَعمَر )) أي: ابن راشد، يعني: تابعَ وَهْبَ بن مُنِّه في روايته لهذا الحديث عن همَّام، والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق (٢٠٤٨٩) عن مَعمَر، وأخرجها أبو بكر ابن علي المَرْوزي في كتاب ((العلم)) له عن حَجّاج بن الشاعر عنه. وروى أحمد (٩٢٣١) والبيهقيُّ في ((المدخَل)) (٧٥١) من طريق عَمْرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حَكيم قالا: سَمِعْنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث ٤٣٥ باب ٣٩ / ح ١١٣ كتاب العلم رسول الله وَله منّي إلَّا ما كان من عبد الله بن عَمْرو، فإنَّه كان يكتب بيَدِه ويَعي بقلبِهِ، وكنت أَعِي ولا أكتُب، استأذَنَ رسولَ الله ◌َّ﴾ في الكتاب عنه فأذِنَ له، إسناده حسن، وله طريق أُخرى أخرجها العُقَيلي (٣٣٤/٢) في ترجمة عبد الرحمن بن سَلْمان، عن عُقيل، عن المغيرة بن حَكيم سمع أبا هريرة قال: ما كان أحد أعلمَ بحديث رسول الله ،وَّ منّي إلَّا عبد الله بن عَمْرو، فإنَّه كان يكتب، استأذَنَ رسول الله وَ﴿ أَنْ يكتب بيَدِه ما سمع منه فأذِنَ له ... الحديث. وعند أحمد (٦٥١٠) وأبي داود (٣٦٤٦) من طريق يوسف بن ماهَكَ عن عبد الله بن عمرو: كنت أكتُب كل شيء سمعته من رسول الله وَ لِّ، فَنَهَتْني قريشٌ ... الحديث، وفيه: ((اكتُب، فوالذي نَفْسي بيَدِه ما يَخْرُج منه إلَّا الحق))، ولهذا طرق أُخرى عن عبد الله بن عَمْرو يُقوِّي بعضها بعضاً(١). ولا يلزم منه أنْ يكونا في الوَعْي سواء لما قدَّمناه من اختصاص أبي هريرة بالدُّعاءِ بعدم النِّسْيان، ويحتمل أنْ يقال: تُحمَل أكثريَّة عبد الله بن عَمْرو على ما فازَ به عبد الله من الكتابة قبل الدُّعاء لأبي هريرة، لأنه قال في حديثه: ((فما نسيت شيئاً بعد)) فجازَ أنْ يدخل عليه النِّسْيان فيما سمعه قبل الدُّعاء، بخلاف عبد الله فإنَّ الذي سمعه مضبوط بالكتابة، والذي انتَشَرَ عن أبي هريرة مع ذلك أضعاف ما انتَشَرَ عن عبد الله بن عَمْرو، لتَصَدّي أبي هريرة لذلك ومُقامه بالمدينة النبويَّة، بخلاف عبد الله بن عَمْرو في الأمرین. ويستفاد منه ومن حديث علي المتقدِّم ومن قِصَّة أبي شاه: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أَذِنَ في كتابة ٢٠٨/١ الحديث عنه، وهو يعارض حديث أبي سعيد الخُدْريِّ أنَّ رسول الله وَّه قال: ((لا تَكْتُبُوا عنّي شيئاً غير القرآن)) رواه مسلم (٣٠٠٤). والجمع بينهما أنَّ النهي خاص بوَقْتِ نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غیر ذلك، أو أنَّ النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي مُتقدِّم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها مع أنه لا يُنافيها. (١) إسناد حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد وأبي داود صحيح لذاته. ٤٣٦ باب ٣٩ / ح ١١٤ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: النهي خاص بمَن خُشيَ منه الاتِّكال على الكتابة دون الحِفْظ، والإذن لمن أُمنَ منه ذلك، ومنهم مَن أعلَّ حديث أبي سعيد وقال: الصواب وَقْفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره. قال العلماء: كَرِهَ جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستَحَبّوا أنْ يُؤخَذ عنهم حِفْظاً كما أخذوا حِفْظاً، لكن لمَّا قَصُرَت الهِمَمِ وخَشِيَ الأئمّة ضياع العلم دَوَّنوه، وأوَّل مَن دَوَّنَ الحديث ابن شِهاب الزُّهْري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرُ التدوين ثمَّ التصنيف، وحصل بذلك خیر کثیر، فلله الحمد. ١١٤- حدثنا يحيى بنُ سلیمانَ، قال: حدثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شِهابٍ، عن عُبيدِالله بنِ عبدِ الله، عن ابن عبّاس، قال: لمَّا اشْتَّ بالنبيِّينَ ﴿ وَجَعُه قال: ((اتُوني بكتابٍ أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه)) قال عمرُ: إِنَّ النبيَّ ◌َِّ غَبَه الوَجَعُ، وعندَنا كتابُ الله حَسْبُنَا، فاخْتَلَفُوا وكَثُرَ اللَّغَطُ، قال: ((قُومُوا عَنِّي، ولا يَنْبَغِي عندي التَّنَازُعُ)). فخَرَجَ ابنُ عَبَّاس يقول: إنَّ الرَّزِيئَةَ كلَّ الرَّزِيثةِ ما حالَ بينَ رسولِ اللهِ لَه وبينَ كتابِهِ. [أطرافه في: ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦] قوله: «أخبرني یونس» هو ابن یزید. قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله)) أي: ابن عُتْبة بن مسعود. قوله: ((لمَّا اشتذَّ)) أي: قويَ. قوله: ((وجعُه)) أي: في مرض موته كما سيأتي. وللمصنِّف في المغازي (٤٤٣٢) وللإسماعيليّ: ((لمَّا حَضَرَت النبيَّ وَِّ الوفاةُ))، وللمصنِّف (٣٠٥٣) من حديث سعيد بن جُبَير: أنَّ ذلك كان يوم الخميس؛ وهو قبل موته بَير بأربعة أيام. قوله: ((بكتاب)) أي: بأدوات الكتاب، ففيه مجاز الحذف، وقد صُرِّحَ بذلك في رواية المسلمٍ (٢١/١٦٣٧) قال: ((ائتوني بالكَتِفِ والدَّواة)) والمراد بالكَتِفِ: عَظْم الكَتِف، لأنهم کانوا یکتبون فيها. ٤٣٧ باب ٣٩ / ح ١١٤ كتاب العلم قوله: ((أكتُبْ)) هو بإسكان الباء جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف، وفيه مجاز أيضاً، أي: آمُر بالكتابة. ويحتمل أنْ يكون على ظاهره كما سيأتي البحث في المسألة في كتاب الصُّلْح إن شاء الله تعالى(١). وفي ((مسند أحمد)) (٦٩٣) من حديث علي أنه المأمور بذلك ولفظه: أمَرَني النبيِ نَّ أَنْ آتَيَه بطَبِقٍ - أي: كَتِفِ - يكتب ما لا تَضِلُّ أُمَّته من بعده(٢). قوله: ((كتاباً)) بعد قوله: ((بكتابٍ)) فيه الجِناس التام بين الكَلِمِتَين، وإنْ كانت إحداهما بالحقيقة والأُخرى بالمجاز. قوله: ((لا تَضِلّوا)) هو نفي، وحُذِفَت النون في الروايات التي اتَّصلَتْ لنا لأنه بدل من جواب الأمر، وتعدُّد جواب الأمر من غير حرف العَطْف جائز. قوله: ((غَلَبَه الوجعُ)) أي: فيَشُق عليه إملاء الكتاب أو مُباشَرة الكتابة، وكأنَّ عمر ﴾ فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. قال القُرْطبي وغيره: ائتوني أمرٌ، وكان حق المأمور أنْ يُبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر ضه مع طائفة أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلَح، فكَرِهوا أنْ يُكَلِّفوه من ذلك ما يَشُق/ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اُلْكِتَبِ مِن ٢٠٩/١ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿بِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ولهذا قال عمر: حَسْبنا کتابُ الله. وظهر لطائفةٍ أُخرى أنَّ الأَولى أنْ يُكتَب، لما فيه من امتثال أمره وما يتضمَّنه من زيادة الإيضاح، ودلَّ أمره لهم بالقيام على أنَّ أمرَه الأوَّل كان على الاختيار، ولهذا عاش بَلّ بعد ذلك أياماً ولم يُعاوِد أمرَهم بذلك، ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ المخالفة مَن خالَف، وقد كان الصحابة يُراجعونَه في بعض الأمور ما لم يَجِزِمْ بالأمر، فإذا (١) عند حديث البراء برقم (٢٦٩٩)، لكنه عاد هناك فأحال البحث فيها إلى ((باب عمرة القضاء)) من المغازي، وهو فيه عند حديث البراء أيضاً برقم (٤٢٥١). (٢) وإسناده ضعيف لجهالة راويه عن علي. ٤٣٨ باب ٣٩ / ح ١١٤ فتح الباري بشرح البخاري عَزَمَ امَثَلوا. وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام (٧٣٦٦) إن شاء الله تعالى. وقد عُدَّ هذا من موافقة عمر ﴾. واختُلِفَ في المراد بالكتاب، فقيل: كان أراد أنْ يكتب كتاباً يَنُص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. وقيل: بل أراد أنْ يَنُص على أسامي الخُلَفاء بعده حتَّى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عُيَينة. ويؤيِّده أنه وَلي قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتَّى أكتُبَ كتاباً، فإني أخاف أنْ يتمنَّى مُتَمَنٍّ ويقول قائل، ويأْبَى الله والمؤمنون إلَّا أبا بَكْر)) أخرجه مسلم (٢٣٨٧)، وللمصنِّف (٧٢١٧) معناه، ومع ذلك فلم يكتب، والأوَّل أظهَر لقول عمر: كتاب الله حَسْبنا. أي: كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني لأنه بعض أفراده، والله أعلم. فائدة: قال الخطّبيُّ: إنَّما ذهب عمر إلى أنه لو نَصَّ بما يُزيل الخلاف، لَبَطَلَتْ فضيلة العلماء وعُدِمَ الاجتهاد. وتعقَّبه ابن الجَوْزي بأنه لو نَصَّ على شيء أو أشياء لم يَبْطُل الاجتهاد، لأنَّ الحوادث لا يُمكِن حَصْرها، قال: وإنَّما خافَ عمر أنْ يكون ما يكتبه في حالة غَلَبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلاً إلى الطَّعْن في ذلك المكتوب، وسيأتي ما يؤيّده في أواخر المغازي (٤٤٣١). قوله: ((ولا يَنْبَغِي عندي التََّازِعُ)) فيه إشعار بأنَّ الأَولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر، وإنْ كان ما اختارَه عمر صواباً، إذْ لم يَتَدَارَك ذلك النبي ◌َّه بعدُ كما قدَّمناه. قال القُرْطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم: «لا يُصلّيَنَّ أحد العصر إلَّا في بني قُرَيظة))(١) فتَخَوَّفَ ناس فَوْتَ الوقت فصَلَّوْا، وتَسَّكَ آخرون بظاهر الأمر فلم يُصلُّوا، فما عَنَّفَ أحداً منهم من أجل الاجتهاد المُسوّغ والمقصِد الصالح، والله أعلم. قوله: ((فخَرَجَ ابن عبّاس يقول)) ظاهره أنَّ ابن عبّاس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلاً هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر، بل قول ابن (١) سيأتي عند المصنف برقم (٩٤٦). ٤٣٩ باب ٣٩ / ح ١١٤ كتاب العلم عبَّاس المذكور إِنَّما كان يقوله عندَما يُحدِّث بهذا الحديث، ففي رواية مَعمَر عند المصنّف في الاعتصام (٧٣٦٦) وغيره: قال عُبيد الله: فكان ابن عبّاس يقول. وكذا لأحمد (٢٩٩٠) من طریق جَرِیر بن حازم عن يونس بن یزید. وجزم ابن تَيْميَّة في ((الَّد على الرافضي))(١) بما قلته، وكلٍّ من الأحاديث يأتي بسط القول فيه في مكانه اللَّائق به، إلَّا حديث عبد الله بن عمرو (١١٣)، فهو عُمْدة الباب. ووجه رواية حديث الباب: أنَّ ابن عبّاس لمَّا حدَّث عُبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول ذلك. ويدل عليه رواية أبي نُعيم في ((المستخرَج)) قال عُبيد الله: فسمعت ابن عبّاس يقول ... إلى آخره. وإنَّما تَعيَّنَ حمله على غير ظاهره، لأنَّ عُبيد الله تابعي من الطَّبَقة الثانية لم يُدرِك القِصَّة في وقتها؛ لأنه وُلِدَ بعد النبي ◌َّهِ بِمُدّةٍ طويلة، ثمَّ سمعها من ابن عبّاس بعد ذلك بمُدّةٍ أُخرى، والله أعلم. قوله: ((الَّزيئة)) هي بفتح الراء وكسر الَّاي بعدها ياء ثمَّ همزة، وقد تُسهَّل الهمزة وتُشدَّد الياء، ومعناها: المصيبة، وزاد في رواية مَعمَر (٧٣٦٦): ((لاختلافهم ولَغَطهم)) أي: أنَّ الاختلاف كان سبباً لتركِ کتابة الکتاب. وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم، وعلى أنَّ الاختلاف قد يكون سبباً في حِزْمان الخير، كما وقع في قِصَّة الرجلَينِ اللَّذَينِ تَخَاصَها فرُفِعَ تعيين ليلة القَدْر بسبب ذلك(٢). وفيه وقوع الاجتهاد بحَضْرة النبي وَّهِ فيما لم يُنزَل عليه فيه، وسنذكر بقيَّة ما يتعلَّق به في أواخر السّيرة النبويَّة من كتاب المغازي (٤٤٣١) إن شاء الله تعالى. تنبيه: قَدَّمَ حديث علي (١١١): أنه كتب عن النبي ◌َِّ، ويَطْرُقه احتمال أنْ يكون إنّما ٢١٠/١ كتب ذلك بعد النبي ◌َّه ولم يَبلُغه النهي. (١) وهو الكتاب المشهور باسم ((منهاج السنة النبوية))، والذي ردَّ فيه شيخُ الإسلام ابن تيمية على كتاب ((منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)) لشيخ الرافضة ابن مطهّر الحِلِّي المتوفى سنة ٧٢٦ هـ. (٢) سيأتي الحديث عند المصنف برقم (٢٠٢٣). ٤٤٠ باب ٤٠ / ح ١١٥ فتح الباري بشرح البخاري وثنَّى بحديث أبي هريرة (١١٢) وفيه الأمر بالكتابة، وهو بعد النهي فيكون ناسخاً. وثَلَّكَ بحديث عبد الله بن عَمْرو (١١٣)، وقد بَيَّنْتُ أنَّ في بعض طرقه إذن النبي ◌ِّل له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمر أن يكتبوا لأبي شاه، لاحتمال اختصاص ذلك بمَن يكون أُمَّاً أو أعمى. وخَتَمَ بحديث ابن عبّاس (١١٤) الدالٌّ على أنه وَِّ هَمَّ أنْ يكتب لأُمَّتِه كتاباً يَحصُل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يَهُمُّ إلَّا بحقٌّ. ٤٠- باب العلم والعِظَة بالليل ١١٥ - حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، عن مَعمَر، عن الزُّهْري، عن هِنْدٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ. وعَمْرٌو ويحيى بنُ سعيدٍ، عن الزّهْري، عن هِنْدٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: اسْتَيِّقَظَ النبيُّ وَّل ذاتَ ليلةٍ فقال: ((سُبْحانَ الله، ماذا أُنزِلَ الليلةَ مِن الفِتَن، وماذا فُتِحَ مِن الخَزائنِ! أَيَقِظُوا صواحبَ الحُجَرَ، فُرُبَّ كاسيَّةٍ في الدُّنْيا، عارِيَةٌ في الآخرةِ». [أطرافه في: ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩] قوله: ((باب العلم) أي: تعليم العلم بالليل، والعِظَة تقدَّم أنها الوعظ، وأراد المصنّف التنبيه على أنَّ النهي عن الحديث بعد العِشاء مخصوص بما لا يكون في الخير. قوله: ((صَدَقة)) هو ابن الفضل المَرْوزي. قوله: ((عن هِنْد)) هي بنت الحارث الفِراسِيَّة، بكسر الفاء والسِّين المهملة، وفي رواية الگُشْمِیھني بدها: عن امرأة. قوله: ((وعَمْرٌو)) كذا في روايتنا بالرفع، ويجوز الكسر، والمعنى أنَّ ابن عُبَينَةَ حدَّثهم عن مَعمَر ثمَّ قال: وعَمْرو - وهو ابن دينار - فعلى رواية الكسر يكون معطوفاً على مَعمَر، وعلى رواية الرفع يكون استئنافاً كأنَّ ابن عُيَينةَ حدَّث بحذف صيغة الأداء، وقد جَرَتْ عادته بذلك.