Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ١٨ / ح ٧٦
كتاب العلم
قوله: ((باب متى يصح سماع الصغير)) زاد الكُشْمِيهَني: الصبي الصغير. ومقصود الباب
الاستدلال على أنَّ البُلوغ ليس شرطاً في التحمُّل، وقال الكِرْمانيُّ: إنَّ معنى الصِّحّة هنا
جواز قَبُول مسموعه.
قلت: وهذا تفسير لثَمَرة الصِّحّة لا لنَفْسِ الصِّحّة. وأشار المصنِّف بهذا إلى اختلاف
وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعِين رواه الخطيب في ((الكِفاية)) عن عبد الله بن أحمد
وغيره: أنَّ يحيى قال: أقل سِن التحمُّل خمس عشرة سنة؛ لكَوْن ابن عمر رُدَّ يومٍ أُحُد إذْ لم
يَبْلُغها(١). فبَلَغَ ذلك أحمد فقال: بل إذا عَقَلَ ما يسمع، وإنَّما قِصَّة ابن عمر في القتال. ثمَّ أورد
الخطيب أشياء ممَّا حَفِظَها جمع من الصحابة ومَن بعدهم في الصِّغَر وحَدَّثوا بها بعد ذلك
وقُبِلَتْ عنهم، وهذا هو المعتمَد، وما قاله ابن مَعِين إنْ أراد به تحديد ابتداء الطََّب بنَفْسِه
فمُوجَّه، وإن أراد به رَدَّ حدیث مَن سمع اتفاقاً أو اعتنى به فسمع وهو صغير، فلا، وقد نقل
ابن عبد البَرِّ الاتِّفاق على قَبُول هذا، وفيه دليل على أنَّ مراد ابن مَعِين الأوَّل.
وأمَّا احتجاجه بأنَّ النبيَّ نَّهْ رَدَّ البراء وغيره يوم بدر ممَّن كان لم يَبلُغ خمس عشرة (٢)
فمردود بأنَّ القتال يُقصد فيه مزيد القوّة والتبَصُّر في الحرب، فكانت مَظِنَّته سن البلوغ،
والسَّمَاعِ يُقْصَد فيه الفَهْم فكانت مَظِيَّته التمييز. وقد احتَجَّ الأوزاعيُّ لذلك بحديث:
((مُروهم بالصلاة لسبعٍ))(٣).
قوله: (حدّثنا إسماعيل» هو ابن أبي أُويس، وقد ثبت ذلك في روایة کريمة.
قوله: ((على حمار)) هو اسم جنس يشمل الذَّكَر والأُنثى كقولك: بعير. وقد شَذَّ حِمارة في
الأُنثی، حکاہ في «الصِّحاح)).
و((أَتَان)) بفتح الهمزة وشَذَّ كسرها كما حكاه الصغاني: هي الأنثى من الحمير، ورُبَّما
قالوا للأُنْثَى: أتانة، حكاه يونس وأنكره غيره، فجاءَ في الرواية على اللُّغة الفُصْحَى.
(١) حديث ابن عمر سيأتي عند المصنف برقم (٢٦٦٤).
(٢) حديث البراء سيأتي عند المصنف برقم (٣٩٥٥).
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٦٦٨٩) بإسناد حسن، وانظر تتمة تخريجه فيه.

٣٦٢
باب ١٨ / ح ٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
و((حِمارٍ أتانٍ)) بالتنوين فيهما على النَّعْت أو البدل، ورُوِيَ بالإضافة.
وذَكَر ابن الأثير أنَّ فائدة التنصيص على كَوْنها أُنْثَى، للاستدلال بطريق الأَولى على أنَّ
الأُنثى من بني آدم لا تَقطَع الصلاة لأنهُنَّ أشرَف، وهو قياس صحيح من حيثُ النَّظَرِ، إلَّا
أنَّ الخبر الصحيح لا يُدْفَع بمِثلِه كما سيأتي البحث فيه في الصلاة (٥١٤ -٥١٥) إن شاء الله
تعالی.
قوله: ((ناهَزْت)) أي: قاربْت، والمراد بالاحتلام: البُلوغ الشرعي.
قوله: «إلی غیر چدار» أي: إلى غیر سُثْرة، قاله الشافعي. وسياق الكلام يدل على ذلك،
لأنَّ ابن عبّاس أورده في مَعرِض الاستدلال على أنَّ المُرُور بين يَدَي المصلِّي لا يَقْطَع
صلاته، ويؤيِّده رواية البَزَّار (٤٩٥١) بلفظ: والنبي ◌َّه يُصلّي المكتوبة ليس شيءٌ يَستُره(١).
قوله: ((بين يَدَيْ بعض الصف)) هو تَجَاز عن الأمام بفتح الهمزة، لأنَّ الصف ليس له
يد. وبعض الصف يحتمل أنْ يُراد به صَفٍّ من الصُّفوف أو بعض من أحد الصُّفوف، قاله
الکِرْمانيُّ.
قوله: ((تَرتَعُ)) بمُثنَّاتين مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تُشْرِع في
المشي، وجاءَ أيضاً بكسر العين بوَزْن تَفْتَعِل من الرَّعْي، وأصله: ترتَعي، لكن حُذِفَت
الياء تخفيفاً، والأوَّل أصوب، ويدل عليه رواية المصنِّف في الحج (١٨٥٧): «نزلتُ عنها
فرَتَعَت)).
قوله: ((ودخلت)) وللكُشْمِیھَني: ((فدخلت)» بالفاء.
١٧٢/١
قوله: ((فلم يُنكِرِ ذلك عليَّ أحد)) قيل: فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة
الخفيفة، لأنَّ المُرور مفسدة خفيفة، والدُّخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدلَّ ابن عبّاس
على الجواز بعدم الإنكار لانتفاءِ الموانع إذْ ذاك، ولا يقال: مَنَعَ من الإنكار اشتِغالهم بالصلاة،
لأنه نَفَى الإنكار مُطلَقاً فتناولَ ما بعد الصلاة، وأيضاً فكان الإنكار يُمكِن بالإشارة.
(١) أورده الزيلعي في ((نصب الراية)) ٨٢/٢، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٨٣٨-٨٣٩).

٣٦٣
باب ١٨ / ح ٧٧
كتاب العلم
وفيه ما تُرجِمَ له أنَّ التحمُّل لا يُشتَرَط فيه كمال الأهليّة، وإنَّما يُشتَرَط عند الأداء.
ويُلْحَق بالصبيِّ في ذلك العبدُ والفاسق والكافر.
وقامت حكاية ابن عبّاس لفعل النبي وَّ وتقريره مقام حكاية قوله، إذْ لا فرق بين
الأُمور الثلاثة في شرائط الأداء.
فإن قيل: التقييد بالصبيِّ والصغير في الترجمة لا يطابق حديث ابن عبّاس، أجاب الكِرْمانيُّ
بأنَّ المراد بالصغير غيرُ البالغ، وذِكْر الصبي معه من باب التوضيح(١).
ويحتمل أنْ يكون لفظ الصغير يتعلَّق بقِصَّة محمود، ولفظ الصبي يتعلَّق بهما معاً، والله
أعلم. وسيأتي باقي مباحث هذا الحديث في كتاب الصلاة (٤٩٣) إن شاء الله تعالى.
٧٧- حذَّثني محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا أبو مُسهِرٍ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ حربٍ،
حدَّثني الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهْري، عن محمودِ بنِ الرَّبِيع قال: عَقَلْتُ مِن النبيِّ وَّر ◌َجَّةً تَجَّها في
وَجْهِي وأنا ابنُ خمسٍ سنينَ من ◌َلْوٍ.
[أطرافه في: ١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢]
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن يوسف)) هو البِيكَنْدي كما جزم به البيهقي وغيره، وأمَّا الفِرْیابي
فليست له رواية عن أبي مُسهِر، وكان أبو مُسهِر شيخ الشاميّين في زمانه، وقد لَقْيَه
البخاري وسمع منه شيئاً يسيراً، وحدَّث عنه هنا بواسطةٍ.
وذكر ابن المُرابِط فيما نقله ابن رُشَيد عنه: أنَّ أبا مُسهِر تفرّد برواية هذا الحديث عن
محمد بن حرب. وليس كما قال ابن المُرابط، فإنَّ النَّسائيَّ رواه في ((السنن الكبرى))
(ك٥٨٣٤) عن محمد بن المُصَفَّى عن محمد بن حرب. وأخرجه البيهقيُّ في ((المدخَل)) من
رواية محمد بن جَوْصا - وهو بفتح الجيم والصاد المهملة - عن سَلَمةَ بن الخليل وأبي التقي
وهو بفتح المثنَّة وكسر القاف، كلاهما عن محمد بن حرب. فهؤلاء ثلاثة غير أبي مُسهِر
رَوَوْه عن محمد بن حرب، فكأنه المتفرِّد به عن الزُّبَيدي.
(١) في (أ): من باب التغليب.

٣٦٤
باب ١٨ / ح ٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا الإسناد إلى الزّهْري شاميّون، وقد دخلها هو وشيخه محمود بن الرَّبيع بن سُراقة
ابن عَمْرو الأنصاري الخَزْرَجي، وحديثه هذا طرف من حديثه عن عِثْبان بن مالك الآتي
في الصلاة (١٨٩) من رواية صالح بن كَيْسان وغيره عن الزُّهْري، وفي الرِّقاق (٦٤٢٢)
من طريق مَعمَر عن الزُّهْري أخبرني محمود.
قوله: ((عَقَلْت)) بفتح القاف، أي: حَفِظْت.
قوله: ((تَجّةٌ)) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمجُّ: هو إرسال الماء من الفَم، وقيل: لا يُسمَّى
مجّاً إلَّا إذا كان على بُعْد. وفَعَلَه النبي ◌َّه مع محمود إمَّا مُداعبة منه، أو ليُبارِك علیه بها كما
كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة.
قوله: ((وأنا ابن خمس سنينَ)) لم أرَ التقييد بالسِّنِّ عند تحمُّله في شيء من طرقه لا في
((الصحيحين)) ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلَّا في طريق الزُّبَيدي هذه، والزُبيدي من
كِبَارِ الْحُفَّاظ المُتَقِنين عن الزُّهْري، حتَّى قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعيُّ يُفضِّله على
جمیع مَن سمع من الزُّهْري. وقال أبو داود: ليس في حديثه خطأ. وقد تابعه عبد الرحمن بن
نَمِر عن الزُّهْري لكنَّ لفظه عند الطبراني (٥٤/١٨) والخطيب في ((الكِفاية)) (٥٩) من طريق
عبد الرحمن بن نَمِر - وهو بفتح النون وكسر الميم - عن الزُّهْري وغيره، قال: حدَّثني محمود
ابن الرَّبيع، وتوفّيَ النبي ◌َِّ وهو ابن خمس سنين. فأفادت هذه الرواية أنَّ الواقعة التي
١٧٣/١ ضَبَطَها كانت في آخر سنة من حياة النبي ◌َّلّ، وقد ذكر ابن حِبَّان وغيره: أنه مات سنة تسع/
وتسعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية.
وذكر القاضي عِيَاض في ((الإلماع)) وغيره: أنَّ في بعض الروايات أنه كان ابن أربع، ولم
أقف على هذا صريحاً في شيء من الروايات بعد التُّع التام، إلَّا إنْ كان ذلك مأخوذاً من
قول صاحب ((الاستيعاب)): إنَّه عَقَلَ المجّة وهو ابن أربع سنين أو خمس، وكأنّ الحامل له
على هذا التردُّد قول الواقدي: إنَّه كان ابن ثلاث وتسعين لمَّا مات، والأوَّل أَولى بالاعتماد
لِصِحَّة إسناده، على أنَّ قول الواقدي يُمكِن حمله - إنْ صَحَّ - على أنه ألْغَى الكسر وجَبَرَه
غيره، والله أعلم.

٣٦٥
باب ١٨ / ح ٧٧
كتاب العلم
وإذا تَحرَّرَ هذا فقد اعتَرَضَ المهلَّب على البخاري لكَوْنه لم يَذكُر هنا حديث ابن الزُّبَير
فِي رُؤْيَته والده يوم بني قُرَيظة ومُراجَعَته له في ذلك، ففيه السَّماع منه وكان سِنّه إذْ ذاكَ
ثلاث سنين أو أربعاً، فهو أصغر من محمود، وليس في قِصَّة محمود ضبطه لسماع شيء،
فكان ذِكْر حديث ابن الزُّبَير أَولى لهذين المعنيين.
وأجاب ابن المنيِر بأنَّ البخاري إنَّما أراد نَقْل السُّنَن النبويَّة لا الأحوال الوجوديّة،
ومحمود نقل سُنّة مقصودة في كَوْن النبي ◌َّ مَتَجَّ تَجّة في وجهه، بل في مجرَّد رُؤْيَته إِيَّه فائدة
شرعيَّة يَثْبُت بها كَوْنه صحابيّاً، وأمَّا قِصَّة ابن الزُّبَير فليس فيها نقل سُنّة من السُّنَن النبويَّة
حتَّى تَدخُل في هذا الباب. ثمَّ أَنشَد:
وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ... انتھی
وهو جواب مُسدَّد، وتَكْمِلَته ما قدَّمناه قبلُ: أنَّ المقصود بلفظ السَّماع في الترجمة هو أو ما
يُنَزَّل منزلته من نقل الفعل أو التقرير.
وغَفَلَ البدر الَّرْكشي فقال: يحتاج المهلَّب إلى ثبوت أنَّ قِصَّة ابن الزُّبَير صحيحة على
شرط البخاري. انتهى.
والبخاري قد أخرج قِصَّة ابن الزُّبَير المذكورة في مناقب الزُّبَير في ((الصحيح)) (٣٧٢٠)،
فالإيراد مَوَجَّه وقد حصل جوابه. والعَجَب من مُتكلِّم على كتاب يَغْفُل عمَّا وقع فيه في
المواضع الواضحة، ويعترضها بما يُؤَدّي إلى نفي ۇُرودها فيه.
قوله: ((من دَلْو)) زاد النَّسائيُّ (ك ٥٨٣٤): ((مُعلَّق))، ولابن حِبَّان (٤٥٣٤): ((مُعلَّقة))،
والدَّلْو يُذكَّر ويُؤْنَّث. وللمصنّف في الرِّفاق (٦٤٢٢) من رواية مَعمَر: ((من دَلْو كانت في
دارهم)) وله في الطَّهارة (١٨٩) والصلاة (١١٨٥) وغيرهما: ((من بثْر)) بدل: دلو، ويُجمَع
بينهما بأنَّ الماء أُخِذَ بالدَّلْوِ من البئر وتناوله النبي ◌َّ من الدَّلْو.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: جواز إحضار الصِّبْيان مجالس الحديث،
وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صِبْیانهم.

٣٦٦
باب ١٩
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ به بعضهم على تسمیع مَن یکون ابن خمس، ومَن کان دونها یُکتب له حُضور،
وليس في الحديث ولا في تبويب البخاري ما يدلَّ عليه، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار
الفَهْم، فمَن فهمَ الخِطاب سمع وإنْ كان دون ابن خمس، وإلا فلا.
وقال ابن رُشَيد: الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مَظِنّة لذلك، لا أنَّ بُلوغها
شرط لا بُدَّ من تحقَّقه، والله أعلم.
وقريب منه ضبط الفقهاء ◌ِن التمييز بسِتُّ أو سبع، والمرجَّح أنها مَظِنّة لا تحديد.
ومن أقوى ما يُتَمسَّك به في أنَّ المَرَدَّ في ذلك إلى الفَهْم، فيختلف باختلاف
الأشخاص، ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال: ذهبتُ بابني وهو ابن ثلاث
سنين إلى ابن جُرَيج فحدَّثه، قال أبو عاصم: ولا بأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو
في هذا السِّن. يعني إذا كان فَهِماً، وقِصَّة أبي بكر بن المُقْرئ الحافظ في تسميعه لابن أربع
بعد أنِ امتَحَنَه بحِفْظِ سور من القرآن مشهورة.
١٩ - باب الخروج في طلب العلم
ورَحَلَ جابرُ بنُ عبدِ الله مَسِيرةَ شهرٍ إلى عبدِ الله بنِ أَنیسٍ في حديثٍ واحدٍ.
١٧٤/١
قوله: (باب الخروج)) أي: السَّفَر ((في طلب العلم)) لم يذكر فيه شيئاً مرفوعاً صريحاً، وقد
أخرج مسلم حديث أبي هريرة رفعه (٢٦٩٩): ((مَن سَلَك طريقاً يَلتمِس فيه عِلْماً، سَهَّلَ
الله له به طريقاً إلى الجنَّة)) ولم يُخْرِّجه المصنّف لاختلافٍ فيه(١).
قوله: ((ورَحَلَ جابر بن عبد الله)) هو الأنصاري الصحابي المشهور، و((عبد الله بن
أُنيس)) بضم الهمزة مصغّراً: هو الجُهَني حَليف الأنصار.
قوله: ((في حديث واحد)) هو حديث أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرد)) (٩٧٠) وأحمد
(١٦٠٤٢) وأبو يعلى في ((مسندَيهما)) من طريق عبد الله بن محمد بن عَقيلٍ أنه سمع جابر بن
(١) تقدم الكلام عليه في ((باب العلم قبل القول والعمل)) رقم الباب (١٠).

٣٦٧
باب ١٩
كتاب العلم
عبد الله يقول: بَلَغَني عن رجل حديث سمعه من رسول الله وَّةٍ، فاشتريت بعيراً ثمَّ
شَدَدْتُ رَحْلي فسِرْت إليه شهراً حتَّى قَدِمْت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت للبَوّاب:
قُلْ له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نَعَم. فخرج فاعتَنَقَني، فقلت: حديث
بَلَغَني عنك أنَّك سمعته من رسول الله وَّةِ، فخَشِيت أنْ أموت قبل أنْ أسمعه. فقال:
سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((يَحَشُّر اللهُ الناس يوم القيامة عُراةً)) فذكر الحديث(١).
وله طريق أُخرى أخرجها الطبرانيُّ في ((مسند الشاميّين)) (١٥٦)، وتَمَّام في ((فوائده))
(٩٢٨) من طريق الحجّاج بن دينار، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر قال: كان يَبلُغني
عن النبي وَِّ حديث في القِصاص، وكان صاحب الحديث بمِصْرَ، فاشتريتُ بعيراً فسِرْت
حتَّى وَرَدْت مِصْر، فقصدت إلى باب الرجل ... فذكر نحوه. وإسناده صالح.
وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب في ((الرِّحْلة)) (٣٣) من طريق أبي الجارود العَنْسي
- وهو بالنون الساكنة - عن جابر قال: بَلَغَني حديث في القِصاص ... فذكر الحديث
نحوه. وفي إسناده ضعف.
وادَّعَى بعض المتأخّرين أنَّ هذا يَنقُض القاعدة المشهورة: أنَّ البخاري حيثُ يُعلِّق
بصيغة الجَزْم يكون صحيحاً، وحيثُ يُعلِّق بصيغة التمريض يكون فيه عِلّة، لأنه عَلَّقَه
بالجَزْم هنا، ثمَّ أخرج طرفاً من متنه في كتاب التوحيد(٢) بصيغة التمريض فقال: ويُذكَر
عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي ◌َّه يقول: ((يَحشُّر الله العباد فيُناديهم
بصوتٍ)) الحديث. وهذه الدَّعْوى مردودة، والقاعدة بحَمْدِ الله غير مُنتَقَضة، ونظر
البخاري أدقُّ من أنْ يُعتَرَض عليه بمثلِ هذا، فإنَّه حيثُ ذكر الارتحال فقط جزم به، لأنَّ
الإسناد حسن وقد اعتُضد، وحيثُ ذكر طرفاً من المتن لم يَجِزِم به، لأنَّ لفظ الصوت ممَّاً
يُتَوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّب ويحتاج إلى تأويل(٣)، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من
(١) وإسناده حسن في المتابعات والشواهد.
(٢) باب (٣٢): قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
(٣) لو وقف الحافظ رحمه الله على قوله: ((لم يجزم به)) لكان أحسن وأَولى، وقد سبق للحافظ تقرير ذلك عند =

٣٦٨
باب ١٩
فتح الباري بشرح البخاري
١٧٥/١ طريق مُخْتُلَف فيها ولو / اعتُضدَت. ومن هنا يَظْهر شُفوف عِلْمه ودِقّة نظره وحُسْن
تصرَّفه رحمه الله تعالى.
ووَهِمَ ابنِ بَطَّال فَزَعَمَ أنَّ الحديث الذي رَحَلَ فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو
حديث السَّتْر على المسلم، وهو انتقال من حديث إلى حديث، فإنَّ الراحل في حديث السَّتْر
هو أبو أيوب الأنصاري رَحَلَ فيه إلى عُقْبة بن عامر الجُهَني، أخرجه أحمد (١٧٣٩١) بسندٍ
مُنقطِع، وأخرجه الطبرانيُّ (١٩/ ١٠٦٧) من حديث مَسْلَمة بن ◌َد قال: أتاني جابر فقال
لي: حديث بَلَغَنِي أَنَّك تَرْويه في السَّتْر ... فذكره(١).
وقد وقع ذلك لغير مَن ذكره، فروى أبو داود (٤١٦٠) من طريق عبد الله بن بُرَيدة:
أنَّ رجلاً من الصحابة رَحَلَ إلی فضالة بن مُبید وهو بمصرَ في حدیث.
وروى الخطيب(٢) عن عُبيد الله بن عَدِي قال: بَلَغَني حديث عند علي، فخِفْت إنْ مات
أنْ لا أجده عند غيره، فرحلتُ حتَّى قَدِمْت عليه العراق.
وتتبُّع ذلك يَكثُر، وسيأتي (٩٧) قول الشَّعْبي في مسألة: إنْ كان الرجل لَيَرْحَل فيما
دونها إلى المدينة. وروى مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: إنْ كنت
لَأَرحَل الأيام واللَّيالي في طلب الحديث الواحد(٣). وسيأتي نحو ذلك عن غيره.
وفي حديث جابر دليل على طلب عُلوّ الإسناد، لأنه بَلَغَه الحديث عن عبد الله بن
أنيس فلم يُقْنِعِه حتَّى رَحَلَ فأخذه عنه بلا واسطة. وسيأتي عن ابن مسعود في كتاب
= الباب (٣٦) من كتاب الإيمان. أما مسألة الصوت، فإن البخاري نفسه رحمه الله قد قرَّر في كتابه ((خلق
أفعال العباد)» ص١٤٩ (طبعة البدر) أنها صفة من صفات الله تعالى وأن صوته تعالى لا يشبه أصوات
الخلق كما هي سائر صفاته، واستشهد بحديث عبد الله بن أنيس هذا وبغيره، وهذا هو مذهب أهل
السنة إن شاء الله تعالى.
(١) الذي في الطبراني - وهو في ((مسند أحمد)) أيضاً (١٦٩٦٠) - أن الآتي لمسلمة هو عقبة بن عامر، وليس جابراً.
(٢) في ((الرحلة في طلب الحديث)) (٤٥).
(٣) أخرجه الخطيب أيضاً (٤٣) و(٤٤).

٣٦٩
باب ١٩ / ح ٧٨
كتاب العلم
فضائل القرآن (٥٠٠٢) قوله: لو أعلم أحداً أعلمَ بكتاب الله منّي لرحلتُ إليه. وأخرج
الخطيب(١) عن أبي العالية قال: كنَّ نسمع عن أصحاب رسول الله ◌َ﴿ فلا نَرْضَی حتَّى خَرَجْنا
إليهم فسَمِعْنا منهم. وقيل لأحمد: رجل يَطلُب العلم يلزم رجلاً عنده عِلْم كثير، أو يَرْحَل؟
قال: يَرْحَل، يكتب عن علماء الأمصار، فيُشافه الناس ويتعلَّم منهم(٢).
وفيه ما كان عليه الصحابة من الحِرْص على تحصيل السُّنَن النبويَّة. وفيه جواز اعتناق
القادم حيثُ لا تَحصُلِ الرِّيبة.
٧٨- حدَّثنا أبو القاسم خالدُ بنُ خَلِيٍّ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ حربٍ، قال: قال الأوزاعيُّ:
أخبرنا الزُّهْريُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عبّاس: أنَّه تَمَارَى هو
والحُّ بنُ قِيسِ بنِ حِصْنِ الفَزَاريُّ في/ صاحبٍ موسى، فمرَّ بهما أَيُّ بنُ كَعْبٍ فَدَعَاه ابنُ ١٧٤/١
عبَّاس، فقال: إني تَمَارَيْتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبٍ موسى الذي سأل السَّبِيلَ إلى لُقِّه، هل
سمعتَ رسولَ الله ◌ِِّ يَذْكُرُ شأنَه؟ فقال أيُّ: نعم سمعتُ النبيَّ ◌َلِّ يَذْكُرُ شأنَه يقول: ((بينما
موسى في مَلإٍ من بني إسرائيلَ إذْ جاءَه رجلٌ، فقال: أتعلَمُ أحداً أعلَمَ منكَ؟ قال موسى: لا،
فأوحَى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى: بَلَى، عَبْدُنا خَضِرٌ، فسأل السَّبِيلَ إلى لُفِيَّه، فجعل الله له الحُوتَ
آيَةً، وقِيلَ له: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فارجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقَاه، فكان موسى ◌َِّ يَتَبعُ أَثَرَ الحُوتِ في
البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾
[الكهف: ٦٤] فوَجَدا خَضِراً، فكان من شأنهما ما قَصَّ الله في كتابه)).
قوله: ((خالد بن خَلِيّ)) هو بفتح الخاء المعجَمة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء تحتانيَّة
مُشدَّدة كما تقدَّم في المقدِّمة، وإنَّما أعدته لأنه وقع عند الَّرْكشي مضبوطاً بلامٍ مُشدَّدة، وهو
سَبْق قلم أو خطأ من الناسخ.
قوله: ((قال الأوزاعي)) في رواية الأَصِيلي: حدَّثنا الأوزاعيُّ.
(١) في ((الرحلة)) (٢١).
(٢) أخرجه الخطيب في ((الرحلة)) (١٢).

٣٧٠
باب ٢٠ / ح ٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنه تَمَارَى هو والحُرَّ)) سقطت ((هو)) من رواية ابن عساكر فعَطَفَ على المرفوع
المتَّصِل بغير تأكيد ولا فَصْل، وهو جائز عند البعض. وقد تقدَّمتْ مباحث هذا الحديث قبل
بیابین (٧٤)، وليس بين الروايتين اختلاف إلَّا فيما لا يُغيِّر المعنى وهو قليل.
وفيه فضل الازدياد من العلم، ولو مع المَشَقّة والنَّصَب بالسَّفَر، وخُضوع الكبير لمن
يتعلَّم منه، ووجه الدّلالة منه قوله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى
اللٌَّ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وموسى عليه السلام منهم، فتَدخُل أُمّ النبي ◌َّ في
هذا الأمر إلا فيما ثبت نسخه.
٢٠ - باب فضل مَن عَلِمَ وعَلَّمَ
٧٩- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ العلاء، قال: حدَّثنا حَمَّدُ بنُ أُسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي
بُرْدَةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَ ◌ّه قال: «مَثَلُ ما بَعَثَنَي الله به مِن الهُدَى والعلم كمَثَلِ الغَيْثِ
الكثيرِ أصابَ أرضاً، فكان منها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فأنْبَتَتِ الكَلَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانت منها
إِخَاذاتٌ أمْسَكَتِ الماءَ فنَفَعَ الله بها الناسَ، فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصاب منها طائفةً أُخرَى،
إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنِتُ كَلَّ، فذلكَ مَثَلُ مَن فَقُهُ فِي دِينِ الله ونَفَعَه ما بَعَثَني الله به
فِعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لم يَرفَعْ بذلكَ رَأْساً ولم يَقْبلُ هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ به)).
قال أبو عبدِ الله: قال إسحاقُ: ((وكان منها طائفةٌ قَّلَتِ الماءَ)) قائٌ يَعْلُوه الماءُ، والصَّفْصَفُ:
المستوي مِن الأرض.
١٧٦/١
قوله: ((باب فضل مَن عَلِمَ وعَلَّمَ)) الأولى بكسر اللام الخفيفة، أي: صار عالماً، والثانية
بفتحها وتشديدها.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن العلاء)) هو أبو كريب، مشهور بكُنْيته أكثر من اسمه، وكذا شيخه
أبو أُسامة. ويُرَيد: بضم الموحّدة، وأبو بُرْدة: جدّه، وهو ابن أبي موسى الأشعَري. وقال في
السِّياق: عن أبي موسى، ولم يقل: عن أبيه، تفتّاً، والإسناد كلُّه كوفیُّون.
قوله: ((مَثَل)) بفتح المثلَّثة، والمراد به: الصِّفة العجيبة لا القول السائر.

٣٧١
باب ٢٠ / ح ٧٩
كتاب العلم
قوله: ((الهُدَى)) أي: الدّلالة الموصِلَة إلى المطلوب، والعلم: المراد به: معرفة الأدلَّة
الشرعيَّة.
قوله: ((نَقيَّة)) كذا عند البخاري في جميع الروايات التي رأيناها بالنون من النَّقاء وهي
صفة لمحذوفٍ، لكن وقع عند الخطّابي والحُميدي وفي حاشية أصل أبي ذرّ: (تَغِبَة)) بمثلَّثة
مفتوحة وغَيْن مُعجَمة مكسورة بعدها موحّدة خفيفة مفتوحة، قال الخطَّبيُّ: هي مُستَقَع
الماء في الجبال والصُّخور.
قال القاضي عِيَاض: هذا غلط في الرواية، وإحالة للمعنى، لأنَّ هذا وصف الطائفة
الأولى التي تَنْبُت، وما ذكره يَصلُح وصفاً للثانية التي تُمُسِك الماء. قال: وما ضَبَطْناه في
((البخاري)) من جميع الطرق إلَّ ((نَفيَّة)) بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء التَّحتانية،
وهو مِثل قوله في مسلم (٢٢٨٢): ((طائفة طَيِّية)).
قلت: وهو في جميع ما وقفتُ عليه من المسانيد والمستخرجات كما عند مسلم.
وفي كتاب الَّرْكشي: وروي: ((بُقْعة)). قلت: هو بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء
من روايات ((الصحيحين))، ثمَّ قرأت في ((شرح ابن رَجَب)) أنَّ في رواية بالموحّدة بدل
النون، قال: والمراد بها: القِطْعة الطَّيِّية كما يقال: فلان بقيَّة الناس، ومنه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ
اَلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَفِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦].
قوله: ((قَبِلَت)) بفتح القاف وكسر الموحّدة من القَبُول، كذا في مُعظَم الروايات. ووقع
عند الأَصِيلي: ((قَيَّلَت)) بالتَّحتانية المشدَّدة، وهو تصحیف کما سنذكره بعد.
قوله: ((الكَلَأ) بالهمزة بلا مَدِّ.
قوله: ((والعُشْب)) هو من ذِكْر الخاص بعد العام، لأنَّ الكَلَا يُطلَق على النَّبْت الرَّطْب
واليابس معاً، والعُشْب للرَّطْب فقط.
قوله: ((إِخَاذات)) كذا في رواية أبي ذرِّ بكسر الهمزة والخاء والذَّال المعجَمتين، وآخره
مُثنَّاة من فوق قبلها ألف، جمع إخاذة: وهي الأرض التي تُمُسِك الماء، وفي رواية غير أبي ذرِّ

٣٧٢
باب ٢٠ / ح ٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
وكذا في مسلم (٢٢٨٢) وغيره: ((أجادب)) بالجيم والدَّال المهملة بعدها موخَّدة جمع:
جَدَبٍ، بفتح الدَّال المهملة على غير قياس: وهي الأرض الصُّلْبة التي لا يَنْضُب منها الماء،
وضَبَطَه المازَرِي بِالذَّال المعجَمة، ووَلَّمَه القاضي.
ورواها الإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي كُرَيب: ((أحارب)(١) بحاءٍ وراء مُهملتَين، قال
الإسماعيلي: لم يَضْبِطه أبو يعلى.
وقال الخطّابِيُّ: ليست هذه الرواية بشيءٍ. قال: وقال بعضهم: ((أجارد)» بجيم وراء ثمَّ
دال مُهمَلة جمع جَرْداء: وهي البارزة التي لا تُنِت، قال الخطَّبيُّ: هو صحيح المعنى إنْ
ساعدَتْه الرواية.
وأغربَ صاحب ((المطالع)) فجعل الجميع روايات، وليس في ((الصحيحين)) سوى
روايتين فقط، وكذا جزم القاضي.
قوله: ((فتَفَعَ الله بها)) أي: بالإخاذات. وللأَصِيلِيِّ: ((به)) أي: بالماء.
قوله: ((وزَرَعوا)) كذا له بزيادة زاي من الزَّرْع، ووافقه أبو يعلى (٧٣١١) ويعقوب بن
الأخرَم وغيرهما عن أبي كُرَيب، ولمسلم (٢٢٨٢) والنَّسائيّ (٥٨٤٣) وغيرهما عن أبي
كُرَيب: ((ورَعَوْا)) بغير زاي من الرَّعْي، قال النَّووي: كلاهما صحيح. ورَجَّحَ القاضي رواية
مسلم بلا مُرجِّح، لأنَّ رواية ((زَرَعوا)) تدل على مُباشَرة الزَّرْع لتُطابق في التمثيل مُباشَرة
طلب العلم، وإنْ كانت رواية ((رَعَوْا)) مطابقة لقوله: ((أنبَتَت))، لكنَّ المراد أنها قابلة
للإنبات. وقيل: إنَّه رُوِيَ ((ووَعَوْا)) بواوين، ولا أصل لذلك.
وقال القاضي قوله: ((ورَعَوْا)) راجع للأولى لأنَّ الثانية لم يَحصُل منها نبات. انتهى،
ويُمكِن أنْ يرجع إلى الثانية أيضاً، بمعنى أنَّ الماء الذي استَقرَّ بها سُقيَتْ منه أرض أُخرى
بالمعالَجَةِ(٢) فأنبتَت.
(١) انظر ((مسند أبي يعلى)) (٧٣١١) - طبعة دار المأمون، وانظر تعليق محقّقه على هذا الحرف.
(٢) قوله: بالمعالجة، سقط من (أ).

٣٧٣
باب ٢٠ / ح ٧٩
كتاب العلم
قوله: ((وأصاب)) أي: الماء، وللأَصِيليِّ وكَرِيمة: ((أصابتْ)) أي: طائفة أُخرى، ووقع كذلك
صريحاً عند النَّسائيّ (٥٨٤٣). والمراد بالطائفة: القِطْعة.
١٧٧/١
قوله: ((قيعان)) بكسر القاف جمع قاع: وهو الأرض المستوية المَلْساء التي لا تُنبِت.
قوله: (فَقُّهَ)) بضم القاف، أي: صار فقيهاً. وقال ابن التِّين: رُوّيناه بكسرها والضمُّ
أشبه.
قال القُرْطبي وغيره: ضربَ النبيِوَ ﴿ لما جاءَ به من الدّين مثلاً بالغَيْثِ العام الذي يأتي
الناسَ في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حالُ الناس قبل مَبْعَته، فكما أنَّ الغَيْث ◌ُحبي البلد
الميِّت، فكذا علوم الدّين تُحْبي القلب المَيِّت، ثمَّ شَبَّهَ السامعين له بالأرض المختلفة التي يَنزِل
بها الغَيْث، فمنهم العالم العامل المعلِّم، فهو بمَنزِلة الأرض الطَِّّة شَرِبَتْ فانتفعَتْ في نَفْسها
وأنبَتَتْ فَتَفَعَتْ غيرها، ومنهم الجامع للعِلْم المُستغرِق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافِلِه،
أو لم يتفقَّه فيما جمع لكنَّه أدّاه لغيره، فهو بمَنزِلة الأرض التي يَستَقِر فيها الماء فينتفِع الناس به،
وهو المُشار إليه بقوله: («نَضَّرَ الله امرَأَ سمع مَقَالتي فأدّاها كما سمعها))(١)، ومنهم مَن يسمع
العلم فلا يَحَفَظه ولا يعمل به ولا يَنقُله لغيره، فهو بمَنزِلة الأرض السَّبِخة أو الملساء التي لا
تَقْبَل الماء أو تُفْسِده على غيرها. وإنَّما جمع المثَل بين الطائفتين الأُولَيَينِ المحمودتَينِ لاشتراكهما
في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها، والله أعلم.
ثمَّ ظهر لي أنَّ في كل مَثَل طائفتين، فالأوَّل قد أوضحناه، والثاني: الأولى منه: مَن دخل
في الدّين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يُعلِّمه، ومثالها من الأرض السِّباخ
وأُشيرَ إليها بقوله ◌َِِّ: ((مَن لم يرفع بذلك رأساً)) أي: أعرَضَ عنه فلم ينتفع به ولا نَفَع،
والثانية منه: مَن لم يدخل في الدّين أصلاً، بل بَلَغَه فَكَفَرَ به، ومثالها من الأرض الصمّاء
الملساء المستوية التي يَمُر عليها الماء فلا تنتفع به، وأُشير إليها بقوله وَله: ((ولم يَقْبَل هُدَى
الله الذي چِثْت به)).
(١) أخرجه أحمد عن غير واحد من الصحابة منهم ابن مسعود برقم (٤١٥٧)، وانظر تتمة تخريجه فيه.

٣٧٤
باب ٢٠ / ح ٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الطِّيبي: بَقيَ من أقسام الناس قِسْمان: أحدهما: الذي انتفعَ بالعلم في نَفْسه ولم
يُعلِّمه غيره، والثاني: مَن لم يَنتِفِع به في نَفْسه وعَلَّمَه غيره. قلت: والأوَّل داخل في الأوَّل،
لأنَّ النفع حصل في الجملة وإنْ تفاوتَتْ مراتبه، وكذلك ما تُنبِته الأرض، فمنه ما يَنتِفِع
الناس به ومنه ما يصير هَشيماً. وأمَّا الثاني فإنْ كان عَمِلَ الفرائض وأهمل النَّوافل، فقد
دخل في الثاني كما قَرَّرْناه، وإنْ ترك الفرائض أيضاً فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعلَّه
يدخل في عموم: ((مَن لم يرفع بذلك رأساً))، والله أعلم.
قوله: ((قال إسحاق: وكان منها طائفة قَيَّلَت)) أي: بتشديد الياء التَّحتانية، أي: إنَّ إسحاق
- وهو ابن راهويه - حيثُ روى هذا الحديث عن أبي أُسامة خالف في هذا الحرف. قال
الأَصِيلي: هو تصحيف من إسحاق. وقال غيره: بل هو صواب ومعناه: شَرِبَت، والقَيْل:
شُرْب نصف النهار، يقال: قَيََّت الإبل، أي: شَرِبَتْ في القائلة. وتعقَّبه القُرْطبي بأنَّ المقصود لا
يختصُّ بشُرْبِ القائلة. وأُجيبَ بأنَّ كَوْن هذا أصلَه، لا يمنع استعماله على الإطلاق تَجُّزاً.
وقال ابن دُرَيْد: قَيَّلَ الماءُ في المكان المنخفض: إذا اجتمع فيه. وتعقَبه القُرْطبي أيضاً
بأنه يُفْسِد التمثيل، لأنَّ اجتماع الماء إنَّما هو مثال الطائفة الثانية، والكلام هنا إنَّما هو في
الأولى التي شَرِبَتْ وأنبَتَت، قال: والأظهَر أنه تصحيف.
تنبيه: وقع في رواية كَرِيمة: ((وقال ابن إسحاق)) وكان شيخنا العراقي يُرجِّحها ولم
أسمع ذلك منه، وقد وقع في نسخة الصغاني: ((وقال إسحاق عن أبي أسامة))، وهذا يُرجِّح
الأوَّل.
قوله: ((قاع يَعْلوه الماء. والصَّفْصَف: المستوي من الأرض)) هذا ثابت عند المُستَمْلِي،
وأراد به أنَّ ((قيعان)) المذكورة في الحديث: جمع قاع، وأنها الأرض التي يَعْلوها الماء ولا
يَستَقِر فيها، وإنَّما ذكر الصَّفْصَف معه جَرْياً على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث
من الألفاظ الواقعة في القرآن، وقد يَستَطْرِد. ووقع في بعض النُّسَخِ: ((المُصْطَف)) بدل
((الصَّفْصَف)) وهو تصحيف.

٣٧٥
باب ٢١ / ح ٨٠
كتاب العلم
١٧٨/١
٢١- باب رفع العلم وظهور الجهل
وقال رَبِيعةُ: لا يَنْبَغِي لأحَدٍ عندَه شيءٌ مِن العلم أنْ يُضِّعَ نفسَه.
٨٠- حدَّثْنَا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، عن أبي التَّاح، عن أنس قال:
قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إنَّ من أشراطِ السّاعةِ أنْ يُرفَعَ العِلمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، ويُشْرِبَ الخمرُ،
ويَظهَرَ الزِّنى)).
[أطرافه في: ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨]
قوله: ((باب رفع العلم)) مقصود الباب الحث على تعلَّم العلم، فإنَّه لا يُرفَع إلَّا بقَبْضٍ
العلماء كما سيأتي (١٠٠) صريحاً. وما دامَ مَن يتعلَّم العلم موجوداً لا يَحصُل الرفع. وقد
تَبيَّن في حديث الباب أنَّ رفعه من علامات الساعة.
قوله: ((وقال ربيعة)) هو ابن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني، المعروف بربيعة الرَّأْي
- بإسكان الهمزة - قيل له ذلك لكثرة اشتِغاله بالاجتهاد. ومراد ربيعة: أنَّ مَن كان فيه فَهْم
وقابليَّ للعِلْم، لا ينبغي له أنْ يُهُمِل نَفْسه فيترك الاشتِغال، لئلا يُؤَدّيَ ذلك إلى رفع العلم.
أو مراده الحث على نَشْر العلم في أهله، لئلّا يموت العالم قبل ذلك فيُؤَدّي إلى رفع العلم.
أو مراده أنْ يُشْهِر العالم نَفْسه ويَتَصَدَّى للأخذِ عنه لئلا يَضِيع عِلْمِه.
وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يُهين نَفْسه بأنْ يجعله عَرَضاً للدنيا. وهذا معنّی
حسن، لكنَّ اللَّائق بتبويب المصنّ ما تقدَّم. وقد وصل أثر ربيعة المذكور الخطيب في
((الجامع)) (١/ ٢٥٤) والبيهقيُّ في ((المدخَل)) (٦٨٧) من طريق عبد العزيز الأُوَيسي، عن
مالك، عن ربيعة.
قوله: ((حدَّثْنا عِمْران بن مَيْسرة)) في بعضها: ((عِمْران)) غير مذكور الأب، وقد عُرِفَ من
الرواية الأُخرى أنه ابن مَيْسَرة. وقد خَرَّجَه النَّسائيُّ (ك٥٨٧٤) عن عِمْران بن موسى
القَزّاز، وليس هو شيخ البخاري فیه.

٣٧٦
باب ٢١ / ح ٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد ((عن أبي التَّاح)) بمُثنَّاةٍ مفتوحة فوقانيّة بعدها تحتانيَّة
ثقيلة وآخره حاء مُهمَلة كما تقدَّم.
قوله: ((عن أنس)) زاد الأَصِيلي وأبو ذر: ((ابن مالك))، وللنَّسائي: حدَّثنا أنس. ورجال
هذا الإسناد كلّهم بصريُّون، وكذا الذي بعده.
قوله: ((أشراط السّاعة)) أي: علاماتها كما تقدَّم في الإيمان (٥٠)، وتقدَّم أنَّ منها ما يكون
من قَبِيل المُعْتاد، ومنها ما يكون خارقاً للعادة.
قوله: ((أنْ يُرفَع العلم)) هو في محل نصب لأنه اسم ((إنَّ)، وسقطت ((إنَّ)) من رواية
النَّسائيِّ حيثُ أخرجه عن عِمْران شيخ البخاري فيه(١)، فعلى روايته يكون مرفوع المحلِّ.
والمراد برفعه: موت حملته كما تقدَّم.
قوله: ((ويَثْبُت)) هو بفتح أوَّله وسكون المثلَّثة وضم الموخَّدة وفتح المثنَّة، وفي رواية
مسلمة (٨/٢٦٧١): ((ويُبَثُّ)) بضم أوَّله وفتح الموحّدة بعدها مثلَّثة، أي: يُنشَر(٢)، وغَفَلَ
الكِرْمانيُّ فَعَزاها للبخاري، وإنَّما حكاها النَّووي في الشَّرْحِ لمسلمٍ، قال الكِرْمانيُّ: وفي رواية:
((وَيَنْبُت)) بالنون بدل المثلَّثة من النَّبَات، وحكى ابن رَجَب عن بعضهم: ((ويُنَثُّ)) بنوٍ ومثلَّئة
من النَّث: وهو الإشاعة. قلت: وليست هذه في شيء من ((الصحيحين)).
قوله: ((ويُشْربَ الخمر)) هو بضم المنَّة أوَّله وفتح الموخَّدة على العَطْف، والمراد: كثرة
ذلك واشتهاره. وعند المصنِّف في النكاح (٥٢٣١) من طريق هشام عن قتادة: ((ويَكثُر
شُرْب الخمر)). أو العلامة(٣) مجموع ما ذُكِر.
قوله: ((ویظهر الزِّنی)) أي: يَفْشو كما في رواية مسلم (٩/٢٦٧١).
(١) سبق قول الحافظ رحمه الله قبل أسطر أنه غير شيخ البخاري، وهو الجادّة، فسبحان مَن لا يضلُّ ولا ينسى.
(٢) اختلفت نسخ ((صحيح مسلم)) في هذا الحرف كما ذكر النووي في ((شرحه)»، ففي كثير منها: ((یثبت))، وفي
بعضها: ((يُبَث)).
(٣) في (س): فالعلامة.

٣٧٧
باب ٢١ / ح ٨١
كتاب العلم
٨١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن أنس قال: لَأحَدِّثَنَّكُم
حديثاً لا يُحدِّئُكُمْ أحَدٌّ بعدي، سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((مِن أشراطِ السّاعة: أنْ يَقِلَّ
العلمُ، ويَظهَرَ الجَهْلُ، ويَظهَرَ الزِّنى، وَتَكْثُرَ النِّساءُ ويَقِلَّ الرِّجالُ، حتَّى يكونَ لخمسينَ امرأةً
القَيِّمُ الواحدُ».
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطَّان.
١٧٩/١
قوله: ((عن أنس)) زاد الأَصِيلي: ابن مالك.
قوله: ((لَأَحَدِّثَنَّكُم)) بفتح اللام وهو جواب قَسَم محذوف، أي: والله لَأُحَدِّثَّكم،
وصَرَّحَ به أبو عَوَانة من طريق هشام عن قتادة، ولمسلم (٩/٢٦٧١) من رواية غُندَر عن
شُعْبة: ((ألَا أُحَدِّثكم))، فيحتمل أنْ يكون قال لهم أوّلاً: ألا أُحَدِّثكم؟ فقالوا: نَعَم، فقال:
لَأُحَدِّئَنگم.
قوله: ((لا يُحدِّثكُم أحدٌ بعدي)) كذا له، ولمسلم بحذف المفعول، ولابن ماجَهْ (٤٠٤٥)
من رواية غُندَر عن شُعْبة: ((لا يُحدِّثكم به أحد بعدي))، وللمصنِّف (٥٥٧٧) من طريق
هشام: ((لا يُحدِّثكم به غيري))، ولأبي عَوَانة من هذا الوجه: ((لا يُحدِّثكم أحد سمعه من
رسول الله وَلَّو بعدي))، وعَرَفَ أنس أنه لم يَبْقَ أحد ممَّن سمعه من رسول الله وَّل غيره،
لأنه كان آخر مَن مات بالبصرة من الصحابة، فلعلَّ الخِطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو
كان عاماً وكان تحديثه بذلك في آخر عُمره، لأنه لم يَبْقَ بعده من الصحابة مَن ثبت سماعه
من النبي وَّ إِلَّ النادر مّن لم يكن هذا المتن في مروّه.
وقال ابن بَطَّال: يحتمل أنه قال ذلك لما رأى من التغيير ونَقْص العلم، يعني فاقتضى
ذلك عنده أنه لفساد الحال لا يُحدِّثهم أحد بالحق. قلت: والأوَّل أَولى.
قوله: ((سمعت)) هو بيانٌ، أو بدل لقوله: ((لَأُحَدِّثَنَّكم)).
قوله: ((أنْ يَقِلَّ العلم)) هو بكسر القاف من القِلّة، وفي رواية مسلم (٩/٢٦٧١) عن
غُندَر وغيره عن شُعْبة: ((أنْ يُرفَع العلم))، وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شَيْبة (٦٥/١٥)،

٣٧٨
باب ٢١ / ح ٨١
فتح الباري بشرح البخاري
وهمَّام عند المصنّف في الحدود (٦٨٠٨)، وهشام عنده في النكاح (٥٢٣١) كلّهم عن قتادة،
وهو موافق لرواية أبي النَّاحِ، وللمصنّف أيضاً في الأشربة (٥٥٧٧) من طريق هشام: ((أنْ
يَقِلَّ)) فيحتمل أنْ يكون المراد بقِلَّتِهِ: أوَّل العَلامة، وبرفعه: آخرها، أو أُطلِقَت القِلّة وأُريد
بها العدم كما يُطلَق العدم ويُراد به القِلّة، وهذا أَلْيَق لاتِّحاد المخرَج.
قوله: ((وَتَكْثُرِ النِّساء)) قيل: سببه أنَّ الفتن تكثُر فيَكثُر القتل في الرجال، لأنهم أهل
الحرب دون النساء.
وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفُتوح فتكثُر السَّبايا، فيَتَّخِذ الرجل الواحد عِدّة
موطوءات. قلت: وفيه نظر، لأنه صَرَّحَ بالعلَّةِ (١) في حديث أبي موسى الآتي في الزّكاة عند
المصنّف (١٤١٤) فقال: ((من قِلّة الرجال وكثرة النساء)) والظاهر أنها علامة تَحْضة لا لسببٍ
آخر، بل يُقدِّر الله في آخر الزّمان أنْ يَقِلَّ مَن يولد من الذُّكور ويَكثُر مَن يولد من الإناث،
وكَوْن كثرة النساء من العلامات مناسبٌ لظُهور الجَهْل ورفع العلم.
وقوله: ((لخمسينَ)) يحتمل أنْ يُراد به حقيقة هذا العَدَد، أو يكون مجازاً عن الكثرة، ويؤيِّده
أنَّ في حديث أبي موسى (١٤١٤): ((وترى الرجل الواحد تَتْبَعه أربعون امرأة)».
قوله: ((القَيِّم)) أي: مَن يقوم بأمرهِن، واللام للعَهْدِ إشعاراً بما هو معهود من كَوْن
الرجال قَوّامين على النساء. وكأنَّ هذه الأُمور الخمسة خُصَّتْ بالذِّكْر لكَوْنها مُشعِرة
باختلال الأُمور التي يَحَصُل بحِفْظِها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدّين لأنَّ رفع العلم
يُحِلُّ به، والعقل لأنَّ شُرْب الخمر يُحِل به، والنَّسَب لأنَّ الزّنى يُحِل به، والنفس والمال لأنَّ
كثرة الفتن تُحِل بهما.
قال الكِرْمانيُّ: وإنَّما كان اختلال هذه الأُمور مُؤْذِناً بخراب العالَم لأنَّ الخَلْق لا يُترَكون
هَمَلاً، ولا نبي بعد نبيّنا صَلَوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، فيتعيَّن ذلك.
وقال القُرْطبي في ((المُفْهم)): في هذا الحديث عَلَم من أعلام النُّبّة، إذْ أخبر عن أُمور
(١) في (س): بالقلة.

٣٧٩
باب ٢٢ / ح ٨٢
كتاب العلم
ستقعُ فوقعت، خصوصاً في هذه الأزمان.
وقال القُرْطبي في ((التذكرة)): يحتمل أنْ يُراد بالقَيِّم مَن يقوم عليهنَّ، سواء كُنَّ
موطوءات أم لا. ويحتمل أنْ يكون ذلك يقع في الزَّمان الذي لا يبقى فيه مَن يقول: الله الله،
فیتزوَّج الواحد بغیر عدد جَهْلاً بالحكم الشرعي.
قلت: وقد وُجِدَ ذلك من بعض أُمراء التُّْكُمان وغيرهم من أهل هذا الَّمان مع دعواه
الإسلام، والله المستعان.
١٨٠/١
٢٢- باب فضل العلم
٨٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٌ، عن ابن شِهابٍ، عن حمزةَ بنِ
عبدِ الله بنِ عمر، أنَّ ابنَ عمرَ قال: سمعتُ رسولَ الله وَِّ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ أَتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنِ
و
فَشَرِبْتُ، حتَّى إِني لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أَظْفاري، ثمَّ أعطَيْتُ فَضْلِيَ عمرَ بنَ الخطّابِ)) قالوا: فما
أوَّلْتَه يا رسولَ الله؟ قال: ((العِلْم)).
[أطرافه في: ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢]
قوله: ((باب فضل العلم)) الفضل هنا بمعنى الزِّيادة، أي: ما فَضَلَ عنه، والفضل الذي
تقدَّم في أوَّل كتاب العلم بمعنى الفضيلة، فلا يُظَن أنه كَرَّرَه.
قوله: ((حدَّثْنا سعيد بن عُفَير)) هو سعيد بن كثير بن عُفَير المِصْريّ، نُسِبَ إلى جدّه كما
تقدَّم. وعُفَير بضم المهملة بعدها فاء كما تقدَّم أيضاً.
قوله: ((حدَّثنا الليث)) هو ابن سعد ((عن عُقَيل)) وللأَصِيلِيِّ وكَرِيمة: حدَّثني الليث،
حدَّثني عُقَيل.
قوله: ((عن حمزة)) وللمصنّف في التعبير (٧٠٠٦): أخبرني حمزة.
قوله: ((بَيْنا) أصله: بين، فأُشبِعَت الفتحة.
قوله: ((أُتيت)) بضم الهمزة.

٣٨٠
باب ٢٣ / ح ٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَشَرِبْت)) أي: من ذلك اللَّبَن.
قوله: (لَأَرَى)) بفتح الهمزة من الرُّؤية، أو من العلم، واللام للتأكيدِ أو جواب قَسَم
محذوف.
و ((الرِّيّ)) بكسر الراء في الرواية، وحكى الجَوْهري الفتح، وقال غيره: بالكسر الفعل،
وبالفتح المصدر.
قوله: ((يَخْرُج)) أي: الرِّي، وأطلق رُؤْيَته إِيَّاه على سبيل الاستعارة.
قوله: ((في أظفاري)) في رواية ابن عساكر: ((من أظفاري)) وهو أبلَغ، وفي التعبير (٧٠٠٧):
((من أطرافي)» وهو بمعناه.
قوله: ((قال: العِلم)) هو بالنصب وبالرفع معاً في الرواية، وتوجيههما ظاهر. وتفسير
اللَّبَن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما. وسيأتي بقيَّة الكلام عليه في مناقب عمر
(٣٦٨١) وفي كتاب التعبير (٧٠٠٦) إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنيِّرِ: وجه الفضيلة للعِلْم في الحديث من جهة أنه عَبَّر عن العلم بأنه فضلة
النبي وَ له ونصيب ممّاً آتاه الله، وناهيك بذلك. انتهى، وهذا قاله بناء على أنَّ المراد بالفضلِ
الفضيلة، وغَفَلَ عن النُّكْنة المتقدِّمة.
٢٣ - باب الفُتْيا وهو واقف على الدَّابّة وغيرها
٨٣- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حذَّثني مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن عيسى بنِ طَلْحةَ بنِ
عُبيدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ وَقَفَ في حَجّةِ الوَدَاعِ بِمِنّى
للناس يَسْألُونَه، فجاءَه رجلٌ فقال: لم أشعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أنْ أَذْبَحَ فقال: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ))،
فجاءَ آخرُ فقال: لم أشعُرْ فَتَحَرْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ، قال: ((ارمٍ ولا خَرَجَ))، فما سُئِلَ النبيُّ وَّر عن
شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إِلَّ قال: (افْعَلْ ولا حَرَجَ)).
[أطرافه في: ١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥]