Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب ٨٠ / ح ٦١٢٨
كتاب الأدب
(١/ ١٥٢-١٥٣) عن الزّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة، فذكر حديثاً في صلاة الضُّحَى، وفيه:
وكان يُحِبّ ما خَفَّ على الناس(١). وفي حديث أيمَن المخزوميّ عن عائشة في قصَّة الصلاة بعد
العصر، وفيه: وما كان يُصلِّيهما في المسجد تَخَافة أن يثقِّل على أمَّته، وكان مُحِبّ ما خَفَّفَ عنهم،
وقد تقدَّم (٥٩٠) في ((باب ما يُصَلَّى بعد العصر من الفوائت)) من كتاب الصلاة، وقد وَصَلَ في
الباب حديث أبي برزة، وفيه: أنَّه صَحِبَ النبيّ أمّ﴾ ورأى من تَيسِیره.
وذكر في الباب أيضاً خمسة أحاديث:
الحديث الأول: حديث أنس: ((يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وسَكِّنوا ولا تُنَقِّروا))(٢).
الحديث الثاني: حديث أبي موسى: أنَّ النبيَّ وَّ قال له ولمعاذ لما بَعَثَهما إلى اليمن: ((يَسِّرا
ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرًا)).
قوله: (يَسِّروا)) هو أمر بالتَّيسير، والمراد به: الأخذ بالتَّسكينِ تارة وبالتَّيسير أُخرى، من
جهة أنَّ التَّفير (٣) يُصاحب المشَقّة غالباً وهو ضِدّ التَّسكين، والتَّبشير(٤) يُصاحب التَّسكين
غالباً وهو ضِدّ التَّنفير، وقد تقدَّم بيان الوقت الذي بُعِثَ فيه أبو موسى ومعاذٌ رضي الله
عنهما إلى اليمن في أواخر كتاب المغازي (٤٣٤١)، وتقدَّم الكلام على البِتْع - وهو بكسر
الموحّدة وسكون المثنّة بعدها مُهمَلة - في كتاب الأشربة(٥). قال الطَّبَريُّ: المراد بالأمرِ
بالتَّيسير: فيما كان من النَّوافل ممّا كان شاقّاً، لئلا يُفضِي بصاحبِه إلى الملَل فيَترُكَه أصلاً، أو
يُعجَبَ بعَمَلِهِ فُيُحبَط، وفيما رُخِّصَ فيه من الفرائض، كصلاة الفَرْض قاعِداً للعاجِزِ، والفِطْرِ في
الفَرْض لمن سافَرَ فيَشُقّ عليه. وزاد غيره: في ارتكاب أخَفِّ الضَّرَرَينِ إذا لم يكن من أحدهما بُدّ،
كما في قصَّة الأعرابيّ حيثُ بالَ في المسجد.
(١) هذا اللفظ الذي أشار إليه الحافظ رحمه الله لم يرد في حديث عائشة في ((الموطأ))، وإنما ورد في ((مصنف عبد
الرزاق)) (٤٨٦٧)، و((مسند أحمد)) (٢٥٣٥٠) وغيرهما.
(٢) تقدم برقم (٦٩).
(٣) في (ع): التعسير.
(٤) في (ع): التيسير.
(٥) في باب (٤): الخمر من العسل، وهو البتع.

٥٢٢
باب ٨١ / ح ٦١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وإسحاق في حديث أبي موسى: هو ابن راهويه، كما وَقَعَ في رواية ابن السَّكَن، وجَزَمَ به
أبو نُعَيم، وتَرَدّدَ الگلابانيّ وتبعه أبو عليّ الجيّانيّ: هل هو ابن راهويه أو هو ابن منصور؟
الحديث الثالث: حديث عائشة: ما خُيِّرَ رسول الله وَلَه بين أمرَينٍ ... الحديث، وقد
تقدَّم شرحه (٣٥٦٠) في صِفَة النبيّ وَ ﴿، قال البَيْضاويّ: يُتصوَّر التَّخييرُ بین ما فيه إثم
٥٢٦/١٠ وما لا إثم فيه إذا صَدَرَ من الكفَّار مثلاً،/ وفيه توجيه آخر تقدَّم هناك.
الحديث الرابع: حديث أبي بَرْزة.
قوله: ((وفينا رجل له رأي)) لم أقِفْ على اسمه، وحكى ابن التِّين عن الدّاووديِّ: أنَّ معنى
قوله: «له رأي)): يَظُنّ اُنَّه مُحسِن وليس كذلك.
وقوله: ((نَضَبَ عنه الماء)) بنونٍ وضاد مُعجَمة ثمَّ موخَّدة، أي: زالَ، وقد تقدَّم في أواخر
الصلاة (١٢١١) بلفظ: ((فجَعَلَ رجل من الخوارج يقول)) فهذا هو المعتمَد، وأنَّ المراد بالرَّأي
رأيُ الخوارج، والتّنوين فيه للتَّحقير، أي: رأيٌ فاسد، وقد تقدَّم شرح الحديث هناك.
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة في قصَّة الأعرابيّ الذي بالَ في المسجد، وقد سَبَقَتِ
الإشارة إليه في ((باب الرِّفق))(١)، وأنَّ شرحه تقدَّم في كتاب الطَّهارة (٢٢٠).
وفي هذه الأحاديث أنَّ الغُلوّ ومجاوَزَ القصد في العبادة وغيرها مذموم، وأنَّ المحمود
من جميع ذلك ما أمكّنَتِ المواظَبة معه، وأمِنَ صاحبُه العُجْبَ وغيره من المهلكات.
٨١ - باب الانبساطِ إلى الناس
وقال ابنُّ مسعودٍ: خالطِ الناسَ، ودِينَكَ فلا تَكْلِمَنَّه.
والدُّعابةِ معَ الأهلِ
٦١٢٩- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو التيَّاح، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ
يقول: إن كان النبيُّ ◌َ﴿ لَيُخالِطُنا حتَّى يقولَ لأخٍ لي صغيرٍ: ((يا أبا عُمَيٍ، ما فَعَل النُّغير؟)).
[طرفه في: ٦٢٠٣]
(١) باب رقم (٣٥).

٥٢٣
باب ٨١ / ح ٦١٣٠
كتاب الأدب
٦١٣٠ - حدَّثْنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها،
قالت: كنتُ ألعَبُ بالبنات عندَ النبيِّ ◌َّهِ، وكان لي صَوَاحبُ يَلْعَبَنَ مَعِي، فكان رسولُ الله ◌َّهِ إذا
دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ منه، فيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبنَ مَعِي.
قوله: ((باب الانبساط إلى الناس)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مع الناس)).
قوله: ((وقال ابن مسعود: خالط الناس، ودينك فلا تَكْلِمَنَّه)) بفتح أوَّله وسكون الكاف
وكسر اللّام وفتح الميم: من الكَلْم - بفتح الكاف وسكون اللّام -: وهو الجَرْح وزناً
ومعنَى، ورُويَ بالمثلَّثة بدلَ الكاف والنُّون مُشَدَّدة للتَّأكيدِ.
وقوله: ((ودينك)) يجوز فيه النَّصب والرَّفع. وهذا الأثر وَصَلَه الطبرانيُّ في ((الكبير)) (٩٧٥٧)
من طريق عبد الله بن باباه - بموخَّدتَينِ - عن ابن مسعود قال: خالِطوا الناس، وصافوهم
بما يَشْتَهونَ، ودينكم فلا تَكلِمُنَّه؛ وهذه بضمِّ الميم للجميع، وأخرجه ابن المبارك في کتاب
((البِرّ والصِّلة)) من وجه آخر عن ابن مسعود بلفظ: خالِقِوا الناسَ وزايِلُوهم في الأعمال. وعن
عمر مِثله، لكن قال: وانظُرُوا أن لا تَكلِمُوا دینگُم.
قوله: ((والدُّعابة مع الأهل)) هو بَقيَّة التَّرجمة معطوف على الانبساط وهو بالجرّ، ويجوز
أن يُعطَف على ((باب)) فيُقرأ بالرَّفع، والدُّعابة - بضمِّ الدّال وتخفيف العين المهمَلتَينِ،
وبعد الألف موحّدة : هي الملاطفة في القول بالمُزاح وغيره، وقد أخرج التِّرمِذيّ
(١٩٩٠) وحَسَّنَه من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنَّك تُداعِبنا، قال: ((إنّي
لا أقول إلّا حَقّاً))، وأخرج (١٩٩٥) من حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((لا تُمارِ أخاك ولا
تُمازِحه)) الحديث، والجمع بينهما أنَّ المنهيّ عنه ما فيه إفراط أو مُداومة عليه، لما فيه من
الشُّغل عن ذِكْر الله والتفكُّر / في مُهمات الدِّين، ويَؤولُ كثيراً إلى قَسْوة القلب والإيذاء ٥٢٧/١٠
والحِقْد، وسُقوطِ المهابة والوَقار، والذي يَسْلم من ذلك هو المباح، فإن صادَفَ مَصلَحةً
مِثْلَ تطبيب نفس المخاطَب ومُؤانَسَته فهو مُستَحَبّ، قال الغَزاليّ: من الغَلَط أن يُتَّخَذ المُزاح
حِرِفَةً، ويُتَمسَّك بأَنَّهِ وَلِهِ مَزَحَ، فهو كمَن يدور مع الَّنْج حيث داروا، لِيَنظُرُ(١) رَقصَهم،
(١) تحرفت هذه العبارة في (س) إلى: يدور مع الريح حيث دار، وينظر.

٥٢٤
باب ٨١ / ح ٦١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
ويَتَمسَّك بأنَّهِ وَلَّهِ أَذِنَ لعائشة أن تَنظُر إليهم(١).
وذكر فيه حديث أنس في قصَّة النُّغَير، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في ((باب ما يجوز من
الشِّعر))(٢) قريباً إن شاء الله تعالى.
وحديث عائشة: ((كنت ألعَب بالبنات))، ومحمَّدٌ شيخُه فيه: هو ابن سَلَامٍ.
قوله: ((وكان لي صَوَاحب يَلْعَبْنَ مَعيَ)) أي: من أقرانها.
قوله: ((يَتَقَمَّعْن)) بِمُثنّاة وتشديد الميم المفتوحة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: بنونٍ ساكنة
وكسر الميم، ومعناه: أنَّهُنَّ يَتَغَيَّينَ منه ويَدخُلنَ من وراء السِّتر، وأصله: من قِمْع التَّمرة، أي:
يَدخُلنَ في السِّتر كما تدخل (٣) الثَّمرة في قِمْعها.
قوله: ((فِيُسَرِّبُنَّ إِلَّ) بِسينٍ مُهمَلة ثمَّ موخَّدة، أي: یُرسِلُنَّ.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز اتّخاذ صُوَر البنات واللُّعَب من أجل لَعِب البنات بِهِنَّ،
وخُصَّ ذلك من عُمُوم النَّهي عن اتّخاذ الصُّوَر، وبه جَزَمَ عِيَاض ونَقَلَه عن الجمهور، وأنَّهم
أجازوا بيع اللُّعَب للبنات، لتَدريِهِنَّ من صِغَرهنَّ على أمر بيوتهنَّ وأولادهنَّ. قال: وذهب
بعضهم إلى أنَّه منسوخ، وإليه مالَ ابن بَطّال، وحكى عن ابن أبي زيد عن مالك: أنَّه كَرِه أن
يَشتَري الرجل لابنَتِهِ الصُّورَ، ومن ثَمَّ رَجَّحَ الدّاووديُّ أنَّه منسوخ.
وقد تَرجَمَ له ابن حِبّان (١٧٤/١٣): الإباحة لصِغار النِّساء اللَّعِب باللُّعَب، وتَرجَمَ له
النَّسائيُّ (ك١٧٩/٨): إباحة الرجل لزوجته اللَّعِب بالبنات. فلم يُقِيَّدِ بالصِّغَرِ، وفيه نظر، قال
البيهقيُّ بعد تخريجه (٢١٩/١٠- ٢٢٠): ثَبَتَ النَّهي عن التّخاذ الصُّورَ، فيُحمَل على أنَّ الرُّخصة
لعائشة في ذلك كان قبل التَّحريم، وبه جَزَمَ ابن الجَوْزيّ، وقال المنذريُّ: إن كانت اللُّعَب
كالصُّورة فهو قبل التَّحريم، وإلّا فقد يُسَمَّى ما ليس بصورةٍ لُعبةً، وبهذا جَزَمَ الحَلِيميّ فقال:
(١) تقدم برقم (٩٥٠).
(٢) بل سيأتي في باب الكنية للصبي، برقم (٦٢٠٣).
(٣) في (أ) و(س): يدخلن، والمثبت من (ع) و((النهاية)) لابن الأثير مادة (قمع).

٥٢٥
باب ٨٢ / ح ٦١٣١
كتاب الأدب
إن كانت صورة كالوثَنِ لم يَجُز، وإلّا جازَ، وقيل: معنى الحديث: اللَّعِب مع البنات، أي:
الجَواري، والباء هنا بمعنى: مع، حكاه ابن الِّين عن الدّاووديّ، ورَدَّه. قلت: ويَرُدّه ما
أخرجه ابن عُيَينةَ في ((الجامع - من رواية سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ عنه ـ)) عن هشام
ابن عُرْوة في هذا الحديث: وكُنَّ جِواري يأتِينَي فيَلعَبنَ بها مَعيَ. وفي رواية جَرِير عن
هشام: كنتُ ألعَبُ بالبنات، وهُنَّ اللُّعَب. أخرجه أبو عَوَانة (٤٢٧٠) وغيره. وأخرج أبو داود
(٤٩٣٢)، والنَّسائيُّ (ك٨٩٠٠) من وجه آخر عن عائشة قالت: قَدِمَ رسول الله ێ من
غزوة تَبُوك أو خَيْبَرَ ... فذكر الحديث في هَتكِهِ السِّتر الذي نَصَبَته على بابها قالت: فكَشَفَ
ناحية السِّتر على بناتٍ لعائشة لُعَب، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) قالت: بناتي. قالت: ورأى
فيها فرَساً مربوطاً له جناحان، فقال: ((ما هذا؟)) قلت: فَرَسُ. قال: ((فَرَس له جناحان؟!»
قلت: ألم تَسمَع أنَّه كان لسليمان خَيلٌ لها أجنِحة؟! فضَحِكَ. فهذا صريح في أنَّ المراد باللّعَبِ
غير الآدميّات.
قال الخطَّابُّ: في هذا الحديث أنَّ اللَّعِب بالبنات ليس كالتَّلَهّي بسائرِ الصُّور التي جاء فيها
الوعيد، وإنَّما أرخَصَ لعائشة فيها، لأنَّها إذ ذاكَ كانت غير بالغ. قلت: وفي الجزم به نظرٌ لكنَّه
مُحْتَمَل، لأنَّ عائشة كانت في غزوة خَيبَر بنت أربع عشرة سنة، إمّا أكمَلتها أو جاوزتها أو قارَيتها،
وأمَّا في غزوة تَبُوك فكانت قد بَلَغَت قطعاً، فيَتَرجَّح رواية مَن قال: في خَيْبَ، ويُجمَع بما قال
الخطَّايُّ، لأنَّ ذلك أولى من التَّعارُض.
٨٢ - باب المداراة مع الناس
ويُذكَرُ عن أبي الدَّرْدَاءِ: إِنّا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوامٍ، وإنَّ قلوبنا لَتَلْعَنُهم.
٦١٣١ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ المنكَدِرِ، حدَّثه عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ
عائشةَ أخبَرَتْه: أَنَّه استأذَنَ على النبيِّمَ رجلٌ، فقال: ((اتْذَنوا له، فِئْسَ ابنُ العَشِيرةِ - أو بِئْسَ أخو
العَشِيرةِ - فلمَّا دَخَلَ ألانَ له الكلامَ، فقلتُ له: يا رسولَ الله، قلتَ ما قلتَ، ثمَّ أَنْتَ له في القولِ؟
فقال: ((أيْ عائشةُ، إنَّ شَرَّ الناسِ مَنْزِلَةً عندَ الله مَن تَرَكَه - أو ودَعَه - النّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِه)).

٥٢٦
باب ٨٢ / ح ٦١٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
٦١٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهّاب، أخبرنا ابنُ عُليَّةَ، أخبرنا أيوبُ، عن عبدِ الله بنِ
أبي مُلَيكةً: أنَّ النبيَّ ◌َ أُهْدِيَت له أقِيةٌ من دِيباجٍ مُزَرَّرةٌ بالذَّهَبِ، فَقَسَمَها في ناسٍ من أصحابه،
وعَزَّلَ منها واحداً لمَخرَمَةَ، فلمَّا جاء قال: ((خَبَأْتُ هذا لكَ)) - قال أيوبُ بثوبِهِ: وأَنَّه يُرِيه إيّاه ـ
وكان في خُلُقِه شيءٌ.
رواه حمّادُ بنُ زیدٍ، عن أیوبَ.
وقال حاتمُ بنُ وَرْدانَ: حدَّثنا أيوبُ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن المِسْوَرِ: قَدِمَتْ على النبيِّ وَّل
أقبِيةٌ.
٥٢٨/١٠ قوله: ((باب المداراة مع الناس)) هو بغير همز، وأصله الهمز لأنَّه من المدافعة، والمراد به:
الدَّفع برفقٍ، وأشارَ المصنّف بالتَّرجمة إلى ما وَرَدَ فيه على غير شرطه، واقتَصَرَ علی إیراد ما
يُؤَدّي معناه، فمَّ وَرَدَ فيه صريحاً: حديثٌ لجابرٍ عن النبيّ ◌َّهِ قال: ((مُداراةُ الناس صَدَقة))
أخرجه ابن عَديّ (١٥٥/٧)، والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٦٣)، وفي سنده يوسف بن محمَّد
ابن المنكَدِر ضَعَّفوه، وقال ابن عَديّ: أرجو أنَّه لا بأس به. وأخرجه ابن أبي عاصم في ((أدب
الحكماء)) بسندٍ أحسن منه، وحديث أبي هريرة: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مُداراة الناس))
أخرجه البزَّار بسندٍ ضعيف(١).
قوله: ((ويُذكَر عن أبي الدَّرْداء: إنّا لَنَكْشِر)) بالكاف الساكنة وكسر المعجمة.
قوله: ((في وجوه أقوام وإنَّ قلوبنا لَتَلْعَنهم) كذا للأكثر: بالعين المهمَلة واللّام الساكنة والنّون،
وللكُشْمِيهنيّ: بالقاف الساكنة قبل اللّام المكسورة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة(٢)، من القِلا - بكسر القاف
مقصور -: وهو البُغْض، وبهذه الرواية جَزَمَ ابن التِّين، ومثله في تفسير المزَّمِّل من ((الكَشّاف)).
(١) أخرجه البزار (٧٨٥١)، والطبراني في «الأوسط)) (٦٠٧٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٠٥٥) من
طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس))، أما اللفظ
الذي ذكره الحافظ وهو ((مداراة الناس)) فقد أخرجه ابن أبي شيبة ٥٤٩/٨، والبيهقي في ((الشعب))
(٨٤٤٧)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٢٤/١٤ من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً.
(٢) يعني: لَتَقْلِیھم.

٥٢٧
باب ٨٢ / ح ٦١٣٢
كتاب الأدب
وهذا الأثر وَصَلَه ابن أبي الدُّنيا (١)، وإبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث))، والدِّينَوريّ
في ((المجالَسة)) (١٠٨٧) من طريق أبي الزّاهريَّة عن جُبَير بن نُفَير عن أبي الدَّرداء، فذكر
مثله، وزاد: ((ونَضحَك إليهم))، وذكره بلفظ اللَّعن، ولم يَذكُر الدِّينَوريّ في إسناده: جُبَير
ابن نُغَير (٢)، ورُوِّيناه في ((فوائد أبي بكر بن المقرئ)) من طريق كامل أبي العَلاء عن أبي
صالح عن أبي الدَّرداء قال: إنّا لَنُكاشِر أقواماً ... فذكر مثله، وهو مُنقَطِع(٣)، وأخرجه أبو
نُعَيم في ((الحِلية)) (٢٢٢/١) من طريق خَلَف بن حَوشَبٍ قال: قال أبو الدَّرداء، فذكر
اللَّفظ المعلَّق سواء، وهو مُنقَطِع أيضاً.
والكَشْر - بالشّينِ المعجَمة وفتح أوَّله ـ: ظُهور الأسنان، وأكثر ما يُطلَق عند الضَّحِك،
والاسم الكَشْرة كالعَشْرةِ(٤). قال ابن بَطّال: المداراة من أخلاق المؤمنينَ، وهو خَفْض الجناح
للنّاس ولينُ الكلمة وتَرك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الأُلفة.
وظنَّ بعضهم أنَّ المداراة هي المداهنة فغَلِط، لأنَّ المداراة مندوب إليها والمداهنة
مُحرَّمة، والفَرق أنَّ المداهنة من الدِّهان، وهو الذي يَظهَر على الشَّيء ويَستُر باطنه، وفَسَّرَها
العلماء: بأنَّه مُعاشَرة الفاسق وإظهارُ الرِّضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي
الرِّفق بالجاهلِ في التَّعليم وبالفاسقِ في الَّهي عن فِعله، وتركُ الإغلاظ عليه حيثُ لا يُظهِر ما
هو فيه، والإنكار عليه بلُطفِ القول والفِعل، ولا سيَّما إذا احتيجَ/ إلى تألَّفه ونحو ذلك.
٥٢٩/١٠
ثم ذكر حديثين تقدَّما:
أحدهما: حديث عائشة: استأذَنَ على النبيّ وَ رجلٌ، فقال: ((ائذَنوا له، فِئْسَ ابن العَشِیرة))،
وقد تقدَّم بيان موضع شرحه في ((باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد)) (٦٠٥٤)، والنُّكنة في
إيراده هنا: التَّلميح إلى ما وَقَعَ في بعض الطَّرق بلفظ المداراة. وهو عند الحارث بن أبي أسامة من
(١) في ((مداراة الناس)) (١٩)، و((الحلم)) (١٠٩).
(٢) وأخرجه كذلك بدون ذكر جبير بن نفير: هناد في ((الزهد)) (١٢٥٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨١٠٣).
(٣) وصله الحافظ من طريق أبي بكر بن المقرئ في ((تغليق التعليق)) ١٠٤/٥.
(٤) في (ع): كالشعرة، والمثبت من (أ) و(س).

٥٢٨
باب ٨٢ / ح ٦١٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
حديث صفوان بن عَسّال نحو حديث عائشة، وفيه: ((فقال: إنَّه مُنافِقٍ أُداریه عن نفاقه، وأخشى
أن يُفسِد عليَّ غيرَه)).
والثاني: حديث المِسْوَر بن تَرَمَةَ: قَدِمَتْ على النبيّ وَّهِ أقبيةٌ، وفيه قصَّة أبيه مَرَمةَ، وقد
تقدَّم شرحه في كتاب اللِّباس (٥٨٠٠)، ووَفَعَ في هذه الطَّريق: ((وكان في خُلُقْه شيء))، وقد رَمَزَ
البخاريّ بإيرادِهِ عَقِب الحديث الذي قبله بأنَّه المبهَم فيه، كما أشرتُ إلى ذلك قبل، ووَقَعَ في
رواية مسروق عن عائشة: مرَّ رجل برسولِ الله ◌ِوَ لَه فقال: ((بئسَ عبدُ الله وأخو العَشيرة)) ثمَّ
دَخَلَ عليه، فرأيتُه أقبَلَ عليه بوجهه كأنَّ له عنده مَنزِلة، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٩٩٥).
وشَرَحَ ابن بَطّال الحديث على أنَّ المذكور كان مُنافقاً، وأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان مأموراً بالحُكمِ بما
ظَهَرَ، لا بما يَعلَمه في نفس الأمر، وأطالَ في تقرير ذلك، ولكن لم يَقُل أحد في المبهم في حديث
عائشة أنَّه كان مُنافقاً، لا تَخَرَمة بن نَوفَل ولا عُيَينة بن حِصْن، وإنَّما قيل في ◌َرَمة ما قيل لما كان في
خُلُقه من الشِّدّة، فكان لذلك في لسانه بَذاءَة، وأمَّا عُبَينة فكان إسلامه ضعيفاً، وكان مع ذلك
أهوَجَ فاتِكاً مُطاعاً في قومه كما تقدَّمَ، والله أعلم.
وقوله في هذه الرِّواية: «فلما جاء قال: خبأت هذا لك» وفي رواية الگُشْمِيهنيّ: ((قد
خبأت».
وقوله: ((قال أيوب)» هو موصول بالسَّنَد المذكور.
وقوله: ((بثوبِهِ وأَنَّه يُرِيه ◌ِيّاه) والمعنى: أشارَ أيوب بثوبِهِ لِيُرِي الحاضرينَ كيفيَّة ما فعل
النبيّ ◌َّ عند كلامه مع تَخَرَمة، ولفظ القول يُطلَق ويُراد به الفِعل.
وقوله: ((رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب)) تقدَّم موصولاً (٣١٢٧) في ((باب فرض
الخُمُس)) وصورته مُرسَل أيضاً.
قوله: ((وقال حاتم بن وَرْدان ... )) إلى آخره، أراد بهذا التَّعليق بيان وَصْل الخبر، وأنَّ رواية ابن
عُليَّةً وحمّاد وإن کانت صورتهما الإرسال لكنَّ الحديث في الأصل موصول، وقد مضی بیان
وصل رواية حاتم هذه في الشَّهادات (٢٦٥٧).

٥٢٩
باب ٨٣ / ح ٦١٣٣
كتاب الأدب
٨٣- بابٌ لا يُلدغ المؤمن من جُحْرٍ مرّتين
وقال معاوية: لا حَلِيمَ إلّا بِتَجرِيةٍ.
٦١٣٣- حدَّثْنَا قُتَيبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبي
هريرةَ ◌ّهِ، عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ واحدٍ مَرَّتَينٍ)).
قوله: ((باب لا يُلْدَغ المؤمن من جُحْر مَرَّتَينٍ)) اللَّدغ - بالدّال المهمَلة والغَين المعجمة -: ما
يكون من ذوات السُّموم، واللَّذع بالذّال المعجَمة والعين المهمَلة -: ما يكون من النار، وقد تقدَّم
بيان ذلك في كتاب الطِّبّ (٥٦٨٣)، والجُحْر بضمِّ الجيم وسكون المهمَلة.
قوله: ((وقال معاوية: لا حِلِيمُ (١) إلّا بَتَجْرِيةٍ)) كذا للأكثر بوزنِ عَظِيم، وفي رواية الأَصِيلِيّ: ((إلّا
ذو تَجِرِبة))، وفي رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيّ: ((لا حِلْم)) بكسر المهمَلة وسكون اللّام ((إلّا
بتَجرِيةٍ))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((إلّا لذي تَجِرِبة)).
١٠٠
وهذا الأثر وَصَلَه أبو بكر بن أبي شَيْبة في «مُصنَّه)) (١١/ ٩٤) عن عیسی بن یونس
عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: قال معاوية: لا حِلْم إلّا بالتَّجاربِ. وأخرجه البخاريّ في
(الأدب المفرد)» (٥٦٤) من طريق عليّ بن مُسهِر عن هشام عن أبيه قال: كنت جالساً عند
معاوية، فحدَّث نفسه، ثمَّ انتَبَهَ فقال: لا حَلِيم إلّا ذو تَجِرِبة. قالها ثلاثاً، وأخرج (٥٦٥)
من حديث أبي سعيد مرفوعاً(٢): ((لا حَلِيم إلّا ذو عَثْرة، ولا حَكيم إلّا ذو تَجِرِبة)). وأخرجه
أحمد (١١٠٥٦)، وصَحَّحَه/ ابن حِبّان (١٩٣)، قال ابن الأثير: معناه: لا يُحصِّل الحِلمَ حتَّى ٥٣٠/١٠
يَرتَكِب الأُمور ويَعثُر فيها، فيَعتَبِرَ بها ويَستَبين مواضع الخطأ ويَجتَنِبها. وقال غيره: المعنى:
لا يكون حَليماً كاملاً إلّا مَن وَقَعَ في زَلّة، وحَصَلَ منه خطأ، فحينئذٍ يَخْجَل، فينبغي لمن كان
كذلك أن يَستُّر مَن رآه على عَيبٍ فَيَعْفُو عنه، وكذلك مَن جَرَّبَ الأُمور عَلِم نَفْعها وضَرَرها،
فلا يفعل شيئاً إلّا عن حِكْمة.
(١) في (س): حكيم، والمثبت من الأصلين.
(٢) وإسناده ضعيف.

٥٣٠
باب ٨٣ / ح ٦١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الطِّييُّ: ويُمكِن أن يكون تخصيص الحليم بذي التَّجرِبة للإشارة إلى أنَّ غير الحليم(١)
بخِلَافه، وأنَّ الحليم الذي ليس له تَّجِرِبة قد يَعثُّرُ في مواضع لا ينبغي له فيها الحِلْم، بخِلَاف
الحليم المجَرِّب، وبهذا تظهر مُناسَبة أثر معاوية لحديثِ الباب، والله تعالى أعلم.
قوله: ((عن ابن المسيّب)) في رواية يونس عن الزُّهْريّ: أخبرني سعيد بن المسيّب أنَّ أبا
هريرة حدَّثه، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (١٢٧٨)، وكذا قال أصحاب الزُّهْريّ
فيه، وخالَفَهم صالح بن أبي الأخضَر وزَمْعة بن صالح - وهما ضعيفان - فقالا: عن الزُّهْريّ
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، أخرجه ابن عَديّ (٢٣١/٣) من طريق المعافَ بن عِمران
عن زَمعةَ وابن أبي الأخضَر، واستَغرَبَه من حديث المعاشَى، قال: وأمَّا زَمعةُ فقد رواه عنه
أيضاً أبو نُعَيم. قلت: أخرجه أحمد (٥٩٦٤) عنه، ورواه عن زَمعةَ أيضاً أبو داود الطَّيالسُّ في
(«مُسنَده)) (١٩٢٢)، وأبو أحمد الزُّبَيريُّ أخرجه ابن ماجَهْ (٣٩٨٣).
قوله: ((لا يُلْدَخ)) هو بالرَّفع على صيغة الخبر، قال الخطّبيُّ: هذا لفظه خبر ومعناه أمر، أي:
ليكن المؤمن حازِماً حَذِراً لا يُؤتَى من ناحية الغَفْلة، فيُخدَعِ مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في
أمر الدّين كما يكون في أمر الدُّنيا، وهو أَولاهما بالحَذَر، قال: وقد رُويَ بكسر الغَين في الوصل،
فيَتَحقَّق معنى النَّهي فيه، قال ابن التِّين: وكذلك قرأناه.
قيل: معنى ((لا يُلدَغ المؤمن من جُحر مرَّتَينِ)): أنَّ مَن أذنَبَ ذْباً فعوقِبَ به في الدُّنيا لا
يُعاقَب به في الآخرة. قلت: إن أراد قائلُ هذا أنَّ عُمُوم الخبر يتناول هذا فيُمكِن، وإلّا فسبب
الحديث يأبى ذلك، ويُؤْيِّد قولَ مَن قال: فيه تَحذِير من التَّغفيل، وإشارة إلى استعمال الفِطنة.
وقال أبو عُبيد: معناه: ولا ينبغي للمؤمنِ إذا نُكِبَ من وجه أن يعود إليه. قلت: وهذا
هو الذي فهمَه الأكثر ومنهم الزّهْريّ راوي الخبر، فأخرج ابن حِبّان (٦٦٣) من طريق
سعيد بن عبد العزيز قال: قيلَ للزّهريِّ لما قَدِمَ من عند هشام بن عبد الملك: ماذا صَنَعَ بك؟
قال: أوفَ عنِّي دَينِي، ثمّ قال: يا ابنَ شِهاب تعود تُدَان؟ قلت: لا .. وذكر الحديث.
(١) تحرفت في (س) إلى: الحكيم.

٥٣١
باب ٨٣ / ح ٦١٣٣
كتاب الأدب
وقال أبو داود الطَّيالسُّ بعد تخريجه: لا يُعاقَب في الدُّنيا بذنْبٍ فِيُعاقَب به في الآخرة. وحَمَلَه
غيرُه على غير ذلك.
قيل: المراد بالمؤمنِ في هذا الحديث: الكامل الذي قد أوقَفَته مَعرِفَته على غَوامِض الأُمور
حتَّى صارَ تَحَذَر مِمَّا سَيَقع، وأمَّا المؤمن المغَفَّل فقد يُلدَغْ مِراراً.
قوله: ((من جُحْر)) زاد في رواية الكُشْمِيهنيّ والسَّرَخْسيّ: ((واحد))، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ
من: ((جُحْرِ حَيَّة))، وهي زيادة شاذّة.
قال ابن بَطّال: وفيه أدبٌّ شريف أدَّبَ به النبيّ وَّهِ أَمَّته ونَبَّهَهم كيف يَحِذَرونَ ممّا يَخافونَ
سوء عاقبَتَه، وفي معناه حديث: ((المؤمن كَيِّس حَذِر)) أخرجه صاحب ((مُسنَدَ الفِردَوس)) من
حديث أنس بسندٍ ضعيف(١). قال: وهذا الكلام ممّاً لم يُسبَق إليه النبيّ وَِّ، وأَوَّل ما قاله لأبي
عَزّة الْجُمَحِيّ وكان شاعراً، فأُسِرَ ببدرٍ فشَكا عائلةً وفَقراً، فمَنَّ عليه النبيّ ◌َّهِ وأطلقَه بغير
فِداء، فظَفِرَ به بأُحُدٍ، فقال: مُنَّ عليَّ، وذكر فقره وعياله، فقال: ((لا تَسَح عارِضَيك بمَكّة
تقول: سَخِرِتُ بمحمَّدٍ مَرَّتَين)) وأُمِرَ به فقُتِلَ. وأخرج قِصَّته ابن إسحاق في ((المغازي)) بغير
إسناد، وقال ابن هشام في (تهذيب السِّيرة): بَلَغَني عن سعيد بن المسيّب، أنَّ النبيَّ وَِّ قال
حينئذٍ: «لا يُلدغ المؤمن من جُحْر مرّتین)». وصنیع أبي عُبيد في كتاب ((الأمثال)» مُشكِل على قول
ابن بَطّال: إنَّ النبيَّ أوَّل مَن قال ذلك، ولذلك قال ابن التِّين: إِنَّه مَثَل قدیم.
وقال التّورِبِشْتيُّ: هذا السَّبَب يُضَعِّف الوجه الثّاني، يعني: الرِّواية بكسر الغَين على / ٥٣١/١٠
النَّهي. وأجابَ الطِّييُّ بأنَّه يوجَّه بأن يكون وَّةِ لمَّا رأى من نفسه الَّكيَّة الميل إلى الحِلْم
جَرَّدَ منها مُؤمِناً حازِماً فنَهاه عن ذلك، يعني: ليس من شِيمَة المؤمن الحازِم الذي يَغْضَب
لله أن يَنخَدِعِ من الغادر المتمرِّد، فلا يَستَعمِل الحِلم في حَقّه، بل يَنتَقِم منه، ومن هذا قول
عائشة: ما انتَقَمَ لنفسِه إلّا أن تُنتَهَك حُرْمة الله فيَنْتَقِم لله بها(٢).
(١) وأخرجه أيضاً القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٢٨) من حديث أنس، وفي إسناده سليمان بن عمرو
النخعي، كذاب معروف بوضع الحديث، وأورده الذهبي في ترجمة سليمان هذا من («الميزان)) ٢١٧/٢.
(٢) تقدم برقم (٦١٢٦).

٥٣٢
باب ٨٤ / ح ٦١٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال: فُيُستَفاد من هذا أنَّ الِحِلْم ليس محموداً مُطلَقاً، كما أنَّ الحَرَدَ(١) ليس محموداً
مُطلَقاً، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: ٢٩]،
قال: وعلى الوجه الأوَّل ــ وهو الرِّواية بالرَّفع - فيكون إخباراً محضاً لا يُفهم هذا الغرض
المستفاد من هذه الرّواية، فتكون الرّواية بصيغة النَّهي أرجَحُ، والله أعلم. قلت: ويُؤيِّده
حديث: ((احتَرِسوا من الناس بسوءِ الظَّنّ)) أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٩٨) من
طريق أنس، وهو من رواية بَقيَّة بالعَنعَنة عن معاوية بن يحيى، وهو ضعيف، فله عِلَّتان،
وصَحَّ من قول مُطرِّف التابِعِيّ الكبير، أخرجه مُسدَّد(٢).
٨٤- باب حقّ الضّيف
٦١٣٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادةَ، حدَّثنا حُسَيْنٌ، عن يحيى بنِ
أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، قال: دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ◌َت
فقال: ((ألم أُخْبَرَ أنَّكَ تقومُ اللَّيلَ وتصومُ النَّهَارَ؟)) قلتُ: بَلَى، قال: ((فلا تَفْعَل، قُمْ ونَمْ وصُمْ
وأفطِرِ، فإنَّ لجَسَدِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لِعَينِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لزَوْرِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ
الزَوْجِكَ عليكَ حَقًّ، وإِنَّكَ عَسَى أن يَطولَ بكَ عُمُرٌ، وإنَّ من حَسْبِكَ أن تصومَ من كلِّ شهرٍ
ثلاثةَ أيام، فإنَّ بكلِّ حسنةٍ عَشْرَ أمثالها، فذلك الدَّهْرُ كلُّه)) قال: فشَدَّدْتُ فشُدِّدَ عليَّ، فقلتُ:
فإِنِي أُطِيقُ غيرَ ذلك. قال: ((فصُمْ من كلِّ ◌ُمُعةٍ ثلاثةَ أيام)) قال: فَشَدَّدْتُ فشُدِّدَ عليَّ، قلتُ:
أُطِيقُ غيرَ ذلك. قال: ((فصُمْ صومَ نبيِّ الله داودَ)) قلتُ: وما صومُ نبيِّ الله داودَ؟ قال: ((نِصْفُ
الدَّهْرِ)».
قوله: ((باب حق الضَّيف».
قوله: ((حُسَين)) هو المعلِّم، وقد تقدَّم الحديث مشروحاً في كتاب الصيام (١٩٧٥)، والغرض
منه: قوله: ((وإنَّ لزَورِك عليك حَقًّ)) والزّور - بفتح الزّاي وسكون الواو بعدها راء -: الزّائر،
وقد بسطَ القول فيه في الباب الذي يليه.
(١) تحرفت في (س) إلى: الجود، والمثبت من الأصلين، ومعنى الحرد: أي الغضب.
(٢) والبيهقي في ((الكبرى)) ١٢٩/١٠.

٥٣٣
باب ٨٥ / ح ٦١٣٥-٦١٣٨
كتاب الأدب
٨٥- باب إكرام الضّيف وخدمته إيّاه بنفسه
وقوله تعالى: ﴿ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤].
قال أبو عبدِ الله: يقال: هو زَوْرٌ، وهؤُلاءِ زَورٌ، وضَيفٌ، ومَعْناه: أضْيافُه وزُوّارُه، لأنَّها
مَصدَرٌ، مِثلُ: قوم رِضاً وعَدْلٍ، ويقال: ماءٌ غَوْرٌ، وبثْرُ غَورٌ، وماءانٍ غَورٌ، ومِياهٌ غَورٌ، ويقال:
الغَوْرُ: الغائرُ لا تَنَالُهُ الدِّلاءُ، كلُّ شيءٍ غُرْتَ فيه فهو مَغارةٌ.
﴿تَزَوَرُ﴾ [الكهف: ١٧]: تَمِيلُ، منَ الزَّوَرِ، والأزْوَرُ: الأَميَل.
٦١٣٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد المقبريِّ، عن أبي
شُرَيح الكَعْبِيِّ، أنَّ رسولَ الله ◌َلاَ قال: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه، جائزَتُه يوم
وليلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيامٍ، فما بعدَ ذلك فهو صَدَقَةٌ، ولا يَحِلُّ له أن يَثْوِيَ عندَه حتَّى يُخْرِجَه)).
حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ ... مِثْلَه، وزادَ: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُل
خيراً، أو لِيَصْمُت)).
٦١٣٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي
صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّه قال: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَه، ومَن كان
يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خيراً أو ليَصْمُت)).
٦١٣٧ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ بنِ
عامرٍ ◌ّ أنَّه قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَتَنزِلُ بقومٍ فلا يَقْرونَنا، فما تَرَى؟ فقال لنا
رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((إن نزلّتُم بقومٍ فأمَروا لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبلوا، فإن لم يَفْعَلوا فخُذُوا
منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي يَنبَغي لهم)).
٦١٣٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ،
عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َّمِ قال: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه، ومَن
كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَصِل رَحِهِ، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خيراً أو
ـمُت)).
ليَضْمُ

٥٣٤
باب ٨٥ / ح ٦١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
٥٣٢/١٠
قوله: ((باب إكْرام الضَّيف وخِدْمَته إيّاه بنفسِه، وقوله تعالى: ﴿ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ اُلْمُكْرَمِينَ﴾))
يشير إلى أنَّ لفظ ((ضَيْف)) يكون واحداً وجمعاً، وجمعُ القِلّة: أضياف، والكَثْرةِ: ضُيُوف
وضِیفان.
قوله: ((قال أبو عبد الله: يقال: هو زَوْرٌ، وهؤلاءِ زَوْرٌ وضَيفٌ، ومَعْناه: أضْيافه وزُوّاره،
لأنَّهَا مَصْدَر، مِثْلُ: قومٌ رِضاً وعَدْلٌ، ويقال: ماءٌ غَوْرٌ وبثْرٌ غَوْرٌ وماءانٍ غَوْرٌ ومياهٌ غَوْرٌ))
قلت: ثَبَتَ هذا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ فقط، وهو مأخوذ من كلام
الفَرّاء، قال في ((معاني القرآن)»: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]
العرب تقول: ماء غَورٌ وماءانٍ غَور ومياهٌ غَور، ولا يجمعونَ غَوراً ولا يُثَنّونَه، فلم يقولوا:
ماءان غَوران، ولا مياهٌ أغوار، وهو بمَنزِلة الزّور، يقال: هؤلاءِ زَوْرُ فلان، وضَیفُ فلان،
معناه: أضيافه وزُوّاره، وذلك لأنَّه مصدر، فأُجريَ على مثل قولهم: قومٌ عَدلٌ وقومٌ رِضا
ومَقْنَع. وقال غيره: الزّور: جمع زائر، كَراكِبٍ ورَكْب. قلت: وهذا قول أبي عُبيدة، وجَزَمَ به
في ((الصِّحاح)).
قوله: ((ويقال: الغَوْر: الغائر لا تَنَالُهُ الدِّلاء، كلُّ شيءٍ غُرْتَ فيه فهو مَغَارة)» هو كلام أبي عبيدة
أيضاً، وقال أبو عبيدة: غَوْر، أي: غائر، والغَوْر مصدر.
قوله: («تَزَاورُ: تَميل، من الزَّوْر، والأزْور: الأميَل)). قلت: هو كلام أبي عبيدة قاله في تفسير
سورة الكهف [١٧] في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾،
أي: تَميل، وهو من الزَّور - يعني: بفتح الواو - وهو العِوَج والمَيل.
ثمَّ ذکر ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي شُرَيح: ((مَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخِرِ فليُكرِمِ ضَيفَه)).
وقوله في الطَّريق الثّانية: ((حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا مالك، مِثله)) يعني: بإسنادِه.
وقوله: ((أو ليَصمُت)) ضَبَطَه النَّوويّ بضمِّ الميم، وقال الطّوفيّ: سمعناه بكسرها، وهو
القياس، كضَرَبَ يَضرِب. وقد استُشكِلَ التَّخيير الذي في قوله: ((فليَقُل خيراً أو ليَصمُت))

٥٣٥
باب ٨٥ / ح ٦١٣٨
كتاب الأدب
لأنَّ المباح إذا كان في أحد الشِّقَّينِ لَزِمَ أن يكون مأموراً به، فيكون واجباً أو مَنهيّاً، فيكون
حَراماً، والجواب عن ذلك: أنَّ صيغة افعَل في قوله: ((فليَقُل))، وفي قوله: ((ليَسكُت))
لمُطلَقِ الإذن الذي هو أعَمُّ من المباح وغيره، نعم يَلزَم من ذلك أن يكون المباح حسناً
لدخوله في الخير، ومعنى الحديث: أنَّ المرء إذا أراد أن يتكلّم فليُفكِّر قبل كلامه، فإن علم
أَنَّه لا يَتَرتَّب عليه مَفْسَدة ولا يَجُرّ إلى مُحرَّم ولا مَكُرُوه فليتكلَّم، وإن كان مُباحاً فالسَّلامة
في السُّكوت لئلّا يَجُرّ المباح إلى المحرَّم والمكروه، وفي حديث أبي ذرِّ الطَّويل الذي صَحَّحَه
ابن حِبّان (٣٦١): / ((ومَن حَسَبَ كلامَه من عَمَله قَلَّ كلامُه إلّا فیما یَعنِیه)).
٥٣٣/١٠
ثانيها: حديث أبي هريرة فيه: أورَدَه من وجهَينٍ عنه، وفي أحدهما ما ليس في الآخر، وقد
تقدَّم كلّ ذلك في ((باب إكرام الجار)) (٦٠١٨) باختلاف ألفاظه وبيان المراد به. قال الطّوفيّ:
ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمَّن قال ذلك، وليس مُراداً، بل أُريدَ به المبالَغة، كما يقول القائل:
إن كنتَ ابني فأطِعْني، تَهيجاً له على الطاعة، لا أنَّه بانتفاءِ طاعَتِه يَنْتَفي أنَّه ابنه.
ثالثها: حديث عُقْبة بن عامر: قلنا: يا رسول الله، إِنَّك تَبعَثنا فنزِلُ بقوم فلا يَقْرونَنا ...
الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب المظالم (٢٤٦١).
قوله في حديث أبي شريح: ((جائزتُه يومٌ وليلة)) قال السُّهَيلِيُّ: رُويَ ((جائزَتُه)) بالرَّفع على
الابتداء وهو واضح، وبالنَّصبِ على بَدَلِ الاشتِمال، أي: يُكرِم جائزَتَه يوماً وليلة.
قوله: ((والضّيافة ثلاثة أيام فما زادَ بَعْد ذلك فهو صَدَقة)) قال ابن بَطّال: سُئلَ عنه مالك،
فقال: يُكرِمُه ويُتحِفه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. قلت: واختَلَفوا هل الثلاث غير
الأوّل أو يُعَدُّ منها؟ فقال أبو عبيد: يتكلَّف له في اليوم الأوَّل بالبِرِّ والإلطاف، وفي الثّاني
والثّالث يُقدِّم له ما حَضَرَه ولا يزيدُه على عادته، ثمَّ يُعطِيه ما يجوز به مَسافةً يوم وليلة
وتُسمَّى الجِيزة، وهي قَدْر ما يجوز به المسافر من مَنهَل إلى مَنهَل، ومنه الحديث الآخر:
((أجيزوا الوفد بنحوِ ما كنتُ أُجيزُهم)(١)، وقال الخطَّبيُّ: معناه: أنَّه إذا نزلَ به الضَّيف
(١) تقدم برقم (٣١٦٨).

٥٣٦
باب ٨٥ / ح ٦١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
أن يُتْحِفه ويَزِيدَه في البِرّ على ما بحَضرَتِه يوماً وليلة، وفي اليومينِ الأخيرَينِ يُقدِّم له ما
يَضُرِه، فإذا مضى الثلاث فقد قَضَى حَقّه، فما زاد عليه ممّا يُقدِّمه له يكون صَدَقة.
وقد وَقَعَ في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبريِّ عن أبي شُرَيح عند أحمد
(١٦٣٧١)، ومسلم (١٤/١٧٢٦) بلفظ: («الضّيافة ثلاثة أيام، وجائزَتُه يوم وليلة)) وهذا يدلُّ
على المغايرة، ويُؤيِّده ما قال أبو عُبيد. وأجابَ الطِّييُّ: بأنَّهَا جُملة مُستأنَفة بيان للجُملة الأولى،
كأَنَّه قيل: كيف يُكرِمه؟ قال: جائزته، ولا بُدّ من تقدير مُضاف، أي: زمان جائزَتِه، أي: برّه،
والضّيافةُ يومٌ وليلة، فهذه الرِّواية محمولة على اليوم الأوَّل، ورواية عبد الحميد على اليوم
الآخر، أي: قَدْر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يوماً وليلة، فينبغي أن يُحُمَل على هذا عَمَلاً
بالِّوایتینِ، انتھی.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((وجائزَتُه)) بياناً لحالةٍ أُخرى، وهي أنَّ المسافر تارةً يُقيمُ
عند مَن يَنزِل عليه، فهذا لا يُزادُ على الثلاث بتفاصيلها، وتارةً لا يُقيم، فهذا يُعطَى ما يجوز
به قَدْر كِفايته يوماً وليلة، ولعلَّ هذا أعدَل الأوجُه، والله أعلم.
واستدلَّ بجَعلِ ما زاد على الثلاث صَدَقة على أنَّ الذي قَبْلَها واجب، فإنَّ المراد بتسميتِهِ
صَدَقة التَّفير عنه؛ لأنَّ كثيراً من الناس خُصُوصاً الأغنياء يأَنَفونَ غالباً من أكل الصَّدَقة،
وقد تقدَّمَت أجوبة مَن لم يوجِب الضّيافة في شرح حديث عُقْبةَ (٢٤٦١).
واستَدَلَّ ابن بَطّال لعَدَمِ الوجوب بقولِه: ((جائزَته))، قال: والجائزة تَفَضُّلٌ وإحسان
ليست واجبة. وتُعقّبَ بأنَّه ليس المراد بالجائزة في حديث أبي شُرَيحِ العَطيَّة بالمعنى
المصطَلَح وهي ما يُعْطاه الشّاعر والوافد، فقد ذُكر في ((الأوائل))(١): أنَّ أوَّل مَن سَمّها
جائزة بعض الأُمَراء من التابعينَ، وأنَّ المراد بالجائزة في الحديث: أنَّه يُعطيه ما يُغنيه عن
غيره كما تقدَّم تقريره قبل. قلت: وهو صحيح في المراد من الحديث، وأمَّا تسمية العَطيَّة
للشّاعِرِ ونحوه جائزة فليس بحادثٍ، للحديثِ الصَّحيح: ((أجيزوا الوفد» كما تقدَّمَتِ
(١) انظر: ((الأوائل)) لأبي هلال العسكري ص٢٩٣-٢٩٤.

٥٣٧
باب ٨٥ / ح ٦١٣٨
كتاب الأدب
الإشارة إليه، ولقولِهِ وَلَه للعبَّاس: ((ألا أُعطيك، ألا أمنَحُك، ألا أُجيزُك؟)) فذكر حديث
صلاة التَّسبيح(١)، فدَلَّ على أنَّ استعمالها كذلك ليس بحادثٍ.
قوله: ((ولا يَحِلّ له أن يَثْوي عندَه)) قال ابن التِّين: هو بكسر الواو وبفتحها في الماضي
وبكسرها في المضارع.
قوله: ((حتَّى يُحْرِجَه)) بحاءٍ مُهمَلة ثمَّ جيم: من الخَرَج وهو الضّيق. والثَّواء بالتَّخفيفِ
والمدّ: الإقامة بمكانٍ مُعيَّن، قال النَّوويّ في رواية لمسلمٍ (١٧٢٦ / ١٦): ((حتَّى يُؤْثِمه)) أي:
يوقِعه في الإثم، لأنَّه قد يَغتابُه لطولِ / مُقامِه أو يُعرِّض له بما يُؤذيه، أو يَظُنّ به ظنّاً سَيِّئاً، ٥٣٤/١٠
وهذا كلّه محمول على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل، بأن يَطلُب منه الزّيادة
في الإقامة أو يَغْلِب على ظنّه أنَّه لا يَكرَه ذلك، وهو مُستَفاد من قوله: ((حتَّى يُحُرِجه)) لأنَّ
مفهومه: إذا ارتَفَعَ الَرَج أنَّ ذلك يجوز.
ووَقَعَ عند أحمد (١٦٣٧١) في رواية عبد الحميد بن جَعْفر عن سعيد المقبُريِّ عن أبي
شُرَيحٍ: قيل: يا رسول الله وما يُؤْثِمه؟ قال: ((يُقيمُ عنده لا يَجِد شيئاً يُقدِّمه(٢)).(٣)
قال ابن بَطّال: إنَّما كُرهَ له المقام بعد الثلاث لئلّا يُؤذيه، فتَصير الصَّدَقة منه على
وجه المنّ والأذَى. قلت: وفيه نظرٌّ، فإنَّ في الحديث: ((فما زاد فهو صَدَقة)) فمفهومه: أنَّ
الذي في الثلاث لا يُسَمَّى صَدَقة، فالأوْلى أن يقول: لئلا يُؤذيه فيوقِعه في الإثم بعد أن
كان مأجوراً.
(١) أخرجه أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧)، وأبو طاهر المخلص في ((المخلّصيات)) (٣١٢٤)،
والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (٣٣٢)، ولم يرد في روايتي أبي داود وابن ماجه قوله:
((أجیزك)).
(٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((مسند أحمد)»: يَقْريه.
(٣) وقع هنا في الأحاديث و(س) ما نصه: ((أخرجه أحمد والحاكم وفيه قصة لسلمان مع ضيفه، حيث طلب
منه زيادة على ما قدم له، فرهن مطهرته بسبب ذلك، ثم قال: ((الحمد لله))، وهذا الكلام فيه نقص في
أوله وآخره، ثم إنه ليس موضعه هنا، بل حيث أورده الحافظ في نهاية الباب التالي على الصواب، وقد
ذكره هناك تاماً دون سقط.

٥٣٨
باب ٨٦-٨٧ / ح ٦١٣٩ - ٦١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
٨٦- باب صنع الطّعام والتّكلّف للضّيف
٦١٣٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا أبو العُمَيسِ، عن عَوْنِ بنِ
أبي جُحَيفةَ، عن أبيه، قال: آخَى النبيُّ نَّهِ بِينَ سَلْمانَ وأبي الدَّرْداءِ، فزارَ سَلْمَانُ أبا الدَّرْداءِ،
فَرَأى أمَّ الدَّرْداءِ مُتَبَدِّلةً، فقال لها: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدَّرْداءِ ليس له حاجةٌ في
الدُّنْيا، فجاء أبو الدَّرْداءِ فصَنَعَ له طعاماً، فقال: كُلْ، فإنّ صائمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ،
فأكَلَ، فلمَّا كان اللَّيلُ ذهب أبو الدَّرْداءِ يقومُ، فقال: نَمْ. فنامَ، ثمَّ ذهب يقومُ، فقال: نَم. فلمَّا
كان آخِرُ اللَّيلِ، قال سَلْمَانُ: قُم الآنَ، قال: فصَلَّيًا، فقال له سَلْمانُ: إِنَّ لَرَبِّكَ عليكَ حَقّاً،
ولنفْسِكَ عليكَ حَقّاً، ولأهلِكَ عليكَ حَقّاً، فأعطِ كلَّ ذي حَقٌّ حَقَّه، فأتى النبيَّ ◌َّ فذكر ذلك
له، فقال النبيُّ مَ: ((صَدَقَ سَلْمان)).
أبو جُحَيفةَ وَهْبُ السُّوائيُّ، يقال: وَهْبُ الخيرِ.
قوله: ((باب صُنْعِ الطَّعام والتَّكَلُّف للضَّيفِ)) ذكر فيه حديث أبي جُحَيفةً في قصَّة سلمان
وأبي الدَّرداء، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وقد تقدَّم إيضاح ذلك مع بقيَّة شرحه في كتاب
الصيام (١٩٦٨).
قوله: ((أبو ◌ُحَيفةَ وَهْبُ السُّوائيُّ)) يعني: بضمِّ المهمَلة والمدّ. ((وهْب الخير)) أي: كان
يقال له: وهب الخير، وهذا لم يقع في رواية أبي ذرٍّ.
ووَقَعَ فِي التَّكَلُّف للضَّيفِ حديث سلمان: نَهانا رسولُ اللهِلَّهِ أَن نَتَكلَّف للضَّيفِ،
أخرجه أحمد (٢٣٧٣٣) والحاكم (٤/ ١٢٣)، وفيه قصَّة سلمان مع ضَيفِه، حيثُ طلبَ منه
زيادةً على ما قَدَّمَ له، فَرَهَنَ مِطهَرتَه بسببٍ ذلك، ثمَّ قال الرجل لمَّا فَرَغَ: الحمد لله الذي
قَنَّعَنا بما رَزَقَنا، فقال له سلمان: لو قَنِعتَ ما كانت مِطهَرَتي مَرهُونة.
٨٧ - باب ما يُكرَه من الغَضَب والجَزَع عند الضّیف
٦١٤٠ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ الجُرَيرِيُّ، عن أبي عثمانَ،
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّ أبا بكرٍ تَضَيََّ رَهْطاً، فقال لعبدِ الرَّحمنِ: دونَكَ

٥٣٩
باب ٨٨ / ح ٦١٤١
كتاب الأدب
أَضْيافَكَ، فإنّ مُنْطَلِقٌّ إلى النبيِّ وَِّ، فافرُغْ من قِراهُم قبلَ أن أُجِيءَ، فانطَلَقَ عبدُ الرَّحمنِ
فأتاهم بما عندَه، فقال: اطْعَموا، فقالوا: أينَ رَبُّ مَنْزِلِنا؟ قال: اطْعَموا، قالوا: ما نحنُ بآكِلِينَ
حتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنا، قال: اقْبَلوا عَنّا قِراكُم، فإِنَّه إن جاء ولم تَطْعَموا لَنَلْقَنَّ منه، فأبَوْا،
فعَرَفْتُ أَنَّه يَجِدُ عليَّ، فلمَّا جاء تَنَخَّيتُ عنه، فقال: ما صَنَعْتُم؟ فأخبَروه، فقال: يا عبدَ الَّحمنِ،
فسَكَتُّ، ثمَّ قال: يا عبدَ الرَّحمنِ، فسَكَتُّ، فقال: يا غُنْثَرُ! أقسَمْتُ عليكَ إن كنتَ تَسْمَعُ صوتي لمَّا
جِئْتَ، فخَرَجْتُ فقلتُ: سَل أضْيافَكَ، فقالوا: صَدَقَ، أتانا به. قال: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُوني، والله لا أطْعَمُه
اللَّيلةَ، فقال الآخَرونَ: والله لا نَطْعَمُهُ حتَّى تَطْعَمَه، قال: لم أرَ في الشرِّ كالَّيْلِةِ، ويَلَكُمْ! ما أنتم؟ لمَ
لا تَقْبَلونَ عَنّا قِراكُم؟ هاتِ طعامَكَ، فجاءه، فَوَضَعَ يدَه فقال: باسم الله، الأولى للشَّيطان، فأكَلَ
وأكلوا.
قوله: ((باب ما يُكرَه من الغَضَب والجَزَع عندَ الضَّیف)» ذکر فیه حدیث عبد الرَّحمن بن أبي ٥٣٥/١٠
بكر الصِّدّيق في قصَّة أضياف أبي بكر، وقد تقدَّم شرحه في علامات النُّبوّة (٣٥٨١) من
التَّرجمة النبويَّة، وأخَذَ الغضب منه من قول عبد الرَّحمن: ((فَعَرَفت أنَّه يَجِدٍ عليَّ) وهو من
المَوْجِدة وهي الغضب، وقد وَقَعَ الَّصريح بذلك في الطَّريق التي بعد هذه، حيثُ قال
فیه: ((فغَضِبَ أبو بكر)).
٨٨- باب قول الضّيف لصاحبه: لا آكل حتی تأکل
فيه حديثُ أبي جُحَيفةً، عن النبيِّ ◌َكلّ.
٦١٤١ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سليمانَ، عن أبي عثمانَ، قال
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بكرٍ رضي الله عنهما: جاء أبو بكرٍ بضَيفٍ له - أو بأضْيافٍ له - فأمسَى عندَ
النبيِّ وَّةِ، فلمَّا جاء قالت أمّيَ: احتَبَسْتَ عن ضَيفِكَ - أو أضْيافِكَ - اللَّيْلَةَ؟ قال: ما
عَشَّتِهِم؟ فقالت: عَرَضْنا عليه، أو عليهم، فأبَوْا - أو فأبى - فغَضِبَ أبو بكرٍ فسَبَّ وجَدَّعَ، وحَلَفَ
لا يَطْعَمُه، فاختَبَأْتُ أنا، فقال: يا غُنْثَرُ! فحَلَفَتِ المرأةُ لا تَطْعَمُهُ حتَّىَ يَطْعَمَه، فحَلَفَ الضَّيفُ - أو
الأَضْيافُ - أن لا يَطْعَمَه - أو يَطْعَموه - حتَّى يَطْعَمَه، فقال أبو بكرٍ: كأنَّ هذه منَ الشَّيطان، فَعَا

٥٤٠
باب ٨٩ / ح ٦١٤٢-٦١٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
بالطَّعام فأكَلَ وأكَلوا، فجَعَلوا لا يرفعونَ لُقْمةً إلا رَبا من أسفلِها أكثرُ منها، فقال: يا أُخْتَ
بني فِراسٍ، ما هذا؟ فقالت: وقُرّةٍ عَينِي إِنَّهَا الآنَ لأكثرُ قبلَ أن نأكُلَ، فأكَلوا، وبَعَثَ بها إلى
النبيِّ ◌ََّ، فذكر أنَّه أَكَلَ مِنْها.
قوله: «باب قول الضّیف لصاحبه: والله لا آگل حتّى تَأْكُل، فیه حديث أبي جُحَیفً)) يشير إلى
قصَّة أبي الدَّرداء وسلمان، وقد تقدَّم شرحها في كتاب الصيام (١٩٦٨)، ولم تقع هذه التَّرجمة ولا
هذا التَّعليق في رواية أبي ذرٍّ، وإنَّما ساقَ قصَّة أضياف أبي بكر تِلوَ الطَّريق التي قبلها، وهي من
هذا الوجه مختصرة. وسليمان في سندها: هو التَّيْميّ.
وقوله: ((الأُولى للشيطان)) أي: الحالة التي غَضِب فيها وحَلَف، وتقدم له توجيهٌ آخر
متعقّبٌ.
٨٩ - باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبرُ بالكلام والسّؤال
٦١٤٢ و٦١٤٣ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادٌ - هو ابنُ زيدٍ - عن يحيى بنِ
سعيدٍ، عن بُشَسِرِ بنِ يَسارٍ مولى الأنصار، عن رافعٍ بنِ خَدِيجِ وسَهْلٍ بنِ أبي حَثْمة: أنَّهما حَدَّثاه:
أنَّ عبد الله بنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ أتيا خَيِيرَ، فتَفرَّقا في النَّخْلِ، فَقُتِلَ عبدُ الله بنُ سَهْلٍ
فجاء عبدُ الرّحمنِ بنُ سَهْلٍ وحوَيِّصةُ ومُحَيِّصةُ ابنا مسعودٍ إلى النبيِّ وَِّ، فتكلَّموا في أمرٍ
صاحبِهِم، فبَدَأ عبدُ الرَّحمنِ - وكان أصغَرَ القومِ - فقال النبيُّ ◌َّ: ((كَبِرِ الكُبْرَ)) - قال يحيى:
لِيَليَ الكلامَ الأكبر - فتكلَّموا في أمرٍ صاحبِهِم، فقال النبيُّ وَّ: ((أنسْتَحِقُونَ قَتِيلَكُم - أو قال
صاحبَكُم - بأيمان خمسينَ مِنْكُم؟)) قالوا: يا رسولَ الله، أمرٌ لم نَرَه، قال: ((فتُثْرِتُكم يهودُ في أيمان
خمسينَ منهم؟» قالوا: يا رسولَ الله، قومٌ كفَّارٌ. فَوَدَاهم رسولُ اللهِوَلِ مِن قِبَلِهِ. قال سَهْلٌ: فأدْرَكْتُ
ناقةً من تلكَ الإبلِ فَدَخَلَت مِرْبَداً لهم، فرَكَضَتْني بِرِجْلِها.
قال اللَّيثُ: حذَّثني يحيى، عن بُشَسِرِ، عن سَهْلٍ، قال يحيى: حَسِبتُ أنَّه قال: معَ رافع بنِ
خدِیچ
وقال ابنُ عُبَينَةَ: حذَّثنا يحيى، عن بُشَيرٍ، عن سَهْلٍ وحدَه.