Indexed OCR Text
Pages 1-20
البَّعريّ فَتُِّ بشرح صِيُّح البُخَارِيّ تأليفٌ الِقَّاِالْحَافِظِ شكَّابِ الِّينِ أُحَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ حَرِ السَّقَلَافِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ ھـ أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَجَعه شُغَيْت الأهتُوُوَطَ عَادكٌ مُّشْد شارك في تخريج نصوص حقّق هذا الجزءوضّصَهُ وعَلى عَلَيْ شرعية التحية عكادل مد الجرّةُ الأوك الرسالة العالمية 3 一 فَبَُّ النََّرِي بشرح صحيح البخاريّ ١ دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. M-Bestich M-A Tamich man. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحي 2625 (963)11-2212773 (963)11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalabonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112- 319039- 818615 P.O. BOX:117460 نِ ـة جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة لِلِنَاشِرْ الطّبْعَة الأولىُ ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م ٥ مقدمة الشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٥/١ ربِّ يَسِّرْ وأَعِنْ یا كَرِیم الحمدُ لله الذي شرح صدورَ أهل الإسلام بالهدى، ونَكَتَ في قلوب أهل الطُّغيان فلا تَعِي الحِكْمةَ أبداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً أحداً، فرداً صَمَداً، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه، ما أكرمَه عبداً وسيِّداً، وأعظمَه أصلاً وتَخَتِداً، وأطهرَه مَضجِعاً ومولداً، وأبهرَه صدراً ومَورِداً، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه غُيُوثٍ النَّدى، ولُيوث العِدا، صلاةً وسلاماً دائمَينٍ من اليوم إلى أن يُبعَث الناسُ غداً. أما بعد، فقد آنَ الشروعُ فيما قصدتُ له من شرح ((الجامع الصحيح))، على ما وعدت به في أول المقدّمة(١)، وکنت عَزَمْتُ علی أن أسوق حدیثَ الباب بلفظه قبل شرحه، ثم رأيت ذلك مما يطول به الكتابُ جدّاً(٢)، فسلكتُ الآن فيه طريقاً وُسطى أرجو نفعَها، كافلة بما اطّلعتُ عليه من ذلك، إذ لا يكلِّف الله نفساً إلا وُسْعَها، وربما أعدتُ شيئاً مما تقدم في المقدمة لمعنّى يقتضيه، إمَّا لُبُعد العهد به، أو لغير ذلك، ولكنَّ اعتمادي غالباً على الحَوالة عليها، وسمَّيته: ((فتح الباري، بشرح البخاري)). وقد رأيتُ أن أبدأ الشرحَ بأسانيدي إلى الأصل بالسماع أو بالإجازة، وأن أسوقها على نَمَطٍ مُخُترَع، فإني سمعت بعض الفضلاءِ يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببتُ أن أسوق هذه الأسانيد مساق الأنساب، فأقولُ وبالله التوفيق: أَّصَلَتْ لنا روايةُ البخاري عنه من طريق أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مَطَر بن صالح ابن بِشْرِ الفِرَبْري، وكانت وفاته في سنة عشرين وثلاث مئة، وكان سماعه لـ((الصحيح)) (١) يعني «هُدَى الساري بفتح الباري)). (٢) وقد جرت العادة في طبعات ((الفتح)) المختلفة إثبات متن ((صحيح البخاري)) كاملاً، وعليه جرينا في طبعتنا هذه. ٦ فتح الباري بشرح البخاري مرتين: مرة بفربرَ سنة ثمان وأربعين، ومرةً ببُخارَى سنة اثنتين وخمسين ومئتين. ومن طريق إبراهيم بن مَعقِل بن الحجّاجِ النَّسَفي، وكان من الحُفَّاظ وله تصانيف، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين ومئتين، وكان فاته من ((الجامع)) أوراقٌ رواها بالإجازة عن البخاري، نَّه على ذلك أبو علي الجَيَّاني في (تقييد المُهمَل)) (٦٢/١). ومن طريق حمَّد بن شاكر النَّسَفي(١)، وأظنه مات في حدود التسعين، وله فيه فَوْت أيضاً. ومن رواية أبي طلحة منصور بن محمد بن علي بن قَرِينة - بقاف ونون بوزن يسيرة - البَزْدَوي - بفتح الموحّدة وسكون الزاي - وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وهو آخر من حدَّث عن البخاري بـ«صحیحه)) كما جزم به ابن ماكولا وغیرُه، وقد عاش بعده مَّن سمع من البخاريِّ القاضي الحسينُ بن إسماعيل المَحَاملي ببغداد، ولكن لم يكن عنده ((الجامع الصحيح))، وإنما سمع منه مجالسَ أملاها ببغداد في آخر قَدْمةٍ قَدِمَها البخاري، وقد غَلِطَ من روى ((الصحيح)) من طريق المَحَاملي المذكور غلطاً فاحشاً. فأما رواية الفِرَبْري، فاتصلت إلينا عنه من طريق الحافظ أبي عليٍّ سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكن، والحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُستَمْلي، وأبي نصر أحمد بن محمد بن أحمد الأخسِيكَتي، والفقيه أبي زيد محمد بن أحمد المَرْوَزي، وأبي علي محمد بن عمر بن شَبّويه، وأبي أحمد محمد بن محمد الجُرْجاني، وأبي محمد عبد الله بن أحمد السَّرَخْسي، وأبي الهيثم محمد بن مَكيٍّ الكُشْمِيهَني، وأبي علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن ٦/١ حاجبٍ الكُشَاني، وهو آخر من حدَّث/ بـ((الصحيح)) عن الفِرَبْري. فأما رواية ابن السَّكن، فرواها عنه عبد الله بن محمد بن أسد الجُّهَني. وأمَّا رواية المُستَمْلي فرواها عنه الحافظ أبو ذرِّ عبد الله بن أحمد الهَرَوي وعبد الرحمن ابن عبد الله الهَمْداني. (١) تحرف في (س) إلى: النسوي، وانظر ترجمته في ((السير)) للذهبي ١٥/ ٥. ٧ مقدمة الشارح وأما رواية الأَخسيكثي، فرواها عنه إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصَّفَّار الزاهد. وأما رواية أبي زيد، فرواها عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والحافظ أبو محمد عبد الله ابن إبراهيم الأَصيلي، والإمام أبو الحسن علي بن محمد القابسي. وأما رواية أبي علي الشَّبُّوِي، فرواها عنه سعيدُ بن أحمد بن محمد الصَّيْرِفي(١) العَيَّار، وعبد الرحمن بن عبد الله الهَمْداني أيضاً. وأمَّا رواية أبي أحمد الجُرْجَاني، فرواها عنه أبونعيم والقابِسي أيضاً. وأمَّا رواية السَّرَخْسي، فرواها عنه أبوذرِّ أيضاً، وأبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفَّر الداوودي. وأما رواية الكُشمِيهني، فرواها عنه أبو ذرِّ أيضاً، وأبو سهل محمد بن أحمد الحَفْصي، وكَرِيمةُ بنت أحمد المَرْوَزية. وأما رواية الكُشَاني، فرواها عنه أبو العباس جعفر بن محمد المُستَغفِري. فصل فأما رواية الجُهَني عن ابن السَّكن، فأخبرنا بها أبو علي محمد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز مشافهةً، عن يحيى بن محمد بن سعد وآخرين، عن جعفر بن علي الهمداني، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدِّيباجي، عن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي الباهلي (٢)، قال: حدثنا الحافظ أبو علي الحسينُ بن محمد الجَيَّاني في كتاب ((تقييد المُهمَل)) له قال: أخبرني بـ((صحيح البخاري)) القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى بن الخَذَّاء بقراءتي عليه، وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرِّ الحافظ إجازة، قالا: حدثنا أبو محمد الجُهني، (١) كذا وقع عند الحافظ، وفي سائر مصادر ترجمته: الصوفي! وانظر ترجمته في ((السير)» للذهبي ٨٦/١٨. (٢) هكذا هو في الأصول الخطية، ولعبد الله بن محمد هذا ترجمة في ((المعجم)) (١٩٢) للآبار، وذكر فيه أنه هو وأبوه سمعا من أبي علي الجياني وأخذا عنه كتاب ((تقييد المهمل)) وحدَّثا به. وقد أخطأ الشيخ نظر الفاريابي في طبعته من ((الفتح)) ١٣/١ فأسقط كلمة ((بن)) التي بين عبد الله ومحمد وزاد قبل الأول كلمة ((أبي)) بين معقوفين فصار: عن أبي عبد الله محمد بن محمد، فجعل الراوي هنا هو الأب، والصواب أنه الابن، والله الموفِّق. ٨ فتح الباري بشرح البخاري و کان ثقةً ضابطاً، بسنده. وأما رواية أبي ذرِّ عن شيوخه الثلاثة، فقرئ على أبي محمدٍ عبد الله بن محمد بن محمد ابن سليمان المكي بها وأنا أسمع، وأجاز لي ما فاتني منه، قال: أنبأنا إمام المَقَام أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الطبري، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حَرَميِّ المكّي سماعاً عليه بجميعه سوى من قوله: ((باب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]))، إلى قوله: ((باب مَبعَث النبي ◌ِّ)) فإجازةً، أنبأنا أبو الحسن علي بن محُميد بن عمار الطَّرابُلُسي، أنبأنا أبو مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذرِّ عبد الله بن أحمد الهروي، أنبأنا أَبي. وأما رواية عبد الرحمن الهمداني عن شيخه، فأخبرنا بها أبو حيان محمد بن حيَّان ابن العلامة أبي حيَّان، إذناً مشافهةً عن جدِّه أبي حيَّان، عن أبي علي بن أبي الأحوص، عن أبي القاسم بن بَقِيٍّ، عن شُرَيح بن علي بن أحمد بن سعيد، عن عبد الرحمن. وأما رواية إسماعيل، فبهذا السند إلى أبي حيَّان، أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يوسف الطَّنْجالي(١)، ويوسف بن إبراهيم بن أبي رَتجانة المالِقي، إجازةً منهما، كلاهما عن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري ابن اليتيم، أنبأنا القاضي أبو سليمان داود من الحُسين الخالدي، عنه. وأما رواية أبي نُعيم عن شيخه، فأخبرنا بها عليٌّ بن محمد بن محمد الدمشقي مشافهةً عن سلمان بن حمزة بن أبي عمر، عن محمد بن عبد الهادي المقدسي، عن الحافظ أبي موسى محمد ابن أبي بكر المَدِيني، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحدَّاد، أنبأنا أبو نعيم. وأما رواية الأَصِيلي والقابِسي، فبالإسناد الماضي إلى أبي علي الجَيَّاني، أنبأنا أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن مَوْهَب وغيره عن الأصيلي، وحاتمُ بن محمد الطرابلسي عن القابسي. وبالإسناد الماضي إلى جعفر بن علي كتب إلى الحافظ أبي القاسم خلف بن (١) تحرف في (س) إلى: ((الطحالي))، وله ترجمة في ((الدرر الكامنة)) ٢٥١/١، وسماه فيها: أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف. ٩ مقدمة الشارح بَشْكُوال، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن غياث، عن حاتم. وأما رواية سعيدِ العَيَّر، فأخبرنا بها محمد بن علي بن محمد الدمشقي مشافهةً، عن محمد بن يوسف بن المهتار، عن العلامة تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشهرَزُوري، أنبأنا منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الرازي، أنبأنا محمد بن إسماعيل الفارسي سماعاً وجَدُّ أبي محمدُ بن الفضل مشافهةً، أنبأنا سعيدٌ. وأما رواية الداوودي، فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد، أخبرنا بها المشايخُ أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن عبد الوهاب الحَمَويُّ(١)، وأبو علي محمد بن محمد بن علي الجيزي، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي بن عبد الوهاب بن عبد المؤمن البَعْلي (٢)، وأبو الحسن علي بن/ محمد بن محمد الجَزَري، قال الأوّلان: أخبرنا أبو العباس ٧/١ أحمد بن أبي طالب بن أبي النِّعم ◌ِنِعْمة بن الحسن بن علي بن بَيَانِ الصالحي، وستُّ الوزراء وَزِيرة بنت محمد بن عمر بن أسعد بن المُنجَّا التَّنُوخية. وقال أبو إسحاق: أنبأنا أحمد بن أبي طالب بن نِعْمة، وقال عليٌّ: قُرِئ على ستِّ الوزراء وأنا أسمع، وكتب إليَّ سليمانُ بن حمزة بن أبي عمر وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، قال الخمسة: أنبأنا أبو عبد الله الحسينُ بن المبارك ابن محمد بن يحيى الَّبيدي سماعاً، وقالوا - سوى المرأة -: كتب إلينا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القَطيعي، وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن رُوزْبةَ القَلَانسي، زاد سليمان: ومحمدُ بن زهير شَعْرانةُ، وثابت بن محمد الحُجَنْدي، ومحمد بن عبد الواحد المديني، قالوا: أنبأنا أبو الوقت عبد الأوَّل بن عيسى بن شعيب الهروي، عنه. وأما رواية الحَفْصِي، فبالإسناد الماضي إلى منصورٍ، أنبأنا أبو بكر وَجِيه بن طاهر، (١) هكذا وقع اسمه هنا، وفي ((المجمع المؤسس)) (٩٣١) و((الدرر الكامنة)) ٣٥٧/٢، كلاهما للحافظ ابن حجر: عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم. (٢) هكذا وقع اسمه هنا، وسماه في ((الدرر الكامنة)) ١/ ١١: إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن، وأسقط في ((إنباء الغمر)) ٣٩٨/٣ من نسبه عبد الواحد! ١٠ فتح الباري بشرح البخاري وعبد الوهاب بن شاه الشاذْيَاخيُّ سماعاً، وجدُّ أبي محمدُ بنُ الفضل الصاعدي إجازةً، قالوا: أنبأنا الحَفْصِي. وأما رواية كَرِيمة، فأخبرنا بها الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي سماعاً عليه لبعضه وإجازة لسائره، أنبأنا أبو علي عبد الرحيم بن عبد الله الأنصاري، أنبأنا الُعِين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزّون، وعثمان بن عبد الرحمن بن رَشِيق، سماعاً عليهم سوى من ((باب المسافر إذا جدَّ به السير)) في أواخر كتاب الحج، إلى آخر كتاب الحج، ومن ((باب ما يجوز من الشروط في المكاتب)) إلى ((باب الشروط في الكتابة))، ومن ((باب غزو المرأة في البحر)) من كتاب الجهاد إلى («باب دعاء النبيِ وٍَّ إلى الإسلام)) منه، فإجازةً منهم ومن الحافظ رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي العطَّار لجميعه، قالوا: أخبرنا أبو القاسم هبةُ الله بن علي بن مسعود البُوصِيري، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن بركات النَّحْوي السَّعِيديُّ(١) عنها. وأما رواية المُستَغفري، فبالإسناد الماضي إلى أبي موسى، أنبأنا أبي، أنبأنا الحسن بن أحمد، عنه. فصل وأما رواية إبراهيم بن مَعقِل، فبالإسناد إلى أبي علي الجَيَّاني، أنبأنا الحكم بن محمد، أنبأنا أبو الفضل بن أبي عمران(٢) الهَرَوي سماعاً لبعضه وإجازةً لباقيه، أنبأنا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البخاري، عنه. وأما رواية حماد بن شاكر، فأخبرنا بها أحمد بن أبي بكر بن عبد الحميد في كتابه، عن أبي (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: السعدي، والتصويب من (ع) و((المعجم المفهرس)) ص٢٦، و((سير أعلام النبلاء)» ٤٥٥/١٩. (٢) في (س): أبو الفضل عيسى بن أبي عمران، بزيادة ((عيسى))، وهو خطأ، فإن أبا الفضل هذا اسمه أحمد ابن أبي عمران وهكذا جاء مسمّى في ((تقييد المهمل)) ١٦/١ للجيّاني، وله ترجمة في «سير أعلام النبلاء)» ١١١/١٧. ١١ مقدمة الشارح الربيع بن أبي طاهر بن قُدَامة، عن الحسن ابن السيد العلوي، عن أبي الفضل بن ناصر الحافظ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف، عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ؛ عن أحمد بن محمد بن رُمَيح النَّسوي، عنه. وأما رواية أبي طَلْحة البَزْدَوي، فبالسند إلى المُستَغفري، أنبأنا أحمد بن عبد العزيز، عنه. وقد انتهى الغرضُ الذي أردتُه، من التوصيل الذي أوردتُه، فليقع الشروعُ في الشرح والاقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي رواية أبي ذرِّ عن مشايخه الثلاثة، لضبطِه لها وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه ما يخالفها، وبالله تعالى التوفيق، وهو المسؤول أن يعينني على السير في أقوم طريق. ١٣ كتاب بدء الوحي [ [كتاب بَدْء الوحي قال الشَّيخُ الإِمامُ الحافظُ أبو عبد الله محمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المغيرة البخاريُّ، ٨/١ رحمه الله تعالى آمين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كيف كان بَدْءُ الوحي إلى رسولِ الله ◌ِليه وقولُ الله جَلَّ ذِكرُه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. قال البخاري - رحمه الله تعالى ورضي الله عنه -: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كيف كان بَدْءُ الوحي إلى رسول الله وَ ﴿)) هكذا في رواية أبي ذرِّ والأَصِيلي بغير («باب))، وثبت في رواية غيرهما، فحكى عِيَاض ومَن تَبِعَه فيه التنوينَ وتركه، وقال الکِرْمانيُّ: يجوز فيه الإسكان علی سبیل التعداد للأبواب، فلا یکون له إعرابٌ. وقد اعتُّرِضَ على المصنّف لكَوْنه لم يفتتح الكتاب بخُطْبةٍ تُنْبئ عن مقصوده مُفْتَتَحة بالحَمْد والشهادة امتثالاً لقوله ◌َّ: «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأ فيه بحَمْدِ الله، فهو أقطَعُ» وقوله: «کل خُطبة ليس فيها شهادة، فهي کالیدِ الجذماء»، أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة(١). والجواب عن الأوَّل: أنَّ الْخُطْبة لا يَتَحتَّم فيها سياقٌ واحد يَمتَنع العُدولُ عنه، بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود، وقد صَدَّرَ الكتاب بترجمة بدء الوحي وبالحديث الدَّالُّ على مقصوده المشتمِل على أنَّ العمل دائر مع النيّة فكأنه يقول: قصدتُ (١) أخرج أبو داود الأول برقم (٤٨٤٠) بنحو هذا اللفظ، وإسناده ضعيف، وأخرج الثاني برقم (٤٨٤١)، وإسناده قوي. وانظر ((مسند أحمد)) (٨٠١٨) و(٨٧١٢)-طبع مؤسسة الرسالة. ١٤ فتح الباري بشرح البخاري جمع وَحْي السُّنّة المتَلَقَّى عن خير البَرِيَّة على وجه سيَظْهرُ حُسْنُ عملي فيه من قَصْدي، وإِنَّا لكلِّ امرِئ ما نَوَى، فاكتفى بالتلويحِ عن التصريح. وقد سَلك هذه الطريقة في مُعظَم تراجم هذا الكتاب على ما سيَظْهرُ بالاستقراء. والجواب عن الثاني: أنَّ الحديثين ليسا على شرطه، بل في كُلِّ منهما مَقَال. سَلَّمْنا صلاحيتَهما للحُجّة، لكن ليس فيهما أنَّ ذلك يتعيَّن بالنُّطْقِ والكتابة معاً، فلعلَّه حَمِدَ وتشهَّدَ نُطْقاً عند وضع الكتاب ولم يكتب ذلك اقتصاراً على البسملة، لأنَّ القَدْر الذي يجمع الأُمور الثلاثة ذِكرُ الله وقد حصل بها، ويؤيِّده أنَّ أوَّل شيء نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فطريق التأسِّي به الافتتاحُ بالبسملة والاقتصارُ عليها، لا سيّما وحكاية ذلك من جملة ما تضمَّنه هذا الباب الأوَّل، بل هو المقصود بالذّات من أحاديثه. ويؤيِّده أيضاً وقوعُ كُتُب رسول الله وَلّه إلى الملوك وكُتبِه في القضايا مُفتَتَحةً بالتسمية دون حمدلة وغيرها، كما سيأتي في حديث أبي سفيان في قِصَّة هِرَقل في هذا الباب (٧)، وكما سيأتي في حديث البراءِ في قِصَّة سُهَيل بن عَمْرو في صُلْح الحُدَيْبية (٢٦٩٩)، وغير ذلك من الأحاديث. وهذا يُشعِر بأنَّ لفظ الحَمْد والشهادة إنَّما يُحتاج إليه في الخُطَب دون الرسائل والوثائق، فكأنَّ المصنّ لمَّ لم يفتتح كتابه بخُطْبة أجراه مَجَرَى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلُّماً وتعليماً. وقد أجاب مَن شرحَ هذا الكتاب بأجوبة أُخَرَ فيها نظرٌ، منها: أنه تعارض عنده الابتداءُ بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأَ بالحمدلة لخالف العادة، أو بالتسمية لم يَعُدْ مُبتدِئاً بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية. وتُعُقِّبَ بأنه لو جَمَع بينهما لكان مُبتدِئاً بالحمدلة بالنِّسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النُّكْتة في حذف العاطف فيكون أَولى لموافقتِهِ الكتاب العزيز، فإنَّ الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية والحمدلةُ تِلْوها(١)، وتَبِعَهم جميعُ مَن كتب المُصحَف بعدهم في جميع الأمصار، مَن يقول بأنَّ البسملة آية (١) في (س): وتلوها، بزيادة واو، وهو خطأ. ١٥ كتاب بدء الوحي من أوَّل الفاتحة، ومن لا يقول ذلك. ومنها: أنه راعى قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّ مُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فلم يُقدِّم على كلام الله ورسوله شيئاً، واكتفى بها عن كلام نَفْسه. وتُعُقِّبَ بأنه كان يُمكِنِه أنْ يأتيَ بلفظ الحَمْد من كلام الله تعالى، وأيضاً فقد قَدَّمَ الترجمةَ - وهي من كلامه - على الآية، وكذا ساق السَّنَد قبل لفظ الحديث. والجواب عن ذلك بأنَّ الترجمة والسَّنَد وإنْ كانا مُتقدِّمَينِ لفظاً لكنَّهما مُتأِران تقديراً، فيه نظرٌ. وأبعدُ من ذلك كلِّه قولُ مَن ادَّعَى أنه ابتدأَ بخُطْبة فيها حَمْد وشهادة، فحَذَفها بعضُ ٩/١ مَن حمل عنه الكتاب. وكأنَّ قائل هذا ما رأَى تصانيف الأئمّة من شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه وأهل عصره كمالك في ((الموطَّ))، وعبد الرزاق في ((المصنَّف))، وأحمد في ((المسند))، وأبي داود في ((السُّنَن))، إلى ما لا يُحصَى مَّن لم يُقدِّم في ابتداء تصنيفه خُطْبة، ولم يَزِدْ على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم مَن افتتح كتابه بخُطْبة، أفيقال في كُلِّ من هؤلاء: إنَّ الرُّواة عنه حَذَفوا ذلك؟ كلَّ، بل يُحمَل ذلك من صنيعهم على أنهم ◌َدوا لفظاً. ويؤيِّده ما رواه الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٢٧١) عن أحمد: أنه كان يتلفّظ بالصلاة على النبيِّ وَلّ إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسرائعٌ أو غيره. أو يُجمَل على أنهم رَأَوْا ذلك مُختصّاً بالخُطَبِ دون الكتب كما تقدَّم، ولهذا مَن افتتح كتابه منهم بخُطْبةٍ حَدَ وتشهَّدَ كما صنع مسلمٌ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقد استَقرَّ عملُ الأئمّة المصنِّفين على افتتاح كُتُب العلم بالبسملة، وكذا مُعظَم كُتب الرسائل، واختلفَ القدماءُ فيما إذا كان الكتاب كلُّه شِعْراً فجاءَ عن الشَّعْبي منعُ ذلك، وعن الزُّهْري قال: مضت السُّنّة أنْ لا يُكتَب في الشِّعْر: بسم الله الرحمن الرحيم. وعن سعيد بن جُبَير جوازُ ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار. قوله: ((بَدْء الوحي)) قال عِيَاض: رُوِيَ بالهمز مع سكون الدَّال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدَّال وتشديد الواو من الظَّهور. قلت: ولم أرَه مضبوطاً في شيء من الروايات ١٦ فتح الباري بشرح البخاري التي اتَّصلَتْ لنا، إلَّا أنه وقع في بعضها: ((كيف كان ابتداءُ الوحي))، فهذا يُرجِّح الأوَّل، وهو الذي سَمِعْناه من أفواه المشايخ. وقد استعمل المصنِّف هذه العبارة كثيراً، كبدءٍ الحيض، وبدء الأذان، وبدء الخَلْق. والوحي لغةً: الإعلام في خَفَاء، والوحي أيضاً: الكتابة، والمكتوب، والبَعْث، والإلهام، والأمر، والإيماء، والإشارة، والتصويت شيئاً بعد شيء. وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دلَلْتَ به من کلام أو کتابة أو رسالة أو إشارة، فهو وحيٍّ. وشرعاً: الإعلام بالشرع. وقد يُطلَق الوحي ويُراد به اسمُ المفعول منه، أي: المُوحَى، وهو كلام الله المنَّل على النبيِّ وَّهِ. وقد اعتَرَضَ محمد بن إسماعيل التَّيْميُّ على هذه الترجمة فقال: لو قال: كيف كان الوحي، لكان أحسن، لأنه تَعرَّضَ فيه لبيان كيفيَّة الوحي، لا لبيان كيفيَّة بدء الوحي فقط. وتُعُقِّبَ بأنَّ المراد من بدء الوحي حالُه مع كل ما يتعلَّق بشأنه أيَّ تَعلَّق كان، والله أعلم. قوله: ((وقولُ الله)) هو بالرفع على حذف الباب عَطْفاً على الجملة لأنها في محلٌّ رفع، وكذا على تنوين ((باب)). وبالجرِّ عَطْفاً على ((كيف)) وإثبات ((باب)) بغير تنوين، والتقدير: بابُ معنى قول الله كذا، أو الاحتجاجٍ بقول الله كذا، ولا يصحُّ تقدير: كيفيَّة قول الله، لأنَّ كلام الله لا يُكَيَّف، قاله عِيَاض، ويجوز رفع ((وقول الله)) على القَطْع وغيره. وقوله: (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآيةَ)) قيل: قَدَّمَ ذِكْر نوح فيها لأنه أوَّل نبيِّ أُرسِل، أو أوَّل نبي عُوقِبَ قومه، فلا يَرِدُ كونُ آدَمَ أوَّلَ الأنبياء مُطلَقاً، كما سيأتي بسطُ القول في ذلك في الكلام على حديث الشفاعة (٣٣٤٠). ومناسبة الآية للترجمة واضح من جهة أنَّ صفة الوحي إلى نبيِنا وَ لّ توافق صفةً الوحي إلى مَن تقدَّمه من النبيِّين، ومن جهة أنَّ أوَّل أحوال النبيِّين في الوحي بالرُّؤْيا، كما رواه أبو نُعيم في ((الدلائل)) بإسنادٍ حسن عن عَلْقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إنَّ أوَّل ما يُؤْتَى به الأنبياءُ في المنام حتَّى تَهْدأَ قلوبُهم، ثمَّ يَنزِلُ الوحيُّ بعدُ في اليَقَظة. ١٧ ح ١ كتاب بدء الوحي ١- حدَّثنا الحُمَيدِيُّ عبدُ الله بنُ الزُّبير، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثْنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، قال: أخبرني محمّدُ بنُ إبراهيمَ النَّيْمِيُّ، أَنَّ سَمِعَ عَلْقمة بنَ وَقَّاصِ الليثيَّ يقولُ: سمعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﴾ على المِنْبر، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا يُصِيبُها، أو إلى امرأةٍ يَنكِحُها، فهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إلیه)). [أطرافه في: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣] قوله: ((حدَّثنا الحُمَيدي)) هو أبو بكر عبد الله بن الزُّبَير بن عيسى، منسوب إلى حُميد بن ١٠/١ أُسامة بَطْنٍ من بني أَسَد بن عبد العُزَّى بن قُصَيِّ رَهْط خديجة زوج النبيِِّ، يجتمعُ معها في أَسَد، ويجتمعُ مع النبيِّ وََّ في قُصَي. وهو إمام كبير مصنِّف، رافق الشافعيَّ في الطََّب عن ابن عُيَينةَ وطبقته، وأخذ عنه الفقه ورَحَلَ معه إلى مِصْر، ورجع بعد وفاته إلى مگَّة إلى أنْ مات بها سنة تسعَ عشرةَ ومئتين. فكأنَّ البخاري امتَثَلَ قوله ◌َّ: ((قَدِّموا قُرَيشاً)) (١) فافتتح كتابه بالرواية عن الحُميدي لكَوْنه أفقَهَ قُرَشي أخذ عنه. وله مناسبة أُخرى، لأنه مَكِّيٌّ كشيخه، فناسب أنْ يُذكَر في أوَّل ترجمة بدء الوحي لأنَّ ابتداءَه كان بمَّة، ومن ثَمَّ ثنَّى بالرواية عن مالك لأنه شيخ أهل المدينة وهي تاليةٌ لمگَّة في نزول الوحي وفي جميع الفضل، ومالك وابن عُيَينةَ قَرِينان، قال الشافعيُّ: لولاهما لذهب العلمُ من الحجاز. قوله: ((حَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينةً بن أبي عِمْران الهلالي أبو محمد المگِّي، أصله ومولده الكوفة، وقد شارَكَ مالكاً في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين. قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) في رواية غير أبي ذرٍّ: حدَّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري. اسم (١) روي عن غير واحد بأسانيد ضعيفة، وأصلحُ شيء في الباب مرسل الزهري عند الشافعي في ((الأم)) ١٨٨/١، ورجاله ثقات. وسيأتي تخريج الحديث للحافظ عند شرح الحديث (٧١٤٠). ١٨ ح ١ فتح الباري بشرح البخاري جدّه قيس بن عَمْرو وهو صحابيٌّ، ويحيى من صغار التابعين، وشيخه محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التَّيْميُّ من أوساط التابعين، وشيخ محمد عَلْقمة بنُ وَقَّاص الليثي من كِبَارهم، ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَق. وفي ((المعرفة)) لابن مَندَهْ ما ظاهره أنَّ عَلْقمة صحابيٌّ، فلو ثبت لكان فيه تابعيَّان وصحابيَّان، وعلى رواية أبي ذرٍّ يكون قد اجتمع في هذا الإسناد أكثر الصِّيَغ التي يستعملها المحدِّثون، وهي التحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، والله أعلم. وقد اعتُّرِضَ على المصنّف في إدخاله حديثَ الأعمال هذا في ترجمة بدء الوحي وأنه لا تَعلُّقَ له به أصلاً، بحيثُ إنَّ الخطَّبيَّ في شرحه والإسماعيليَّ في ((مُستخرَجه)) أخرجاه قبل الترجمة، لاعتقادهما أنه إنَّما أورده للتَّبُّكِ به فقط، واستصوبَ أبو القاسم بن مَندَهْ صنيعَ الإسماعيلي في ذلك، وقال ابن رُشَيد: لم يَقصِد البخاري بإيراده سوى بيان حُسْن نيَّته في هذا التأليف، وقد تُكُلِّفتْ مناسبته للترجمة، فقال كُلُّ بحَسَبٍ ما ظهر له، انتھی. وقد قيل: إنَّه أراد أنْ يقيمَه مقام الخُطْبة للكتاب، لأنَّ في سياقه أنَّ عمرَ قاله على المنبر بمَحْضر الصحابة، فإذا صَلَحَ أنْ يكون في خُطْبة المنبر صَلَحَ أنْ يكون في خُطْبة الكتاب. وحكى المهلَّب أنَّ النبيَّ وَ خَطَبَ به حين قَدِمَ المدينة مهاجراً، فناسب إيرادُه في بدء الوحي، لأنَّ الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدِّمة لها، لأنَّ بالهجرة افتُتِحَ الإذنُ في قتال المشركين، ويَعقُبه النصرُ والظَّفَر والفتح. انتهى، وهذا وجه حسن، إلَّا أَنَّني لم أرَ ما ذكره - من كَوْنِه وَ لَّ خَطَبَ به أوَّلَ ما هاجَرَ - منقولاً. وقد وقع في (باب ترك الحِيَل)) (٦٩٥٣) بلفظ: ((سمعت رسول الله و الله يقول: يا أيُّها الناس، إنَّما الأعمال بالنيّة)) الحديث، ففي هذا إيماءٌ إلى أنه كان في حال الخُطْبة، أمَّا كَوْنه كان في ابتداء قُدومه إلى المدينة، فلم أرَ ما يدل عليه، ولعلَّ قائلَه استَنَدَ إلى ما رُويَ في قِصَّة مهاجرٍ أُم قیس، قال ابن دقيق العيد: نقلوا أنَّ رجلاً هاجَرَ من مكَّة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلةَ الهجرة، وإنَّما هاجَرَ ليتزوَّج امرأة تُسمَّى أُمَّ قيس، فلهذا خُصَّ في الحديث ذِكرُ المرأة دون سائر ما يُنْوى به. انتهى، ١٩ ح ١ كتاب بدء الوحي وهذا لو صَحَّ لم يستلزم البِداءةَ بذِكْرِه أوَّل الهجرة النبويَّة. وقِصَّة مهاجر أُم قيس رواها سعيد بن منصور(١) قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شَقِيق، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: مَن هاجَرَ يَبتَغي شيئاً فإنَّما له ذلك، هاجَرَ رجل ليتزوَّجَ امرأة يقال لها: أُم قيس، فكان يقال له: مهاجرُ أُم قيس. ورواه الطبراني من طريق أُخرى عن الأعمش بلفظ: كان فينا رجل خَطَبَ امرأة يقال لها: أُم قيس، فأبَتْ أنْ تتزوَّجه حتَّى يهاجر، فهاجَرَ فتزوَّجها، فكنَّا نُسمِّيه مهاجرَ أُمِّ قيس(٢). وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أنَّ حديث الأعمال سِيقَ بسبب ذلك، ولم أرَ في شيء من الطرق ما يقتضي التصريحَ بذلك. وأيضاً فلو أراد البخاريُّ إقامته مقام الخُطْبة فقط أو الابتداء به تَيمُّناً وترغيباً في الإخلاص، لكان ساقه قبل الترجمة كما قال الإسماعيلي وغيره. ونقل ابن بَطَّل عن أبي عبد الله بن النَّجّار قال: التبويب يتعلَّق بالآية والحديث معاً، لأنَّ الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثمَّ إلى محمد وَِّ: أنَّ الأعمال بالنِّيّات، لقوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] ١١/١ قال: وَصَّاهم بالإخلاص في عبادته. وعن أبي عبد الملك البَوْني قال: مناسبةُ الحديث للترجمة أنَّ بدءَ الوحي كان بالنيَّة، لأنَّ الله تعالى فَطَرَ محمداً على التوحيد وبَغَّضَ إليه الأوثان، ووَهَبَ له أوَّل أسباب النُّبّة وهي الرُّؤْيا الصالحة، فلمَّا رأى ذلك أخلَصَ إلى الله في ذلك، فكان يَتَعبَّد بغار حِراءٍ، فَقَبِلَ الله عمله، وأتمَّ له النِّعْمة. وقال المهلَّب ما مُحصَّلُه: قَصَدَ البخاريُّ الإخبارَ عن حال النبِّ وَِّ في حال مَنشَئِهِ، (١) وأخرجها من طريقه الطبراني في ((الكبير)) (٨٥٤٠). (٢) لم نقف عليه عند الطبراني بهذا اللفظ، وهو عند أبي نعيم في ترجمة أم قيس من («معرفة الصحابة)) (٨٠١٤). ٢٠ ح ١ فتح الباري بشرح البخاري وأنَّ الله بَغَّضَ إليه الأوثان وحَبَّبَ إليه خِلالَ الخير ولزومَ الوَحْدة فِراراً من قُرَناء السُّوء، فلمَّا لَزِمَ ذلك أعطاه الله على قَدْر نيَّتَه ووهب له النُّة، كما يقال: الفواتح عُنْوان الخواتم. ولَخَّصَه بنحو من هذا القاضي أبو بكر بن العربي. وقال ابن المنيِر في أوَّل التراجم: كان مُقدِّمةُ النُّبوّة في حق النبيِّ وَّل الهجرةَ إلى الله تعالى بالخَلْوة في غار حِراءٍ، فناسب الافتتاحُ بحديث الهجرة. ومن المناسبات البديعة الوجيزة ما تقدَّمت الإشارةُ إليه: أنَّ الكتاب لمَّا كان موضوعاً لجمع وَحْي السُّنّ صَدَّره ببدءِ الوحي، ولمَّا كان الوحيُّ لبيان الأعمال الشرعيَّةِ صَدَّره بحديث الأعمال، ومع هذه المناسبات لا يليق الجَزْمُ بأنه لا تَعلَّقَ له بالترجمة أصلاً، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد تواتر النَّقْلُ عن الأئمّة في تعظيم قَدْر هذا الحديث، قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبيِّ ◌َّهِ شيءٌ أجمعَ وأغنى وأكثرَ فائدةً من هذا الحديث. واتَّفْقَ عبدُ الرحمن بن مَهْدي والشافعيُّ فيما نقله البُوَيطي عنه، وأحمد بن حنبل وعلي بن المَدِيني وأبو داود والتِّرمِذي والدَّارَقُطني وحمزة الكِناني على أنه ثُلُث الإسلام، ومنهم مَن قال: رُبعه، واختلفوا في تعيين الباقي. وقال ابن مَهْدي أيضاً: يدخل في ثلاثين باباً من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين باباً. ويحتمل أنْ يريد بهذا العدد المبالَغة، وقال عبد الرحمن بن مَهْدي أيضاً: ينبغي أنْ يُجُعَل هذا الحديث رأس كلِّ باب. ووَجَّهَ البيهقيُّ كونَه ثُلُثَ العلم بأنَّ كَسْب العبد يقع بقلبه ولسانه وجَوَارحه، فالنيَّة أحدُ أقسامها الثلاثة وأرجحُها، لأنها قد تكون عبادةٌ مُستقِلّة وغيرُها يحتاج إليها، ومن ثَمَّ وَرَد: ((نِيَّة المؤمن خيرٌ من عمله))(١)، فإذا نظرتَ إليها كانت خير الأمرين. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكَوْنِهِ ثُلُثَ العلم أنه أحدُ القواعد الثلاثة التي تُرَدُّ إليها جميع (١) روي عن غير واحد، وضعَّفه البيهقي والعراقي في تخريجه على ((الإحياء)» ٣٦٦/٤، وانظر ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (١٢٦٠).