Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب بدء الوحي
قوله: ((وأبو صالح)) هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أكثر البخاريُّ عنه من
المعلّقات، وعَلَّقَ عن الليث جملةً كثيرة من أفراد أبي صالح عنه.
ورواية عبد الله بن صالح عن الليث لهذا الحديث أخرجها يعقوب بن سفيان في
(«تاريخه)) عنه مقروناً بيحيى بن بُكَير، ووَهِمَ مَن زَعَمَ - كالدِّمْياطيِّ - أنه أبو صالح
عبد الغَفّار بن داود الحَرَّاني، فإنَّه لم يَذكُر مَن أسندَه عن عبد الغَفّار، وقد وُجِدَ مَن
أَسنده(١) عن کاتب اللیث.
قوله: ((وتابعه هِلال بن رَدّادٍ)) بدالَينِ مُهمَلتَينِ الأولى مُثقَّلة، وحديثه في ((الزُّهْرِيّات)»
للُّهْلِ.
قوله: (وقال یونسُ» يعني ابن يزيدَ الأيلي. ومَعمر: هو ابن راشد.
((بَوادِرُه) يعني أنَّ يونس ومَعمَراً رَوَيا هذا الحديث عن الزُّهْري فوافَقًا عُقَيلاً عليه، إلَّا
أنهما قالا بدل قوله: ((يَرجُف فؤادُه)): تَرجُف بَوادِرُه، والبَوادر جمع بادرة: وهي اللَّحْمة
التي بين المنكِب والعُنُقُ تَضطَرِب عند فَزَع الإنسان، فالروايتان مستويتان في أصل المعنى،
لأَنَّ كُلَّ منهما دال على الفَزَع، وقد بيَّنّا ما في رواية يونس ومَعمَر من المخالفة لرواية عُقَيل
غير هذا في أثناء السِّياق، والله الموفِّق. وسيأتي بقيَّة شرح هذا الحديث في تفسير سورة
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤٩٥٣) إن شاء الله تعالى.
٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، قال: حدَّثنا موسى بنُ أبي عائشةَ، ٢٩/١
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ جُبَيٍ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ=﴾
[القيامة: ١٦] قال: كان رسولُ الله ◌َّهِ يُعالِجُ مِن التَّنْزِيلِ شدَّةً، وكان ممّا يُحرِّكُ شَفَتَيْه - فقال ابنُ
عبَّاس: فأنا أُحَرِّكُهما لَكُم كما كان رسولُ اللهِوَِّ يُحرِّكُهما. وقال سعيدٌ: أنا أُحَرِّكُهما كما رَأيْتُ
ابنَ عبَّاس يُحرِّكُهما؛ فحَرَّكَ شَفَتَيْه - فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ: ١) إِنَّ عَلَيْنَا
◌َّعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ قال: جَمَعَه لك صَدْرُكَ وتَقْرَأَه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ قال: فاسْتَمِعْ له
(١) في (س): وجد في مسنده، وهو خطأ.

٦٢
ح°
فتح الباري بشرح البخاري
وأنصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثمّ إنَّ عَلَيْنا أنْ تَقْرَأَه، فكان رسولُ الله ◌ِّهِ بعدَ ذلكَ إذا أتاه
جِبْرِيلُ اسْتَمعَ، فإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأْه النبيُّ ◌ََّ كما قَرَأَه.
[أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤]
قوله: ((حدَّثْنا موسى بن إسماعيل)) هو أبو سَلَمَةَ التَّبُوذَكي، وهو من حُفَّاظ المِصْرِيِّين.
قوله: ((حدَّثنا أبو عَوَانة)) هو الوَضّاح بن عبد الله الیشگري مولاهم البصري، کان
كتابه في غاية الإتقان.
وموسی بن أبي عائشة لا يُعرف اسم أبيه، وقد تابعه على بعضه عَمْرو بن دینار عن
سعيد بن جُبَير(١).
قوله: ((كان ممّا يُعالِج))(٢) المعالجة: مُحاولة الشيء بمَشَقّةٍ، أي: كان العلاج ناشئاً عن
تحريك الشَّفَتَين، أي: مَبْدَأ العلاج منه، أو ((ما)) موصولة وأُطلِقَتْ على مَن يَعِقِل مجازاً،
هكذا قَرَّرَه الكِرْمانيُّ، وفيه نظر، لأنَّ الشِّدّة حاصلة له قبل التحرُّك، والصواب ما قاله
ثابت السَّرَّ قُسْطي: أنَّ المراد: كان كثيراً ما يَفْعَل ذلك، وورودُهما في هذا كثير، ومنه حديث
الرُّؤْيا(٣): ((كان مما يقول لأصحابه: مَن رأى منكُم رُؤْيا)) ومنه قول الشاعر (٤):
وإنّا لَممَّا نَضِرِبُ الكَبْشَ ضربةً على وجهِه تُلْقي اللِّسانَ من الفَمِ
قلت: ويؤیِّده أنَّ روایة المصنّف في التفسير (٤٩٢٩) من طريق جَرِیر عن موسی بن أبي
عائشة، ولفظُها: ((كان رسول الله ◌َّهَ إذا نزل جِبْريل بالوحي وكان ممّا يُحُرِّك به لسانَه وشَفَتَيْه»،
فأتى بهذا اللفظ مجرَّداً عن تقدُّم العلاج الذي قاله الكِرْمانيُّ، فظهر ما قاله ثابت، ووجه ما قاله
(١) أخرجه من هذا الطريق النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٥٧٢).
(٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فليس هذا اللفظ في شيء من روايات ((الصحيح))، والذي فيها كما أثبتنا
في المتن من غير خلاف، والكلام الذي نقله عن الكرماني وغيره هو في شرح قوله: ((وكان مما يحرِّك)).
(٣) سيأتي عند المصنف في التعبير برقم (٧٠٤٧) من حديث سمرة.
(٤) هو أبو حيَّة النُّميري، وهذا البيت من شواهد سيبويه في ((الكتاب)) ١٥٦/٣، وانظر ((خزانة الأدب))
للبغدادي ٢١٤/١٠.

٦٣
كتاب بدء الوحي
غيره: أنَّ (مِن)) إذا وقع بعدها ((ما)) كانت بمعنى رُبَّما، وهي تُطلَق على القليل والكثير، وفي
كلام سيبويه مواضع من هذا منها قوله: اعلم أنهم ممّا يَحذِفون كذا، والله أعلم.
ومنه حديث البراء: كنَّا إذا صَلَّيْنا خَلْف النبي ◌َِّ ممَّا نُحِب أنْ نكون عن يمينه ...
الحديث(١)، ومنه حديث سَمُرة: كان رسول الله وَلَه إذا صَلَّى الصبح ممَّا يقول لأصحابه:
((مَن رأى منكُمْ رُؤْيا)).
قوله: ((فقال ابن عبّاس: فأنا أَحَرِّكُهما)) جملة مُعتِرِضة بالفاء، وفائدة هذا: زيادة البيان في
الوصف على القول، وعَبَّر في الأوَّل بقوله: ((كان يُرِّكهما)» وفي الثاني برأيتُ، لأنَّ ابن
عبَّاس لم يَرَ النبيَّ ◌َ له في تلك الحالة، لأنَّ سورة القيامة مَكِيَّة باتِّفاقٍ، بل الظاهر أنَّ نزول
هذه الآيات كان في أوَّل الأمر، وإلى هذا جَنَحَ البخاري في إيراده هذا الحديث في بدء
الوحي، ولم يكنِ ابن عبّاس إذْ ذاكَ وُلِد، لأن مَولِدَه قبل الهجرة بثلاث سنين أو أقل، لكن
يجوز أنْ يكون النبي ◌َّه أخبره بذلك بعدُ، أو بعضُ الصحابة أخبره أنه شاهَدَ النبيَّ ◌َِّ،
والأوَّل هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحاً في ((مسند أبي داود الطَّيالسي)) (٢٧٥٠) قال:
حدَّثنا أبو عَوَانة، بسنده. وأمَّا سعيد بن جُبَير فرأى ذلك من ابن عبّاس بلا نِزاع.
قوله: ((فحَرَّكَ شَفَتَيْه)) وقوله: ((فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾)) لا تَنافيَ بينهما، لأنَّ
تحريك الشَّفَتَينِ بالكلام المشتمِل على الحروف التي لا يَنْطِقِ/ بها إلّا اللَّسان، يلزم منه ٣٠/١
تحريك اللِّسان، أو اكتفى بالشَّفَتَينِ وحَذَفَ اللِّسان لوضوحه، لأنه الأصل في النُّطْقِ، إذ
الأصل حركةُ الفَم، وكلٌّ من الحركتَينِ ناشئ عن ذلك، وقد مضى أنَّ في رواية جَرِير في
التفسير (٤٩٢٩): ((يُحرِّك به لسانه وشَفَتَيْه)) فجمع بينهما، وكان النبي وَّ في ابتداء الأمر
إذا لُقِّنَ القرآنَ نازَعَ جِبْرِيلَ القراءةَ ولم يَصْبِرِ حتَّى يُتِمَّها، مُسارَعةً إلى الحِفْظ لئلَا يَتَفَلَّت
منه شيء، قاله الحسن وغیرُه.
ووقع في رواية التِّرمِذيّ (٣٣٢٩): ((يُرِّك به لسانه يريد أنْ يَحَفَظَه))، وللنَّسائي (ك١١٥٧٢):
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في ((المسند)) (١٨٥٥٣)، وابن ماجه (١٠٠٦)، وأصله عند مسلم برقم (٧٠٩).

٦٤
ح ٦
فتح الباري بشرح البخاري
(يَعْجَل بقراءَتِه لِيَحْفَظَه))، ولابن أبي حاتم (١٩٠٦٠): ((يَتَلَقَّى أوَّلَه، ويُحُرِّك به شَفَتَيْهِ خَشْيَةَ أنْ
يَنْسى أوَّله قبل أنْ يَفرُغَ من آخرِه)»، وفي رواية الطبري (١٨٧/٢٩) عن الشَّعْبِي: ((عَجِلَ يَتَكَلَّم
به من حُبّه ◌ِيَّاه)، وكلا الأمرينِ مراد، ولا تَنافيَ بين ◌َبَّتَه إِيَّاه والشِّدّة التي تَلْحقُه في ذلك، فأُمِرَ
بأنْ يُنصِتَ حتَّى يُقضَى إليه وَحْيُه، ووُعِدَ بأنه آمنٌ من تقلُّته منه بالنِّسْيان أو غيره، ونحوه قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] أي: بالقراءة.
قوله: ((جَمَعَه لك صَدْرُك)) كذا في أكثر الروايات، وفيه إسناد الجمع إلى الصَّدْر
بالمجاز، كقوله: أنْبَتَ الرَّبيعُ البَقْلَ، أي: أنبَتَ الله في الرَّبيع البَقْل، واللام في ((لك))
للتَّبينِ أو للتَّعْليل، وفي رواية كَرِيمة والحَقُّوِيّ: ((جمعه لك في صَدْرك)) وهو توضيح
للأوَّل، وهذا من تفسير ابن عبَّاس. وقال في تفسير ﴿فَّعْ﴾ أي: فاستَمِعْ وأنصِت، وفي
تفسير ﴿بَيَانَهُ﴾ أي: علينا أنْ تقرَأه. ويحتمل أنْ يُراد بالبيان بيان مُجمَلاته وتوضيح
مُشكِلاته، فيُستَدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخِطاب كما هو ((الصحيح)) في
الأُصول، والكلام على تفسير الآيات المذكورة أخّرْته إلى كتاب التفسير فهو موضعه،
والله أعلم.
٦- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهرِيّ. (ح) وحدَّثنا
بِشرُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يونسُ ومَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ نحوَه، قال:
أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، عن ابن عبّاس قال: كان رسولُ الله وَلِ أَجوَدَ الناس، وكان
أجوَدُ ما يكونُ في رمضانَ حِينَ يَلْقاه جِبْرِيلُ، وكان يَلْقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ فيُدارسُه
القرآنَ، فَلَرسولُ الله ◌ِ أَجوَدُ بالخيرِ مِن الرِّيحِ المُرْسَلة.
[أطرافه في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧]
قوله: ((حدَّثنا عَبْدانُ)) هو عبد الله بن عثمان المَرْوزي ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك
«أخبرنا يونسُ)) هو ابن يزيد الآيلي.
قوله: «أخبرنا يونسُ ومَعمرٌ نحوه» أي: أنَّ عبد الله بن المبارك حدَّث به عبدان عن

٦٥
ح ٦
كتاب بدء الوحي
يونسَ وحدَه، وحدَّث به بِشْر بن محمد عن يونسَ ومَعمَر معاً، أمَّا باللفظ فعن يونس، وأمَّا
بالمعنى فعن مَعمَر.
قوله: ((عُبيد الله)) هو ابن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود الآتي في الحديث الذي بعده.
قوله: ((أجودَ الناس)) بنصب ((أجود))، لأنه خبر ((كان))، وقَدَّمَ ابن عبّاس هذه الجملة على
ما بعدها - وإنْ كانت لا تتعلَّق بالقرآنِ - على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها. ومعنى
((أجود الناس)): أكثر الناس جُوداً، والجود: الكَرَم، وهو من الصِّفات المحمودة. وقد أخرج
التِّرمِذي (٢٧٩٩) من حديث سعد رفعه: ((إنَّ الله جوادٌ يحب الجودَ)) الحديث(١). وله(٢) في
حديث أنس رفعه: ((أنا أجودُ ولد آدم، وأجودُهم بعدي رجل عَلِمَ عِلْماً فَنَشَرَ عِلْمَه، ورجل
جاد بنَفْسِه في سبيل الله)) وفي سنده مَقَال، وسيأتي في (الصحيح)) (٢٨٢٠) من وجه آخرَ عن
أنس: ((كان النبي ◌َِّ أشجَعَ الناس وأجودَ الناس)) الحديث.
قوله: ((وكان أجودُ ما يكون)) هو برفع ((أجوَد)» هكذا في أكثر الروايات، وأجودُ اسم
كان، وخبرها محذوف، وهو نحو: أخطَبُ ما يكون الأميرُ في يوم الجمعة. أو هو مرفوع
على أنه مُبتدَأ مضاف إلى المصدر وهو ((ما يكون)) و ((ما)) مصدريَّة، وخبره ((في رمضان)»،
والتقدير: / أجوَدُ أكوان رسول الله وَّ في رمضان، وإلى هذا جَنَحَ البخاري في تبويبه في ٣١/١
كتاب الصيام (١٩٠٢) إذْ قال: ((بابٌ أجود ما كان النبي ◌َّل# يكون في رمضان)).
وفي رواية الأَصِيلي: ((أجودَ)) بالنصب على أنه خبر ((كان))، وتُعُقِّبَ بأنه يلزم منه أنْ
يكون خبرها اسمَها، وأُجيبَ بجَعْلِ اسم ((كان)) ضمير النبي ◌َّ و((أجود)) خبرها،
والتقدير: کان رسول الله ټټ مُدّه گوْنه في رمضان أجود منه في غيره.
(١) وسنده ضعيف جداً، فيه خالد بن إلياس وهو متروك الحديث. لكن روي هذا القَدْر منه في حديث طلحة
ابن عبيد الله بن کریز عن النبي پڼ مرسلاً، أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٠٠ بإسناد لا بأس برجاله، وروي
موصولاً عن سهل بن سعد عند الحاكم ٤٨/١ وصحح إسناده، ولفظه: ((إن الله کریم يحب الكرم».
(٢) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، فإن حديث أنس هذا لم يخرجه الترمذي، وهو عند أبي يعلى في ((مسنده))
(٢٧٩٠)، وسنده ضعيف جداً مسلسلٌ بالضعفاء.

٦٦
ح ٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال النَّووي: الرفع أشهرُ، والنصب جائز. وذَكَر أنه سأل ابن مالك عنه فخَرَّجَ الرفع
من ثلاثة أوجُه والنصب من وجهين. وذكر ابن الحاجب في ((أماليه)) للرَّفْع خمسة أوجُه،
تَوارَدَ مع ابن مالك منها في وجهين وزاد ثلاثة، ولم يُعرِّج على النصب. قلت: ويُرجِّح
الرفع وُرودُه بدون ((كان)) عند المؤلّف في الصوم.
قوله: ((فيُدارِسُه القرآنَ)) قيل: الحِكْمة فيه أنَّ مُدارَسة القرآن تُجدِّد له العَهْد بمزيدٍ غِنَى
النفس، والغِنَى سبب الجود. والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من
الصدقة. وأيضاً فرمضانُ مَوْسِم الخيرات، لأنَّ نِعَمَ الله على عباده فيه زائدة على غيره،
فكان النبي وَلَّ يُؤْثِر متابعة سُنّة الله في عباده. فبمجموع ما ذُكِرَ من الوقت والمنزول به
والنازِل والمذاكَرة، حصل المَزيد في الجود، والعلم عند الله تعالى.
قوله: ((فَرسولُ اللهِ)) الفاء للسَّبَبيَّة، واللام للابتداءِ أو زِيدَتْ على المبتدأ تأكيداً، أو
هي جواب قَسَمٍ مُقدَّر.
و((المرسَلة)) أي: المطلَقة، يعني أنه في الإسراع بالجودِ أسرع من الرّيح، وعَبَّر بالمرسَلة
إشارة إلى دوام هُبوبها بالرَّحْمة، وإلى عموم النفع بجودِه كما تَعُمُّ الرِّيح المرسَلة جميع ما تَهُب
عليه. ووقع عند أحمد (٢٠٤٢) في آخر هذا الحديث: ((لا يُسأل شيئاً إلَّا أعطاه))، وثبتت هذه
الزّيادة في ((الصحيح)) (٦٠٣٤) من حديث جابر: ((ما سُئِلَ رسول الله وَ﴿ شيئاً فقال: لا)).
وقال النَّووي: في الحديث فوائد: منها الحثُّ على الجود في كل وقت، ومنها: الزِّيادة في
رمضان وعند الاجتماع بأهلِ الصلاح. وفيه زيارة الصُّلَحاء وأهل الفضل، وتَكْرار ذلك إذا
کان المزُور لا يكرهه. واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وگوْنها أفضل من سائر
الأذكار، إذْ لو كان الذِّكْر أفضل أو مُساوياً لَفَعَلَاه. فإنْ قيل: المقصود تجويد الحِفْظ، قلنا:
الحِفْظ كان حاصلاً، والزِّيادة فيه تَحصُل ببعض المجالس. وأنه يجوز أن يقال: رمضان، من
غير إضافة. وغيرُ ذلك ممّا يَظْهر بالتأمُّل.

٦٧
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قلت: وفيه إشارة إلى أنَّ ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأنَّ نزوله(١) إلى
السماء الدنيا جملةً واحدة کان في رمضان کما ثبت من حديث ابن عبّاس(٢)، فكان چِبریل
يَتَعاهَده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلمَّا كان العام الذي
توقَّّ فيه، عارَضَه به مرتين كما ثبت في «الصحيحين)) (٣) عن فاطمة رضي الله عنها. وبهذا
يُجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
٧- حدَّثنا أبو اليَمَان الحكمُ بنُ نافع، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْري، قال: أخبرني
عُبِيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ: أنَّ عبد الله بنَ عبَّاس أخبره: أنَّ أبا سفيانَ بنَ حربٍ
أخبره: أنَّ هِرَقلَ أرسَلَ إليه في رَكْبٍ من قُرَيشٍ، وكانُوا تُجّاراً بالشَّامِ في المدَّةِ الَّتي كان
رسولُ اللهِوَِّ مادَّ فيها أبا سفيانَ وكُفّارَ قُرَيشٍ، فأتَوْه وهم بإيلياءَ، فَدَعاهم في مَجْلِه وحَوْلَه
عُظَماءُ الرُّومِ، ثمَّ دَعاهم ودَعا بتَرْجُمانه فقال: أيُّكُم أقربُ نَسَباً بهذا الرجلِ الذي يَزْعُمُ أَنَّه
نبيٌّ؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ: أنا أقربُهم نَسَباً، فقال: أَدُوه منّي وقَرَّبُوا أصحابَه فاجْعَلُوهم
عند ظَهْرِه، ثمَّ قال لِتَرْجُمانه: قُلْ لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإنْ كَذَبني فگذِّبُوه. فوالله
لَوْلا الحَيَاءُ من أنْ يَأْثُرُوا عليَّ كَذِباً، لَكَذَبتُ علیه.
ثمَّ كان أوَّلَ ما سألني عنه أنْ قال: كيفَ نَسَبُهُ فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذُو نَسَبٍ، قال: فهل
قال هذا القولَ مِنكُمْ أحَدٌ قَطُّ قبلَه؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قلتُ:/ لا، قال: ٣٢/١
فأشرافُ الناس يَتَّبِعُونَه أم ضُعَفاؤُهُم؟ فقلتُ: بل ضُعَفاؤهم، قال: أيزيدونَ أم يَنقُصُونَ؟
قلتُ: بل يزيدُونَ، قال: فهل يَرْتَدُّ أحَدٌ منهم سُخْطَةً لِدِينِهِ بعدَ أنْ يدخلَ فيه؟ قلتُ: لا، قال:
فهل كُنْتُمْ تَتَّهمُونَه بالكَذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلتُ: لا، ونحنُ
منه في مُدّةٍ لا نَذْري ما هو فاعلٌ فيها، قال: ولم تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدخِلُ فيها شيئاً غيرُ هذه الكَلِمة،
(١) في (أ): وإلى أن نزوله، وفي (ع): ولأن نزوله. والمثبت من (س).
(٢) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١١٦٢٥)، والبزار في («مسنده)) (٥٠٠٩)، والطبراني في «الكبير))
(١٢٣٨٢)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٢٢/٢ و٥٣٠ عن ابن عباس من قوله.
(٣) البخاري برقم (٣٦٢٤)، ومسلم برقم (٢٤٥٠).

٦٨
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال: فهل قاتَلْتُمُوه؟ قلتُ: نَعَم، قال: فكيفَ كان قتالُكُم إيّاه؟ قلتُ: الحربُ بيننا وبينَهَ
سِجالٌ، يَنالُ مِنّا ونَنالُ منه، قال: ماذا يأْمُرُكُم؟ قلتُ: يقولُ: اعْبُدُوا الله وَحْدَه ولا تُشِ كُوا به
شيئاً، واترُكُوا ما يقولُ آبَاؤُكُم، ويَأْمُرُنا بالصلاةِ والصِّدْقِ والعَفاف والصِّلة.
فقال للَّرْجُمان: قُلْ له: سَألْتُكَ عن نَسَبِهِ فذكرتَ أنَّه فِيكم ذُو نَسَبِ، فكذلك الرّسُلُ
تُبعَثُ فِي نَسَبٍ قومِها. وسَأَلْتُك: هل قال أحَدٌ مِنكُم هذا القولَ؟ فذكرتَ أنْ لا، فقلتُ: لو
كان أحَدٌ قال هذا القولَ قبلَه، لقلتُ: رجلٌ يَأْتَسي بقولٍ قِيلَ قبلَه. وسَألتُك: هل كان من
آبائه من مَلِك؟ فذكرتَ أنْ لا، قلتُ: فَلَو كان من آبائه من مَلِكٍ، قلتُ: رجلٌ يَطلُبُ مُلْكَ
أَبيه. وسَألْتُك: هل كُنتُمْ تَتَّهمُونَه بالكَذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ فذكرتَ أنْ لا، فقد أَعرِفُ
أنَّه لم يكنْ ليَذَرَ الكَذِبَ على الناس ويَكْذِبَ على الله. وسَألْتُك: أشرافُ الناس اتََّعُوه أم
ضُعَفاؤُهُم؟ فذكرتَ أنَّ ضُعَفاءَهُمُ التََّعُوه، وهم أتباعُ الرُّسُل. وسَألتُك: أيزيدونَ أم
يَنْقُصُون؟ فذكرتَ أنَّهم يزيدُونَ، وكذلكَ أمْرُ الإيمان حتَّى يَتِمَّ. وسَألتُك: أَيْتَدُّ أحَدٌ سُخْطةً
لِدِينِهِ بعدَ أنْ يدخلَ فيه؟ فذكرتَ أنْ لا، وكذلكَ الإيمانُ حِينَ يُخالِطُ بَشَاشَةَ القُلُوبِ.
وسَألْتُك: هل يَغْدِرُ؟ فذكرتَ أنْ لا، وكذلكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ. وسَألْتُك: بماذا يأْمُرُكُم؟
فذكرتَ أَنَّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الله ولا تُشِكُوا به شيئاً، ويَنْهاكُم عن عِبادةِ الأَوْثانِ، ويَأْمُُم
بالصلاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ.
فإنْ كان ما تَقُولُ حقّاً، فسَيَملِكُ موضعَ قَدَمَيَّ هاتَيْن، وقد كنتُ أعلَمُ أنَّه خارجٌ، لم أُكُنْ
أظُنُّ أنَّه مِنكُم، فلو أنّ أعلَمُ أَنّي أَخلُصُ إليه لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَه، ولو كنتُ عندَه لَغَسَلْتُ عن
قَدَمَيْه. ثمَّ دَعا بكتاب رسولِ اللهَ بَّه الذي بَعَثَ به دِحْيَةَ إلى عَظِيمِ بُصْرَى فدَفَعَه إلى هِرَقَلَ،
فقرأه، فإذا فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من محمَّدٍ عبدِ الله ورسولِه إلى هِرَقَلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أمّا بعدُ: فإني
أدعُوكَ بدِعايةِ الإسلام، أسلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرَّتينٍ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عليكَ إثمَ

٦٩
ح ٧
كتاب بدء الوحي
الأَرِيسِيِّينَ و﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا
نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
قال أبو سفيان: فلمَّا قال ما قال وفَرَغَ من قراءةِ الكتاب، كَثُرَ عندَه الصَّخَبُ وارتفعَتِ ٣٣/١
الأصْواتُ وأُخرِجْنا، فقلتُ لأصحابي حِينَ أُخرِجْنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كَبْشَةَ، إِنَّه تَخافُه مَلِكُ
بَنِي الأَصْفَر. فما زِلْتُ مُوقِناً أنَّه سيَظهَرُ حتَّى أدخلَ اللهُ عليَّ الإسلامَ.
وكان ابنُّ الناطُور - صاحِبَ إِيلِياءَ وهِرَقلَ - سُقُفّاً على نَصارَى الشَّامِ يُحدِّثُ: أنَّ هِرَقلَ
حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يوماً خَبِثَ النَّفْس، فقال بعضُ بَطارقَتِهِ: قَدِ استَنَكَرْنَا هَيْئَتَكَ.
قال ابنُ الناطُور: وكان هِرَقلُ حَزّاءً يَنظُرُّ في النُّجُومِ، فقال لهم حِينَ سَألُوه: إني رأيتُ
الليلةَ حِينَ نَظرْتُ في النُّجُومِ مُلْكَ الِتَان قد ظَهَر، فمَن يَخْتَتِنُ من هذه الأمّةِ؟ قالوا: ليسَ
يَخْتَتِنُ إِلَّ اليهودُ، فلا يُهمَّنَّكَ شأنُهم، واكتُبْ إلى مَدائنٍ مُلْكِكَ فَيَقتُلُوا مَن فيهم مِن اليهود.
فبينما هم على أمْرِهم أَتِيَ هِرَقلُ برجلٍ أرسَلَ به مَلِكُ غَسّانَ يُخْبِرُ عن خبرِ رسولِ الله ◌ِّه
فلمَّا استَخْبَرَه هِرَقلُ قال: اذهَبُوا فانظُرُوا أَحْتَتِنٌّ هو أم لا؟ فنظرُوا إليه فحَدَّثُوه أَنَّه مُخْتَِزٌ،
وسأله عن العربِ فقال: هم يَخْتَيِنُونَ، فقال مِرَقلُ: هذا مُلْكُ هذه الأمّةِ قد ظَهَر.
ثمَّ كتب هِرَقِلُ إلى صاحِبٍ له بُرُومِيَةَ، وكان نَظِيرَه في العِلم، وسارَ هِرَقلُ إلى خِصَ فلم
يَرِمْ حِصَ حتَّى أتاه كتابٌ من صاحِبِهِ يوافقُ رأيَ هِرَقَلَ على خروج النبيِّ وَّهِ وَأَنَّه نبيٌّ، فَأذِنَ
هِرَقلُ لِعُظَماءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرةٍ له بحِمْصَ، ثمَّ أمَرَ بأبوابِهِا فغُلِّقَتْ ثَمَّ اطَلَعَ فقال: يا معشَرَ
الرُّومِ، هل لَكُم في الفَلاحِ والرَّشَد، وأنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فتبايِعُوا لهذا النبيِّ؟ فحاصُوا حَيْصةً مُرٍ
الوَحْشِ إلى الأبواب، فَوَجَدُوها قد غُلِّقَت، فلمَّا رأى هِرَقِلُ نَفْرَتَهم وأيِسَ مِن الإيمان، قال:
رُدُوهم عليَّ، وقال: إني قلتُ مَقَالتي آنفاً أختَبِرُ بها شِدَّتَكُم على دِينِكُم، فقد رَأيتُ. فسَجَدُوا له
وَرَضُوا عنه، فكان ذلكَ آخرَ شأن هِرَقَلَ.

٧٠
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
رواه صالحُ بنُ كَيْسانَ ويونسُ ومَعمَرٌ عن الزُّهْريّ.
[أطرافه في: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧٥٤١،٧١٩٦]
قوله: «قال: حدثنا أبو اليمان» في رواية الأصیلی و کریمة: «حدّثنا الخَگم بن نافع» وهو
هو ((أخبرنا شُعَيب)) هو ابن أبي حمزة دينارِ الحِمْصُّ، وهو من أثبات أصحاب الزُّهْري.
قوله: ((أنَّ أبا سفيان)) هو صَخْر بن حرب بن أُميَّة بن عبد شَمْس بن عبد مناف.
قوله: ((هِرَقل)) هو ملك الرّوم، وهِرَقل: اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون
القاف، ولَقَبِه قَيْصَر، كما يُلقَّب ملك الفُرْس: کِسرَى، ونحوه.
قوله: ((في رَكْب)) جمع راكب كصَحْب وصاحب، وهم أولو الإبل، العَشرة فما فوقها.
والمعنى: أرسَلَ إلى أبي سفيان حال كَوْنه في جملة الرَّكْب، وذاكَ لأنه كان كبيرهم فلهذا خَصَّه
بالذِّكر، وكان عدد الرَّكْب ثلاثين رجلاً، رواه الحاكم في ((الإكليل)). ولابن السَّكن: نحو من
عشرين، وسُمِّى منهم المغيرة بن شُعْبة في ((مصنَّف ابن أبي شَيْبة)) (٣٣٧/١٤ -٣٣٨) بسندٍ
مُرْسَل(١)، وفيه نظر، لأنه كان إذْ ذاكَ مسلماً. ويحتمل أنْ يكون رجع حينئذٍ إلى قَيْصرَ ثمَّ قَدِمَ
المدينة مسلماً، وقد وقع ذِكرُه أيضاً في أثر آخر (٢) في كتاب ((السِّيَرَ)) لأبي إسحاق الفَزاري، وكتاب
(الأموال)) لأبي عُبيد (٥٩) من طريق سعيد بن المسيِّب قال: كتب رسول الله وَّ إلى كِسْرَى
وقَيْصَر .. الحديث، وفيه: فلمَّا قرأ قَيْصَرُ الكتاب قال: هذا كتاب لم أسمع بمِثلِه. ودَعا أبا سفيان
ابن حرب والمغيرةَ بن شُعْبة وكانا تاجرَينِ هناك، فسأل عن أمر رسول الله ◌َ له.
قوله: ((وكانوا تُجاراً)) بضم التاء وتشديد الجيم، أو كسرها والتخفيف / جمع: تاجر.
٣٤/١
قوله: ((في المذَّة)) يعني مُدّة الصُّلْح بالحُدَيْبية، ويأتي شرحها في المغازي، وكانت في سنة
ستٍّ، وكانت مُدَّتها عشر سنين كما في السِّيَر، وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر(٣)،
(١) وعلى إرساله ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق ربما أخطأ.
(٢) بل هو الأثر نفسه بالإسناد نفسه عند ابن أبي شبية.
(٣) لم نقف عليه من حديثه عند أبي داود، وهو عنده برقم (٢٧٦٦) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن
الحکم بسند حسن.

٧١
ح ٧
كتاب بدء الوحي
ولأبي نُعيم في ((مسند عبد الله بن دينار)): كانت أربع سنين، وكذا أخرجه الحاكم في البيوع
من ((المستدرك))(١)، والأوَّل أشهر. لكنَّهم نَقَضوا، فغَزاهم سنة ثمان وفَتَحَ مكَّةٌ.
و «گُفّارَ قُریش» بالنصب مفعول معه.
قوله: «فأتَوْه)) تقديره: أرسَلَ إليهم في طلب إتيان الرَّكْب، فجاءَ الرسول فطَلبَ إتیانهم
فأتَوْه، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرْ فَأَنْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضربَ
فانفَجَرَت. ووقع عند المؤلِّف في الجهاد (٢٩٤١): أنَّ الرسول وَجَدَهم ببعض الشام، وفي
رواية أبي نُعيم في ((الدلائل)) تعيين الموضع وهو غَزّة، قال: وكانت وجه مَتْجَرهم. وكذا
رواه ابن إسحاق في ((المغازي)) عن الزُّهْريّ(٢)، وزاد في أوَّله عن أبي سفيان قال: كنّا قوماً
تُجاراً، وكانت الحَربُ قد حَصَبَتْنا، فلمَّا كانت الهُدْنة خرجتُ تاجراً إلى الشام مع رَهْط من
قُرَيش، فوالله ما عَلِمْت بمكَّةَ امرأةً ولا رجلاً إلَّا وقد ◌َّني بضاعة، فذكره. وفيه: فقال
هِرَقل لصاحبٍ شُرْطتِهِ: قَلِّبِ الشام ظَهْراً لبَطْنٍ حتَّى تأتيَ برجلٍ من قوم هذا أسأله عن
حاله، فوالله إني وأصحابي بغَزَّةَ، إِذْ هَجَمَ علينا فساقنا جميعاً.
قوله: ((بإيلياءَ)) بهمزةٍ مكسورة بعدها ياء أخيرة ساكنة ثمَّ لام مكسورة ثمَّ ياء أخيرة ثمَّ
ألف مهموزة، وحكى البَكْري فيها القَصْر، ويقال لها أيضاً: إليا بحذف الياء الأولى
وسكون اللام، حكاه البَكْري، وحكى النَّووي مثله لكن بتقدیم الياء على اللام واستَغربَه،
قیل: معناه: بیت الله.
وفي الجهاد عند المؤلِّف (٢٩٤٠): أنَّ هِرَقل لمَّا كَشَفَ الله عنه جنود فارسَ مشی من
حِصَ إلى إيلياء شُكْراً لله. زاد ابن إسحاق عن الزُّهْري: أنه كان يُبسَط له البُسُط ويُوضَع
عليها الرَّياحين فيمشي عليها، ونحوه لأحمد (٢٣٧٠) من حديث ابن أخي الزّهْري عن
(١) ٢/ ٦٠ من حديث عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وصحح الحاكم إسناده، فتعقبه الذهبي
بقوله: بل ضعیف، فإن عاصاً ضعَّفوه، وهو أخو عبيد الله بن عمر.
(٢) أخرجه من طريقه الطبري في ((تاريخه)) ٦٤٦/٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٨٢/٤. وكثير من الألفاظ
التي أشار إليها الحافظ في رواية ابن إسحاق هي عندهما.

٧٢
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
عمّه. وكان سبب ذلك ما رواه الطبري وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة مُلخَّصها: أنَّ
كِسْرَى أغزَى جيشه بلاد هِرَقل، فخَرَّبوا كثيراً منها، ثمَّ استَبَطَأْ كِسرَى أميرَه فأراد قتله
وتَوْليةَ غيره، فاطَّلِعَ أميرُه على ذلك فباطَنَ هِرَقَلَ واصْطَلَحَ معه على كِسَرَى، وانهزَمَ عنه
بجنودِ فارس، فمشى هِرَقل إلى بيت المقدس شُكْراً لله تعالى على ذلك. واسم الأمير
المذكور شَهْر براز واسم الغير الذي أراد کِسرَی تأمیره فُّخان.
قوله: ((فدَعَاهم في مجلسه)) أي: في حال كَوْنه في مجلسه، وللمصنِّف في الجهاد (٢٩٤١):
(«فأُدخِلْنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس مُلْكه وعليه التاج)).
قوله: ((وحَوْلَه)» بالنصب، لأنه ظَرْف مكان.
قوله: ((عُظَماء)) جمع عظيم. ولابن السَّكن: فأُدخِلْنا عليه وعنده بَطارِقَته والقِسِّيسون
والرُّهْبان. والرُّوم من وَلَد عِيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام على الصحيح،
ودخل فيهم طوائف من العرب من تَنُوخِ وبَهْراء وسَلِيح وغيرهم من غَسّان، كانوا
سُكّاناً بالشام، فلمَّا أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الرّوم فاستَوطَنوها فاختَلَطَتْ
أنسابهم.
قوله: ((ثُمَّ دَعاهم ودَعا تَرْجُمانه)) وللمُستَمْلِي: ((بالتَّرجمان)) مقتضاه أنه أمَرَ بإحضارهم،
فلمَّا حَضَروا استَدْناهم لأنه ذكر أنه دَعاهم ثمَّ دَعاهم، فيُنزَّل على هذا، ولم يقع تكرار
ذلك إلَّا في هذه الرواية.
والتَّرجُمان: بفتح التاء المثنَّة وضم الجيم، ورَجَّحَه النَّووي في ((شرح مسلم))، ويجوز
ضم التاء إتباعاً، ويجوز فتح الجيم مع فتح أوَّله، حكاه الجَوْهري، ولم يُصرِّحوا بالرابعة
وهي ضم أوَّله وفتح الجيم، وفي رواية الأَصِيلي وغيره: ((بتَرْجُمانه))، يعني: أرسَلَ إليه رسولاً
أحضَرَه صُحْبتَه، والتَّرجُمان: هو المعبِر عن لغة بلُغةٍ، وهو مُعرَّب، وقيل: عربي.
قوله: ((فقال: أيُّكُم أقربُ نَسَباً)) أي: قال التَّرجُمان على لسان هِرَقل.
قوله: ((بهذا الرجل)) زاد ابن السَّكن: الذي خرج بأرض العرب يَزْعُم أنه نبي.

٧٣
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((قلت: أنا أقربهم نَسَباً)) في رواية ابن السَّكن: فقالوا: هذا أقربنا به نَسَباً، هو ابن
عمّه أخي أبيه. وإنَّما كان أبو سفيان أقربَ لأنه من بني عبد مَنافٍ، وقد أوضحَ ذلك
المصنِّف في الجهاد (٢٩٤١) بقوله: «قال: ما قَرابتك منه؟ قلت: هو ابن عَمّي. قال أبو
سفيان: ولم يكن في الرَّكْب من بني عبد مناف غيري)). وعبد مَنافٍ الأب الرابع للنبيِّ ◌َِّلـ
وكذا لأبي سفيان، وأَطلق/ عليه ابنَ عَمِّ لأنه نَزَّلَ كُلَّا منهما مَنزِلَةَ جدِّه، فعبد المطّلِب بن ٣٥/١
هاشم بن عبد مَناف ابنُ عَمْ أُميَّة بن عبد شَمْس بن عبد مناف، وعلى هذا ففيما أُطلِقَ في
رواية ابن السَّكن تَجُّز، وإنَّما خَصَّ هِرَقل الأقرب لأنه أحرَى بالاطِّلاع على أُموره ظاهراً
وباطناً أكثر من غيره، ولأنَّ الأبعَد لا يُؤْمَن أنْ يَقدَح في نَسَبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلك
في سؤاله بعد ذلك: کیف نَسَبُه فیکم؟
وقوله: ((بهذا الرجل)) ضمَّنَ ((أقرب)) معنى: أوصَل(١) فعَدّاه بالباء، ووقع في رواية
مسلم (١٧٧٣/ ٧٤): ((مِن هذا الرجل)) وهو على الأصل.
وقوله: ((الذي يَزعُم)) في رواية ابن إسحاق عن الزُّهْري: ((يَدَّعي)). و(زَعَمَ)) قال
الجوهري: بمعنی: قال. وحكاه أيضاً تَعْلَب وجماعة كما سيأتي في قِصَّة ضِمَام في کتاب
العلم (٦٣). قلت: وهو كثير، ويأتي موضعَ الشَّك غالباً.
قوله: ((فاجعَلوهم عند ظَهْره)) أي: لئلّا يَسْتَحْيوا أنْ يواجهوه بالتكذيب إِنْ كَذَب، وقد
صرَّحَ بذلك الواقدي في روايته.
وقوله: ((إنْ كَذَبَنِي)) بتخفيف الذَّال، أي: إنْ نقل إليَّ الكذب.
قوله: ((قال)) أي: أبو سفيان. وسقط لفظ ((قال)) من رواية كَرِيمة وأبي الوَقْت، فأشكَلَ
ظاهره، وبإثباتها یزول الإشكال.
قوله: ((فوالله لولا الحَيَاءُ من أنْ يَأْثُروا)) أي: يَنْقُلُوا «عليَّ الكذب لَكَذَبْت عليه)) وللأَصِيليّ:
((عنه))، أي: عن الإخبار بحاله. وفيه دليل على أنهم كانوا يَستَقبِحون الكذب إمَّا بالأخذِ عن
(١) في (أ): أقعَد.

٧٤
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشرع السابق، أو بالعُرْف. وفي قوله: ((يَأْثُرُوا)) دون قوله: ((يَكْذِبوا)) دليل على أنه كان واثقاً
منهم بعدم التكذيب أنْ لو كَذَبَ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ◌ِِّ، لكنَّه ترك ذلك
استحياء وأنَفةً من أنْ يتحدَّثوا بذلك بعد أنْ يَرْجِعوا فيصير عند سامعي ذلك كذّاباً. وفي
رواية ابن إسحاق التصريحُ بذلك ولفظه: «فوالله لو قد كذبتُ ما رَدُّوا عليَّ، ولكنّي كنت
امَرَأْ سيِّداً أنكرَّم عن الكذب، وعَلِمْت أنَّ أيسر ما في ذلك إنْ أنا كَذَبْته أنْ يَحِفَظوا ذلك عَنّي
ثمّ یتحدَّثوا به، فلم أُكذِبه)). وزاد ابن إسحاق في روايته: «قال أبو سفيان: فوالله ما رأیت من
رجل قَطُّ كان أدهَى من ذلك الأقلَف))، يعني هِرَقل.
قوله: ((ثم كان أوَّلَ)) هو بالنصب على الخبر، وبه جاءَت الرواية، ويجوز رفعه على
الاسميّة.
قوله: ((كَيْف نَسَبُهُ فيكم؟)) أي: ما حال نَسَبه فيكم، أهو من أشرافكم أم لا؟ فقال: ((هو
فينا ذو نَسَبٍ)) فالتنوين فيه للتَّعْظِيم، وأشكَلَ هذا على بعض الشارحين، وهذا وجهه.
قوله: («فهل قال هذا القولَ مِنگُم أحدٌ قَطُّ قبله؟» وللُشْمِیھني والأُصِیلي بدل («قبله)»:
مِثْلَه؛ فقوله: ((مِنكُم)) أي: من قومكم، يعني قُرَيشاً أو العرب. ويستفاد منه أنَّ الشَّفاهي
يَعُم، لأنه لم يُرِدِ المخاطَبين فقط. وكذا قوله بعدُ: فهل قاتَلْتُموه؟ وقوله: بماذا يَأْمُركم؟
واستعمل ((قَطُ)) بغير أداة النَّفي وهو نادر، ومنه قول عمر: صَلَّينا أكثرَ ما كنَّا قَطُ وآمَنَه
رَكْعَتَينِ (١)، ويحتمل أنْ يقال: إنَّ النَّفي مُضمَّن فيه كأنه قال: هل قال هذا القولَ أحد أو لم
يقله أحد قَطُّ؟
قوله: ((فهل كان من آبائه مَلِك؟)) ولكَرِيمة والأَصِيلي وأبي الوَقْت بزيادة ((مِن)) الجارّة،
ولابن عساكر بفتح ((مَن)) و ((مَلَكَ)) فعل ماضٍ، والجارّة أرجحُ لسقوطها من رواية أبي ذرٍّ،
والمعنى في الثلاثة واحد (٢).
(١) لم نقف عليه من قول عمر، وسيأتي في ((الصحيح)) برقم (١٦٥٦) من قول حارثة بن وهب الخُراعي.
(٢) في (أ): واضح.

٧٥
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((فأشراف الناس اتَّبَعوه)) فيه إسقاط همزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنّف
في التفسير (٤٥٥٣) ولفظه: ((أيتَِّعُه أشراف الناس؟» والمراد بالأشراف هنا: أهل النَّخْوة
والتكبُّرُ منهم، لا كلُّ شريف، حتَّى لا يَرِدَ مِثلُ أبي بكر وعمر وأشباههما ممَّن أسلمَ قبل هذا
السؤال. ووقع في رواية ابن إسحاق: ((تَبِعَه منّا الضُّعَفاء والمساكين والأَحداث، فأمَّا ذَوُو
الأنساب والشَّرَف فما تَبِعَه منهم أحدٌ))، وهو محمول على الأكثر الأغلَب.
قوله: ((سُخْطة)) بضم أوَّله وفتحه، وأخرج بهذا مَن ارتَدَّ مُكْرَهاً، أو لا لسَخَطِ دينِ
الإسلام بل لرغبته في غیرہ بحَظّ نَفْسانيّ(١)، کما وقع لعُبیدِ الله بن جَحْش.
قوله: ((هل كُنتُمْ تَنَّهمونَه بالكَذِب؟» أي: على الناس، وإنَّما عَدَلَ إلى السؤال عن التُّهْمة
عن السؤال عن نَفْس الكذب، تقريراً لهم على صِدْقه، لأنَّ التُّهْمة إذا انتفت انتفى سببُها،
ولهذا عَقَّبَ بالسؤال عن الغَذْر.
قوله: ((ولم تُمكِّنِّي كَلِمٌ أُدخِلُ فيها شيئاً)) أي: أنْتَقِصه به، على أنَّ التنقيص هنا أمر نسبي،
وذلك أنَّ مَن يُقطَعُ بعدم غَدْره أرفع رُتْبةً ◌َمَّن يُجُوَّز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان
معروفاً عندهم/ بالاستقراءِ من عادته أنه لا يَغْدِر، ولكن لمَّا كان الأمر مغيَّباً - لأنه ٣٦/١
مُستَقبَل - أمنَ أبو سفيان أنْ يُنسَب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده على التردُّد، ومن ثَمَّ لم
يُعرِّجِ هِرَقل على هذا القَدْر منه. وقد صَرَّحَ ابن إسحاق في روايته عن الزُّهْري بذلك
بقوله: ((قال: فوالله ما التفتَ إليها منّي)). ووقع في رواية أبي الأسود عن عُرْوة مُرسَلاً(٢):
خرج أبو سفيان إلى الشام ... فذكر الحديث، إلى أنْ قال: فقال أبو سفيان: هو ساحر
كذّاب. فقال هِرَقل: إني لا أُريد شَتْمه، ولكن كيف نَسَبه؟ إلى أنْ قال: فهل يَغْدِر إذا
عاهَدَ؟ قال: لا، إلَّا أنْ يَغْدِرَ في هُدْنته هذه. فقال: وما يُخاف من هذه؟ فقال: إنَّ قومي
أمَدُّوا حُلَفاءَهم على حُلَفائه. قال: فإنْ كنتُم بدَأَتُم، فأنتم أغدَرُ.
(١) في (ع): بل لرغبة في غيره لحظ نفساني، وفي (س): بل لرغبة في غيره كحظ نفساني، والمثبت من (أ).
(٢) أخرجها البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٨٤/٤ - ٣٨٥ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به. وابن لهيعة
- واسمه عبد الله - سِّئ الحفظ.

٧٦
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سِجَالٌ)) بكسر أوَّله، أي: نُوَبٌّ، والسَّجْل: الدَّلْو، والحرب اسم جنس، ولهذا
جُعِلَ خبره اسم جمع. و((يَنال)) أي: يصيب، فكأنه شَبَّهَ المحاربين بالمُستقِيَين: يَستَقي هذا
دَلْواً وهذا دَلْواً. وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أُحُد، وقد
صَرَّحَ بذلك أبو سفيان في يوم أُحُد في قوله: ((يومٌّ بيوم بدر، والحرب سِجال)) ولم يردَّ
عليه النبي ◌َّ﴿ ذلك، بل نَطَقَ النبيِوَله بذلك في حديث أَوْس بن حُذَيفة الثَّقَفي لمَّا كان
يُحدِّث وَفْدَ ثَقيف، أخرجه ابن ماجَهْ وغيره(١). ووقع في مُرسَل عُرْوة: ((قال أبو سفيان:
غَلَبَنا مَرّة يومَ بدر وأنا غائب، ثمَّ غَزَوتُهم في بيوتهم ببَقْر البُطون وجَدْعِ الآذان)) وأشار
بذلك إلی یوم أُحُد.
قوله: ((بماذا يَأْمُرُكم؟» يدل على أنَّ الرسول من شأنه أنْ يأمُرَ قومه.
قوله: ((يقول: اعبدوا الله وحدَه)) فيه أنَّ للأمر صيغة معروفة، لأنه أتى بقوله: ((اعبُدُوا)) في
جواب: ((ما يَأْمُركم؟»، وهو من أحسن الأدلَّة في هذه المسألة، لأنَّ أبا سفيان من أهل اللِّسان،
وكذلك الراوي عنه ابن عبّاس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مُقِرّاًله.
قوله: ((ولا تُشِرِكوا به شيئاً) سقط من رواية المُستَمْلي الواو، فيكون تأكيداً لقوله:
(وحده)).
قوله: ((واترُكوا ما يقول آبَاؤُكُم)) هي كلمة جامعةٌ لتركِ ما كانوا عليه في الجاهليَّةِ، وإِنَّا
ذكر الآباء تنبيهاً على عُذْرهم في مُخالفتهم له، لأنَّ الآباء قُدْوة عند الفريقين، أي: عَبَدة
الأوثان والنَّصارى.
قوله: ((ويَأْمُرنا بالصلاة والصِّدْق)) وللمصنّف في روايةٍ (٢٩٤١): ((الصدقة)) بدل:
الصِّدْق، ورَجَّحَها شيخنا شيخ الإسلام، ويُقوِّيها رواية المؤلِّف في التفسير (٤٥٥٣):
(الزّكاة))، واقتران الصلاة بالَّكاة مُعْتاد في الشرع، ويُرجِّحها أيضاً ما تقدَّم من أنهم كانوا
يَستَقبِحون الكذب، فذِكْر ما لم يَأَفوه أولى.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٤٥)، وأبو داود (١٣٩٣)، وأحمد في ((المسند)) (١٦١٦٦)، وسنده ضعيف.

٧٧
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قلت: وفي الجملة ليس الأمر بذلك ◌ُمتنِعاً كما في أمرهم بوفاءِ العَهْد وأداء الأمانة، وقد
كانا من مألوف عُقلائهم، وقد ثَبَتا عند المؤلِّف في الجهاد (٢٩٤١) من رواية أبي ذرٍّ عن
شيخه الكُشْمِيهَني والسَّرَخْسي، قال: ((بالصلاة والصِّدْق والصدقة))، وفي قوله: ((يَأْمُرنا))
بعد قوله: ((يقول: اعبدوا الله)) إشارة إلى المغايرة بين الأمرينِ لما يترتَّب على مُخالِفِهما، إذْ
مُخَالِفُ الأوَّل كافرٌ، والثاني ثَمَّن قَبِلَ الأوَّلَ عاصٍ.
قوله: «فكذلك الرُّسُل تُبْعَث في نَسَب قومها)) الظاهر أنَّ إخبار هِرَقل بذلك بالجَزْم كان
عن العلم المقرَّر عنده في الكتب السالفة.
قوله: ((لقلتُ: رجل يَأْتَسي بقولٍ)) كذا للكُشْمِيهَني، ولغيره: (يتأسَى)) بتقديم التاء
المثنَّاة (١)، وإنّما لم يقل هِرَقل: ((فقلت)) إلَّا في هذا وفي قوله: ((هل كان من آبائه من مَلِك؟))
لأنَّ هذينِ المقامَينِ مقامٍ فِكْر ونظر، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنّها مقام نَقْل.
قوله: ((فذكرتَ أنَّ ضُعَفاءَهم اتَّبَعوه)) وهو بمعنى قول أبي سفيان: ((ضُعَفاؤهم))، ومِثل
ذلك يُتسامَح به لاتَّحاد المعنى. وقول هِرَقل: ((وهم أتباع الرُّسُل)) معناه: أنَّ أتباع الرُّسُل في
الغالب أهل الاستِكَانة لا أهل الاستِكْبار الذين أصَرُّوا على الشِّقاق بَغْياً وحَسَداً كأبي
جَهْل وأشياعه، إلى أنْ أهلَكَهم الله تعالى، وأنقَذَ بعد حينٍ مَن أراد سعادته منهم.
قوله: ((وكذلك الإيمان)) أي: أمرُ الإيمان، لأنه يَظهرُ نوراً، ثمَّ لا يزال في زيادة حتَّى يَتِمَّ
بالأُمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها، ولهذا نزلت في آخر سِنِي النبي وَلّ:
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٢] ومنه: ﴿وَيَأْبَىَ اللهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ
نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وكذا جَرَى لأتباع النبي ◌ََّ، لم يزالوا في زيادة حتَّى كَمَّلَ اللهُ بهم
(١) هكذا في (أ) وهو الصواب، وفي (ع) و(س) بزيادة: ((من تحت)) فجعلها ياءً، والصواب حذفها وجعلُها
تاءً، ووقع فيهما أيضاً: ((رجلٌ تأسی)) وهو خطأ، إذ ليس هو في شيء من روايات ((الصحيح)).
قلنا: وقع للعيني في ((عمدة القاري)) ٨٨/١ كما وقع للحافظ هنا من نسبة هذه اللفظة ((يأتسي))
للكُشميهنى، و((يتأْسَى)) لغيره، والذي في الطبعة السلطانية من ((الصحيح)) و((إرشاد الساري)) للقسطلاني
١/ ٧٧ عكس ذلك، والله تعالى أعلم.

٧٨
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
ما أراد من إظهار دينه وتمام نِعْمَته، فله الحمدُ والثَّناء.
قوله: ((حين يُخالِطُ بَشَاشَةَ القلوبِ)) هكذا رُوِيَ بالنصب على المفعولِيَّة و((القلوب))
مضاف، أي: يخالط الإيمانُ انشراحَ الصُّدور، ورُوِيَ: ((بَشاشتُهُ القلوبَ)) بالضم، والقلوب
٣٧/١ مفعول، أي: يخالط بشاشةُ الإيمان - وهو شرحه - القلوبَ التي يدخل فيها. زاد المصنّفُ
في الإيمان (٥١): ((لا يَسْخَطه أحد)» كما تقدَّم، وزاد ابن السَّكن في روايته في («مُعجَم
الصحابة)): ((يزداد به عُجْباً وفَرَحاً))، وفي رواية ابن إسحاق: ((وكذلك حلاوةُ الإيمان لا
تَدخُل في قلبٍ فتَخرُجَ منه)).
قوله: ((وكذلك الرُّسُل لا تَغْدِرُ)) لأنها لا تَطلُب حَظَّ الدنيا الذي لا يُبالي طالبُه بالغَدْرِ،
بخلاف مَن طلبَ الآخرة. ولم يُعرِّجِ هِرَقلُ على الدَّسيسة التي دَسَّها أبو سفيان كما تقدَّم.
وسقط من هذه الرواية إيرادُ تقرير السؤال العاشر والذي بعده وجوابه، وقد ثبت الجميع
في رواية المؤلِّف التي في الجهاد (٢٩٤١)، وسيأتي الكلام عليه ثَمَّ، إن شاء الله تعالى.
فائدة: قال المازَرِيُّ(١): هذه الأشياء التي سأل عنها هِرَقل ليست قاطعة على التُّبّة، إلَّا
أنه يحتمل أنها كانت عنده عَلامات على هذا النبي بعَينِهِ، لأنه قال بعد ذلك: قد كنت أعلمُ
أنه خارج، ولم أكُنْ أظُن أنه منكُم. وما أورده احتمالاً جزم به ابن بَطَّال، وهو ظاهر.
قوله: «فذکرتَ انہ یَاْمُر گُم» ذکر ذلك بالاقتضاء، لأنه ليس في کلام أبي سفيان ذِكْر
الأمر بل صيغتُه.
وقوله: ((ويَنْهاكم عن عبادة الأوثان)) مُستفاد من قوله: ((ولا تُشرِكوا به شيئاً، واتركوا ما
يقول آباؤكم)) لأنَّ مَقُولهم الأمرُ بعبادة الأوثان.
قوله: ((أخلُص)) بضم اللام، أي: أصِل، يقال: خَلُصَ إلى كذا، أي: وَصَل.
(١) تحرف في (س) إلى: المازني. والمازَرِيُّ: هو الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري
المالكي، المتوفى سنة ٥٣٦هـ، مصنف كتاب ((المُعلِم بفوائد شرح مسلم))، وهذا النقل فيه عند شرح
الحديث (١٧٧٣) (٧٤) من ((صحيح مسلم)).

٧٩
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((لتَجَشَّمتُ)) بالجيم والشِّين المعجمة، أي: تَكلَّمتُ الوصول إليه. وهذا يدل على
أنه كان يَتحقَّق أنه لا يَسلَم من القتل إنْ هاجَرَ إلى النبيِ وَلِّ، واستفاد ذلك بالتَّجرِبة كما في
قِصَّة ضغاطر الذي أظهَر إسلامَه فقتلوه(١). وللطبراني (٤١٩٨) من طريق ضعيف عن
عبد الله بن شدَّاد عن دِخْية في هذه القِصَّة مُتصَراً، فقال قَيْصَر: أعرف أنه كذلك، ولكن
لا أستطيع أنْ أفعل، إنْ فعلتُ ذهب مُلْكي، وقتلني الرُّوم. وفي مُرسَل ابن إسحاق عن
بعض أهل العلم: أنَّ هِرَقل قال: وَيْحَك، والله إني لأعلم أنه نبي مُرسَل، ولكنّي أخاف
الرُّوم على نَفْسي، ولولا ذلك لاتَّبَعْتُه. ولكن لو تفطَّنَ هِرَقل لقوله بَّ في الكتاب الذي
أرسَلَ إليه: ((أَسلِمْ تَسلَمْ)) وحَمَل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة، لَسَلِمَ لو أسلمَ من
كل ما يخافه، ولكنَّ التوفيق بیدِ الله تعالى.
وقوله: (لَغَسَلْتُ عن قَدَمَيْه)) مُبالَغة في العبوديّة له والخِدْمة. زاد عبد الله بن شدَّاد عن
أبي سفيان: ((لو عَلِمْت أنه هو لمشيتُ إليه حتَّى أُقْبِّلَ رأسَه وأغسِلَ قَدَمَيْه))(٢) وهي تدل على
أنه كان بَقيَ عنده بعض شك. وزاد فيها: ((ولقد رأيت جَبْهته تَتَحادر عَرَقاً من کَرْب
الصحيفة)) يعني لمَّا قُرِئَ عليه كتاب النبي ◌َلَّ. وفي اقتصاره على ذِكْر غسل القدمين
إشارة منه إلى أنه لا يَطلُب منه - إذا وصل إليه سالماً - لا ولاية ولا مَنْصِباً، وإنَّما يَطلُب ما
تَحصُل له به البَرَكة.
وقوله: ((ولَبلُغَنَّ مُلْكُه ما تحت قَدَمَيَّ))(٣) أي: بيت المقدس، وكنَّى بذلك لأنه موضع
استقراره. أو أراد الشام كلّه لأنَّ دار مُلْكِه كانت حِمْص. ومما يُقوِّي أَنَّ هِرَقل آثَرَ مُلْكَه على
الإيمان وتمادى على الضَّلال، أنه حاربَ المسلمين في غَزْوة مُؤْتة سنة ثمان بعد هذه القِصَّة
بدون السَّنتَين، ففي («مغازي ابن إسحاق)) (٤): وبَلَغَ المسلمين لمَّ نزلوا مَعانَ من أرض
(١) انظر ترجمة ضغاطر في القسم الثالث من حرف الضاد من ((الإصابة)) (٤٢١٥)، وستأتي الإشارة إلى
قصته بعد صفحات عند شرح قوله: ((حتى أتاه كتاب من صاحبه)) ص ٩٢ - ٩٣.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في الجهاد من ((سننه)) (٢٤٧٩).
(٣) هذا اللفظ ليس في رواية المصنف هنا في بدء الوحي، وسيأتي في التفسير برقم (٤٥٥٣).
(٤) انظر ((سيرة ابن هشام)) ١٦/٤.

٨٠
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشام أنَّ هِرَقل نزل في مئة ألف من المشركين، فحكى كيفيَّة الوَقْعة. وكذا روى ابن حِبَّان
في «صحيحه)) (٤٥٠٤) عن أنس: أنَّ النبيَّ وَّل كتب إليه أيضاً من تَبُوكَ يدعوه، وأنه
قاربَ الإجابة، ولم يُجِب. فدلَّ ظاهر ذلك على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك
أنه كان يُضْمِر الإيمان ويَفْعَل هذه المعاصيَ مُراعاة لمُلْكِهِ وخوفاً من أنْ يَقتُلُه قومه، إلَّا أنَّ
في ((مسند أحمد))(١): أنه كتب من تبوكَ إلى النبي ◌َّ: إني مسلم، فقال النبي وَّ: (كَذَب،
بل هو على نصرانيَّته)). وفي كتاب ((الأموال)) (٦٢٨) لأبي عُبيد بسندٍ صحيحٍ من مُرسَل
بكر بن عبد الله المُزَني نحوه، ولفظه فقال: ((كَذَبَ عدوُّ الله، ليس بمسلم)). فعلى هذا
إطلاق صاحب ((الاستيعاب)) أنه آمَنَ، أي: أظهَرَ التصديق، لكنَّه لم يَستمِرَّ عليه ويعمل
بِمُقتَضاه، بل شَحَّ بمُلكِهِ وآثَرَ الفانيةَ على الباقية. والله الموفِّق.
قوله: ((ثُمَّ دَعَا)) أي: مَن وَكَّلَ ذلك إليه، ولهذا عُدِّيَ إلى الكتاب بالباء، والله أعلم.
٣٨/١
قوله: ((دِحْية)) بكسر الدَّال وفتحها لُغَتان، ويقال: إنَّه/ الرَّئيس بلُغة أهل اليَمَن، وهو
ابن خَلِفة الكَلْبِي، صحابيُّ جليل، كان من أحسنِ الناس وجهاً، وأسلمَ قديماً، وبَعَثَه النبي
وَله في آخر سنة ستُّ بعد أنْ رجع من الحُدَيْبية بكتابه إلى هِرَقل، وكان وصوله إلى هِرَقل
في المحرَّم سنة سبع، قاله الواقدي.
ووقع في ((تاريخ خليفة)): أنَّ إرسال الكتاب إلى هِرَقل كان سنة خمس، والأوَّل أثبت،
بل هذا غلطٌ لتصريح أبي سفيان بأنَّ ذلك كان في مُدّة الهُدْنة، والهُدْنة كانت في آخر سنة
سِت اتِّفاقاً، ومات دِخْية في خلافة معاوية.
و(بُصْرَى)) بضم أوَّله والقَصْر: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حَوْران، وعظيمها
هو الحارث بن أبي شِمْر الغَسَّاني، وفي ((الصحابة)) لابن السَّكن: أنه أرسَلَ بكتاب النبي ◌ِّ
إلى هِرَقل مع عَديِّ بن حاتم، وكان عَديٌّ إذْ ذاكَ نصرانياً، فوصل به هو ودِخْية معاً،
وكانت وفاة الحارث المذكور عام الفتح.
(١) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، وهو في ((صحيح ابن حبان)) (٤٥٠٤) من حديث أنس، وفيه: أن هرقل إذ
ذاك کان ببيت المقدس.