Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ح ٢ كتاب بدء الوحي على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرَّض لصِفَتَي الملَك المذكورتينِ لنُدورِهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يَرَه كذلك إلَّا مرتين(١)، أو لم يأتِه في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به فكان على مِثل صَلْصَلة الجَرَس، فإِنَّه بيَّن بها صفة الوحي لا صفة حامله. وأمَّا فُنون(٢) الوحي فدَويُّ النَّحْل لا يعارض صَلْصَلة الجَرَس، لأنَّ سماع الدَّوي بالنّسبة إلى الحاضرين كما في حديث عمر: يُسْمع عنده كَدَويِّ النَّحْلِ، والصَّلْصَلة بالنّسبة إلى النبيَِّ، فَشَبَّهَه عمرُ بدَويّ النَّحْل بالنّسبة إلى السامعين، وشَبَّهَه هو ◌َّهِ بِصَلْصَلة الجَرَس بالنّسبة إلى مقامه. وأمَّا النَّفْث في الرُّوع فيَحتَمل أنْ يَرْجِع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملَكُ في مِثل صَلْصَلة الجَرَسِ نَفَثَ حينئذٍ في رُوعِه. وأمَّا الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأنَّ السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحاملٍ، وكذا التكليم ليلة الإسراء. وأمَّا الرُّؤْيا الصالحة فقال ابن بَطَّال: لا تَرِدُ، لأنَّ السؤال وقع عمَّا ينفرد به عن الناس، ٢٠/١ لأنَّ الرُّؤْيا قد يَشْرَكُه فيها غيرُه. انتهى، والرُّؤْيا الصادقة وإنْ كانت جزءاً من النُّبوّة فهي باعتبار صِدْقها لا غيرُ، وإلَّا لَساغَ لصاحبها أنْ يُسمَّى نبيّاً وليس كذلك، ويحتمل أنْ يكون السؤال وقع عمّاً في اليَقَّظة، أو لكَوْن حال المنام لا يخفى على السائل فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظُهور ذلك له وَّه في المنام أيضاً على الوجهين المذكورَينِ لا غيرُ. قاله الکِرْمانيُّ، وفيه نظر. وقد ذكر الحَلِيمي أنَّ الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعاً، فذكرها، وغالِيُها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذُكِر. وحديث: ((إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي))، أخرجه ابن أبي الدنيا في ((القَناعة)) (٥٧)، وصَحَّحَه الحاكم (٢/ ٤) من طريق ابن مسعود. قوله: ((مِثْلَ صَلْصَلة الجَرَس)) في رواية مسلم (٢٣٣٣/ ٨٧): ((في مِثل صَلْصَلة الجَرَس)» (١) سيأتي برقم (٤٨٥٥). (٢) في (أ): نزول، والفَنُّ من الشيء: النوع. ٤٢ ح ٢ فتح الباري بشرح البخاري والصَّلْصَلة بمُهملتَين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضِه على بعض، ثمَّ أُطلِقَ على كل صوت له طَنين، وقيل: هو صوت مُتَدَارِك لا يُدرَك في أوَّل وَهْلة، والجَرَس: الجُلْجُل الذي يُعلَّق في رُؤوس الدَّواب، واشتقاقه من الجَرْس، بإسكان الراء: وهو الحِس. وقال الكِرْمانيُّ: الجَرَس: ناقوس صغير أو سَطْل في داخله قِطْعة نُحاس يُعلَّق منكوساً على البعير، فإذا تَحَرَّكَ تَحَرَّكَت النُّحاسة فأصابت السَّطْلَ فحصلت الصَّلْصَلة. انتهى، وهو تطويل للتَّعْرِيفِ بما لا طائل تحته، وقوله: ((قِطْعة نُحاس)) مُعتَرَض لأنه لا يختصُّ به، وكذا البعير، وكذا قوله: ((منكوسً)، لأنَّ تعليقه على تلك الصورة هو وضعه المستقیم له. فإن قيل: المحمود لا يُشَبَّه بالمذموم، إذْ حقيقة التشبيه إلحاقُّ ناقص بكاملٍ، والمشبَّه الوحي، وهو محمود، والمشبَّ به صوت الجَرَس، وهو مذموم لصِحَّة النهي عنه والتنفير من مُرافَقة ما هو مُعلَّق فيه والإعلام بأنه لا تَصْحَبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم (٢١١٣) وأبو داود (٢٥٥٥) وغيرهما، فكيف يُشَبَّه ما فَعَلَه الملَك بأمر تَنِفِرُ منه الملائكة؟ والجواب: أنه لا يلزم في التشبيه تَساوي المشبّه بالمشبَّه به في الصِّفات كلّها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، فالمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السامعون سماعَه تقريباً لأفهامهم. والحاصل أنَّ الصوت له جِهَتان: جهةُ قوّة، وجهةُ طَنينٍ، فمن حيثُ القوّة وقع التشبيه به، ومن حيثُ الطَّربُ وقع التنفير عنه وعُلِّلَ بِكَوْنِه مِزْمار الشيطان، ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور، وفيه نظر. قيل: والصَّلْصَلة المذكورة صوت الملَك بالوحي، قال الخطَّبيُّ: يريد أنه صوت مُتَدَارِك يسمعه ولا يتبيَّنْه أوَّلَ ما يسمعه حتَّى يَفْهَمه بعدُ، وقيل: بل هو صوت حَفيف أجنِحة الملَك. والحِكْمة في تَقدُّمه أنْ يَقْرَع سَمْعَه الوحيّ فلا يبقى فيه مكان لغيره، ولمَّا كان الجرس لا تَحصُل صَلْصَلَته إلَّا مُتَدارِكة، وقع التشبيه به دون غيره من الآلات، وسيأتي كلام ابن بَطَّال في هذا المقام في الكلام على حديث ابن عبّاس: ((إذا قَضَى الله الأمرَ في السماء ضَرَبَت ٤٣ ح ٢ كتاب بدء الوحي الملائكةُ بأجنِحَتِها)) الحديث عند تفسير قوله: ﴿حَتَّ إِذَا فُرِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] في تفسير سورة سَبَأ إن شاء الله تعالى(١). قوله: ((وهو أشَدّه عليَّ)) يُفهَم منه أنَّ الوحي كُلَّه شديد، ولكن هذه الصِّفة أشدّها، وهو واضح، لأنَّ الفَهْم من كلامٍ مِثلِ الصَّلْصَلة أشكَلُ من الفَهْم من كلام الرجل بالتخاطُبِ المعهود، والحِكْمة فيه أنَّ العادة جَرَتْ بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إمَّا باتِّصاف السامع بوصفِ القائل بغَلَبة الرُّوحانيَّة وهو النوع الأوَّل، وإمَّا باتِّصاف القائل بوصفٍ السامع وهو البَشريَّة وهو النوع الثاني، والأوَّل أشد بلا شك. وقال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقيني: سبب ذلك أنَّ الكلام العظيم له مُقدِّمات تُؤْذِن بتعظيمِه للاهتمام به كما سيأتي في حديث ابن عبّاس (٥): ((كان يُعالج من التنزيل شِدّة))، قال: وقال بعضهم: وإنَّما كان شديداً علیه ليَستجمع قلبه فیکون أوعَی لما سمع. انتهى. وقيل: إنَّه إنَّما كان يَنزِل هكذا إذا أُنزلت آية وعيد أو تَهْديد، وهذا فيه نظر، والظاهر أنه لا يختصُّ بالقرآنِ كما سيأتي بيانه في حديث يعلى بن أُميَّة (١٥٣٦) في قِصَّة لابس الحُبّة المُتَضمِّح بالطِّيبِ في الحج، فإنَّ فيه أنه ((رآه وَّرِ حال نزول الوحي عليه وإنَّه لَيَغُط))، وفائدة هذه الشِّدّة ما يترتب على المَشَقّة من زيادة الزُّلْفَى والدَّرَجات. قوله: ((فيَفصِم)) بفتح أوَّله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يُقْلِعِ ويَنْجَلي ما يَغْشاني، ويُروى بضم أوَّله من الرُّباعي، وفي رواية لأبي ذرِّ بضم أوَّله وفتح الصاد/ على البناء ٢١/١ للمجهول، وأصل الفَصْم القَطْع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا أُنْفِصَامَ لَمَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: الفَصْم بالفاء: القَطْع بلا إبانة، وبالقاف: القَطْع بإبانةٍ، فذِكرُ الفَصْم إشارة إلى أنَّ المَلَك فارَقَه ليعود، والجامع بينهما بقاء العُلْقة. قوله: ((وقد وَعَيْتُ عنه ما قال)) أي: القول الذي جاءَ به، وفيه إسناد الوحي إلى قول الملَك، ولا مُعارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمَّن قال من الكُفّار: ﴿إِنْ هَذَآ إلَّا قَوْلُ (١) سيأتي هناك برقم (٤٨٠٠) من حديث أبي هريرة، وليس من حديث ابن عباس. ٤٤ ح ٢ فتح الباري بشرح البخاري الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا يُنكِرون الوحي، ويُنكِرون مجيء الملَك به. قوله: ((يَتَمَثّلِ ليَ المَلَكُ رجلاً) التمَثُّل مُستَقٌّ من المِثْل، أي: يَتَصَوَّر. واللام في الملَك للعَهْدِ وهو جِبْرِيل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد (١٩٧/١-١٩٨) المقدَّم ذِكرُها. وفيه دليل على أنَّ الملك يَتَشكَّل بشكل البَشَر. قال المتكلِّمون: الملائكة أجسام عُلْويَّة لطيفة تتشكَّل أيَّ شكل أرادوا، وزَعَمَ بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانيَّة. و((رجلاً)) منصوب بالمصدريَّة، أي: يَتَمثَّل مثلَ رجل، أو بالتمييز، أو بالحال، والتقدير: هيئة رجل. قال إمام الحرمين: تمثّل جِبْريل معناه أنَّ الله أفنى الزائدَ من خَلْقه أو أزاله عنه، ثمَّ يعيده إليه بعدُ. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفَناء، وقَرَّرَ ذلك بأنه لا يلزم أنْ يكون انتقالها مُوجِباً لموته، بل يجوز أنْ يبقى الجسد حَيّاً، لأنَّ موت الجسد بمُفارَقة الرُّوح ليس بواجبٍ عقلاً، بل بعادةٍ أجراها الله تعالى في بعض خَلْقه. ونظيره انتقالُ أرواح الشُّهَداء إلى أجواف طَيِرٍ خُضْر تَسْرَح في الجنَّة. وقال شيخنا شيخ الإسلام: ما ذكره إمام الحرمين لا يَنحَصِر الحالُ فيه، بل يجوز أنْ يكون الآتي هو جِبْريلَ بشكله الأصلي، إلَّ أنه انضمَّ فصار على قَدْر هَيْئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هَيْثَتَه، ومثال ذلك القُطْن إذا جُمعَ بعد أنْ كان مُنتَفِشاً فإنَّه بالنَّفْشِ تَحصُلُ له صورة كبيرة وذاته لم تتغيَّر. وهذا على سبيل التقريب، والحقُّ أنَّ تمثُّل الملَك رجلاً ليس معناه أنَّ ذاته انقلَبَتْ رجلاً، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يُخاطبه. والظاهر أيضاً أنَّ القَدْر الزائد لا يزول ولا يَفْنَى، بل يخفى على الرائي فقط، والله أعلم. قوله: ((فيُكلِّمني)) كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقي (٧/ ٥٢-٥٣) من طريق القَعْنبي عن مالك: ((فيُعلِّمني))، بالعين بدل الكاف، والظاهر أنه تصحيف، فقد وقع في ((الموطَّأ)) رواية القَعْنبي بالكاف، وكذا للدَّارَقُطني في ((حديث مالك)) من طريق القَعْنبي وغيره. ٤٥ ح ٢ كتاب بدء الوحي قوله: ((فَأَعي ما يقول)) زاد أبو عَوَانة في ((صحيحه)): ((وهو أهونه عليّ))(١). وقد وقع التغايُر في الحالتينِ حيثُ قال في الأولى: ((وقد وَعَيْت)) بلفظ الماضي، وهنا ((فأعي)) بلفظ الاستقبال، لأنَّ الوَعْي حصل في الأوَّل قبل الفَصْم، وفي الثاني حصل حالَ المكالمة، أو أنه كان في الأوَّل قد تَلَبَّسَ بالصِّفات الملكيّة فإذا عاد إلى حالته الجبلِيَّة کان حافظاً لما قيل له، فعَبَّر عنه بالماضي بخلاف الثاني فإنَّه على حالَته المعهودة. قوله: ((قالت عائشة)) هو بالإسناد الذي قبله، وإنْ كان بغير حرف العَطْف كما يستعمله المصنّف وغيره كثيراً، وحيثُ يريد التعليق يأتي بحرف العَطْف. وقد أخرجه الدَّارَقُطني في ((حديث مالك)) من طريق عتيق بن يعقوب عن مالك مفصولاً عن الحديث الأوَّل، وكذا فَصَلهما مسلم (٨٦/٢٣٣٣) من طريق أبي أسامة عن هشام، ونُكْتة هذا الاقتطاع هنا اختلاف التحمُّل، لأنها في الأوَّل أخبرَتْ عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرَتْ عَّا شاهَدَتْه تأييداً للخبر الأوَّل. قوله: ((لَيَتَفَصَّد)) بالفاءِ وتشديد المهملة، مأخوذ من الفَصْد: وهو قَطْعِ العِرْق الإسالة الدَّم، شُبِّهَ جَبينُه بالعِرْقِ المقصود مُبالَغة في كَثْرة العَرَق. وفي قولها: ((في اليوم الشديدِ البَرْد)) دلالة على كَثْرة مُعاناة التعب والكَرْب عند نزول الوحي، لما فيه من مُخالَفة العادة، وهو كَثْرة العَرَق في شِدّة البَرْد، فإنَّه يُشعِرِ بُوُجودِ أمر طارئٍ زائد على الطِّبَاعِ البَشرِيَّة. وقوله: ((عَرَقاً)) بالنصب على التمييز، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في ((الدلائل)) (٥٣/٧): وإنْ كان لَيُوحَى إليه وهو على ناقته فتَضرِبُ حِزامَها من ثِقل ما يُوحَی إلیه. تنبيه: حكى العَسْكَري في («التصحيف)) (٢٥٩/١) عن بعض شيوخه أنه قَرَأ: ((لَيَتَقَصَّد)» بالقاف، ثمَّ قال العَسْكري: إنْ ثبت فهو من قولهم: تَقَصَّدَ الشيءُ: إذا تكسَّرَ وتَقَطَّع، ولا يخفی بُعْده، انتھی. (١) وهذه الزيادة عند الحميدي أيضاً في ((مسنده)) (٢٥٦) من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة. ٤٦ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل بن طاهر، فَرَدَّه عليه المُؤْتَمَن الساجيُّ ٢١/١ بالفاء، قال: فأصَرَّ على القاف، وذكر الذَّهَبي في ترجمة ابن طاهر(١) عن / ابن ناصر: أنه رَدَّ على ابن طاهر لمَّا قَرَأها بالقاف، قال: فكابرَني. قلت: ولعلَّ ابن طاهر وَجَّهَها بما أشار إليه العَسْكريُّ، والله أعلم. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ السؤال عن الكيفيّة لطلب الطُّمأنينة لا يَقدَح في اليقين، وجوازُ السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره، وأنَّ المسؤولَ عنه إذا كان ذا أقسام يَذكُر المجيبُ في أوَّل جوابه ما يقتضي التفصيلَ، والله أعلم. الحديث الثالث: ٣- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، قال: حدَّثنا اللَيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهَابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير، عن عائشةَ أمّ المؤمنينَ أنَّها قالت: أوَّلُ ما بُدِىَ به رسولُ اللهِ وَّهِ مِن الوَحْيِ الرُّؤْيا الصالحةُ في النوم، فكان لا يرى رُؤْيا إلَّا جاءَتْ مثل فَلَقِ الصبح، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخَلاءُ، وكان يَخْلُو بغارِ حِراءٍ فِيَتَحَنَّثُ فيه - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّالِيَ ذَواتِ العَدَدِ، قبلَ أنْ يَنْزِعَ إلى أهلِهِ ويَتَزَوَّدُ لِذلكَ، ثمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فِيَتَزَوَّدُ لِمِثلِها حتَّى جاءَّه الحقُّ وهو في غار حِراءٍ، فجاءَه الملَكُ فقال: اقرَأْ. قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فَغَطَّني حتَّى بَلَغَ منّي الَجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَني فقال: اقرَأْ. قلت: ما أنا بقارئٍ، فأخذني فَغَطَّني الثانيةَ حتَّى بَلَغَ منّي الَجَهْدَ، ثمَّ أرسَلَني فقال: اقرَأْ. فقلتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخذني فغطّني الثالثةَ ثُمَّ أرسَلَني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ آلْأَكْرُ﴾ [العلق: ١-٣] فرجع بها رسولُ اللهِوَِّ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ على خَدِيجَةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فقال: ((زَمِّلُوني زَمِّلُوني)) فَزَقَّلُوه حتَّى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال لِخَدِيجَةَ وأخبرها الخبرَ: ((لقد خَشِيتُ على نَفْسي))، فقالت خَدِيجةُ: كَلَّا والله ما يَحْزُنُكَ اللهُ أبداً، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المعدُومَ، وتقري الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقّ. (١) من («سير أعلام النبلاء)) ٣٦٥/١٩، وهو المعروف بابن القَيْسراني. ٤٧ ح ٣ كتاب بدء الوحي فانْطَلَقَتْ به خَدِيجَةُ حتَّى أَتَتْ به وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابنَ عَمِّ خَدِيجَةً، وكان امرَأَ تَتَصَّرَ في الجاهِلِيَّة، وكان يَكْتُبُ الكتابَ العِبْرانيَّ، فَيَكْتُبُ مِن الإنجِيلِ بالعِبْرانيَّةِ ما شاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وكان شَيْخاً كَبِيراً قد عَمِيَ، فقالت له خَدِيجَةُ: يا ابنَ عَمِّ، اسمعْ مِنِ ابن أخِيكَ. فقال له وَرَقَةُ: يا ابنَ أخي، ماذا تَرَى؟ فأخبره رسولُ الله وََّ خبرَ ما رأى، فقال له وَرَقُ: هذا النامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ على موسى، يا لَيْتَنِي فيها جَذَعٌ، لَيْتَنِي أكونُ حَيّاً إِذْ يُخْرِجُكَ قومُكَ. فقال رسولُ الله ◌َ: ((أَوَمُخْرِ جِيَّ هُم؟)) قال: نَعَم، لم يأتِ رجلٌ قَطُّ بمِثلِ ما جِئْتَ به إلا عُودِيَ، وإنْ يُدرِكْني يومُّكَ أنصُرْكَ نصراً مُؤَزَّراً. ثمّ لم يَنشَبْ وَرقةُ أنْ تُوُقِّ، وفَتَرَ الوحيُّ. [أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢] قوله: ((حدَّثْنا يحيى بن بُكَيْر)) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير نسبه إلى جدّه لشُهْرتِه بذلك، وهو من كِبَار حُفَّاظ المِصْرِيّين، وأثبت الناس في الليث بن سعد الفَهْمي فقيه المِصْريّين. وعُقَيل: بالضم على التصغير، وهو من أثبت الرُّواة عن ابن شهاب: وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة الفقيه، نُسِبَ إلى جَدِّ جدِّه لشُهْرتِهِ، الزُّهْريُّ: نُسِبَ إلى جدِّه الأعلى زُهْرةَ بن كلاب، وهو من رَهْط آمنة أُمّ النبي ◌َّل﴾، اتّفقوا على إتقانه وإمامته. قوله: ((من الوحي)) يحتمل أن تكون ((من)) تبعيضيّة، أي:/ من أقسام الوحي، ويحتمل ٢٣/١ أنْ تكون بیانیَّ ورَجَحَه القزاز. و(الرُّؤْيا الصالحة)) وقع في رواية مَعمَر ويونس عند المصنِّف في التفسير (٤٩٥٣): ((الصادقة)) وهي التي ليس فيها ضِغْت، ويُدِىَ بذلك ليكون تمهيداً وتَوْطِئَة لليَقَظة، ثمَّ مُهِّدَ له في اليقظة أيضاً رُؤْيةُ الضَّوْءِ وسماعُ الصوتِ وسلامُ الحَجَر. قوله: ((في النوم)) لزيادة الإيضاح، أو لتخرج رُؤْيا العين في اليَقَظة لجواز إطلاقها مجازاً. قوله: ((مثلَ فَلَق الصبح)) بنصب ((مثل)) على الحال، أي: مُشْبِهِة ضياء الصبح، أو على ٤٨ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري أنه صفة لمحذوفٍ، أي: جاءَتْ مجيئاً مثل فَلَق الصُّبح. والمراد بفَلَقِ الصُّبح: ضياؤُه. وخُصَّ بالتشبيه لظُهورِه الواضح الذي لا شكَّ فيه. قوله: ((حُبِّبَ)) لم يُسمَّ فاعلُه لعدم تحقُّق الباعث على ذلك وإنْ كان كُلٌّ من عند الله، أو ليُنبِّه على أنه لم يكن من باعث البَشَر، أو يكون ذلك من وَخي الإلهام. و((الخَلاء)) بالمدّ: الخَلْوة، والسِّر فيه أن في الخلوة فراغ القلب لما يتوجّه له. و«چِراء» بالمدِّ وکسر أوَّله، كذا في الرواية، وهو صحيح، وفي رواية الأصيلي بالفتح والقَصْر وقد حُكَيَ أيضاً، وحُكيَ فيه غيرُ ذلك جوازاً لا روايةً. وهو جبل معروف بمكّة. و((الغار» نَقْب في الجبل، وجمعه: غیران. قوله: ((فِيَتَحَنَّث)) هي بمعنى يَتْحَنَّف، أي: يَتَبع الحَنِيفيَّة وهي دين إبراهيم، والفاء تُبدَل ثاءً في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في «السِّيرة): ((يَتَحَنَّفَ)) بالفاء. أو التحَنُّث: إلقاء الِحِنْث، وهو الإثم، كما قيل: يتأثّم ويَتَحرَّج، ونحوهما. قوله: ((وهو التَّعَبُّد)) هذا مُدرَج في الخبر، وهو من تفسير الزُّهْري كما جزم به الطّييُّ ولم یذُر دلیله، نعم في روایة المؤلِّف من طریق یونس عنه في التفسير (٤٩٥٣) ما يدل على الإدراج. قوله: ((اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَد)) يتعلَّق بقوله: ((یتحَنَّث))، وإبهام العدد لاختلافه، کذا قيل. وهو بالنِّسبة إلى المُدَد التي يَتَخلَّلها مجيتُه إلى أهله، وإلَّ فأصل الخَلْوة قد عُرِفَتْ مُكَّتها وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق. و((اللَّياليَ)) منصوبة على الظَّرْف، و((ذَوات)) منصوبة أيضاً وعلامة النصب فيه كسر التاء. و(يَنزِع)) بكسر الزَّاي، أي: يَرْجِع، وَزْناً ومعنّى، ورواه المؤلِّف بلفظ: ((يرجع)) في التفسير. قوله: ((لمِثلِها)) أي: اللَّيالي. والتزَوُّد: استصحاب الزّاد، و((يَتَزوَّد)) معطوف على (یَتحَنَّث)). وخديجة: هي أُم المؤمنين بنت خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَي، تأتي أخبارها في مناقبها (٣٨١٥). ٤٩ ح ٣ كتاب بدء الوحي قوله: ((حتَّى جاءَه الحقُّ)) أي: الأمر الحق، وفي التفسير (٤٩٥٣): ((حتَّى فَجِتَه الحقُّ)) بكسر الجيم، أي: بَغَتَه. وإنْ ثبت من مُرسَل عُبيد بن عُمَير: أنه أوحيَ إليه بذلك في المنام أوَّلاً قبل اليَقَظة(١)، أمكنَ أنْ يكون مجيءُ الملَك في اليَقَظَة أعقبَ ما تقدَّم في المنام. وسُمّيَ حقّاً، لأنه وحيٌّ من الله تعالى. وقد وقع في رواية أبي الأسود عن عُرْوة عن عائشة قالت: إنَّ النبيَّ وَِّ كان أوَّلَ شأنه یری في المنام، وكان أوَّلَ ما رأی چِبْریلَ بأجياد، صَرَخَ چِبْریل: یا محمد، فنظر يميناً وشمالاً فلم يَرَ شيئاً، فرفع بصرَه فإذا هو على أُفُقَ السماء فقال: يا محمد، جِبْرِيلُ جبريلُ، فهَربَ فدخل في الناس فلم يَرَ شیئاً، ثمَّ خرج عنهم فناداه فهَرب، ثمّ استعلَنَ له چِبْریل من قِبَل حِراءٍ، فَذَكَرِ قِصَّة إقرائه ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ ورأى حينئذٍ جِبْرِيلَ له جَناحان من ياقوت يَخْتَطِفان البصرَ. وهذا من رواية ابن لَهِيعة عن أبي الأسود، وابن لَهِيعة ضعيف(٢). وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) (١٧٧) من وجه آخر عن عائشة مرفوعاً: ((لم أرَه - يعني جِبْرِيلَ - على صورته التي خُلِقَ عليها إلَّا مرتين)). وبيَّن أحمد (٣٨٦٤) من حديث ابن مسعود: أنَّ الأُولى كانت عند سؤاله إِيَّاه أنْ يُرِيَه صورته التي خُلِقَ عليها، والثانية عند المِعْراج(٣)، وللِّرمِذيّ (٣٢٧٨) من طريق مسروق عن عائشة: لم يَرَ محمدٌ وَّهِ جِبْرِيلَ في صورته إلَّا مرتين: مَرّةً عند سِدْرة المنتهى، ومَرّةً في أجياد. وهذا يُقوِّي رواية ابن لَهِيعة، وتكون هذه المرّة غيرَ المَّتَين المذكورتين، وإنَّما لم يَضُمَّها إليهما لاحتمال أنْ لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالی. (١) أخرجه ابن إسحاق في ((السيرة)) - كما في ((البداية والنهاية)) ١٢/٣ لابن كثير - قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير سمع عبيد بن عمير يذكر ذلك في حديث طويل. ووهب ثقة، وكذلك عبيد بن عمير، وهو تابعيٌّ ولم يصرِّح عمَّن أخذ ذلك، وقد تفرَّد به. (٢) لكن هذا الحديث من رواية ابن وهب عنه كما في تفسير سورة النجم من ((تفسير ابن كثير)) ٧/ ٤٤٧، ورواية ابن وهب عنہ لا بأس بها. (٣) وسنده ضعيف لجهالة حال أحد رواته. ٥٠ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري ووقع في السِّيرة التي جمعها سليمان التَّيْمِيُّ فرواها محمد بن عبد الأعلى عن وَلَده مُعتمِر بن سليمان، عن أبيه: أنَّ جِبْريل أتى النبيَّ وَّهِ فِي حِراءٍ وأقرَأَه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَیِّكَ ﴾ ثمَّ انصَرَف، فبقيَ مُتَردِّداً، فأتاه من أمامه في صورته فرأى أمراً عظيماً. ٢٤/١ قوله: ((فجاءَ)) هذه الفاء/ تُسمَّى التفسيريَّة وليست التعقيبية، لأنَّ مجيء الملَك ليس بعد مجيء الوحي حتَّى يُعقَّبَ به، بل هو نَفْسه، ولا يلزم من هذا التقرير أنْ يكون من باب تفسير الشيء بنَفْسِه، بل التفسير عَينُ المفسَّر به من جهة الإجمال، وغيرُه من جهة التفصيل. قوله: ((ما أنا بقارئٍ)) ثلاثاً، «ما)) نافية، إذْ لو كانت استفهاميَّةً لم يَصلُح دخولُ الباء، وإنْ حُكيَ عن الأخفش جوازُه فهو شاذٍّ، والباء زائدة لتأكيدِ النَّفي، أي: ما أُحسِنُ القراءة. فلمَّا قال ذلك ثلاثاً قيل له: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ أي: لا تقرَؤُه بقوَّتِك ولا بمعرفَتِك، لكن بحَوْلِ ربّك وإعانته، فهو يُعلِّمك، كما خَلَقَك وكما نَزَعَ عنك عَلَق الدَّم ومَغْمَزَ الشيطان في الصِّغَر، وعَلَّمَ أُمَّتك حتَّى صارت تكتبُ بالقلَم بعد أنْ كانت أُمّةً، ذكره السُّهَيلي. وقال غيره: إنَّ هذا التركيب - وهو قوله: ((ما أنا بقارئ)) - يفيد الاختصاص. ورَدَّه الطِّييُّ بأنه إنَّما يفيد التقوية والتأكيد، والتقدير: لستُ بقارئٍ الْبَّة. فإن قيل: لمَ كَرَّرَ ذلك ثلاثاً؟ أجاب أبو شامةَ بأنْ يُحمَّلَ قولُه أوَّلاً: ((ما أنا بقارئ)) على الامتناع، وثانياً: على الإخبار بالنَّفي المحض، وثالثاً: على الاستفهام. ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي الأسود في ((مغازيه)) عن عُرْوة أنه قال في الثالثة: ((كيف أقرَأُ؟» وفي رواية عُبيد ابن عُمَير عند ابن إسحاق: ((ماذا أقرأُ؟»، وفي مُرسَل الزُّهْري في (دلائل)) البيهقي (٢/ ١٤٢): ((كيف أقرَأ؟))، كلُّ ذلك يؤيِّد أنها استفهامية، والله أعلم. قوله: (فغَطَّني)) بغَيْنِ مُعجَمة وطاء مُهمَلة، وفي رواية الطبري (٣٠/ ٢٥١) بتاءٍ مُثنَّة من فوق كأنه أراد: ضَمَّنِي وعَصَرَني، والغَط: حَبْس النَّفَس، ومنه: غَطَّه في الماء، أو أراد: غَمَّني، ومنه الخَنْق. ولأبي داود الطَّيالسي في («مسنده)) (١٦٤٣) بسندٍ حسن(١): ((فأخذ بحَلْقي)). (١) بل ضعيف، ففيه رجل مبهم لم يسم. ٥١ ح ٣ كتاب بدء الوحي قوله: ((حتَّى بَلَغَ مِنّي الجَهْدَ) رُوِيَ بالفتح والنصب، أي: بَلَغَ الغَطَّ منّي غايةَ وُسْعي. ورُويَ بالضم والرفع، أي: بَلَغَ منّي الجُهْدُ مَبْلغَه. وقوله: ((أرسَلَني)) أي: أطلقني، ولم يَذكُر الجَهْد هنا في المرّة الثالثة، وهو ثابت عند المؤلِّف في التفسير (٤٩٥٣). قوله: ((فرجع بها)) أي: بالآيات أو بالقِصّة. قوله: ((فَزَمَّلوه)) أي: لَقُّوه. و((الَّوْعِ)) بالفتح: الفَزَع. قوله: ((لقد خَشِيت على نَفْسي)) دلَّ هذا مع قوله: ((يَرجُف فؤادُه)) على انفعال حصل له من مجيء الملَك، ومن ثَمَّ قال: ((زَمِّلوني)). والخَشْية المذكورة اختلفَ العلماء في المراد بها على اثنَيْ عشرَ قولاً: أوَّلها: الجُنُون وأنْ يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاءَ مُصرَّحاً به في عِدّة طرق، وأبطَلَه أبو بكر بن العربي وحُقَّ له أنْ يُطَل، لكن حمله الإسماعيلي على أنَّ ذلك حصل له قبل حصول العلم الضَّروري له أنَّ الذي جاءَه ملَك، وأنه من عند الله تعالى. ثانيها: الهاچِس، وهو باطل أيضاً، لأنه لا يَستَقِر، وهذا استَقرَّ وحصلتْ بينهما المراجَعَة. ثالثها: الموت من شِدّة الرُّعْب. رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبي جَمْرة. خامسها: دَوَام المرض. سادسها: العَجْز عن حمل أعباء النُّبوّة. سابعها: العَجْز عن النَّظَر إلى الملك من الرُّعْب. ثامنها: عدم الصَّبْر على أذى قومه. تاسعها: أنْ يقتلوه. عاشرها: مُفارَقة الوطَن. حادي عشرها: تكذيبُهم إِيَّاه. ثاني عشرها: تعييرُهم إِيَّاه. وأَولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب، الثالث واللَّذان بعده، وما عَدَاها فهو مُعتَرَض، والله الموفِّق. قوله: ((فقالت خَدِيجة: كلَّا)) معناها النَّفي والإبعاد. و((يَجِزُنك)) بفتح أوَّله والحاء المهملة والزَّاي المضمومة والنون من الحُزْن، ولغير أبي ذرِّ بضم أوَّله والخاء المعجَمة والزَّاي المكسورة ثمَّ الياء الساكنة من الخِزْي. ثمَّ استدلَّتْ على ما قَضَتْ عليه من نفي ذلك أبداً بأمرٍ استقرائي ووَصَفَتْه بأُصول مكارم الأخلاق، لأنَّ الإحسان إمَّا إلى الأقارب أو إلى ٥٢ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري الأجانب، وإمَّا بالبدَن أو بالمال، وإمَّا على مَن يَستَقِلُّ بأمره أو مَن لا يَستَقِلُّ، وذلك كلُّه مجموع فيما وَصَفَتْه به. و((الكلُّ)) بفتح الكاف: هو مَن لا يَستقِل بأمره كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنَّهُ﴾ [النحل: ٧٦]. وقولها: ((وتَكْسِبُ المعدومَ)) في رواية الكُشْمِيهَني: ((وتُكْسِب)) بضم أوَّله، وعليها قال الخطَّبيُّ: الصواب ((المُعْدِم)) بلا واو، أي: الفقير، لأنَّ المعدوم لا يُكْسَب. قلت: ولا يَمْتَنَعِ أنْ يُطلَق على المُعْدِم المعدومُ، لكَوْنه كالمعدوم الميِّت الذي لا تَصرُّفَ له، والكَسْب: هو الاستفادة، فكأنها قالت: إذا رَغِبَ غيرك أنْ يستفيد مالاً موجوداً، رَغِبْتَ أنتَ أنْ تستفيد رجلاً عاجزاً فتُعاوِنَه. وقال قاسم بن ثابت في ((الدلائل)»: قوله: «تَكْسِبُ»/ معناه: ما يَعْدَمُه غیرُه ويعچِز عنه يصيبه هو ويَكْسِبُه، قال أعرابيٌّ يمدح إنساناً: لما كان أكسَبَهم لمعدومِ، وأعطاهم لمحرومٍ، وأنشَدَ في وصف ذِئْب: ٢٥/١ كَسُوبٌ [له](١) المعدومَ من کَسْبٍ واحدٍ أي: ممّا يَكْسِبه وحده. انتهى. ولغير الكُشْمِيهَني: ((وتَكْسِب)) بفتح أوَّله، قال عِيَاض: وهذه الرواية أصحُ. قلت: قد وَجَّهْنا الأولى، وهذه الراجحة، ومعناها: تُعْطي الناس ما لا يجدونَه عند غيرك، فحَذَفَ أحد المفعولَين، يقال: كَسَبْتُ الرجلَ مالاً وأكسَبتُه، بمعنَّى. وقيل: معناه: تَكْسِب المالَ المعدومَ وتُصِيب منه ما لا يُصِيب غيرُك. وكانت العرب تتمادح بكَسْبِ المال، لا سيَّمَا قُرَيش، وكان النبي وَّه قبل البِعْثة محظوظاً في التِّجارة. وإنَّما يصح هذا المعنى إذا ضُمَّ إليه ما يليقُ به من أنه كان مع إفادته للمال يجُود به في الوجوه التي ذُكِرَتْ في المكرُمات. (١) ما بين الحاصرتين زيادة من ((اللسان)) (عدم) ولا بد منها، وعَجُز البيت: مُحالفُهُ الإقتارُ ما يتموَّلُ ٥٣ ح ٣ كتاب بدء الوحي وقولها: ((وتُعين على نوائب الحق)) هي كلمة جامعة لأفراد ما تقدَّم ولِمَا لم يتقدَّم. وفي رواية المصنِّف في التفسير (٤٩٥٣) من طريق يونسَ عن الزُّهْري من الزِّيادة: ((وتَصْدُق الحديثَ))، وهي من أشرَف الخِصال. وفي رواية هشام بن عُرْوةَ عن أبيه في هذه القصّة: ((وتُؤَدّي الأمانةَ))(١). وفي هذه القِصَّة من الفوائد: استحباب تأنیس مَن نزل به أمرٌ بذِكْر تَيْسیرِه عليه وتهوينِه لَدَيْهِ، وأنَّ مَن نزل به أمر استُحِبَّ له أنْ يُطلِعَ عليه مَن يَثِقُ بنصيحتِه وصِحَّة رَأْيه. قوله: ((فانْطَلَقَتْ به)) أي: مضتْ معه، فالباء للمُصاحَبة. و((وَرَقة)) بفتح الراء. قوله: ((ابنَ عَمْ خَدِيجَ)) هو بنصب ((ابن)) ويُكتَب بالألف، وهو بدل من وَرَقة، أو صفة، أو بيان، ولا يجوز جَرُّه فإنَّه يصير صفة لعبد العُزَّى، وليس كذلك، ولا كَتْبُه بغير ألف، لأنه لم يقع بین عَلَمین. قوله: (تَنَصَّرَ)) أي: صار نصرانيّاً، وكان قد خرج هو وزيدُ بن عَمْرو بن نُفَيل لمَّا كَرِها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأمَّا وَرَقَةُ فأعجَبَه دين النصرانيَّةِ فتَنَصَّر، وكان لَفِيَ مَن بَقيَ من الرُّهْبان على دين عيسى ولم يُبدِّل، ولهذا أخبر بشأن النبي ◌َّ والبِشارة به، إلى غير ذلك ممّا أفسَدَه أهل التبديل، وأمَّا زيدُ بن عَمْرو فسيأتي خبره في المناقب (٣٨٢٦- ٣٨٢٨) إن شاء الله تعالى. قوله: (و کان یکتبُ الکتاب العِبْرانيَّ فیکتبُ من الإنجيل بالعِبْرانية)»، وفي رواية یونسَ (٤٩٥٣) ومَعمَر (٦٩٨٢): ((ويكتبُ من الإنجيل بالعربيّة))، ولمسلم (١٦٠): ((وكان يكتب الكتاب العربي))(٢)، والجميع صحيح، لأنَّ ورقة تعلَّم اللِّسانَ العِبْراني والكتابة العِبْرانيَّة، وكان يكتبُ الكتاب العِبْراني، كما كان يكتب الكتاب العربي، لتمكُّنِهِ من الكتابتَينِ واللِّسانَين. ووقع لبعض الشُّراح هنا خَبْطٌ فلا يُعرَّج عليه. وإِنَّا وَصَفَتْه بكتابة الإنجيل دون (١) أخرجه ابن سعد في («الطبقات)) ١٩٥/١ من طريق هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً. (٢) فات الحافظَ هنا أنه سيأتي أيضاً في روايتي يونس ومعمر، لكنه عاد عند الأولى واستدرك على نفسه، رحمه الله. ٥٤ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري حِفْظه، لأنَّ حِفْظ التوراة والإنجيل لم يكن مُتَيسِّراً كحِفْظ القرآن الذي خُصَّتْ به هذه الأُمّة، فلهذا جاءَ في صِفَتها: «أنا جيلُها صُدورُها)). قولها: ((يا ابن عَمِّ)) هذا النِّداء على حقيقته، ووقع في مسلم: ((أيْ عَمّ)) وهو وَهْم، لأنه وإنْ كان صحيحاً لجواز إرادة التوقير، لكنَّ القِصَّة لم تَتعدَّد وَخَرَجها مُتَّحِد، فلا يُحِمَل على أنها قالت ذلك مرتين، فتَعيَّنَ الحملُ على الحقيقة، وإنَّما جَوَّزْنا ذلك فيما مضى في العِبْراني والعربي، لأنه من كلام الراوي في وصف وَرَقة، واختلفَت المخارج فأمكنَ التعدُّد، وهذا الحُكْم يَطَّرِد في جميع ما أشبهَه. وقالت في حق النبي ◌َّ: ((اسمع من ابن أخيك)) لأنَّ والده عبد الله بن عبد المطَّلِب ووَرَقَةَ في عَدَدِ النَّسَب إلى قُصَي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواءٌ، فكان من هذه الخَيْئِيَّة في درجة إخوته. أو قالته على سبيل التوقير لسِنِّه. وفيه إرشاد إلى أنَّ صاحب الحاجة يُقدِّم بين يَدَيْه مَن يُعرِّفُ بقَدْرِه مَن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مُستفاد من قول خديجة لوَرَقة: ((اسمع من ابن أخيك)) أرادتْ بذلك أنْ يتأهَّبَ لسماع كلام النبي ◌ِّ، وذلك أبلَغُ في التعظيم. قوله: ((ماذا تَرَى؟)) فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، وقد صُرِّح به في ((دلائل النُّبّة» لأبي نُعيم بسندٍ حسنٍ إلى عبد الله بن شدَّاد في هذه القِصَّة قال: فأتَتْ به ورقةَ ابنَ عَمِّها فأخبرته بالذي رأى. قوله: ((هذا الناموس الذي نَزَّلَ الله على موسى)) وللكُشْمِيهَني: ((أَنزَل الله))، وفي التفسير (٤٩٥٣): ((أُنزِلَ)) على البناء للمجهول، وأشار بقوله: ((هذا)» إلى الملَك الذي ذكره النبيُّ بَّهِ في خبره، ونَزَّلَه مَنزِلة القريب لقُرْبٍ ذِكْره. ٢٦/١ والنَّاموس: صاحب السِّر كما جزم به المؤلِّف في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٢)، وزَعَمَ ابن ظَفَر: أنَّ الناموس صاحب سِرِّ الخير، والجاسوسَ صاحب سِرِّ الشَّر. والأوَّل الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سَوَّى بينهما رُؤْبةُ بن العَجّاج أحد فُصَحاء العرب. والمراد بالناموسِ هنا: جِبْريل عليه السلام. ٥٥ ح ٣ كتاب بدء الوحي وقوله: ((على موسى)) ولم يقل: على عيسى، مع كَوْنه نصرانياً، لأنَّ كتاب موسى عليه السلام يشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى، وكذلك النبيُّنَّهِ. أو لأنَّ موسى بُعِثَ بالنِّقْمة على فِرْعَون ومَن معه، بخلاف عيسى، وكذلك وَقَعَت النِّقْمة على يد النبي بِفِرْعَون هذه الأُمّة وهو أبو جَهْل بنُ هشام ومَن معه ببدرٍ. أو قاله تحقيقاً للرِّسالة، لأنَّ نزول جِبْريل على موسى مُتَّفَق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف عيسى فإنَّ كثيراً من اليهود يُنكِرِون نُبوَّتَه. وأمَّا ما تَخَّلَ له السُّهَيليُّ من أنَّ وَرَقة كان على اعتقاد النَّصارى في عدم نُبوّة عيسى ودعواهم أنه أحد الأقانيم، فهو محال لا يُعرَّج عليه في حق ورقة وأشباهه مَّن لم يدخل في التبديل، أو لم يأخذ عمَّن بدَّل، على أنه قد وَرَدَ عند الزّبَير بن بكّار من طريق عبد الله ابن معاذ عن الزّهْري في هذه القِصَّة أنَّ وَرَقةَ قال: ناموس عيسى. والأصح ما تقدَّم، وعبد الله بن معاذ ضعيف. نعم في ((دلائل النُّبّة)) لأبي نُعيم بإسنادٍ حسن إلى هشام بن عُرْوة عن أبيه في هذه القصة: أنَّ خديجة أوَّلاً أتت ابنَ عمّها وَرَقة فأخبرَتْه الخبر، فقال: لَئِنْ كنتِ صَدَقْتِنِي إِنَّه لَيأتيه ناموسُ عيسى الذي لا تُعلِّمه بنو إسرائيل أبناءَهم. فعلى هذا فكان وَرَقَةُ يقول تارةً: ناموس عيسى، وتارةً: ناموس موسى، فعند إخبار خديجةً له بالقِصَّة قال لها: ناموس عيسى، بحَسَبٍ ما هو فيه من النصرانيَّة، وعند إخبار النبيِّ ◌َّ له قال له: ناموس موسى، للمناسبة التي قدَّمناها، وكُلّ صحيح. والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: ((يا لَيْتَنَي فيها جَذَعٌ)) كذا في رواية الأَصِيلي، وعند الباقين: ((يا لَيْتَني فيها جَذَعاً) بالنصب على أنه خبر (كان)) المقدَّرة، قاله الخطَّبيُّ، وهو مذهب الكوفيِين في قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وقال ابن بَرِّي: التقدير: يا ليتني جُعِلتُ فيها جَذَعاً. وقيل: النصب على الحال إذا جعلتَ ((فيها)) خبر ليتَ، والعامل في الحال ما يتعلَّق به الخبر من معنى الاستقرار. قاله السُّهَيلي، وضمير ((فيها)) يعود على أيام الدَّعْوة. والجَذَع بفتح الجيم والذَّال المعجَمة: هو الصغير من البهائم، كأنه تمنَّى أنْ يكون عند ظُهور ٥٦ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري الدُّعاء إلى الإسلام شاباً ليكون أمكنَ لنصرِه، وبهذا يتبيَّن سِرُّ وصفه بگَوْنِه كان كبيراً أعمى. قوله: ((إذْ يُخْرِجُكَ)) قال ابن مالك: فيه استعمال ((إذْ)) في المستقبل كإذا، وهو صحيح، وغَفَلَ عنه أكثر النُّحاة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]. هكذا ذكره ابن مالك وأقرّه علیه غیر واحد. وتعقَّبه شيخنا شيخ الإسلام: بأنَّ النُّحاة لم يُغْفِلوه بل مَنَعوا وُرودَه، وأوَّلوا ما ظاهرُه ذلك، وقالوا في مِثل هذا: استعمل الصِّيغة الدَّالّة على المُضيِّ لتحقَّقِ وقوعه فأنزلوه مَنْزِلْتَه، ويُقوِّي ذلك هنا أنَّ في رواية البخاري في التعبير (٦٩٨٢): ((حين يُرِ جُك قومُك))، وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فیه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فیه ارتكاب مجاز، ومَجَازُهم أَولى، لما يَنْبني عليه من أنَّ إيقاع المستقبل في صورة المُضِيِّ تحقيقاً لوقوعِه أو استحضاراً للصُّورة الآتية، في هذه دون تلك. انتهى كلامُه، ولا يخفى ما فيه، ولا سيَّما قوله: منعوا وُرودَه(١)، مع وجوده في أفصح الكلام، وكأنه أراد بمنع الوُرودِ وُروداً محمولاً على حقيقة الحال لا على تأويل الاستقبال. وفيه دليل على جواز تَنِّي المستحيل إذا كان في فعل خير، لأنَّ وَرَقة تَمنّى أنْ يعود شابّاً، وهو مستحيل عادةً. ويَظْهر لي أنَّ التمَنّي ليس مقصوداً على بابه، بل المراد من هذا التنبيهُ على صِحَّة ما أخبره به، والتنويه بقوّة تصديقه فيما يجيءُ به. قوله: ((أوَتُرِجيَّ هم؟)) بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها جمع: مُرِج، فـ((هُم)) مُبتدأٌ مُؤخَّر، و(مُخرِجيَّ)) خبر مُقدَّم، قاله ابن مالك. واستَبَعَدَ النبيُّ ◌َلِ أنْ يُحْرِجوه، لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق التي تقدَّم من خديجة وصفُها. وقد استدلَّ ابن الدُّغُنَة بمثل تلك الأوصاف على أنَّ أبا بكر لا يُخْرَج(٢). (١) من قوله: ((انتهى كلامه)) إلى هنا سقط من (س). (٢) سيأتي ذلك عند البخاري برقم (٢٢٩٧). ٥٧ ح ٣ كتاب بدء الوحي قوله: ((إلَّا عُوديَ)) وفي رواية يونس في التفسير (٤٩٥٣): ((إِلَّا أُوذيَ))، فذكر وَرَقَةُ أنَّ العِلّة في ذلك مجيتُه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه عَلِمَ من الكتب أنهم لا يُجيبونَه إلى ذلك، وأنه يلزمه لذلك مُناواتُهم ومُنابذَتُهم، فتَنْشَأ العداوة من ثَمَّ. وفيه دليل على أنَّ المجيب يقيم الدليل على ما يُجيب به إذا اقتضاه المقام. قوله: ((إنْ يُدرِ کْني یومُّك»، «إن» شرطيّة والذي بعدها/ مجزوم. زاد في رواية يونسَ في ٢٧/١ التفسير: ((حَيّا))، ولا بن إسحاق(١): ((إنْ أدرَكْتُ ذلك اليومَ)) يعني يومَ الإخراج. قوله: ((مُؤَزَّراً) بهمزةٍ، أي: قَويّاً، مأخوذ من الأزر: وهو القوّة. وأنكر القَزّاز أنْ يكون في اللُّغة مُؤزَّر من الأزر. وقال أبو شامة: يحتمل أنْ يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نُصْرَته، قال الأخطل: قومٌ إذا حاربوا شَدُّوا مَآزِرَهم ... البيت قوله: (ثُمَّ لم يَنشَب)) بفتح الشِّين المعجمة، أي: لم يَلْبَث، وأصل النُّشوب: التعَلُّق، أي: لم يتعلَّق بشيءٍ من الأُمور حتَّى مات. وهذا بخلاف ما في ((السِّيرة)) لابن إسحاق(٢): أنَّ وَرَقة كان يَمُر ببلالٍ وهو يُعذَّب، وذلك يقتضي أنه تأخَّ إلى زمن الدَّعْوة، وإلى أنْ دخل بعض الناس في الإسلام. فإنْ تَسَّكْنا بالترجيح فما في ((الصحيح)) أصحُّ، وإِنْ لَحَظْنا الجمع أمكنَ أنْ يقال: الواو في قوله: ((وفَتَر الوحي)) ليست للترتيب، فلعلَّ الراويَ لم يَحِفَظ لوَرَقَةَ ذِكْراً بعد ذلك في أمر من الأُمور، فجعل هذه القِصَّة انتهاء أمره بالنّسبة إلى عِلْمه لا إلى ما هو الواقع. وفُتور الوحي عبارةٌ عن تأخّره مُدّة من الزّمان، وكان ذلك ليذهبَ ما كان ◌َّهِ وَجَدَه من الرَّوْع، وليَحصُل له التشَوُّقُ إلى العَوْد، فقد روى المؤلِّف في التعبير (٦٩٨٢) من طريق (١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٣٨/١. (٢) ((سيرة ابن إسحاق)) (٢٣٤) بتحقيق حميد الله، قال ابن إسحاق: حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمرُّ ببلال وهو يعذَّب على الإسلام ... إلخ، وهو مرسل. ٥٨ ح ٣ فتح الباري بشرح البخاري معمر ما يدل على ذلك. فائدة: وقع في ((تاريخ)) أحمد بن حنبل عن الشَّعْبي: أنَّ مُدّة فَتْرة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقيُّ: أنَّ مُدّة الرُّؤْيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النُّبوّة بالرُّؤْيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأوَّل بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وَحْي اليَقَظة وقع في رمضان. وليس المراد بفَتْرة الوحي المقدَّرة بثلاث سنين - وهي ما بين نزول ﴿اقْرَأْ﴾ و﴿يَأَتُهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ - عدمَ مجيء جِبْريل إليه، بل تأخّر نزول القرآن فقط. ثَّ راجعتُ المنقول عن الشَّعْبي من ((تاريخ)) الإمام أحمد، ولفظه من طريق داود بنِ أبي هِنْد، عن الشَّعْبي: أُنزِلَتْ عليه النُّة وهو ابن أربعين سنةً، فقُرِنَ بنُبّتِه إسرافیلُ ثلاث سنين، فكان يُعلِّمه الكلمةَ والشيءَ، ولم يُنَزَّلْ عليه القرآنُ على لسانه، فلمَّ مضتْ ثلاثُ سنين، قُرِنَ بنُبَّتِهِ جِبْرِيلُ، فنُزِّل عليه القرآنُ على لسانه عشرين سنة(١). وأخرجه ابن أبي خيثمةً من وجهٍ آخر مختصراً عن داود بلفظ: بُعِثَ لأربعین، ووُگِلَ به إسرافیلُ ثلاث سنين، ثمَّ ◌ُكُلَ به چِبْریل. فعلى هذا فيَحسُن بهذا المرسَل - إنْ ثبت - الجمعُ بين القولينِ في قَدْر إقامته بمكَّةَ بعد البِعْثة، فقد قيل: ثلاث عشرة، وقيل: عشرة، ولا يتعلَّق ذلك بقَدْرِ مُدّة الفَتْرة، والله أعلم. وقد حكى ابن التِّين هذه القصَّة، لكن وقع عنده ميكائيلُ بدل إسرافيل، وأنكر الواقديُّ هذه الرواية المرسلة وقال: لم يُقْرَن به من الملائكة إلَّا جِبْريل. انتهى، ولا يخفى ما فيه، فإنّ المُثبِت مُقدَّم على النافي إلَّا أن يكون صَحِبَ النافيَ دليلُ نفيه فيُقدَّم، والله أعلم. وأخذ السُّهَيلي هذه الروايةَ فجمع بها المختلف في مُكْثُه وَّه بمكّة، فإنَّه قال: جاءَ في بعض الروايات المسندة أنَّ مُدّة الفَتْرة سنتان ونصف، وفي رواية أُخرى: أنَّ مُدّة الرُّؤْيا ستة (١) أخرجه من طريق الإمام أحمدَ البيهقيُّ في ((الدلائل)) ٢/ ١٣٢، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ص٣١ - بتحقیقنا - عن محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، به. وأخرج ابن جرير الطبري هذا المرسل عن الشعبي في ((تاريخه)) ٢/ ٣٨٦، ثم نقل عن الواقدي أنه قال: ذكرتُ ذلك لمحمد بن صالح بن دينار فقال: والله يا ابن أخي لقد سمعت عبدَ الله بن أبي بكر بن حَزْم وعاصمَ بن عمر بن قتادة يتحدّثان في المسجد ورجل عراقيّ يقول لهما هذا، فأنكراه جميعاً وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلّا أن جبريل هو الذي قُرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نَبِّئ إلى أن تولِّ وَّ. ٥٩ ح ٤ كتاب بدء الوحي أشهُر، فمَن قال: مَكَثَ عشر سنين، حَذَفَ مُدّة الرُّؤْيا والفَتْرة، ومَن قال: ثلاث عشرة، أضافَهما. وهذا الذي اعتَمَدَه السُّهَيلي من الاحتجاج بمُرسَلِ الشَّعْبي لا يَثبُت، وقد عارَضَه ما جاءَ عن ابن عبّاس أنَّ مُدّة الفَتْرة المذكورة كانت أياماً، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب التعبير (٦٩٨٢) إن شاء الله تعالى. ٤- قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ قال، وهو يُحدِّثُ عن فَتْرةِ الوَحْي، فقال في حديثه: («بَيْنا أنا أَمْشِي إِذْ سمعتُ صَوْتاً مِن السَّماء فَرَفَعْتُ بَصَري، فإذا الملَكُ الذي جاءَّني بحِراءٍ جالسٌ على كُرْسِيٍّ بينَ السَّماءِ والأرض، فُعِبْتُ منه، فَرَجَعْتُ فقلتُ: زَمِّلُوني)) فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّتِرُ ) قُرْ فَأَنَذِرُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر: ١-٥]، فحَمِيَ الوحيُ وتَتابعَ. تابعَه عبدُ الله بنُ يوسفَ وأبو صالح، وتابعَه هِلالُ بنُ رَدّادٍ عن الزُّهْريّ. وقال يونسُ ومَعمَرٌ: ((بوادرُه)). [أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤] قوله: ((قال ابن شهاب: أخبرني أبو سَلَمَةَ)) إنَّما أَتى بحرف العَطْف ليُعلَم أنه معطوف على ٢٨/١ ما سبق، كأنه قال: أخبرني عُرْوة بكذا، وأخبرني أبو سَلَمةَ بكذا. وأبو سَلَمةَ: هو ابن عبد الرحمن بن عَوْف، وأخطَاً مَن زَعَمَ أنَّ هذا مُعلَّق وإنْ كانت صورتُه صورةَ التعليق، ولو لم يكن في ذلك إلَّا ثبوتُ الواو العاطفة فإنَّهَا دالّة على تقدُّم شيء عَطَفته، وقد تقدَّم قوله: عن ابن شِهاب عن عُرْوة، فساق الحديث إلى آخره، ثمّ قال: قال ابن شِهاب ـ أي: بالسَّنَدِ المذكور - وأخبرني أبو سَلَمةَ بخيرٍ آخر وهو كذا، ودلَّ قوله: ((عن فَتْرة الوحي)) وقوله: ((الملَكُ الذي جاءَفي بحِراء)) على تأخّر نزول سورة ((المُدَّثِّر)) عن ((اقرَأ)»، ولمَّا خَلَتْ رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في التفسير (٤٩٢٢) عن أبي سَلَمَةَ عن جابر، عن هاتين الجملتينِ أشكَلَ الأمر، فجزم مَن جزم بأنَّ ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ أوَّل ما نزل، ورواية الزُّهْري هذه الصحيحة ترفع هذا الإشكال، وسأبسُطُ القول في ذلك في تفسير سورة (اقرأ)) (٤٩٥٤). ٦٠ ح ٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فُرُعِبْتُ منه)) بضم الراء وكسر العين، وللأَصِيليِّ بفتح الراء وضم العين، أي: فَزِعْت، دلَّ على بقيَّةٍ بَقِيَتْ معه من الفَزَعِ الأوَّل ثمَّ زالَتْ بالتدريج. قوله: ((فقلت: زَمِّلوني زَمِّلوني)» وفي رواية الأَصِيلي وكَرِيمة: ((زَمِّلوني)» مَرّة واحدة، وفي رواية يونس في التفسير: («فقلت: دَثِّروني(١). فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُرْ فَذِرْ﴾)) أي: حَذِّرْ من العذاب مَن لم يؤمن بك، ﴿ وَرَبَّكَ فَّكَّيِّرْ﴾ أي: عَظُّم، ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾ أي: من النجاسة، وقيل: الثّياب: النفس، وتطهيرُها اجتناب النَّقائص، والرُّجْز هنا: الأوثان كما سيأتي من تفسير الراوي عند المؤلّف في التفسير (٤٩٢٦)، والرُّجْز في اللُّغة: العذاب، وسَمَّى الأوثان هنا رُجْزاً، لأنها سببُه. قوله: ((فحَمِيَ الوحيُّ) أي: جاءَ كثيراً، وفيه مطابقة لتعبيرِه عن تأخّره بالفُتور، إذْ لم يَنْتَهِ إلى انقطاع كُلِّيٍّ فيُوصَفَ بالضُّدِّ وهو البرد. قوله: ((وتَتابعَ)) تأكيد معنوي، ويحتمل أنْ يُراد بحَمي: قَوي، وتتابع: تكاثر، وقد وقع في رواية الكُشْمِيهَني وأبي الوَقْت: ((وتواتر))، والتواتُر: مجيء الشيء يتلو بعضُه بعضاً من غير تخلُّل. تنبيه: أَخرج المصنِّ في ((التاريخ)) حديثَ الباب عن عائشة ثمَّ عن جابر بالإسناد المذكور هنا، فزاد فيه بعد قوله: ((تَتَابِعَ)): قال عُرْوة - يعني بالسَّنَد المذكور إليه -: وماتت خديجةُ قبل أنْ تُفرَضَ الصلاةُ، فقال النبي ◌َِّ: ((رأيتُ لخديجةَ بيتاً من قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ)) قال البخاريُّ: يعني قَصَبَ اللُّؤْلُؤ. قلت: وسيأتي مزيدٌ لهذا في مناقب خديجة (٣٨١٩) إن شاء الله تعالى. قوله: (تابعه)) الضمیر یعود علی یحیی بن بُگیر، ومتابعة عبد الله بن یوسف عن اللیث هذه عند المؤلِّف (٣٣٩٢) في قِصَّة موسى. وفيه من اللَّطائف قوله عن الزُّهْري: سمعت عُرْوة. (١) رواية يونس ستأتي في التفسير برقم (٤٩٥٤) وفيها: ((زمِّلوني))، وأما قوله: ((دتِّروني)) فهو في رواية يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة وستأتي برقم (٤٩٢٢) و(٤٩٢٤).