Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب ١٠ كتاب العلم بمجیئه من وجه آخر، وروی البزَّار (٢٠٥٥) نحوه من حديث ابن مسعود موقوفاً، ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعاً. وفي الباب عن أبي الدَّرْداء وغيره(١)، فلا يُغتَرُّ بقول مَن جعله من كلام البخاري، والمعنى: ليس العلم المعتبر إلَّا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلُّم، واللام في ((العلم) للعهد، أي: العلم الشرعي(٢). قوله: ((وقال أبو ذر ... )) إلى آخره، هذا التعليق رُوّيناه موصولاً في ((مسند الدّارميّ)) (٥٤٥) وغيره من طريق الأوزاعيّ: حدَّثني أبو كثير - يعني مالك بن مَرْنَد - عن أبيه قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجَمْرة الوُسْطَى، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونَه، فأتاه رجل فَوَقَفَ عليه ثمَّ قال: ألم تَنْهَ عن الفُتْيا؟ فرفع رأسه إليه فقال: أرَقيب أنتَ عليّ؟ لو وضَعْتُم .. فذكر مثله. ورُوّيناه في ((الحِلْية)) (١/ ١٦٠) من هذا الوجه، وبيَّن أنَّ الذي خاطبَه رجل من قُرَيش، وأنَّ الذي نهاه عن الفُتْيا عثمان ﴾. وكان سبب ذلك أنه كان بالشام فاختلفَ مع معاوية في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وقال أبو ذر: نزلت فيهم وفينا. فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسَلَ إلى أبي ذرٍّ، فحصلتْ مُنازَعة أدَّتْ إلى انتقال أبي ذرِّ عن المدينة فسَكنَ الرَّبَذة - بفتح الراء والموخَّدة والذَّال المعجَمة - إلى أنْ مات. رواه النَّسائيُّ (ك١١١٥٤)(٣). وفيه دليل على أنَّ أبا ذر كان لا يرى طاعةَ الإمام إذا نهاه عن الفُتْيا، لأنه كان يرى أنَّ ذلك واجب عليه لأمر النبي ◌َّه بالتبليغ عنه كما تقدَّم، ولعلَّه أيضاً سمع الوعيد في حق مَن گَتَمَ عِلْما يعلمه، وسيأتي لعليٌّ مع عثمان نحوه. والصَّمْصامة بمُهملتَين الأولى مفتوحة: هو السَّيْف الصارم الذي لا يَنْثَني، وقيل: الذي له حَدٌّ واحد. (١) أخرج حديث أبي الدرداء الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٨٤)، وفي ((الشاميين)) (٢١٠٣)، وأبو نعيم في «الحلیة)) ٥/ ١٧٤، وسنده ضعيف. (٢) من قوله: ((واللام في العلم)) إلى هنا سقط من (س). (٣) عجباً للحافظ رحمه الله كيف عزاه إلى النسائي وفاته أن يعزوه إلى البخاري نفسه، وهو عنده في الزكاة برقم (١٤٠٦). ٣٤٢ باب ١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((هذه)) إشارة إلى القَفَا، وهو يُذكَّر ويُؤنَّث، و((أَنفِذ)) بضم الهمزة وكسر الفاء والذَّال المعجَمة، أي: أُمْضِيَ، و(تُجيزوا)) بضم المثنَّة وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تُكْمِلوا قتلي، ونَكَّرَ ((كلمة)) ليشمل القليل والكثير. والمراد به يُبلِّغ ما تَحمَّله في كل حال ولا ينتهي عن ذلك ولو أشرَفَ على القتل. و (لو)) في كلامه لمجرَّدِ الشَّرْط من غير أنْ يُلاحَظ الامتناع، أو المراد أنَّ الإنفاذ حاصل على تقدير وضع الصَّمْصامة، وعلى تقدير عدم حصوله أولى، فهو مِثل قوله: لو لم يَخَفِ الله لم یَعْصِه. وفيه الحث على تعليم العلم واحتمال المَشَقّة فيه والصبر على الأذى طلباً للثَّواب. قوله: ((وقال ابن عبّاس)) هذا التعليق وَصَلَه ابن أبي عاصم أيضاً بإسناد حسن، والخطيب بإسنادٍ آخر حسن. وقد فسَّرَ ابن عبّاس: ((الرَّبّاني)) بأنه الحكيم الفقيه، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في ((غريبه)) عنه بإسنادٍ صحيح. وقال الأصمعي والإسماعيلي: الرَّبّاني نسبة إلى الرَّبّ، أي: الذي يَقصِد ما أمره الرَّب بقَصْدِه من العلم والعمل. ١٦٢/١ وقال ثَعْلَب: قيل للعلماء: ربَّانِيُّون لأنهم يرُبُّونَ العلم، أي: يقومون به، وزيدَت/ الألف والنون للمُبالَغة. والحاصل: أنه اختُلِفَ في هذه النِّسبة هل هي نسبة إلى الرَّب أو إلى التربية، والتربية على هذا للعِلْم، وعلى ما حكاه البخاري لتعلُّمِه. والمراد بصِغار العلم: ما وَضَحَ من مسائله، وبكِبَاره: ما دَقَّ منها. وقيل: يُعلِّمهم ◌ُزْئيّاته قبل كُلِّيّاته، أو فُروعه قبل أُصوله، أو مُقدِّماته قبل مقاصده. وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم: ربَّانيٌّ، حتَّى يكون عالماً مُعلِّماً عاملاً. فائدة: اقتصر المصنّف في هذا الباب على ما أورده من غير أنْ يُورِد حديثاً موصولاً على شرطه، فإمَّا أنْ يكون بَيَّضَ له ليُورِد فيه ما يَثبُت على شرطه، أو يكون تَعَمَّدَ ذلك اكتفاءً بما ذَكَر، والله أعلم. ٣٤٣ باب ١١ / ح ٦٨ كتاب العلم ١١ - باب ما كان النبيُّ ◌َ لاله يتخوَّلهُم بالمَوْعظة والعلم کي لا یَنِفِرُوا ٦٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعودٍ قال: كان النبيُّ وَّهِ يَتْخوَّلُنَا بِالمَوْعِظةِ في الأيام كراهةَ السَّآَمَةِ علينا. [طرفاه في: ٦٤١١،٧٠] قوله: ((باب ما كان النبي ◌َّ يَتَخوَّلهم)) هو بالخاءِ المعجَمة، أي: يتعهَّدهم، والموعظة: النُّصْح والتذكير، وعَطْف العلم عليها من باب عَطْف العام على الخاص، لأنَّ العلم يشمل الموعظة وغيرها، وإنَّما عَطَفَه لأنها منصوصة في الحديث، وذكر العلم استنباطاً. قوله: ((لِئَّا(١) يَنِفِروا)) استعمل في الترجمة معنى الحديثين اللَّذَينِ ساقهما، وتَضمَّنَ ذلك تفسير السَّآمة بالنُّورِ وهما متقاربان، ومناسبته لما قبله ظاهرة من جهة ما حكاه أخيراً من تفسير الرّبّاني، كمناسبة الذي قبله من تشديد أبي ذرٍّ في أمر التبليغ لما قبله من الأمر بالتبليغ. وغالب أبواب هذا الكتاب - لمن أمعَنَ النَّظَر فيها والتأمُّل - لا يَخْلو عن ذلك. قوله: ((سفيان)) هو الثَّوْري، وقد رواه أحمد في «مسنده)) (٣٥٨١) عن ابن عُيَينة، لكنَّ محمد بن يوسف الفِرْيابي وإنْ كان يروي عن السُّفْيانَينِ فإنَّه حين يُطلِقِ يريد به الثَّوْري، كما أنَّ البخاري حيثُ يُطلِقِ محمد بن يوسف لا يريد به إلَّا الْفِرْيابي، وإنْ كان يروي عن محمد ابن يوسف البِيكَنْدي أيضاً، وقد وَهِمَ مَن زَعَمَ أنه هنا البِيكَنْدي. قوله: ((عن أبي وائل)) في رواية أحمد المذكورة: سمعت شَقِيقاً وهو أبو وائل. وأفاد هذا التصريح رفع ما يُتَوهَّم في رواية مسلم (٢٨٢١) التي أخرجها من طريق علي بن مُسهِر، عن الأعمش، عن شَقِيق، عن عبد الله، فذكر الحديث، قال علي بن مُسهِر: قال الأعمش: وحدَّثني عَمْرو بن مُرّة، عن شَقِيق، عن عبد الله، مثله، فقد يوهم هذا أنَّ الأعمش دلَّسَه (١) كذا وقع للحافظ في شرحه، وليس هذا في شيء من روايات ((الصحيح)) على ما في الطبعة السلطانية منه، كما أن القسطلاني لم يشر إلى خلاف في هذا الموضع، والله تعالى أعلم. ٣٤٤ باب ١١ / ح ٦٨ فتح الباري بشرح البخاري أوَّلاً عن شقيق، ثمَّ سَمَّى الواسطة بينهما، وليس كذلك، بل سمعه من أبي وائل بلا واسطة وسمعه عنه بواسطةٍ، وأراد بذِكْر الرواية الثانية وإنْ كانت نازِلةً تأكيده، أو ليُنبِّه على عنايته بالرواية من حيثُ إنَّه سمعه نازِلاً، فلم يَقْنَع بذلك حتَّى سمعه عالياً، وكذا صَرَّحَ الأعمش بالتحديث عند المصنِّف في الدَّعَوات (٦٤١١) من رواية حَفْص بن غياث عنه، قال: حدَّثني شَقيق. وزاد في أوَّله: أنهم كانوا ينتظرون عبد الله بن مسعود ليَخرُج إليهم فيُذكِّرهم، وأنه لمَّا خرج قال: أما إني أُخبَرَ بمكانكم ولكنَّه يمنعني من الخروج إليكم ... فذكر الحديث. قوله: ((كان يَتخوَّلنا)) بالخاءِ المعجَمة وتشديد الواو، قال الخطَّبيُّ: الخائل بالمعجَمة: هو القائم المتعهِّد للمال، يقال: خالَ المالَ يُجُوله ◌َخُوُّلاً: إذا تَعَهَّدَه وأصلَحَه. والمعنى: كان يُراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلاّ نَمَلَّ. والتخَوُّن بالنون أيضاً يقال: تَخَوَّنَ الشيءَ: إذا تَعَهَّدَه وحَفِظَه، أي: اجتَنَب الخيانة فيه، كما قيل في ثَنَّثَ وتَّمَ ونظائرهما. ١٦٣/١ وقد قيل: إنَّ أبا عَمْرو بن العلاء سمع الأعمش يُحدِّث هذا الحديث فقال: ((يَتخوَّلنا)» باللام، فردّه علیه بالنون فلم يرجع لأجلِ الرواية، وکلا اللفظین جائز. وحكى أبو عُبيد الهَرَويُّ في ((الغريبين)) عن أبي عَمْرو الشَّيْبانيِّ أنه كان يقول: الصواب ((يتحوَّلنا)) بالحاءِ المهملة، أي: يَتَطَّلَّب أحوالنا التي نَنْشَط فيها للموعظة. قلت: والصواب من حيثُ الرواية الأُولى، فقد رواه منصور عن أبي وائل كرواية الأعمش، وهو في الباب الآتي. وإذا ثبتت الرواية وصَحَّ المعنى، بَطَلَ الاعتراض. قوله: ((علينا) أي: السَّآمة الطارئة علينا، أو ضمَّنَ السَّآمة معنى المَشَقّة فعَدّاها بـ(على))، والصِّلة محذوفة، والتقدير: من الموعظة. ويستفاد من الحديث: استحباب ترك المداومة في الجِدِّ في العمل الصالح خَشْية المَلال، وإنْ كانت المواظَبة مطلوبة لكنَّها على قِسْمين: إمَّا كل يوم مع عدم التكلُّف، وإمّا يوماً بعد ٣٤٥ باب ١١ / ح ٦٩ كتاب العلم يوم، فيكون يوم الترك لأجلِ الراحة ليُقبِل على الثاني بنشاطٍ، وإمَّا يوماً في الجمعة، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النَّشاط. واحتمل عمل ابن مسعود معَ استدلاله أنْ يكون اقتَدَى بفعلِ النبي ◌َِّ حَتَّى في اليوم الذي عَيَّنَه، واحتمل أنْ يكون اقتَدَى بمجرَّدِ التخَلَّل بين العمل والترك الذي عَبَّر عنه بالتخَوُّل، والثاني أُظهَر. وأخذ بعض العلماء من حديث الباب كراهة تشبيه غير الرَّواتب بالرَّواتبِ بالمواظَبة عليها في وقت مُعيَّن دائماً، وجاءَ عن مالك ما يُشبِه ذلك. ٦٩ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا شُعْبَةُ، قال: حدثني أبو التَّاحِ، عن أنس، عن النبيِّ نَّالِ قال: ((يَسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا، وَبَشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا)). [طرفه في: ٦١٢٥] قوله: ((أبو التَّاح)) تقدَّم أنه بفتح المثنَّة الفَوْقانيَّة وتشديد التَّحتانية وآخره مُهمَلة. قوله: ((ولا تُعسِّروا)) الفائدة فيه التصريح باللّزم تأكيداً. وقال النَّووي: لو اقتصر على ((يَسِّروا)) لَصَدَقَ على مَن يَسَّرَ مَرّة وعَسَّرَ كثيراً، فقال: ((ولا تُعسِّروا)» لنفي التعسير في جميع الأحوال، وكذا القول في عَطْفه عليه: ((ولا تُنقِّروا)). وأيضاً فإنَّ المقام مقام الإطناب لا الإيجاز. قوله: ((وبَشِّروا)) بعد قوله: ((يَسِّروا)) فيه الجِناس الخَطّي. قوله: ((ولا تُنقِّروا)) بدل قوله: ولا تُنذروا(١)، ووقع عند المصنّف في الأدب (٦١٢٥) عن آدم عن شُعْبة بدلها: ((وسَكِّنوا)) وهي التي تُقابل: ولا تُنفِّروا، لأنَّ السُّكون ضد النُّفُور، كما أنَّ ضد البِشارة النِّذارة، لكن لمَّا كانت النِّدارة ـــ وهي الإخبار بالشَّرِّ - في ابتداء التعليم تُوجِب النُّقْرة، قُوبلَت البِشارة بالتنفير، والمراد: تأليف مَن قَرُبَ إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزَّجْر عن المعاصي ينبغي أنْ يكون بتَلَطُّفٍ (١) قوله: ((قوله: ولا تُنفِّروا بدل قوله: ولا تنذروا)) سقط من (س). ٣٤٦ باب ١٢ -١٣ / ح ٧٠ -٧١ فتح الباري بشرح البخاري لِيُقْبَل، وكذا تعليمُ العلم ينبغي أنْ يكون بالتدريج، لأنَّ الشيء إذا كان في ابتدائه سَهْلاً حُبِّبَ إلى مَن يدخل فيه وتَلَقّه بانبساطٍ، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضدّه، والله تعالى أعلم. ١٢ - باب من جعل لأهل العلم يوماً معلوماً ٧٠- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: كان عبدُ الله يُذكِّرُ الناسَ في كلِّ خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنا كلَّ يومٍ، قال: أما إنَّه يَمنعُني من ذلكَ أنّ أكرَه أنْ أُمِلَّكُم، وإني أتََّوَّلُكُم بالمَوْعِظِ كما كان النبيُّ ﴿ل﴿ يَتخوَّلُنا بها ◌َحافةَ السَّآَمَةِ علينا. قوله: ((باب مَن جعل لأهلِ العلم يوماً معلوماً) في رواية كَرِيمة: «أياماً معلومة»، ١٦٤/١ وللكُشْمِيهَني: ((معلومات))، وكأنه/ أخذ هذا من صنيع ابن مسعود في تذکیره كل خميس، أو من استنباط عبد الله ذلك من الحديث الذي أورده. قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتَمِر. قوله: «کان عبد الله)) هو ابن مسعود، و گنیته أبو عبد الرحمن. قوله: ((فقال له رجل)) هذا المُبُهَم يُشبِه أنْ يكون هو يزيد بن معاوية النَّخَعيُّ، وفي سياق المصنّف في أواخر الدَّعَوات (٦٤١١) ما يُرشِد إلیه. قوله: (لَوَدِدْت)) اللام جواب قَسَم محذوف، أي: والله لَودِدْت، وفاعل ((يمنعني)): أنّ أكره، بفتح همزة ((أنّ))، و((أُمِلّكم) بضم الهمزة، أي: أُضْجِركم، و ((إني)) الثانية بكسر الهمزة. وقد تقدَّم شرح المتن قريباً (٦٨). والإسناد كلُّه كوفيُّون، وحديث أنس الذي قبله بصریُّون. ١٣ - باب مَن يُرِد الله به خيراً يُفقِّهْه في الدِّين ٧١- حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَیر، قال: حدّثنا ابنُ وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال مُميدُ بنُ عبدِ الرحمن: سمعتُ مُعاوِيةَ خَطِيباً يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((مَن يُرِدِ اللهُ به ٣٤٧ باب ١٣ / ح ٧١ كتاب العلم خيراً يُفَقِّهْه في الدِّين، وإنَّما أنا قاسمٌ والله يُعْطي، ولن تزالَ هذه الأمّةُ قائمةً على أمْرِ الله لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، حتَّى يأتيَ أمْرُ الله)). [أطرافه في: ٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠] قوله: ((باب مَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهه في الدّين)) ليس في أكثر الروايات في الترجمة قوله: (في الدّین) وثبتت للگُشْمِیھَني. قوله: ((حدَّثنا سعيد بن عُفَير)) هو سعيد بن كثير بن عُفَير، نُسِبَ إلى جدّه، وهو بالمهملة مصغّراً. قوله: ((عن ابن شهاب قال: قال حُمَيد)) في الاعتصام للمؤلِّف (٧٣١٢) من هذا الوجه: أخبرني حُميدٌ، ولمسلم (١٠٣٧ / ١٠٠): حدَّثني حُميدُ بن عبد الرحمن بن عَوْف، زاد تسمية جدّه. قوله: «سمعت معاویة» هو ابن أبي سفيان. قوله: ((خطيباً)) هو حال من المفعول، وفي رواية مسلم والاعتصام: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يَخْطُب. وهذا الحديث مُشتمِل على ثلاثة أحكام: أحدها: فضل النَّفَقة في الدِّين. وثانيها: أنَّ المعطي في الحقيقة هو الله. وثالثها: أنَّ بعض هذه الأُمّة يبقى على الحق أبداً. فالأوَّل لائق بأبواب العلم، والثاني لائق بقَسْم الصدَقات، ولهذا أورده مسلم في الزَّكاة، والمؤلِّف في الخُمُس (٣١١٦)، والثالث لائق بذِكْر أشراط الساعة، وقد أورده المؤلّف في الاعتصام (٧٣١٢) لالتفاته إلى مسألة عدم خُلو الزّمان عن مُجُتَهِد، وسيأتي بسط القول فيه هناك، وأنَّ المراد بأمر الله هنا: الرّيح التي تَقْبِض روح كل مَن في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شِرار الناس فعليهم تقوم الساعة. ٣٤٨ باب ١٣ / ح ٧١ فتح الباري بشرح البخاري وقد تتعلَّق الأحاديث الثلاثة بأبواب العلم - بل بترجمة هذا الباب خاصّة - من جهة إثبات الخير لمن تفقَّهَ في دين الله، وأنَّ ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتحُ الله عليه به، وأنَّ مَن يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتَّى يأتي أمر الله، وقد جزم البخاري بأنَّ المراد بهم أهل العلم بالآثار. وقال أحمد بن حنبل: إنْ لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَن هم. وقال القاضي عِيَاض: أراد أحمد أهل السُّنّة ومَن يعتقد مذهب أهل الحديث. وقال النَّووي: مُخْتَمل أنْ تكون هذه الطائفة فِرْقة من أنواع المؤمنين ممَّن يقيم أمرَ الله تعالى من مجاهد وفقيه ومُحدِّث وزاهد وآمِر بالمعروفِ وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يجوز أن يكونوا مُتفرِّقين. قلت: وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. قوله: ((يُفَقُّهْه)) أي: يُفَهِّمه كما تقدَّم، وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشَّرْط، يقال: فَقُهَ ١٦٥/١ بالضم: إذا صار الفقه له سَجيَّ / وفَقَهَ بالفتح: إذا سبقَ غيره إلى الفَهْم، وفَقِهَ بالكسر: إذا فهم. ونَكَّرَ ((خيراً) ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم لأنَّ المقام يقتضيه. ومفهوم الحديث: أنَّ مَن لم يتفقَّه في الدّين - أي: يتعلَّم قواعد الإسلام وما يَتَّصِل بها من الفُروع - فقد حُرِمَ الخير. وقد أخرج أبو يعلى (٧٣٨١) حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: ((ومَن لم يتفقَّه في الدّين لم يُبالِ الله به)) والمعنى صحيح، لأنَّ مَن لم يعرف أُمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فِقْه، فيصح أنْ يُوصَف بأنه ما أُرِيدَ به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضلِ العلماء على سائر الناس، ولفضلِ التفَقَّه في الدّين على سائر العلوم. وسيأتي بقيَّة الكلام على الحديثين الآخرَينِ في موضعهما من الخُمُس (٣١١٦) والاعتصام (٣٧١٢) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((لن تزالَ هذه الأُمّة)) يعني بعض الأُمّة، كما يجيء مُصرَّحاً به في الموضع الذي أشرت إليه إن شاء الله تعالى. ٣٤٩ باب ١٤ -١٥ / ح ٧٢ كتاب العلم ١٤ - باب الفَهْم في العلم ٧٢- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ قال: قال لي ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ قال: صَحِبْتُ ابنَ عمرَ إلى المدينةِ فلم أسمعه يُحدِّثُ عن رسولِ الله وَّةِ إلَّا حديثاً واحداً قال: كنَّا عند النبيِّ ◌ِله فَأَنِيَ بِجُّارٍ، فقال: ((إِنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُها كمَثَلِ المُسلِمِ)) فَأرَدْتُ أنْ أقول: هي النَّخْلةُ، فإذا أنا أصْغَرُ القومِ فَسَكَتُّ، قال النبيُّ ◌ِ: ((هي النَّخْلُ)). قوله: ((باب الفَهْم)) أي: فضل الفَهْم ((في العلم)) أي: في العلوم. قوله: ((حدَّثنا علي)) في رواية أبي ذرٍّ: ((بن عبد الله)) وهو المعروف بابن المَدِيني. قوله: ((حدَّثنا سفيان قال: قال لي ابن أبي نَچِيح)) في ((مسند الحُميدي)) (٦٧٦) عن سفيان: حدَّثني ابن أبي نجيح. قوله: ((صَحِبْت ابنَ عمر إلى المدينة)) فيه ما كان الصحابة عليه من تَوقّي الحديث عن النبي ◌َّ إلَّا عند الحاجة خَشْية الزِّيادة والنُّقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر ووالده عمر وجماعة، وإنَّما كَثُرتْ أحاديث ابن عمر مع ذلك لكثرة مَن كان يسأله ويستفتيه، وقد تقدَّم الكلام على متن حديث الباب في أوائل كتاب العلم (٦١)، والله أعلم. ومناسبته للترجمة: أنَّ ابن عمر لمَّا ذكر النبي ◌ِّرِ المسألة عند إحضار الجُّار إليه فَهِمَ أنَّ المسؤول عنه النَّخْلة، فالفهم فِطْنه یَفْھم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل، وقد أخرج أحمد (١١١٣٤) في حديث أبي سعيد الآتي في الوفاة النبويَّة حيثُ قال النبي ◌ََّ: ((إنَّ عبداً خَيَّرَه الله)) فبَكَى أبو بكر وقال: فَدَيْناك بآبائنا، فتَعَجَّبَ الناس. وكان أبو بكر فهمَ من المقام أنَّ النبيَّ وَّرَ هو المخيَّر، فمن ثَمَّ قال أبو سعيد: فكان أبو بكر أعلمنا به. والله الهادي إلى الصواب. ١٥ - باب الاغتباط في العلم والحكمة وقال عمرُ: تَفقَّهُوا قبلَ أنْ نُسَوَّدُوا. قال أبو عبد الله: وبعدَ أنْ تُسَوَّدُوا، وقد تَعَلَّمَ أصحاب النبيِّ ◌َّ في کِیَرِ بِنُّهم. ٣٥٠ باب ١٥ / ح ٧٣ فتح الباري بشرح البخاري ٧٣- حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ على غیرِ ما حدَّثَناه الزُّهْريُّ، قال: سمعتُ قيسَ بنَ أبي حازِمٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالاً فسُلِّطَ على هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الله الحِكْمةَ فهو يَقْضي بها ويُعلِّمُها)). [أطرافه في: ١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦] قوله: ((باب الاغتباط في العلم)) هو بالغين المعجمة. ١٦٦/١ قوله: ((في العلم والحِكْمة)) فيه نظير ما ذكرنا في قوله: ((بالموعظة والعلم)) (١)، لكنَّ هذا عكس ذاك، أو هو من العَطْف التفسيري إنْ قلنا: إنَّما مُترادفان. قوله: ((وقال عمر: تفقَّهوا قبل أنْ تُسَوَّدوا)) هو بضم المثنَّة وفتح المهملة وتشديد الواو، أي: تُجُعَلوا سادةً. زاد الكُشْمِيهَني في روايته: قال أبو عبد الله - أي: البخاري -: وبعدَ أنْ تُسَوَّدوا ۔ إلى قوله: سِنّهم. أمَّا أثر عمر فأخرجه ابن أبي شيبة (٧٢٨/٨ -٧٢٩) وغيره من طريق محمد بن سيرين عن الأحنَف بن قيس قال: قال عمر ... فذكره، وإسناده صحيح، وإنَّما عَقَّبَه البخاري بقوله: ((وبعد أنْ تُسَوَّدوا)) ليُبيِّنَ أنْ لا مفهوم له خَشْبةَ أنْ يَفهَم أحد من ذلك أنَّ السّيادة مانعة من التفَقُّه، وإنَّما أراد عمر أنها قد تكون سبباً للمنع، لأنَّ الرَّئيس قد يمنعه الکثْر والاحتشام أنْ يَجلِس مجلس المتعلِّمين، ولهذا قال مالك: من عَيْب القضاء أنَّ القاضي إذا عُزِلَ لا يَرْجِع إلى مجلسه الذي كان يتعلَّم فيه. وقال الشافعي: إذا تَصَدَّرَ الْحَدَثُ، فاتَه عِلْم کثیر. وقد فسَّرَه أبو عُبيد في كتابه ((غريب الحديث)) فقال: معناه: تفقّهوا وأنتم صغار، قبل أنْ تصيروا سادة فتمنعُكم الأَنَفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم فتَبقُوا جُهّالاً. وفَسَّرَه شَمِر اللُّغَوي بالتزوُّج، فإِنَّه إذا تزوَّج صار سيِّد أهله، ولا سيَّما إنْ وُلِدَ له. (١) في الباب السالف برقم (١١). ٣٥١ باب ١٥ / ح ٧٣ كتاب العلم وقيل: أراد عمر الكَفَّ عن طلب الرِّياسة لأنَّ الذي يتفقَّه يعرف ما فيها من الغَوائل فيجتَنِبها. وهو حمل بعید. والمراد بقوله: ((تُسَوَّدوا)): السِّيادة، وهي أعم من التزويج، ولا وجه لمن خَصَّصَه بذلك، لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة لأصحابها عن الاشتِغال بالعلم. وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أنْ يكون من السَّواد في اللِّحْية، فيكون أمراً للشابِّ بالتفَقُّه قبل أنْ تَسْودَّ لحيته، أو أمراً للكَهْلِ قبل أنْ يتحوَّل سواد اللِّحْية إلى الشَّيْب، ولا يخفى تكلُّفه. وقال ابن المنيِر: مطابقة قول عمر للترجمة أنه جعل السّيادة من ثَمَرات العلم، وأوصى الطالب باغتنام الزّيادة قبل بلوغ درجة السّيادة، وذلك يُحقِّق استحقاق العلم بأنْ يُغْبَط صاحبه، فإنَّه سبب لسیادتِه. کذا قال. والذي يَظْهر لي أنَّ مراد البخاري: أنَّ الرِّياسة وإنْ كانت ممّا يُغبَط بها صاحبها في العادة، لكنَّ الحديث دلَّ على أنَّ الغِبْطة لا تكون إلَّا بأحدٍ أمرين: العلم، أو الجود، ولا يكون الجود محموداً إلَّا إذا كان بعِلْم، فكأنه يقول: تَعَلَّموا قبل حصول الرّياسة لتُغْبَطوا إذا غُبِطْتُم بحقِّ. ويقول أيضاً: إنْ تَعَجَّلْتُم الرّياسة التي من عادتها أنْ تمنع صاحبها من طلب العلم فاترُكوا تلك العادة وتَعَلَّموا العلم لتَحصُل لكم الغِبْطة الحقيقيّة. ومعنى الغِبْطة: تمنِّي المَرْء أنْ يكون له نظير ما للآخرِ من غير أنْ يزول عنه، وهو المراد بالْحَسَدِ الذي أُطلِقَ في الخبر كما سنبيِّنْه. قوله: ((حذَّثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدَّثَناه الزُّهْري)) يعني أنَّ الزّهْري حدَّث سفيان بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدَّثه به إسماعيل، ورواية سفيان عن الزُّهْري أخرجها المصنِّف في التوحيد (٧٥٢٩) عن علي بن عبد الله عنه قال: قال الزُّهْري عن سالم، ورواها مسلم (٨١٥) عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عُيَينة قال: حدَّثنا الزُّهْري عن سالم عن أبيه. ساقه مسلم تامّاً، واختصره البخاري. وأخرجه البخاري أيضاً تامّاً في فضائل القرآن (٥٠٢٥) من طريق شعيب عن الزُّهْري حدَّثني سالم بن عبد الله بن عمر، ٣٥٢ باب ١٥ / ح ٧٣ فتح الباري بشرح البخاري فذكره. وسنذكر ما تَّخالفتْ فيه الروايات بعدُ إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال: سمعت)) القائل هو إسماعيل على ما حَرَّرْناه. قوله: ((لا حَسَدَ)) الحَسَد: تمنِّي زوال النِّعْمة عن المُنعَم عليه، وخَصَّه بعضهم بأنْ يتمنَّى ذلك لنَّفْسِه، والحق أنه أعم، وسببه أنَّ الطّباع مجبولة على حُب الترفَع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحبّ أنْ يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه، أو مُطلَقاً ليساويه. وصاحبه مذموم إذا عَمِلَ بمُقتَضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي لمن خَطَرَ له ذلك أنْ ١٦٧/١ يَكْرَهه كما يَكْرَه ما وُضِعَ في طَبْعه من حُب / المنهيَّات. واستَثْنَوْا من ذلك ما إذا كانت النِّعْمة لكافرٍ أو فاسق يَستَعين بها على معاصي الله تعالى، فهذا حُكْم الحَسَد بحَسَبٍ حقيقته. وأمَّا الحَسَد المذكور في الحديث فهو الغِبْطة، وأطلق الحَسَد عليها مجازاً، وهي أنْ يتمنَّى أنْ يكون له مِثلُ ما لغيره من غير أنْ يزول عنه، والحِرْص على هذا يُسمَّى مُنافَسة، فإِنْ کان في الطاعة فهو محمود، ومنه: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وإنْ كان في المعصية فهو مذموم، ومنه: ((ولا تَنافَسوا))(١)، وإنْ كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غِبْطة أعظم - أو أفضل - من الغِبْطة في هذين الأمرين. ووجه الحَضْر أنَّ الطاعات إمَّا بدنيَّة أو ماليّة أو كائنة عنهما، وقد أشار إلى البدنيَّة بإتيان الحِكْمة والقضاء بها وتعليمها، ولفظ حديث ابن عمر: ((رجل آتاه الله القرآنَ فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار))، والمراد بالقيام به العمل به مُطلَقاً، أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها ومن تعليمه، والحُكْم والفَتْوى بمقتضاه، فلا تَخالُف بين لفظَي الحديثين. ولأحمد (١٦٩٦٦) من حديث يزيد بن الأخنَس السُّلَمي: ((رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ويَنَّبع ما فيه)). ويجوز حمل الحَسَد في الحديث على حقيقته على أنَّ الاستثناء مُنقطِعٍ، والتقدير: نفي الحَسَد مُطلَقاً، لكن هاتان الخَصْلتان محمودتان، ولا حَسَدَ فيهما، فلا حَسَدَ أصلاً. (١) أخرجه مسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة. ٣٥٣ باب ١٥ / ح ٧٣ كتاب العلم قوله: ((إلَّا في اثنتينٍ)) كذا في مُعظَم الروايات: ((اثنتين)) بتاءِ التأنيث، أي: لا حَسَدَ محمود في شيء إلَّا في خَصْلتَين، وعلى هذا فقوله: ((رجل)) بالرفع، والتقدير: خَصْلةُ رجل، حُذِفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وللمصنِّف في الاعتصام (٧٣١٦): ((إلَّا في اثنَين))(١)، وعلى هذا فقوله: ((رجل)) بالخَفْض على البدليَّة، أي: خَصْلةِ رجلَين، ويجوز النصب بإضمار ((أعني)) وهي رواية ابن ماجَهْ (٤٢٠٨)(٢). قوله: ((مالاً)) نَكَّرَه ليشمل القليل والكثير. قوله: ((فسُلِّطَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين: ((فسَلَّطَه))، وعَبَّر بالتسليط لدلالتِهِ على قَهْر النفس المجبولة على الشُّح. قوله: ((هَلَكَته)) بفتح اللام والكاف، أي: إهلاكه، وعَبَّر بذلك ليدل على أنه لا يُبْقي منه شيئاً، وكمله بقوله: ((في الحق)) أي: في الطاعات ليُزيلَ عنه إيهام الإسراف المذموم. قوله: ((الحِكْمة)) اللام للعَهْد، لأنَّ المراد بها القرآن على ما أشرنا إليه قبل، وقيل: المراد بالِحِكْمة كل ما مَنَعَ من الجَهْل وزَجَرَ عن القبيح. فائدة: زاد أبو هريرة في هذا الحديث ما يدل على أنَّ المراد بالحَسَدِ المذكور هنا الغِبْطة كما ذكرناه، ولفظه: «فقال رجل: لَيْتَني أوتيت مِثل ما أوتي فلان، فعَمِلْتُ مِثل ما يعمل)) أورده المصنِّف في فضائل القرآن (٥٠٢٦). وعند التِّرمِذي (٢٣٢٥) من حديث أبي كَبْشة الأنماري - بفتح الهمزة وإسكان النون - أنه سمع رسول الله وَله يقول ... فذكر حديثاً طويلاً فيه استواء العامل في المال بالحقِّ والمتمنِّي في الأجر، ولفظه: ((وعبد رَزَقَه الله عِلْماً ولم يَرْزُقه مالاً، فهو صادق النيّة يقول: لو أنَّ لي مالاً لَعَمِلْت مِثلَ ما يعمل فلان، فأجرُهما سواء))، وذكر في ضدّهما: ((أنهما في الوِزْر سواء)) وقال فيه: حديث حسن صحيح، والله أعلم(٣). (١) كذا قال، والرواية في الاعتصام: ((اثنتين)) بالتاء بلا خلاف بين الرواة كما في اليونينية! (٢) نسخ ابن ماجه التي بين أيدينا ليس فيها رواية النصب، والله تعالى أعلم. (٣) وانظر تمام تخريج حديث أبي كبشة والكلام عليه في ((مسند أحمد)) (١٨٠٢٤) و(١٨٠٣١)، وهو حديث حسن. ٣٥٤ باب ١٦ / ح ٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وإطلاق كَوْنهما سواءً يردّ على الخطَّابي في جَزْمه بأنَّ الحديث يدل على أنَّ الغني إذا قام بشروطِ المال كان أفضل من الفقير. نعم يكون أفضل بالنِّسبة إلى مَن أعرَضَ ولم يتمَنَّ، لكنَّ الأفضليَّة المستفادة منه هي بالنّسبة إلى هذه الخَصْلة فقط لا مُطلَقاً. وسيكون لنا عَوْدة إلى البحث في هذه المسألة في حديث: ((الطاعم الشاكر كالصائم الصابر)) حيثُ ذكره المؤلِّف في كتاب الأطعمة(١) إن شاء الله تعالى. ١٦ - باب ما ذُكِرٍ في ذهاب موسى وَّه في البحر إلى الخَضِر وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ﴾ الآية [الكهف: ٦٦]. ١٦٨/١ ٧٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ غُرَيْرِ الزُّهْريُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني أَبي، عن صالح، عن ابن شِهابٍ حَدَّثَه: أنَّ عُبيد الله بنَ عبدِ الله أخبره عن ابن عبّاس: أنَّه تَارَى هو والحُرُّ بنُ قيسٍ بنِ حِصْنِ الفَزَاريُّ في صاحبٍ موسى، قال ابنُ عبَّاس: هو خَضِرٌ، فمَرَّ بهما أُبُّ بِنُ كَعْبٍ، فَدَعَاه ابنُ عبّاس، فقال: إني تَمَارَيْتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبٍ موسى الذي سأل موسى السَّبِيلَ إلى لُفِيِّه، هل سمعتَ النبيَّ ◌َهِ يَذْكُرُ شأنَه؟ قال: نعم سمعتُ رسولَ الله رَّ يقول: ((بينما موسى في مَلإٍ من بني إسرائيلَ جاءَه رجلٌ فقال: هل تَعْلَمُ أحداً أعلَمَ منكَ؟ قال موسى: لا، فأوحَى الله عزَّ وجلَّ إلى موسى: بَلَى، عَبْدُنا خَضِرٌ، فسأل موسى السَّبِيلَ إليه، فجعل الله له الحُوتَ آيَةً، وقِيلَ له: إذا فقَدْتَ الحُوتَ فارجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقَاه، فكانَ يَتَبعُ أَثَرَ الحُوتِ في البحر، فقال لموسى فتاهُ: ﴿ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا عَلَىَّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] فوَجَدا خَضِراً، فكان من شأنِهما الذي قَصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابه)). [أطرافه في: ٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨] قوله: ((باب ما ذُكِرَ في ذهاب موسى في البحر إلى الخَضِر)» هذا الباب معقود للتّرْغیب في احتمال المَشَقّة في طلب العلم، لأنَّ ما يُغْتَبَط به تُحْتَمل المَشَقّة فيه، ولأنَّ موسى عليه (١) باب رقم (٥٦) منه. ٣٥٥ باب ١٦ / ح ٧٤ كتاب العلم الصلاة والسلام لم يمنعه بلوغُه من السّيادة المحلّ الأعلى من طلب العلم ورُكوب البَرَ والبحر لأجلِه، فظهر بهذا مناسبة هذا الباب لما قبله. وظاهر التبويب أنَّ موسى رَكِبَ البحر لمَّا تَوَجَّهَ في طلب الخَضِرِ، وفيه نظر، لأنَّ الذي ثبت عند المصنّف وغيره أنه خرج في البَرَ، وسيأتي (٣٤٠١) بلفظ: ((فخَرَجا يمشيان))، وفي لفظ لأحمد (٢١١١٤): ((حتَّى أَتَيَا الصخْرة))(١)، وإنَّما رَكِبَ البحر في السفينة هو والخَضِر بعد أنِ الْتَقَيا، فيُحمل قوله: ((إلى الخَضِر)) على أنَّ فيه حذفاً، أي: إلى مَقصِد الخَضِر، لأنَّ موسى لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنَّما رَكِبَه تَبَعاً للخَضِر، ويحتمل أنْ يكون التقدير: ذهاب موسى في ساحل البحر، فيكون فيه حذف، ويُمكِن أنْ يقال: مقصود الذَّهاب إنَّا حصل بتمام القصّة، ومن تمامها أنه رَكِبَ معه البحر، فأطلق على جميعها ذهاباً مجازاً، إمَّا من إطلاق الكل على البعض، أو من تسمية السبب باسم ما تَسَبَّبَ عنه. وحمله ابن المنيِّرِ على أنَّ ((إلى)) بمعنى: مع. وقال ابن رُشَيد: يحتمل أنْ يكون ثبت عند البخاري أنَّ موسى تَوَجَّهَ في البحر لمَّا طلبَ الخَضِر. قلت: لعلَّه قويَ عنده أحد الاحتمالَينِ في قوله: ((فكان يَتَبعُ أثر الحوت في البحر)) فالظَّرْف يحتمل أنْ يكون لموسى، ويحتمل أنْ يكون للحوت، ويؤيِّد الأوَّل ما جاءَ عن أبي العالية وغيره، فروى عبد بن حُميدٍ عن أبي العالية: أنَّ موسى الْتَقَى بالخَضِرِ في جزيرة من جزائر البحر. انتهى، والتوصُّل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلَّا بسُلوكِ البحر غالباً. وعنده أيضاً من طريق الرَّبيع بن أنس قال: انجاب الماءُ، عن مَسْلَك الحوت، فصار طاقة مفتوحة فدخلها موسى على أثر الحوت حتَّى انتهى إلى الخَضِر. فهذا يُوضح أنه رَكِبَ البحر إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات. قوله: ((الآيةَ)) هو بالنصب بتقدير: فذَكَر الآيةَ، على المفعولیة، وقد ذكر الأصيلي في روايته (١) وقع للحافظ رحمه الله في عزو هذا اللفظ وهمان: الأول: أنه لأحمد، والصواب أنه لابنه عبد الله، فهو من زياداته على مسند أبيه. الثاني: عزوه للمسند وهو في ((صحيح البخاري)) أيضاً، وهو في الرواية المشار إليها قبلُ برقم (٣٤٠١). ٣٥٦ باب ١٦ / ح ٧٤ فتح الباري بشرح البخاري باقي الآية وهي قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، وفي تفسير عطاءِ الخراساني: أن الحوت لما دخل البحر اتبع موسى أثره حتى وَجَد الخضر، ويقوي الحمل على هذا أن المصنف إنما أشار بالترجمة إليه كونه عبَّر بقوله: ما ذُكر، فأتى بصيغة التمريض التي يُعبَّر بها عما فيه نظر، وهذا أليق بتصرفه(١). قوله: (حدثنا) وللأصيليّ: «حدَّثني)» بالإفراد. قوله: ((غُرَيْر)) تقدَّم في المقدِّمة أنه بالغين المعجمة مصغّراً، ومحمد وشيخه وأبوه إبراهيم ١٦٩/١ ابن سعد زُهْریّون، و کذا/ ابن شهاب شیخ صالح: وهو ابن کَیْسان. قوله: ((حَدَّثَه)) للكُشْمِيهَني: ((حدَّث)) بغير هاء، وهو محمول على السَّماع لأنَّ صالحاً غير مُدلِّس. قوله: «تَماری) أي: نَجادل. قوله: ((والحُرّ)) هو بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين، وهو صحابي مشهور ذكره ابن السَّكن وغيره، وله ذِكْر عند المصنّف أيضاً (٤٦٤٢) في قِصَّة له مع عمر قال فيها: وكان الحُر من النَّفَر الذین یُدنیھم عمر، يعني لفضلهم. قوله: «قال ابن عبّاس: هو خضِر)» لم یذُر ما قال الخر بن قيس، ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث. وخَضِر: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ثبتت بهما الرواية، وبإثبات الألف واللام فیه، وبحذفهما. وهذا التماري الذي وقع بين ابن عبّاس واڅُر غیر التماري الذي وقع بین سعيد بن جُبير ونَوْف الِگالي، فإنَّ هذا في صاحب موسى هل هو الخضِر أو غيره، وذاكَ في موسی هل هو موسى بن عِمْران الذي أُنزِلَتْ عليه التوراة أو موسى بن مِيشا، بكسر الميم وسكون التَّحتانية بعدها مُعجَمة. وسياق سعيد بن جُبَير للحديث عن ابن عبّاس أتم من سياق عُبيد الله بن (١) من قوله: ((وفي تفسير عطاء)) إلى هنا من (ع) فقط. ٣٥٧ باب ١٦ / ح ٧٤ كتاب العلم عبد الله بن عُتْبة لهذا بشيءٍ كثير، وسيأتي ذِكْر ذلك مُفَصلاً في كتاب التفسير (٤٧٢٥) إن شاء الله تعالى. ويقال: إنَّ اسم الخَضِرِ بَلْيا بموخَّدةٍ ولام ساكنة ثمَّ تحتانيَّة، وسيأتي في أحاديث الأنبياء(١) النَّقْل عن سبب تَلْقيبه بالخَضِر، وسيأتي نَقْل الخلاف في نَسَبه، وهل هو رسول أو نبي فقط أو ملك ۔ بفتح اللام- أو وليّ فقط، وهل هو باقٍ أو مات. قوله: ((فَدَعَاه)) أي: ناداه. وذكر ابن التِّين أنَّ فيه حذفاً والتقدير: فقام إليه فسأله، لأنَّ المعروف عن ابن عبّاس التأذُّب مع مَن يأخذ عنه، وأخباره في ذلك شهيرة. قوله: ((إذْ جاءَ رجل)) لم أقفْ على تسميته. قوله: ((بلی عَبْدُنا)) أي: هو أعلم، وللگُشْمِیھني: ((بل)) بإسكان اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه لا تُطْلِقِ النَّفي بل قُل: خَضِر. وإنَّما قال: عبدنا - وإنْ كان السِّياق يقتضي أنْ يقول: عبد الله - لكَوْنه أورده على طريق الحكاية عن الله سبحانه وتعالى، والإضافة فيه للتعظيم. قوله: ((يَتَّبع أثَر الحوت في البحر)) في هذا السِّياق اختصار يأتي بيانه عند شرحه إن شاء الله تعالى. قوله: ((ما كَّا نَبْغ)) أي: نَطْلُب، لأَنَّ فَقْدَ الحوت جُعِلَ آية، أي: علامة على الموضع الذي فيه اخضر. وفي الحديث جواز التجادُل في العلم إذا كان بغير تَعَنُّت، والرُّجوع إلى أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، ورُكوب البحر في طلب العلم بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعيَّة حمل الزّاد في السَّفَر، ولزوم التواضُع في كل حال، ولهذا حَرَصَ موسى على الالتقاء بالخَضِر عليهما السلام وطلب التعلَّم منه تعليماً لقومِه أنْ يتأدَّبوا بأدبه، وتنبيهاً لمن زَكَّى نفسَه أنْ يَسلُك مَسْلَك التواضُع. (١) في الباب رقم (٢٧): باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، بين يدي الحديث (٣٤٠٠). ٣٥٨ باب ١٧ / ح ٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٧ - باب قول النبيِّ وَّ: ((اللهمَّ عَلِّمْه الكتاب)) ٧٥ - حدَّثنا أبو مَعمَر، قال: حدّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عبَّاس قال: ضمَّني رسولُ اللهَوَّةٍ وقال: ((اللهمَّ عَلِّمْه الكتابَ)). [أطرافه في: ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠] قوله: ((باب قول النبي وَّ: اللهمَّ عَلَّمْه الكتاب)) استعمل لفظ الحديث ترجمة تمسُّكاً بأنَّ ذلك لا يختصُّ جوازه بابن عبّاس، والضمير على هذا لغير مذكور، ويحتمل أنْ يكون لابن عبّاس نَفْسه لتقدُّم ذِكْره في الحديث الذي قبلَه، إشارة إلى أنَّ الذي وقع لابن عبّاس من غَلَبَتَه للحُرِّ بن قيس إنَّما كان بدُعاءِ النبي ◌ِّ له. قوله: ((حدَّثنا أبو مَعمَر)) هو عبد الله بن عَمْرو بن أبي الحجّاج المعروف بالمُفْعَد البصري. قوله: ((حدَّثنا خالد)) هو ابن مِهْران الحَذّاء. ١٧٠/١ قوله: ((ضمَّني رسول الله ◌ِّ) زاد المصنّف في فضل ابن عبَّاس (٣٧٥٦) عن مُسدَّد عن عبد الوارث: ((إلى صَدْره)) وكان ابن عبّاس إذْ ذاكَ غُلاماً مُميِّزاً، فيستفاد منه جواز احتضان الصبي القريب على سبيل الشَّفَقة. قوله: ((عَلِّمْه الكتاب)) بيَّن المصنِّف في كتاب الطَّهارة (١٤٣) من طريق عُبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس سبب هذا الدُّعاء ولفظه: دخل النبي وَِّ الخَلاء فوضعتُ له وَضوءاً - زاد مسلم (٢٤٧٧): فلمَّا خرج، ثم اتفقا (١) - قال: ((مَن وضَعَ هذا؟)) فأُخبِرٍ، ولمسلم: قالوا: ابن عبّاس، ولأحمد (٣٠٣٢) وابن حِبَّان (٧٠٥٥) من طريق سعيد بن جُبَير عنه: أنَّ ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وأنَّ ذلك كان في بيتها ليلاً، ولعلَّ ذلك كان في الليلة التي باتَ ابن عبّاس فيها عندها ليرى صلاة النبي وَّر كما سيأتي في موضعه (١١٧) إن شاء الله تعالى. (١) قوله: ((ثم اتفقا)) سقط من (س). ٣٥٩ باب ١٧ / ح ٧٥ كتاب العلم وقد أخرج أحمد (٣٠٦٠) من طريق عَمْرو بن دينار، عن كُرَيب، عن ابن عبّاس في قيامه خَلْف النبي ◌َّ في صلاة الليل وفيه: ((فقال لي: ما بالك؟ أجعلك حِذائي فَتَخْلُفني(١). فقلت: أوَ ينبغي لأحدٍ أنْ يُصلّيَ حِذاءَك وأنتَ رسول الله؟ فقال: فدَعالي أنْ يزيدني الله فَهْماً وعِلْمً». والمراد بالكتاب القرآن لأنَّ العُرْف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعمُّ من حِفْظه والتفهُّم فيه. ووقع في رواية مُسدَّد (٣٧٥٦): ((الحِكْمة)) بدل: الكتاب، وذكر الإسماعيلي أنَّ ذلك هو الثابت في الطرق كلّها عن خالد الحَذّاء، كذا قال وفيه نظر، لأنَّ المصنّف أخرجه أيضاً (٧٢٧٠) من حديث وُهَيب عن خالد بلفظ: ((الكتاب)) أيضاً، فيُحمل على أنَّ المراد بالحِكْمة أيضاً القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى. وللنَّسائي (٨١٧٨) والتِّرمِذي (٣٨٢٣) من طريق عطاء، عن ابن عبّاس قال: دَعا لي رسول الله وَل﴿ أَنْ أوتَى الحِكْمة مرتين. فيحتمل تعدُّد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحِكْمة: السُّنّة. ويؤيِّده أنَّ في رواية عُبيد الله بن أبي يزيد التي قدَّمناها عند الشيخين(٢): ((اللهمَّ فقِّهْه في الدّين)) لكن لم يقع عند مسلم: «في الدّين». وذكر الحميدي في ((الجمع)): أنَّ أبا مسعود ذكره في ((أطراف الصحيحين)) بلفظ: ((اللهمَّ فقِّهْه في الدّين، وعَلِّمْه التأويل)) قال الحُميدي: وهذه الزِّيادة ليست في ((الصحيحين)). قلت: وهو كما قال، نعم هي في رواية سعيد بن جُبَير التي قدَّمناها عند أحمد وابن حِبَّان والطبرانيّ(٣) (١٢٥٠٦)، ورواها ابن سعد (٣٦٥/٢) من وجه آخر عن عِكْرمة مُرسَلاً. وأخرج البَغَويُّ في ((مُعجَم الصحابة)) من طريق زيد بن أسلمَ عن ابن عمر: كان عمر يدعو ابن عبّاس ويُقرِّبه ويقول: إني رأيت رسول الله ◌َ لَ دَعاك يوماً فمَسَحَ رأسك وقال: (١) عند أحمد: ((فتخنس)) من هذا الطريق. (٢) البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧). (٣) قوله: الطبراني سقط من الأصل. ٣٦٠ باب ١٨ / ح ٧٦ فتح الباري بشرح البخاري ((اللهمَّ فقِّهْه في الدّين، وعَلِّمْه التأويل)). ووقع في بعض نسخ ابن ماجَهْ (١٦٦) من طريق عبد الوهّاب الثَّقَفي عن خالد الخَذّاء في حديث الباب بلفظ: ((اللهمَّ عَلِّمْه الحِكْمة وتأويل الكتاب)) وهذه الزّيادة مُستَغْرَبة من هذا الوجه، فقد رواه التِّرمِذي (٣٨٢٤) والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهّاب بدونها، وقد وجدتها عند ابن سعد (٢/ ٣٦٥) من وجه آخر عن طاووسٍ عن ابن عبَّاس قال: دَعاني رسول اللهِوَ ﴿ فَمَسَحَ على ناصيَتَي وقال: ((اللهمَّ عَلِّمْه الحِكْمة وتأويل الكتاب)). وقد رواه أحمد (١٨٤٠) عن هُشَيْم عن خالد في حديث الباب بلفظ: ((مَسَحَ على رأسي)». وهذه الدَّعْوة ممّا تَحَقَّقَ إجابةُ النبيِّل فيها، لما عُلِمَ من حال ابن عبّاس في معرفة التفسير والفقه في الدّين ﴾. واختلفَ الشُّراح في المراد بالحِكْمة هنا فقيل: القرآن كما تقدَّم، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنّة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخَشْية، وقيل: الفَهْم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يَشْهَد العقل بصِحَتِه، وقيل: نور يُفرَّق به بين الإلهام والوَسْواس، وقيل: سُرْعة الجواب مع الإصابة. وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، والأقرب أنَّ المراد بها في حديث ابن عبّاس: الفَهْم في القرآن، وسيأتي مزيد لذلك في المناقب (٣٧٥٦) إن شاء الله تعالى. ١٨ - باب متى يصحُّ سماع الصغير ١٧١/١ ٧٦- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُنْبةَ، عن عبدِ الله بنِ عِبَّاس قال: أقبلتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ وأنا يومَئذٍ قد ناهَزْتُ الاحتلامَ، ررسولُ الله ◌َِّ يُصلّى بِمِنّى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ وأرسَلْتُ الأَانَ تَرتَعُ، ودخلتُ في الصَّفِّ فلم يُكِرْ ذلكَ عليَّ أَحدٌ. [أطرافه في: ٤٩٣، ٨٦١، ٤٤١٢،١٨٥٧]