Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ٦٨ / ح ٦٠٨٦ - ٦٠٩١ كتاب الأدب ٦٠٨٦ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن أبي العَبَّاسِ، عن عبد الله ابنِ عُمر، قال: لمَّا كان رسولُ اللهِوََّ بِالطّائِفِ، قال: ((إنا قافِلونَ غَداً إن شاء الله)) فقال ناسُ من أصحاب رسولِ الله وَله لا نَبْرَحُ أو نَفْتَحَها، فقال النبيُّ نَّهِ: ((فاغدُوا على القتال)) قال: فغَدَوْا، فقاتَلوهم قتالاً شديداً، وكَثُرَ فيهمُ الجِراحاتُ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنّا قافِلونَ غَداً إن شاء الله)) قال: فسَكَتوا، فِضَحِكَ رسولُ الله ◌ِ. قال الحُمَیديُّ: حدّثنا سفيانُ بالخبر كلِّه. ٦٠٨٧- حذَّثنا موسى، حدَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن مُميدِ بنِ عبدِ الَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: أتى رجلٌ النبيَّ وَ لِ فقال: هَلَكْتُ! وقَعْتُ على أهلي في رمضانَ، قال: ((أُعتِقِ رَقَةً)) قال: ليس لي، قال: ((فصُم شَهْرَينِ مُتَتَابعَينٍ)) قال: لا أستَطِيعُ، قال: ((فأطْعِم ◌ِتِينَ مِسْكيناً) قال: لا أجِدُ. فَأَبِيَ بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ - قال إبراهيمُ: العَرَقُّ: المِكْتَلُ - فقال: ((أينَ السائل؟ تَصَدَّق بها)) قال: على أفقَرَ مِنِّي؟ والله ما بينَ لابَيَها أهلُ بيتٍ أفقَرُ مِنّ، فضَحِكَ النّبِيُّ وَِّ حَتَّى بَدَت نَواجِذُه، قال: ((فأنتم إذاً)). ٦٠٨٨- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأوَيسِيُّ، حدَّثنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله ابنِ أبي طَلْحَةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كنتُ أمشي معَ رسولِ الله ◌ِّهِ وعليه بُرْدٌ نَجْراٌّ غَلِيظُ الحاشيةِ، فأدْرَكَه أعرابٌّ، فجَبَذَ / برِدائه جَبْذةً شديدةً، قال أنسُ: فَنَظَرْتُ إلى صَفْحَةٍ عاتقٍ النبيِّ ◌ََّ ٥٠٤/١٠ وقد أَّرَت فيها حاشيةُ الرِّداءِ من شِدّةٍ جَبْذَتِهِ، ثمَّ قال: يا محمَّدُ، مُر لي من مال الله الذي عندَكَ! فالتَفَتَ إليه فضَحِكَ، ثمَّ أُمَرَ له بعطاءٍ. ٦٠٨٩ - حدَّثنا ابنُ نُمَير، حدّثنا ابنُ إِذْرِيسَ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن جَرِیر، قال: ما حَجَبني النبيُّ ◌َ ﴿ مِنذُ أسلَمْتُ، ولا رآني إلا تَسَّمَ في وجھِي. ٦٠٩٠ - ولقد شَكَوْتُ إليه أنّي لا أثْبُتُ على الخيلِ، فضَرَبَ بيدِه في صَدْري، وقال: «اللهمَّ نَبِّتْه، واجْعَلْه هادِیاً مَهْدِيّاً)). ٦٠٩١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنّى، حدّثنا یحیی، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن زينب بنت ٤٨٢ باب ٦٨ / ح ٦٠٩٢ - ٦٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري أمِّ سَلَمَةَ، عن أمّ سَلَمَةَ: أنَّ أَّ سُلَيم قالت: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ لا يَستَحي منَ الحقِّ، هل على المرأةِ غُسْلٌ إذا احتَلَمَت؟ قال: ((نعم، إذا رَأْتِ الماءَ)) فضَحِكَت أمّ سَلَمَةَ، فقالت: أَتحتَلمُ المرأة؟ فقال النبيُّ ◌ََّ: ((فِمَ شَبَه الولدِ؟)). ٦٠٩٢ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، أخبرنا عَمْرُو: أنَّ أبا النَّضْرِ حدَّثه، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما رأيتُ النبيَّ ◌َِّ مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضاحكاً حتَّى أَرَى منه لَهَواتِهِ، إِنَّما كان يَتَبَسَّم. ٦٠٩٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ محبوبٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ. وقال لي خَلِيفةُ: حدّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ ◌َّهِ يومَ الجُمُعةِ وهو يَخْطُبُ بالمدينةِ، فقال: فَحَطَ المطرُ، فاستَسْقِ رَبَّكَ، فَنَظَرَ إلى السماءِ وما نَرَى من سَحابٍ، فاستَسْقَى، فَتَشَأْ السَّحابُ بعضُه إلى بعضٍ، ثمَّ مُطِروا، حتَّى سالَت مَثاعبُ المدينةِ، فما زالَت إلى الجمُعةِ المقْبِلةِ ما تُقْلِعُ، ثمَّ قامَ ذلك الرجلُ - أو غيرُه - والنبيُّ ◌َيّ- يَخْطُبُ، فقال: غَرِقْنا، فادْعُ رَبَّكَ يَحِسْها عَنّا، فَضَحِكَ، ثمَّ قال: ((اللهمَّ حَوالَينا ولا عَلَينا)) مرَّتَيْنِ أو ثلاثاً، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عن المدينةِ يَمِيناً وشِمالاً يُمْطَرُ ما حَوالَينا، ولا يُمْطِرُ منها شيءٌ، ◌ُرِيهُمُ الله كرامةَ نبِّه ◌ِّهِ وإجابةَ دَعْوَتِه. قوله: ((باب التبسُّم والضَّحِك)) قال أهل اللُّغة: التبسُّم مَبادِئ الضَّحِك، والضَّحِك: انبساط الوجه حتَّی تظهر الأسنان من السُّرور، فإن كان بصوتٍ وکان بحيثُ يُسمع من بُعد فهو القَهقَهة، وإلّا فهو الضَّحِك، وإن كان بلا صوت فهو التبسُّم، وتُسمَّى الأسنان في مُقدَّم الفَم الضَّواحك، وهي الثَّنايا والأنياب، وما يليها وتُسمَّى النَّواجِذ. ٥٠٥/١٠ قوله: ((وقالت/ فاطمة: أسَرَّ إليَّ النبيّ ◌َ ل﴿ فَضَحِكْت)) هو طَرَف من حديث لعائشة عن فاطمة عليها السَّلام، مرَّ بتمامه وشرحه في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٣). قوله: ((وقال ابن عبّاس: إنَّ الله هو أضْحَكَ وأبكَى)) أي: خَلَقَ في الإنسان الضَّحِك والبُكاء، وهذا طَرَف من حديث لابنِ عبَّاس تقدَّم في الجنائز (١٢٨٨)، وأشارَ فيه ابن عبّاس - بجوازٍ ٤٨٣ باب ٦٨ / ح ٦٠٩٣ كتاب الأدب البُكاء بغير نياحة - إلى قوله تعالى في سورة النَّجم [٤٣]: ﴿ وَأَنَّهُ, هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. ثمَّ ذكر في الباب تسعة أحاديث تقدَّم أكثرها، وفي جميعها ذِكْر التبسُّم أو الضَّحِك، وأسبابها مُخْتَلِفة لكنَّ أكثرها للتَّعَجُّب، وبعضها للإعجاب، وبعضها للمُلاطَفة. الأول: حديث عائشة في قصَّة امرأة رفاعة، والغرض منه: قولها فيه: ((وما يزيد رسولُ الله ◌َله على التبسُّم))، وقد مرَّ شرحه مُستَوقَى في كتاب الطلاق (٥٢٦٠). وقوله فيه: ((وابن سعيد بن العاص جالس)) وَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ عن الجُرجانيّ: ((وسعيد بن العاص)) والصَّواب الأوَّل، وهو خالد، وقد وَقَعَ مُسَمَّى فيما مَضَى(١). الثاني: حديث سعد: ((استأذَنَ عمر)) تقدَّم شرحه مُستَوقَ في مناقب عمر (٣٦٨٣)، والغرض منه: قوله: ((والنبيّ نَّه يَضحَك، فقال: أضحَكَ الله سِنّك))، ويُستَفاد منه ما يقال للكبير إذا ضَحِكَ. وإسماعيل شيخه فيه. هو ابن أبي أويس كما جَزَمَ به المِّيّ، وقال أبو عليّ الجيَّانيّ: لعلَّه ابن أبي أويس. قلت: وقد تقدَّم في فضائل الأنصار(٢) حديث قال فيه البخاريّ: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله حدَّثنا إبراهيم بن سعد)) وإسماعيل هذا: هو ابن أبي أويس جَزماً، وهو يُؤيِّد ما جَزَمَ به المِّيّ. الحديث الثالث: حديث عَمْرو: هو ابن دينار، عن أبي العبّاس: وهو الشّاعر، عن عبد الله بن عُمر. كذا للأكثر بضمِّ العين، وللحَمُّويِّ وحده هنا: ((عَمْرو)) بفتحها، والصَّواب الأوَّل، وقد تقدَّم بيانه في غزوة الطائف (٤٣٢٥) مع شرح الحديث، والغرض منه هنا: قوله: ((فضَحِكَ رسول الله (وَ ل﴾)). وقوله فيه: ((لا نَبَرَح أو نَفْتَحها)) قال ابن التِّين: ضَبَطناه بالرَّفع والصَّواب النَّصب، لأنَّ ((أو)) إذا كانت بمعنى ((حتَّى) أو ((إلى أن)) نَصَبَت، وهي هنا كذلك. (١) هو مسمّى خالداً في هذا الحديث نفسه. (٢) برقم (٣٧٨٠)، وهناك ثلاثة أحاديث أخرى، هي (٦٤) و(٤٥٩٢) و(٥٤٤٧). ٤٨٤ باب ٦٨ / ح ٦٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال الحُمَيديُّ: حدَّثنا سُفْيان بالخبرِ كلِّه)) تقدَّم بيان مَن وَصَلَه في غزوة الطائف، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((حدَّثنا سفيان كلَّه بالخيرِ)) والمعنى: أنَّهَ ذُكِرَ بصريحِ الإخبار في جميع السَّنَد، لا بالعَنعَنة. الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وإبراهيم: هو ابن سعد. قوله: ((حكَّثنا ابن شِهاب)) هذا إنَّما سمعَه إبراهيم بن سعد من الزُّهْريّ، وقد سَبَقَ في الحديث الثّاني أنَّه روى عنه بواسطة صالح بن كَيْسانَ بينهما. وقصَّة المُجامِع في رمضان تقدَّم شرحها في كتاب الصيام (١٩٣٦ و١٩٣٧). وقوله فيه: ((قال إبراهيم)) هو ابن سعد، وهو موصول بالسَّنَد المذكور. وقوله: ((والعَرَق: المِكتَل)) فيه بيان لما أدرَجَه غيره، فجَعَلَ تفسير العَرَق من نفس الحديث. والغرض منه: قوله: ((فضَحِكَ حتَّى بَدَت نَواجِذْه)) والنَّواجِذ: جمع ناجِذة - بالنّونِ والجيم والمعجَمة - وهي الأضراس، ولا تكاد تظهر إلّا عند المبالَغة في الضَّحِك، ولا مُنافاةَ بينه وبين حديث عائشة ثامِنٍ أحاديث الباب: ما رأيته وَلِ مُستَجمِعاً قَطُّ ضاحكاً حتَّى أرَى منه لَواتِه، لأنَّ المشِت مُقدَّم على النافي، قاله ابن بَطّال. وأقوى منه أنَّ الذي نَفَته غير الذي أثبتَه أبو هريرة، ويحتمل أن يريد بالنَّواجِذِ الأنيابَ مجازاً أو تَسامحاً (١)، فقد تقدَّم في الصيام (١٩٣٦) في هذا الحديث بلفظ: ((حتَّى بَدَت أنيابه)). والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنَّهِ وَلِّ كان في مُعظَم أحواله لا يزيد على التبسُّم، ورُبَّما زاد على ذلك فضَحِكَ، والمكروه من ذلك إنَّما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه، لأنَّه يُذهِب ٥٠٦/١٠ الوقار، قال ابن بطال: والذي ينبغي أن يُقتدى به من فعله ما واظَبَ علیه من ذلك، فقد/ روی البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٥٢)، وابن ماجَهْ (٤١٩٣ و٤٢١٧) من وجهَينٍ عن أبي هريرة رَفَعَهُ: ((لا تُكثِروا الضَّحِك، فإنَّ كَثْرة الضَّحِكِ تُميتُ القلب». (١) جاء في الأصلين لفظ ((مباحاً)) بدل ((تسامحاً)) وما أثبتناه من (س) فهو أوجه، ووقع بعده في (أ) و(س): ((وبالأنياب مرة)) ولم ترد هذه العبارة في (ع)، وبدونها يستقيم الكلام، وعلى فرض إثباتها فلا بد هنا من تقدير كلام ساقط تقديره: ((فعبَّر بالنواجذ مرة وبالأنياب مرة)»، والله تعالى أعلم. ٤٨٥ باب ٦٨ / ح ٦٠٩٣ كتاب الأدب الحديث الخامس: حديث أنس. قوله: ((مالك)) قال الدّارَ قُطْنيُّ: لم أرَ هذا الحديث عند أحد من رواة (الموطَّأ)) إلّا عند يحيى بن بُكَير ومَعْن بن عيسى، ورواه جماعة من رواة ((الموطَا)) عن مالك لكن خارج ((الموطَّا))، وزاد ابن عبد البَرِّ: أنَّه رواه في ((الموطّ) أيضاً مُصعَب بن عبد الله الزُّبَيرِيُّ وسليمان بن بُرْد(١). قلت: ولم يُخُرِّجه البخاريّ إلّا من رواية مالك، وأخرجه مسلم (١٠٥٧) أيضاً من رواية الأوزاعيِّ ومن رواية همَّام ومن رواية عِكْرمة بن عَّار، كلّهم عن إسحاق بنِ أبي طَلْحة، وساقَه على لفظ مالك وبيَّن بعض لفظ غیره. قوله: ((كنت أمشي)) في رواية الأوزاعيِّ: ((أدخُل المسجد)). قوله: ((وعليه بُرْد)) في رواية الأوزاعيِّ: ((رِداء)). قوله: (نَجْرانيّ)) بفتح النُّون وسكون الجيم: نسبة إلى نَجْران بَلَد معروف بين الحجاز واليمن، تقدَّمت في أواخر المغازي (٤٣٨٠). قوله: ((غليظُ الحاشية)) في رواية الأوزاعيِّ: ((الصَّنِفة)) بفتح المهمَلة وكسر النُّون بعدها فاء، وهي طَرَف الثَّوب ممّا يَلِي طُرَّتَه. قوله: ((فأدْرَكَه أعْرابيّ)) زاد همَّام: من أهل البادية، وفي رواية الأوزاعيِّ: فجاء أعرابيّ من خلفه. قوله: ((فجَبَ)) بفتح الجيم والموحّدة بعدها ذال مُعجَمة، وفي رواية الأوزاعيِّ: ((فجَذَبَ)) وهي بمعنی جَبَذَ. قوله: ((جَهْذة شديدة)) في رواية عِكْرمة: حتَّى رَجَعَ النبيّ وَّهُ فِي نَحْر الأعرابيّ. قوله: ((قال أنس: فَتَظَرَّت إلى صَفْحة عاتق)) في رواية مسلم: ((عُنُقُ))، وكذا عند جميع الرُّواة (١) تحرَّف في (س) إلى: ((صرد))، والمثبت من الأصلين، وهو سليمان بن برد بن نجيح التُّجِيبي مولاهم، أبو الربيع، روى عن مالك الفقه و((الموطأ)) وغير ذلك، وكان من فقهاء مصر، توفي سنة (٢١٠ هـ) وقيل: سنة (٢١٢ هـ). انظر: ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٢٨٣/٣). ٤٨٦ باب ٦٨ / ح ٦٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري عن مالك، وكذا في رواية الأوزاعيِّ. قوله: «أثّرت فيها» في روایة الگُشْمِیھنیّ: ((بها))، وكذا لمسلم من رواية مالك، وفي رواية هَمَّامٍ: حتَّى انشَقَّ الْبُرْد وبَقِيَت حاشيته في عُنُقُه، وزاد أنَّ ذلك وَقَعَ من الأعرابيّ لمَّا وَصَلَ النبيّ ◌َّه إلى حُجَرَته، ويُجمَع: بأنَّه لَقِيَه خارج المسجد فأدرَكَه لمَّا كادَ يَدخُل، فكَلَّمَه أو مَسَكَ بثوبِه لمَّا دَخَلَ المسجد، فلمَّا كادَ يَدخُل الحُجرة خَشِيَ أن يَفوته فجَبَذَه. قوله: ((مُر لي)) في رواية الأوزاعيِّ: ((أعطِنا)). قوله: ((فضَحِكَ)) في رواية الأوزاعيِّ: فتَبَسَّمَ ثمّ قال: ((مُروا له))، وفي رواية همَّامٍ: وأمَرَ له بشيءٍ. وفي هذا الحديث بيان حِلْمِه وَلِ وصَبْرِه على الأذَى فِي النَّفْس والمال، والتَّجاوز على جَفاء مَن يريد تألّفه على الإسلام، وليَتَأْسَى به الولاة بعده في خُلُقه الجميل من الصَّفح والإغضاء، والدَّفع بالتي هي أحسن. الحديث السادس: حديث جَرِير وهو ابن عبد الله البَجَليّ، وابن نُمَير: هو محمَّد بن عبد الله بن نُمَیر، وابن إدريس: هو عبد الله، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازِم، والجميع كوفيّونَ. والغرض منه: قوله: ولا رآني إلّا تَبَسَّمَ، وتقدَّم في المناقب (٣٨٢٢) بلفظ: ((إلّا ضَحِكَ)) وهما مُتَقاربان، والتبسُّم أوائل الضَّحِك كما تقدَّمَ، وبَقيَّة شرحه هناك. الحديث السابع: حديث أمّ سَلَمة في سؤال أمّ سُلَيم: هل على المرأة من غُسل؟، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الطَّهارة (٢٨٢). والغرض منه: قوله: ((فضَحِكَت أمّ سَلَمة)) لوقوع ذلك بحَضرة النبيّ وَّةِ، ولم يُنكِرِ عليها ضَحِكَها، وإنَّما أنكَرَ عليها إنكارها احتلام المرأة. الحديث الثامن: قوله: ((عَمْرو)) هو ابن الحارث المِصريّ، وأبو النَّضر: هو سالم. قوله: ((مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضاحكاً) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مُستَجمِعاً ضَحكاً)) أي: مُبالغاً في ٤٨٧ باب ٦٩ / ح ٦٠٩٤ كتاب الأدب الضَّحِك لم يَترُك منه شيئاً، يقال: استَجمَعَ السَّيل: اجتَمَعَ من كلّ موضع، واستَجمَعَت للمَرءِ أُموره: اجتَمَعَ له كل ما يُحِبّه، فعلى هذا قوله: ((ضاحكاً)) منصوب على الثَّمييز وإن كان مُشْتَقّاً، مِثل: لله دَرّه فارساً، أي: ما رأيته مُستَجمِعاً من جهة الضَّحِك بحيثُ يَضحَك ضَحِكاً تامّاً مُقبِلاً بكلّيَّتِه على الضَّحِك. واللَّهَوات بفتح اللّام والهاء: جمع لهاة، وهي اللَّحمة التي بأعلى الحُجَرة من أقصَى الفَم. وهذا القَدْر المذكور طَرَف من حديث تقدَّم بتمامه وشرحه في تفسير سورة الأحقاف (٤٨٢٨). الحديث التاسع: حديث أنس في قصَّة الذي طلبَ الاستِسْقاء ثمَّ الاستِصْحاء. / والغرض ٥٠٧/١٠ منه: ضَحِكِه ◌ِوَ ﴿ عند قول القائل: غَرِقنا، أورَدَه من وجهَينِ عن قَتَادة، وساقَه هنا على لفظ سعيد بن أبي عَرُوبة، وساقَه في الدَّعَوات (٦٣٤٢) على لفظ أبي عَوَانة، ومحمَّد ابن مَحَبُوب شيخه: هو أبو عبد الله البُنَاني البصريّ، وهو غير محمَّد بن الحسن الذي لَقَبُه مَحَبُوب، ووهمَ مَن وَخَّدَهما كشيخِنا ابن الملقِّن، فإنَّه جَزَمَ بذلك وزَعَمَ أنَّ البخاريّ روى عنه هنا، وروی عن رجل عنه، وليس كذلك، بل هما اثنان: أحدهما في عداد شيوخ الآخر، وشيخ البخاريّ اسمه محمَّد واسم أبيه مَحَبُوب، والآخر: اسمه محمَّد واسم أبيه الحسن، ومَحَبُوب لَقَب محمَّد لا لَقَب الحسن، وقد أخرج ه البخاريّ في كتاب الأحكام (٧١٥٧) حديثاً واحداً قال فيه: حدَّثنا مَحَبُوب بن الحسن، وسبب الوهم أنَّه وَقَعَ في بعض الأسانيد: حدَّثْنا محمَّد بن الحسن محبوب، فظنُّوا أنَّه لقبُ الحسن، وليس كذلك. ٦٩ - باب قول الله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وما يُنھی عن الكذب ٦٠٩٤ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله تعظـ عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدي إلى البِّ، وإِنَّ الِرَّ يَهْدي إلى الجنَّةِ، وإنَّ الرجلَ لَيَصْدُقُ ٤٨٨ باب ٦٩ / ح ٦٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى يكونَ صِدِّيقًاً، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدي إلى الفُجورِ، وإنّ الفُجورَ يَهْدي إلى النار، وإنَّ الرجلَ لَيَكذِبُ حتَّى يُكتَبَ عندَ الله كَذّاباً)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ وما يُنْهَى عن الكذِب)) قال الرَّاغِب: أصل الصِّدق والكذِب في القول، ماضياً كان أو مُستَقَبَلاً، وَعْداً كان أو غيره، ولا يكونان بالقَصْدِ الأوَّل إلّا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والطَّلَب. والصِّدق: مُطابقَة القول الضَّميرَ والمخبَر عنه، فإن انخَرَمَ شرط لم يكن صِدقاً، بل إمّا أن يكون كذِباً أو مُتَرَدِّداً بينهما على اعتبارَين، كقولِ المنافق: محمَّد رسول الله، فإنَّه يَصِحّ أن يقال: صَدَقَ؛ لكَونِ المخبَر عنه كذلك، ويَصِحّ أن يقال: كذَبَ؛ لمُخالَفة قوله لضميره. والصِّدّيق: مَن كَثُرَ منه الصِّدق. وقد يُستَعمَل الصِّدق والكذب في كلّ ما يَحِقّ في الاعتقاد ويَحَصُل، نحو: صَدَقَ ظنّي، وفي الفِعل نحو: صَدَقَ في القتال، ومنه: ﴿قَدْ صَدَقْتَ الرُِّيَآَ﴾ [الصافات: ١٠٥]. انتهى مُلخَّصاً. ٥٠٨/١٠ وقال ابن التِّين: اختُلِفَ في قوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾، فقيل: معناه ◌ِمِثلُهم، وقيل: / منهم. قلت: وأظنّ المصنِّف لَمَّحَ بذِكْر الآية إلى قصَّة كعب بن مالك، وما أدّاه صِدقُه في الحديث إلى الخير الذي ذكره في الآية، بعد أن وَقَعَ له ما وَقَعَ من ترك المسلمينَ كلامه تلك المدّة حتَّى ضاقَت عليه الأرض بما رَحُبَت، ثمَّ مَنَّ الله عليه بقَبُولِ تَوبَته، وقال في قِصَّته: ما أنعَمَ الله عليَّ من نِعمة بعد إذ هَداني للإسلام أعظَم في نفسي من صِدْقي أن لا أكون كذَبتُ، فأهلَك كما هَلَكَ الذينَ كذَبوا(١). وقال الغَزاليّ: الكذِب من قَبَائح الذُّنوب، وليس حَراماً لعَينِهِ بل لما فيه من الضَّرَر، ولذلك يُؤذَن فيه حيثُ يَتَعيَّن طريقاً إلى المصلحة. وتُعقِّبَ بأنَّه يَلزم أن يكون الكذب إذا لم يَنشَأ عنه ضَرَرٌ مُباحاً، وليس كذلك، ويُمكِن الجواب بأنَّه يُمنَع من ذلك حَسماً للمادّة، فلا يُباح منه إلّا ما يَتَرتَّب عليه مَصلَحة، فقد أخرج البيهقيُّ في («الشعب» (٤٨٠٧) بسند صحيح (١) تقدم برقم (٤٤١٨). ٤٨٩ باب ٦٩ / ح ٦٠٩٤ كتاب الأدب عن أبي بكر الصِّدّيق قال: الكذِب ◌ُجانبُ الإيمان، وأخرجه (٤٨٠٤ و٤٨٠٥) عنه مرفوعاً، وقال: الصَّحيح موقوف. وأخرج البزَّار (١١٣٩) من حديث سعد بن أبي وقّاص رَفَعَه قال: ((يُطبَع المؤمن على كلّ شيء، إلّا الخيانة والكذِب)) وسنده قويّ، وذكر الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَلِ)) (٤/ ٣٣٠): أنَّ الأشبَهَ أنَّه موقوف. وشاهد المرفوع من مُرسَل صفوان بن سُلَيم في ((الموطَّأ)) (٩٩٠/٢). قال ابن التِّين: ظاهره يعارِضُ حديث ابن مسعود، والجمع بينَهما: حملٌ حديث صَفْوان على المؤمن الكامل. قوله: (جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وأمَّا جَرِير المذكور في ثالث أحاديث الباب فهو ابن حازم. قوله: ((إنَّ الصِّدْق يَهْدي)) بفتح أوَّله من الهداية، وهي الدّلالة الموصِلة إلى المطلوب، هكذا وَقَعَ أوَّل الحديث من رواية منصور عن أبي وائل، ووَقَعَ في أوَّله من رواية الأعمش عن أبي وائل عند مسلم (١٠٥/٢٦٠٧)، وأبي داود (٤٩٨٩)، والتِّرمِذيّ (١٩٧١): ((عليكم بالصِّدِّقِ فإنَّ الصِّدق))، وفيه: ((وإيّاكم والكذِب فإنَّ الكذِب .. )) إلى آخره. قوله: ((إلى البِّ)) بكسر الموخَّدة، أصله: التَّوسُّع في فِعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلّها، ويُطلَق على العَمَل الخالص الدّائم. قوله: ((وإنَّ البِرّ يَهْدي إلى الجنَّة)) قال ابن بَطّال: مِصداقُه في كتاب الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]. قوله: ((وإنَّ الرجل لَيَصْدُق)) زاد في رواية الأعمَش: ((ويَتَحرَّى الصِّدق))، وكذا زادَها في الشِّقّ الثّاني. قوله: ((حتَّی یکون صِدّیقاً) في روایة الأعمش: (حتی یُکتب عند الله صِدّیقا)). قال ابن بَطّال: المراد أنَّه يَتَكَزَّر منه الصِّدق حتَّى يَسْتَحِقّ اسم المبالَغة في الصِّدق. قوله: ((إنَّ الكذِب يَهْدي إلى الفُجور)) قال الرّاغِب: أصل الفَجْر: الشَّقِّ، فالفُجور: شَقُّ سِتْر الدّيانة، ويُطلَق على المَيْل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشرِّ. ٤٩٠ باب ٦٩ / ح ٦٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وإنَّ الرجل لَيَكذِب حتَّى يُكتَب)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يكون)) وهو وزان الأوَّل، والمراد بالكتابة: الحُكم عليه بذلك وإظهاره للمخلوقينَ من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك (٢/ ٩٩٠) بلاغاً عن ابن مسعود، وزاد فيه زيادة مُفيدة، ولفظه: «لا يزال العَبد ◌َكذِب ويَتَحرَّى الكذب، فيُنكَت في قلبه نكتة سوداء حتَّى يَسود قلبه، فيُكتَب عند الله من الکاذِبینَ)). قال النَّوويّ: قال العلماء: في هذا الحديث حَتٍّ على تَحرّي الصَّدق، وهو قصْدُه والاعتناء به، وعلى التَّحذير من الكذِب والتَّساهُل فيه، فإنَّه إذا تَساهَلَ فيه كَثُرَ منه فعُرِف به. قلت: والتَّقيد بالتَّحَرّي وَقَعَ في رواية أبي الأحوص، عن منصور بن المعتمِر عند مسلم (٢٦٠٧] ١٠٤)، ولفظه: ((وإنَّ العَبد لَيَتَحرَّى الصِّدق)) وكذا قال في الكذب، وعنده أيضاً في رواية الأعمش عن شَقِيق وهو أبو وائل، وأوَّله عنده: ((عليكم بالصِّدقِ))، وفيه: ((وما يزال الرجل يَصدُق ويَتَحرَّى الصِّدق))، وقال فيه: ((وما يزال الرجل يَكَذِب ويَتَحرَّى الكذِب)) فذكره، وفي هذه الزّيادة إشارة إلى أنَّ مَن تَوقَّى الكذِب بالقصدِ الصَّحيح إلى الصِّدق، صارَ له الصِّدق سَجَيَّة حتَّى يَستَحِقّ الوصف به، وكذلك عكسُه، وليس المراد أنَّ الحمد والذَّمَ فيهما ٥٠٩/١٠ يَخْتَصّ بمَن يَقصِد إليهما فقط، وإن/ كان الصّادِقِ في الأصل ممدوحاً والكاذِب مذموماً. ثمّ قال النَّوويّ: واعلم أنَّ الموجود في نُسَخ ((البخاريّ)) و((مسلم)) في بلادنا وغيرها: أنَّه ليس في متن الحديث إلّا ما ذَكَرناه، قاله القاضي، وكذا نَقَلَه الحميديّ، ونَقَلَ أبو مسعود عن كتاب مسلم في حديث ابن مُثَنَّى وابن بشَّار زيادة، وهي: ((إنَّ شَرَّ الرَّوايا رَوَايا الكذِب، لأنَّ الكذِب لا يَصلُح منه جِدٌّ ولا هَزل، ولا يَعِدِ الرجل صبيّه ثمَّ يُخْلِفْه))، فذكر أبو مسعود أنَّ مسلماً روى هذه الزّيادة في كتابه، وذكرها أيضاً أبو بكر البَرْقانيّ في هذا الحديث، قال الْحُميديُّ: وليست عندنا في كتاب مسلم، والرَّوايا جمع رَوِيَّة بالتَّشديدِ: وهو ما يَتَرَوَّى فيه الإنسان قبل قوله أو فِعله، وقيل: هو جمع رواية - أي: للكذِبِ - والهاء للمُبالَغة. قلت: لم أرَ شيئاً من هذا في ((الأطراف)) لأبي مسعود، ولا في ((الجمع بين الصحيحين)) للحُميديِّ، فلعلَّھما ذَكَراه في غیر هذَینِ الکتابینِ. ٤٩١ باب ٦٩ - ٧٠ / ح ٦٠٩٥ -٦٠٩٧ كتاب الأدب ٦٠٩٥ - حدّثَنا ابنُ سَلَام، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ نافعِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قال: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ)). ٦٠٩٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، عن سَمُرةَ بنِ جُنْلُبٍ حُ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((رأيتُ رجلَينِ أتياني قالا: الذي رأيتَه يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذّابٌ، يَكذِبُ بالكَذْبةِ تُحمَلُ عنه حتَّى تَبلُغَ الآفاقَ، فَيُصْنَعُ به إلى يومِ القيامةِ)). ثم ذكر حديث أبي هريرة: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَبَ)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٣٣)، وطَرَفاً من حديث سَمُرة في المنام الطّويل المقدَّم ذِكْره وشرحه في كتاب الجنائز (١٣٨٦)، وفيه: ((الذي رأيتَه يُشَقّ شِدْقُه الكذّاب)». قال ابن بَطّال: إذا كَرَّرَ الرجل الكذِب حتَّى استَحقَّ اسم المبالَغة بالوصفِ بالكذِبِ، لم یکن من صفات كَمَلة المؤمنينَ، بل من صفات المنافقينَ، يعني: فلهذا عَقَّبَ البخاريّ حدیث ابن مسعود بحديث أبي هريرة. قلت: وحديث أبي هريرة المذكور هنا في صِفَة المنافق يَشمَل الكذب في القول والفعل، والقصد الأوَّل في حديثه، والثّاني في إمارَته، والثّالث في وعده. قال: وأخبر في حديث سَمُّرة بعقوبة الكاذِب بأنَّه يُشَقّ شِدقُه، وذلك في موضع المعصية، وهو فمه الذي كذَبَ به. قلت: ومُناسَبته للحديثِ الأوَّل: أنَّ عُقوبة الكاذِب أُطلِقَت في الحدیث الأوَّل بالنار فكان في حديث سَمُرة بيانها. قوله في حديث سَمُرة: ((قالا: الذي رأيتَه يُشَقّ شِدْقه فكذّاب)) هكذا وَقَعَ بالفاء، واستُشكِلَ بأنَّ الموصول الذي يَدخُل خبره الفاء يُشتَرَط أن يكون مُبهَاً عاماً، وأجابَ ابن مالك: بأنَّه نَزَّلَ المعَيَّن المبهَم مَنزِلة العامّ، إشارة إلى اشتراك مَن يَتَّصِف بذلك في العِقاب المذكور، والله أعلم. ٧٠ - باب الهَدْي الصالح ٦٠٩٧ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: قلتُ لأبي أسامةَ: حدَّثُكُمُ الأعمَشُ: سمعتُ شَقِيقاً، قال: سمعتُ حُذَيفةَ، يقول: إنَّ أشبَهَ الناسِ دَلَّا وسَمْتاً وهَذْياً برسولِ الله وَل ٤٩٢ باب ٧٠ / ح ٦٠٩٨ فتح الباري بشرح البخاري لابنُ أمِّ عبدٍ، من حِينٍ يَخْرُجُ من بيتِهِ إلى أن يَرجِعَ إليه، لا نَذْري ما يَصْنَعُ في أهلِه إذا خلا. ٦٠٩٨ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُخارقِ، سمعتُ طارقاً، قال: قال عبدُ الله: إنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّدٍ ◌ِلّه. [طرفه في: ٧٢٧٧] قوله: ((باب الهَذْي الصالح)) بفتح الهاء وسكون الدّال: هو الطَّريقة الصالحة، وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٧٩١) من وجهَينٍ من طريق قابوس بن أبي ظَبْيان عن أبيه عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((الهدي الصالح والسَّمْت الصالح والاقتصاد جُزء من خمسة وعشرينَ جُزءاً من النُّبوّة)»، وفي الطَّريق الأُخرى (٤٦٨): ((جُزء من سبعينَ جُزءاً من النُّبوّة))، وأخرجه أبو داود (٤٧٧٦)، وأحمد (٢٦٩٨) باللَّفظِ الأوَّل، ٥١٠/١٠ وسنده حسن، وأخرجه الطبرانيُّ (١٢٦٠٩) من وجه آخر عن/ ابن عبّاس بلفظ: ((خمسة وأربعينَ)) وسنده ضعيف، وستأتي الإشارة إلى طريق الجمع بين هذه الرِّوايات في التَّعبير(١) في شرح حديث الرُّؤيات الصالحة. قال التّورِ بِشتيُّ: الاقتصاد على ضربينِ: أحدهما: ما كان مُتَوسِّطاً بين محمود ومذموم، كالتَّوسُّطِ بين الجَور والعَدل، وهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهذا محمود بالنِّسبة ومذموم بالنِّسبة، والثّاني: مُتَوسِّط بين طَرَّفَي الإفراط والتَّفريط، كالجودِ فإِنَّه مُتَوسِّط بين الإسراف والبُخل، وكالشَّجاعة فإنَّهَا مُتَوسِّطة بين التَّهَوُّر والجُبن، وهذا هو المراد في الحديث. قوله: ((حدَّثني إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه، ونَصَّ البخاريّ لفظه، ولكنَّه حذفَ من آخره قولَ أبي أسامة، وهو ثابت في («مسند إسحاق)»، فقال في آخر الحديث: («فأَقَرَّ به أبو أُسامة وقال: نعم))، وشقيق: هو أبو وائل. (١) في باب (٤) الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، الحديث (٦٩٨٦) وما بعده. ٤٩٣ باب ٧٠ / ح ٦٠٩٨ كتاب الأدب قوله: ((دَلّا)) بفتح المهمَلة وتشديد اللّام: هو حُسْن الحركة في المشي والحديث وغيرهما، ويُطلَق أيضاً على الطَّريق. قوله: ((وسَمْنا) بفتح المهمَلة وسكون الميم: هو حُسْن المنظَر في أمر الدِّين، ويُطلَق أيضاً على القصد في الأمر، وعلى الطَّريق والجهة. قوله: ((وهَذْياً)) قال أبو عُبيد: الهَدْي والدَّلّ مُتَقاربان، يقال في السَّكينة والوقار، وفي الهَيئة والمنظَر، والشَّمائل، قال: والسَّمْت يكون في حُسْن الهَيْئة والمنظَر من جهة الخير والدِّين، لا من جهة الجمال والزّينة، ويُطلَق على الطَّريق، وكلاهما جيّد بأن يكون له هَيْئة أهل الخير على طريقة أهل الإسلام. قوله: ((لَابنُّ أمّ عبد)) بفتح اللام، وهي تأكيد بعد التَّأكيد بإنَّ المكسورة التي في أوَّل الحديث، وابن أمّ عبد: هو عبد الله بن مسعود، ووَقَعَ في رواية محمّد بن عُبيد عن الأعمَش عند الإسماعيليّ بلفظ: ((عبد الله بن مسعود)). وفي الحديث فضيلة لابنٍ مسعود جليلة، لشهادة حُذَيفة له بأنَّه أشدُّ الناس شَبَهاً برسولِ الله وَّر في هذه الخِصال، وفيه تَوقّي حُذَيفة حيثُ قال: من حين يَخْرُج إلى أن يَرجِع، فإنَّه اقتَصَرَ في الشَّهادة له بذلك على ما يُمكِنه مُشاهَدَته، وإنّما قال: لا ندري ما يصنع في أهله، لأنَّ جَوَّزَ أن يكون إذا خَلا يكون في انبساطه لأهلِه يزيد أو يَنقُص عن هَيْئة رسول الله وَليه في أهله، ولم يُرِد بذلك إثبات نقصٍ في حَقِّ عبد الله ﴾. وقد أخرج أبو عُبيد في ((غريب الحديث)) أنَّ أصحاب عبد الله بن مسعود كانوا يَنظُرُونَ إلى سَمته وهَديه ودَلّه فِيَشَبَّهونَ به، فكأنَّ الحامل لهم على ذلك حديث حُذَيفة. وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد)» (٧٨٩) من طريق زيد بن وهب: سمعت ابن مسعود قال: اعلَموا أنَّ حُسْن الهدي في آخر الَّمان خیر من بعض العَمَل. وسنده صحيح، ومثله لا يقال من قِبَل الرَّأي، فكأنَّ ابن مسعود لأجلِ هذا كان يَحَرِص على حُسْن الهدي، وقد استَشكَلَ الدّاووديُّ الشّارح بقولِ حُذَيفة في ابن مسعود قول مالك: كان عمر أشبَهَ الناس بهَدي رسول الله وَّ، ٤٩٤ باب ٧٠ / ح ٦٠٩٨ فتح الباري بشرح البخاري وأشبَهُ الناس بعمر ابنه عبد الله، ويعبد الله ابنه سالم. قال الدّاووديُّ: وقول حُذَيفة يُقدَّم على قول مالك. ويُمكِن الجمع باختلاف مُتعلَّق الشَّبَه، بحملِ شَبَه ابن مسعود بالسَّمتِ وما ذُكِرَ معه، وقول مالك بالقوّة في الدّين ونحوها، ويحتمل أن تكون مقالة حُذَيفة وَقَعَت بعد موت عمر، يُؤيِّد قول مالك ما أخرج البخاريّ في كتاب ((رفع اليَدَينِ)) (٤٢) عن جابر قال: لم يكن أحد منهم ألزَم لطريق النبيّ وَّر من عمر، وفي ((السُّنَن))(١) و((مُستَدرَك الحاكم)) (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أشبهَ سَمْتاً وهَدياً ودَلَّا برسولِ الله وَّ من فاطمة عليها السَّلام. قلت: ويُجمَع بالحملِ في هذا على النِّساء، وأخرج أحمد (١١٥) عن عمر: مَن سَرَّه أن يَنظُرُ إلى هَذْي رسول الله وَّهِ فَلَيَنْظُرُ إلى هَدْي عَمْرو بن الأسود. قلت: ويُجمَع بالحملِ على مَن بعد الصحابة، وعن عبد الرَّحمن بن جُبَير بن نُغَير: ٥١١/١٠ حَجَّ عَمْرو بن الأسود فرآه ابن عمر يُصَلّى، فقال: ما رأيت أشبَهَ صلاةً ولا/ هَدياً ولا خُشوعاً ولا لُبْسةَ برسولِ اللهِوَ ◌ّ﴿ من هذا الرجل. انتهى، وعَمْرو المذكور(٢). قوله: ((عن مُخَارِق)) هو ابن عبد الله، ويقال: ابن خليفة الأحَمَسَيُّ، وطارق: هو ابن شِهاب الأحمسيّ. قوله: «قال: قال عبد الله)» في روایة الإسماعيليّ: «کان عبد الله یقول»، وعبد الله: هو ابن مسعود، وجَزَمَ ابن بَطّال بأنَّ عبد الله هذا هو ابن عمر، فوهم في ذلك. قوله: ((إنَّ أحْسَنَ الحديث كتابُ الله، وأحْسَنَ الهَدْي هَدْيُ محمَّد» هو بفتح الهاء، کما في التَّرجمة، ورُويَ بضمِّها، ضِدّ الضَّلال، زاد أبو خليفة عن أبي الوليد(٣) شيخ البخاريّ فيه في آخره: ((وشَّ الأُمور مُحدَثاتها و﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِينَ﴾ (١) أبو داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٣١١). (٢) وقع هنا بياض في الأصلین، وكذا في أصل (س)، وكأنه محل ترجمة عمرو. (٣) أبو الوليد شيخ البخاري: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وتلميذه أبو خليفة: هو الفضل بن الحباب، توفي سنة (٣٠٥هـ)، روى عنه أبو عوانة، وابن حبان، وأبو القاسم الطبراني. ٤٩٥ باب ٧١ / ح ٦٠٩٩ كتاب الأدب [الأنعام: ١٣٤])) أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وسيأتي في كتاب الاعتصام (٧٢٧٧) من وجه آخر عن ابن مسعود، وفيه هذه الزّيادة بلفظها، وسأذكر شرحها هناك إن شاء الله تعالى. هكذا رأيت هذا الحديث في جميع الطّرق موقوفاً، وقد وَرَدَ بعضه مرفوعاً من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود، أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١)، وجاء أكثره مرفوعاً من حديث جابر، أخرجه مسلم (٨٦٧) وأبو داود (٢) والنَّسائيُّ (١٥٧٨) وأحمد (١٤٣٣٤) وابن ماجَهْ (٤٥) وغيرهم من طريق جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جابر بألفاظٍ مُخْتَلِفة، منها: لأحمد (١٤٤٣١) عن يحيى القَطّان عن جعفر به: أنَّ رسول الله وَيه كان يقول في خُطبَته بعد التَّشَهُّد: ((إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هَديُ محمَّد)) قال يحيى: ولا أعلمه إلّا قال: ((وشَرّ الأُمور مُحدَثاتها)) الحديث، وفي لفظ لمسلمٍ من طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن جعفر بن محمَّد في أثناء حديث قال فيه: ((ويقول: أمَّا بعد، إِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمّد، وشَرّ الأُمور محدثاتُها، وكلّ بدعة ضلالة)» الحدیث. ٧١ - باب الصّبر في الأذى وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ٦٠٩٩ - حدَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدَّثني الأعمَشُ، عن سعيدِ بنِ مُجُبَيَرٍ، عن أبي عبدِ الرّحمنِ السُّلَميِّ، عن أبي موسى ◌َ﴾، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((ليس أحدٌ - أو ليس شيءٌ - أصبَرَ على أذّى سَمِعَه منَ الله، إنَّهِم لَيَدْعُونَ له ولداً، وإِنَّه لَيُّعافِيهِم ويَرْزُقُهم)). [طرفه: ٧٣٧٨] (١) أخرجه ابن ماجه فقط (٤٦) مرفوعاً، وأخرجه كذلك عبد الرزاق (٢٠٠٧٦)، ومن طريقه الطبراني (٨٥١٨)، وقد رُوي من طريق أخرى عن أبي الأحوص عن ابن مسعود موقوفاً، أخرجه الطبراني (٨٥٢١). (٢) هذا اللفظ لم يخرجه أبو داود من حديث جابر، وإنما أخرج (٢٩٥٤) قوله وهلهو: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مَن ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دَيناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ)، وهذه الفقرة هي قطعة من الحديث المذکور، اقتصر أبوداود علیها دونه. ٤٩٦ باب ٧١ / ح ٦١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري ٦١٠٠- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ شَقِيقاً يقول: قال عبدُ الله: قَسَمَ النبيُّ ◌َلهَ قِسْمَةً كَبعضٍ ما كان يَقْسِمُ، فقال رجلٌ منَ الأنصار: والله إنَّهَا ◌َقِسْمةٌ ما أُرِيدَ بها وجه الله. قلتُ: أمَا لَأقولَنَّ للنبيِّ ◌َّهِ، فأتيتُه وهو في أصحابه فسارَرْتُه، فشَقَّ ذلك على النبيِّيَِّ، وتَغيَّرَ وجهُه وغَضِبَ، حتَّى ودِدْتُ أنّي لم أكُن أخبَرْتُه، ثمّ قال: ((قد أوذِي موسی بأكثر من ذلك، فصَبَر)). قوله: ((باب الصَّبْر في الأذَى)) أي: حَبْس النَّس عن المجازاة على الأذَى قولاً أو فِعلاً، وقد يُطلَق على الحِلم، ((وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغيرِحِسَابٍ﴾)) قال بعض أهل العلم: الصَّبرُ على الأذَى جهادُ النَّفْس، وقد جبلَ الله الأنفُس على التَّالُم بما يُفْعَل بها ٥١٢/١٠ ويقال فيها، ولهذا شَقَّ على النبيّ وَّه نِسَبَتَهُم له إلى الجَور في القسمة، لكنَّه/ حَلُمَ عن القائل، فصَبَرَ لما علم من جَزيل ثواب الصّابِرِينَ، وأنَّ الله تعالى يأجُره بغير حساب، والصّابِرِ أعظَمُ أجراً من المنفِقِ، لأنَّ حسنَتَه مُضاعَفة إلى سبع مئة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلّا مَن شاءَ الله أن يزيده، وقد تقدَّم في أوائل الإيمان(١) حديث ابن مسعود: ((الصَّبر نصف الإیمان)). وقد وَرَدَ في فضل الصَّبر على الأَذَى حديثٌ ليس على شرط البخاريّ، وهو ما أخرجه ابن ماجَهْ (٤٠٣٢) بسندٍ حسن عن ابن عمر رَفَعَه: «المؤمن الذي يُخالِط الناس ويَصبِر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يُخالِط الناس ولا يَصبر على أذاهم))، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٠٧) من حديث صحابيّ لم يُسَمَّ. قوله: في حديث أبي موسى: ((ليس أحدٌ - أو ليس شيءٌ ـ)) هو شَكٍّ من الراوي، وقد أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٦٦١) عن عَمْرو بن عليّ عن يحيى بن سعيد بسندِ البخاريّ، وقال فيه: ((أحدٌ)) بغير شَكِّ. قوله: ((أصبَرَ على أذّى)) هو بمعنى الحِلْم، أو أطلقَ الصَّبر لأنَّه بمعنى الحَبْس، والمراد به (١) هذا الأثر علَّق البخاري نصفه، وهو: ((اليقين الإيمان كله))، في الباب الأول من كتاب الإيمان، وذكر الحافظ شطره الثاني وخرجه هناك، فانظره. ٤٩٧ باب ٧١ / ح ٦١٠٠ كتاب الأدب حَبْس العقوبة عن(١) مُستَحِقّها عاجلاً، وهذا هو الِحِلْم. قوله: ((على أذّى سَمِعَه من الله)) قد بيَّنه في بَقِيَّة الحديث، وهو أنَّهم يُشرِكونَ به وهو يَرزُقهم، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب التَّوحيد (٧٣٧٨) إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن مسعود، ووَقَعَ في رواية سفيان عن الأعمش الماضية في («باب مَن أخبر صاحبه بما يَعلَم)) (٦٠٥٩) بلفظ: ((عن ابن مسعود)). قوله: ((فَسَمَ النبيّ ◌َّهِ قَسْماً)) في رواية شُعْبةٍ(٢) عن الأعمَش: أنَّها قسمةُ غنائم حُنَينٍ، وفي رواية منصور (٤٣٣٦) عن ابن أبي وائل: لما كان يوم حُنَينٍ آثَرَ النبيّ ◌َّ ناساً في القسمة، أعطَى الأقرع بن حابس مثّةً من الإبل، وأعطَى عُبَينَةَ بن حِصن مئةً من الإبل، وأعطَى ناساً من أشراف العرب، وقد تقدَّم إيضاح ذلك في غزوة ◌ُنَينٍ. قوله: ((فقال رجل من الأنصار)) تقدَّمَت تسميته في غزوة حُنَينٍ(٣)، والردّ على مَن زَعَمَ أنَّه ◌ُرْقُوص بن زُهیر. قوله: ((والله إنَّها لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْه الله)) قد تقدَّم في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٥) من وجه آخر بلفظ: ((ما أرادَ» على البناء للفاعلِ، وفي رواية منصور (٣١٥٠): «ما عُدِلَ فيها)) وهو بضمِّ أوَّله على البناء للمجهولِ. قوله: ((قلت: أما لَأقولَنَّ)) قال ابن التِّين: هي بتخفيف الميم، ووَقَعَ في رواية: ((أمّا)) بتشديدها، وليس ببيِّنٍ. قلت: وَقَعَ للكُشْمِيهنيّ: ((أمَ)) بغير ألِف وهو يُؤيِّد التَّخفيف، ويوجَّه التَّشديد على أنَّ في الكلام حذفاً تقديره: أمَّا إذ قلتَ ذلك لَأقولَن. قوله: ((فشَقَّ ذلك عليه وتَغيَّرَ وَجْهُه)) قد تقدَّم قبل بأكثر من عشرة أبواب (٦٠٥٩) بلفظ: (١) في (أ) و(س): على، والمثبت من (ع). (٢) كذا في الأصلين و(س): ((شعبة)) وهو خطأ صوابه: ((سفيان)»، ولعله تحريف قديم في النسخ، فقد ورد أنها قسمة غنائم حنين في رواية سفيان الثوري عن الأعمش برقم (٤٣٣٥)، أما شعبة فله روايتان (٣٤٠٥) و(٦٣٣٦) ليس فيهما ذكر لحنين. (٣) في باب (٥٦) غزوة الطائف عند شرح الحديث (٤٣٣٥). ٤٩٨ باب ٧١ / ح ٦١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري ((فَتَمَعَّرَ وجهه))، وهو بالعين المهمَلة، ويجوز بالمعجمة. قوله: ((حتَّى ودِدْت أنّي لم أكُنْ)) في رواية: ((أنْ)) بفتحِ وتخفيف. : قوله: ((ثمَّ قال: قد أُوذيَ موسى بأكثر من هذا، فصَبَر)) في رواية شُعْبة (٣٤٠٥) عن الأعمش: ((يرحم الله موسى، قد أُوذيَ)) فذكره، وزاد في رواية منصور (٣١٥٠): «فقال: فَمَن يَعدِل إذا لم يعدِل الله ورسوله؟ رَحِمَ الله موسی) الحديث. وفي هذا الحديث جوازُ إخبار الإمام وأهلِ الفَضْل بما يقال فيهم ممّا لا يَلِيق بهم، ليَحذَروا القائل. وفيه بيان ما يُباح من الغِيبة والنَّميمة، لأنَّ صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم يُنْكِرِه النبيّ وَّهِ، وذلك أنَّ قصد ابن مسعود كان نُصْحَ النبيّ وَِّ، وإعلامه بمَن يَطعُن فيه مَّن يُظهِر الإسلام ويُبطِن النِّفاق لَيَحذَر منه، وهذا جائز، كما يجوز التَّجَسُّس على الكفّار ليُؤمَن من كَيدِهم، وقد ارتَكَبَ الرجل المذكور بما قال إثماً عظيماً فلم يكن له حُرْمة. وفيه أنَّ أهل الفضل قد يُغضِبهم ما يقال فيهم ممَّا ليس فيهم، ومع ذلك فيَتَلَقَّونَ ذلك بالصَّيرِ والحِلم كما صَنَعَ النبيّ ◌َلټ اقتداءً بموسى عليه السلام. وأشارَ بقولِه: ((قد أوذيَ موسى)) إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْأُ مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]، قد حُكَيَ في صِفَة أذاهم له ثلاثُ قِصَص: إحداها: قولهم: هو آدَرُ، وقد تقدَّم ضبط ذلك وشرحه في قصَّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٤). ٥١٣/١٠ ثانيها: في قصّة موت هارون، وقد أوضحتُه أيضاً في قصَّة موسی. ثالثها: في قِصَّته مع قارون حيثُ أمَرَ البَغيّ أن تَزْعُم أنَّ موسى راودَها،/ حتَّى كان ذلك سبب هلاك قارون، وقد تقدَّم ذلك في قصَّة قارون في آخر أخبار موسى من أحاديث الأنبياء(١). (١) في باب (٣٣): ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]. ٤٩٩ باب ٧٢ / ح ٦١٠١ - ٦١٠٢ كتاب الأدب ٧٢ - باب من لم يُواجِه الناس بالعِتاب ٦١٠١ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثْنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا مسلمٌ، عن مَسْروقٍ، قالت عائشةُ: صَنَعَ النبيُّ نَّه شيئاً فَتَرَخَّصَ فيه، فَنَّهَ عنه قومٌ، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ الله، ثمَّ قال: ((ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهونَ عن الشَّيءِ أصنَعُه؟ فوالله إنَّ لَأَعلَمُهم بالله، وأشَدُّهم له خَشْبةً)). [طرفه: ٧٣٠١] ٦١٠٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن قتادةَ، سمعتُ عبد الله - هو ابنُ أبي عُتْبَةَ مولى أنسٍ - عن أبي سعيدٍ الخُذْريِّ، قال: كان النبيُّ نَّهِ أَشَدَّ حياءً منَ العَذْراءِ في خِدْرِها، فإذا رَأى شيئاً يَكْرَهُه عَرَفْناه في وجهِه. قوله: ((باب مَن لم يواجِه الناس بالعِتابِ)) أي: حَياءً منهم. قوله: (مسلم)) هو ابن صُبَيح أبو الضُّحَى، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّه ابن عِمْران البَطِين، وقد أخرجه مسلم (٢٣٥٦) من طريق جَرِير عن الأعمَش فقال: ((عن أبي الضُّحَى))، ومن طريق حفص بن غياث التي أخرجها البخاريّ من طريقه، فقال: نحو حديث(١) جَرِير، ومن طريق عيسى بن يونس عن الأعمَش كذلك، ومن طريق أبي معاوية عن الأعمَش عن مسلم. قوله: ((صَنَعَ النبيّ ◌َّهِ شيئاً، فَتَرَخَّصَ(٢) فيه)) في رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمَش: رَخَّصَ النبيُّ ◌َّ في أمر. قوله: (فَتَنزَّهَ عنه قوم)) في رواية مسلم من طريق جَرِير عن الأعمَش: فَبَلَغَ ذلك ناساً من أصحابه، فكانَّهم گَرِهوه وتَنَّهوا عنه. (١) لفظة ((حديث)) سقطت من (أ) و(س). (٢) وقعت هذه الكلمة في الطبعة السلطانية: ((فرخّص)) بدون خلاف، وأثبتنا هنا ما في أصول ((الفتح))، وهي الموافقة لما في ((الجمع بين الصحیحین)) لأبي عبد الله الحميدي ١٦٨/٤. ٥٠٠ باب ٧٢ / ح ٦١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فخَطَبَ)) في رواية أبي معاوية: فَبَلَغَ ذلك النبيَّ نَّهِفِغَضِبَ، حتَّى بانَ الغضبُ في و جهه. قوله: ((ما بال أقوام)) في رواية جَرِير: ((ما بال رجال)). قال ابن بَطّال: هذا لا يُنافي التَّرجمة، لأنَّ المراد بها المواجهة مع التَّعيين، كأن يقول: ما بالُك يا فلان تَفعَل كذا، وما بالُ فلان يفعل كذا، فأمَّا مع الإبهام، فلم تَحصُل المواجَهة وإن كانت صورتُها موجودة، وهي مُخاطَبة مَن فعل ذلك، لكنَّه لمَّا كان من ◌ُلة المخاطَبين ولم يُميَّزَ عنهم، صارَ كأنَّه لم يُحَاطَب. قوله: ((يتنزَّهونَ عن الشَّيء أصنَعه)» في رواية جَرِير: «بَلَغَهم عنِّي أمرٌ تَرَخّصتُ فيه فگرِهوه، وتَنَزَّهوا عنه))، وفي رواية أبي معاوية: ((يَرغَبونَ عمَّا رُخِّصَ لي فيه)). قوله: ((فوالله إنّ لأعْلَمهم بالله، وأشَدُّهم له خَشْية)) جمع بين القوّة العِلميَّة والقوّة العَمَلِيَّة، أي: أنَّهم تَوهَّموا أنَّ رغبتهم عمَّا فَعَل أقرَب لهم عند الله، وليس كذلك، إذ هو أعلمُهم بالقُربة وأوْلاهم بالعَمَلِ بها. وقد تقدَّم معنى هذا الحديث في كتاب الإيمان (٢٠) في رواية هشام ابن عُرْوة عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا أمَرَهم، أمَرَهم مِن الأعمال بما يُطيقونَ .. الحديث، وفيه: فَيَغضَب ثمَّ يقول: ((إنَّ أتقاكم وأعلمَكم بالله أنا))، وقد أوضَحتُ شرحه هناك، وذكرتُ فيه أنَّ الحديث من أفراد هشام عن أبيه عُرْوة عن عائشة، وطريق مسروق هذه مُتَابَعة جيِّدة لأصلِ هذا الحديث. قال ابن بَطّال: كان النبيّ وََّ رَفيقاً بأُمَّتِهِ، فلذلك خَفَّفَ عنهم العِتاب، لأنَّهم فعَلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشِّدّة، ولو كان ذلك حَراماً لَأمَرَهم بالرُّجوع إلى فِعله. قلت: أمَّا المعاتَبة ٥١٤/١٠ فقد حَصَلَت منه/لهم بلا ريب، وإنَّما لم يُميِّز الذي صَدَرَ منه ذلك سَتراً عليه، فحَصَلَ منه الرِّفق من هذه الحَيْثِيَّة لا بتركِ العِتاب أصلاً، وأمَّا استدلاله بكون ما فعلوه غير حَرام فواضح من جهة أنَّه لم يُلزِمهم بفِعلِ ما فعَلَه هو. وفي الحديث الحَثّ على الاقتداء بالنبيِّ وَِّ، وذَمّ التَّعَمُّق والتنُّه عن المباح، وحُسنُ العِشْرة عند الموعِظة والإنكار، والتّلَطُّفُ في ذلك.