Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ باب ٣١ / ح ٩٧ كتاب العلم فوائد: الأولى: وقع في ((شرح)) ابن التِّين وغيره: أنَّ الآية المذكورة نزلت في كَعْب الأحبار وعبد الله بن سَلاَم، وهو صواب في عبد الله خطأ في كَعْب، لأنَّ كَعْباً ليست له صُحْبة، ولم يُسلِم إلَّا في عَهْد عمر بن الخطّاب، والذي في (تفسير الطبري)) وغيره عن قتادة: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وسَلْمان الفارسي، وهذا مستقيم، لأنَّ عبد الله كان يهوديّاً فأسلمَ كما سيأتي في الهجرة (٣٩٣٨)، وسَلْمان كان نصرانيّاً فأسلمَ كما سيأتي في البيوع(١)، وهما صحابيّان مشهوران. الثانية: قال القُرْطبي: الكتابي الذي يُضاعَف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه عَقْداً وفعلاً إلى أنْ آمَنَ بنبيِّنا وَّةِ، فَيُؤْجَر على اتباع الحق الأوَّل والثاني. انتهى، ويُشكِل عليه أنَّ النبيَّ وَّ كتب إلى هِرَقل: ((أسلِمْ يُؤْتِك الله أجرك مرتين))، وهِرَقل كان ممَّن دخل في النصرانيَّة بعد التبدیل، وقد قدَّمت بحث شيخ الإسلام في هذا في حديث أبي سفيان في بدء الوحي (٧). الثالثة: قال أبو عبد الملك البَوْني وغيره: إنَّ الحديث لا يتناول اليهود البَتّة. وليس بمستقیم کما قَرَّرْناه. وقال الدَّاوودي ومَن تَبِعَه: إنَّه يحتمل أنْ يتناول جميع الأُمَم فيما فعلوه من خير كما في حديث حكيم بن حزام الآتي: ((أسلمْتَ على ما أسلَفْت من خير))(٢)، وهو مُتَعقَّب، لأنَّ الحديث مقيّد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلَّا بقياس الخير على الإيمان. وأيضاً فالنُّكْتة في قوله: ((آمَنَ بنبيِّه)) الإشعار بعِلّيَّة الأجر، أي: أنَّ سبب الأجرَينِ الإيمان بالنبِّين، والكُفّار ليسوا كذلك. ويُمكِن أنْ يقال: الفَرْق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكُفّار أنَّ أهل الكتاب (١) باب (١٠٠) شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه. (٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٤٣٦). ٤٠٢ باب ٣١ / ح ٩٧ فتح الباري بشرح البخاري يعرفون محمداً وَ له كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فمَن آمَنَ به واتَّبَعَه منهم، كان له فضل على غيره، وكذا مَن كذَّبَه منهم كان وِزْره أشدَّ من وِزْر غيره، وقد وَرَدَ مِثل ذلك في حق نساء النبي ◌َّ لكّوْن الوحي کان یَنزِل في بيوتهنَّ(١). فإنْ قيل: فلِمَ لم يُذكَرْنَ في هذا الحديث فيكون العدد أربعة؟ أجاب شيخنا شيخ الإسلام: بأنَّ قَضيَّتهنَّ خاصّة بهنَّ مقصورة عليهن، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرّة إلى يوم القيامة. وهذا مَصِير من شيخنا إلى أنَّ قَضيّة مؤمن أهل الكتاب مستمرّة، وقد ادَّعَى الكِرْماني اختصاص ذلك بمَن آمَنَ في عَهْد البِعْثة، وعَلَّلَ ذلك بأنَّ نبيّهم بعد البِعْئة إنَّما هو محمد ◌َّهِ باعتبار عموم بَعْثَتِهِ. انتهى. وقَضيَّتَه أنَّ ذلك أيضاً لا يَتِم لمن كان في عهد النبي وَّ، فإنْ خَصَّه بمَن لم تَبلُغه ١٩٢/١ الدَّعْوة/ فلا فرق في ذلك بين من آمنَ في (٢) عَهْده وبعده، فما قاله شيخنا أظهَر، والمراد بنسبَتِھم إلی غیر نبيّنا پ﴿إِنّما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك. وأمَّا ما قَوَّى به الكِرْماني دعواه بكَوْنِ السِّياق مُختلِفاً حيثُ قيل في مؤمن أهل الكتاب: ((رجل)) بالتنكير، وفي ((العبد)) بالتعريف، وحيثُ زِيدَتْ فيه: ((إذا)) الدَّالّة على معنى الاستقبال، فأشعَرَ ذلك بأنَّ الأجرَينِ لمؤمنٍ أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، بخلاف العبد. انتهى، وهو غير مستقيم، لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس مُتَّفَقاً علیه بین الرُّواة، بل هو عند المصنّف وغيره مُخْتلِف، فقد عَبَّر في ترجمة عيسى وَلِّ (٣٤٤٦) بإذا في الثلاثة، وعَبَّر في النكاح (٥٠٨٣) بقوله: ((أيما رجل)) في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم، وأمَّا الاختلاف بالتعريفِ والتنكير فلا أثر له هنا، لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس مُؤدّاه مُؤدَّى النَّكِرة، والله أعلم. (١) يشير بذلك إلى الآية (٣١) من سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّلِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحَا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. (٢) قوله: ((من آمن في)) سقط من (س). ٤٠٣ باب ٣١ / ح ٩٧ كتاب العلم الرابعة: حُكْم المرأة الكتابيَّة حُكْم الرجل كما هو مُطَّرِد في جُل الأحكام، حيثُ يَدخلْنَ مع الرجال بالتبعيّة إلَّا ما خَصَّه الدليل، وستأتي مباحث العبد في العِثْق (٢٥٤٤)، ومباحث الأَمَّة في النكاح (٥٠٨٣). قوله: «فله أجران)» هو تكرير لطول الكلام للاهتمام به. قوله: ((ثُمَّ قال عامر)) أي: الشَّعْبي («أعطَيْناكها))، ظاهره أنه خاطبَ بذلك صالحاً الراوي عنه، ولهذا جزم الكِرْماني بقوله: ((الخِطاب لصالح)) وليس كذلك، بل إنَّما خاطبَ بذلك رجلاً من أهل خُراسان سأله عمَّن يُعْتِقِ أمَته ثمَّ يتزوَّجها، كما سنذكر ذلك في ترجمة عیسی عليه الصلاة والسلام من هذا الكتاب (٣٤٤٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((بغير شيء)) أي: من الأُمور الدُّنيويَّة، وإلَّا فالأجر الأُخرَوي حاصل له. قوله: (يُركَب فيما دونها)) أي: يُرحَل لما هو أهون منها كما عنده في الجهاد (٣٠١١)، والضمير عائد على المسألة. قوله: ((إلى المدينة)) أي: النبويَّة، وكان ذلك في زمن النبي (وَل﴿ والخُلَفاء الراشدين، ثمَّ تفرَّقَ الصحابة في البلاد بعد فُتوح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعُلَمائه إلَّا مَن طلبَ التوسُّع في العلم فرَحَل، وقد تقدَّم حديث جابر في ذلك(١)، ولهذا عَبََّ الشَّعْبي - مع كَوْنه من كِبَار التابعين - بقوله: ((كان))، واستدلال ابن بَطَّال وغيره من المالكيَّة على تخصيص العلم بالمدينة فيه نظر لما قَرَّرْناه، إنَّما قال الشَّعْبي ذلك تحريضاً للسامع، ليكون ذلك أدعَى لِحِفْظِهِ وأجلَبَ لِحِرْصِه، والله المستعان. وقد روى الدّارميُّ (٥٦٣) بسندٍ صحيح عن بُسْر بن عُبيد الله - وهو بضم الموخَّدة وسكون المهملة - قال: إنْ كنت لَأركَب إلى المِصْر من الأمصار في الحديث الواحد. وعن أبي العالية قال: كنّا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نَرْضَى حتَّى نَرْكَب إليهم فنسمعه منهم. (١) سلف حديث جابر معلقاً في باب رقم (٢٠): الخروج في طلب العلم. ٤٠٤ باب ٣٢ / ح ٩٨ فتح الباري بشرح البخاري ٣٢- بابُ عِظَة الإمام النساءَ وتعليمهنَّ ٩٨- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن أيوبَ، قال: سمعتُ عطاءً، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس، قال: أشهَدُ على النبيِّ وَّةِ؛ أو قال عطاءٌ: أَشهَدُ على ابن عبَّاس: أنَّ رسولَ الله وَلَّ خَرَجَ ومعَه بلالٌ فظنَّ أنَّه لم يُسْمِعِ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقة، فجعلتِ المرأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخاَمَ، وبلالٌ بْخُذُ في طَرَفِ ثویِهِ. وقال إسماعيلُ: عن أيوبَ، عن عطاءٍ، وقال: عن ابن عبّاس: أشهَدُ على النبيِّ وَله. [أطرافه في: ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٧٣٢٥،٥٨٨٣،٥٨٨١] قوله: ((باب عِظة الإمام النِّساء)) نبَّه بهذه الترجمة على أنَّ ما سبقَ من النَّذْب إلى تعليم الأهل ليس مُختصّاً بأهلِهِن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومَن يَنُوب عنه. /١٩٣ واستفيدَ الوعظ بالتصريح من قوله في الحديث: ((فوعَظَهُنَّ)/ وكانت الموعظة بقوله: ((إني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهل النار، لأنكُنَّ تُكثِرْنَ اللَّعْن، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرِ)). واستفيدَ التعليم من قوله: ((وأمرهُنَّ بالصدقة)) كأنه أعلمَهُنَّ أنَّ في الصدقة تكفيراً خطایاهُن. قوله: ((عن أيوب)) هو السّخْتِیاني، وعطاء: هو ابن أبي رباح. قوله: ((أو قال عطاء: أشهَد)) معناه أنَّ الراوي تَردَّدَ هل لفظ ((أشهَد)) من قول ابن عبّاس أو من قول عطاء، وقد رواه بالشكِّ أيضاً حمّاد بن زيد عن أيوب أخرجه أبو نُعيم في (المستخرَج))، وأخرجه أحمد بن حنبل (٢٥٩٣) عن غُندَر عن شُعْبة جازماً بلفظ: ((أشهَد» عن كلٌّ منهما، وإنَّما عَبَّر بلفظ الشهادة تأكيداً لتحقَّقِه ووُثوقاً بوقوعِه. قوله: «ومعه بلال» کذا للگُشْمِیھنیِّ، وسقطت الواو للباقین. قوله: ((القُرْط)) هو بضم القاف وإسكان الراء بعدها طاء مُهمَلة، أي: الحَلْقة التي تكون في شَخْمة الأُذُن، وسيأتي مزيد في هذا المتن في العيدين (٩٦٢) إن شاء الله تعالى. ٤٠٥ باب ٣٣ / ح ٩٩ كتاب العلم قوله: ((وقال إسماعيل)) هو المعروف بابن عُلَيَّة، وأراد بهذا التعليق أنه جزم عن أيوب بأنَّ لفظ ((أشهَد)) من كلام ابن عبّاس فقط، وكذا جزم به أبو داود الطَّيالسي في («مسنده» (٢٧٧٧) عن شُعْبة، وكذا قال وُهَيب عن أيوب، ذكره الإسماعيلي. وأغربَ الكِرْماني فقال: يحتمل أنْ يكون قوله: ((وقال إسماعيل)) عَطْفاً على ((حدَّثنا شُعْبة))، فيكون المراد به: حدَّثنا سليمان بن حرب عن إسماعيل، فلا يكون تعليقاً. انتهى، وهو مردود بأنَّ سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلاً، لا لهذا الحديث ولا لغيره، وقد أخرجه المصنّف في كتاب الزَّكاة (١٤٤٩) موصولاً عن مُؤمِّل بن هشام عن إسماعيل كما سيأتي، وقد قلنا غير مَرّة: إنَّ الاحتمالات العقليَّ لا مَدْخَل لها في الأُمور النقليَّة، ولو استَرْسَلَ فيها مُستَرْسِل لَقال: يحتمل أنْ يكون إسماعيل هنا آخر غير ابن عُلَيَّة، وأنَّ أيوب آخر غير السَّخْتِياني، وهكذا في أكثر الزُّواة، فَيَخرُج بذلك إلى ما ليس بمَرْضيٍّ. وفي هذا الحديث: جواز المعاطاة في الصدقة، وصَدَقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، وأنَّ الصدقة تَمْحو كثيراً من الذُّنوب التي تُدخِل النار. ٣٣ - باب الحِرص على الحديث ٩٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني سليمانُ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمْرٍو، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المَقْبُري، عن أبي هُرَيرة أنَّه قال: قيل: يا رسولَ الله، مَن أسعدُ الناسِ بشَفاعتكَ يومَ القيامةِ؟ قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لقد ظَنتُ يا أبا هُرَيرَ أنْ لا يَسْألَني عن هذا الحديث أحَدٌ أوَّلُ منكَ، لِمَا رَأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ، أسعدُ الناسِ بِشَفَاعتي يومَ القِيامةِ مَن قال: لا إلهَ إلَّا الله، خالصاً من قَلْبِهِ)) أو ((نَفْسِهِ)). [طرفه في: ٦٥٧٠] وتـ قوله: (باب الخِرْص على الحديث)) المراد بالحديث في عُرْف الشرع: ما يُضاف إلى النبي وكأنه أُريدَ به مقابلة القرآن لأنه قديم. قوله: ((حدّثنا عبد العزيز)) هو أبو القاسم الأُوَيسي، وسليمان: هو ابن بلال، وعَمْرو بن ٤٠٦ باب ٣٣ / ح ٩٩ فتح الباري بشرح البخاري أبي عَمْرو: هو مولى المطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب، واسم أبي عَمْرو: مَيْسَرة. والإسناد کُّه مدنُّون. قوله: ((أنه قال: قيل: يا رسول الله)) كذا لأبي ذرٍّ وكَرِيمة. وسقطت ((قيل)) للباقين وهو الصواب، ولعلَّها كانت ((قلت)) فَتَصَحَّفَت، فقد أخرجه المصنِّف في الرِّقاق (٦٥٧٠) كذلك، وللإسماعيليِّ: ((أنه سأل))، ولأبي نُعيم: ((أنَّ أبا هريرة قال: يا رسول الله)). قوله: ((أوَّلُ مِنْك)) وقع في روايتنا برفع اللام ونصبها، فالرفع على الصِّفة لـ((أحدٌ)) أو البدل منه، والنصب على أنه مفعول ثانٍ لـ((ظَنَنتُ)) قاله القاضي عِيَاض، وقال أبو البقاء: ١٩٤/١ على الحال، ولا يضر كَوْنه نَكِرة، لأنها في سياق النَّفي كقولهم: ما كان أحد/ مِثلَك. و ((ما)) في قوله: (لِم)) موصولة و ((مِن)) بيانيَّة أو تبعيضيّة. وفيه فضل أبي هريرة وفَضْل الحِرْص على تحصيل العلم. قوله: ((مَن قال: لا إله إلّا الله)) احتراز من المشرك، والمراد: مع قوله: محمد رسول الله، لكن قد يُكتَفَى بالجزءِ الأوَّل من كَلِمتَي الشهادة، لأنه صار شِعاراً لمجموعهما كما تقدَّم في الإيمان. قوله: ((خالصاً)) احتراز من المنافق، ومعنى أفعل في قوله: ((أسعد)) الفعل لا أنها أفعل التفضيل، أي: سعيدُ الناس، كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ويحتمل أنْ يكون أفعل التفضيل على بابها، وأنَّ كل أحد تَحَصُل له سعد بشفاعته، لكنَّ المؤمن المخلِص أكثر سعادة بها، فإِنَّه وَّهِ يَشْفَع في الخَلْق لإراحَتِهِم من هَوْلِ المَوْقِف، ويَشْفَع في بعض الكُفّار بتخفيف العذاب كما صَحَّ في حق أبي طالب(١)، ويَشْفَع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أنِ استَوجَبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنَّة بغير حساب، وفي بعضهم برفع الدَّرَجات فيها، فظهر الاشتراك في السَّعادة بالشفاعة وأنَّ أسعدهم بها المؤمن المخلِص، والله أعلم. (١) سيأتي عند المصنف برقم (٣٨٨٣). ٤٠٧ باب ٣٤ / ح ١٠٠ كتاب العلم قوله: ((من قلبه، أو نَفْسه)) شكٌّ من الراوي، وللمصنِّف في الرِّقاق (٦٥٧٠): ((خالصاً من قِبَل نَفْسه))، وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفي الحديث دليل على اشتراط النُّطْق بكَلِمتَي الشهادة لتعبيرِه بالقول في قوله: ((مَن قال)). ٣٤- باب کیف یُقبض العلمُ وكَتَب عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انظُرْ ما كان من حديثٍ رسولِ اللهِ وَّلـ فاكتُبْه، فإني خِفْتُ دُرُوسَ العلمِ وذهابَ العلماءِ، ولا يُقْبَلُ إلَّا حديثُ النبيِّ وَّةِ، ولتُفْشُوا" العلمَ ولتَجْلِسُوا حتَّى يُعلَّمَ مَن لا يَعلمُ، فإنَّ العلمَ لا يَهلِكُ حتَّى يكونَ سِرّاً. ١/١٠٠- حدَّثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبَّار، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلِمٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ بذلكَ. يعني حديثَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ إلى قوله: ذهاب العلماء. قوله: ((باب كيف يُقْبَض العلم)) أي: كيفيَّة قَبْض العلم. قوله: ((إلى أبي بكر بن حَزْم)) هو ابن محمد بن عَمْرو بن حَزْم الأنصاري، نُسِبَ إلى جدِّ أبيه، ولجدِّه عَمْرو صُحْبة، ولأبيه محمد رُؤْية، وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها ولهذا كتب إليه. ولا يُعرَف له اسم سوى أبي بكر، وقيل: گُنيته أبو عبد الملك واسمه أبو بكر، وقيل: اسمه گُنْيته. قوله: ((انظُرُ ما كان)) أي: اجمع الذي تَجِد. ووقع هنا للكُشْمِيھَنيِّ: ((عندك)) أي: في بلدك. قوله: «فاکتُبه)) يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحِفْظ، فلمَّا خافَ عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المئة الأولى - من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أنَّ في تدوينه ضبطاً له وإبقاء. وقد روى/ أبو نُعيم في ((تاريخ ١٩٥/١ أصبهان» (٣١٢/١) هذه القِصَّة بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظُرُوا حديث رسول الله وَلا فاجمعوه. ٤٠٨ باب ٣٤ / ح ١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا يُقبَل)) هو بضم الياء التَّحتانية وسكون اللام، وبسكونها وكسرها معاً في: ولْيُقْشوا ولْيَجلِسوا. قوله: ((حتَّى يُعلَّم)) هو بضم أوَّله وتشديد اللام، وللكُشْمِيهَني: ((يَعلَم)) بفتح أوَّله وتخفيف اللام. قوله: ((یهلك» بفتح أوَّله وکسر اللام. قوله: ((حدَّثنا العلاء)» لم يقع وصل هذا التعليق عند الكُشْمِيهَني ولا كَرِيمة ولا ابن عساكر إلى قوله: ((ذهاب العلماء))، وهو مُتَمِل لأنْ يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرواية، والأوَّل أظهَر، وبه صَرَّحَ أبو نُعيم في ((المستخرَج))، ولم أجده في مواضع كثيرة إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّ أورده تِلْو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. ٢/١٠٠ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((إنَّ الله لا يَقْبِضُ العلمَ انِتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِن العِبَادِ، ولكنْ يَقْبِضُ العلمَ بقَبْضِ العلماءِ، حتَّى إذا لم يَبْقَ عالِمٌ الَّخَذَ الناسُ رُؤُوساً جُهّالاً، فسُئِلُوا فأفتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا)). قال الفِرَبْريُّ: حدَّثنا عبَّاسُ، قال: حدَّثنَا قُتَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن هشامٍ ... نحوَه. [طرفه في: ٧٣٠٧] قوله: ((حدَّثني مالك)) قال الدَّارَقُطني: لم يَرْوِه في ((الموطَّأ)) إلَّا معن بن عيسى، ورواه أصحاب مالك كابن وَهْب وغيره عن مالك خارج ((الموطَّأ))، وأفاد ابن عبد البَرِّ أنَّ سليمان بن بُرْد (١) رواه أيضاً في ((الموطَّأ))، والله أعلم. (١) تحرف في (س) إلى: سليمان بن يزيد. وسليمان بن بُرْد هذا: هو سليمان بن برد بن نجيح التجيبي مولاهم أبو الربيع، روى عن مالك ((الموطأ)) والفقه وغير ذلك، توفي بمصر سنة (٢١٠) هـ، له ترجمة في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض. ٤٠٩ باب ٣٤ / ح ١٠٠ كتاب العلم وقد اشتَهرَ هذا الحديث من رواية هشام بن عُرْوة، فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نَفْساً عنه من أهل الحرمين والعراقَينِ والشام وخُراسان ومِصْر وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عُرْوةَ أبو الأسود المدني وحديثه في ((الصحيحين))(١)، والزُّهْري وحديثه في النَّسائيّ (ك٥٨٧٧)، ویحیی بن أبي کثیر وحديثه في ((صحيح)) أبي عَوَانة، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عَمْرو: عمرُ بن الحكم بن ثَوْبان وحديثه في مسلم (٢٦٧٣/ ١٣). قوله: ((لا يَقْبِض العلم انتزاعاً)) أي: مَخْواً من الصُّدور، وكان تحديث النبي وَّ بذلك في حَجّة الوداع كما رواه أحمد (٢٢٢٩٠) والطبراني (٧٨٦٧) من حديث أبي أمامةَ قال: لمَّا كان في حَجّة الوداع قال النبي ◌ّ: ((خُذوا العلم قبل أنْ يُقْبَض أو يُرفَع)) فقال أعرابي: كيف يُرفَع؟ فقال: ((ألا إنَّ ذهاب العلم ذهابُ حَلته)) ثلاث مرات. قال ابن المنيِّر: تَحْو العلم من الصُّدور جائز في القُدْرة، إلَّ أنَّ هذا الحديث دلَّ على عدم وقوعه. قوله: ((حتَّى إذا لم يَبْقَ عالم)) هو بفتح الياء والقاف، وللأَصِيلِيِّ بضم أوَّله وكسر القاف و((عالماً)) منصوب، أي: لم يُبْقِ الله عالماً. وفي رواية مسلم (٢٦٧٣): ((حتَّى إذا لم يترك عالمً). قوله: ((رُؤُوساً) قال النَّووي: ضَبَطْناه بضم الهمزة والتنوين جمع رأس. قلت: وفي رواية أبي ذرً أيضاً بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أُخرى مفتوحة جمع: رئیس. قوله: ((بغير عِلْم)) وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند المصنّف (٧٣٠٧): ((فيُفْتون برأيهم))، ورواها مسلم كالأولى. قوله: ((قال الفِرَبْري)» هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد، وهي قليلة. قوله: ((نحوه)) أي: بمعنى حديث مالك. ولفظ رواية قُتَيبة هذه أخرجها مسلم (١٣/٢٦٧٣) عنه. (١) البخاري (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) (١٤). ٤١٠ باب ٣٥ / ح ١٠١ فتح الباري بشرح البخاري وفي هذا الحديث الحث على حِفْظ العلم، والتحذير من ترئيس الجَهَلة، وفيه أنَّ الفَتْوى هي الرِّياسة الحقيقيّة وذَمُّ مَن يُقدِم عليها بغير عِلْم. واستدلَّ به الجمهور على القول بخُلوِّ الزَّمان عن مُجُتَهِد، ولله الأمر يفعل ما يشاء، وسيكون لنا في المسألة عَوْد في كتاب الاعتصام (٧٣٠٧) إن شاء الله تعالى(١). ٣٥- باب هل يَجَعَل للنساءِ يوماً على حِدَةٍ في العلم؟ ١٠١- حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: حدَّثني ابنُ الأصْبَهاني، قال: سمعتُ أبا صالحٍ ذَكْوانَ يُحدِّثُ عن أبي سعيدِ الخُدْري، قال النِّساءُ للنبيِّ وَّةِ: غَلَبَنَا عليكَ الرِّجالُ، فاجْعَلْ لنا يوماً من نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يوماً لَقِيَّهُنَّ فيه، فوَعَظَهُنَّ وأُمَرَهُنَّ، فكان فيما قال هنَّ: ((ما مِنكُنَّ امرأةٌ تُقدِّمُ ثلاثةً من وَلِدِها إلَّا كان لها حِجاباً مِن النار)) فقالت امرأةٌ: واثنينٍ، فقال: (( واثنينِ )). [طرفاه في: ٧٣١٠،١٢٤٩] ١٩٦/١ قوله: ((باب هل يجعل)) أي: الإمام، وللأَصِيلِيِّ وكَرِيمة: ((يُجُعَل)) بضم أوَّله، وعندهما: (يوم)) بالرفع لأجل ذلك. قوله: ((على حِدَة)) بكسر المهملة وفتح الدَّال المهملة المخَفَّفة، أي: ناحيةً وَحْدَهن، والهاء عِوض عن الواو المحذوفة كما قالوا في عِدَة من: الوعد. قوله: «حدّثنا آدم)) هو ابن أبي إیاس. قوله: ((قال النِّساء)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين: «قالت النساء)) وكلاهما جائز، و((غَلَبَنا)) بفتح الموحّدة، و ((الرجالُ)) بالضم لأنه فاعله. قوله: ((فاجعل لنا)) أي: عَيِّنْ لنا، وعَبَّر عنه بالجَعْلِ لأنه لازمه. و((مِن)) ابتدائيَّة مُتعلِّقة بـ((جعَل))، والمراد: رَدُّ ذلك إلى اختياره. (١) من قوله: ((وسيكون لنا في المسألة)) إلى هنا من (س) وحدها. ٤١١ باب ٣٥ / ح ١٠٢ كتاب العلم قوله: ((فوعَظَهُنَّ) التقدير: فوَفَ بوعِدِه فَلَقِيَهُنَّ فوعَظَهُنَّ. ووقع في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة بنحو هذه القِصَّة فقال: ((مَوعِدكُنَّ بيت فلانة)) فأتاهُنَّ فحدَّثهُنّ(١). قوله: ((وأمَرَهُنَّ)) أي: بالصدقة، أو حَذَفَ المأمور به لإرادة التعميم. قوله: ((ما مِنكُنَّ امرأة))، وللأَصِيلِيِّ: ((ما من امرأة))، و((مِن)) زائدة لفظاً. وقوله: ((تُقدِّم)) صفة لـ((امرأة)). قوله: ((إلَّا كان لها)) أي: التقديم ((حجاباً)) وللأَصِيلِيِّ: ((حجاب)) بالرفع وتُعرب ((كان)» تامّة، أي: حصل لها حِجاب. وللمصنّف في الجنائز (١٢٤٩): ((إلَّا كُنَّ لها))(٢) أي: الأنفُس التي تُقدِّم، وله في الاعتصام (٧٣١٠): ((إلَّا كانوا)) (٣) أي: الأولاد. قوله: ((فقالت امرأة)) هي أُم سُلَیم، وقيل غيرها كما سنوضحه في الجنائز. قوله: ((واثنَينِ)) ولكَرِيمة: ((واثنتين)) بزيادة تاء التأنيث، وهو منصوب بالعَطْف على (ثلاثة)) ويُسمَّى العَطْف التلقيني، وكأنها فهمت الحَصْر وطَمِعَتْ في الفضل فسألتْ عن حُكْم الاثنين هل يلتحق بالثلاثة أو لا، وسيأتي في الجنائز الكلام في تقدیم الواحد. ١٠٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الرحمن بنِ الأصْبهاني، عن ذَکْوانَ، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ◌ُێ۔۔۔ بهذا. وعن عبد الرحمن بنِ الأصْبَهاني، قال: سمعتُ أبا حازِم، عن أبي هُرَيرةَ قال: ((ثلاثةً لم يَبْلُغُوا الِحِنْثَ)). [طرفه في: ١٢٥٠ ] قوله: ((محمد بن بَشّار)) أفاد بهذا الإسناد فائدتين: إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني (١) حديث سهيل عن أبيه أخرجه أحمد (٧٣٥٧)، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٢) هذا في رواية المستملي والحموي عن أبي ذر الهروي، ولغيرهما: ((كانوا لها)). (٣) الرواية في الاعتصام عند الجميع: ((إلا كان لها)) على الإفراد، أي: التقديم. ٤١٢ باب ٣٦ / ح ١٠٣ فتح الباري بشرح البخاري المُبهَم في الرواية الأولى، والثانية: زيادة طريق أبي هريرة التي زاد فيها التقييد بعدم بُلوغ الحِنْث، أي: الإثم، والمعنى: أنهم ماتوا قبل أنْ يَبلُغوا، لأنَّ الإثم إنَّما يُكتَب بعد البلوغ، وكأنَّ السِّر فيه أنه لا يُنسَب إليهم إذْ ذاكَ عُقوق فيكون الحُزْن عليهم أشد. وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحِرْص على تعليم أُمور الدّين، وفيه جواز الوعد، وأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأنَّ مَن مات له ولدان حَجَباه من النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء كما سيأتي التنصيص عليه في الجنائز (١٢٥٠). تنبيه: حديث أبي هريرة مرفوع، والواو في قوله: ((وقال)) للعَطْف على محذوف تقديره: مثله، أي: مِثل حديث أبي سعيد، والواو في قوله: ((وعن عبد الرحمن)) للعَطْف على قوله أوَّلاً: ((عن عبد الرحمن))، والحاصل أنَّ شُعْبة یرویه عن عبد الرحمن بإسنادین، فهو موصول، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنه مُعلَّق. ٣٦- باب من سمع شيئاً فراجَعَه حتی یعرفه ١٠٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكة: ١٩٧/١ أنَّ عائشةَ/ زوجَ النبيِّ ◌ََّ كانت لا تسمعُ شيئاً لا تَعرِفُهُ إِلَّ راجَعَتْ فيه حتَّى تَعرِفَه، وأنَّ النبيَّ ﴿﴿ قال: ((مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)). قالت عائشةُ: فقلتُ: أوَليسَ يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ قالت: فقال: ((إنَّما ذلكِ العَرْضُ، ولكنْ مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَهلِكْ)). [أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧] قوله: ((باب من سَمِعَ شيئاً) زاد أبو ذرٍّ: فلم يَفْهَمه. قوله: «فراجَعَه)) أي: راجَعَ الذي سمعه منه، وللأَصِيليِّ: فراجَعَ فيه. قوله: ((أنَّ عائشة)) ظاهر أوَّله الإرسال، لأنَّ ابن أبي مُلَيكة تابعي لم يُدرِك مُراجَعة عائشة النبيَّ ◌َّةِ، لكن تَّبِيَّن وصله بعد في قوله: ((قالت عائشة: فقلت)). ٤١٣ باب ٣٦ / ح ١٠٣ كتاب العلم قوله: ((كانت لا تسمع)) أتى بالمضارع استحضاراً للصّورة الماضية لقوّة تحقَّقها. قوله: ((إنَّما ذلكِ))بكسر الكاف ((العَرْض)) أي: عَرْض الناس على الميزان. قوله: (نُوقِشَ)) بالقاف والمعجَمة من المُناقَشة، وأصلها الاستخراج، ومنه: نَقَشَ الشَّوْكة: إذا استخرَجَها، والمراد هنا: المبالَغة في الاستيفاء، والمعنى: أنَّ تحرير الحِساب يفضي إلى استحقاق العذاب، لأنَّ حسنات العبد موقوفة على القَبُول، وإنْ لم تقع الرَّحْمة المقتضية للقَبُول لا يَحَصُلِ النَّجاء. قوله في آخره: «يَهلِكْ)) بكسر اللام وإسكان الكاف. وفي الحديث ما كان عند عائشة من الخِرْص على تفهُّم معاني الحديث، وأنَّ النبيَّ وَل لم يكن يتضجَّر من المراجَعَة في العلم. وفيه جواز المُنَاظَرة، ومُقابلة السُّنّة بالكتاب، وتفاوت الناس في الحِساب. وفيه أنَّ السؤال عن مثل هذا لم يدخل فيما نُهي الصحابة عنه في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وفي حديث أنس: ((كنَّا نُهينا أنْ نسأل رسول الله وَل عن شيء)»(١)، وقد وقع نحو ذلك لغیر عائشة، ففي حديث حفصة أنها لمَّا سمعت: ((لا يدخل النارَ أحد ممَّن شهد بدراً والحُدَيْبية)) قالت: أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١]؟ فأُجيبَتْ بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُّجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ الآية [مريم: ٧٢] (٢)، وسأل الصحابة لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ يِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أيّنا لم يَظلِم نَفْسه؟ فأُجيبوا بأنَّ المراد بالظُّلْم: الشِّرك(٣). والجامع بين هذه المسائل الثلاث ظُهور العموم في الحِساب والوُرود والظُّلْم، فأوضحَ لهم أنَّ المراد في كلٍّ منها أمر خاص، ولم يقع مثل هذا من الصحابة إلَّا قليلاً مع تَوجُّه السؤال وظُهوره، وذلك لكمال فَهْمهم ومعرفتهم (١) أخرجه أحمد (١٢٤٥٧)، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٢) أخرجه مسلم (٢٤٩٦)، وأحمد (٢٧٠٤٢). (٣) سلف عند المصنف برقم (٣٢). ٤١٤ باب ٣٧ / ح ١٠٤ فتح الباري بشرح البخاري باللِّسان العربي، فيُحمل ما وَرَدَ من ذَمِّ مَن سأل عن المشكلات على مَن سأل تَعَتًُّ كما قال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، وفي حديث عائشة(١): ((فإذا رأيتُم الذين يسألون عن ذلك فهم الذين سَمَّى الله فاحذَروهم»، ومن ثَمَّ أنكر عمر على صَبِيغ لمَّا رآه أكثرَ من السؤال عن مِثل ذلك وعاقَبَه(٢)، وسيأتي إيضاح هذا كلّه في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى(٣)، وسيأتي باقيه في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٦)، وكذا الكلام على انتقاد الدَّارَ قُطنيِّ لإسناده إن شاء الله تعالى. ٣٧- بابٌ لِيُبلِّغ العلمَ الشاهدُ الغائبَ قاله ابنُ عبَّاس عن النبيِّ ◌ِّ. ١٠٤- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني سعيدٌ، عن أبي شُرَيح: أنَّه قال لِعَمْرِو بنٍ سعيدٍ - وهو يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلى مَكّةَ -: ائْذَنْ لي أيُّها الأميرُ أُحَدِّثْكَ قولاً قام به النبيُّ وَ ◌ّهِ الغَدَ من يومِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ ووَعَاه قَلْبِي وأبصَرَتْه عينايَ حِينَ تَكَلَّمَ به، حَمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثمّ قال: ((إنَّ مَكّةَ حَرَّمَها الله، ولم يُحرِّمْها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامِرِئٍ ١٩٨/١ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يَسْفِكَ بها دَماً، ولا يَعْضِدَ/ بها شجرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رسولِ الله فيها فقُولُوا: إنَّ الله قد أذِنَ لِرسولِه ولم يأْذَنْ لكم، وإنَّما أذِنَ لي بها ساعةً من نَهَارٍ، ثمَّ عادتْ حُرْمَتُها اليومَ كحُرْمَتِها بالأمسِ، ولْيُبِّغِ الشّاهُ الغائبَ)). فقيلَ لأبي شُرَيح: ما قال عَمْرٌو؟ قال: أنا أعلَمُ منكَ يا أبا شُرَيح، لا تُعِيذُ عاصياً ولا فارّاً بِدَمٍ ولا فارّاً بِخَرْبةٍ. [طرفاه في: ١٨٣٢، ٤٢٩٥] (١) سيأتي برقم (٤٥٤٧). (٢) أخرج قصة صبيغ عبد الرزاق (٢٠٩٠٦)، والدارمي (١٤٤) و(١٤٨)، والبزار في («مسنده)) (٢٩٩) من طرق يشدُّ بعضها بعضاً، وفي بعضها زيادات لا تصح. (٣) انظر: باب رقم (٣): ما يكره من كثرة السؤال .... ٤١٥ باب ٣٧ / ح ١٠٤ كتاب العلم قوله: ((بابٌ ليُبلِّغ العلمَ)) بالنصب والشاهد بالرفع، والغائب منصوب أيضاً. والمراد بالشاهدِ هنا: الحاضر، أي: ليُبلِّغ مَن حَضَرَ مَن غاب(١)، لأنه المفعول الأوَّل و((العلم)) المفعول الثاني وإنْ قُدِّمَ في الذِّكْر. قوله: ((قاله ابن عبّاس)) أي: رواه، وليس هو في شيء من طرق حديث ابن عبّاس بهذه الصورة، وإنَّما هو في روايته ورواية غيره بحذف العلم، وكأنه أراد المعنى، لأنَّ المأمور بتبليغه هو العلم. قوله: ((عن أبي شُرَيح)) هو الُراعي الصحابي المشهور، وعَمْرو بن سعيد: هو ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة القُرَشي الأُمَوي يُعرَف بالأشدَق، وليست له صُحْبة ولا کان من التابعين بإحسانٍ. قوله: ((وهو يَبْعَث البُعوث)) أي: يُرسِل الجيوش إلى مكَّة لقتال عبد الله بن الزُّبَير؛ لگَوْنه امتَنَعَ من مُبايعة يزيد بن معاوية واعتَصَمَ بالْحَرَم، وكان عمرٌو والي يزيد على المدينة، والقِصَّة مشهورة، ومُلخَّصها: أنَّ معاویة عَهِدَ بالخلافة بعده لیزید بن معاوية، فبايعه الناس إلَّا الحسين بن علي وابن الزُّبَير، فأمَّا ابن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأمَّا ابن عمر فبايعَ ليزيدَ عَقِبَ موت أبيه، وأمَّا الحسين بن علي فسارَ إلى الكوفة لاستدعائهم إِيَّاه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله، وأمَّا ابن الزُّبَير فاعتَصَمَ ويُسمَّى عائذ البيت، وغَلَبَ على أمر مكَّة، فكان يزيد بن معاوية يأْمُر أُمراءَه على المدينة أنْ يُجهّزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أنَّ أهل المدينة اجتمعوا على خَلْع يزيد من الخلافة. قوله: (ائذَنْ لي)) فيه حُسْن التَطُّف في الإنكار على أُمراء الجَوْر ليكون أدعَى لقَبُولهم. قوله: ((أُحَدِّثْك)) بالجَزْم لأنه جواب الأمر. قوله: ((قامَ)) صفة للقول، والمَقُول هو حَمْد الله ... إلى آخره. قوله: ((الغَدَ)) بالنصب، أي: أنه خَطَبَ في اليوم الثاني من فتح مگّة. (١) من قوله: ((والمراد بالشاهد)) إلى هنا ليس في (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س). ٤١٦ باب ٣٧ / ح ١٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سَمِعَتْه أُذُناي ... )) إلى آخره، أراد أنه بالَغَ في حِفْظه والتثُبُّت فيه وأنه لم يأخذه بواسطةٍ، وأتى بالتثنية تأكيداً، والضمير في قوله: ((تكلّم به)) عائد على قوله: قولاً. قوله: ((ولم يُحرِّمها الناسُ)) بالضم، أي: أنَّ تحريمها كان بوَخي من الله لا من اصطلاح الناس. قوله: ((يَسْفِك)) بكسر الفاء وحُكيَ ضمّها، وهو صَبُّ الدَّم، والمراد به القتل. قوله: ((بها)» وللأصيلي: «فیھا))(١). قوله: ((ولا يَعْضِد)) بكسر الضاد المعجَمة وفتح الدَّال، أي: يَقْطَع بالمِعْضَد: وهو آلة کالفأس. قوله: ((وإَّا أَذِنَ لي)) أي: الله، ورُوِيَ بضم الهمزة. وفي قوله: ((لي)) الْتِفات، لأنَّ نَسَق الكلام: وإنَّا أَذِنَ له، أي: لرسوله. قوله: ((ساعةً)) أي: مِقْداراً من الزّمان، والمراد به يوم الفتح. وفي مسند أحمد (٦٦٨١) من طريق عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنَّ ذلك كان من طلوع الشمس إلى العصر، والمأذون له فيه القتال لا قَطْع الشَّجَر. قوله: «ما قال عمرو» أي: في جوابك. قوله: ((لا تُعِيذ)) بضم المثنَّاة أوَّله، وآخره ذال مُعجَمة، أي: مكَّة لا تَعْصِم العاصيَ عن إقامة الحد عليه. قوله: ((ولا فارّاً)) بالفاءِ والراء المشدَّدة، أي: هارباً عليه دم يَعْتَصِم بمكَّة كي لا يُقْتَصَّ منه. قوله: ((بخّرْبةٍ)) بفتح المعجَمة وإسكان الراء ثمَّ موحَّدة؛ يعني: السَّرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المُستَمْلي، قال ابن بَطَّال: الخُرْبة بالضم: الفساد، وبالفتح: السَّرِقة. وقد تَشَدَّقَ (١) من قوله: ((بها)) إلى هنا سقط من (س). ٤١٧ باب ٣٧ / ح ١٠٥ كتاب العلم عَمْرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق/ لكن أراد به الباطل، فإنّ الصحابي أنكر عليه ١٩٩/١ نصب الحرب على مكّة، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القِصاص، وهو صحيح إلّا أنَّ ابن الزُّبَير لم يَرْتَكِب أمراً يجب عليه فيه شيء من ذلك، وسنذكر مباحث هذا الحديث في کتاب الحج (١٨٣٢)، وما للعلماء فيه من الاختلاف في القتال في الحَرَم إن شاء الله تعالى. وفي الحديث شرفُ مگّة، وتقدیم الحَمْد والثّناء على القول المقصود، وإثبات خصائص الرسول وَ﴿ واستواء المسلمين معه في الحُكْم إلَّا ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النَّسْخِ، وفَضْل أبي شُريح لاتِّباعه أمر النبي ◌َّر بالتبليغ عنه وغير ذلك. ١٠٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوَهّاب، قال: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن ابن أبي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرَةَ ذكر النبيَّ وَّه قال: ((فإنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم - قال محمَّدٌ: وأحسِبُه قال- وأعراضَكُمْ عَلَيْكُم حرامٌ كحُرْمةِ يومِكُم هذا في شهرِكُم هذا، ألا لِيُبلِّغِ الشّاهدُ مِنكُمُ الغائبَ - وكان محمَّدٌ يقول: صَدَقَ رسولُ اللهِوَ ﴿ِ كان ذلكَ - ألا هل بَلَّغْتُ؟)) مَرَّتين. قوله: «حدّثنا حمّاد» هو ابن زید. قوله: ((عن محمَّد)) هو ابن سيرينَ ((عن ابن أبي بَكْرة)) كذا للمُستَمْلِي والكُشْمِيھَني، وسقط ((عن ابن أبي بَكْرة)) للباقين فصار مُنقطِعاً، لأنَّ محمداً لم يسمع من أبي بَكْرة، وفي رواية: ((عن محمد بن أبي بَكْرة)) وهي خطأ، وكأنَّ ((عن)) سقطت منها، وقد تقدَّم هذا الحديث في أوائل كتاب العلم (٦٧) من طريق أُخرى: عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبيه، وهو الصواب، وسيأتي بهذا السَّنَد في تفسير سورة براءة (٤٦٦٢) بإسقاطه عن بعضهم، وسأُنّبِّه عليه هناك إن شاء الله تعالى وفيه: ((عن ابن أبي بَكْرة)) عند الجميع، ويأتي في بدء الخَلْق (٣١٩٧). قوله: (ذَکَر النبيَّ پێ) فیه اختصار وقد قدّمنا توجيهه هناك، وكأنه حدَّث بحديثٍ ذکر فيه النبيِ وَ لّ وشيئاً من كلامه، ومن جملته قوله: ((فإنَّ دِماءَكم)) إلى آخره. قوله: ((قال محمَّد)) هو ابن سِيرين. ٤١٨ باب ٣٨ / ح ١٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أحسِبه)) كأنه شكَّ في قوله: ((وأعراضَكم)) أقالها ابن أبي بَكْرة أم لا، وقد تقدَّم في أوائل العلم الجَزْم بها وهي منصوبة بالعَطْف. قوله: ((ألا هل بَلَّغْتُ)) هذا من قول النبي ◌ََّ، وهو تكملة الحديث، واعتَرَضَ قولُه: ((وكان محمد)) إلى قوله: ((كان ذلك)) في أثناء الحديث، هذا هو المعتمد فلا يُلتَفت إلى ما عداه، والعلم عند الله تعالى. ٣٨- باب إثم من كَذَب على النبيِّ وَّ ١٠٦- حدَّثنا عليٌّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا شُعْبةُ، قال: أخبرني منصورٌ، قال: سمعتُ رِبْعِيَّ بنَ حِرَاشٍ، يقول: سمعتُ عليّاً يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تَكْذِبُوا عليَّ، فإنَّه مَن كَذَبَ عليَّ فلْيَلِجِ النارَ)). قوله: ((باب إِثم مَن كَذَبَ على النبيِّ وَّ) ليس في الأحاديث التي في الباب تصريح بالإثم، وإنَّما هو مُستفاد من الوعيد بالنار على ذلك لأنه لازمُه. قوله: ((منصور)) هو ابن المعتَمِر الكوفي، وهو تابعي صغير، و((رِبْعي)) بكسر أوَّله وإسكان الموحّدة، وأبوه ((حِراش)) بكسر المهملة أوَّله، وهو من كِبَار التابعين. قوله: «سمعت عليّا)) هو ابن أبي طالب ﴾. قوله: ((لا تَكْذِبوا عليَّ)) هو عام في كل كاذب، مُطلَق في كل نوع من الكذب، ومعناه: لا تَنْسِبوا الكذب إلي. ولا مفهوم لقوله: ((عليّ)) لأنه لا يُتْصَوَّر أنْ يُكْذَب له لنهِهِ عن مُطلَق الكذب. وقد اغتَرَّ قوم من الجَهَلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: نحنُ لم ٢٠٠/١ نَكْذِب عليه، بل فعلْنا ذلك لتأييدِ شريعته، وما دَرَوْا أنَّ تقويله وَلّ ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى، لأنه إثبات حُكْم من الأحكام الشرعيَّة سواء كان في الإيجاب أو النَّدْب، وكذا مُقابلهما وهو الحرام والمكروه، ولا يُعتَد بمَن خالف ذلك من الكَرّاميَّة حيثُ جَوَّزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما وَرَدَ في القرآن والسُّنّة، واحتَجّوا ٤١٩ باب ٣٨ / ح ١٠٧ كتاب العلم بأنه كذبٌ له لا عليه، وهو جَهْل باللُّغة العربيَّة، وتَسَّكَ بعضهم بما وَرَدَ في بعض طرق الحديث من زيادة لم تَثبُت وهي ما أخرجه البزَّار (١٨٧٦) من حديث ابن مسعود بلفظ: ((مَن كَذَبَ عليَّ ليُضِلَّ به الناس)) الحديث(١)، وقد اختُلِفَ في وصله وإرساله، ورَجَّحَ الدَّارَ قُطنيُّ والحاكم إرساله، وأخرجه الدّارميُّ (٢٣٤) من حديث يعلى بن مُرّة بسندٍ ضعيف(٢)، وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعِلّة بل للصَّيرورة، كما فُسِّرَ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اَفْتَرَىْ عَلَى الَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] والمعنى: أنَّ مَآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذِّكْر فلا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْ أَضْعَفًّا مُضَاعَفَةٌ﴾ [آل عمران ١٣٠] ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فإنَّ قتل الأولاد ومضاعفة الرِّبا والإضلال في هذه الآيات إنَّما هو لتأکیدِ الأمر فیھا، لا لاختصاص الحكم. قوله: ((فلْيَلِج النار)) جُعِلَ الأمر بالوُلوج مُسَيَّباً عن الكذب، لأنَّ لازم الأمر الإلزام، والإلزام بولوجِ النار سببه الكذب عليه، أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيِّده رواية مسلم (١) من طريق غُندَر عن شُعْبة بلفظ: ((مَن يَكْذِبْ عليَّ يَلِج النار))، ولابن ماجَهْ (٣١) من طريق شريك عن منصور قال: ((الكذب عليَّ يُولج - أي: يُدخِل ـ النار)). ١٠٧ - حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن جامعِ بنِ شدَّادٍ، عن عامِ بنِ عبدِ الله ابن الزُّبَيرِ، عن أبيه، قال: قلتُ الزُّبَير: إني لا أسمعُكَ تُحدِّثُ عن رسولِ الله ◌َّةِ كما يُحدِّثُ فلانٌ وفلانٌ؟ قال: أما إني لم أُفَارِقْه، ولكنْ سمعتُه يقول: ((مَن كَذَبَ عليَّ فَلْيَبَوَّأْ مَفْعَدَه مِن النارِ)). قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسي، وجامع بن شدَّاد كوفي تابعي صغير. (١) حديث ابن مسعود أخرجه أحمد وغيره من طريقين آخرين دون زيادة «ليضلَّ به الناس))، انظر تخريجه في («المسند» برقم (٣٦٩٤) و(٣٨١٤). (٢) لفظ حديث يعلى بن مرة: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) دون ذكر الزيادة، وهو بالزيادة عند العقيلي في ((الضعفاء)) ١٧٧/٣، وابن عدي في ((الكامل)) ١/ ٢٠، بالإسناد نفسه الذي عند الدارمي، وهو ضعيف كما قال الحافظ. ٤٢٠ باب ٣٨ / ح ١٠٧ فتح الباري بشرح البخاري وفي الإسناد لطيفتان: إحداهما: أنه من رواية تابعي عن تابعي یرویه صحابيّ عن صحابي. ثانيهما: أنه من رواية الأبناء عن الآباء بخصوص رواية الأب عن الجَدّ، وقد أُفرِدَتْ بالتصنيف. قوله: ((قلت للزُّبَيرِ)) أي: ابن العَوّام. قوله: «تُحدِّث)) حَذَفَ مفعولها لیشمل قوله: ((کما نُحدِّث فلان وفلان) سُمّيَ منهما في رواية ابن ماجه (٣٦) عبد الله بن مسعود. قوله: ((أمَا)) بالميم المخَفَّفة وهي من حروف التنبيه، و((إني)) بكسر الهمزة ((لم أُفارقه)) أي: لم أُفارق رسول الله وَّةِ، زاد الإسماعيلي: ((منذُ أسلمتُ)) والمراد في الأغلب، وإلّا فقد هاجَرَ الزُّبَير إلى الحبشة، وكذا لم يكن مع النبي ◌َّه في حال هِجْرته إلى المدينة. وإنَّما أورد هذا الكلام على سبيل التوجيه للسؤال، لأنَّ لازم الملازمة السَّماع، ولازمه عادة التحديث، لكن مَنَعَه من ذلك ما خَشِيَه من معنى الحديث الذي ذكره، ولهذا أتى بقوله: ((لكن)). وقد أخرجه الزُّبَير بن بَكّار في كتاب ((النَّسَب)) من وجه آخر عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبَير قال: ((عَنَاني ذلك)) يعني: قِلّة رواية الزُّبَير («فسألته)) أي: عن ذلك ((فقال: يا بُنَّي، كان بيني وبينه من القَرابة والرَّحِم ما عَلِمْتَ، وعَمَّته أُمّي، وزوجته خديجة عَمَّتي، وأُّه آمنة بنت وَهْب وجَدَّتي هالة بنت وُهَيب ابنَيْ عبد مَناف بن زُهْرة، وعندي أُمّك، وأُختها عائشة عنده، ولكنّي سمعته يقول)). قوله: ((مَن كَذَبَ عليَّ) كذا رواه البخاري ليس فيه «مُتَعَمِّداً))، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غُندَر عن شُعْبة، وكذا في رواية الزُّبَير بن بكّار المذكورة، وأخرجه ابن ماجة من ٢٠١/١ طريقه (٣٦) وزاد فيه: ((مُتَعَمِّداً))، وكذا/ للإسماعيليِّ من طريق معاذ عن شُعْبة، والاختلاف فيه على شُعْبة. وقد أخرجه الدّارميُّ (٢٣٣) من طريق أُخرى عن عبد الله بن الزُّبَير بلفظ: (مَن حدَّث عنِّي كذباً) ولم يَذْكُرِ العَمْد.