Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ٦ / ح ١٢ كتاب الإيمان الطعام)) ولم يقل: أيُّ الإسلام خير، كما / في الذي قبله، إشعاراً باختلاف المقامَينِ وتعدُّد ٥٦/١ السؤالين كما سنُقُرِّرُه. قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن خالد)» هو الحَرَّاني، وهو بفتح العين، وصَحَّفَ مَن ضمَّها. قوله: ((الليث)) هو ابن سعد فقيه أهلِ مِصْر ((عن يزيدَ)) هو ابن أبي حَبيب الفقيه أيضاً. قوله: ((أنَّ رجلاً)) لم أعرف اسمه، وقيل: إنَّه أبو ذر، وفي ابن حِبَّان (٤٩٠ و٥٠٤) أنه هانئ بن یزید والد شُرَیح، سأل عن معنى ذلك فأُجيبَ بنحو ذلك. قوله: ((أيُّ الإسلام خيرٌ؟)) فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقدير: أيُّ خِصال الإسلام؟ وإنَّما لم أختَرْ تقدير خِصالٍ في الأوَّل فِراراً من كَثْرة الحذف، وأيضاً فتنويع التقدير يتضمَّن جواب مَن سأل فقال: السؤالان بمعنَى واحد والجواب مُخُتلِف! فيقال له: إذا لاحَظْت هذینِ التقديرَينِ بان الفَرْقُ. ويُمكِن التوفيق بينهما بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مُستلزِمٌ لسلامة اليد، والسلامُ لسلامة اللِّسان، قاله الكِزْماني. وكأنه أراد في الغالب. ويحتمل أنْ يكون الجواب اختلفَ لاختلاف السؤال عن الأفضليَّة، إنْ لُوحِظَ بين لفظ ((أفضل)) ولفظ ((خير)) فرقٌ. وقال الكِرْماني: الفضل بمعنى كَثْرة الثَّواب في مُقابلة القِلّة، والخير بمعنى النفع في مُقابلة الشَّر، فالأوَّل من الكمِّيَّة، والثاني من الكيفيَّة، فافتَرَقا. واعتُرِضَ بأنَّ الفَرْقَ لا يَتِمُّ إِلَّا إذا اختَصَّ كُلٌّ منهما بتلك المقولة، أمَّا إذا كان كلٌّ منهما يُعقل تأتِّيه في الأُخرى فلا، وكأنه بنى على أنَّ لفظ ((خير)) اسم لا أفعلُ تفضیل. وعلى تقدير اتّحاد السؤالين جواب مشهور: وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيُمكِن أنْ يُراد في الجواب الأوَّل تحذير مَن خُشيَ منه الإيذاء بيدٍ أو لسان فأُرشِدَ إلى الكَفّ، وفي الثاني ترغيب مَن رُجيَ فيه النفع العام بالفعل والقول فأُرْشِدَ إلى ذلك، وخَصَّ هاتين الخَصْلتَينِ بالذِّكْرِ لمَسِيسِ الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الجَهْد، ولمصلحة التأليف. ويدل لذلك أنه عليه الصلاة والسلام حَثَّ عليهما أوَّلَ ١٢٢ باب ٦ / ح ١٢ فتح الباري بشرح البخاري ما دخل المدينة، كما رواه التِّرمِذي وغيرُه مُصَحَّحاً من حديث عبد الله بن سَلَام(١). قوله: (تُطعِمُ)) هو في تقدير المصدر، أي: أنْ تُطعِم، ومثله: تسمع بالمُعَيديّ(٢). وذُكِرَ الإطعامُ ليدخل فيه الضِّيافةُ وغيرُها. قوله: ((وتَقْرأُ)) بلفظ مضارع القراءة بمعنى: تقول، قال أبو حاتم السِّجِسْتاني: تقول: اقرَأْ عليه السلام، ولا تقول: أقرِتْهُ السلام، فإذا كان مكتوباً قلت: أقرِتْه السلامَ، أي: اجعله یَقْرؤُه. قوله: ((ومَن لم تَعرِف)) أي: لا تَّخُصَّ به أحداً تكبِّراً وتَصنُّعاً، بل تعظيماً لشعار الإسلام ومُراعاة لأُخوّة المسلم. فإن قيل: اللفظ عام فيدخل الكافرُ والمنافقُ والفاسقُ. أُجيبَ بأنه خُصَّ بأدلَّةٍ أُخرى أو أنَّ النهي مُتأخّرٌ، وكان هذا عاماً لمصلحة التأليف، وأمَّا مَن شُكَّ فيه فالأصل البقاء على العموم حتَّى يَثْبُت الخصوصُ. تنبيهان: الأوَّل: أخرج مسلم (٤٠) من طريق عَمْرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حَبيب بهذا الإسناد نظيرَ هذا السؤال، لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى، فادَّعَی ابن مَنْدَهُ(٣) فيه الاضطراب. وأُجيبَ بأنهما حديثان اَّحَدَ إسنادُهما، وافق أحدَهما حديثُ أبي موسى، ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سَلام كما تقدَّم. الثاني: هذا الإسناد كلُّه مِصریُّون(٤)، والذي قبله کما ذکرنا کوفیُّون، والذي بعده من طريقيه بصريُّون، فوقع له التسلسلُ في الأبواب الثلاثة على الولاء. وهو من اللَّطائف. (١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٥)، وأحمد (٢٣٧٨٤)، وابن ماجه (١٣٣٤) و(٣٢٥١)، ولفظه: ((أيها الناس، أَطعموا الطعام، وأَفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). (٢) هذا بعض مثلٍ مشهور، وهو: تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه. ويجوز في ((تسمع)) و(تطعم)) وأشباههما الرفع والنصب على تقدير ((أن)). انظر: ((فصل المقال في شرح كتاب الأمثال)) للبكري ص ١٣٥ - ١٣٦. (٣) في ((الإيمان)) (٢٩٧). (٤) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: بصريون، بالباء في أوله. ١٢٣ باب ٧ / ح ١٣ كتاب الإيمان ٧- بابٌ مِن الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ١٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ ﴾ه، عن النبيِّ وََّ. وعن حسينٍ المعلِّم، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّه/ قال: ((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم حتَّى ٥٧/١ يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لِنَفْسِه)). قوله: ((باب من الإيمان)) قال الكِرْماني: قَدَّمَ لفظ الإيمان بخلاف أخواته حيثُ قال: ((إطعامُ الطعام من الإيمان))، إمَّا للاهتمام بذِكْره أو للحَصْر، كأنه قال: المحبَّةُ المذكورة ليست إلَّا من الإيمان. قلت: وهو توجيه حسن، إلّا أنه يَرِدُ عليه أنَّ الذي بعده ألْيَقُ بالاهتمام والحَصْر معاً، وهو قوله: ((باب حُبُّ الرسول من الإيمان)) فالظاهر أنه أراد التنويعَ في العبارة، ويُمكِّن أنه اهتَمَّ بذِكْر حب الرسول فقَدَّمَه، والله أعلم. قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطَّان. قوله: ((وعن حسين المعلِّم)) هو ابن ذَكْوان، وهو معطوف على شُعْبة، فالتقدير: عن شُعْبةَ وحسين كلاهما عن قتادة، وإنَّما لم يجمعهما، لأنَّ شيخه أفردهما، فأورده المصنِّف معطوفاً اختصاراً، أو لأنَّ شُعْبة قال: عن قتادة، وقال حسين: حدَّثنا قتادة. وأغربَ بعضُ المتأخّرين فزَعَمَ أنَّ طريق حسين مُعلَّقة، وهو غلط، فقد رواه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق إبراهيم الحربي، عن مُسَّد شيخ المصنِّف، عن يحيى القَطَّان، عن حسين المعلِّم. وأبدى الكِرْماني كعادته بحَسَبِ التجويز العقلي أنْ يكون تعليقاً أو معطوفاً على قتادة، فيكون شُعْبةُ رواه عن حسين عن قتادة، إلى غير ذلك ممّا يَنْفِر عنه مَن مارَسَ شيئاً من عِلْم الإسناد، والله المستعان. تنبيه: المتن المُساق هنا لفظ شُعْبة، وأمَّا لفظ حسينٍ من رواية مُسدَّد التي ذكرناها فهو: ((لا يؤمن عبدٌ حتَّى يحبَّ لأخيه ولجاره))، وللإسماعيليِّ من طريق رَوْحٍ عن حسين: ((حتَّى يحبَّ لأخيه المسلم ما يحب لنَفْسِه من الخير)) فبيَّن المراد بالأُخوَّة، وعَيَّنَ جهةَ الحُب. ١٢٤ باب ٧ / ح ١٣ فتح الباري بشرح البخاري وزاد مسلم (٤٥/ ٧٢) في أوَّله عن أبي خيثمةَ عن يحيى القَطَّانِ: ((والذي نَفْسِي بَيَدِه)). وأمَّا طريق شُعْبةَ فصَرَّحَ أحمدُ (١٣٨٧٥) والنَّسائي (٥٠١٦) في روايتهما بسماع قتادةَ له من أنس، فانتفتْ تُهْمةُ تدليسه. قوله: ((لا يُؤْمِنُ)) أي: مَن يَدَّعي الإيمان، وللمُستَمْلي: ((أحدُكم)) وللأَصِيلِيّ: ((أحدٌ)، ولابن عساكر: ((عبدٌ)) وكذا لمسلم عن أبي خيثمة، والمراد بالنَّفي كمالُ الإيمان، ونفيُ اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه، مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فُلان ليس بإنسانٍ. فإنْ قيل: فيلزم أنْ يكون مَن حصلتْ له هذه الحَصْلة مؤمناً كاملاً وإنْ لم يأتِ ببقيّة الأركان، أُجيبَ بأنَّ هذا وَرَدَ مَوْرِدَ المبالَغة، ويستفاد من قوله: ((لأخيه المسلم)) ملاحظة بقيَّة صفات المسلم. وقد صَرَّحَ ابن حِبَّان (٢٣٥) من رواية ابن أبي عَديٍّ عن حسين المعلِّم بالمراد ولفظه: ((لا يَبلُغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان)) ومعنى الحقيقة هنا الكمال، ضرورةَ أنَّ مَن لم يَتَّصِفْ بهذه الصِّفة لا يكون كافراً، وبهذا يَتِم استدلال المصنّف على أنه يتفاوت، وأنَّ هذه الحَصْلة من شُعَب الإيمان، وهي داخلة في التواضُع على ما سنُقُرِّرُه. قوله: ((حتَّى يحبَّ)) بالنصب لأنَّ ((حتَّى)) جارّة و((أنْ)) بعدها مُضمَرة، ولا يجوز الرفع فتكون ((حتَّى)) عاطفة فلا يصح المعنى، إذْ عدمُ الإيمان ليس سبباً للمحبّة. قوله: ((ما يحبُّ لنَفْسِه)) أي: من الخير كما تقدَّم عن الإسماعيلي، وكذا هو عند النَّسائي (٥٠١٧)، وكذا عند ابن مَندَهُ(١) من رواية همَّام عن قَتاده أيضاً. والخير: كلمة جامعة تَعُمُّ الطاعات والمباحات الدُّنيويَّة والأُخرَويَّة، وتُخرِج المنهيَّات لأَنَّ اسمَ الخير لا يتناولها. والمحبّة: إرادة ما يعتقده خيراً، قال النَّووي: المحبَّة: المَيْل إلى ما يوافق المحِب، وقد تكون بحواسِّه كحُسْنِ الصورة، أو بعقلِه(٢) إمَّا لذاته كالفضلِ والكمال، وإمَّا لإحسانه (١) في ((الإيمان)) (٢٩٧). (٢) تحرف في (س) إلى: بفعله. ١٢٥ باب ٨ / ح ١٤ كتاب الإيمان كجَلْبٍ نفع أو دَفْع ضُرٍّ. انتهى ملخَّصاً. والمراد هنا بالمَيلِ الاختياريُّ دون الطَّبيعي والقَسْري، والمراد أيضاً أنْ يحبَّ أنْ يَحَصُل / ٥٨/١ لأخيه نظير ما يَحَصُّل له، لا عينُه، سواء كان ذلك في الأُمور المحسوسة أو المعنويَّة، ولیس المراد أنْ يَحَصُل لأخيه ما حصل له مع (١) سَلْبِه عنه ولا مع بقائه بعَينِه له، إذْ قيام الجَوْهَر أو العَرَض بمَحلَّيْنِ محال. وقال أبو الزِّناد بن سِراج: ظاهر هذا الحديث طلبُ المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل، لأنَّ كل أحد يحب أنْ يكون أفضل من غيره، فإذا أحبَّ لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين. قلت: أقرَّ القاضي عِيَاض هذا، وفيه نظرٌ. إذ المراد الزَّجْر عن هذه الإرادة، لأنَّ المقصود الحث على التواضُع، فلا يحبُّ أنْ يكون أفضل من غيره، فهو مُستلزِم للمُساواة. ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَا فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يَتِمُّ ذلك إلَّا بتركِ الحَسَد والغِلِّ والحِقْد والغِش، وكلُّها خِصال مذمومة. فائدة: قال الكِرْماني: ومن الإيمان أيضاً أنْ يُغِضَ لأخيه ما يُبغِضُ لنَفْسِه من الشَّر، ولم يَذكُره لأنَّ حُبَّ الشيء مُستلزِم لبُغْضِ نقيضه، فترك التنصيصَ عليه اكتفاءً، والله أعلم. ٨ - بابٌ حبُّ الرسولِ وَ ل﴾ من الإيمان ١٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، قال: حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((والذي نَفْسِي بَيَدِه، لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من والدِه ووَلَدِە». قوله: ((بابٌّ حبُّ الرسول)» اللام فيه للعَهْد، والمراد سيِّدنا رسول الله وَله بقرينة قوله: (١) في (س): لا مع، بزيادة ((لا)). ١٢٦ باب ٨ / ح ١٥ فتح الباري بشرح البخاري ((حتَّى أكونَ أحبَّ)) وإنْ كانت محبّة جميع الرُّسُل من الإيمان، لكنَّ الأحبِّيَّةَ مُختصّة بسيِّدنا رسول الله له. قوله: ((شُعَيب)) هو ابن أبي حمزة الحِمْصي، واسم أبي حمزة دينار. وقد أكثرَ المصنّف من تخریج حديثه عن الزُّهْري وأبي الزِّناد. ووقع في ((غرائب مالك)) للدَّارَ قُطني إدخال رجل - وهو أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن - بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذّة. فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك، ومن حديث إبراهيمَ بن ◌َهْمان. وروى ابن مَندَهُ(١) من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي اليَمَان شيخ البخاري هذا الحديثَ مُصرَّحاً فيه بالتحديث في جميع الإسناد، وكذا النَّسائي (٥٠١٥) من طريق علي بن عيَّاش عن شعيب. قوله: ((والذي نَفْسي بيدِه)) فيه جواز الحَلِف على الأمر المهم توكيداً له، وإنْ لم يكن هناك مُستَحلِف. قوله: ((لا يُؤمِن)) أي: إيماناً كاملاً. قوله: ((أحبَّ)) هو أَفعَل بمعنى المفعول، وهو مع كَثْرته على خلاف القياس، وفَصَلَ بينه وبين معموله بقوله: ((إليه)) لأنَّ المُمتنِعِ الفصلُ بأجنبيٍّ. قوله: ((من والده وولده)» قَدَّمَ الوالد للأكثريَّة، لأنَّ كل أحد له والد من غير عكس، وفي رواية النَّسائي (٥٠١٣) في حديث أنس تقديم الولد على الوالد، وذلك لمَزيدِ الشَّفَقة. ولم تختلف الروايات في ذلك في حديث أبي هريرة هذا، وهو من أفراد البخاري عن مسلم. ١٥- حدّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيب، عن أنسٍ، عن النبيِّ نَّ (ح) وحدَّثنا آدمُ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: (( لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من والدِهِ ووَلَدِهِ والناسِ أَجمعِينَ». (١) في كتاب ((الإيمان)) له (٢٨٧). ١٢٧ باب ٨ / ح ١٥ كتاب الإيمان قوله: ((أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيم)) هو الدَّوْرَقي. والتفريق بين ((حدَّثنا)) و ((أخبرنا)) لا يقول به المصنّف كما / يأتي في العلم(١). وقد وقع في غير رواية أبي ذرٍّ: حدَّثنا يعقوبُ. ٥٩/١ قوله: (وحدَّثنا آدم)) عَطَفَ الإسناد الثاني على الأوَّل قبل أنْ يَسُوقَ المتنَ فأوهَمَ استواءَهما، فإنَّ لفظ قتادة مِثلُ لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه: ((والناس أجمعينَ))، ولفظ عبد العزيز مِثلُه إلَّا أنه قال كما رواه ابنُ خُزيمة في ((صحيحه)) عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد ((من أهلِه ومالِهِ)) بدل: ((من والدِه وولدِه))، وكذا لمسلمٍ (٤٤) من طريق ابن عُلَيَّة، وكذا للإسماعيليِّ من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه: ((لا يؤمن الرجلُ)) وهو أشمل من جهةٍ، و((أحدكم)) أشمل من جهةٍ، وأشمل منهما رواية الأَصِيلي: ((لا يؤمن أحدكم)). فإِنْ قيل: فسياق عبد العزيز مُغايٍر لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتّحادهما في المعنى وليس كذلك. فالجواب: أنَّ البخاري يصنع مِثل هذا نظراً إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، واقتصر على سياق قتادة لموافقتِه لسياق حديث أبي هريرة، ورواية شُعْبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة، لأنه ما كان يسمع منه إلَّا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النَّسائي (٥٠١٣)، وذِكْر الولد والوالد أدخلُ في المعنى لأنهما أعزُّ على العاقل من الأهل والمال، بل رُبَّما يكونان أعزَّ من نَفْسه، ولهذا لم یذكُر النفسَ أيضاً في حديث أبي هريرة، وهل تَدخُل الأمُّ في لفظ الوالد إنْ أُريدَ به مَن له الولد فَيَعُمّ، أو يقال: اكتُفي بذِكْر أحدِهما كما يُكتَفَى عن أحد الصِّدَّينِ بالآخِرِ ويكون ما ذَكَر على سبيل التمثيل والمراد الأعِزّةُ، كأنه قال: أحب إليه من أعِزَّته. وذِكرُ الناس بعد الوالد والولد من عَطْف العام على الخاص، وهو كثير، وقُدِّمَ الوالد على الولد في روايةٍ لتقدُّمِه بالزَّمان والإجلال، وقُدِّم الولدُ في أُخرى لمَزِيدِ الشَّفَقة. وهل تَدخُل النفس في عموم قوله: ((والناس أجمعينَ؟» الظاهر دخولُه، وقيل: إضافة المحبَّة إليه (١) في باب (٤): قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا. ١٢٨ باب ٨ / ح ١٥ فتح الباري بشرح البخاري تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذِكْر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي (٦٦٣٢). والمراد بالمحبَّة هنا حُبُّ الاختيار لا حُب الطَّبْعِ، قاله الخطَّابي. وقال النَّووي: فيه تَلْميح إلى قضيّة النفس الأمّارة والمطمئنَّة، فإنَّ مَن رَجَّحَ جانب المطمئنَّة، كان حُبّه للنبيِّ ۋە راجحاً، ومَن رَجَحَ جانب الأمّارة، کان ◌ُكْمُه بالعكس. وفي كلام القاضي عِيَاض أنَّ ذلك شرطٌ في صِحَّة الإيمان، لأنه حمل المحبَّة على معنى التعظيم والإجلال. وتعقَّبه صاحب ((المُفْهم)) بأنَّ ذلك ليس مراداً هنا، لأنَّ اعتقاد الأعظميَّ ليس مُستلزِماً للمحبَّ، إذْ قد يجد الإنسانُ إعظامَ شيء مع خُلوّه من مَبَّته. قال: فعلى هذا مَن لم يجد من نَفْسه ذلك المَيلَ لم يَكمُّل إيمانُه. وإلى هذا يُومِئ قول عمرَ الذي رواه المصنّف في الأيمان والنُّذور (٦٦٣٢) من حديث عبد الله بن هشام أنَّ عمر بن الخطَّب قال للنبيِّ وَّةِ: ((لَأنتَ يا رسولَ الله أحبُّ إليَّ من كل شيء إلَّا من نَفْسي. فقال: لا والذي نَفْسِي بَيَدِه، حتَّى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك. فقال له عمرُ: فإنَّك الآنَ والله أحبُّ إليَّ من نَفْسي. فقال: الآن يا عمرُ)) انتهى، فهذه المحبَّة ليست باعتقاد الأعظميَّة فقط، فإنّها كانت حاصلةً لعمرَ قبل ذلك قَطْعاً. ومن علامة الحُب المذكور أنْ يَعِرِضَ المَرْءُ على نفسه(١) أنْ لو خُيِرٌ بين فَقْدٍ غرضٍ من أغراضه أو فَقْد رُؤْية النبي ◌َّــ إنْ لو كانت تُمكِّنة .- فإنْ كان فقدُها - إنْ لو كانت تُمكِنَةً - أشدَّ عليه من فَقْد شيء من أغراضه، فقد اتَّصَفَ بالأحبِّيَّة المذكورة، ومَن لا فلا. ولیس ذلك محصوراً في الوجود والفَقْد، بل يأتي مِثْلُه في نُصْرة سُنَّتَه والذَّب عن شريعته وقَمْع ◌ُحالفيها. ويدخل فيه باب الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر. وفي هذا الحديث إيماءٌ إلى أفضلية التفكُّر، فإنَّ الأحبِّيَّةَ المذكورة تُعرَف به، وذلك أنَّ محبوبَ الإنسان إمَّا نفسُه وإمَّا غيرُها، أمَّا نفسُه فهو أنْ يريد دوامَ بقائها سالمة من الآفات، (١) قوله: ((على نفسه)) ليس في (س)، وفيها: أن يعرض على المرء. ١٢٩ باب ٩ / ح ١٦ كتاب الإيمان هذا هو حقيقة المطلوب، وأمَّا غيرُها فإذا حُقِّقَ الأمر فيه، فإنَّما هو بسبب تحصيل نفعٍ ما على وجوهه المختلفة حالاً ومَآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول وَطي الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إمَّا بالمُباشَرة وإمَّا بسَبَبٍ، عَلِمَ أنه/ سبب بقاء ٦٠/١ نَفْسه البقاءَ الأبدي في النَّعيم السَّرْمَدي، وعَلِمَ أنَّ نفعَه بذلك أعظمُ من جميع وجوه الانتفاعات، فاستَحقَّ لذلك أنْ يكون حَظُّه من محبَّته أوفَرَ من غيره، لأنَّ النفع الذي يُثير المحبَّة حاصل منه أكثر من غيره، ولكنَّ الناس يتفاوتون في ذلك بحَسَبِ استحضار ذلك والغَفْلة عنه. ولا شك أنَّ حَظَّ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم، لأنَّ هذا ثَمَرة المعرفة، وهم بها أعلم، والله الموقّق. وقال القُرْطبي: كل مَن آمَنَ بالنبيِّي ◌َّهِ إيماناً صحيحاً لا يَخْلو عن وِجْدان شيء من تلك المحبَّة الراجحة، غيرَ أنهم مُتفاوتون، فمنهم مَن أخذ من تلك المَرْتَبة بالحَظِّ الأولَى، ومنهم مَن أخذ منها بالحَظِّ الأدنى، كمَن كان مُستغرِقاً في الشَّهَوات محجوباً بالغَفَلاتِ في أكثر الأوقات، لكنَّ الكثير منهم إذا ذُكِرَ النبي ◌َِّ اشتاقَ إلى رُؤْيَته، بحيثُ يُؤْثِرها على أهله ومالِه ووَلدِە ووالدِهِ، وَيَبذُل نفسَه في الأُمور الخطيرة، ويجد مُخبِرُ ذلك(١) من نَفْسه وِجْداناً لا تردُّدَ فيه. وقد شوهِدَ من هذا الجنس مَن يُؤْثِر زيارةَ قبِهِ ورُؤْية مواضع آثاره على جميع ما ذُكِرِ، لما وَقَرَ في قلوبهم من مَحَبَّته، غير أنَّ ذلك سريع الزَّوال بتوالي الغَفَلات، والله المستعان. انتهى مُلخَّصاً. ٩ - باب حلاوة الإيمان ١٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهَابِ الثَّقَفيُّ، قال: حدّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ عُ، عن النبي ◌َِّ قال: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يحبَّ المَرْءَ لا يحبُّه إلا لله، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكفرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النارِ)». [أطرافه في: ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١] (١) في (أ) و(ع): رجحان ذلك. ١٣٠ باب ٩ / ح ١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب حلاوة الإيمان)) مقصودُ المصنّف أنَّ الحلاوة من ثَمرات الإيمان. ولمَّا قَدَّمَ أنَّ محبّة الرسول من الإيمان، أردَفَه بما يُوجِد حَلاوةَ ذلك. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن المثنَّى)) هو أبو موسى العَنَزي، بفتح النون بعدها زاي (قال: حدّثنا عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد ((حدَّثنا أيوب)) هو ابن أبي تَميمة السَّخْتِياني بفتح السِّين المهملة على الصحيح وحُكيَ ضُّها وكسرُها ((عن أبي قلابةَ)) بكسر القاف وبباءٍ موحّدة. قوله: (ثلاث)) هو مُبتدَأ والجملة الخبر، وجازَ الابتداء بالنّكِرة لأنَّ التنوين عِوض المضاف إليه، فالتقدير: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلك. قوله: ((كُنَّ) أي: حَصَلْن، فهي تامّة. وفي قوله: ((حلاوة الإيمان)) استعارة تخييليَّةٌ، شَبَّهَ رَغْبَةَ المؤمن في الإيمان بشيءٍ حُلْوِ وأثبتَ له لازمَ ذلك الشيء وأضافَه إليه، وفيه تلميح إلى قِصَّة المريض والصحيح، لأنَّ المريض الصَّفْراوي يجد طَعْم العَسَل مُراً، والصحيح يذوق حَلاوته على ما هي عليه، وكُلَّما نَقَصَتِ الصِّحّة شيئاً ما نَقَصَ ذَوْقُه بقَدْرِ ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقوِّي استدلال المصنّف على الزيادة والنقصان. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: إنَّمَا عَبَّر بالحلاوة لأنَّ الله شَبَّهَ الإيمان بالشَّجَرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةُ كَشَجَرَوْ لَتِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشَّجَرة أصل الإيمان، وأغصائُها اتِّباع الأمر واجتناب النهي، وزَهرُها ما يَهُمُّ(١) به المؤمن من الخير، وثَمَرُها عمل الطاعات، وحَلاوةُ الثَّمَرِ جَنَى الشَّجرة (٢)، وغايةُ كماله تَناهي نُضْج الثَّمَرة وبه تَظْهَر حلاوتُها. قوله: ((أحبَّ إليه)) منصوب لأنه خبر ((يكون))، قال البيضاوي: المراد بالحُبِّ هنا: (١) في (ع) و(س): ((وورقها ما يهتمُ)) وما أثبتناه من (أ) أصح، وهو الموافق لما في ((بهجة النفوس)) لابن أبي جمرة ٢٦/١ -٢٧. (٢) في (ع) و(س): جنى الثمرة. ١٣١ باب ٩ / ح ١٦ كتاب الإيمان الحُبُّ العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السَّلیم رُجحانه وإن كان على خلاف هوی النفس، كالمريضِ يعافُ الدَّواء بطَبْعِه فيَنِفِر عنه، ويميلُ إليه بمُقتَضى عقله فيَهَوَى تَناُله، فإذا تأمل المَرْءُ أنَّ الشارعِ لا يَأْمُر ولا ينهى إِلَّا بما فيه صلاحٌ عاجلٌ أو خلاصٌ آجِلٌ، والعقل يقتضي رُجْحان/ جانب ذلك، تَمَرَّنَ على الائتمار بأمره بحيثُ يصير هواه تَبَعاً ٦١/١ له، ويَلتَذُّ بذلك الْتِذاذاً عقليّاً، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمالٌ وخيرٌ من حيثُ هو كذلك، وعَبَّر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهَر اللَّذائذ المحسوسة. وقال: وإنَّما جعل هذه الأُمور الثلاثة عُنْواناً لكمال الإيمان لأَنَّ المَرْء إذا تأمل أنَّ المُنْعِم بالذّات هو الله تعالى، وأنْ لا مانحَ ولا مانعَ في الحقيقة سواه، وأنَّ ما عداه وسائط، وأنَّ الرسول هو الذي يُبيِّ له مراد ربّه، اقتضى ذلك أنْ يتوجَّه بكُلّيَّتِه نحوه، فلا يحب إلَّا ما يحب، ولا يجب مَن يحب إلَّا من أجله، وأنْ يَتَيقَّنَ أنَّ جملة ما وَعَدَ وأوعَدَ حقٌّ تَيَقُّناً، ويُخَيَّل إليه الموعود كالواقع، فَيَحسَب أنَّ مجالسَ الذِّكْرِ رياضُ الجنَّة، وأنَّ العَوْدَ إلى الكفر إلْقاء في النار. انتهى مُلخَّصاً. وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أنْ قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثمَّ هَدَّدَ على ذلك وتَوعَّدَ بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ [التوبة: ٢٤]. فائدة: فيه إشارة إلى التحَلّي بالفضائل، والتخلّي عن الرذائل، فالأوَّل من الأوَّل والأخير من الثاني. وقال غيرُه: محبّة الله على قِسْمين: فرض ونَدْب، فالفرض: المحبَّة التي تَبْعَث على امتثال أوامره والانتهاء عن معاصيه والرِّضا بما يُقدِّره، فمَن وقع في معصية من فعل محرَّم أو تركٍ واجب، فلِتقصيرِهِ في محبّة الله حيثُ قَدَّمَ هوى نَفْسِه، والتقصير تارة يكون مع الاستِرْسال في المباحات والاستِكْثار منها، فيُورِث الغَفْلَةَ المقتضيةَ للتوسُّعِ في الرَّجاء فيُقدِم على المعصية، أو تستمرُّ الغَفْلَةُ فيقع، وهذا الثاني يُسرِع إلى الإقلاع مع النَّدَم. وإلى ١٣٢ باب ٩ / ح ١٦ فتح الباري بشرح البخاري الثاني يشير بحديث: ((لا يَزْني الزّاني وهو مؤمن))(١). والنَّدْب: أنْ يُواظِبَ على النَّوافل ويتجنَّبَ الوقوع في الشُّبُهات، والمتَّصِف عموماً بذلك نادر. قال: وكذا محبَّة الرسول على قِسْمينِ كما تقدَّم، وزاد: أنْ لا يَتَلَقَّى شيئاً من المأمورات والمنهيَّات إلَّا من مِشْكاته، ولا يَسلُك إلَّا طريقتَه، ويَرْضَى بما شَرَعَه، حتَّى لا يجد في نَفْسه حَرَجاً ممَّا قضى، ويَتَخلَّقَ بأخلاقه في الجود والإيثار والحِلْم والتواضُع وغيرها، فمَن جاهَدَ نفسَه على ذلك وَجَدَ حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحَسَبٍ ذلك. وقال الشيخ محيي الدِّين: هذا حديث عظيم، أصل من أُصول الدّين، ومعنى حلاوة الإيمان: اسْتِلْذاذُ الطاعات، وتحمُّل المَشاقٌّ في الدّين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبّة العبد لله تَحصُل بفعلٍ طاعَته وترك مُخالفته، وكذلك الرسول. وإنَّما قال: ((مما سواهما)) ولم يقل: ((مَمَّن)) لِيَعُمَّ مَن يَعْقِل ومَن لا يَعِقِلُ. قال: وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية. وأمَّا قوله للَّذي خَطَبَ فقال: ومَن يَعْصِهما: ((بئْسَ الخطيبُ أنتَ))(٢)، فليس من هذا، لأنَّ المراد في الخُطَب الإيضاحُ، وأمَّا هنا فالمراد الإيجازُ في اللفظ ليُحفَظ، ويدل عليه أنَّ النبيَّ وَِّ حيثُ قاله في موضع آخر، قال: (ومَن يَعْصِهما فلا يَضُرُّ إِلََّ نفسَه))(٣). واعتُرِضَ بأنَّ هذا الحديث إنَّما وَرَدَ أيضاً في خُطْبة النكاح، وأُجيبَ بأنَّ المقصود في خُطْبة النكاح أيضاً الإيجازُ فلا نَقْض. وثَمَّ أجوبة أُخرى، منها: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّز المنع أولى لأنه عام. والآخر يحتمل الخصوصيّة، ولأنه ناقلٌ والآخر مبنيٌّ على الأصل، ولأنه قولٌ والآخرُ فعل. ورُدَّ بأنَّ احتمال التخصيص في القول أيضاً حاصل بل(٤) ليس فيه صيغة عموم أصلاً. (١) سيأتي برقم (٢٤٧٥). (٢) أخرجه مسلم (٨٧٠). (٣) أخرجه أبو داود برقم (١٠٩٧) و(٢١١٩)، وإسناده ضعيف. (٤) لفظة ((بل)) لم ترد في (ع) و(س)، وفيهما: حاصل بكل قول ليس .... ١٣٣ باب ٩ / ح ١٦ كتاب الإيمان ومنها: دعوى أنه من الخصائص، فيَمتَنع من غير النبي ◌ِّهِ ولا يَمتَنْع منه، لأنَّ غيرَه إذا جمع أوهَمَ إطلاقُه التسوية، بخلافه هو فإنَّ مَنْصِبه لا يَتَطَرَّق إليه إبهامُ ذلك. وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومنها: دعوى التفرقة بوجهٍ آخر، وهو أنَّ كلامه ◌َّهِ هنا جملةٌ واحدةٌ فلا يَحسُن إقامة الظاهر فيها مقام المُضمَر، وكلام الذي خَطَبَ جملتان لا يُكرَه إقامةُ الظاهر فيهما مقام المُضمَر. وتُعُقِّبَ هذا بأنه لا يلزم من كَوْنه لا يُكرَه إقامةُ الظاهر فيهما مقام المُضمَر أنْ يُكرَه إقامةُ المُضمَر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرَّد على الخطيب مع أنه هو وَّ جمع كما تقدَّم؟ ويُجاب بأنَّ قِصَّة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعةُ عينٍ / ٦٢/١ فيحتمل أنْ يكون في ذلك المجلس مَن يُحْشَى عليه تَوهُّم التسوية كما تقدَّم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقِصَّة الخطيب: أنَّ تَشْنية الضمير هنا للإيماءِ إلى أنَّ المعتبَرَ هو المجموع المُرتَّب من المَحبَّتَين، لا كل واحدة منهما، فإنَّا وَحْدَها لاغيةٌ إذا لم تَرتَبِطِ بالأُخرى، فمَن يَدَّعي حُبَّ الله مثلاً ولا يحبُّ رسولَه لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿ قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأوقَع متابعَتَه مُكْتَنِفةً بين قُطْرَيْ محبَّة العباد لله(١) ومحبّة الله تعالى للعباد. وأمَّا أمر الخطيب بالإفراد، فلأنَّ كل واحد من العصيانَينِ مُستَقِل باستِلْزام الغَواية، إذ العَطْف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كلٍّ من المعطوفَينِ في الحُكْم، ويشير إليه قولُه تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأعاد ((أطيعوا)) في الرسول ولم يُعِدْه في أولي الأمر، لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى مُلخَّصاً من كلام البيضاوي والطِّيبي. وهنا أجوبة أُخرى فيها تكلّف، منها: أنَّ المتكلِّم لا يدخل في عموم خطابه، ومنها: أنَّ له أن يجمع بخلاف غيره. (١) لفظ الجلالة (الله)) سقط من (س). ١٣٤ باب ٩ / ح ١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأنْ يحبَّ المَرْءَ)) قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحُب في الله أنْ لا يزيد بالبِّ ولا يَنقُصَ بالجَفاء. قوله: ((وأنْ يَكْرَه أنْ يعودَ في الكفر)) زاد أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق الحسن بن سفيان، عن محمد بن المثنَّى شيخ المصنّف: ((بعد إذْ أنقَذَه الله منه))، وكذا هو في طريق أُخرى للمصنَّ (٢١)، والإنقاذ أعم من أنْ يكون بالعِصْمة منه ابتداءً بأنْ يولد على الإسلام ويَستَمِر، أو بالإخراج من ظُلْمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثيرٍ من الصحابة، وعلى الأوَّل فيُحمل قوله: ((يعودَ)) على معنى الصَّيْرورة، بخلاف الثاني فإنَّ العَوْدَ فیه علی ظاهره. فإنْ قيل: فلِمَ عَدَّى العَوْدَ بفي ولم يُعَدِّه بإلى؟ فالجواب: أنه ضمَّنَه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يَستَقِر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَّا أَنْ نَّعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. تنبيه: هذا الإسناد كلّه بصريُّون. وأخرجه المصنّف (٢١) بعد ثلاثة أبواب من طريق شُعْبَةً عن قتادة، عن أنس، واستدلَّ به على فضل مَن أُكرِهَ على الكفر فترك النَّقِيَّةَ(١) إلى أنْ قُتِل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب (٦٠٤١) في فضل الحب في الله، ولفظه في هذه الرواية: ((وحتَّى أنْ يُقْذَف في النار أحبُّ إليه من أنْ يَرجِعَ إلى الكفر بعد إذْ أنقَذَه الله منه)) وهي أبلغُ من لفظ حديث الباب، لأنه سَوَّى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوعَ في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقَذَه الله بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مسلم (٦٨/٤٣) من هذا الوجه، وصَرَّحَ النَّسائي في روايته (٤٩٨٨) والإسماعيلي بسماع قتادةَ له من أنسٍ، والله الموفقِّق. وأخرجه النَّسائي (٤٩٨٧) من طريق طَلْقٍ بن حَبيبٍ عن أنس وزاد في الخَصْلة الثانية ذِكْرَ البُغْض في الله ولفظه: ((وأنْ يحبَّ في الله ويُبغِضَ في الله))، وقد تقدَّم للمصنّف في ترجمةٍ (٢): ((والحُب في الله والبُغْض في الله من الإيمان)) وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية، والله أعلم. (١) تحرفت في (ع) و(س) إلى: البتة! (٢) وهو الباب الأول من كتاب الإيمان. ١٣٥ باب ١٠ / ح ١٧ كتاب الإيمان ١٠ - بابٌ علامةُ الإيمان حُبُّ الأنصار ١٧ - حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ جَبٍْ، قال: سمعتُ أنساً، عن النبيِِّ قال: «آيَةُ الإِيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النِّفاق بُغْضُ الأنصارِ)). [طرفه في: ٣٧٨٤] قوله: ((بابٌ)) هو منوَّن. ولمَّا ذكر في الحديث السابق أنه ((لا يحبّه إلَّا لله)) عَقَّبَه بما يشير إليه من أنَّ حُب الأنصار كذلك، لأنَّ محبَّةً مَن يحبّهم من حيثُ هذا الوصفُ - وهو النُّصْرة - إنَّما هو الله تعالى، فهم وإنْ دخلوا في عموم قوله: ((لا يحبُّه إلَّا لله)) لكنَّ التنصيص بالتخصیص دليل العناية. قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)» هو الطَّیالسي. قوله: ((جَبْ)) بفتح الجيم وسكون الموحّدة، وهو ابن عَتِيك الأنصاري، وهذا الراوي ٦٣/١ ممَّن وافق اسمُه اسمَ أبيه. قوله: ((آية الإيمان)) هو بهمزةٍ ممدودة وياء تحتانيَّة مفتوحة وهاء تأنيثٍ، و((الإیمان)» مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات، في ((الصحيحين)) و((السُّنَن)) و((المستخرجات)) و((المسانيد)). والآية: العلامة كما تَرجَمَ به المصنِّف. ووقع في ((إعراب الحديث)) لأبي البقاء المُكْبَري: ((إنَّه الإيمان)) بهمزةٍ مكسورة ونونٍ مُشدَّدة وهاء، و((الإيمان)) مرفوع، وأعربَه فقال: ((إنَّ) للتأكيد، والهاء ضمير الشَّأْن، و ((الإيمان)) مُبتدَأ وما بعده خبرُه، ويكون التقدير: إنَّ الشَّأْن الإيمانُ حُبُّ الأنصار. وهذا تصحيف منه، ثمَّ فيه نظر من جهة المعنى، لأنه يقتضي حَصْرَ الإيمان في حُب الأنصار، وليس كذلك. فإن قيل: واللفظ المشهور أيضاً يقتضي الحَصْر، وكذا ما أورده المصنِّف في فضائل الأنصار (٣٧٨٣) من حديث البراء بن عازِب: ((الأنصارُ لا يحبُّهم إلَّا مؤمن)). ١٣٦ باب ١٠ / ح ١٧ فتح الباري بشرح البخاري فالجواب عن الأوَّل: أنَّ العلامة كالخاصّة تَطَّرِدُ ولا تَنْعَكِس، وإنْ أُخِذَ من طريق المفهوم فهو مفهومُ لَقَبِ لا عِبْرةَ به، سَلَّمْنا الحَصْر لكنَّه ليس حقيقيّاً بل ادِّعائِيّاً للمُبالَغة، أو هو حقيقي لكنَّه خاص بمَن أبغَضَهم من حيثُ النُّضْرةُ. والجواب عن الثاني: أنَّ غايتَه أنْ لا يقع حُبُّ الأنصار إلَّا لمؤمنٍ، وليس فيه نفي الإيمان عمَّن لم يقع منه ذلك، بل فيه أنَّ غير المؤمن لا يحبّهم. فإنْ قيل: فعلى الشِّق الثاني هل يكون مَن أبغَضَهم مُنافقاً وإنْ صَدَقَ وأقرَّ؟ فالجواب: أنَّ ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنَّه غير مراد، فيُحمَل على تقييد البُغْض بالجهة، فمَن أبغَضَهم من هذه الجهة - وهي كَوْنُهم نَصَروا رسول الله وَلَ - أَثَّرَ ذلك في تصديقه فيصحُّ أنه مُنافق. ويُقرِّب هذا الحملَ زيادة أبي نُعيم في ((المستخرَج)) (١) في حديث البراء بن عازِب: ((مَن أحبَّ الأنصار فبِحُبِي أحبَّهم، ومَن أبغَضَ الأنصارَ فِيُغْضِي أبغَضَهم))، ويأتي مِثْلُ هذا في الحُب کما سبق. وقد أخرج مسلم (٧٧) من حديث أبي سعيد رفعه: «لا يُبغِض الأنصارَ رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر))، ولأحمد (١١٦٦٨) من حديثه: ((حُبُّ الأنصارِ إيمانٌ، ويُغْضُهم نِفاقٌ)). ويحتمل أنْ يقال: إنَّ اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يُراد ظاهرُه، ومن ثَمَّ لم يُقابِل الإيمان بالكفر الذي هو ضدّه، بل قابلَه بالنِّفاق إشارةً إلى أنَّ الترغيب والترهيبَ إنَّا خُوطِبَ به مَن يُظهِر الإيمان، أمَّا مَن يُظهِر الكفرَ فلا، لأنه مُرْتَكِب ما هو أشدُّ من ذلك. قوله: ((الأنصار)) هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نَصير كأشرافٍ وشريف، واللام فيه للعَهْد، أي: أنصار رسول الله وَّةِ، والمراد: الأوس والخَزْرَج، وكانوا قبل ذلك يُعرَفون ببني قَيْلَةَ - بقافٍ مفتوحة وياء تحتانيّة ساكنة - وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسَّاهم رسول الله وَ ◌ّهِ ((الأنصار)) فصار ذلك عَلَماً عليهم، وأُطلِقَ أيضاً على أولادهم وحُلَفائهم ومَوَاليهم. (١) هو في ((مستخرجه على مسلم)) برقم (٢٣٥). ١٣٧ باب ١١ / ح ١٨ كتاب الإيمان وخُصُّوا بهذه المَنقِبة العُظْمَى لِمَا فازُوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي وَّل ومَن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفُسِهم وأموالهم، وإيثارهم إيَّاهم في كثير من الأُمور على أنفُسهم، فكان صنيعُهم لذلك مُوجِباً لمُعاداتهم جميعَ الفِرَق الموجودين من عَرب وعَجَم، والعداوة تَجُرُّ البُغْض، ثمَّ كان ما اختَصّوا به ممَّا ذُكِرَ مُوجِباً للحَسَد، والحَسَدِ يَجُرُّ البُغْض، فلهذا جاءَ التحذيرُ من بُغْضهم والترغيبُ في حُبّهم حتَّى جعلَ ذلك آيَةَ الإيمان والنِّفاق، تنويهاً بعظيم فَضْلِهِم، وتنبيهاً على كَرِيم فعلِهم، وإنْ كان مَن شارَكَهم في معنى ذلك مُشاركاً لهم في الفضل المذكور كُلِّ بقِسْطِهِ. وقد ثبت في ((صحيح مسلم) (٧٨) عن علي أنَّ النبيَّ نَّهِ قال له: ((لا يحبُّك إلَّا مؤمن ولا يُبِغِضُكَ إلَّا مُنافقٌ))، وهذا جارٍ باطِّرادٍ في أعيان الصحابة، لتحقَّقِ مُشترك الإكرام، لما لهم من حُسْن الغَناء في الدّين. قال صاحب ((المُفْهم)»: وأمَّ الحُروب الواقعة بينهم، فإنْ وقع من بعضهم بُغضُّ لبعضٍ فذاكَ من غير هذه الجهة، بل الأمر الطارئ الذي اقتضى المخالَفة، ولذلك لم يَكُم بعضهم على بعض بالنِّفاق، وإنَّما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام: للمُصيبِ أجران، وللمُخطِئ أجر واحد، والله أعلم. ١١ - باب ٦٤/١ ١٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْري، قال: أخبرني أبو إدرِيسَ عائذُ الله بنُ عبدِ الله: أنَّ عُبادةَ بنَ الصامتِ ه - وكان شَهِدَ بدراً وهو أحَدُ النُّقَبَاءِ ليلةً العَقَبَةِ -: أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال - وحَوْلَه عِصابةٌ من أصحابه -: ((بايِعُوني على أنْ لا تُشِرِكُوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا أولادَكُم، ولا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ تَفْتُرُونَه بينَ أيدِيكُم وأرجُلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فمَن وَفَ مِنكُمْ فَأَجْرُه على الله، ومَن أصابَ من ذلكَ شيئاً فعُوقِبَ في الدُّنْيا فهو كَفّارةٌ له، ومَن أصاب من ذلكَ شيئاً ثُمَّ سَتَرَه الله فهو إلى الله، إنْ شاءَ عَفَا عنه، وإِنْ شاءَ عاقَبَه)) فبايَعْناه على ذلكَ. [أطرافه في: ٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨] ١٣٨ باب ١١ / ح ١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب)) كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأَصِيلي أصلاً، فحديثُه عنده من جملة الترجمة التي قبلَه، وعلى روايتنا فهو متعلِّقٌ بها أيضاً، لأن الباب إذا لم تُذكَر له ترجمة خاصَّة، يكون بمنزلة الفصل ممَّا قبلَه مع تعلُّقِه به، كصنيع مصنِّفي الفقهاء، ووجه التعلُّق: أنه لما ذَكَر الأنصارَ في الحديث الأول، أشار في هذا إلى ابتداءِ السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأنَّ أول ذلك كان ليلةَ العَقَبَة لَمَّا تَوافَقُوا مع النبيِِّ عند عَقَبَة مِنى في الموسم، كما سيأتي شرحُ ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية من هذا الكتاب(١). وقد أخرج المصنِّف حديث هذا الباب في مواضعَ أُخرى: في باب من شهد بدراً (٣٩٩٩) لقوله فيه: ((وكان شَهِدَ بدرا))، وفي باب وُفُود الأنصار (٣٨٩٣) لقوله فيه: ((وهو أحدُ النُّقباء))، وأورده هنا لتعلُّقِه بما قبلَه كما بيَّنّاه. ثم إنَّ في متنه ما يتعلَّق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين: أحدهما: أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثالِ الأوامر. وثانيهما: أنه تَضمَّنَ الردَّ على من يقول: إنَّ مرتكب الكبيرة كافرٌ أو مُلَّد في النار، كما سيأتي تقريرُه إن شاء الله تعالى(٢). قوله: ((عائذ الله)) هو اسم عَلَم، أي: ذو عياذة بالله، وأبوه عبد الله بن عَمْرو الخَوْلانيُّ، صحابي، وهو من حيثُ الرواية تابعي كبير، وقد ذُكِرَ في الصحابة لأنَّ له رُؤْية، وكان مولده عام حُنَينٍ. والإسناد كلُّه شامیُّون. قوله: ((وكان شهِدَ بدراً)) يعني حَضَرَ الوَقعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف ببدرٍ، وهي أوَّل وَقْعة قاتَلَ النبي ◌َّ فيها المشركين، وسيأتي ذِكْرها في المغازي. ويحتمل أنْ يكون قائل ذلك أبو إدريس، فيكون مُتَّصِلاً إذا حُلَ على أنه سمع ذلك من عُبادة، أو الزُّهْريَّ فيكون مُنقطِعاً. وكذا قوله: ((وهو أحد النُّقَباء)). (١) في كتاب مناقب الأنصار: ٤٣- باب وفود الأنصار إلى النبي وَل بمكة، وبيعة العقبة. (٢) في كتاب الإيمان نفسه: ٢٢ - باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يُكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. ١٣٩ باب ١١ / ح ١٨ كتاب الإيمان قوله: ((أنَّ رسول الله وَّ)) سقط قبلها من أصل الرواية لفظ ((قال)) وهو خبرُ ((أنَّ»، لأنَّ قوله: ((وكان)) وما بعدها مُعترِض، وقد جَرَتْ عادة كثير من أهل الحديث بحذف ((قال)) خَطّاً لكن حيثُ تَتَكَّر في مِثْل: ((قال: قال رسول الله ◌ِّ)) ولا بُدَّ عندهم مع ذلك من النُّطْق بها، وقد ثبتت في رواية المصنّف لهذا الحديث بإسناده هذا في ((باب مَن شَهِدَ بدراً)) (٣٩٩٩)، فلعلَّها سقطت هنا ممَّن بعده، ولأحمد عن أبي اليَمَان بهذا الإسناد: أنَّ عُبادةَ حدَّثه(١). قوله: ((وحَوْلَه)) بفتح اللام على الظَّرْفيَّة، والعِصابة بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، وقد جُمعَتْ على: عَصائب وُصَب. قوله: ((بايعوني)) زاد في باب وُفود الأنصار (٣٨٩٢): ((تعالَوْا بايعوني))، والمبايعة عبارة عن المعاهدة، سُمّيَتْ بذلك تشبيهاً بالمعاوَضة الماليّة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. قوله: ((ولا تَقْتُلوا أولادَكم)) قال محمد بن إسماعيل التَّيْمي وغيرُه: خُصَّ القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رَحِم، فالعناية بالنهي عنه آكَد، ولأنه كان شائعاً فيهم، وهو وأُدُ البنات وقتلُ البنين خَشْية الإملاق، أو خَصَّهم بالذِّكْر / لأنهم بصَدَدِ أنْ لا يدفعوا عن أنفُسهم. ٦٥/١ قوله: ((ولا تأْتُوا بِبُهْتَانٍ)) الْبُهْتَانُ: الكذبُ الذي يَبْهَتُ سامعَه، وخَصَّ الأيدي والأرجُل بالافتراءِ لأنَّ مُعظَم الأفعال تقع بهما، إذْ كانت هي العوامل والحوامل للمُباشَرة والسَّعْي، وكذا يُسمُّون الصنائع: الأيادي، وقد يُعاقَب الرجل بجِنايةٍ قوليَّة فيقال: هذا بما كَسَبَتْ يداك. ويحتمل أنْ يكون المراد: لا تَبْهَتوا الناس كِفاحاً وبعضُكم يشاهد بعضاً، كما یقال: قلت کذا بین یدَيْ فُلان، قاله الخطّابي، وفيه نظرٌ لذِكْر الأرجُل. (١) لم نقف على رواية أبي اليمان عند أحمد في («مسنده))، ولا ذكرها الحافظ نفسه في كتابه «أطراف المسند» (٣٠٢٠)، ولعلها في كتاب ((الإيمان)) لأحمد، فقد سبق للحافظ أن خرَّج منه، وأما في ((المسند» فحديث عبادة فيه برقم (٢٢٦٧٨) من طريق سفيان بن عيينة و(٢٢٧٣٣) من طريق معمر، كلاهما عن الزهري. ١٤٠ باب ١١ / ح ١٨ فتح الباري بشرح البخاري وأجاب الكِرْماني بأنَّ المراد الأيدي، وذكر الأرجُلَ تأكيداً، ومُحصَّلُه: أنَّ ذِكْر الأرجُل إنْ لم يكن مقتضياً فليس بمانع. ويحتمل أنْ يكون المراد بما بين الأيدي والأرجُل القلب، لأنه هو الذي يُترجِم اللِّسانُ عنه، فلذلك نُسِبَ إليه الافتراء، كأنَّ المعنى: لا تَرْموا أحداً بكذب تُزوِّرونَه في أنفُسِكم ثمَّ تَبْهَتون صاحبه بألسنتكم. وقال أبو محمد بن أبي جَمْرة: يحتمل أنْ يكون قوله: ((بين أيديكم)) أي: في الحال، وقوله: ((وأرجُلِكم)) أي: في المستقبل، لأنَّ السَّعْيَ من أفعال الأرجُل. وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكتَّى بذلك - كما قال الهَرَوي في ((الغريبين)) - عن نسبة المرأة الولدَ الذي تَزْني به أو تَلتِقِطُه إلى زوجها، ثمَّ لمَّا استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيجَ إلى حمله على غير ما وَرَدَ فيه أوّلاً، والله أعلم. قوله: ((ولا تَعْصوا)) للإسماعيليِّ في باب وُفود الأنصار: ((ولا تعصوني)) وهو مطابق للآية. والمعروف: ما عُرِفَ من الشارع حُسْنُه نهياً وأمراً. قوله: ((في معروف)) قال النَّووي: يحتمل أنْ يكون المعنى: ولا تعصوني ولا أحداً وَلِيَ الأمرَ عليكم في المعروف، فيكون التقييد بالمعروف مُتعلِّقاً بشيءٍ بعده. وقال غيره: نبّه بذلك على أنَّ طاعة المخلوق إنَّما تجب فيما كان غير معصية لله، فهي جَديرة بالتوقِّي في معصية الله. قوله: ((فمَن وَفَى مِنكُم)) أي: ثبت على العَهْد. و ((وَفَى)) بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد، وهما بمعنّی. قوله: ((فأجرُه على الله)) أطلق هذا على سبيل التفخيم، لأنه لمَّا أنْ ذكر المبايعةَ المقتضية لوجود العِوَضَينِ، أثبتَ ذِكْر الأجر في موضع أحدهما. وأفصَحَ في رواية الصُّنابحي عن عُبادةَ في هذا الحديث في ((الصحيحين))(١) بتعيين العِوَضِ فقال: ((بالجنَّة))، وعَبَّر هنا بلفظ (١) البخاري (٣٨٩٣)، ومسلم (١٧٠٩) (٤٤).