Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
باب ١
كتاب الإيمان
وإنْ كان ذلك وَرَدَ بإسنادٍ ضعيف(١).
والكلام هنا في مَقامَين: أحدهما: كَوْنه قولاً وعملاً، والثاني: كَوْنه يزيد ويَنقُص. فأمَّا القول
فالمراد به النُّطْقِ بالشَّهادتَين، وأمَّا العملُ فالمراد به ما هو أعمُّ من عمل القلب والجوارح، ليدخلَ
الاعتقادُ والعباداتُ. ومراد مَن أدخلَ ذلك في تعريف الإيمان ومَن نفاه إنَّما هو بالنَّظَر إلى ما عند
الله تعالى، فالسَّلَف قالوا: هو اعتقادٌ بالقلب، ونُطْقِّ باللِّسان، وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أنَّ
الأعمالَ شرطٌ في کماله. ومن هنا نشَأ لهم القولُ بالزيادة والنقص كما سيأتي.
والمُرْجِئةُ قالوا: هو اعتقادٌ ونُطْقٌ فقط. والكَرَّاميَّة قالوا: هو نطقٌّ فقط. والمعتزلة قالوا:
هو العمل والنُّطْق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السَّلَف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في
صِحَّته، والسَّلَف جعلوها شرطاً في كماله. وهذا كلّه - كما قلنا - بالنَّظَر إلى ما عند الله تعالى،
أمَّا بالنَّظَر إلى ما عندنا فالإيمانُ هو الإقرارُ فقط، فمَن أقرَّ أُجريَتْ عليه الأحكامُ في الدنيا ولم
يُحكَم عليه بكفر، إلَّا إن اقتَرنَ به فعل يدل على كفره كالسجودِ للصَّنَم، فإنْ كان الفعل لا
يدل على الكفر كالفِسْق، فمَن أَطلَق عليه الإيمان فبالنَّظَر إلى إقراره، ومَن نَفَی عنه الإیمان
فبالنَّظر إلى كماله، ومَن أَطلَق عليه الكفرَ فبالنَّظَر إلى أنه فعل فِعلَ الكافر، ومَن نَفَاه عنه
فبالنَّظر إلى حقيقته. وأثبتَت المعتزلة الواسطةَ فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.
وأمَّا المقام الثاني فذهب السَّلَف إلى أنَّ الإيمان يزيد ويَنْقُص. وأنكر ذلك أكثر المتكلِّمين
وقالوا: متی قُبِلَ ذلك كان شكّاً.
قال الشيخ محبي الدِّين: والأظهَر المختار أنَّ التصديق يزيد ويَنقُص بكَثْرة النَّظَر
ووُضوح الأدَلَّة، ولهذا كان إيمان الصِّدِّيقينَ أقوى من إيمان غيرهم بحيثُ لا يَعْتَريه الشُّبْهَةُ.
انتهى كلام النووي، ويؤيِّده أنَّ كل أحد يعلم أنَّ ما في قلبه يتفاضل، حتَّى إِنَّه يكون في
بعض الأحيان(٢) أعظم يقيناً وإخلاصاً وتَوكُّلاً منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة
(١) بل هو موضوع، فقد روي مرفوعاً عن معاذ وأبي هريرة وواثلة بن الأسقع بأسانيد تالفة، وذكره ابن
الجوزي في ((الموضوعات)) ١٢٩/١ - ١٣٠، وكل من ألّف في الموضوعات ذكره فيها.
(٢) في (س) زيادة لفظة ((الإيمان)) هنا.

١٠٢
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
٤٧/١ بحَسَبِ ظُهور البراهين وكَثْرتها. وقد نقل محمد بن نصر المَرْوزي/ في كتابه «تعظيم قَدْر
الصلاة)) عن جماعة من الأئمّة نحوَ ذلك، وما نُقِلَ عن السَّلَف صَرَّحَ به عبد الرزاق في
((مصنََّه)) عن سفيان الثَّوْريِّ ومالك بن أنس والأوزاعيِّ وابن جُرَيج ومَعمَر وغيرهم،
وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. وكذا نقله أبو القاسم اللَّالَكائي في ((كتاب السُّنة)) عن
الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمّة، وروى بسنده
الصحيح عن البخاري قال: لَقيتُ أكثرَ من ألف رجلٍ من العلماء بالأمصار فما رأيتُ أحداً
منهم يختلف في أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ويزيدُ ويَنقُص. وأطنَبَ ابن أبي حاتم واللَّالَكائي في
نَقْل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكلُّ مَن يَدُور عليه الإجماع من
الصحابة والتابعين. وحكاه فُضَيل بن عِيَاض ووكيعٌ عن أهل السُّنّة والجماعة.
وقال الحاكم في ((مناقب الشافعي)): حدَّثنا أبو العبّاس الأصَمُّ، أخبرنا الرَّبيعُ، قال:
سمعتُ الشافعيَّ يقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، ويزيدُ ويَنْقُصُ. وأخرجه أبو نُعيم في ترجمة
الشافعي من ((الحِلْية)) من وجه آخر عن الرَّبيع وزاد: يزيد بالطاعة ويَنقُص بالمعصية. ثمَّ
تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَنً﴾ الآيةَ [المدثر: ٣١].
ثمَّ شَرَعَ المصنّف يستدلُّ لذلك بآياتٍ من القرآن مُصرِّحةٍ بالزّيادة، وبثبوتها يَثْبُت
المقابلُ، فإنَّ كل قابلِ للزّيادة قابلٌ للنُّقْصان ضرورةً.
قوله: ((والحبُّ في الله والبُغْض في الله من الإيمان)) هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من
حديث أبي أُمامةَ (٤٦٨١) ومن حديث أبي ذرِّ (٤٥٩٩) ولفظه: ((أفضلُ الأعمالِ الحُبُّ في
الله والبُغْضُ في الله))، ولفظ أبي أُمامةَ: ((مَن أحبَّ لله، وأبغَضَ لله، وأعطَى لله، ومَنَعَ لله، فقد
اسْتَكمَلَ الإيمان)). وللتِّرمِذيّ (٢٥٢١) من حديث معاذ بن أنس نحوُ حديث أبي أُمامة،
وزاد أحمد فيه: ((ونَصَحَ الله))(١)، وزاد في أُخرى (٢٢١٣٠): ((ويُعمِلُ لِسانَه في ذِكْرِ الله))،
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٥٦١٧) و(١٥٦٣٨)، وليس فيه هذه الزيادة التي ذكرها الحافظ، وإنما
زاد فيه: ((وأَنْكحَ لله))، فلعله - أو بعضَ النساخ - أراد أن يكتب ((أنكح)) فسبق قلمه فكتب: ((نصح))،
والله أعلم.

١٠٣
باب ١
كتاب الإيمان
وله (١٥٥٤٩) عن عَمْرو بن الجَمُوح بلفظ: ((لا يَحِقُّ(١) العبدُ صريحَ الإيمان حتَّى يُحبَّ الله
ويُبُغِضَ لله))، ولفظ البزَّار فيه: ((أوثَّقُ عُرَى الإيمان: الحُبُّ في الله، والبُغْضُ في الله))، وسيأتي
عند المصنّف (١٧): («آيَةُ الإيمان حُبُّ الأنصار))، واستدلَّ بذلك على أنَّ الإيمان يزيد
ويَنقُص، لأنَّ الحبَّ والبغضَ يتفاوتان.
قوله: ((وكتبَ عمرُ بن عبد العزيز إلى عَديٍّ بن عَديٍّ)) أي: ابنُ عَمِيرةَ الكِنْدي، وهو
تابعي من أولاد الصحابة، وكان عاملَ عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، فلذلك كتب إليه،
والتعليق المذكور وَصَلَه أحمدُ بن حنبل وأبو بكر بن أبي شَيْبة في كتاب ((الإيمان)) (١٣٥) لهما
من طريق عيسى بن عاصم قال: حدَّثني عَديُّ بنُ عَديٍّ قال: كتب إليَّ عمرُ بنُ عبد العزيز:
أمَّا بعد، فإنَّ للإيمان فرائضَ وشرائعَ ... إلى آخره.
قوله: ((إنَّ للإيمان فرائضَ)) كذا ثبت في مُعظَم الروايات باللام، ((وفرائضَ)) بالنصب
على أنها اسم ((إنَّ)، وفي رواية ابن عساكر: ((فإنَّ الإيمان فرائضُ)) على أنَّ((الإيمانَ)) اسمُ
((إنَّ)، و((فرائضُ)) خبرها، وبالأوَّل جاءَ الموصولُ الذي أشرنا إليه.
قوله: ((فرائضَ)) أي: أعمالاً مفروضة ((وشرائعَ)) أي: عقائد دينيّة ((وحدوداً)) أي:
منهيَّات ممنوعة ((وسُنَناً)) أي: مندوبات.
قوله: ((فإنْ أَعِشْ فسأُبيِّنها)) أي: أُبيِّن تفاريعها لا أُصولها، لأنَّ أُصولها كانت معلومة
لهم مُجمَلَةً، على تجويز تأخير البيان عن وقت الخِطاب إذ الحاجة هنا لم تتحقَّق. والغرض
من هذا الأثر أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز كان ممَّن يقول بأنَّ الإيمان يزيد ويَنقُص، حيثُ قال:
استكملَ ولم يَستكمِل. قال الكِرْماني: وهذا على إحدى الروايتين، وأمَّا على الرواية
الأُخرى فقد يُمنَعُ ذلك، لأنه جعل الإيمان غيرَ الفرائض. قلت: لكنَّ آخر كلامه يُشعِر
بذلك وهو قوله: ((فمَن استكملَها)» أي: الفرائضَ وما معها ((فقد استكملَ الإيمانَ))، وبهذا
(١) في (س): يجد. ومعنى: ((لا يَحِقُّ)): لا يستحق.

١٠٤
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
تَتَّفق (١) الروايتان. فالمراد أنها من المُكمِّلات، لأنَّ الشارع أطلق على مُكمِّلات الإيمان
إيماناً.
قوله: ((وقال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَِنَّ قَلْبِى) الآية)) أشار إلى تفسير سعيد
ابن جُبَير ومجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جَرِير (٣/ ٥٠) بسنده الصحيح إلى سعيد
قال: قوله: ﴿لَيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾ أي: يزداد يَقِيني. وعن مجاهد قال: لأزداد إيماناً إلى إيماني.
وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم عليه السلام - مع أنَّ نبيَّنَا بَّهِ قد أُمِرَ باتِّباع مِلَّتِه - كان كأنه
٤٨/١ ثبت عن نبيِّنَا بَّهِ ذلك. وإنَّما فَصَلَ المصنّف بين هذه الآية وبين/ الآيات التي قبلها، لأنَّ
الدليلَ يُؤخَذ من تلك بالنصِّ ومن هذه بالإشارة، والله أعلم.
قوله: ((وقال معاذ» هو ابن جَبَل، وصَرَّحَ بذلك الأَصِيلي، والتعليق المذكور وَصَلَه أحمدُ
وأبو بكر أيضاً بسندٍ صحيح إلى الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ بن جبل: اجلِسْ بنا
نُؤمن ساعةً(٢)، وفي رواية لهما: ((كان معاذ بن جبل يقول للرجلِ من إخوانه: اجلِسْ بنا
نُؤمن ساعةً، فيجلسان فيَذكُران الله ويَحِمَدانه)). وعُرِفَ من الرواية الأولى أنَّ الأسودَ أبهَمَ
نفسَه، ويحتمل أنْ يكون معاذٌ قال ذلك له ولغيره. ووجه الدّلالة منه ظاهرةٌ، لأنه لا يُحمَل
على أصل الإيمان لگوْنه كان مؤمناً وأُّ مؤمن، وإنَّما نُحمل على إرادة أنه يزداد إيماناً بذِكْر
الله تعالى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لا تَعلُّقَ فيه للزِّيادة، لأنَّ معاذاً إنَّما أراد تجديد
الإيمان، لأنَّ العبد يؤمن في أوَّل مَرّة فرضاً، ثمَّ يكون أبداً مُجدِّداً كُلَّما نظر أو فكَّر. وما نفاه
أوَّلاً أثبتَه آخراً، لأنَّ تجديد الإيمان إيمانٌ.
قوله: ((وقال ابن مسعود: اليقين الإيمانُ كلُّه)) هذا التعليق طرف من أثر وَصَلَه الطبراني
(٨٥٤٤) بسندٍ صحيح، وبقيَّته: ((والصبرُ نصف الإيمان)). وأخرجه أبو نُعيم في ((الحِلْية))
(٣٤/٥) والبيهقي في ((الزهد)) من حديثه مرفوعاً، ولا يَثْبُت رفعه. وجَرَى المصنّف على
(١) في (أ) و(ع): تتلفق.
(٢) هو في كتاب ((الإيمان)) لأبي بكر بن أبي شيبة (١٠٥)، والرواية الأخرى فيه برقم (١٠٧).

١٠٥
باب ١
كتاب الإيمان
عادته في اقتصاره على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدلُّ بالصراحة، إذْ لفظ المصنّف
صريح في التَّجْزئة. وفي ((الإيمان)) لأحمد من طريق عبد الله بن عُكَيم، عن ابن مسعود أنه
كان يقول: اللهمَّ زِدْنا إيماناً ويقيناً وفِقْهاً. وإسناده صحيح، وهذا أصرحُ في المقصود، ولم
يَذكُره المصنّف لما أشرت إليه.
تنبيه: تعلَّق بهذا الأثر مَن يقول: إنَّ الإيمان هو مجرَّد التصديق. وأُجيبَ بأنَّ مراد ابنٍ
مسعود: أنَّ اليقين هو أصل الإيمان، فإذا يَقِنَ القلبُ انْبَعَثَت الجوارحُ كلَّهَا لِلِقاءِ الله
بالأعمال الصالحة، حتَّى قال سفيانُ الثَّوْريُّ: لو أنَّ اليقينَ وقع في القلب كما ينبغي، لَطارَ
اشتياقاً إلى الجنَّة وهرباً من النار.
قوله: ((وقال ابنُ عمر ... )) إلى آخره، المراد بالتقوى: وِقَاية النفس عن الشِّرك والأعمال
السيِّئَة، والمواظَبةُ على الأعمال الصالحة. وبهذا التقرير يصح استدلال المصنّف.
وقوله: ((حاكَ)) بالمهملة والكاف الخفيفة؛ أي: تَردّد، ففيه إشارة إلى أنَّ بعض المؤمنين
بَلَغَ كُنْهَ الإيمان وحقيقته، وبعضُهم لم يَبلُغ. وقد وَرَدَ معنى قول ابن عمرَ عند مسلم
(٢٥٥٣) من حديث النَّاس مرفوعاً، وعند أحمد (١٧٩٩٩) من حديث وابصة، وحَسَّنَ
التِّرمِذي (٢٤٥١) من حديث عطيَّةَ السَّعْديِّ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا يكون الرجلُ
من المتَّقين حتَّى يَدَعَ ما لا بأسَ به حَذَراً لما به البأسُ))(١)، وليس فيها شئٍّ على شرط
المصنّف، فلهذا اقتصر على أثر ابن عمر، ولم أرَه إلى الآن موصولاً. وقد أخرج ابن أبي
الدنيا في كتاب ((التقوى)) عن أبي الدَّرْداء قال: تمامُ التقوى: أنْ تَتَّقَيَ الله حتَّى تَترُكَ ما ترى
أنه حلالٌ خَشْيةَ أنْ يكون حراماً.
قوله: ((وقال مجاهدٌ)) وصل هذا التعليقَ عبدُ بن حُميد في «تفسيره)).
والمراد أنَّ الذي تظاهرَتْ عليه هذه الأدلَّةُ من الكتاب والسُّنّة هو شرعُ الأنبياء كلِّهم.
تنبيه: قال شيخُنا شيخ الإسلام البُلْقيني: وقع في أصل ((الصحيح» في جميع الروايات
(١) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤٢١٥)، وفي سند الحديث عندهما عبد الله بن يزيد الدمشقي، وهو ضعيف.

١٠٦
باب ٢ / ح ٨
فتح الباري بشرح البخاري
في أثر مجاهد هذا تصحيفٌ قلَّ مَن تَعرَّضَ لبيانه، وذلك أنَّ لفظه: ((وقال مجاهد: ﴿شَرَعَ
لَكُم ﴾: أوصيناك يا محمد وإِيَّاه دِيناً واحداً)، والصواب: أوصيناك يا محمد وأنبياءَه، كذا
أخرجه عبد بن حُميد والفِرْيابي والطبريُّ وابنُ المنذِر في تفاسيرهم، وبه يستقيم الكلامُ،
وكيف يُفرِد مجاهد الضميرَ لنوح وحدَه مع أنَّ في السِّياق ذِكرَ جماعة؟ انتهى، ولا مانع من
الإفراد في التفسير، وإنْ كان لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطَب والباقون تَبَعٌ، وإفرادُ
الضمير لا يَمتِنِعُ، لأنَّ نوحاً أُفرِدَ في الآية فلم يتعيَّن التصحيفُ، وغايةٌ ما ذكر من مجيء
التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكوراً عند المصنّف بالمعنى، والله أعلم.
وقد استدلَّ الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما على أنَّ الأعمال تَدخُل في الإيمان بهذه الآية ﴿ وَمَآ
أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله﴾ إلى قوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] قال الشافعيُّ: ليس عليهم أحَجُّ
من هذه الآية. أخرجه الخلَّال في كتاب ((السُّنّة)).
قوله: ((وقال ابن عبّاس)) وصل هذا التعليق عبدُ الرزاق في «تفسيره)) (١ / ١٩٢) بسندٍ
صحيح.
والمنهاج: السَّبيل؛ أي: الطريق الواضح،/ والشِّرْعةُ والشَّريعةُ بمعنَى، وقد شَرَع، أي:
٤٩/١
سَنَّ، فعلى هذا فيه لَفُّ ونَشْر غير مُرتَّب.
فإنْ قيل: هذا يدل على الاختلاف، والذي قبله على الاتِّحاد. أُجيب: بأنَّ ذلك في
أُصول الدِّين، وليس بين الأنبياء فيه اختلاف، وهذا في الفُروع وهو الذي يدخله النَّسْخُ.
٢ - ﴿ُدُعَاؤُ كُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]: إيمانُكُم
٨- حدّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا حَنْظلةُ بنُ أبي سفيانَ، عن عِكْرمةَ بنِ خالدٍ، عن
ابن عمر رضي الله عنهما، قال قال رسولُ الله ◌َّهِ: (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أنْ لا إله إلا
الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، والحجّ، وصومِ رمضانَ)).
[طرفه في: ٤٥١٥]

١٠٧
باب ٢ / ح ٨
كتاب الإيمان
قوله: (﴿ُعَاؤُكُمْ﴾: إيمانُكُم)) قال النّووي: يقع في کثیر من النُسخ هنا (باب))، وهو
غلط فاحش وصوابه بحذفه، ولا يصح إدخال ((باب)) هنا إذْ لا تَعلُّق له هنا.
قلت: ثبت ((باب)) في كثير من الروايات المتَّصِلة، منها رواية أبي ذرِّ، ويُمكِن
توجيهه، لكن قال الكِرْماني: إنَّه وَقَفَ على نسخة مسموعة على الفِرَبْري بحذفه، وعلى
هذا فقوله: (﴿رُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم)) من قول ابن عبّاس، وعَطَفَه على ما قبله كعادته في
حذف أداة العَطْف حيثُ يَنقُل التفسير، وقد وَصَلَه ابن جَرِير من قول ابن عبَّاس قال
في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُّأْ بِكُتْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قال: يقول: لولا إيمانكم، أخبر الله
الكُفّار أنه لا يَعْبأُ بهم، ولولا إيمان المؤمنين لم يَعْبأُ بهم أيضاً. ووجه الدّلالة للمصنّف:
أنَّ الدُّعاءَ عملٌ، وقد أطلقه على الإيمان، فيصحُّ إطلاقُ أنَّ الإيمان عملٌ، وهذا على
تفسير ابن عبّاس.
وقال غيره: الدُّعاء هنا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد: دُعاء الرُّسُلِ الخلقَ إلى
الإيمان، فالمعنى: ليس لكم عند الله عُذْرٌ(١) إلَّا أنْ يدعوَكم الرسولُ فيؤمنَ مَن آمَنَ ويكفرَ
مَن كَفَر، فقد كذَّبتُم أنتم فسوفَ يكون العذابُ لازماً لكم. وقيل: معنى الدُّعاء هنا
الطاعة، ويؤيِّده حديثُ الُّعمان بن بشير: ((إنَّ الدُّعاءَ هو العبادةُ)) أخرجه أصحاب ((السُّنَن))
بسندٍ جیِّدٍ(٢).
قوله: ((حَنْظلة بن أبي سفيان)) هو قُرَشِيٌّ مَكِّيٌّ من ذُرِّيَّة صَفْوان بنِ أَميَّةَ الْجُمَحي،
وعِكْرمة بن خالد: هو ابن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهو ثقة مُتَّفَق
عليه، وفي طبقته ◌ِكْرمةُ بن خالد بن سَلَمَةَ بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهو ضعيف،
ولم يُخُرِّج له البخاري، نَبَّهتُ عليه لشدَّة الْتِباسه، ويفترقان بشيوخهما، ولم يَروِ الضعيفُ
عن ابن عمر. زاد مسلم (٢٢/١٦) في روايته عن حَنْظلة قال: سمعت عِكْرمة بن خالد
(١) في(أ): قَدْر.
(٢) هو عند أبي داود برقم (١٤٧٩)، وابن ماجه برقم (٣٨٢٨)، والترمذي برقم (٢٩٦٩) وقال: حسن
صحيح.

١٠٨
باب ٢ / ح ٨
فتح الباري بشرح البخاري
يُحدِّث طاووساً: أنَّ رجلاً قال لعبد الله بن عمر: ألا تَغْزو؟ فقال: إني سمعتُ ... فذكر
الحدیث.
فائدة: اسم الرجل السائل حَكِيمٌ، ذكره البيهقيُّ.
قوله: ((على خمسٍ)) أي: دَعائم. وصَرَّحَ به عبد الرزاق في روايته (٩٢٧٩)، وفي رواية
المسلم (١٩/١٦): ((على خمسة)) أي: أركان. فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنيّة على الشهادة،
إذْ لا يصحُّ شيء منها إلَّا بعد وجودِها، فكيف يُضَمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مُسمَّى واحد؟
أُجِيبَ بجواز ابتِناءِ أمرٍ على أمر يَنْبني على الأمرينِ أمرٌ آخرُ.
فإن قيل: المبنيّ لا بُدَّ أنْ يكون غيرَ المبنيِّ عليه. أُجيب: بأنَّ المجموع غيرٌ من حيثُ
الانفراد، عينٌ من حيثُ الجمع. ومثاله: البيت من الشِّعْر يُجُعَل على خمسة أعمدة: أحدها
أوسطُ، والبقيَّة أركان، فما دامَ الأوسطُ قائماً فمُسمَّى البيت موجود ولو سقط مهما سقط
من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مُسمَّى البيت، فالبيت بالنَّظَر إلى مجموعه شيء
واحد، وبالنَّظَر إلى أفراده أشياءُ. وأيضاً فبالنَّظَر إلى أُسّه وأركانه، الأُسُّ أصلٌ، والأركان
تَبَعِ وتكملةٌ.
تنبيهات:
٥٠/١ أحدها: لم يُذكَر الجهاد، لأنه فرض كِفاية ولا يتعيَّن إلَّا في بعض الأحوال،/ ولهذا
جعله ابن عمرَ جواب السائل، وزاد في رواية عبد الرزاق (٩٢٧٩) في آخره: ((وإنَّ الجهاد
من العمل الحسن)).
وأغربَ ابن بَطَّال فَزَعَمَ أنَّ هذا الحديث كان أوَّلَ الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه
نظرٌ، بل هو خطأ، لأنَّ فرض الجهاد كان قبل وَقْعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة
الثانية، وفيها فُرِضَ الصيامُ والزّكاةُ بعد ذلك، والحجُّ بعد ذلك على الصحيح.
ثانيها: قوله: ((شهادة أن لا إله إلَّا الله)) وما بعدها مخفوض على البدل من ((خمسٍ))،
ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أنْ لا إله إلّا الله، أو على حذف

١٠٩
باب ٢ / ح ٨
كتاب الإيمان
المبتدأ، والتقدير: أحدُها: شهادة أنْ لا إله إلَّ الله.
فإن قيل: لم يَذْكُر الإيمان بالأنبياءِ والملائكة وغير ذلك ممَّا تضمَّنه سؤالُ جِبْرِيلَ عليه
السلام؟ أُجيبَ بأنَّ المراد بالشهادة تصديقُ الرسولِ فيما جاءَ به، فيستلزم جميعَ ما ذُكِرَ من
المعتَقَدات.
وقال الإسماعيلي ما مُحُصَّلُه: هو من باب تسمية الشيء ببعضِه كما تقول: قرأتُ الحَمْد
وتريد جميعَ الفاتحة، وكذا تقول مثلاً: شهدتُ برسالة محمد وتريد جميع ما ذُكِرٍ، والله أعلم.
ثالثها: المرادُ بإقام الصلاة المداومةُ عليها، أو مُطلَقُ الإتيان بها، والمرادُ بإيتاءِ الزّكاة:
إخراج جزء من المال على وجه مخصوص.
رابعها: اشترطَ الباقلَّاني في صِحَّة الإسلام تقدُّم الإقرار بالتوحيد على الرِّسالة، ولم
يُتَابَع، مع أنه إذا دُقِّقَ فيه بان وجهه، ويزداد اتِّجاهاً إذا فَرَّقَهما، فليُتأمَّل.
خامسها: يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السُّنّة بخصوص منطوق القرآن، لأنَّ
عموم الحديث يقتضي صِحَّةَ إسلام مَن باشَرَ ما ذُكِرٍ، ومفهومه: أنَّ مَن لم يباشره لا يصح
منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: (والذينَ آمنُوا وَتَبَعنْاهُمْ ذُرِّياتِهِم)(١) [الطور: ٢١]
على ما تقرّر في موضعه.
سادسها: وقع هنا تقدیمُ الحج على الصوم، وعليه بنی البخاري ترتیبه، لکن وقع في
مسلم (١٩/١٦) من رواية سعد بن عُبيدةً عن ابن عمرَ بتقديم الصوم على الحج، قال:
فقال رجل: والحجِّ وصيام رمضان! فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا
سمعت من رسول الله ێ﴾. انتھی.
ففي هذا إشعار بأنَّ رواية حَنْظلة التي في البخاري مرويَّة بالمعنى، إمَّا لأنه لم يسمع رَدَّ
ابن عمرَ على الرجل لتعدُّدِ المجلس، أو حَضَرَ ذلك ثمَّ نَسِيَه. ويَبعد ما جَوَّزَه بعضهم أنْ
(١) هكذا في الأصول، وهي قراءة أبي عمرو البصري: ((وأتبعناهم ذرياتِهِم))، وقرأ ابن عامر: ((واتَّعَتْهم
ذُرِّياتُهم))، وقرأ باقي السبعة: ((واَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم)). انظر كتاب ((السبعة)) لابن مجاهد ص٦١٢.

١١٠
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
يكون ابن عمر سمعه من النبي ◌ّ على الوجهين ونَسِيَ أحدَهما عند رَدّه على الرجل،
ووجه بُعْدِه أنَّ تطرّق النِّسْيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرُّقه إلى الصحابي، كيف
وفي رواية مسلم (٢٢/١٦) من طريق حَنْظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عَوَانَةَ من
وجه آخر عن حَنْظلة: أنه جعل صومَ رمضان قبلُ، فتنويعُه دالٌّ على أنه رُويَ بالمعنى.
ويؤيِّده ما وقع عند البخاري في التفسير (٤٥١٤) بتقديم الصيام على الزّكاة، أفيقال: إنَّ
الصحابي سمعه على ثلاثة أوجُه؟ هذا مُستبعَد، والله أعلم.
فائدة: اسم الرجل المذكور يزيدُ بنُ بِشْر السَّكْسَكي، ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله
تعالى(١).
٣- باب أُمور الإيمان
وقولِ الله تعالى: ﴿لَّيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ
◌ِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَِّنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى
وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِيْنَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ١].
قوله: (باب أُمور الإيمان)) وللكُشْمِيهَنيّ: ((أَمر الإيمان)» بالإفراد على إرادة الجنس،
والمراد: بيان الأُمور التي هي الإيمان، أو الأمور التي للإيمان.
٥١/١ قوله: (وقولِ الله تعالى)) بالخفض. ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث /
الباب يظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق (٢٠١١٠) وغيره من طريق مجاهد: ((أنَّ
أبا ذر سأل النبيَّ وَ ل﴿ عن الإيمان، فتلا عليه ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ إلى آخرها)) ورجاله ثقات. وإنّما لم
يَسُقْه المؤلِّف، لأنه ليس على شرطه(٢)، ووجهه: أنَّ الآية حَصَرَت التقوى على أصحاب
(١) في كتاب ((الأسماء المبهمة)) ص ٣٣٧.
(٢) لأنه منقطع، فإن مجاهداً لم يسمع من أبي ذرٍّ.

١١١
باب ٣ / ح ٩
كتاب الإيمان
هذه الصِّفات، والمراد: المتَّقون من الشِّرك والأعمال السيّئة. فإذا فعلوا وتركوا فهم
المؤمنون الكاملون. والجامع بين الآية والحديث: أنَّ الأعمال مع انضمامها إلى التصديق
داخلة في مُسمَّى البِرِ كما هي داخلة في مُسمَّی الإيمان.
فإن قيل: ليس في المتن ذِكْر التصديق. أُجيبَ بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما
أخرجه مسلم وغيره(١)، والمصنِّف يُكثِرِ الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يَذكُر أصلَه
وإنْ لم يَسُقْه تامّاً.
قوله: ((﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾)) ذكره بلا أداة عَطْف، والحذف جائز، والتقدير: وقولِ
الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وثبت المحذوف في رواية الأَصِيلي، ويحتمل أنْ يكون ذكر ذلك
تفسيراً لقول الله تعالى: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾، أي: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى
آخرها. وكأنَّ المؤلِّف أشار إلى إمكان عَدِّ الشُّعَبِ من هاتين الآيتين وشِبْههما، ومن ثَمَّ ذکر
ابنُ حِبَّان أنه عَدَّ كلَّ طاعة عدَّها الله تعالى في كتابه من الإيمان، وكلَّ طاعة عدَّها
رسول الله وَ ◌ّه من الإيمان، وحَذَفَ المكرّر فبَلَغَتْ تسعاً وسبعينَ(٢).
٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا أبو عامرِ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ،
عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرَةَ ﴾، عن النبيِّ نَِّ قال: ((الإيمانُ بِضْعٌ
وسِتُّونَ شُعْبَةً، والحَيَاءُ شُعْبةٌ مِن الإيمانِ)).
قوله: ((عن أبي هريرة)» هذا أوَّلُ حديثٍ وقع ذِكرُه فيه. ومجموع ما أخرج له البخاريُّ
من المتون المستقلَّة أربعُ مئة حديثٍ وستةٌ وأربعون حديثاً على التحرير.
وقد اختُلِفَ في اسمه اختلافاً كثيراً، قال ابن عبد البَرِّ: لم يُخْتَلَف في اسمٍ في الجاهليّة
والإسلام مثل ما اختُلِفَ في اسمه، اختُلِفَ فيه على عشرين قولاً. قلت: وسَرَدَ ابن
(١) يشير إلى رواية سهيل بن أبي صالح - لحديث أبي هريرة - عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي
هريرة، وفيها: ((أفضلها قول: لا إله إلا الله))، وهو المراد بالتصديق، ورواية سهيل هذه عند مسلم برقم
(٣٥) (٥٨).
(٢) تحرف في (س) إلى: سبعاً وسبعين. وانظر ((صحيح ابن حبان)) ١/ ٣٨٧.

١١٢
باب ٣ / ح ٩
فتح الباري بشرح البخاري
الجَوْزي في ((التلقيح)) منها ثمانيةَ عشر، وقال النَّووي: تَبلُغ أكثر من ثلاثين قولاً. قلت:
وقد جمعتُها في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)» فلم تَبلُغ ذلك، ولكنَّ كلام الشيخ محمول على
الاختلاف في اسمه واسم أبيه معاً.
قوله: ((بِضْعٌ)) بكسر أوَّله، وحُكيَ الفتح لغة، وهو عدد مُبهَم مقيَّد بما بين الثلاث إلى
التسع كما جزم به القَزّاز. وقال ابن سِيدَه: إلى العشر. وقيل: من واحد إلى تسعة. وقيل:
من اثنين إلى عشرة. وقيل: من أربعة إلى تسعة. وعن الخليل: البِضْع: السبع. ويُرجِّح ما
قاله القَزّاز ما اتَّفْقَ عليه المفسِّرون في قوله تعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
[يوسف: ٤٢] وما رواه التِّرمِذي (٣١٩٤) بسندٍ صحيح(١): أنَّ قُرَيشاً قالوا ذلك لأبي بكر،
وكذا رواه الطبري (٢١/ ١٧) مرفوعاً(٢)، ونقل الصغاني في «العُباب»: أنہ خاصُّ بما دون
العشرة وبما دون العشرين، فإذا جاوز العشرين امتَنَع. قال: وأجازَه أبو زيد فقال: يقال:
بِضْعةٌ وعشرون رجلاً، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً. وقال الفَرَّاءُ: وهو خاصّ بالعشرات إلى
التسعين، ولا يقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ. ووقع في بعض الروايات: ((بِضْعةٌ)) بتاءٍ
التأنيث ويحتاج إلى تأويل.
قوله: ((وسِتّونَ)) لم تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلِّف في ذلك، وتابعه یحیی
الحِّاني - بكسر المهملة وتشديد الميم - عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عَوَانة من طريق
بِشْر بن عمرَ عن سليمان بن بلال فقال: ((بضعٌ وستون أو بضعٌ وسبعونَ»، وكذا وقع
التردُّد فيه في رواية مسلم (٥٨/٣٥) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار،
(١) لا يبلغ سنده درجة الصحة، فإن فيه إسماعيل بن أبي أويس وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وكلاهما صدوق
حسن الحديث.
(٢) وأخرجه أيضاً مرفوعاً الترمذيُّ (٣١٩٣)، وهو عندهما من حديث ابن عباس، وفي سنده عبد الله بن
عبد الرحمن الجمحي، وسئل عنه ابن معين فقال: لا أعرفه، وقال ابن عدي: مجهول، وذكره ابن حبان في
«ثقاته)»!

١١٣
باب ٣ / ح ٩
كتاب الإيمان
ورواه أصحاب ((السُّنَن)) الثلاثة (١)/ من طريقه فقالوا: ((بِضْعٌ وسبعونَ)) من غير شك، ٥٢/١
ولأبي عَوَانة في ((صحيحه)) من طريقه: (ست وسبعون أو سبع وسبعون))، ورَجَّحَ البيهقي
رواية البخاري لأنَّ سليمان لم يَشُك، وفيه نظر لما ذكرنا من رواية بشر بن عمر عنه فتَردَّدَ
أيضاً، لكن يُرجَّح بأنه المتيقّن وما عَدَاه مشكوك فيه. وأمَّا رواية التِّرمِذي (٢٦١٤) بلفظ:
((أربعٌ وستونَ)) فمعلولة(٢)، وعلى صِحَّتها لا تخالف روايةَ البخاري، وترجيح رواية ((بضعٌ
وسبعون)) لكَوْنها زيادةَ ثقةٍ - كما ذكره الحَلِيمي ثمَّ عِيَاض - لا يستقيم، إذ الذي زادها لم
يَستمرَّ على الجَزْم بها، لا سيَّما مع اتّحاد المخرَجِ، وبهذا يتبيَّن شُفوفُ نظرِ البخاري. وقد
رَجَّحَ ابنُ الصلاحِ الأقلَّ لكَوْنه المتيقَّن.
قوله: ((شُعْبة)) بالضم، أي: قِطْعة، والمراد: الحَصْلة(٣).
قوله: ((والحياء)) هو بالمد، وهو في اللُّغة: تغيُّرٌ وانكسار يَعْتَري الإنسان من خوف ما
يُعاب به، وقد يُطلَق على مجرَّد ترك الشيء بسبب، والترك إنَّما هو من لوازمه. وفي الشرع:
◌ُخُلُقِ يَبْعَث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحقُّ؛ ولهذا جاءَ في
الحديث الآخر: ((الحياء خيرٌ كلُّه))(٤).
فإن قيل: الحياء من الغَرائز فكيف جُعِلَ شُعْبةً من الإيمان؟ أُجيبَ بأنه قد يكون غريزةً
وقد يكون تخلُّقاً، ولكنَّ استعمالَه على وَفْقِ الشرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعِلْمٍ ونِيَّةٍ، فهو من
الإيمان لهذا، ولكَوْنه باعثاً على فعل الطاعة وحاجزاً عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ خَیاءٍ
يمنعُ عن قول الحق أو فعلِ الخير، لأنَّ ذاكَ ليس شرعيّاً.
فإن قيل: لِمَ أفرده بالذِّكْر هنا؟ أُجيبَ بأنه كالدّاعي إلى باقي الشُّعَب، إذ الحَِيُّ يخاف
فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر ويَنزَجِر، والله الموفِّق. وسيأتي مزيد في الكلام على الحياء في
(١) أبو داود (٤٦٧٦)، وابن ماجه (٥٧)، والنسائي (٥٠٠٥)، وانظر ((مسند أحمد)) (٩٣٦١).
(٢) بل ظاهر إسنادها الصحة، وهي أيضاً في ((مسند أحمد)) (٨٩٢٦).
(٣) زاد في (ع) و(س): أو الجزء.
(٤) أخرجه مسلم (٣٧) (٦١) من حديث عمران بن حُصين.

١١٤
باب ٣ / ح ٩
فتح الباري بشرح البخاري
((باب الحياء من الإيمان)) بعد أحدَ عشر باباً.
فائدة: قال القاضي عِيَاض: تَكلَّفَ جماعةٌ حَصْر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، وفي
الحُكْم بكَوْن ذلك هو المراد صعوبةٌ، ولا يَقدَح عدمُ معرفة حَصْرِ ذلك على التفصيل في
الإيمان. انتهى.
ولم يَتَّفِقِ مَن عَدَّ الشُّعَبَ على نَمَطٍ واحد، وأقربُها إلى الصواب طريقةُ ابن حِبَّان، لكن
لم نَقِفْ علی بیانها من كلامه.
وقد لَخَّصتُ ممَّا أوردوه ما أذكره، وهو أنَّ هذه الشُّعَب تتفرَّع عن أعمال القلب،
وأعمال اللِّسان، وأعمال البدَن.
فأعمال القلب فيه المعتَقَدات والنِّيّات، وتَشتَمِل على أربع وعشرين خَصْلة: الإيمانُ
بالله، ويدخل فيه الإيمانُ بذاته وصفاته، وتوحيدُه بأنه ليس كمِثْله شيءٌ، واعتقادُ حُدوثٍ
ما دونه، والإيمانُ بملائكته، وكُتُبُه، ورُسُله، والقَدَرِ خيرِهِ وشرِّه، والإيمانُ باليوم الآخر،
ويدخل فيه المساءَلةُ في القبر، والبَعْتُ، والنُّشورُ، والحِسابُ، والميزانُ، والصِّراطُ، والجنَّةُ،
والنارُ، ومحبّةُ الله، والحُبُّ والبُغْض فيه، ومحبَّة النبيِّ وَّلِ واعتقادُ تعظيمه، ويدخل فيه
الصلاةُ عليه، واتِّباعُ سُنَّتِهِ، والإخلاصُ، ويدخل فيه تركُ الرِّياءِ والنّفاقِ، والتوبةُ،
والخوفُ، والرَّجاء، والشُّكْر، والوفاء، والصبر، والرّضا بالقضاء، والتوكُّل، والرَّحْمة،
والتواضعُ، ويدخل فيه توقيرُ الكبير ورحمةُ الصغير، وتركُ الكِبْر والعُجْب، وتركُ الحَسَد،
وتركُ الحِقْد، وتركُ الغضب.
وأعمالُ اللِّسان، وتَشْتَمِل على سبع خِصال: التلفّظِ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلُّم
العلم، وتعليمه، والدُّعاء، والذِّكْر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتنابِ اللَّغْو.
وأعمالُ البدَن، وتَشتَمِل على ثمان وثلاثين خَصْلة، منها ما يَخْتَصُّ بالأعيان، وهي خمسَ
عشرةَ خَصْلةً: التطهُّرُ حِسّاً وحُكْماً، ويدخل فيه اجتنابُ النجاسات، وسَتْرُ العَوْرة،
والصلاةُ فرضاً ونَفْلاً، والزَّكَاةُ كذلك، وفَكُّ الرِّقاب، والجودُ، ويدخل فيه إطعامُ الطعام

١١٥
باب ٣ / ح ٩
كتاب الإيمان
وإكرامُ الضيف، والصيامُ فرضاً ونَفْلاً، والاعتكاف، والتماس ليلة القَدْر، والحجُّ والعُمْرة،
والطوافُ كذلك، والفِرارُ بالدّين، ويدخل فيه الهجرةُ من دار الشِّرك، والوفاءُ بالنَّذْر،
والتحَرِّي في الأيمان، وأداءُ الكَفّارات.
ومنها ما يتعلَّق بالاتِّباع، وهي سِتُّ خِصال: التعقُّفُ بالنكاح، والقيامُ بحقوق العِيَال،
وبُّ/ الوالدين، وفيه اجتنابُ العُقوق، وتربيةُ الأولاد، وصِلَة الرَّحِم، وطاعةُ السادة أو ٥٣/١
الرِّفْق بالعبيد.
ومنها ما يتعلَّق بالعامَّة، وهي سبعَ عشرةَ خَصْلَةَ: القيامُ بالإمرة مع العَدْلِ، ومتابعةٌ
الجماعة، وطاعةُ أُولي الأمر، والإصلاحُ بين الناس، ويدخل فيه: قتال الخَوَارِج والبُغاة،
والمعاونةُ على البِرِ، ويدخل فيه الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود،
والجهادُ، ومنه المُرابطة، وأداءُ الأمانة، ومنه أداءُ الخُمُس، والقَرْضُ مع وفائه، وإكرامُ
الجار، وحُسْنُ المعاملة، وفيه جمعُ المالِ من حِلّه، وإنفاقُ المالِ في حقِّه، وفيه تركُ التبذيرِ
والإسراف، ورَدُّ السلام، وتشميتُ العاطس، وكَفُّ الضَّررعن الناس، واجتنابُ اللهْو،
وإماطةُ الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خَصْلة، ويُمكِن عَدُّها تسعاً وسبعين خَصْلة باعتبار أفراد ما ضُمَّ
بعضُه إلى بعض ممَّا ذُكِرٍ، والله أعلم.
فائدة: في رواية مسلم(١) من الزّيادة: ((أَعلاها لا إله إلَّ الله، وأَدناها إماطةُ الأذى عن
الطريق)) وفي هذا إشارة إلى أنَّ مراتبها مُتفاوتة.
تنبيه: في الإسناد المذكور رواية الأقران، وهي: عبدُ الله بن دينار عن أبي صالح، لأنهما
تابعيّان، فإنْ وُجِدَتْ روايةُ أبي صالح عنه صار من المُدَّج. ورجالُه من سليمان إلى مُنْتَهاهُ
من أهل المدينة، وقد دخلها الباقون.
(١) برقم (٣٥) (٥٨) ولفظها: ((أفضلها قول: لا إله إلا الله ... إلخ))، وليس فيه لفظ ((أعلاها))، وهي رواية
أحمد في («المسند» (٨٩٢٦).

١١٦
باب ٤ / ح ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
٤- بابٌ المسلِمِ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانه ويده
١٠ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ وإسماعيلَ،
عن الشَّعْبي، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((المُسلِمُ مَن سَلِمَ
المسلمونَ من لِسانِهِ ويَدِهِ، والمهاجرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عنه)).
قال أبو عبد الله: وقال أبو مُعاوِية: حدَّثنا داودُ، عن عامٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله، عن
النبيِّ نَّهُ. وقال عبدُ الأعلى: عن داودَ، عن عامٍ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ◌َلّ.
[طرفه في: ٦٤٨٤]
قوله: (باب)) سقط من رواية الأَصِيلي، وكذا أكثر الأبواب، وهو منوَّن، ويجوز فيه
الإضافة إلى جملة الحديث، لكن لم تأتِ به الروايةُ.
قوله: ((المُسلِم)) استَعمَلَ لفظ الحديث ترجمةً من غیر تصرُّف فيه.
قوله: ((أبي إياس)) اسمُه ناهية، بالنون وبين الهاءَين ياءٌ أخيرة، وقيل: اسمه عبدُ الرحمن.
قوله: ((أبي السَّفَرَ)) اسمه سعيد بن يُحمِدَ كما تقدَّم، و((إسماعيلَ)) مجرور بالفتحة عَطْفاً
عليه، والتقدير: كلاهما عن الشَّعْبي. وعبد الله بن عَمْرو: هو ابن العاص، صحابيٌّ ابن
صحابي.
قوله: ((المُسلِم)) قيل: الألف واللام فيه للكمال نحو: زيد الرجل، أي: الكامل في
الرُّجوليّة. وتُعُقِّبَ بأنه يستلزم أنَّ مَن أَنَّصَفَ بهذا خاصّةً كان كاملاً. ويُجاب بأنَّ المراد
بذلك: مع مراعاة باقي الأركان، قال الخطَّبيُّ: المراد: أفضل المسلمين مَن جمع إلى أداء
حقوق الله تعالى أداءً حقوق المسلمین. انتهى.
وإثباتُ اسم الشيء على معنى إثباتِ الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أنْ يكون
المراد بذلك أنْ يُبيِّن علامةَ المسلم التي يُستَدل بها على إسلامه وهي سلامةُ المسلمين من
لسانه ويده، كما ذُكِرَ مِثلُه في علامة المنافق. ويحتمل أنْ يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث

١١٧
باب ٤ / ح ١٠
كتاب الإيمان
على حُسْن معاملة العبد مع ربِّه، لأنه إذا أحسنَ معاملةَ إخوانه فأَولى أنْ يُحسِنَ معاملة ربِّه،
من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
تنبيه: ذِكْر المسلمين هنا خرج تَخَرَج الغالب، لأنَّ محافظة المسلم على كَفِّ الأذى عن
أخيه المسلم أشدُّ تأكيداً، ولأنَّ الگُفّار بصدد أن یقاتلوا وإن کان فیھم مَن يجِبُ الگفُّ عنه.
والإتيان بجمع التذكير للتغليب، / فإنَّ المسلماتِ يدخلْنَ في ذلك.
٥٤/١
وخَصَّ اللِّسان بالذِّكْر لأنه المعبِّر عمّا في النفس، وكذا اليد لأنَّ أكثر الأفعال بها،
والحديث عامٌّ بالنّسبة إلى اللِّسان دون اليد، لأنَّ الِّسان يُمكِنُه القولُ في الماضين
والموجودين والحادثين بعدُ، بخلاف اليد، نعم يُمكِن أنْ تُشارك اللِّسان في ذلك بالكتابة،
وإنَّ أثرها في ذلك لَعظيمٌ. ويُستَئِنَى من ذلك شرعاً تَعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود
والتعازير على المسلم المستحِق لذلك.
وفي التعبير باللِّسان دون القول نُكْتَةٌ، فيدخل فيه مَن أخرج لسانَه على سبيل الاستهزاء.
وفي ذِكْر اليد دون غيرها من الجوارح نُكْتَةٌ، فيدخل فيها اليدُ المعنويَّةُ كالاستيلاء على حق
الغیر بغير حق.
فائدة: فیه من أنواع البديع تجنیس الاشتقاق، وهو کثیر.
قوله: ((والمهاجرُ)) هو بمعنى الهاجر، وإنْ كان لفظ المُفاعِل يقتضي وقوعَ فعلٍ من
اثنين، لكنَّه هنا للواحد كالمسافر. ويحتمل أنْ يكون على بابه، لأنَّ من لازم كَوْنه هاجراً
وطنَه(١) أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضَرْبان: ظاهرة وباطنة. فالباطنةُ: تركُ ما
تَدْعو إليه النفسُ الأمّارة بالسُّوءِ والشيطانُ، والظاهرة: الفِرار بالدِّين من الفتن. وكأنَّ
المهاجرين خُوطِبوا بذلك لئلّا يَتَّكِلوا على مجرَّد التحوُّل من دارهم حتَّى يَمتِثِلوا أوامرَ
الشرع ونواهيه، ويحتمل أنْ يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لمَّا فُتِحَتْ مكَّةُ تطييباً
القلوب مَن لم يُدرِكْ ذلك، بأنَّ حقيقةَ الهجرة تَحصُلُ لمن هَجَرَ ما نهى الله عنه، فاشتملتْ
(١) زاد في (ع) و(س): مثلاً.

١١٨
باب ٥ / ح ١١
فتح الباري بشرح البخاري
هاتان الجملتان على جوامعَ من معاني الحِكَم والأحكام.
تنبيه: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، بخلاف جميع ما تقدَّم من الأحاديث
المرفوعة. على أنَّ مسلماً أخرج معناه من وجه آخر (٤٠)، وزاد ابن حِبَّان (٥١٠) والحاكم
في ((المستدرك)) (١١/١) من حديث أنس صحيحاً: ((المؤمن مَن أَمِنَه الناسُ))، وكأنه
اختصره هنا لتَضمُّنِه لمعناه، والله أعلم.
قوله: ((وقال أبو معاوية: حدَّثنا داود)» هو ابن أبي هِنْد، وكذا في رواية ابن عساكر: ((عن
عامر)) وهو الشَّعْبي المذكور في الإسناد الموصول. وأراد بهذا التعليق بيان سماعه له من
الصحابي، والنُّكْتة فيه روايةُ وُهَيب بن خالد له عن داود عن الشَّعْبي عن رجل عن
عبد الله بن عَمْرو، حكاه ابن مَندَه، فعلى هذا لعلَّ الشَّعْبيَّ بَلَغَه ذلك عن عبد الله، ثمَّ لَقِيَه
فسمعه منه. ونبّه بالتعليق الآخر على أنَّ عبد الله الذي أُهِلَ في روايته، هو عبد الله بن
عَمْرو الذي بُيِّن في روایة رفيقه.
والتعليق عن أبي معاويةَ وَصَلَه إسحاق بن راهويه في ((مسنده) عنه، وأخرجه ابن
حِبَّان في ((صحيحه)) (١٩٦) من طريقه ولفظه: «سمعتُ عبدَ الله بن عَمْرو يقول: وربِّ
هذه البَنِيَّة لَسمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول: المهاجرُ مَن هَجَرَ السيِّئَات، والمسلمُ مَن سَلِمَ
الناسُ من لسانه ويَدِه))، فعُلِمَ أنه ما أراد إلَّا أصل الحديث.
والمراد بالناس هنا: المسلمون كما في الحديث الموصول، فهم الناسُ حقيقةً عند
الإطلاق، لأَنَّ الإطلاق يُحِمَل على الكامل، ولا كمالَ في غير المسلمين. ويُمكِن حمله على
عمومه على إرادة شرطٍ وهو ((إلَّا بحقٌّ))، مع أنَّ إرادة هذا الشَّرْط مُتَعيِّنة على كل حالٍ، لما
قدَّمتُه من استثناء إقامة الحدود على المسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٥ - بابٌ أيُّ الإسلام أفضلُ
١١- حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدِ القُرَشِيُّ، قال: حدَّثنا أَبي، قال: حدَّثنا أبو بُرْدَةَ بنُ
عبدِ الله بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى ﴾ قال: قالوا: يا رسولَ الله، أيُّ الإسلام
٠

١١٩
باب ٥ / ح ١١
كتاب الإيمان
أفضَلُ؟ قال: ((مَن سَلِمَ المسلمونَ من لِسانِهِ ویَدِه)).
٥٥/١
قوله: ((بابٌ)) هو منوَّن، وفيه ما في الذي قبله.
قوله: ((حدَّثنا أبو بُرْدة) هو بُرَيد، بالموخَّدة والراء مصغّر، وشيخه جدُّه وافقه في كُنْيته
لا في اسمه. وأبو موسى: هو الأشعري.
قوله: ((قالوا)) رواه مسلم (٤٢)، والحسن بن سفيان وأبو يعلى (٧٢٨٦ و ٧٢٨٨) في
((مُسندَيهما)) عن سعيد بن يحيى بن سعيد شيخ البخاري بإسناده هذا بلفظ: ((قلنا))(١)،
ورواه ابن مَندَهُ(٢) من طريق حسين بن محمد القَبّانيّ أحد الحُفَّاظ عن سعيد بن يحيى هذا
بلفظ: ((قلت))، فَتَعيَّنَ أنَّ السائل أبو موسى، ولا تَخالُف بين الروايات، لأنه في هذه صَرَّحَ
وفي رواية مسلم أراد نفسَه ومَن معه من الصحابة، إذ الراضي بالسؤال في حُكْم السائل،
وفي رواية البخاري أَبهم وإِيًّاهم أراد(٣). وقد سأل هذا السؤال أيضاً أبو ذر، رواه ابن حِبَّان
(٣٦١) (٤)، وعُمَيرُ بن قتادة، رواه الطبراني (١٧/ ١٠٥)(٥).
قوله: ((أيُّ الإسلام) إنْ قيل: الإسلام مُفرَد، وشرطُ (أيُّ)) أنْ تَدخُل على مُتعدِّد. أُجيبَ
بأنَّ فيه حذفاً تقديره: أيُّ ذَوِي الإسلام أفضل؟ ويؤيِّده رواية مسلم (٤٢): ((أيُّ المسلمين
أفضل؟))، والجامع بين اللفظين أنَّ أفضليّة المسلم حاصلة بهذه الخَصْلة. وهذا التقدير أولى
من تقدير بعض الشُّراح هنا: أيُّ خِصال الإسلام. وإنَّما قلنا: إنَّه أَولى، لأنه يلزم عليه
سؤالٌ آخر بأنْ يقال: سُئِلَ عن الخِصال فأجاب بصاحبِ الحَصْلة، فما الحِكْمة في ذلك؟
وقد يُجاب بأنه يتأتَى نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ
فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، والتقدير بـ((أيُّ ذَوِي الإسلام)) يقع الجواب مطابقاً
(١) هو عند مسلم بلفظ: ((قلت))، وعند أبي يعلى: ((سألنا)).
(٢) في ((الإيمان)) (٣٠٨).
(٣) في (س): وفي رواية البخاري أراد أنه وإياهم.
(٤) وإسناده ضعيف جداً.
(٥) وإسناده ضعيف أيضاً.

١٢٠
باب ٦ / ح ١٢
فتح الباري بشرح البخاري
له بغير تأويل. وإذا ثبت أنَّ بعض خِصال المسلمين المتعلّقة بالإسلام أفضل من بعضٍ،
حصل مراد المصنّف بقَبُول الزِّيادة والنُّقصان، فَتَظْهَر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما
قبلهما من تعداد أُمور الإيمان، إذ الإيمان والإسلام عنده مُترادفان، والله أعلم.
فإن قيل: لِمَ جَرَّدَ ((أفعل)) هنا عن العمل؟ أُجيبَ بأنَّ الحذف عند العلم بابه جائز،
والتقدير: أفضلُ من غيره.
تنبيه: هذا الإسناد كلَّه كوفيُّون. ويحيى بن سعيد المذكور اسم جدِّه أبانُ بن سعيد بن
العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّةَ الأُمَوي، ونَسَبَه المصنّف قُرَشيّاً بالنّسبة للأعمِّيَّة،
يُكْنى أبا أيوب، وفي طبقته يحيى بن سعيد القَطَّان، وحديثه في هذا الكتاب أكثر من حديث
الأُمَوي، وليس له ابنٌّ يروي عنه يُسمَّى سعيداً فافتَرَقا. وفي الكتاب ممَّن يقال له: يحيى بن
سعيد، اثنان أيضاً، لكن من طبقة فوق طبقة هذين، وهما يحيى بن سعيد الأنصاري السابق
في حديث الأعمال أوَّلَ الكتاب، ويحيى بن سعيد التَّيْمي أبو حَيّان، ويمتاز عن الأنصاري
بالكُنْية. والله الموفِّق.
٦ - بابٌ إطعام الطعام من الإسلام
١٢ - حدَّثنا عمرُو بنُ خالٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ، عن أبي الخير، عن عبدِ الله بنِ
عَمْرٍو رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً سأل النبي ◌ََّ: أَيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال: «تُطعِمُ الطَّعامَ، وتَقْرأ
السلامَ على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعرِفْ».
[طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦]
قوله: ((بابٌ)) هو منوَّن، وفيه ما في الذي قبله.
قوله: ((من الإسلام)) للأَصِيلي: ((من الإيمان)) أي: من خصال الإيمان. ولمَّا استدلَّ
المصنَّف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشُّعَب، تَتَبَّعَ ما وَرَدَ في القرآن والسُّنَن
الصحيحة من بيانها، فأورده في هذه الأبواب تصريحاً وتلويحاً، وتَرجَمَ هنا بقوله: ((إطعامُ