Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ٢ / ح ٥٩
كتاب العلم
قلت: والذي يَظْهر لي أنَّ هذا محلّه حيثُ لا يُورِد فيه آية أو أثراً، أمَّا إذا أورد آية أو أثراً
فهو إشارة منه إلى ما وَرَدَ في تفسير تلك الآية، وأنه لم يَثْبُت فيه شيء على شرطه، وما دَلَّتْ
عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أنَّ الأثر الوارد في ذلك يَقْوى به طريق المرفوع وإنْ لم يصل
في القوّة إلی شرطه.
والأحاديث في فضل العلم كثيرة، صَحَّحَ مسلم منها حديث أبي هريرة (٢٦٩٩)
رفعه: ((مَن الْتَمَسَ طريقاً يَلتِمِس فيه عِلْماً، سَهَّلَ الله له طريقاً إلى الجنَّة)). ولم يُخُرِّجه
البخاري لأنه اختُلِفَ فيه على الأعمش، والراجح أنه بينه وبين أبي صالح فيه واسطة،
والله أعلم.
٢ - باب مَن سُئِل عِلماً وهو مشتغلٌ في حديثه فأتمَّ الحديثَ
ثم أجاب السائل
٥٩- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِناٍ، قال: حدَّثْنَا فُلِيحٌ (ح) وحدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال:
حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُليح، قال: حدَّثني أَبي، قال: حدَّثني هِلالُ بنُ عليٍّ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن
أبي هُرَيرةَ قال: بينما النبيُّ نَّه في تَجْلِسِ يُحدِّثُ القومَ جاءَه أعرابٌّ فقال: متى السّاعةُ؟ فَمَضَى
رسولُ اللهِ وَلَهِ يُحدِّثُه، فقال بعضُ القوم: سَمِعَ ما قال فَكَرِهَ ما قال، وقال بعضُهم: بل لم
يسمعْ، حتَّى إذا قَضَى حديثَه قال: ((أينَ - أُراه - السّائلُ عن السّاعةِ؟)) قال: ها أنا يا رسولَ الله،
قال: ((فإذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتَظِرِ السّاعةَ)) قال: كيفَ إضاعتُها؟ قال: ((إذا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ
أهلِهِ، فانتَظِرِ السّاعةَ)).
[طرفه في: ٦٤٩٦]
قوله: ((باب مَن سُئِلَ عِلماً وهو مُشتغِل)) مُحُصَّله التنبيه على أدب العالم والمتعلُّم، أمَّا العالم ١٤٢/١
فِلِما تضمَّنه من ترك زَجْر السائل، بل أدَّبَه بالإعراض عنه أوَّلاً حتَّى استوفَى ما كان فيه،
ثمَّ رجع إلى جوابه فَرَفَقَ به لأنه من الأعراب وهم جُفاة، وفيه العناية بجواب سؤال
السائل ولو لم يكنِ السؤال مُتعيِّناً ولا الجواب. وأمَّا المتعلِّم فلِما تضمَّنه من أدب السائل

٣٠٢
باب ٢ / ح ٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
أنْ لا يسأل العالمَ وهو مُشتغِل بغيره لأنَّ حق الأوَّل مُقدَّم.
ويُؤخَذ منه أخذ الدُّروس على السَّبْق، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها.
وفيه مُراجَعة العالم إذا لم يَفْهَم ما يُحيب به حتَّى يَتَّضِح، لقوله: ((كيف إضاعتها؟»،
وبَوَّبَ عليه ابن حِبَّان(١): ((إباحة إعفاء المسؤول عن الإجابة على الفَوْر))، ولكنَّ سياق
القِصَّة يدل على أنَّ ذلك ليس على الإطلاق.
وفيه إشارة إلى أنَّ العلم سؤال وجواب، ومن ثَمَّ قيل: حُسْن السؤال نصف العلم،
وقد أخذ بظاهر هذه القِصَّة مالك وأحمد وغيرهما في الخُطْبة فقالوا: لا يَقْطَع الخُطْبة لسؤال
سائل، بل إذا فَرَغَ يجيبه. وفَصَّلَ الجمهور بين أنْ يقع ذلك في أثناء واجباتها فيُؤَخِّر
الجواب، أو في غير الواجبات فيُجيب.
والأَولى حينئذٍ التفصيل، فإنْ كان ممَّا يُهتَمُّ به في أمر الدّين، ولا سيّما إن اختَصَّ بالسائل،
فُيُستَحب إجابته ثمَّ يُتِم الخُطْبة، وكذا بين الخُطْبة والصلاة، وإنْ كان بخلاف ذلك فيُؤَخَّر،
وكذا قد يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديمَ الجواب، لكن إذا أجاب استأنَفَ على
الأصح، ويُؤخَذ ذلك كلّه من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك، فإنْ كان السؤال من
الأُمور التي ليست معرفتها على الفَوْر مُهمّة، فيُؤَخَّر كما في هذا الحديث، ولا سيّما إنْ كان
تركِ السؤال عن ذلك أولى. وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأُقيمت الصلاة، فلمَّا
فَرَغَ من الصلاة قال: ((أين السائل؟)) فأجابه. أخرجاه(٢).
وإنْ كان السائل به ضرورة ناجزة فتُقدَّم إجابته، كما في حديث أبي رِفاعة عند مسلم
(٨٧٦) أنه قال للنبيِّ وَله وهو تخطُب: رجل غريب لا يدري دینَه جاءً يسأل عن دینه،
(١) في «صحيحه)) ١/ ٣٠٧.
(٢) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، فهذه الرواية ليست في ((الصحيحين))، إنما هي عند أحمد في («مسنده))
(١٢٠١٣) والترمذي في «سننه» (٢٣٨٥) من حديث أنس بن مالك.
وأصل الحديث في ((الصحيحين)): البخاري (٣٦٨٨) ومسلم (٢٦٣٩)، وليس فيه تأخير الجواب إلى
ما بعد الصلاة.

٣٠٣
باب ٢ / ح ٥٩
كتاب العلم
فترك خُطْبَته وأتى بكُرْسِيٍّ فقَعَدَ عليه فجعل يُعلِّمِه، ثمَّ أتى خُطْبَتَه فأتمَّ آخرها. وكما في
حديث سَمُرة عند أحمد (٢٠٢٠٩): أنَّ أعرابيّاً سأل النبي ◌ِّر عن الضَّب. وكما في
((الصحيحين))(١) في قِصَّة سُليكٍ(٢) لمَّا دخل المسجد والنبي ◌َِّ يَخْطُب فقال له: ((أصَلَّيت
رَكْعَتَينٍ؟)) الحديث، وسيأتي في الجمعة (٩٣٠). وفي حديث أنس: كانت الصلاة تُقام
فيَعرِض الرجل فيُحدِّث النبيَِّ حتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بعض القوم، ثمَّ يدخل في الصلاة(٣)،
وفي بعض طرقه وقوع ذلك بين الخُطْبة والصلاة.
قوله: ((فُليح)) بصيغة التصغير: هو ابن سليمان أبو يحيى المدني، من طبقة مالك وهو
صَدُوق، تكلّم بعض الأئمَّة في حِفْظه، ولم يُخُرِّج البخاري من حديثه في الأحكام إلَّا ما
توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده وهذا منها. وإنَّا
أورده عالياً عن فُليح بواسطة محمد بن سِنان فقط، ثمَّ أورده نازِلاً بواسطة محمد بن فُليح
وإبراهيم بن المنذر عن محمد لأنه أورده في كتاب الرِّقاق (٦٤٩٦) عن محمد بن سِنان فقط،
فأراد أنْ يعيد هنا طريقاً أُخرى، ولأجلِ نزولها قَرَنها بالرواية الأُخرى.
وهلال بن علي يقال له: هلال بن أبي ميمونة/ وهلال بن أبي هلال، فقد يُظَن ثلاثةً وهو ١٤٣/١
واحد، وهو من صغار التابعين، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم.
قوله: ((يُحدِّث)) هو خبر المبتدأ وخُذِفَ مفعوله الثاني لدلالة السِّياق عليه. والقوم:
الرجال، وقد يدخل فيه النساء تَبَعاً.
قوله: ((جاءَه أعرابي)) لم أقف على تسميته.
قوله: ((فَمَضَى)) أي: استمرَّ ((يُحدِّثه)) كذا في رواية المُستَمْلِي والحَمُّوِي بزيادة هاء،
وليست في رواية الباقين، وإن ثبتت فالمعنى مُحدِّث القوم الحديث الذي كان فيه، ولیس
(١) سيأتي برقم (٩٣٠) و(٩٣١)، وأخرجه مسلم (٨٧٥) (٥٨).
(٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: سالم.
(٣) سيأتي نحوه برقم (٦٢٩٢)، وأخرجه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠١) و(٥٤٢) و(٥٤٤)، والترمذي
(٥١٨)، والنسائي (٧٩١). وهو في ((مسند أحمد)) (١٢٦٤٢). وانظر ما سيأتي (٦٤٢) و(٦٤٣).

٣٠٤
باب ٢ / ح ٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
الضمير عائداً على الأعرابي.
قوله: ((فقال بعض القوم: سَمِعَ ما قال)) إنَّما حصل لهم التردُّد في ذلك لما ظهر من عدم
الْتِفات النبيِ وَ له إلى سؤاله وإصغائه نحوه، ولكَوْنه كان يَكْرَه السؤال عن هذه المسألة
بخصوصها، وقد تَبيَّن عدم انحصار ترك الجواب في الأمرينِ المذكورين، بل احتمل كما
تقدَّم أنْ يكون أخَّرَه ليُكْمِل الحديث الذي هو فيه، أو أخَّرَ جوابه ليوحَى إليه به.
قوله: ((قال: أينَ - أُراه - السائلُ)) بالرفع على الحكاية، و((أُراه)» بالضم أي: أظنّه،
والشَّك من محمد بن فُليح. ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شَيْبة، عن
يونس بن محمد، عن فُليح ولفظه: ((أين السائل؟)) ولم يَشُكّ(١).
قوله: ((إذا وُسِّدَ)) أي: أُسْنِد، وأصله من الوسادة، وكان من شأن الأمير عندهم إذا
جَلَسَ أنْ يَثْنَيَ تحته وِسادة، فقوله: ((وُسِّدَ)) أي: جُعِلَ له غيرُ أهله وِساداً، فتكون إلى بمعنى
اللام، وأتى بها ليدل على تَضْمين معنى: أُسْنِد. ولفظ محمد بن سِنان في الرِّقاق (٦٤٩٦):
((إذا أُسْنِدَ))، وكذا رواه يونس بن محمد وغيره عن فُليح(٢).
ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أنَّ إسناد الأمر إلى غير أهله إنَّما يكون عند غَلَبة الجَهْل
ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط، ومقتضاه أنَّ العلم ما دامَ قائماً ففي الأمر فُسْحة.
وكأنَّ المصنّف أشار إلى أنَّ العلم إنَّما يُؤْخَذ عن الأكابر، تلميحاً لما رُوِيَ عن أبي أُميَّةً
الجُمَحِيِّ أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّه قال: ((من أشراط الساعة أنْ يُلْتَمَس العلمُ عند الأصاغر))(٣)،
وسيأتي بقيَّة الكلام على هذا الحديث في الرِّقاق إن شاء الله تعالى.
(١) ورواه أيضاً أحمد في «مسنده» (٨٧٢٩) عن يونس بن محمد ۔ وقرن به سُریجَ بن النعمان - عن فلیح به،
ولم یشكَّ.
(٢) رواية يونس بن محمد عن فليح عند أحمد بلفظ: ((إذا توسَّد))، وأما لفظ ((إذا أُسند)) فهو عند البيهقي في
(«السنن)) ١١٨/١٠ من رواية سريج بن النعمان عن فليح.
(٣) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦١)، ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) ٢٢/ (٩٠٨)، وأبو أمية هذا قال
فيه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٢٨٢٤) وقد ذكر له هذا الحديث: لا أعرفه بغير هذا، ذكره بعضهم
في الصحابة وفيه نظر. قلنا: وقد انفرد بالرواية عنه بكر بن سوادة، فهو في عداد المجهولين.

٣٠٥
باب ٣-٤ / ح ٦٠
كتاب العلم
٣- باب مَن رفع صوتَه بالعلم
٦٠- حدَّثنا أبو النُّعْمان، قال: حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْر، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن
عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: تَخَلَّفَ عَنّ النبيُّ وَّهِ فِي سَفْرةٍ سافَرْناها، فأدرَكَنا وقد أرهَقَتْنا الصلاةُ
ونحنُ نَتوضَّأُ، فجَعَلْنا نَمْسَحُ على أرجُلِنا، فنادى بأعلى صَوْتِهِ: ((وَيْلٌ للأَعقابِ مِن النارِ))
مرَّتين أو ثلاثاً.
[طرفاه في: ٩٦، ١٦٣]
قوله: ((حدَّثنا أبو النُّعْمان)) زاد الكُشْمِيهَنيُّ في رواية كَرِيمة عنه: عارِمُ بن الفضل،
وعارم لَقَب، واسمه محمد كما تقدَّم في المقدّمة.
قوله: ((ماهَكَ)) بفتح الهاء وحُكيَ كسرها، وهو غير مُنْصَرِف عند الأكثرين للعَلَميَّة
والعُجْمة، ورواه الأَصِيلي مُنصِرِفاً فكأنه لَحَظَ فيه الوصف.
واستدلَّ المصنّف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله: ((فنادى بأعلى صوته)) وإنَّما يَتِم
الاستدلال بذلك حيثُ تَدْعو الحاجة إليه لبُعْدٍ أو كثرة جمع أو غير ذلك، ويلحق بذلك ما
إذا كان في مَوعِظة كما ثبت ذلك في حديث جابر: كان النبي ◌َّ إذا خَطَبَ وذكر الساعة
اشتَدَّ غضبه وعَلا صوتُه ... الحديث، أخرجه مسلم (٨٦٧)، ولأحمد (١٨٣٩٨) من حديث
التُّعْمان في معناه وزاد: حتَّى لو أنَّ رجلاً بالسّوقِ لَسمعه.
واستدلَّ به أيضاً على مشروعيَّة إعادة الحديث ليُفهَم، وسيأتي الكلام على مباحث المتن
في كتاب الوضوء (١٦٣) إن شاء الله تعالی.
قال ابن رُشَيد: في هذا التبويب رَمْز من المصنِّف إلى أنه يريد أنْ يَبلُغ الغايةَ في تدوين ١٤٤/١
هذا الكتاب بأنْ يَستفرِغ وُسعَه في حُسْن ترتيبه، وكذلك فعل رحمه الله تعالى.
٤- باب قول المحدِّث: حدّثنا أو أخبرنا وأنبأَنا
وقال الحُمَيَديُّ: كان عند ابن عُبَينَةَ حدَّثنا وأخبرنا وأنبأَنَا وسمعتُ واحداً.
وقال ابنُ مسعودٍ: حدَّثْنا رسولُ اللهِِّ وهو الصادقُ المَصْدُوقُ.

٣٠٦
باب ٤ / ح ٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقال شَقِيقٌ، عن عبدِ الله: سمعتُ من النبيِّ وَّلَ كَلِمَةً.
وقال حُذَيفةُ: حدَّثنا رسولُ اللهِوَِّ حديثَين.
وقال أبو العالية، عن ابن عبّاس، عن النبيِّ وَِّ، فيما يروي عن ربِّه.
وقال أنسُّ، عن النبيِّ ێ، يَزْوِیه عن ربِّه عزَّ وجلَّ.
وقال أبو هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّهِ، يَرْوِيه عن ربِّكُمْ عزَّ وجلَّ.
قوله: ((باب قول المحدِّث: حدَّثنا وأخبرنا وأنبأنا)) قال ابن رُشيد: أشار بهذه الترجمة إلى
أنه بنى كتابه على المسنَدات المرويّات عن النبي وَله.
قلت: ومراده: هل هذه الألفاظ بمعنَى واحد أم لا؟ وإيراده قول ابن عُيَينةَ دون غيره
دالٌّ على أنه ◌ُختاره.
قوله: «وقال الحميدي» في روایة کريمة والأصِيلي: «وقال لنا الحميدي» و کذا ذكره أبو
نُعيم في ((المستخرَج))، فهو مُتَّصِل. وسقط من رواية كَرِيمة قوله: ((وأنبأَنا))، ومن رواية
الأصيلي قوله: «أخبرنا»، وثبت الجميع في رواية أبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال ابن مسعود» هذا التعليق طرف من الحديث المشهور في خلق الجنين، وقد
وَصَلَه المصنّف في كتاب القَدَر (٦٥٩٤)، ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال شَقِيق)) هو أبو وائل ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود، سيأتي موصولاً أيضاً
حيثُ ذكره المصنِّف في كتاب الجنائز(١).
ويأتي أيضاً حديث حُذَيفة في كتاب الرِّقاق (٦٤٩٧).
ومراده من هذه التعاليق أنَّ الصحابي قال تارة: ((حدَّثنا)) وتارة: ((سمعت))، فدلَّ على
أنهم لم يُفرِّقوا بين الصِّيَغ.
(١) برقم (١٢٣٨)، لكن ليس فيه اللفظ الذي ذكره الحافظ، ووصله البخاري أيضاً في التفسير (٤٤٩٧)
وفي الأيمان والنذور (٦٦٨٣) بلفظ: قال رسول الله وَله كلمةً وقلتُ أخرى. وليس فيهما تصريح
بالسماع. وانظر ((مسند أحمد)) (٤٠٤٣).

٣٠٧
باب ٤ / ح ٦٠
كتاب العلم
وأمَّا أحاديث ابن عبّاس وأنس وأبي هريرة في رواية النبي ◌َِّ عن ربِّه فقد وَصَلها في
كتاب التوحيد (٧٥٣٦، ٧٥٣٨، ٧٥٣٩)، وأراد بذِكْرها هنا التنبيه على العنعنة، وأنَّ
حُكْمها الوصل عند ثبوت اللُّقي، وأشار - على ما ذكره ابن رُشَيد - إلى أنَّ رواية النبيِلّه
إنَّما هي عن ربّه سواء أَصَرَّحَ الصحابي بذلك أم لا، ويدل له حديث ابن عبّاس المذكور
فإنَّه لم يقل فيه في بعض المواضع: ((عن ربّه)) ولكنَّه اختصار فيحتاج إلى التقدير.
قلت: ويستفاد من الحُكْم بصِحَّة ما كان ذلك سبيله، صِحَّةُ الاحتجاج بمَراسيل
الصحابة، لأنَّ الواسطة بين النبي ◌َّه وبين ربّه فيما لم يُكَلِّمه به مِثل ليلة الإسراء حِبْرِيل،
وهو مقبول قَطْعاً، والواسطة بين الصحابي وبين النبي وَ ل﴿ مقبول اتِّفاقاً وهو صحابي آخر،
وهذا في أحاديث الأحكام دون غيرها، فإنَّ بعض الصحابة رُبَّما حملها عن بعض التابعين
مِثل گعب الأحبار.
تنبيه: أبو العالية المذكور هنا هو الرِّياحي بالياءِ الأخيرة، واسمه رُفَيْع بضم الراء، ومَن
زَعَمَ أنه البَرَّاء بالراءِ الثَّقيلة فقد وَهِمَ، فإنَّ الحديث المذكور معروف برواية الرّياحي دونه.
فإن قيل: فمن أين تَظْهَر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومُحصَّل الترجمة التسوية بين
صِيَغ الأداء الصريحة، وليس ذلك بظاهرٍ في الحديث المذكور؟ فالجواب: أنَّ ذلك يستفاد
من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويَظْهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإنَّ لفظ رواية
عبد الله بن دينار المذكور في الباب: ((فحَدِّثوني ما هي))، وفي رواية نافع عند المؤلِّف في
التفسير (٤٦٩٨): ((أخبروني))، وفي رواية عند الإسماعيلي: ((أنبئوني))، وفي رواية مالك عند
المصنّف في باب الحياء في العلم (١٣١): ((حَدِّثوني ما هي)) وقال فيها: ((فقالوا: أخبرنا بها»،
فدلَّ ذلك على أنَّ التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل
العلم بالنّسبة إلى اللُّغة، ومن أصرح الأدلَّة فيه قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ١٤٥/١
[الزلزلة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤].
وأمَّا بالنّسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم مَن استمرَّ على أصل اللَّغة، وهذا

٣٠٨
باب ٤ / ح ٦١
فتح الباري بشرح البخاري
رأي الزُّهْري ومالك وابن عُيَينةَ ويحيى القَطَّان وأكثر الحجازيّين والكوفيِّين، وعليه استمرَّ
عمل المغاربة، ورَجَّحَه ابن الحاجب في ((مُختصَره))، ونُقِلَ عن الحاكم أنه مذهب الأئمّة
الأربعة.
ومنهم مَن رأى إطلاق ذلك حيثُ يَقْرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيثُ يُقْرأ عليه، وهو
مذهب إسحاق بن راهويه والنَّسائيِّ وابن حِبَّان وابن مَندَهْ وغيرهم.
ومنهم مَن رأى التَّفْرِقة بين الصِّيَغ بحَسَبِ افتراق التحمُّل: فيَخُصّون التحديث بما
يَلْفِظ به الشيخ، والإخبار بما يُقْرأ عليه، وهذا مذهب ابن جُرَيج والأوزاعيِّ والشافعي
وابن وَهْب وجمهور أهل المشرق.
ثُمَّ أحدَثَ أتباعهم تفصيلاً آخر: فمَن سمع وَحْدَه من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدَّثني،
ومَن سمع مع غيره جَمَع، ومَن قرأ بنَفْسِه على الشيخ أفرد فقال: أخبرني، ومَن سمع
بقراءة غيره جمع، وكذا خَصَّصوا الإنباء بالإجازة التي يُشافه بها الشيخ مَن يُجيزه، وكل
هذا مُستحسَن وليس بواجبٍ عندهم، وإنَّما أرادوا التمييز بين أحوال التحمُّل. وظنَّ
بعضهم أنَّ ذلك على سبيل الوجوب: فتَكلَّفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته.
نعم يحتاج المتأخّرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يَخْتَلِط، لأنه صار حقيقة عُرْفِيَّة
عندهم، فمَن تَّجَوَّزَ عنها احتاجَ إلى الإتيان بقرينةٍ تدل على مراده، وإلا فلا يُؤْمَن اختلاط
المسموع بالمُجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيُحمّل ما يَرِد من ألفاظ المتقدِّمين على مَحْمَل
واحد بخلاف المتأخّرين.
٦١ - حدَّثنا قُتَيِيةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابن عمرَ، قال:
قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإنَّا مِثلُ المُسلِمِ، فحَدِّثُوني ما
هي)) فوقع الناسُ في شَجَرِ البَوادي، قال عبدُ الله: ووقع في نَفْسي أنَّهَا النَّخْلُ فاستَحيَتُ، ثمَّ
قالوا: حَدِّثنا ما هي يا رسولَ الله؟ قال: ((هي النَّخْلُ)).
[أطرافه في: ٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤]

٣٠٩
باب ٤ / ح ٦١
كتاب العلم
قوله: ((إنَّ من الشَّجَر شَجَرة)) زاد في رواية مجاهد عند المصنِّف في ((باب الفَهْم في العلم)»
(٧٢) قال: صَحِبْت ابن عمر إلى المدينة فقال: كنّا عند النبي ◌َّهِ، فأُتيَ بجُمّارٍ وقال: ((إنَّ من
الشَّجَر)). وله عنه في البيوع (٢٢٠٩): كنت عند النبي ◌َّ وهو يأكل جُمّاراً.
قوله: ((لا يَسْقُط ورقها، وإنَّها مِثْل المُسلِم)) كذا في رواية أبي ذرِّ بكسر ميم ((مِثل))
وإسكان المثلَّثة، وفي رواية الأَصِيلي وكَرِيمة بفتحِهما وهما بمعنَى، قال الجَوْهري: مِثْله
ومَثَله كلمة تسوية كما يقال: شِبْهه وشَبَهه، بمعنَى، قال: والمَثَل بالتحريكِ أيضاً: ما
یُضرب من الأمثال. انتھی.
ووجه الشَّبَه بين النَّخْلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما رواه الحارث بن أبي
أسامة (١٠٦٧) في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر ولفظه: ((قال: كنَّا عند
رسول الله وَل﴿ ذات يوم فقال: إنَّ مثل المؤمن كمثلٍ شَجَرة لا تَسقُط لها أَنمَلة، أتدرون ما
هي؟ قالوا: لا. قال: هي النَّخْلة، لا تَسقُط لها أَنمَلة، ولا تَسقُطْ لمؤمنٍ دعوة)).
ووقع عند المصنّف في الأطعمة (٥٤٤٤) من طريق الأعمش قال: حدّثني مجاهد، عن
ابن عمر قال: بينا نحنُ عند النبيِلهَ إِذْ أُتَيَ بِجُمّارٍ، فقال: ((إنَّ من الشَّجَر لَمَا بَرَكتُه كبَرَكة
المسلم»، وهذا أعم من الذي قبله.
وبَرَكة النَّخْلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرّة في جميع أحوالها، فمن حين تَطلُع. إلى
أنْ تَيْيَس تُؤْكَل أنواعاً، ثمَّ بعد ذلك يُنتَفَع بجميع أجزائها، حتَّى النَّوى في عَلَف الذَّواب
واللِّيف في الحِبال وغير ذلك مما/ لا يَخْفَى، وكذلك بَرَكة المسلم عامّة في جميع الأحوال، ١٤٦/١
ونفعه مستمر له ولغيره حتَّی بعد موته.
ووقع عند المصنّف في التفسير (٤٦٩٨) من طريق نافع عن ابن عمر قال: كنّا عند
رسول الله وَله فقال: ((أخبروني بشَجَرةٍ كالرجلِ المسلم لا يَتَحاتُّ ورقُها ولا ولا ولا)) كذا
ذكر النَّفي ثلاث مرات على طريق الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثَمَرها، ولا يُعْدَم
فَيُؤُها، ولا يَبْطُل نفعها.

٣١٠
باب ٤ / ح ٦١
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في رواية مسلم (٢٨١١/ ٦٤) ذِكْر النَّفي مَرّة واحدة، فظنَّ إبراهيم بن سفيان
الراوي عنه أنه مُتعلِّق بما بعده وهو قوله: ((تُؤْتِي أُكُلها)) فاستشكله وقال: لعلَّ ((لا)) زائدة،
ولعلَّه: ((وتُؤْتِي أُكُلها)). وليس كما ظَنَّ، بل معمول النَّفي محذوف على سبيل الاكتفاء كما
بيَّنّاه.
وقوله: ((تُؤْتي)) ابتداء كلام على سبيل التفسير لما تقدَّم. ووقع عند الإسماعيلي بتقديم
((تُؤْتِي أُكُلها كل حين)) على قوله: ((لا يَتَحات ورقها)»، فسَلِمَ من الإشكال.
قوله: ((فوقع الناس)) أي: ذهبتْ أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم يُفسِّرها
بنوعٍ من الأنواع وذَهَلوا عن النَّخْلة، يقال: وقع الطائر على الشجرة: إذا نزل عليها.
قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن عمر الراوي.
قوله: «ووقع في نَفْسي)) بيَّن أبو عوانة في ((صحیحه)) من طریق مجاهد عن ابن عمر وجه
ذلك: ((قال: فظَنَنت أنها النَّخْلة من أجل الجُمّار الذي أُتيَ به))، وفيه إشارة إلى أنَّ المُلغَز له
ينبغي أنْ يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأنَّ المُلغِز ينبغي له أنْ لا يُبالغ في
التعمية بحيثُ لا يجعل للمُلغَزِ باباً يدخل منه، بل كُلَّا قَرَّبَه كان أوقعَ في نَفْس سامعه.
قوله: ((فاستَحيَيَت)) زاد في رواية مجاهد في ((باب الفَهْم في العلم)) (٧٢): «أَرَدْت أنْ
أقول: هي النَّخْلة، فإذا أنا أصغر القوم))، وله في الأطعمة (٥٤٤٤): ((فإذا أنا عاشر عشرة
أنا أحدَثُهم))، وفي رواية نافع (٤٦٩٨): ((ورأيت أبا بكر وعمر لا يَتَكَلَّمان، فَكَرِهْت أنْ
أتكلّم، فلمَّا قُمْنا قلت لعمر: يا أبتاه))، وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار عند المؤلِّف
في (باب الحياء في العلم)) (١٣١): «قال عبد الله: فحَدَّثْت أَبي بما وقع في نَفْسي فقال: لَأنْ
تكون قلتَها أحب إليَّ من أنْ يكون لي كذا وكذا وكذا»، زاد ابن حِبَّان في («صحيحه»
(٢٤٣): ((أحسَبه قال: حُمْرِ النَّعَم)).
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: امتحان العالِم أذهان الطَّلَبة بما يخفى مع
بيانه لهم إنْ لم يَفْهَموه.

٣١١
باب ٤ / ح ٦١
كتاب العلم
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٦٥٦) من حديث معاوية عن النبي ◌َّ: ((أنه نهى عن
الأُغْلوطات))(١) قال الأوزاعيُّ - أحد رواته -: هي صِعاب المسائل؛ فإنَّ ذلك محمول على
ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تَعَنُّت المسؤول أو تعجيزه.
وفيه التحريض على الفَهْم في العلم، وقد بَوَّبَ عليه المؤلِّف (٧٢) ((باب الفَهْم في
العلم)). وفيه استحباب الحياء ما لم يُؤَدِّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنَّى عمر أنْ يكون ابنه لم
يَسْكُت، وقد بَوَّبَ عليه المؤلِّف في العلم (١٣١)، وفي الأدب (٦١٢٣).
وفيه دليل على بَرَكة النَّخْلة وما تُثْمِره، وقد بَوَّبَ عليه المصنّف أيضاً (٥٤٤٨). وفيه
دليل أنَّ بيع الجُمّار جائز، لأنَّ كل ما جازَ أكله جازَ بيعه، ولهذا بَوَّبَ عليه المؤلِّف في البيوع
(٢٢٠٩)، وتعقَّبه ابن بَطَّال لكَوْنه من المجمع عليه، وأُجيبَ بأنَّ ذلك لا يمنع من التنبيه
عليه لأنه أورده عَقِب حديث النهي عن بيع الثِّار حتَّى يبدو صلاحها (٢٢٠٨)، فكأنه
يقول: لعلَّ مُتخيِّلاً يَتَخَيَّل أنَّ هذا من ذاك، وليس كذلك.
وفيه دليل على جواز تجمير النَّخْل، وقد بَوَّبَ عليه في الأطعمة (٥٤٤٤) لئلّا يُظَن أنَّ
ذلك من باب إضاعة المال. وأورده في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ﴾
[إبراهيم: ٢٤] (٤٦٩٨) إشارة منه إلى أنَّ المراد بالشجرة النَّخْلة. وقد وَرَدَ صريحاً فيما رواه
البزَّار من طريق موسى بن عُقْبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله بََّ، فذكر
هذه الآية فقال: ((أتدرون ما هي؟)) قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنها النَّخْلة، فمَنَعَني أنْ
أتكلّم مكانٍ سِنّي، فقال رسول الله وَّ: «هي النَّخْلة)».
ويُجمع بين هذا وبين ما تقدَّم: أنه وَ أُتيَ بالْجُمّار فشَرَعَ في أكله تالياً للآية قائلاً: ((إنَّ
من الشَّجَر شَجَرةً)) إلى آخره.
ووقع عند ابن حِبَّان (٢٤٣) من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار،
(١) وسنده ضعيف لجهالة أحد رواته، والحديث مع تفسير الأوزاعي له عند أحمد في ((المسند)) (٢٣٦٨٧)،
ولم يرد قول الأوزاعي هذا في شيء من نسخ أبي داود.

٣١٢
باب ٤ / ح ٦١
فتح الباري بشرح البخاري
١٤٧/١ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((مَن يُخْبِرني عن شَجَرة مثلها مثل / المؤمن، أصلها ثابت
وفَرْعها في السماء؟)) فذكر الحديث، وهو يؤيِّد رواية البزَّار.
قال القُرْطبي: فوقع التشبيه بينهما من جهة أنَّ أصل دين المسلم ثابت، وأنَّ ما يَصْدُر
عنه من العلوم والخير قُوت للأرواح مُستَطاب، وأنه لا يزال مستوراً بدينه، وأنه يُنْتَفَع
بكلِّ ما يَصْدُر عنه حَيّاً ومَيِّاً. انتهى.
وقال غيره: والمراد بکَوْنِ فَرْع المؤمن في السماء رفعُ عمله وقَبُوله.
وروى البزَّار أيضاً(١) من طريق سفيان بن حسين، عن أبي بِشْر، عن مجاهد، عن ابن
عمر قال: قال رسول الله وَّله: ((مثل المؤمن مثل النَّخْلة، ما أتاك منها نَفَعَك))، هكذا أورده
تُخْتَصَراً، وإسناده صحيح، وقد أفصَحَ بالمقصودِ بأوجَزِ عبارة.
وأمَّا مَن زَعَمَ أنَّ موقع التشبيه بين المسلم والنَّخْلة من جهة كَوْن النَّخْلة إذا قُطِعَ رأسها
ماتت، أو لأنها لا تَحمِل حتَّى تُلقَّح، أو لأنها تموت إذا غَرِقَت، أو لأنَّ لطَلْعِها رائحة مَنِيِّ
الآدمي، أو لأنها تَعْشَق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلُّها أوجُه ضعيفة، لأنَّ جميع ذلك
من المُشابهات مُشترَك في الآدميّين لا يختصُّ بالمسلم، وأضعف من ذلك قول مَن زَعَمَ أنَّ
ذلك لكَوْنها خُلِقَتْ من فضلة طين آدم، فإنَّ الحديث في ذلك لم يَتْبُت، والله أعلم(٢).
وفيه ضَرْب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لتَّرْسَخ في الذِّهْن،
ولتحديدِ الفِكْر في النَّظَر في حُكْم الحادثة.
وفيه إشارة إلى أنَّ تشبيه الشيء بالشيءٍ لا يلزم أنْ يكون نظيرَه من جميع وجوهه، فإنَّ
المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله.
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٤٣).
(٢) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٥٦/٤، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٦/ ١٢٣ من حديث علي بن أبي طالب
مرفوعاً، وفي أوله: ((أكرموا عمَّتكم النخلة، فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم ... )) إلخ، وفي سنده
مسرور بن سعيد التميمي، قال ابن حبان في ((المجروحين)) ٣/ ٤٤: يروي عن الأوزاعي المناكير التي لا
يجوز الاحتجاج بمن يرويها. ثم ذكر له هذا الحديث عن الأوزاعي عن عروة بن رويم عن علي.

٣١٣
باب ٥ / ح ٦٢
كتاب العلم
وفيه توقير الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يُبادره بما فهمَه وإنْ ظنَّ أنه
الصواب.
وفيه أنَّ العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يُدرِكه مَن هو دونه، لأنَّ العلم مواهب،
والله يُؤْتي فضله من يشاء.
واستدلَّ به مالك على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب من محبّة الثَّاء على أعمال الخير لا
يَقدَح فيها إذا كان أصلها لله، وذلك مُستفاد من تمنِّي عمر المذكور، ووجه تمنِّي عمر هما
طُبِعَ الإنسان عليه من محبّة الخير لنَفْسِه ولولدِه، ولتَظْهَر فضيلة الولد في الفَهُم من صِغَره،
وليزداد من النبي وَّلُ حُظْوة، ولعلَّه كان يرجو أنْ يدعوَ له إذْ ذاكَ بالزِّيادة في الفَهْم.
وفيه الإشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لأنه قابلَ فَهْم ابنه لمسألةٍ واحدة بحُمْر
النَّعَم مع عِظَم مِقْدارها وغَلاءِ ثَمَنها.
فائدة: قال البزَّار في ((مسنده): ولم يَرْوِ هذا الحديث عن النبي وَّ بهذا السِّياق إلَّا ابن
عمر وَحْدَه. ولمَّا ذكره التِّرمِذي (٢٨٦٧) قال: وفي الباب عن أبي هريرة؛ وأشار بذلك إلى
حديث مُختصَر لأبي هريرة أورده عبد بن حُميدٍ في ((تفسيره)) لفظه: ((مثل المؤمن مثل النَّخْلة))،
وعند التِّرمِذي أيضاً (٣١١٩) والنَّسائيّ (ك ١١١٩٨) وابن حِبَّان (٤٧٥) من حديث أنس:
أنَّ النبيَّ وَِّ قَرَأْ: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ﴾ قال: ((هي النَّخْلة)). تفرَّد برفعه
حَمَّاد بن سَلَمة، وقد تقدَّم أنَّ في رواية مجاهد عن ابن عمر (٥٤٤٤): أنه كان عاشر عشرة،
فاستفدنا من مجموع ما ذكرناه أنَّ منهم أبا بكر وعمر وابن عمر، وأبا هريرة وأنس بن مالك
إنْ كانا سَمِعا ما رَوَياه من هذا الحديث في ذلك المجلس، والله أعلم.
٥ - باب طَرْح الإمام المسألةَ على أصحابه
ليختبر ما عندهم من العلم
٦٢- حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، عن ابن عمرَ، عن
النبيِّ ◌َِّ قال: ((إنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرةَ لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإِنَّا مِثْلِ المُسلِمِ، حَدِّثُوني ما هيَ))

٣١٤
باب ٥ / ح ٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال: فوقع الناسُ في شَجَرِ البَوَادي، قال عبدُ الله: فوقع في نَفْسي أنَّهَا النَّخْلةُ، ثمَّ قالوا: حَدِّثنا
ما هي يا رسولَ الله. قال: ((هي النَّخْلة)».
قوله: ((باب طَرْح الإمام المسألة)) أورد فيه حديث ابن عمر المذكور بلفظٍ قريب من لفظ
١٤٨/١ الذي قبله، وإنَّما/ أورده بإسنادٍ آخر إيثاراً لابتداءِ فائدة تَدْفَع اعتراض مَن يَدَّعي عليه
التكرار بلا فائدة.
وأمَّا دعوى الكِرْماني أنه لمُراعاة صنيع مشايخِه في تراجم مصنَّفاتهم، وأنَّ رواية قُتَيبة
هنا كانت في بيان معنى التحديث والإخبار، ورواية خالد كانت في بيان طَرْح الإمام
المسألة، فذكر الحديث في كل موضع عن شيخه الذي روى له الحديث لذلك الأمر، فإنّها
غير مقبولة، ولم نَجِد عن أحد مَّن عَرَفَ حال البخاري وسَعَة عِلمه وجَوْدة تصرُّفه حكى
أنه كان يُقدِّد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مَزيَّة على غيره.
وقد تَوارَدَ النقلُ عن كثير من الأئمَّة أنَّ من جملة ما امتازَ به كتاب البخاري دِقّة نظره
في تصرُّفه في تراجم أبوابه. والذي ادَّعاه الكِرْمانيُّ يقتضي أنه لا مَزيَّة له في ذلك لأنه مُقلِّد
فيه لمشائخِه. ووراء ذلك أنَّ كُلَّ مِن قُتَيبة وخالد بن ◌َد لم يُذكَر لأحدٍ منهما ممَّن صَنَّفَ في
بيان حالهما أنَّ له تصنيفاً على الأبواب فضلاً عن التدقيق في التراجم، وقد أعاد الكِرْمانيُّ
هذا الكلام في شرحه مِراراً، ولم أجِدْ له سَلَفاً في ذلك. والله المستعان.
وراويه عن عبد الله بن دينار سليمان: هو ابن بلال المدني الفقيه المشهور، ولم أجده من
روايته إلَّا عند البخاري، ولم يقع لأحدٍ ثَمَّن استخرَجَ عليه، حتَّى إِنَّ أبا نُعيم إنَّما أورده في
((المستخرَج)) من طريق الفِرَبْري عن البخاري نَفْسه، وقد وجدته من رواية خالد بن تَخَلَد
الراوي عن سليمان المذكور أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه))، لكنَّه قال: عن مالك، بدل
سليمان بن بلال، فإنْ كان محفوظاً فلخالدٍ فيه شيخان. وقد وقع التصريح بسماع عبد الله
ابن دینار له من عبد الله بن عمر عند مسلم (٢٨١١) وغيره.

٣١٥
باب ٦
كتاب العلم
٦ - باب القراءة والعَرْض على المحدِّث
ورأى الحسنُ والَّوْرِيُّ ومالكٌ القراءةَ جائزاً.
واحتَجَّ بعضُهم في القراءةِ على العالم بحديث ضِمام بنِ ثَعْلبةَ، قال للنبيِّ وَّ: اللهُ أَمَرَكَ أنْ
تُصَلِيّ الصَّلَواتِ؟ قال: (نَعَم)). قال: فهذه قراءةٌ على النبيِّ وَّةِ، أخبر ضِمامٌ قومَه بذلكَ
فأجازُوه.
واحتَجَّ مالكٌ بالصَّكِّ يُقْرَأُ على القوم فيقولون: أَشهَدَنا فُلانٌ، ويُقْرأُ ذلكَ قراءةً عليهم،
ويُقْرأُ على المُفْرِئ، فيقول القارئُّ: أقرَأَني فُلانٌ.
حدَّثنا محمَّدُ بنُ سلام، حدَّثنا محمَّدُ بنُ الحسنِ الواسطيُّ، عن عَوْفٍ، عن الحسنِ قال: لا
بأسَ بالقراءةِ على العالم.
وأخبرنا محمَّدُ بنُ يوسفَ الفِرَبْريُّ: وحدَّثْنا محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال: حدَّثنا
عُبيدُ الله بنُ موسى، عن سفيانَ قال: إذا قُرِئَ على المحدِّثِ فلا بأسَ أنْ يقول: حدَّثني.
قال: وسمعتُ أبا عاصم يقول عن مالكٍ وسفيان: القراءةُ على العالم وقراءَتُه سواءٌ.
قوله: ((باب القراءة والعَرْض على المحدِّث)) إنَّما غايَرَ بينهما بالعَطْف لما بينهما من ١٤٩/١
العموم والخصوص، لأنَّ الطالب إذا قرأ كان أعمَّ من العَرْض وغيره، ولا يقع العَرْض إلَّا
بالقراءة، لأنَّ العَرْض عبارة عمَّ يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحَضْرتِه،
فهو أخص من القراءة. وتَوسَّعَ فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضَرَ الأصل لشيخِه فنظر
فيه وعَرَفَ صِخَّته وأذِنَ له أنْ يرويَه عنه من غير أنْ يُحدِّثه به أو يَقْرأه الطالب عليه. والحق
أنَّ هذا يُسمَّى عَرْض المُناولة بالتقييدِ لا الإطلاق.
وقد كان بعض السَّلَف لا يَعْتَدّون إلَّا بما سَمِعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يُقْرأ عليهم،
ولهذا بَوَّبَ البخاري على جوازه وأورد فيه قول الحسن - وهو البصري -: لا بأس بالقراءة
على العالم. ثمَّ أسنَدَه إليه بعد أنْ عَلَّقَه، وكذا ذُكِرَ عن سفيان الثَّوْري ومالك موصولاً: أنهما
سَوَّيا بين السَّماع من العالم والقراءة عليه.

٣١٦
باب ٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((جائزاً)) وقع في رواية أبي ذرٍّ: ((جائزة)) أي: القراءة، لأنَّ السَّماع لا نِزاع فيه.
قوله: ((واحتَجَّ بعضهم)) المحتَج بذلك هو الحميدي شيخ البخاري، قاله في كتاب
((النَّوادر)) له، كذا قال بعض مَن أدرَكْته وتَبِعْته في المقدِّمة، ثمَّ ظهر لي خلافه، وأنَّ قائل
ذلك أبو سعيد الخَدّاد، أخرجه البيهقيُّ في ((المعرفة)) (٢٧٠) من طريق ابن خُزَيمة قال:
سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قال أبو سعيد الحَدّاد: عندي خبر عن النبي
وَيّ في القراءة على العالم. فقيل له، فقال: قِصَّة ضِمام بن ثَعْلبة قال: الله أمَرَك بهذا؟ قال:
نَعَم. انتھی.
وليس في المتن الذي ساقه البخاري بعدُ من حديث أنس في قِصَّة ضِمام أنَّ ضِماماً أخبر
قومه بذلك، وإنّما وقع ذلك من طريق أُخرى ذكرها أحمد (٢٣٨٠) وغيره من طريق ابن
إسحاق قال: حدَّثني محمد بن الوليد بن نُوَيفِع، عن كُرَيب، عن ابن عبّاس قال: بَعَثَ بنو
سعد بن بكر ضِمامَ بن ثَعْلبة، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: أنَّ ضِماماً قال لقومِه عندَما
رجع إليهم: إنَّ الله قد بَعَثَ رسولاً وأنزل عليه كتاباً، وقد جِئْتُكم من عنده بما أمَرَكم به
ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلَّا مسلماً.
فمعنى قول البخاري: ((فأجازوه)) أي: قَبِلوه منه، ولم يَقصِد الإجازة المُصْطَلَحة بين أهل
الحدیث.
قوله: ((واحتَجَّ مالك بالصَّكُّ)) قال الجوهري: الصَّك - يعني بالفتح - الكِتاب، فارسي
مُعَرَّب، والجمع: صِكاك وصُكوك. والمراد هنا المكتوب الذي يُكتَب فيه إقرار المُقِر، لأنه
إذا قُرِئَ عليه فقال: نَعَم، ساغَت الشهادة عليه به وإنْ لم يتلفّظ هو بما فيه، فكذلك إذا قُرِئَ
على العالم فأقرَّ به، صَحَّ أنْ يُروى عنه.
وأمَّا قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن، فرواه الخطيب في ((الكِفاية)) من
طريق ابن وَهْب قال: سمعت مالكاً، وسُئِلَ عن الكتب التي تُعرَض عليه أيقول الرجل:
حدَّثني؟ قال: نَعَم، كذلك القرآن، أليس الرجل يَقْرأ على الرجل فيقول: أقرأَني فلان؟

٣١٧
باب ٦
كتاب العلم
وروى الحاكم في ((علوم الحديث)) من طريق مُطرِّف قال: صَحِبْت مالكاً سبع عشرة سنة،
فما رأيته قرأ ((الموطَّأ)) على أحد، بل يقرؤون عليه. / قال: وسمعته يأبى أشدَّ الإباء على مَن ١٥٠/١
يقول: لا يجزيه إلّ السَّماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث،
ويَجزيك في القرآن، والقرآن أعظم؟
قلت: وقد انقَرَضَ الخلاف في کَوْن القراءة على الشیخ لا تجزي، وإنّما كان يقوله بعض
المتشدِّدين من أهل العراق، فروى الخطيب عن إبراهيم بن سعد قال: لا تَدَعون تنطَّعكم
يا أهل العراق، العَرْض مِثل السَّماع. وبالَغَ بعض المدنيّين وغيرهم في مخالفتهم فقالوا: إنّ
القراءة على الشيخ أرفع من السَّماع من لفظه، ونقله الدَّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) عنه،
ونقله الخطيب بأسانيد صحيحة عن شُعْبة وابن أبي ذِئْب ويحيى القَطَّان، واعتلُّوا بأنَّ
الشيخ لو سَها لم يَتهيَّا للطالب الرَّدُّ عليه.
وعن أبي عُبيد قال: القراءة عليَّ أثبت وأفهَم لي من أنْ أتولَّى القراءة أنا.
والمعروف عن مالك كما نقله المصنّف عنه وعن سفيان - وهو الثَّوْري - أنهما سواء.
والمشهور الذي عليه الجمهور: أنَّ السَّماع من لفظ الشيخ أرفع رُتْبةً من القراءة عليه، ما لم
يَعرِض عارض يُصِّ القراءة عليه أولى، ومن ثَمَّ كان السَّماع من لفظه في الإملاء أرفع
الدَّرَجات لما يلزم منه من تحرُّز الشيخ والطالب، والله أعلم.
قوله: ((عن الحسن قال: لا بأس بالقراءة على العالم)) هذا الأثر رواه الخطيب أتمَّ سياقاً ممَّا
هنا، فأَخرجَ من طريق أحمد بن حنبل، عن محمد بن الحسن الواسطيّ، عن عَوْف الأعرابي أنَّ
رجلاً سأل الحسن فقال: يا أبا سعيد، مَنزِلي بعيد، والاختلاف يَشُق علي، فإنْ لم تكنْ ترى
بالقراءة بأساً قرأت عليك. قال: ما أُبالي قرأت عليك أو قرأت علي. قال: فأقول: حدَّثني
الحسن؟ قال: نَعَم، قُل: حدَّثني الحسن. ورواه أبو الفضل السُّلَيْماني في كتاب «الحث على
طلب الحديث)) من طريق سَهْل بن المتوكّل قال: حدَّثنا محمد بن سلام، بلفظ: قلنا للحسن:
هذه الكتب التي تُقْرأ عليك، أَيْشٍ نقول فيها؟ قال: قولوا: حدَّثنا الحسن.

٣١٨
باب ٦ / ح ٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
٦٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن سعيدٍ، هو المَقْبُرِيُّ، عن شَرِيكِ
ابن عبدِ الله بنِ أبي نَمٍِ: أَنَّه سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: بينما نحنُ جُلُوسُ معَ النبيِّ وَّ في
المسجد دَخَلَ رجلٌ على جملٍ، فأناخَه في المسجد ثمَّ عَقَلَه ثمَّ قال لهم: أيُّكُم محمَّدٌ؟ والنبيُّ ◌َ
مُتَّكِىٌّ بِينَ ظَهْرَانَيْهم، فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المُتَّكِئُ، فقال له الرجلُ: ابنَ عبدِ المُطَّلِب؟
فقال له النبيُّ ◌َّهُ: ((قد أجَبْتُكَ)) فقال الرجلُ للنبيِّ وَّهِ: إني سائلُكَ فمُشَدِّدٌ عليكَ في المسألةِ
فلا تَجِدْ عليَّ في نَفْسِكَ، فقال: ((سَلْ عَّا بَدَا لكَ)) فقال: أسألُكَ بربِّكَ وربِّ مَن قبلَكَ، اللهُ
أرسَلَك إلى الناس كلِّهم؟ فقال: ((اللهمَّ نَعَم)) قال: أنشُدُكَ باللهُ، اللهُ أمَرَكَ أنْ تُصلِّيَ الصَّلَواتِ
الخمسَ في اليوم والليلةِ؟ قال: ((اللهمَّ نَعَم)) قال: أنشُدُكَ بالله، اللهُ أمَرَكَ أنْ تصومَ هذا الشهرَ
مِن السنةِ؟ قال: ((اللهمَّ نَعَم)) قال: أنشُدُكَ بالله، اللهُ أمَرَكَ أنْ تَأْخُذَ هذه الصَّدَقَةَ من أغنيائِنا
فَتَقْسِمَها على فُقرائنا؟ فقال النبيُّ مَ: ((اللهمَّ نَعَم)) فقال الرجلُ: آمَنْتُ بما جِئْتَ به، وأنا
رسولُ مَن وَرَائي من قَوْمي، وأنا ضِمامُ بنُ ثَعْلبةَ أخُو بني سَعْدِ بنِ بکرٍ.
رواه موسى وعليُّ بنُ عبدِ الحميد، عن سليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... بهذا.
قوله: ((الليث عن سعيد)) في رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد، عن الليث،
حدَّثني سعيد، وكذا لابن مَندَهُ(١) من طريق ابن وَهْب عن الليث. وفي هذا دليل على أنَّ
رواية النَّسائيّ (٢٠٩٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن الليث قال: حدَّثني
محمد بن عَجْلان وغيره عن سعيد، موهومة معدودة من المَزيد في مُتَّصِل الأسانيد، أو
يُحمل على أنَّ الليث سمعه عن سعيد بواسطةٍ ثمَّ لَقیَه فحدَّثه به.
وفيه اختلاف آخر، أخرجه النَّسائيُّ (٢٠٩٤) والبَغَوي من طريق الحارث بن عُمَير،
عن عُبيد الله بن عمر، وذكره ابن مَندَهُ(٢) من طريق الضَّحّاك بن عثمان، كلاهما عن سعيد،
عن أبي هريرة، ولم يَقدَح هذا الاختلاف فيه عند البخاري، لأنَّ الليث أثبتهم في سعيد
المَقَبُريِّ مع احتمال أنْ يكون لسعيدٍ فيه شيخان، لكن تترجَّح رواية الليث بأنَّ المَقَبُريَّ
(١) في ((الإيمان)) (١٣٠).
(٢) في ((الإيمان)) ١ / ٢٧٣.

٣١٩
باب ٦ / ح ٦٣
كتاب العلم
عن أبي هريرة جادّة مألوفة فلا يَعْدِل عنها إلى غيرها إلَّا مَن كان ضابطاً مُتثبِّئاً، ومن ثَمَّ قال
ابن أبي حاتم عن أبيه: رواية الضَّحّاك وَهْم.
وقال الدَّارَقُطْنيُّ في ((العِلَل)): رواه عُبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله والضَّحّاك بن عثمان،
عن المقبُريّ، عن أبي هريرة، ووهموا فيه، والقول قول اللیث.
وأمَّا مسلم فلم يُخرجه من هذا الوجه، بل أخرجه (١٢) من طريق سليمان بن المغيرة
عن ثابت عن أنس، وقد أشار إليها المصنِّ عَقِب هذه الطريق. وما فرَّ منه مسلم وقع في
نظيره، فإنَّ حَمَّد بن سَلَمةَ أثبت الناس في ثابت، وقد روى هذا الحديث عن ثابت فأرسَلَه،
وَرَجَّحَ الدَّارَقُطنُّ رواية حَمَّاد.
قوله: «ابن أبي نَمِر)) هو بفتح النون وکسر الميم، لا يُعرَف اسمه، ذكره ابن سعد في
الصحابة، وأخرج له ابن السَّكن حديثاً، وأغفَلَه ابن الأثير تَبَعاً لأُصوله.
قوله: ((في المسجد)) أي: مسجد رسول الله وَل.
قوله: ((ورسول الله وَال﴿ مُتَّكِئ)) فيه جواز اتِّكاء الإمام بين أتباعه.
وفيه ما كان رسول الله وَ ال عليه من ترك التكتُّر لقوله: ((بين ظَهْرانَيْهم))، وهي بفتح
النون، أي: بينهم، وزِيدَ لفظ ((الظَّهْر)) ليدل على أنَّ ظَهْراً منهم قُدّامه وظَهْراً وراءَه، فهو
محفوف بهم من جانبَيْه/ والألف والنون فيه للتأكيد، قاله صاحب ((الفائق)).
١٥١/١
ووقع في رواية موسی بن إسماعيل الآتي ذكرها آخر هذا الحدیث في أوَّله: ((عن أنس
قال: نُهينا في القرآن أنْ نسأل النبي وَ له، فكان يُعجِبنا أنْ يجيءَ الرجل من أهل البادية
العاقل فيسأله ونحنُ نسمع، فجاءَ رجل)) وكأنَّ أنساً أشار إلى آية المائدة(١)، وسيأتي بسط
القول فيها في التفسير إن شاء الله تعالى.
قوله: ((دَخَلَ)) زاد الأَصِیلي قبلها: إذ.
قوله: ((ثُمَّ عَقَلَه)) بتخفيف القاف، أي: شَدَّ على ساق الجَمل - بعد أنْ ثَنَى رُكْبَته - حَبْلاً.
(١) الآية ١٠١، وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾.

٣٢٠
باب ٦ / ح ٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((في المسجد)) استَنْبَطَ منه ابن بَطَّال وغيره طهارة أبوال الإبل وأروائها، إذْ لا
يُؤْمَن ذلك منه مُدّة كَوْنه في المسجد، ولم يُنكِرِه النبي ◌ََّ، ودلالته غير واضحة، وإِنَّما فيه
مجرَّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: ((أقبَلَ على بعير له حتَّى أتى المسجد، فأناخَه ثمَّ عَقَلَه
فدخل المسجد)) فهذا السِّياق يدل على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن
عبّاس عند أحمد (٢٣٨٠) والحاكم (٥٤/٣ -٥٥) ولفظها: «فأناخَ بعيرَه على باب المسجد
فَعَقْلَه ثمَّ دخلَ))، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخَه في ساحة المسجد،
أو نحو ذلك.
قوله: ((الأبيض)) أي: المُشْرَب بحُمْرةٍ كما في رواية الحارث بن عُمَيرِ (١): ((الأمغَر)) أي:
بالغين المعجَمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المُشْرب بحُمْرةٍ. ويؤيِّده ما يأتي في
صِفَتِهِوَ الل أنه لم يكن أبيض ولا آدمَ، أي: لم يكن أبيض صِرْفاً(٢).
قوله: ((أجَبْتُك)) أي: سمعتُك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نَزَّلَ تقريره للصحابة في
الإعلام عنه مَنزِلة النُّطْق، وهذا لائق بمراد المصنّف. وقد قيل: إنَّما لم يقل له: نَعَم، لأنه لم
يُخاطبه بما يليق بمنزلتِه من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، والعُذْر عنه - إنْ قلنا: إنَّه قَدِمَ مسلماً - أنه لم
يَبلُغه النهي، وكانت فيه بقيّة من جَفاء الأعراب، وقد ظهرتْ بعد ذلك في قوله: ((فمُشَدِّد
عليك في المسألة))، وفي قوله في رواية ثابت(٣): ((وزَعَمَ رسولك أنَّك تَزْعُم))، ولهذا وقع في
أوَّل رواية ثابت عن أنس: ((كنَّا نُهينا في القرآن أنْ نسألَ رسول الله وَّر عن شيء، فكان
يُعجِبنا أنْ يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحنُ نسمع))، زاد أبو عَوَانة في
((صحيحه) (١): ((وكانوا أجراً على ذلك منّا)) يعني أنَّ الصحابة واقفون عند النهي، وأُولئكَ
معذَرونَ بالجَهْلِ، وتَتَّوْه عاقلاً ليكون عارفاً بما يسأل عنه. وظهر عقل ضِمام في تقديمه
(١) عند النسائي (٢٠٩٤) وغيره.
(٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٤١٨/١.
(٣) عند مسلم (١٢).