Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٣٣ / ح ٤٤
كتاب الإيمان
ثانيهما: أنَّ مُداوِم الخير مُلازمٌ للخِدْمة، وليس مَن لازَمَ الباب في كل يوم وقتاً ما كمَن
لازَمَ يوماً كاملاً ثمَّ انقَطَع. وزاد المصنِّف (٥٨٦١) ومسلم (٧٨٢/ ٢١٥) من طريق أبي
سَلَمَةَ عن عائشة: ((وإنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى الله ما دُورِمَ عليه وإنْ قَّ)).
٣٣- باب زيادة الإیمان ونقصانه
وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنًا﴾ [المدثر: ٣١]،
وقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة:٣]، فإذا ترك شيئاً مِن الكمال فهو ناقصٌ.
٤٤ - حدَّثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلـ
قال: ((يَخْرُجُ مِن النار مَن قال: لا إلهَ إلا الله، وفي قلبِهِ وَزْنُ شَعِيرةٍ من خيرٍ، ويَخْرُجُ مِن النار مَن
قال: لا إلهَ إلا الله، وفي قلبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ من خيرٍ، ويَخْرُجُ مِن النار مَن قال: لا إلهَ إلا الله، وفي قلبِه
وَزْنُ ذَرّةٍ من خيرٍ)).
قال أبو عبد الله: قال أبانُ: حدَّثنا قتادةُ، حدَّثنا أنسٌ، عن النبيِّ وََّ: ((من إيمانٍ)) مكان
«من خیرٍ)).
[أطرافه في: ٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦]
قوله: ((باب زيادة الإيمان ونقصانه)) تقدَّم له قبلُ بستةً عشر باباً ((باب تفاضُل أهل
الإيمان في الأعمال)) وأورد فيه حديث أبي سعيد الخُذْريّ (٢٢) بمعنى حديث أنسٍ الذي
أورده هنا، فتُعُقِّبَ عليه بأنه تَكْرار، وأُجيب عنه بأنَّ الحديث لمَّا كانت الزِّيادة والنُّقصان
فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق، تَرجَمَ لكلِّ من الاحتمالَين، وخَصَّ حديثَ أبي
سعيدٍ بالأعمال؛ لأنَّ سياقه ليس فيه تفاؤُتُ بين الموزونات، بخلاف حديث أنسٍ، ففيه
التفاوتُ في الإيمان القائم بالقلب من وَزْن الشَّعيرة والبُرَّة والذَّرَّة.
قال ابن بَطَّال: التفاوت في التصديق على قَدْر العلم والجَهْل، فمَن قلَّ عِلْمُه كان
تصديقُه مثلاً بمِقْدار ذرَّةٍ، والذي فوقَه في العلم تصديقُه بمِقْدار بُّة، أو شَعيرة، إلّا أنَّ

٢٢٢
باب ٣٣ / ح ٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
أصلَ التصديق الحاصل في قلب كلِّ أحدٍ منهم لا يجوز عليه النُّقصانُ، ويجوزُ عليه الزّيادةُ
بزيادة العلم والمعاينة، انتهى.
وقد تقدَّم كلامُ النَّووي في أوَّل الكتاب بما يشير إلى هذا المعنى، ووقع الاستدلال في
هذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاريُّ لسفيانَ بنِ عُبَينة، أخرجه أبو نُعيم في ترجمته من
((الِحِلْية)) من طريق عَمْرو بن عثمان الرَّي قال: قيل لابن عُبَينة: إنَّ قوماً يقولون: الإيمانُ
كلامٌ، فقال: كان هذا قبل أنْ تُنَزَّل الأحكامُ، فأُمِرَ الناسُ أنْ يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا
قالوها عَصَموا دِماءَهم وأموالهم، فلمَّا عَلِمَ الله صِدْقَهم أمرهم بالصلاة ففَعَلوا، ولو لم
يَفْعَلوا ما نَفَعَهم الإقرارُ. فذكر الأركانَ إلى أنْ قال: فلمَّا عَلِمَ الله ما تَتابعَ عليهم من
الفرائض وقَبُولهم قال: ﴿ اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمَن ترك شيئاً من
ذلك كَسَلاً أو مُجُوناً أدَّبْناهُ على ذلك، وكان ناقصَ الإيمان، ومَن تركها جاحداً كان كافراً.
انتهى مُلخَّصاً.
وتَبِعَه أبو عُبيد في كتاب ((الإيمان)) له فذكر نحوه وزاد: إنَّ بعض المخالفين لمَّا أُلزِمَ
بذلك أجاب بأنَّ الإيمانَ ليس هو مجموعَ الدِّين، إنَّما الدّينُ ثلاثةُ أجزاءٍ: الإيمانُ جزءٌ،
والأعمالُ جزءان، لأنها فرائضُ ونوافل.
١٠٤/١
وتعقَّبه أبو عُبيد بأنه خلاف ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللّهِ
اُلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والإسلام حيثُ أُطلِقَ مُفرَداً دخل فيه الإيمانُ كما تقدَّم تقريره.
فإن قيل: فلِمَ أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتينِ فيه وقد تقدَّمتا في أوَّل كتاب
الإيمان؟ فالجواب: أنه أعادهما ليُوطِّئ بهما معنى الكمال المذكور في الآية الثالثة، لأنَّ
الاستدلال بهما نَصٌّ في الزّيادة، وهو يستلزم النقص، وأمَّا الكمال فليس نصّاً في الزيادة، بل
هو مُستلزِم للنقصِ فقط، واستِلْزامه للنقصِ يَسْتَدْعي قَبُوله الزِّيادة، ومن ثَمَّ قال المصنّف:
((فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص)) ولهذه النُّكْتَة عَدَلَ في التعبير للآية الثالثة عن
أُسلوب الآيتين حيثُ قال أوَّلاً: ((وقول الله))، وقال ثانياً: ((وقال))، وبهذا التقرير يَندفِع

٢٢٣
باب ٣٣ / ح ٤٤
كتاب الإيمان
اعتراض مَن اعتَرَضَ عليه بأنَّ آية ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لا دليل فيها على مراده، لأنَّ
الإكمال إنْ كان بمعنى إظهار الحُجّة على المخالفين، أو بمعنى إظهار أهل الدّين على
المشركين، فلا حُجّة للمصنّف فيه، وإنْ كان بمعنى إكمال الفرائض لَزِمَ علیه أنه كان قبل
ذلك ناقصاً، وأنَّ مَن مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصاً، وليس الأمر
كذلك، لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تاماً.
ويُوضح دَفْع هذا الاعتراض جوابُ القاضي أبي بكر بن العربي بأنَّ النقص أمر نسبي،
لكن منه ما يترتَّب عليه الذَّم ومنه ما لا يترتَّب عليه، فالأوَّل ما نَقْصه بالاختيار كمَن عَلِمَ
وظائف الدّين ثمَّ تركها عَمْداً، والثاني ما نَقْصه بغير اختيار كمَن لم يعلم أو لم يُكلَّف، فهذا
لا يُذَم بل يُحمَد من جهة أنه كان قلبه مطمئناً بالإيمان بأنه لو زيدَ لقَبِلَ، ولو كُلِّفَ لَعَمِل،
وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض.
وتُحصَّله: أنَّ النقص بالنِّسبة إليهم صُوري نِسْبي، ولهم فيه رُتْبة الكمال من حيثُ
المعنى. وهذا نظير قول من يقول: إنَّ شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى، لاشتماله
من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله، ومع هذا فشرع موسی في زمانه كان كاملاً،
وتَجدَّدَ في شرع عيسى بعده ما تَجدَّد، فالأكمليَّة أمر نسبي كما تَقرَّر، والله أعلم.
قوله: ((هشام)) هو ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي، يُكْنى أبا بكر، وفي طبقته هشام بن
حَسّان لكنَّه لم يَرْوِ هذا الحديث.
قوله: ((يَخْرُج)) بفتح أوَّله وضم الراء، ويُروى بالعكس، ويؤيِّده قوله في الرواية الأُخرى:
((أخرجوا)).
قوله: ((مَن قال: لا إله إلّا الله، وفي قلبه)) فيه دليلٌ على اشتراط النُّطْق بالتوحيد، أو المراد
بالقول هنا: القولُ النفسي، فالمعنى: مَن أقرَّ بالتوحيدِ وصَدَّق، فالإقرار لا بُدَّ منه، فلهذا
أعاده في كل مَّة، والتفاوت يَحَصُل في التصديق على الوجه المتقدِّم.
فإنْ قيل: فكيف لم يَذكُر الرِّسالة؟ فالجواب: أنَّ المراد المجموعُ، وصار الجزء الأوَّل

٢٢٤
باب ٣٣ / ح ٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
عَلَماً عليه كما تقول: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ أي: السورة كلّها.
قوله: ((بُرّة)) بضم الموخَّدة وتشديد الراء المفتوحة وهي القَمْحة، ومقتضاه أنَّ وَزْن
البُرّة دون وَزْن الشَّعيرة، لأنه قَدَّمَ الشَّعيرة وتلاها بالبُرّة ثمَّ الذَّرّة، وكذلك هو في بعض
البلاد.
فإنْ قيل: إنَّ السِّياق بالواو، وهي لا تُرتِّب. فالجواب: أنَّ رواية مسلم (٣٢٥/١٩٣)
من هذا الوجه بلفظ ((ثمَّ)) وهي للترتيب.
قوله: ((ذَرّة)) بفتح المعجَمة وتشديد الراء المفتوحة، وصَحَّفَها شُعْبٌ - فيما رواه مسلم
(٣٢٥/١٩٣) من طريق يزيد بن زُرَيع عنه - فقال: ذُرَة، بالضم وتخفيف الراء، وكأنَّ
الحامل له على ذلك كَوْنها من الحُبوب فناسبت الشَّعيرة والبُرّة. قال مسلم في روايته: قال
يزيد: صَحَّفَ فيها أبو بِسْطامَ، يعني شُعْبة.
ومعنى الذَّرَّة قيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الهباء الذي يَظْهر في شُعاع
الشمس مِثل رُؤوس الإبر، وقيل: هي النَّمْلة الصغيرة، ويُروى عن ابن عبّاس أنه قال: إذا
وَضَعتَ كَفَّكَ في التُّرابِ ثمَّ نَفَضْتَها فالساقطُ هو الذَّر. ويقال: إنَّ أربعَ ذراتٍ وَزْنُ
خَرْدلةٍ. وللمصنّف في أواخر التوحيد (٧٥٠٩) من طريق محُميد عن أنسٍ مرفوعاً: ((أُدخِلَ
الجنَّةَ مَن كان في قلبه خَرْدلةٌ، ثمَّ مَن كان في قلبه أدنى شيءٍ)) وهذا معنى الذَّرّة.
قوله: ((قال أَبانُ)) هو ابن يزيد العَطَّار، وهذا التعليق وَصَلَه الحاكم في كتاب ((الأربعين))
له من طريق أبي سَلَمةَ موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا أبان بن يزيد ... فذكر الحديث.
وفائدة إيراد المصنِّف له من چهتين:
إحداهما: تصریح قتادة فیه بالتحدیث عن أنس.
١٠٥/١
ثانيتهما: تعبيره في المتن بقوله: ((من إيمان)) بدل قوله: ((من خير))، فبيَّن أنَّ المراد بالخيرِ
هنا الإيمان.
فإنْ قيل: على الأولى لِمَ لم يكتفِ بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة؟

٢٢٥
باب ٣٣ / ح ٤٥
كتاب الإيمان
فالجواب: أنَّ أبانَ وإنْ كان مقبولاً لكنْ هشامٌ أتقنُ منه وأضبَطُ، بل قال أبو داود
الطَّيَالسي: ما روى الناس عن أثبت من هشام الدَّستُوائي(١)، فجمع المصنّف بين المصلحتين.
والله الموفِّق.
وسيأتي الكلام على بقيَّة هذا المتن في كتاب التوحيد (٧٤١٠) حيثُ ذكر المصنّف حديث
الشفاعة الطّويل من هذا الوجه، ورجال هذا الحديث موصولاً ومُعلَّقاً كلُّهم بصريُّون.
٤٥- حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّاح، سَمِعَ جعفرَ بنَ عَوْنٍ، حدَّثنا أبو العُمَيْس، أخبرنا قيسُ بنُ
مُسلِم، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ، عن عمرَ بنِ الخطّاب: أنَّ رجلاً مِن اليهودِ قال له: يا أميرَ المؤمنينَ،
آيَةٌ في كتابِكُمْ تَقرؤُونها لو عَلَيْنا مَعشَرَ اليهودِ نَزَلَتْ، لاَّخَذْنا ذلكَ اليومَ عِيداً. قال: أيُّ آية؟ قال:
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَنَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قال
عمرُ: قد عَرَفْنا ذلكَ اليومَ والمكان الذي نَزَلَتْ فيه على النبيِّ ◌َِّ؛ وهو قائمٌ بَعَرَفَةَ يومَ مُمُعَةٍ.
[أطرافه في: ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨]
قوله: ((حدَّثنا الحسن بن الصَّاح، سَمِعَ جعفر بن عَوْن)) مراده ((أنه سمع))، وجَرَتْ
عادتهم بحذف ((أنه)) في مِثل هذا خَطّاً لا نُطْقاً كقال.
قوله: ((أنَّ رجلاً من اليهود)) هذا الرجل هو كَعْب الأحبار، بيَّن ذلك مُسدَّد في ((مسنده))
والطبري في ((تفسيره)) والطبراني في ((الأوسط)) كلّهم من طريق رجاء بن أبي سَلَمة، عن
عُبادةَ بن نُسَي، بضم النون وفتح المهملة، عن إسحاق بن خَرَشة، عن قَبِيصةَ بن ذُؤَيْب،
عن گَعْبٍ(٢).
(١) من قوله: ((بل قال أبو داود)) إلى هنا سقط من (س).
(٢) السند بهذه السياقة عند الطبري في ((تفسيره)) ٦/ ٨٢-٨٣، وأخطأ فيه حيث جعله من روايه عبادة بن
نسي عن إسحاق بن خَرَشَة عن قبيصة بن ذؤيب عن كعب، وإسحاق بن خرشة غير معدود في الرواة
عند أحد، وصواب الإسناد: عبادة بن نسي عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن كعب الأحبار، هكذا
أخرجه مسدّد - كما في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر ٢٧١/٨ - والطبراني في «الأوسط)) (٨٣٠)، فإن
کان إسحاق بن قبيصة لم يسمع هذا الخبر من کعب نفسه، فهو مرسل.

٢٢٦
باب ٣٣ / ح ٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
وللمصنّف في المغازي (٤٤٠٧) من طريق الثَّوْري، عن قيس بن مسلم: أنَّ ناساً من
اليهود. وله في التفسير (٤٦٠٦) من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود. فيُحمل على أنهم
کانوا حین سؤال گعْب عن ذلك جماعة، وتکلّم کَعْب على لسانهم.
قوله: ((لاتَّخَذْنا ... )) إلى آخره، أي: لَعَظَّمْناه وجعلناه عيداً لنا في كل سنة لعِظَم ما حصل
فيه من إكمال الدّين. والعيد فعلٌ من العَوْد، وإنَّما سُمّيَ به لأنه يعود في كلِّ عام.
قوله: ((نزلت فيه على النبيِّ وَ﴿)) زاد مسلم (٥/٣٠١٧) عن عبد بن حُميدٍ عن جعفر بن
عَوْن في هذا الحديث ولفظه: ((إني لأعلم اليوم الذي أُنزِلَتْ فيه، والمكان الذي نزلت فيه))،
وزاد أحمد (١) عن جعفر بن عَوْن: ((والساعة التي نزلت فيها على النبيِّ وَّ).
فإن قيل: كيف طابق الجوابُ السؤال، لأنه قال: لاتَّخَذْناه عيداً، وأجاب عمر ظه
بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل: جعلناه عيداً؟ والجواب عن هذا: أنها نزلت في أُخرَيات
نهار عَرَفة، ويوم العيد إنَّما يَتحقَّق بأوَّلِهِ، وقد قال الفقهاء: إنَّ رُؤْية الهلال بعد الزَّوال
للقابلة، قاله هكذا بعض من تقدَّم.
وعندي أنَّ هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلَّا فرواية إسحاق عن قَبِيصة التي
قدَّمناها قد نَصَّتْ على المراد ولفظه: ((نزلت يوم جمعة يوم عَرَفة، وكلاهما بحَمْدِ الله لنا
عيد)) ولفظ الطبري والطبراني: ((وهما لنا عيدان))، وكذا عند التِّرمِذي (٣٠٤٤) من حديث
ابن عبّاس: ((أنَّ يهوديّاً سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة ويوم عَرَفة))،
فظهر أنَّ الجواب تَضمَّنَ أنهم النَّخَذوا ذلك اليوم عيداً وهو يوم الجمعة، والّخذوا يوم عرفة
عيداً، لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاءَ في الحديث الآتي في الصيام (١٩١٢): ((شهرا عيدٍ: لا
يَنقُصان: رمضان وذو الحِجّة)) فسُمّيَ رمضان عيداً لأنه يَعقُبه العيد.
١٠٦/١
فإن قيل: كيف دلَّتْ هذه القصَّة على ترجمة الباب؟ أُجيب: من جهة أنها/ بَيَّنَتْ أنَّ
نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حَجّة الوداع التي هي آخر عَهْد البِعْثة حين تمَّت الشَّريعة
(١) لفظ ((أحمد) سقط من (س)، وهذه الزيادة عنده في ((مسنده)) عن جعفر بن عون برقم (١٨٨).

٢٢٧
باب ٣٤ / ح ٤٦
كتاب الإيمان
وأركانها، والله أعلم. وقد جزم السُّدّي بأنه لم يَنزِل بعد هذه الآية شيء من الحلال
والحرام.
٣٤- باب الزَّكاة من الإسلام
وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ
اٌلْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة:٥].
٤٦- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حذَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن عَمِّه أبي سُهَيلٍ بنِ مالكٍ، عن أبيه
أَنَّه سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عُبيدِ الله يقولُ: جاءَ رجلٌ إلى رسول الله وَِّ من أهلِ نَجْدٍ ثائرُ الرَّأْس،
يُسمَعُ دَوِيُّ صَوْتِه ولا يُفْقَه ما يقولُ، حتَّى دَنا فإذا هو يَسألُ عن الإسلام، فقال رسولُ الله
وَّ: ((خمسُ صَلَواتٍ في اليوم والليلة)) فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ)) قال
رسولُ الله ◌َّ: ((وصِيامُ رمضانَ)) قال: هل عليَّ غيرُه؟ قال: ((لا إلا أنْ تَطْوَّعَ)) قال: وذكر له
رسولُ اللهَ وَّةِ الزَّكَاةَ قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ)) قال: فأدَبَرَ الرجلُ وهو
يقولُ: والله لا أَزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ، قال رسولُ الله ◌َّ: ((أَفَلَحَ إِنْ صَدَقَ)).
[أطرافه في: ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦]
قوله: ((باب الزَّكاة من الإسلام ﴿وَمَآ أُمِرُواْ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((وقول الله: ﴿وَمَآ
أُمِرُواْ﴾)) ويأتي فيه ما مضى في ((باب الصلاة من الإيمان))(١)، والآية دالّة على ما تُرجِمَ له،
لأنَّ المراد بقوله: ﴿ِينُ اٌلْقَيِّمَةِ﴾ دين الإسلام، والقَيِّمة: المستقيمة، وقد جاءَ ((قامَ)) بمعنى
استَقام في قوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] أي: مستقيمة. وإنَّما خَصَّ الزّكاة
بالترجمة، لأنَّ باقيَ ما ذُكِر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أُخرى.
ورجال إسناد هذا الحديث كلّهم مدنُّون، ومالك والد أبي سُهَيل: هو ابن أبي عامر
الأصبحي حَليف طَلْحة بن عبيد الله، وإسماعيل: هو ابن أبي أُوَيس ابن أُخت الإمام
مالك، فهو من رواية إسماعيل عن خاله، عن عمّه، عن أبيه، عن حَليفه، فهو مُسَلْسَل
(١) باب رقم (٣٠).

٢٢٨
باب ٣٤ / ح ٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالأقارب كما هو مُسَلسَل بالبلد.
قوله: ((جاءَ رجل)) زاد أبو ذرٍّ: ((من أهل نَجْد)) وكذا هو في ((الموطَّأ)) (١ /١٧٥) ومسلم
(١١).
قوله: ((ثائرُ الرَّأْس)) هو مرفوع على الصِّفة، ويجوز نصبه على الحال، والمراد أنَّ شعره
مُتَفرِّق من ترك الرَّفاهية، ففيه إشارة إلى قُرْب عَهْده بالوِفادة، وأوقَعَ اسم الرأس على
الشَّعر إمَّا مُبالَغة أو لأنَّ الشَّعر منه يَنْبُت.
قوله: ((يُسمَع)) بضم الياء على البناء للمفعول، أو بالنون المفتوحة للجمع، وكذا في
(يُفقَه)).
قوله: ((دَوِيُّ)) بفتح الدَّال وكسر الواو وتشديد الياء، كذا في روايتنا، وقال القاضي
عِيَاض: جاءَ عندنا في ((البخاري)) بضم الدَّال. قال: والصواب الفتح.
وقال الخطَّايُّ: الدّوي: صوت مرتفع مُتكرِّر ولا يُفهم، وإنّما کان کذلك لأنه نادی من
بُعْد.
وهذا الرجل جزم ابن بَطَّال وآخرون بأنه ضِمَام بن ثَعْلبة، وافد بني سعد بن بكر.
والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم لقِصَّتِهِ عَقِب حديث طَلْحة، ولأنَّ في كُلِّ منهما أنه
بدوي، وأنَّ كُلَّا منهما قال في آخر حديثه: ((لا أزيد على هذا ولا أنقُص)).
لكن تعقَّبه القُرْطبي بأنَّ سياقهما مُخُتِلِفٍ، وأسئلتهما مُتَباينة، قال: ودعوى أنهما قِصَّة
واحدة دعوى فَرَط، وتكلّف شَطَط، من غير ضرورة، والله أعلم. وقَوّاه بعضهم بأنَّ ابن
سعد وابن عبد البَرِّ وجماعة لم يَذكُروا لضِمام إلَّ الأوَّل، وهذا غير لازم.
١٠٧/١
قوله: ((فإذا هو يسأل عن الإسلام)) أي: عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن
حقيقة الإسلام، وإنَّما لم يَذكُر له الشهادة لأنه عَلِمَ أنه يعلمها أو عَلِمَ أنه إنَّما يسأل عن
الشَّرائع الفعليّة، أو ذكرها ولم يَنقُلها الراوي لشُهْرِتِها، وإنَّما لم يَذكُر الحج إمَّا لأنه لم يكن
فُرِضَ بعدُ أو الراوي اختصره، ويؤيِّد هذا الثاني ما أخرجه المصنِّف في الصيام (١٨٩١)

٢٢٩
باب ٣٤ / ح ٤٦
كتاب الإيمان
من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سُهَيل في هذا الحديث قال: فأخبره رسول الله وَّل
بشرائع الإسلام، فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات.
قوله: ((خمس صَلَوات)) في رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قال في سؤاله: أخبرني
ماذا فَرَضَ الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: ((الصلوات الخمس))، فتَبيَّن بهذا مطابقة الجواب
للسؤال. ويستفاد من سياق مالك أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير
الخمس، خلافاً لمن أوجَبَ الوِتْر أو رَكْعتَي الفَجْر أو صلاة الضُّحَى أو صلاة العيد أو
الرَّكْعتَينِ بعد المغرب.
قوله: ((هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلَّا أنْ تَطَّوَّع))، ((تَطََّّع)) بتشديد الطاء والواو، وأصله:
تَتَطَوَّع بتاءَينٍ فَأَدْغِمَتْ إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما.
واستُدلَّ بهذا على أنَّ الشُّروع في التطوُّع يُوجِب إتمامه تمسُّكاً بأنَّ الاستثناء فيه مُتَّصِل،
قال القُرْطبي: لأنه نفي وجوب شيء آخر إلَّا ما تَطَوَّعَ به، والاستثناء من النَّفي إثبات، ولا
قائل بوجوب التطوُّع، فيتعيَّن أنْ يكون المراد إلَّا أنْ تَشْرَع في تَطَوُّع فيلزمك إتمامه. وتعقَّبه
الطِّيبي بأنَّ ما تَسَّكَ به مُغالطة، لأنَّ الاستثناء هنا من غير الجنس، لأنَّ التطوُّع لا يقال
فيه: ((عليك)) فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلَّا إِنْ أَرَدْت أنْ تَطَّوَّع فذلك لك، وقد عُلِمَ
أنَّ التطوُّع ليس بواجبٍ، فلا يجب شيء آخر أصلاً. كذا قال، وحرف المسألة دائر على
الاستثناء، فمَن قال: إنَّه مُتَّصِل، تَمَسَّكَ بالأصل، ومَن قال: إنَّه مُنقطِع، احتاجَ إلى دليل،
والدليل عليه ما روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان أحياناً ينوي صوم التطوُّع ثمَّ
يُفطِر (١)، وفي البخاري (١٩٨٦): أنه أمَرَ جُوَيرية بنت الحارث أنْ تُفطِر يوم الجمعة بعد أنْ
شَرَعَتْ فيه، فدلَّ على أنَّ الشُّروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة، بهذا النَّص
في الصوم وبالقياس في الباقي.
فإنْ قيل: يَرِدُ الحج، قلنا: لا، لأنه امتازَ عن غيره بلزوم المُضيِّ في فاسده فکیف في
(١) أخرجه مسلم (١١٥٤)، والنسائي (٢٣٢٢).

٢٣٠
باب ٣٤ / ح ٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
صحيحه. وكذلك امتازَ بلزوم الكَفّارة في نَفْله كفرضِه، والله أعلم.
على أنَّ في استدلال الحنفيّة نظراً لأنهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه،
واستثناء الواجب من الفرض مُنقطِع لتَبايُنِهما. وأيضاً فإنَّ الاستثناء من النَّفي عندهم ليس
للإثبات، بل مسكوت عنه، وقوله: ((إلَّا أنْ تَطَّوَّع)) استثناء من قوله: لا، أي: لا فرض
علیك غيرها.
قوله: ((وذكر رسول الله وَ ل﴿ الزَّكاة)) في رواية إسماعيل بن جعفر (١٨٩١) قال: أخبِرْني
بما فرضَ الله عليَّ من الزّكاة، قال: فأخبره رسول الله وَ ل بشرائع الإسلام. فتَضمَّنَتْ هذه
الرواية أنَّ في القِصَّة أشياء أُجِلَت، منها بيان نُصُب الزّكاة فإنَّها لم تُفسَّر في الروايتين، وكذا
أسماء الصلَوات، وكأنَّ السبب فيه شُهْرة ذلك عندهم، أو القصد من القِصَّة بيان أنَّ
المتمسِّك بالفرائضِ ناجٍ وإنْ لم يفعلِ النَّوافل.
قوله: ((والله)) في رواية إسماعيل بن جعفر فقال: ((والذي أكرَمَك)). وفيه جواز الحَلِف
في الأمر المهم، وقد تقدَّم.
قوله: (أفلَحَ إنْ صَدَقَ)) وقع عند مسلم (٩/١١) من رواية إسماعيل بن جعفر
المذكورة: ((أفلَحَ وأبيه إنْ صَدَقَ، أو دخل الجنَّة وأبيه إنْ صَدَقَ))، ولأبي داود (٣٩٢) مثله
لکن بحذف (أو)».
فإنْ قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحَلِفِ بالآباءِ؟ أُجيب: بأنَّ ذلك كان قبل
النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللِّسان لا يُقصَد بها الخَلِفِ، كما جَرَى على لسانهم: عَقْرَى
حَلْقَى(١)، وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرَّب كأنه قال: وربِّ أبيه، وقيل: هو خاص،
ويحتاج إلى دلیل.
وحكى السُّهَيلي عن/ بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنَّما كان: والله،
١٠٨/١
فقُصِّرَت اللّامان. واستَنكَرَ القُرْطبي هذا، وقال: إنَّه مدفوعٌ بجَزْم الثِّقة بالروايات
(١) يقال ذلك للمرأة المؤذية، أي: عَقَرها اللهُ وحلقها اللهُ حلقاً.

٢٣١
باب ٣٤ / ح ٤٦
كتاب الإيمان
الصحيحة. وغَفَلَ القَرَافي فادَّعَى أَنَّ الرواية بلفظ ((وأبيه)) لم تصح، لأنها ليست في
((الموطَّأ))، وكأنه لم يَرتضِ الجواب فعَدلَ إلى ردِّ الخبر، وهو صحيح لا مِرْية فيه، وأقوى
الأجوبة الأوَّلان.
وقال ابن بَطَّل: دلَّ قوله: ((أفلَحَ إِنْ صَدَقَ)) على أنه إنْ لم يَصْدُق فيما الْتَزَمَ لا يُفْلِحِ،
وهذا بخلاف قول المُرْجِئة، فإن قيل: كيف أثبتَ له الفلاح بمجرَّدٍ ما ذكر مع أنه لم یذكُر
المنهيَّات؟ أجاب ابن بَطَّل باحتمال أنْ يكون ذلك وقع قبل وُرود فرائض النهي. وهو
عَجيب منه؛ لأنه جزم بأنَّ السائل ضِمام، وأقدَم ما قيل فيه: إنَّه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد
ذلك، وقد كان أكثر المنهيَّات واقعاً قبل ذلك. والصواب أنَّ ذلك داخل في عموم قوله:
((فأخبَرَه بشرائع الإسلام)) كما أشرنا إليه.
فإن قيل: أمَّا فلاحه بأنه لا يَنقُص فظاهرٌ، وأمَّا بأنْ لا يزيد فكيف يصحّ؟ أجاب
النَّووي بأنه أثبتَ له الفلاح، لأنه أتى بها عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا
يكون مُفْلِحاً، لأنه إذا أفلَحَ بالواجب، ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.
فإن قيل: فكيف أقرَّه على حَلِفِه وقد وَرَدَ النَّكير على مَن حَلَفَ أنْ لا يفعل خيراً؟
أُجِيبَ بأنَّ ذلك مُخُتِلِف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا
إثم على غير تارك الفرائض، فهو مُفْلِح، وإنْ كان غيره أكثر فلاحاً منه.
وقال الطِّيي: يحتمل أنْ يكون هذا الكلام صَدَرَ منه على طريق المبالَغة في التصديق
والقَبُول، أي: قَبِلْت كلامك قَبُولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق
القَبُول. وقال ابن المنيِر: يحتمل أنْ تكون الزِّيادة والنقص تتعلَّق بالإبلاغ، لأنه كان وافدَ
قومه ليتعلَّم ويُعلِّمهم. قلت: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر (١٨٩١)،
فإنَّ نَصَّها: ((لا أَتَطَوَّع شيئاً، ولا أنقُص ممَّا فَرَضَ الله عليَّ شيئا). وقيل: مراده بقوله: لا أزيد
ولا أنقُص، أي: لا أُغَيِّر صفة الفرض، كمَن يَنقُص الظُّهر مثلاً رَكْعة أو يزيد المغرب.
قلت: ويُعكِّر عليه أيضاً لفظ التطوُّع في رواية إسماعيل بن جعفر، والله أعلم.

٢٣٢
باب ٣٥ / ح ٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
٣٥- باب اتباع الجنائز من الإيمان
٤٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عليٍّ المنجُوفِيُّ، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثْنَا عَوْفٌ، عن
الحسنِ ومحمَّدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َلَه قال: ((مَنِ اتََّع جِنازةَ مُسلِمٍ إيماناً واحتساباً،
وكان معَه حتَّى يُصلِّيَ عليها ويُفرَغَ من دَفْنِها، فإنَّه يَرجِعُ مِن الأجرِ بقِيرالطَينٍ، كلُّ قِيراطٍ مِثلُ
أُحُدٍ، ومَن صَلَّى عليها ثمَّ رجع قبلَ أنْ تُدْفَنَ، فإِنَّه يَرْجِعُ بقیراطٍ».
تابعه عثمانُ المؤذِّنُ، قال: حدَّثْنَا عَوْفٌ، عن محمَّدٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... نحوَه.
[طرفاه في: ١٣٢٥،١٣٢٣]
قوله: ((باب اتِّباع الجنائز من الإيمان)) خَتَمَ المصنِّف مُعظَم التراجم التي وقعت له من
شُعَب الإيمان بهذه الترجمة، لأنَّ ذلك آخر أحوال الدنيا. وإنَّما أخّرَ ترجمة أداء الخُمُس من
الإيمان(١) لمعنّى سنذكره هناك. ووجه الدّلالة من الحديث للترجمة قد نَبَّهنا عليه في نظائره
قبلُ.
قوله: ((المنجوفي)) هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء نسبة
إلى جد جدّه مَنْجوف السَّدُوسي، وهو بصري، وكذا باقي رجال الإسناد غير الصحابي.
١٠٩/١
ورَوْح بفتح / الراء: هو ابن عُبادةَ القيسي، وعَوْف: هو ابن أبي جَميلة بفتح الجيم،
الأعرابي بفتح الهمزة، وإنَّما قيل له ذلك لفَصاحَتِهِ، وكُنْيته أبو سَهْل، واسم أبيه بَنْدويه
- بموحّدةٍ مفتوحة، ثمَّ نون ساكنة ثمَّ دال مُهمَلة - بوَزْن راهويه، والحسن: هو ابن أبي
الحسن البصري، ومحمد: هو ابن سيرين، وهو مجرور بالعَطْف على الحسن، فالحسن وابن
سيرين حَدَّثا به عَوْفاً عن أبي هريرة، إمَّا مُجْتَمِعَين، وإمَّا مُتَفرِّقَين، فأمَّا ابن سيرين فسماعه
عن أبي هريرة صحيح، وأمَّا الحسن فمُختلَف في سماعه منه، والأكثر على نفيه وتوهیم مَن
أثبتَه، وهو مع ذلك كثير الإرسال فلا تُحمَل عنعنتُه على السَّماع، وإنَّما أورده المصنّف كما
سمع، وقد وقع له نظير هذا في قِصَّة موسى، فإنَّه أخرج فيها (٤٧٩٩) حديثاً من طريق
(١) هو الباب الآتي برقم (٤٠).

٢٣٣
باب ٣٥ / ح ٤٧
كتاب الإيمان
رَوْح بن عُبادةَ بهذا الإسناد، وأخرج أيضاً في بدء الخَلْق (٣٣٢١) من طريق عَوْف عنهما
عن أبي هريرة حديثاً آخر، واعتماده في كل ذلك على محمد بن سيرين، والله أعلم.
قوله: ((مَن اتَّبَعَ)) هو بالتشديد، وللأَصِيلِيِّ: ((تَبِعَ)) بحذف الألف وكسر الموحَّدة، وقد
تَسَّكَ بهذا اللفظ مَن زَعَمَ أنَّ المشي خَلْفها أفضل، ولا حُجّة فيه؛ لأنه يقال: تَبِعَه: إذا مشى
خَلْفَه، أو إذا مرَّ به فمشى معه، وكذلك اتَّبَعَه بالتشديد، وهو افتَعَلَ منه، فإذا هو مَقُول
بالاشتراك، وقد بيَّن المراد الحديث الآخر المصحَّح عند ابن حِبَّن (٣٠٤٥) وغيره من
حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأمَّا أَتْبَعَه بالإسكان فهو بمعنى: لَحِقَه؛ إذا كان سَبَقَه،
ولم تأتِ به الرواية هنا.
قوله: ((وكان معه)) أي: مع المسلم، وللكُشْمِيهَنيٍّ: ((معها)) أي: مع الجِنازة.
قوله: ((حتَّى يُصلِّي)) بكسر اللام ويُروى بفتحها، فعلى الأوَّل لا يَحَصُل الموعود به إلَّا
لمن تُوجَد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يَحَصُل له ذلك ولو لم يُصَل، أمَّا إذا قَصَدَ
الصلاة وحال دونه مانع، فالظاهر حصول الثَّواب له مُطلَقاً، والله أعلم.
قوله: ((ويُفْرَغ)) بضم أوَّله وفتح الراء، ويُروى بالعكس، وقد أثبتَتْ هذه الرواية أنَّ
القيراطَينِ إِنَّمَا يَحَصُلان بمجموع الصلاة والدَّفْن، وأنَّ الصلاة دون الدَّفْن يَحَصُل بها قيراط
واحد، وهذا هو المعتمَد خلافاً لمن تمسَّك بظاهر بعض الروايات، فَزَعَمَ أنه يَحَصُل بالمجموع
ثلاثة قراريط، وسنذكر بقيّة مباحثه وفوائده في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى.
قوله: «تابَعَه)) أي: رَوْح بن عُبادة، وعثمان: هو ابن الهيثم، وهو من شيوخ البخاري،
فإن كان سمع هذا الحدیث منه فهو له أعلى بدرجةٍ، لكنَّه ذكر الموصول عن رَوْح لگَوْنه
أشدَّ إتقاناً منه، ونبَّه برواية عثمان على أنَّ الاعتماد في هذا السَّنَد على محمد بن سيرين فقط؛
لأنه لم يَذكُر الحسن، فكأنَّ عَوْفاً كان رُبَّما ذكره ورُبَّمَا حَذَفَه، وقد حدَّث به المنجوفي شیخ
البخاري مَرّة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريقه، ومتابعة عثمان
هذه وَصَلها أبو نُعيم في ((المستخرج)) قال: حدَّثنا أبو إسحاق بن حمزة، حدَّثنا أبو طالب بن

٢٣٤
باب ٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
أبي عَوَانة، حدَّثنا سليمان بن سيف، حدَّثنا عثمان بن الهيثم ... فذكر الحديث، ولفظه موافق
الرواية رَوْح، إلَّا في قوله: وكان معها، فإنَّه قال بدلها: ((فلَزِمَها))، وفي قوله: ويُفرَغ من
دَفْنها، فإنَّه قال بدلها: ((وتُدْفَن))، وقال في آخره: «فله قيراط)» بدل قوله: فإنَّه يَرْجِع بقيراطٍ،
والباقي سواء، ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنِّف: ((نحوَه)) وهو بفتح الواو، أي:
بمعناه.
٣٦- باب خوف المؤمن من أنْ يَحِبَطَ عملُه وهو لا يَشعُر
وقال إبراهيمُ التَّيْميُّ: ما عَرَضْتُ قولي على عملي إلَّا خَشِيتُ أنْ أكونَ مُكَذَّباً.
وقال ابنُ أبي مُلَيكة: أدرَكْتُ ثلاثينَ من أصحاب النبيِّ ◌ََّ كلُّهم يَخافُ النِّفاقَ على نَفْسِهِ،
ما منهم أحدٌ یقولُ: إنّه علی إیمان چِبْریلَ ومِیکائيلَ.
ويُذكَرُ عن الحسن: ما خافَه إلا مُؤْمِنٌ، ولا أَمِنَه إِلَّا مُنافقٌ.
وما يُحذَّرُ مِن الإصرار على التَّقَاتُلِ والعِصْيان من غيرِ توبةٍ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى
مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
١١٠/١
قوله: ((باب خوف المؤمن من أنْ يَحَبَط عمله وهو لا يَشعُرُ)) هذا الباب معقود للرَّدِّ على
المُرْجِئة خاصّة وإنْ كان أكثر ما مضى من الأبواب قد تَضمَّنَ الَّد عليهم، لكن قد
يَشْرَكھم فیه غيرهم من أهل البدع في شيء منها، بخلاف هذا.
والمُرْجِئة: بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز، نُسِبوا
إلى الإرجاء: وهو التأخير، لأنهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق
بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النُّطْق، وجعلوا للعُصاة اسم الإيمان على الكمال
وقالوا: لا يَضُر مع الإيمان ذَنْب أصلاً، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأُصول.
ومناسبة إيراد هذه الترجمة عَقِب التي قبلها، من جهة أنَّ اتِّباع الجِنازة مَظِنّة لأنْ يُقصَد
بها مُراعاة أهلها أو مجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أنَّ الأجر الموعود به إنَّما يَحصُل
لمن صنع ذلك احتساباً، أي: خالصاً، فعَقَّبَه بما يشير إلى أنه قد يَعرِض للمَرْءِ ما يُعِّر على

٢٣٥
باب ٣٦
كتاب الإيمان
قَصْده الخالص فيُحرَم به الثَّواب الموعود وهو لا يَشعُر.
فقوله: ((أنْ يَحِبَط عملُه)) أي: يُحُرَم ثواب عمله لأنه لا يُئاب إلَّا على ما أخلَصَ فيه.
وبهذا التقرير يَندفِعِ اعتراض مَن اعتَرَضَ عليه بأنه يُقوِّي مذهب الإحباطيَّة الذين
يقولون: إنَّ السيِّئات يُبطِلْنَ الحسنات.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في الرَّد عليهم: القول الفصل في هذا: أنَّ الإحباط
إحباطان:
أحدهما: إيطال الشيء للشيءٍ وإذْهابه جملةً، كإحباط الإيمان للكفرِ والكفر للإيمان،
وذلك في الجِهِتَينِ إحباطٌ مَخْضِّ حقيقي.
ثانيهما: إحباط الموازَنة إذا جُعِلَت الحسنات في كِفّة والسيِّئَات في كِفّة، فمَن رَجَحَتْ
كِفَّةُ حسناته نَجا، ومَن رَجَحَتْ سيِّئاته وُقِفَ في المَشيئة: إمَّا أنْ يُغفَر له وإمَّا أنْ يُعذّب.
فالتوقيف إبطال ما، لأنَّ توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال
أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي كلٍّ منهما إيطال نسبي أُطلِقَ عليه اسم الإحباط
◌َجازاً، وليس هو إحباطاً حقيقةً، لأنه إذا أُخرِجَ من النار وأُدخِلَ الجنَّة عاد إليه ثواب
عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطيَّة الذين سَوَّوْا بين الإحباطَينِ وحكموا على العاصي
بحُكْم الكافر، وهم مُعظَم القَدَريَّة. والله الموفّق.
قوله: ((وقال إبراهيم التَّْميُّ)) هو من فقهاء التابعين وعُبّادهم.
وقوله: ((مُكذَّباً) يُروى بفتح الذَّال، يعني: خَشِيت أنْ يُكذِّبني مَن رأى عملي مُخُالفاً
لقولي فيقول: لو كنت صادقاً ما فعلت خلاف ما تقول، وإنَّما قال ذلك لأنه كان يَعِظ
الناس.
ويُروى بكسر الذَّال وهي رواية الأكثر، ومعناه أنه مع وَعظه الناس لم يَبلُغ غاية العمل.
وقد ذَمَّ الله مَن أمرَ بالمعروفِ ونهى عن المنكر وقَصَّرَ في العمل فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِأَن
تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، فخَشِيَ أنْ يكون مُكذِّباً، أي: مُشابهاً للمُكذِّب.

٢٣٦
باب ٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا التعليق وَصَلَه المصنّف في «تاريخه)) (٣٣٥/١) عن أبي نُعيم، وأحمد بن حنبل في
((الزهد)) (٣٦٣) عن ابن مَهْديٍّ، كلاهما عن سفيان الثَّوْري، عن أبي حَيّان التَّيْمَيّ، عن
إبراهيم المذكور.
قوله: ((وقال ابن أبي مُلَيكة ... )) إلى آخره، هذا التعليق وَصَلَه ابن أبي خيثمةَ في ((تاريخه)»،
لكن أبهَمَ العَدَد. وكذا أخرجه محمد بن نصر المَرْوزي مطوّلاً في كتاب ((الإيمان)) له،
وعند أبي زُرْعة الدِّمشقي في ((تاريخه)) من وجه آخر مُختصَراً كما هنا.
والصحابة الذين أدرَكَهم ابن أبي مُلَيكة من أجَلّهم عائشة وأُختها أسماء وأُم سَلَمةَ والعَبادلة
١١١/١ الأربعة(١)، وأبو هريرة وعُقْبة بن الحارث والمِسْور بن ◌َرَمة/ فهؤلاء ممَّن سمع منهم، وقد
أدرَكَ بالسِّنِّ جماعة أجَلَّ من هؤلاء كعليٍّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وَقَّاص.
وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النِّفاق في الأعمال، ولم يُنقَل عن غيرهم خلاف ذلك
فكأنه إجماع، وذلك لأنَّ المؤمن قد يَعرِض عليه في عمله ما يَشُوبه ممّا يخالف الإخلاص،
ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالَغة منهم في الورع
والتقوى رضي الله عنهم.
وقال ابن بَطَّل: إنَّما خافوا لأنهم طالَتْ أعمارهم حتَّى رَأوا من التغيُّر ما لم يَعْهَدوه ولم
يَقْدِروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهَنوا بالسُّكوت.
قوله: ((ما منهم أحد يقول: إنَّه على إيمان جِبْريل وميكائيل)) أي: لا يَجِزِم أحد منهم بعدم
عُروض النِّفاق لهم كما يُجزَم بذلك في إيمان جِبْريل، وفي هذا إشارة إلى أنَّ المذكورين كانوا
قائلين بتفاوتِ درجات المؤمنين في الإيمان، خلافاً للمُرْجِئة القائلين بأنَّ إيمان الصِّدّيقين
وغيرهم بمَنزِلةٍ واحدة.
وقد رُوِيَ في معنى أثر ابن أبي مُلَيكة حديث عن عائشة مرفوع رواه الطبرانيُّ في
((الأوسط)) (٦٥٣٤)، لكنَّ إسناده ضعيف.
(١) وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عَمرو، وعبد الله بن عباس.

٢٣٧
باب ٣٦
كتاب الإيمان
قوله: ((ويُذكَر عن الحسن)) هذا التعليق وَصَلَه جعفر الفِرْيابي في كتاب ((صفة المنافق)»
(٨٧- ٨٨ و١١٨) له من طرق مُتعدِّدة بألفاظٍ مُخْتِلِفة.
وقد يُستَشكَل ترك البخاري الجَزْم به مع صِخَّته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها
لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ رحمه الله، وهي: أنَّ البخاري لا يَخُص صيغة
التمريض بضعفٍ الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أَتَى بها أيضاً، لِمَا عُلِمَ من
الخلاف في ذلك، فهنا كذلك.
وقد أوقَعَ اختصاره له لبعضِهم الاضطراب في فَهْمه، فقال النَّووي: ((ما خافَه إِلَّا مؤمن
ولا أمنَه إلَّا مُنافق)) يعني الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِِّ جَنَّثَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦]،
وقال: ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. وكذا شرحَه ابن النِّين
وجماعة من المتأخِّرين، وقَرَّرَه الكِرْمانيُّ هكذا، فقال: ((ما خافَه)) أي: ما خافَ من الله،
فحَذَفَ الجارّ وأوصل الفعل إليه.
قلت: وهذا الكلام وإنْ كان صحيحاً لكنَّه خلاف مراد المصنّف ومَن نقل عنه، والذي
أوقَعَهم في هذا هو الاختصار، وإلَّا فسياق كلام الحسن البصري يُبيِّن أنه إنَّما أراد النِّفاق،
فلنذكره:
قال جعفر الفِرْيابي (٨٧): حدَّثنا قُتَيبة، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن المُعلَّى بن زياد:
سمعت الحسن تَحلِف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو ما مضى مؤمن قَطُّ ولا بقيَ
إلَّ وهو من النِّفاق مُشْفِقٍ، ولا مضى مُنافق قَطُّ ولا بَقيَ إلّ وهو من النِّفاق آمن. وكان
يقول: مَن لم يَخَفِ النِّفاق فهو مُنافق.
وقال أحمد بن حنبل في كتاب ((الإيمان)»: حدَّثنا رَوْح بن عُبادة، حدَّثنا هشام، سمعت
الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقيَ إلَّ وهو يخاف النِّفاق، وما أمنَه إلَّا مُنافق، انتهى.
وهذا موافق لأثر ابن أبي مُلَيكة الذي قبله وهو قوله: ((كلّهم يخاف النِّفاق على نَفْسه)).
والخوف من الله وإنْ كان مطلوباً محموداً، لكن سياق الباب في أمرٍ آخر، والله أعلم.

٢٣٨
باب ٣٦ / ح ٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وما يُحذَّر)) هو بضم أوَّله وتشديد الذَّال المعجَمة ويُروى بتخفيفها، و((ما)) مصدريَّة،
والجملة في محل جرِّ لأنها معطوفة على ((خوف))، أي: باب ما يُحذر.
وفَصَلَ بين الترجمتين بالآثار التي ذكرها لتَعلَّقِها بالأولى فقط، وأمَّا الحديثان فالأوَّل
منهما تعلَّق بالثانية، والثاني يتعلَّق بالأولى على ما سنوضحه، ففيه لَفُّ ونَشْر غير مُرتَّب، على
حَدِّ قوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦]، ومرادُه أيضاً الرَّدُّ على المُرْجِئة حيثُ
قالوا: لا حَذَرَ من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهومُ الآية التي ذكرها يَرُدُّ عليهم، لأنه
تعالى مَدَحَ مَن اسْتَغْفَر لذَنْبِهِ ولم يُصِرَّ عليه، فمفهومه ذَمُ مَن لم يفعل ذلك.
وممّا يدخلُ في معنى الترجمة قولُ الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،
وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى:
﴿لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] وهذه الآية أدلُّ على المراد ممَّا قبلها.
١١٢/١
فمَن أَصَرَّ على نفاق المعصية، خُشيَ عليه أنْ يُفْضِيَ به إلى/ نفاق الكفر، وكأنَّ المصنّف
لَمَّحَ بحديث عبد الله بن عَمْرو المخرَّج عند أحمد (٦٥٤١) مرفوعاً قال: ((ويلٌ للمُصِرِّين،
الذين يُصِرّون على ما فَعَلوا وهم يعلمونَ)) أي: يعلمون أنَّ مَن تاب تاب اللهُ عليه ثمَّ لا
يَسْتَغْفِرون، قاله مجاهدٌ وغيره. وللِّمِذيّ (٣٥٥٩) عن أبي بكرِ الصِّدِّيق مرفوعاً: ((ما أَصَرَّ
مَن اسْتَغْفَرِ، وإِنْ عاد في اليوم سبعين مَرّةً». إسنادُ كُلٌّ منهما حسن(١).
قوله: ((على التَّقَاتُل)) كذا في أكثر الروايات، وهو المناسبُ لحديث الباب، وفي بعضها:
((على النِّفاق)) ومعناه صحيحٌ وإنْ لم تَثْبُتْ به الروايةُ.
٤٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، قال: حدّثنا شُعْبٌ، عن زُبَيدٍ قال: سألتُ أبا وائلٍ عن المُرْجِئِةِ
فقال: حدَّثني عبدُ الله، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((سِبابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وقتالُه كفرٌ)).
[طرفاه في: ٦٠٤٤، ٧٠٧٦]
(١) وأخرج الثاني منهما أيضاً أبو داود (١٥١٤)، وإسناده ضعيف لجهالة راويه عن أبي بكر.

٢٣٩
باب ٣٦ / ح ٤٨
كتاب الإيمان
قوله: ((زُبَيد)) تقدَّم أنه بالزّاي والموخَّدة مصغَّراً، وهو ابن الحارث الياميُّ بياءٍ تحتانيَّة
ومیم خفيفة، يُكنى أبا عبد الرحمن.
وقد روى هذا الحديث شُعْبة أيضاً عن منصور بن المعتَمِر، وهو عند المصنّف في
الأدب (٦٠٤٤)، وعن الأعمش وهو عند مسلم (٦٤ /١١٧)، ورواه ابن حِبَّان (٥٩٣٩)
من طريق سليمان بن حرب، عن شُعْبة، عن الثلاثة جميعاً، عن أبي وائل، وقال ابن مَندَه: لم
يُخْتُلَف في رفعه عن زُبَيد واختُلِفَ على الآخرين. ورواه عن زُبَيد أيضاً غير شُعْبة عند
مسلم وغيره (١).
قوله: ((سألت أبا وائل عن المُرْجِئة)) أي: عن مَقَالة المُرْجِئة، ولأبي داود الطَّيالسي
(٢٤٥) عن شُعْبة عن زُبَيد قال: لمَّا ظهرت المُرْجِئة أتيتُ أبا وائل فذكرت ذلك له.
فظهر من هذا أنَّ سؤاله كان عن مُعتَقَدهم، وأنَّ ذلك كان حين ظُهورهم، وكانت
وفاة أبي وائل سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، ففي ذلك دليل على أنَّ بِدْعة
الإرجاء قديمة، وقد تابعَ أبا وائل في رواية هذا الحديث عبدُ الرحمن بن عبد الله بن
مسعود عن أبيه، أخرجه التِّرمِذي مُصَخَّحاً (٢٦٣٤) ولفظه: ((قتال المسلم أخاه كفر،
وسِبابه فُسوق))، ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفاً ومرفوعاً، ورواه النَّسائيُّ
(٤١٠٤) من حديث سعد بن أبي وَقَّاص أيضاً مرفوعاً، فانتفتْ بذلك دعوى مَن زَعَمَ أنَّ
أبا وائل تفرَّد به.
قوله: (سِباب)) هو بكسر السِّين وتخفيف الموحّدة، وهو مصدر، يقال: سَبَّ يَسْب سَبّاً
وسِباباً.
وقال إبراهيم الحربي: السِّباب أشد من السَّب، وهو أنْ تقول في الرجل ما فيه وما ليس
فيه تريد بذلك عَيْبه. وقال غيره: السِّباب هنا مِثل القتال فيقتضي المُفاعلة، وقد تقدَّم
(١) أخرجه مسلم (٦٤) (١١٦)، والترمذي (١٩٨٣) و(٢٦٣٥)، والنسائي (٤١١٠) من طريق سفيان
الثوري عن زبيد، وانظر تمام تخريجه في «مسند أحمد» (٤١٢٦).

٢٤٠
باب ٣٦ / ح ٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
بأوضح من هذا في («باب المعاصي من أمر الجاهليّة» (٣٠).
قوله: ((المُسلِم)) كذا في مُعظَم الروايات، ولأحمد (٤١٧٨) عن غُندَر عن شُعْبة:
((المؤمن))، فكأنه رواه بالمعنى.
قوله: (فُسوق)) الفِسْق في اللَّغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله،
وهو في عُرْف الشرع أشد من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَاَلْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحُكْم على مَن سَبَّه بغير حق بالفِسْق، ومقتضاه الرَّد
على المُرْجِئة. وعُرِفَ من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم كأنه قال: كيف تكون
مَقَالتهم حقّاً والنبي ◌َّ يقول هذا؟
قوله: ((وقتالُهُ كفر)) إنْ قيل: هذا وإنْ تَضمَّنَ الردَّ على المُرْجِئة، لكنَّ ظاهره يُقوِّي
مذهب الخَوَارج الذين يُكفِّرون بالمعاصي.
فالجواب: أنَّ المبالَغة في الرَّد على المُبتدِعِ اقْتَضَتْ ذلك، ولا مُتمسَّك للخَوارِجِ فيه،
لأَنَّ ظاهره غير مراد، لكن لمَّا كان القتال أشد من السِّباب، لأنه مُفْضٍ إلى إزهاق الرّوح،
عَبَّر عنه بلفظ أشد من لفظ الفِسْق وهو الكفر، ولم يُرِدْ حقيقة الكفر التي هي الخروج عن
الِلَّة، بل أطلق عليه الكفر مُبالَغة في التحذير، مُعتمِداً على ما تقرَّر من القواعد أنَّ مِثل ذلك
لا يُخرِج عن الِلَّة، مِثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد أشرنا إلى ذلك في ((باب المعاصي من أمر
الجاهليَّة))(١)، أو أطلق عليه الكفر لشَبَهِه به، لأنَّ قتال المؤمن من شأن الكافر.
وقيل: المراد هنا الكفر اللُّغَوي وهو التغطية، لأنَّ حق المسلم على المسلم أنْ يُعينه ويَنْصُرِه
ويَكُف عنه أذاه، فلمَّا قاتَلَه كان كأنه غَطَّى على هذا الحق.
(١) باب رقم (٢٢) من كتاب الإيمان.