Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ باب ٤٠ / ح ٥٣ كتاب الإيمان نَدْمان، أي: المُنادِم في اللهُو، وقال الشاعر(١): فإنْ كنتَ نَدْماني فبالأكبرِ اسقِني لكنَّه هنا خرج على الإتباع كما قالوا: العَشَايا والغَدَايا، وغَدَاة جمعها: الغَدَوات، لكنَّه ◌ُتبع انتھی. وقد حكى القَزّاز والجَوْهري وغيرهما من أهل اللُّغة أنه يقال: نادِمٌ ونَدْمان في النَّدامة بمعنَى / فعلى هذا فهو على الأصل ولا إتباع فيه، والله أعلم. ١٣٢/١ ووقع في رواية النَّسائيّ (٥٦٩٢) من طريق قُرّة فقال: ((مَرْحباً بالوَقْدِ ليس الخَزايا ولا النادمينَ))، وهي للطبراني (١٢٩٤٩) من طريق شُعْبة أيضاً. قال ابن أبي جَمْرة: بَشَّرَهم بالخير عاجلاً وآجِلاً، لأنَّ النَّدامة إنَّما تكون في العاقبة، فإذا انتفتْ ثبت ضدُّها. وفيه دليل على جواز الثَّناء على الإنسان في وجهه إذا أُمِن عليه الفتنة. قوله: ((فقالوا: يا رسول الله)) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم: ((كُفّار مُضَر))، وفي قولهم: ((الله ورسوله أعلم)). قوله: ((إلَّا في الشهر الحرام)، وللأَصِيليِّ وكَرِيمة: ((إلَّا في شهرِ الحرام))، وهي رواية مسلم (١٧)، وهي من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع، ونساءِ المؤمنات. والمراد بالشهر الحرام الجنس فيشمل الأربعة الحُرُم، ويؤيِّده رواية قُرّة عند المؤلِّف في المغازي (٤٣٦٨) بلفظ: ((إلَّا في أشهُر الْحُرُم)) ورواية حمَّد بن زيد عنده في المناقب (٣٥١٠) بلفظ: ((إلَّا في كل شهر حرام))، وقيل: اللام للعَهْد، والمراد: شهر رَجَب، وفي رواية للبيهقيِّ (٦/ ٣٠٣) التصريحُ به، وكانت مُضَر تبالغ في تعظيم شهر رَجَب، فلهذا أُضيفَ إليهم في حديث أبي بَكْرة حيثُ قال: ((رَجَب مُضَر)) كما سيأتي (٣١٩٧)، والظاهر أنهم كانوا يَخُصّونَه (١) هو النعمان بن نضلة - ويقال: ابن عدي - العدوي، انظر قصته وشعره هذا في ((سيرة ابن هشام)) ٩/٤، و ((لسان العرب)» (ندم). ٢٨٢ باب ٤٠ / ح ٥٣ فتح الباري بشرح البخاري بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأُخرى، إلَّا أنهم رُبَّمَا أنسَؤوها بخلافه. وفيه دليل على تقدُّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا - كما في رواية شُعْبة عند المؤلِّف في العلم (٨٧) -: وإنّا نأتيك من شُقّة بعيدة. قال ابن قُتَيبة: الشُّقّة: السَّفَر. وقال الزَّجّاج: هي الغاية التي تُقْصَد. ويدلُّ على سَبْقهم إلى الإسلام أيضاً ما رواه المصنِّف في الجمعة (٨٩٢) من طريق أبي جمرة أيضاً عن ابن عبّاس قال: إنَّ أوَّل جمعة جُمُّعَتْ - بعد جمعة في مسجد رسول الله ◌َلاآ - في مسجد عبد القيس بجُواتَى من البحرين، وجُواثَى: بضم الجيم وبعد الألف مثلَّثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنَّما جَمَّعوا بعد رجوع وَفْدهم إليهم، فدلَّ على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام. قوله: ((بأمرٍ فَضْلٍ)) بالتنوين فيهما لا بالإضافة، والأمر: واحد الأوامر، أي: مُرْنا بعمل بواسطة ((افعلوا))، ولهذا قال الراوي: أمرهم، وفي رواية حمّاد بن زيد وغيره عند المؤلّف (١٣٩٨) قال النبي ◌َّ: ((آمُركم))، وله (٦١٧٦) عن أبي التَّيّاح بصيغة: ((افعلوا)). والفصل بمعنى: الفاصل، كالعَدْل بمعنى: العادل، أي: يَفصِل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصَّل، أي: المبيَّن المكشوف، حكاه الطِّييُّ، وقال الخطّابيُّ: الفصل: البَيِّن، وقيل: المُحگم. قوله: ((نُخِرُ به)) بالرفع على الصِّفة لأمْرٍ، وكذا قوله: ((ونَدخُلُ))، ويُروى بالجَزْم فيهما على أنه جواب الأمر. وسقطت الواو من ((ونَدخُل)) في بعض الروايات فيُرفَع ((نُخِرِ)) ويُحِزَمِ («نَدخُل)». قال ابن أبي جَمْرةٍ: فيه دليل على إبداء العُذْر عند العَجْز عن تَوْفية الحق واجباً أو مندوباً، وعلى أنه يُبدأ بالسؤال عن الأهَم، وعلى أنَّ الأعمال الصالحة تُدخِل الجنَّة إذا ٢٨٣ باب ٤٠ / ح ٥٣ كتاب الإيمان قُبِلَت، وقَبُولها يقع برحمة الله كما تقدَّم. قوله: ((فأمَرَهم بأربع)) أي: خِصال أو جُل، لقولهم: ((حَدِّثْنَا بجُمَل من الأمر)) وهي رواية قُرّة عند المؤلِّف في المغازي (٤٣٦٨). قال القُرْطبي: قيل: إنَّ أوَّل الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنَّما ذكر الشَّهادتَينِ تَبُّكاً بهما كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نَحَا الطِّييُّ فقال: عادة البُلَغاء أنَّ الكلام إذا كان منصوباً لغرضٍ جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكنِ الغرض في الإيراد ذِكْرِ الشَّهادتَينِ - لأنَّ القوم كانوا مؤمنين مُقِرّين بكَلِمتَي الشهادة - ولكن رُبَّما كانوا يظنّون أنَّ الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صَدْر الإسلام، قال: فلهذا لم يَعُدَّ الشَّهادتَينِ في الأوامر. قيل: ولا يَرِد على هذا الإتيانُ بحرف العطف فیحتاج إلی تقدیر. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العَطْف لقلنا: إنَّ ذِكْر الشَّهادتين ورَدَ على سبيل / التصدير، لكن يُمكِن أنْ يُقْرَأ قوله: ((وإقام الصلاة)) بالخَفْض فيكون ١٣٣/١ عَطْفاً على قوله: ((أمرهم بالإيمان)) والتقدير: أمرهم بالإيمان مُصَدَّراً به وبشرطِه من الشَّهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة ... إلى آخره، قال: ويؤيِّد هذا حذفهما في رواية المصنِّف في الأدب (٦١٧٦) من طريق أبي النَّاح عن أبي جَمْرة ولفظه: ((أربع وأربع، أقيموا الصلاة ... )) إلى آخره. فإن قيل: ظاهر ما تَرجَمَ به المصنِّف من أنَّ أداء الخُمُس من الإيمان يقتضي إدخاله مع باقي الخِصال في تفسير الإيمان والتقدير المذكور يخالفه. أجاب ابن رُشَيد بأنَّ المطابقة تَحصُل من جهة أُخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنَّة، وأُجيبوا بأشياء منها أداء الخُمُس، والأعمال التي تُدخِل الجنَّة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخُمُس من الإيمان بهذا التقرير. فإن قيل: فكيف قال في رواية حَمَّاد بن زيد عن أبي جَمْرة: «آمُركم بأربع: الإيمان بالله: ٢٨٤ باب ٤٠ / ح ٥٣ فتح الباري بشرح البخاري شهادة(١) أنْ لا إله إلَّ الله. وعَقَدَ واحدة)) كذا للمؤلِّف في المغازي (٤٣٦٩)، وله في فرض الخُمُس (٣٠٩٥): ((وعَقَدَ بَيَدِه)) فدلَّ على أنَّ الشهادة إحدى الأربع. وأمَّا ما وقع عنده في الزّكاة (١٣٩٨) من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: ((شهادة أن لا إله إلَّا الله)) فهي زیادة شاذّة لم يُتابع عليها حجّاجَ بن منهال أحد. والمراد بقوله: ((شهادة أن لا إله إلَّ الله)) أي: وأنَّ محمداً رسول الله، كما صَرَّحَ به في رواية عَبَّاد بن عَبَّاد في أوائل المواقيت (٥٢٣) ولفظه: ((آمُركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله)) ثمَّ فسَّرَها لهم: ((شهادة أنْ لا إله إلَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله)) الحديث. والاقتصار على شهادة أنْ لا إله إلَّ الله، على إرادة الشَّهادتَينِ معاً، لكَوْنها صارت عَلَماً على ذلك كما تقدَّم تقريره في ((باب زيادة الإيمان))، وهذا أيضاً يدل على أنه عَدَّ الشَّهادتَينِ من الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله: ((ثمَّ فسَّرَها)» مؤثَّئاً فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإیمان لَأعاده مذگَّراً، وعلى هذا فيقال: كيف قال: أربع، والمذكورات خمس؟ وقد أجاب عنه القاضي عِيَاض - تَبَعاً لابن بَطَّال ـ بأنَّ الأربع ما عدا أداء الخُمُس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفُروض الأعيان، ثمَّ أعلمهم بما يلزمهم إخراجُه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصَدَدٍ مُحاربة كُفّار مُضَر، ولم يَقصِد إلى ذِكْرِها بعَينِها لأنها مُسَبَّبة عن الجهاد، ولم يكنِ الجهاد إذْ ذاكَ فرض عينٍ. قال: وكذلك لم يَذْكُر الحج، لأنه لم يكن فُرِض. وقال غيره: قوله: ((وأنْ تُعْطوا)) معطوف على قوله: ((بأربعٍ)) أي: آمُركم بأربعٍ وبأنْ تُعْطوا، ويدل عليه العُدول عن سياق الأربع والإتيان بأنْ والفعل مع تَوجُّه الخِطاب إليهم. قال ابن التِّين: لا يمتنع الزِّيادة إذا حصل الوفاء بوعدِ الأربع. قلت: ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم (١٨) من حديث أبي سعيد الخُدْريِّ في هذه القصّة: ((آمُركم بأربع: اعبدوا الله ولا تُشرِكوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزّكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخُمُس من الغَنائم)). (١) في (س): وشهادة، بإثبات الواو في أوله، وهو خطأ. ٢٨٥ باب ٤٠ / ح ٥٣ كتاب الإيمان وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أنْ يقال: إنَّه عَدَّ الصلاة والزَّكاة واحدة، لأنها قَرِينَتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخُمُس، أو أنه لم يَعُدَّ أداء الخُمس لأنه داخل في عموم إيتاء الّكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال مُعيَّن في حال دون حال. وقال البيضاوي: الظاهر أنَّ الأُمور الخمسة المذكورة هنا تفسیر للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذِكْرها، والثلاثة الأُخَرِ حَذَفَها الراوي اختصاراً أو نِسْياناً. كذا قال، وما ذكر أنه الظاهر لعلَّه يَحسُب ما ظهر له، وإلَّا فالظاهر من السّياق أنَّ الشهادة أحد الأربع لقوله: ((وعَقَدَ واحدة))، وكأنَّ القاضي أراد أنْ يرفع الإشكال من كَوْن الإيمان واحداً والموعود بذِكْره أربعاً، وقد أُجيبَ عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصَّلة أربع، وهو في حَدِّ ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخِصال الأربع التي ذكر أنه يأْمُرهم بها، ثمَّ فسَّرَها، فهو واحد بالنوع مُتعدِّد بحَسَبٍ وظائفه، كما أنَّ المنهي عنه - وهو الانتباذ فيما يُسرِع إليه الإسكار - واحد بالنوع مُتعدِّد بحَسَبٍ أوعيَته، والحِكْمة في الإجمال/ بالعَدَدِ قبل التفسير ١٣٤/١ أنْ تَتَشوَّف النفس إلى التفصيل ثمَّ تَسكُن إليه، وأنْ يتحصَّلَ حِفْظها للسامع فإذا نَسِيَ شيئاً من تفاصيلها طالَبَ نَفْسه بالعَدَد، فإذا لم يستوفِ العدد الذي في حِفْظه، عَلِمَ أنه قد فاتَه بعض ما سمع. وما ذكره القاضي عياض من أنَّ السبب في گوْنه لم يذكر الحج في الحديث، لأنه لم یکن فُرِضَ هو المعتمَد، وقد قدَّمنا الدليل على قِدَم إسلامهم، لكن جزم القاضي بأنَّ قُدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكَّة، تَبِعَ فيه الواقدي، وليس بجيِّدٍ، لأنَّ فرض الحج كان سنة يسِت على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، ولكنَّ القاضي يختار أنَّ فرض الحج كان سنة تسع حتَّى لا يَرِدَ على مذهبه أنه على الفَوْر. انتهى. وقد احتَجَّ الشافعي لكَوْنه على التراخي بأنَّ فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنَّ النبيَّ وَل﴿ كان قادراً على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحُج إلّا في سنة عشر. وأمَّا قول مَن قال: إنَّه ترك ذِكْر الحج لكَوْنه على التراخي، فليس بجیِّدٍ، لأنَّ گوْنه على ٢٨٦ باب ٤٠ / ح ٥٣ فتح الباري بشرح البخاري التراخي لا يمنع من الأمر به، وكذا قول مَن قال: إنَّما تركه لشُهْرتِه عندهم، ليس بقويٌّ، لأنه عند غیرهم ممَّن ذكره لهم أشهر منه عندهم. وكذا قول من قال: إنَّ ترك ذِكْره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كُفّار مُضَر، ليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال، ترك الإخبار به ليُعْمَلَ به عند الإمكان كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأنَّ الحج يقع في الأشهر الحُرُم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأُمَنون فيها. لكن يُمكِن أنْ يقال: إنَّه إنَّما أخبرهم ببعض الأوامر، لكَوْنهم سألوه أنْ يُخْبِرِهم بما يدخلون بفعلِه الجنَّة، فاقتصر لهم على ما يُمكِنهم فعله في الحال، ولم يَقصِد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً. ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها. وأمَّا ما وقع في كتاب الصيام من ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ (١٩٩/٤) من طريق أبي قِلابةَ الرَّقَاشي، عن أبي زيد الهَرَويِّ عن قُرّة في هذا الحديث من زيادة ذِكْر الحج، ولفظه: ((وتَحُجّوا البيت الحرام)) ولم يتعرَّض لعَدَدٍ، فهي رواية شاذّة، وقد أخرجه الشيخان ومَن استخرَجَ عليهما والنَّسائيُّ وابن خزيمة وابن حِبَّن من طريق قُرَّةٍ(١) لم يَذْكُر أحد منهم الحج، وأبو قِلابةَ تغيَّر حِفْظه في آخر أمره، فلعلَّ هذا ممّا حدَّث به في التغيُّر، وهذا بالنّسبة لرواية أبي جَمْرة. وقد وَرَدَ ذِكْر الحج أيضاً في ((مسند)) الإمام أحمد (٣٤٠٦) من رواية أبان العَطَّار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب وعن عِكْرمة، عن ابن عبّاس في قِصَّة وَفْد عبد القيس. وعلى تقدير أنْ يكون ذِكْر الحج فيه محفوظاً، فيُجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدِّمَينِ فيقال: (١) البخاري (٤٣٦٨) و(٧٥٥٦)، ومسلم (١٧) (٢٥)، والنسائي (٥٦٩٢)، وابن خزيمة (٣٠٧) و(١٨٧٩)، وابن حبان (٧٢٩٥). ٢٨٧ باب ٤٠ / ح ٥٣ كتاب الإيمان المراد بالأربع: ما عدا الشَّهادتَينِ وأداء الخُمُس، والله أعلم. قوله: ((ونَهاهم عن أربع: عن الحَتَم ... )) إلى آخره، في جواب قوله: ((وسألوه عن الأشربة)) هو من إطلاق المحلِّ وإرادة الحالّ، أي: ما في الحَتَم ونحوه، وصَرَّحَ بالمراد في رواية النَّسائيّ (٥٦٩٢) من طريق قُرّة فقال: ((وأنهاكم عن أربع: ما يُنتبَذ في الحَتَم)) الحديث. والحَنْتَم، بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثنَّاة من فوق: هي الجَرّة، كذا فسَّرَها ابن عمر في ((صحيح مسلم)) (٥٦/١٩٩٧)، وله (٣٢/١٩٩٢) عن أبي هريرة: «الحَنَتَم: الجِرار الخُضْر))، وروى الحربي في ((الغريب)) عن عطاء: أنها جِرار كانت تُعمَل من طين وشعر ودم. والدُّاء، بضم المهملة وتشديد الموحّدة والمد: هو القَرْع، قال النَّووي: والمراد اليابس منه، وحكى القَزّاز فيه القَصْر. والنَّقير، بفتح النون وكسر القاف: أصل النَّخْلة يُنقَر فيُتَّخَذ منه وِعاء. والمُزُقَّت، بالزَّاي والفاء: ما طُلِيَ بالزِّفْت. والمُقِيَّر، بالقاف والياء الأخيرة: ما طُليَ بالقار ويقال له: القِيْر، وهو نبت يُحُرَق إذا يَبِسَ، تُطْلى به السُّفُن وغيرها كما تُطْلى بالزِّفْت، قاله صاحب ((المحكم)). وفي ((مسند أبي داود الطَّيالسي)) (٩٢٣) عن أبي بَكْرة قال: أمَّا الدُّبّاء، فإنَّ أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْعِ فَيَخِرِطون فيه العِنَب ثمَّ/ يَدْفِنونَه حتَّى يُهدَر ثمَّ يموت، وأمَّا النَّقير، ١٣٥/١ فإِنَّ أهل اليمامة كانوا يَنقُرون أصل النَّخْلة ثمَّ يَنِْذون الرُّطَب والبُسْرِ، ثمَّ يدعونَه حتَّى يُهْدَر ثمَّ يموت، وأمَّ الحَنْتَم، فجِرار كانت تُحْمَل إلينا فيها الخمر، وأمَّا المُزُفَّت، فهذه الأوعية التي فيها الزّفْت. انتهى. وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أَولى أنْ يُعتمد عليه من غيره لأنه أعلم بالمراد. ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها، لأنه يُسرع فيها الإسكار، فرُبَّما شَرِبَ منها مَن لا يَشعُر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخْصة في الانتباذ في كل وِعاء مع النهي عن ٢٨٨ باب ٤١ فتح الباري بشرح البخاري شُرْب كل مُسكِر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى(١). قوله: ((وأخبِروا بهنَّ مَن وراءَكُم)) بفتح ((مَن)) وهي موصولة، و((وراءَكم)) يشمل مَن جاؤوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل مَن يَجِدُث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزّمان، فيحتمل إعمالها في المعنيَينِ معاً حقيقة ومجازاً. واستنْبَطَ منه المصنّف الاعتماد على أخبار الآحاد على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى (٧٢٦٦). ٤١ - باب ما جاءَ أنَّ الأعمالَ بالنِّيَّة والحِسْبة ولكلُّ امرئ ما نوى فدخل فيه الإيمانُ والوضوءُ والصلاةُ والزكاةُ والحجُّ والصومُ والأحكامُ. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ ككُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ [الإسراء: ٨٤]: على نِيَّتِه. (نَفَقةُ الرجلِ علی أهلِهِ تَجتسِبُها صَدَقةٌ». وقال: ((ولكنْ جهادٌ ونیةٌ)). قوله: ((باب ما جاء)» أي: باب بيان ما وَرَدَ دالاً على أنَّ الأعمال الشرعيَّة مُعتبَرَة بالنيّة والحِسْبة، والمراد بالحِسْبة: طلب الثَّواب، ولم يأتِ حديثٌ لفظه: الأعمال بالنيّة والحِسْبة، وإنَّما استدلَّ بحديث عمر على أنَّ الأعمال بالنيّة، وبحديث أبي مسعود(٢) على أنَّ الأعمال بالحِسْبة، وقوله: ((ولكلِّ امرِئٍ ما نَوَى)) هو بعض حديث الأعمال بالنيَّةِ (٣). وإنَّما أدخلَ قوله: ((والحِسْبة)) بين الجملتَينِ للإشارة إلى أنَّ الثانية تفيد ما لا تفيد الأُولى. قوله: ((فَدَخَلَ فيه)» هو من مَقُول المصنِّف، وليس بقيَّة ممَّا وَرَد. وقد أفصَحَ ابن عساكر في روايته بذلك فقال: قال أبو عبد الله؛ يعني المصنّف، والضمير في ((فيه)) يعود على الكلام المتقدِّم. وتوجيه دخول النيّة في الإيمان على طريقة المصنِّف أنَّ الإيمان عمل كما تقدَّم شرحه (٤). (١) في الباب رقم (٨) منه: الأحاديث (٥٥٩٢ -٥٥٩٦). (٢) وهو الحديث الآتي برقم (٥٥). (٣) وهو الحديث الأول في ((صحيح البخاري)). (٤) في باب (١٨) من قال: إن الإيمان هو العمل. ٢٨٩ باب ٤١ كتاب الإيمان وأمَّا الإيمان بمعنى التصديق، فلا يحتاج إلى نيَّة كسائرٍ أعمال القلوب، من خَشْية الله وعَظَمَته ومَحَبَّته والتقُّب إليه، لأنها مُتميِّزة لله تعالى فلا تحتاج لنيَّةٍ تُميِّزها، لأنَّ النيَّة إِنَّما تُميِّز العمل لله عن العمل لغيره رياء، وتُميِّز مراتب الأعمال كالفرضِ عن النّذْب، وتُميِّز العبادة عن العادة كالصوم عن الحِمْية. قوله: ((والوضوء)) أشار به إلى خلاف مَن لم يشترط فيه النيّة كما نُقِلَ عن الأوزاعيِّ وأبي حنيفة وغيرهما، وحُجَّتهم أنه ليس عبادة مُستقِلّة، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة، ونُوقِضوا بالتيمُم فإنَّه وسيلة، وقد اشترطَ الحنفيّة فيه النيّة، واستدلَّ الجمهور على اشتراط النيّة في الوضوء بالأدلَّة الصحيحة المصرِّحة بوعدِ الثَّواب عليه، فلا بُدَّ من قَصْد يُميِّزه عن غيره ليَحصُل الثَّواب الموعود، وأمَّا الصلاة فلم يُخْتَلَف في اشتراط النيّة فيها، وأمَّا الَّكاة فإنَّا تَسْقُط بأخذِ السُّلْطان ولو لم يَنْوِ / صاحب المال، لأنَّ السُّلْطان قائم مقامه، وأمَّا الحج فإنَّما ١٣٦/١ ينصرف إلى فرض مَن حَجَّ عن غيره لدليلٍ خاص، وهو حديث ابن عبّاس في قِصَّة شُبْرُمةَ(١)، وأمَّا الصوم فأشار به إلى خلاف مَن زَعَمَ أنَّ صيام رمضان لا يحتاج إلى نيَّة، لأنه مُتَميِّز بنَفْسِه كما نُقِلَ عن زُفَر. وقَدَّمَ المصنّف الحج على الصوم تمسُّكاً بما وَرَدَ عنده في حديث: ((بُنيَ الإسلام)) وقد تقدَّم (٨). قوله: ((والأحكام)) أي: المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكِحة والأقارير وغيرها، وكل صورة لم يُشتَرَط فيها النّيَّة فذاكَ لدليلٍ خاص، وقد ذكر ابن المنيِّرِ ضابطاً لما يُشتَرَط فيه النيّة ممَّا لا يُشتَرَط فقال: كل عمل لا تَظْهَر له فائدة عاجلة، بل المقصود به طلب الثَّواب، فالنيَّة مُشتَرَطة فيه، وكل عمل ظهرتْ فائدته ناجزة وتَعاطَتْه الطَّبيعة قبل الشَّريعة لمُلَاءَمة بينهما، فلا تُشترَط النيَّة فيه إلَّا لمن قَصَدَ بفعلِه معنَى آخر يترتَّب عليه الثَّواب. قال: وإنَّما اختلفَ العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مَناط التفرقة. قال: وأمَّا ما كان من المعاني المحضة كالخوفِ والرَّجاء، فهذا لا يقال باشتراط (١) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣) و(٢٩٠٤)، وصححه ابن حبان (٣٩٨٨). ٢٩٠ باب ٤١ / ح ٥٤-٥٥ فتح الباري بشرح البخاري النيّة فيه، لأنه لا يُمكِن أنْ يقع إلَّا مَنْويّاً، ومتى فُرِضَت النيّة مفقودة فيه استحالَتْ حقيقته، فالنيّة فيه شرط عقلي، ولذلك لا تُشترَط النيَّ للنيّة فِراراً من التسلسل، وأمَّا الأقوال فتحتاج إلى النّيَّة في ثلاثة مواطن: أحدها: التقرُّب إلى الله فِراراً من الرّياء، والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتَمِلة لغير المقصود، والثالث: قَصْد الإنشاء ليَخرُجِ سَبْق اللِّسان. قوله: ((وقال الله تعالى)) قال الكِرْمانيُّ: الظاهر أنها جملة حاليَّة لا عَطْف، أي: والحال أنَّ الله قال. ويحتمل أنْ تكون للمُصاحبة، أي: مع أنَّ الله قال. قوله: ((على نِيَّتَه)) تفسير منه لقوله: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ،﴾ بحذف أداة التفسير، وتفسير الشاكلة بالنيّة صَحَّ عن الحسن البصري ومعاوية بن قُرّة المُزني وقتادة، أخرجه عبد بن مُميدٍ والطبري عنهم، وعن مجاهد قال: الشاكلة: الطريقة أو الناحية، وهذا قول الأكثر، وقيل: الدِّين. وكلّها متقاربة. قوله: ((ولكنْ جهاد ونيّة)) هو طرف من حديث لابن عبَّاس أوَّله: ((لا هِجْرة بعد الفتح)»، وقد وَصَلَه المؤلِّف في الجهاد وغيره من طريق طاووس عنه، وسيأتي (٢٧٨٣). ٥٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمةَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ بنِ وَقَّاصٍ، عن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((الأعمالُ بالنَّّةِ ولِكلِّ امِرِئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه إلى الله ورسولِه، فهِجْرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانت هِجْرتُه لُنْیا يُصِيبُها أو امرأةٍ يتزوَّجُها، فهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إلیه)). قوله: ((الأعمالُ بالنية)) كذا أورده من رواية مالكِ بحذف ((إنما)) من أوله، وقد رواه مسلم (١٩٠٧) عن القَعْنبي، وهو عبد الله بن مَسْلَمة المذكورُ هنا بإثباتها، وتقدم الكلام على نُكَتٍ من هذا الحديث أولَ الکتاب. ٥٥ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ منهالٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَدِيُّ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ يزيدَ، عن أبي مسعودٍ، عن النبيِّ ◌َلِّ قال: ((إذا أَنفَقَ الرجلُ على أهلِهِ يَحتسِبُها، فهو له صَدَقةٌ)). [طرفاه في: ٤٠٠٦، ٥٣٥١] ٢٩١ باب ٤١ / ح ٥٦ كتاب الإيمان قوله: ((عبد الله بن يزيد)) هو الخَطْمي، بفتح المعجَمة وسكون الطاء المهملة، وهو صحابي أنصاري، روى عن صحابي أنصاري، وسيأتي ذِكْر أبي مسعود المذكور في ((باب مَن شهد بدراً)) من المغازي (٤٠٠٦)، ويأتي الكلام على حديثه في كتاب النَّفقات إن شاء الله تعالی. والمقصود منه في هذا الباب قوله: ((يَحَتَسِبها))، قال القُرْطبي: أفاد منطوقه أنَّ الأجر في الإنفاق إنَّما يَحصُل بقَصْدِ القُرْبة سواء كانت واجبة أو مباحة، وأفاد مفهومه أنَّ مَن لم يَقصِد القُرْبة، لم يُؤْجَر، لكن تَبْرَأ ذِمَّته من النَّفَقة الواجبة لأنها معقولة المعنى، وأطلق الصدقة على النَّفقة مجازاً والمراد بها الأجر، والقرينة الصارفة عن الحقيقة الإجماع على جواز النَّفَقة على الزوجة الهاشميَّة التي حُرِّمَتْ عليها الصدقة. ٥٦- حدَّثنا الحكمُ بنُ نافع، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْري، قال: حذَّثني عامرُ بنُ سَعْدٍ، عن سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ أَنَّه أخبره، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((إِنَّكَ لن تُنْفِقَ نَفَقةً تَبْتَغي بها وجهَ الله، إلا أُجِرْتَ عليها، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امرأتِكَ)). [أطرافه في: ١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣] ١٣٧/١ قوله: ((إِنَّك)) الخِطاب لسعدٍ، والمراد: هو ومَن يصح منه الإنفاق. قوله: (وَجْه الله)) أي: ما عند الله من الثَّواب. قوله: ((إلَّا أُجِزْت)) يحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ الفعل لا يقع استثناء. قوله: ((حتَّى)) هي عاطفة وما بعدها منصوب المحل، و((ما)) موصولة والعائد محذوف. قوله: ((في فم امرأتك)) وللكُشْمِيهَني: ((في فِي امرأتِك)) وهي رواية الأكثر، قال القاضي عِيَاض: هي أصوب لأنَّ الأصل حذف الميم بدليلٍ جمعه على: أفواه، وتصغيره على: فُوَيْه. قال: وإنَّما يَحسُن إثبات الميم عند الإفراد، وأمَّا عند الإضافة فلا إلّا في لغة قليلة، انتهى. وهذا طرف من حديث سعد بن أبي وَقَّاص في مَرَضه بمكَّة وعيادة النبي ◌َّ له وقوله: ((أُوصي بشَطْرِ مالي)) الحديث. وسيأتي الكلام عليه في كتاب الوصايا (٢٧٤٢) ٢٩٢ باب ٤٢ فتح الباري بشرح البخاري إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله: ((تَبتَغي - أي: تَطلُب - بها وجه الله)). واستَنْبَطَ منه النَّووي أنَّ الحَظَّ إذا وافق الحقَّ لا يَقدَح في ثوابه؛ لأنَّ وضع اللُّقْمة في في الزوجة يقع غالباً في حالة المُلاعبة، ولشهوة النفس في ذلك مَدْخَل ظاهر، ومع ذلك إذا وَجَّهَ القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثَّواب، حصل له بفَضْلِ الله. قلت: وجاءَ ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللَّقْمة، وهو ما أخرجه مسلم (١٠٠٦) عن أبي ذرِّ فذكر حديثاً فيه: ((وفي بُضْع أحدكم صَدَقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويُؤْجَر؟ قال: نَعَم، أرأيتُم لو وَضَعَها في حرام؟)) الحديث. قال: وإذا كان هذا بهذا المحل - مع ما فيه من حَظ النفس - فما الظنُّ بغيره ممَّا لا حَظَّ لِلنَّفْسِ فيه؟ قال: وتمثيله باللُّقْمة مُبالَغة في تحقيق هذه القاعدة، لأنه إذا ثبت الأجر في لُقْمة واحدة الزوجةٍ غير مُضْطَرّة، فما الظَّن بمَن أطعَمَ لُقَما لمحتاج، أو عَمِلَ من الطاعات ما مَشَقَّتَه فوق مَشَقّةٍ ثَمَن اللُّقْمة الذي هو من الحقارة بالمحلِّ الأدنى. انتهى. وتمام هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مُشاركة الزوج لها في النفع بما يُطْعِمها، لأنَّ ذلك يُؤثِّر في حُسْن بدَنها وهو يَنتَفِعِ منها بذلك، وأيضاً فالأغلَب أنَّ الإنفاق على الزوجة يقع بداعية النفس، بخلاف غيرها فإنَّ يحتاج إلى مُجاهَدَتها، والله أعلم. ٤٢- باب قول النبيِّ وَلات: ((الدِّينُ النصيحةُ لله ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم)) وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. قوله: ((باب قول النبي (وَ ل﴿ الدّين النَّصيحة)) هذا الحديث أورده المصنِّف هنا ترجمة باب، ولم يُرِّجه مسنداً في هذا الكتاب لگوْنه على غير شرطه، ونبّه بإيراده على صلاحيته في الجملة، وما أورده من الآية، وحديث جَرِير يشتمل على ما تضمَّنه، وقد أخرجه مسلم (٩٥/٥٥): حدَّثنا محمد بن عَبَّاد، حدَّثنا سفيان قال: قلت لسُهَيلٍ بن أبي صالح: إنَّ عَمْراً حدَّثنا عن القَعْقاع عن أبيك بحديثٍ، ورَجَوتُ أنْ تُسقِطَ عنِّي رجلاً - أي: فتُحدِّثني به ٢٩٣ باب ٤٢ كتاب الإيمان عن أبيك - قال: فقال:/ سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقاً له بالشام، وهو عطاء ١٣٨/١ ابن يزيد، عن تميم الدّاري أنَّ النبيَّ وَ﴿ قال: ((الدّين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: «الله عزَّ وجلَّ)) الحديث، رواه مسلم أيضاً (٩٦/٥٥) من طريق رَوْح بن القاسم قال: حدَّثنا سُهَيل عن عطاء بن يزيد أنه سمعه وهو يُحدِّث أبا صالح ... فذكره، ورواه ابن خُزيمة (١) من حديث جَرِير عن سُهَيل أنَّ أباه حدَّث عن أبي هريرة بحديث: ((إنَّ الله يَرْضَى لكم ثلاثاً)) الحديث، قال: فقال عطاء بن يزيد: سمعت تميماً الدّاري يقول ... فذكر حديث النصيحة. وقد روي حديث النصيحة عن سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة (٢)، وهو وَهْم من سُهَیل أو مَّن روى عنه لما بَيَّنّاه، قال البخاري في ((تاريخه)» (٣): لا يصح إلّا عن تميم. ولهذا الاختلاف على سُهَيل لم يُرِّجه في ((صحيحه))، بل لم يَحَتَج فيه بسُهَيلِ أصلاً. وللحديث طرق دون هذه في القوّة، منها ما أخرجه أبو يعلى (٢٣٦٢) من حديث ابن عبّاس(٤)، والبَزَّار من حديث ابن عمر (٥)، وقد بَيَّنتُ جميع ذلك في ((تغليق التعليق)) (٥٥/٢-٦١). قوله: ((الدّين النَّصيحة)) يحتمل أنْ يُحِمَل على المبالَغة، أي: مُعظَم الدِّين النصيحة، كما قيل في حديث: ((الحج عَرَفة))(٦)، ويحتمل أنْ يُحمل على ظاهره لأنَّ كل عمل لم يُرِدْ به عامله الإخلاصَ فلیس من الدّین. وقال المازَرِي: النصيحة مُشْتَقّة من نَصَحْتُ العَسَل: إذا صَفَّيته، يقال: نَصَحَ الشيءُ: إذا خَلُص، ونَصَحَ له القول: إذا أخلَصَه له. أو مُستَقّة من النَّصْح: وهي الخياطة بالمِنصَحة، وهي (١) في كتاب ((السياسة)) له، كما في («إتحاف المهرة)) ٨/٣ للحافظ ابن حجر، وحديث أبي هريرة: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٧١٥). (٢) انظر ((مسند أحمد)» (٧٩٥٤). (٣) ((الأوسط)) (المطبوع خطأ باسم ((الصغير))) ٢/ ٣٥. (٤) وهو في ((مسند أحمد)) أيضاً برقم (٣٢٨١). (٥) البزار (٦٢ - كشف الأستار). (٦) أخرجه من حديث عبد الرحمن بن يعمر أبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩) و(٨٩٠)، والنسائي (٣٠٤٤)، وهو في «المسند» (١٨٧٧٣) و((صحيح ابن حبان» (٣٨٩٢). ٢٩٤ باب ٤٢ فتح الباري بشرح البخاري الإبرة، والمعنى: أنه يَلُمُّ شَعَث أخيه بالنُّصْحِ كما تَلُم المِنْصَحةُ، ومنه: التوبة النَّصوح، كأنَّ الذَّنْبِ يُمَزِّق الدّين والتوبة تَخِيطه. قال الخطَّبيُّ: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحَظ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مُفرَدة تُستوفَى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة. وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها: إنَّها أحد أرباع الدّين، وممَّن عَدَّه فيها الإمام محمد بن أسلمَ الطُّوسُّ. وقال النَّووي: بل هو وَحْدَه مُحُصِّل لغرضِ الدِّين كلّه، لأنه مُنحصر في الأُمور التي ذكرها، فالنصيحة لله: وصفه بما هو له أهلٌ، والخضوع له ظاهراً وباطناً، والرَّغْبة في مَحَابِّه بفعلِ طاعته، والرَّهْبة من مساخطِهِ بتركِ معصيته، والجهاد في رَدِّ العاصين إليه. وروى الثَّوْري عن عبد العزيز بن رُفَيْع عن أبي ثُمامة صاحب عليٍّ قال: قال الحَوَاريّون لعيسى عليه السلام: يا روح الله، مَن الناصح لله؟ قال: الذي يُقدِّم حق الله على حق الناس. والنصيحة لكتاب الله: تعلَّمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التِّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم معانيه، وحِفْظ حدوده، والعمل بما فيه، وذَبُّ تحريف المُبْطِلین عنه. والنصيحة لرسوله: تعظيمه، ونصره حَيّاً ومَيتاً، وإحياء سُنَّته بتعلُّمِها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبَّته ومحبَّة أتباعه. والنصيحة لأئمّة المسلمين: إعانتهم على ما حُمِّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغَفْلة، وسَدُّ خُلَّتهم عند الهَفْوة، وجمع الكلمة عليهم، ورَدُّ القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دَفْعهم عن الظُّلْم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمّة المسلمين: أئمّة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببَتُّ علومهم، ونَشْر مناقبهم، وتحسين الظَّن بهم. والنصيحة لعامّة المسلمين: الشَّفَقة عليهم، والسَّعْي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكَفُّ وجوه الأذى عنهم، وأنْ يحب لهم ما يحب لنَفسِه، ويَكْرَه لهم ما يَكْرَه لنفسه. ٢٩٥ باب ٤٢ / ح ٥٧ كتاب الإيمان وفي الحديث فوائد أُخرى: منها: أنَّ الدّين يُطلَق على العمل لكَوْنه سَمَّى النصيحة ديناً، وعلى هذا المعنى بنى المصنّف أكثر كتاب الإيمان. ومنها: جواز تأخير البيان عن وقت الخِطاب، من قوله: ((قلنا: لمن؟)). ومنها: رَغْبة السَّلَف في طلب عُلِّ الإسناد، وهو مُستفاد من قِصَّة سفیان مع سُھیل. ٥٧- حدَّثْنا مُسدّدٌ، قال: حدّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسُ بنُ أبي حازم، عن جَرِیر ابنِ عبدِ الله قال: بايعتُ رسولَ الله ◌ََّ على إقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لكُلِّ مُسلِمٍ. [أطرافه في: ٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤] قوله: ((عن جَرِير بن عبد الله)) هو البجلي، بفتح الجيم، وقیس الراوي عنه وإسماعيل الراوي عن قیس بجلیّان أیضاً، وکلٌّ منھم یُکنی أبا عبد الله، وکلّھم کوفُّون. قوله: ((بايعْت رسول الله ◌ِّ)) قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والّكاة لشُهْرتهما، ولم يَذْكُر الصوم وغيره لدخول ذلك في السَّمْع والطاعة. قلت: زيادة السَّمْع والطاعة وقعت عند المصنِّف في البيوع (٢١٥٧) من طريق سفيان عن ١٣٩/١ إسماعيل المذكور، وله في الأحكام (٧٢٠٤)، ولمسلم (٩٩/٥) من طريق الشَّعْبي عن جَرِير قال: بايعتُ النبيِنَّهَ على السَّمْع والطاعة، فَلَقَّتَي: ((فيما استَطَعْت)) والنُّصْح لكلِّ مسلم. ورواه ابن حِبَّان (٤٥٤٦) من طريق أبي زُرْعة بن عَمْرو بن جَرِير، عن جدّه وزاد فيه: فكان جَرِير إذا اشترى شيئاً أو باع يقول لصاحبِه: اعلم أنَّ ما أخَذْنا منك أحب إلينا مما أعطَيْنَاكَه، فاختَرَ. وروى الطبراني (٢٣٩٥) في ترجمته: أنَّ غُلامه اشترى له فرساً بثلاثِ مئةٍ، فلمَّا رآه جاءَ إلى صاحبه فقال: إنَّ فرسك خير من ثلاث مئةٍ، فلم يَزَلْ يزيده حتَّى أعطاه ثمان مئةٍ. قال القُرْطبي: كانت مُبایعة النبي ◌ّ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجدید عَهْد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفَتْ ألفاظهم. وقوله: ((فيما استَطَعْت)) رُوّيناه بفتح التاء وضمّها، وتوجيههما واضح، والمقصود بهذا التنبيهُ على أنَّ اللّازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق، كما هو المُشترَط في أصل ٢٩٦ باب ٤٢ / ح ٥٨ فتح الباري بشرح البخاري التكليف، ويُشعِر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعَفْوِ عن الهَفْوة وما يقع عن خطأ وسَهْو، والله أعلم. ٥٨- حدَّثنا أبو الثُّعْمان، قال: حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن زياد بنِ عِلاقةً، قال: سمعتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله يقولُ يومَ مات المغيرةُ بنُ شُعْبةَ، قام فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، وقال: عَلَيكُم باتِّقاءِ الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، والوَقَارِ والسَّكِينِةِ حَتَّى يأتيَّكُمْ أميرٌ، فإنَّما يأتيكُمُ الآنَ. ثمَّ قال: استَعْفُوا لأميرِكُم فإنَّه كان يحبُّ العَفْوَ، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فإني أتيتُ النبيَّ ◌ِه قلتُ: أُبَايِعُكَ على الإسلام، فشَرَطَ عليَّ: ((والنُّصْحِ لكلِّ مُسلِمٍ))، فبايَعْتُه على هذا، وربِّ هذا المسجدِ إني ◌َناصح لكم. ثمّ استَغْفَر ونَزَلَ. قوله: ((سمعت جَرِير بن عبد الله)) المسموع من جَرِير حمدُ الله والثَّناء عليه، فالتقدير: سمعت جَرِيراً حَمِدَ الله، والباقي شرح للكيفيَّة. قوله: ((يوم مات المغيرة بن شُعْبة)) كان المغيرة والياً على الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عُرْوة، وقيل: استَناب جَرِيراً المذكور، ولهذا خَطَبَ الخُطْبة المذكورة، حكى ذلك العلائي في ((أخبار زیاد)). والوَقَار، بالفتح: الرَّزانة، والسَّكينة: السُّكون. وإنَّما أمرهم بذلك مُقَدِّماً لتَقْوى الله، لأنَّ الغالب أنَّ وفاة الأُمراء تُؤَدّي إلى الاضطراب والفتنة، ولا سيَّما ما كان عليه أهل الكوفة إذْ ذاكَ من ◌ُخالَفة وُلاة الأُمور. قوله: ((حتَّى يأتيَكُم أمير)) أي: بدل الأمير الذي مات. ومفهوم الغاية هنا، وهو أنَّ المأمور به ينتهي بمجيءٍ الأمير ليس مراداً، بل يلزم ذلك بعد مجيء الأمير بطريق الأَولى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة أنْ لا يعارضه مفهوم الموافقة. قوله: ((الآن)) أراد به تقريب المدَّة تسهيلاً عليهم، وكان كذلك، لأنَّ معاوية لمَّا بَلَغَه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة - وهو زياد - أنْ يسير إلى الكوفة أميراً عليها. قوله: (استَعْفُوا لأميرِكُم)) أي: اطْلُبُوا له العَقْو من الله، كذا في مُعظَم الروايات بالعين ٢٩٧ باب ٤٢ / ح ٥٨ كتاب الإيمان المهملة، وفي رواية ابن عساكر: ((استَغْفِروا)) بغَيْنٍ مُعجَمة وزيادة راءٍ، وهي رواية الإسماعيلي في ((المستخرج)). قوله: ((فإِنَّه كان يحب العَفْو)) فيه إشارة إلى أنَّ الجزاء يقع من جنس العمل. قوله: ((قلت: أُبايعك)) ترك أداة العَطْف إمَّا لأنه بدل من ((أتيت)) أو استئناف. قوله: ((والنُّصْح)) بالخَفْض عَطْفاً على ((الإسلام))، ويجوز نصبه عطفاً على مُقدَّر، أي: شَرَطَ عليَّ الإسلامَ والنصيحةَ. وفيه دليل على كمال شَفَقة الرسول ◌ِل. قوله: (علی هذا) أي: على ما ذُكِر. قوله: ((وربِّ هذا المسجد)) مُشعِرٍ بأنَّ خُطْبَته كانت في المسجد / ويجوز أنْ يكون إشارةً ١٤٠/١ إلى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني (٢٤٦٥) بلفظ: ((وربِّ الكعبة))، وذکر ذلك للتنبيه على شرف المُقْسَم به ليكون أدعَى للقَبُول. قوله: ((الناصحٌ)) إشارة إلى أنه وفَّى بما بايعَ عليه الرسول وَّةِ، وأنَّ كلامه خالصاً عن الغرض. قوله: ((ونزل)) مُشعِر بأنه خَطَبَ على المنبر، أو المراد: قَعَدَ، لأنه في مُقابلة قوله: قام فحَمِدَ الله تعالی. فائدة: التقييد بالمسلم للأغلَب، وإلَّا فالنُّصْح للكافرِ مُعتبَرَ بأنْ يُدْعَى إلى الإسلام ويُشار عليه بالصواب إذا استشار. واختلفَ العلماء في البيع على بَيْعِه ونحو ذلك، فجزم أحمد أنَّ ذلك يختصُّ بالمسلمين، واحتَجَّ بهذا الحديث. فائدة أُخرى: خَتَمَ البخاريُّ كتاب الإيمان بباب النصيحة، مُشيراً إلى أنه عَمِلَ بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السَّقيم، ثمَّ خَتَمَه بخُطْبة جَرِير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه، فأومأ بقوله: ((فإنَّما يأتيكُم الآن)) إلى وجوب التمَسُّك بالشَّرائع حتَّى يأتيَ مَن يقيمُها، إذْ لا تزال طائفةٌ منصورة، وهم فقهاء أصحاب الحديث. وبقوله: (استعفوا الأميرِكم)) إلى طلب الدُّعاء له لعمله الفاضل. ثمَّ خَتَمَ بقوله: ((استَغفَر ونزل)) ٢٩٨ باب ٤٢ / ح ٥٨ فتح الباري بشرح البخاري فأشعَرَ بخَتْم الباب، ثمَّ عَقَّبَه بكتاب العلم لما دلَّ عليه حديث النصيحة أنَّ مُعظَمها يقع بالتعلُّم والتعليم. خاتمة: اشتمل كتاب الإيمان ومُقدِّمَته من بدء الوحي من الأحاديث المرفوعة على أحد وثمانين حديثاً بالمكرَّر منها في بدء الوحي خمسة عشر حديثاً، وفي الإيمان ستة وستون، المكرَّر منها ثلاثة وثلاثون، منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر، ومن الموصول المكرّر ثمانية، ومن التعليق الذي لم يُوصَل في مكان آخر ثلاثة، وبقيَّة ذلك - وهي ثمانية وأربعون حديثاً - موصولة بغير تكرير. وقد وافقه مسلم على تخريجها إلَّا سبعة وهي: الشَّعْبي عن عبد الله بن عَمْرو في المسلم والمهاجر، والأعرَج عن أبي هريرة في حُب الرسول وَّه، وابن أبي صَعْصَعة عن أبي سعيد في: الفِرار من الفتن، وأنس عن عُبادةَ في ليلة القَدْر، وسعيد عن أبي هريرة في: الدّين يُسْر، والأحنَف عن أبي بَكْرة في القاتل والمقتول، وهشام عن أبيه عن عائشة في: أنا أعلمكم بالله. وجميع ما فيه من الموقوفات على الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثراً مُعلَّقة، غير أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خُطْبة جَرِير التي خَتَمَ بها كتاب الإيمان، والله أعلم. ٢٩٩ باب ١ كتاب العلم كتاب العِلْم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ - باب فضل العِلْم وقولُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١]. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. قوله: ((كتاب العلم. بسم الله الرحمن الرحيم. باب فَضْل العلم)» هكذا في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة وغيرهما، وفي رواية أبي ذرِّ تقديم البسملة، وقد قدَّمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان. وليس في رواية المُستَمْلي لفظ ((باب)) ولا في رواية رفيقه لفظ ((كتاب العلم)). فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: بدأ المصنّ بالنَّظَر في فضل العلم قبل النَّظَر في حقيقته، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوُضوح فلا يحتاج إلى تعريف، أو لأنَّ النَّظَر في حقائق الأشياء/ ليس من فنِّ الكتاب، وكلٍّ من العُذْرَينِ(١) ظاهر، لأنَّ البخاري لم يضع كتابه لحدودٍ ١٤١/١ الحقائق وتَصَوُّرها، بل هو جارٍ على أساليب العرب القديمة، فإنَّهم يبدؤون بفضيلة المطلوب للتَّشْويقِ إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة. وقد أنكر ابن العربي في ((شرح التِّرمِذي)) على مَن تَصَدَّى لتعريفِ العلم وقال: هو أبيَن من أنْ يُبَّن. قلت: وهذه طريقة الغَزَالي وشيخه الإمام أنَّ العلم لا يُحَدُّ لوضوحه أو لعُسْرِه. قوله: ((وقولُ الله عزَّ وجلَّ)) ضَبَطْناه في الأُصول بالرفع عَطْفاً على ((كتاب)) أو على الاستئناف. (١) في (س): القدرين! ٣٠٠ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم. ورِفْعة الدَّرَجات تدل على الفضل، إذ المراد به كثرة الثَّواب، وبها ترتَفِع الدَّرَجات، ورَفْعُها يَشْمَلُ المعنويَّة في الدنيا بعُلوِّ المنزلة وحُسْن الصّيت، والِحِسّيَّة في الآخرة بعُلوُّ المنزلة في الجنَّة. وفي ((صحيح مسلم)) (٨١٧) عن نافع بن عبد الحارث الخُّراعي - وكان عامل عمر على مكَّة -: أنه لَقيَه بعُسْفان فقال له: مَن استَخلَفتَ؟ فقال: استخلَفتُ ابن أَبْزَى؛ مَوْلَّى لنا. فقال عمر: استخلفتَ مَوْلَى؟! قال: إنَّه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. فقال عمر: أما إنَّ نبيكم قد قال: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضعُ به آخرينَ)). وعن زيد بن أسلمَ في قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن ثَّشَآءُ ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم. قوله: ((وقوله عَزَّ وجَلّ: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾)) واضح الدّلالة في فضل العلم، لأنَّ الله تعالی لم يأْمُر نبّه وَّه بطلب الازدياد من شيء إلّا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المُكلَّف من أمر دينه عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتَنْزيهه عن النَّقائص، ومَدار ذلك على التفسير والحديث والفقه، وقد ضربَ هذا ((الجامع الصحيح)) في كل من الأنواع الثلاثة بنصيبٍ، فرضي الله عن مصنِّفه، وأعاننا على ما تَصَدَّيْنا له من توضيحه بمَنِّه وَرَمه. فإن قيل: لِمَ لم يُورِد المصنِّف في هذا الباب شيئاً من الحديث؟ فالجواب: أنه إمَّا أنْ يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإمَّا بَيَّضَ له ليُلْحِق فيه ما يناسبه فلم يَتَيسَّر، وإمَّا أورد فيه حديث ابن عمر (٨٢) الآتي بعد ((باب رفع العلم)) ويكون وضعه هناك من تصرُّف بعض الرُّواة، وفيه نظر على ما سنبيِّنْه هناك إن شاء الله تعالى. ونقل الكِرْمانيُّ عن بعض أهل الشام: أنَّ البخاري بَوَّبَ الأبواب وتَرجَمَ التراجم وكتب الأحاديث، ورُبَّمَا بَيَّضَ لبعضِها ليُلْحِقه. وعن بعض أهل العراق: أنه تَعَمَّدَ بعد الترجمة عدم إيراد الحديث، إشارةً إلى أنه لم يَثبُت فيه شيء عنده على شرطه.