Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ٢٧ / ح ٦٠١٣
كتاب الأدب
مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقوله
في الرّواية الأُخرى: ((احتَظَرت)) بحاءٍ مُهمَلة وظاء مُشالة بمعنى: امتَنَعت، مأخوذ من الحِظار
بكسر أوَّله: وهو الذي يَمنَع ما وراءَه.
الحديث الرابع: قوله: ((زكريّا)) هو ابن أبي زائدة، و((عامر)): هو الشَّعْبيّ.
قوله: (تَرَى المؤمنينَ في تَراءُمِهم)) قال ابن أبي جَمْرة: المراد مَن يكون إیمانُه كاملاً.
قوله: ((وتَوادِّهم)) بتشديد الدَّالّ، والأصل التَّوادُد فأُدغِمَ، والتَّوادُد تَفاعُل من المودّة،
والوُدّ والوِداد بمعنَى، وهو: تَقُّب شَخْص من آخر بما يُحِبّ.
قوله: ((وتَعاطُفهم)) قال ابن أبي جَمْرة: الذي يظهر أنَّ التَّراحُم والتَّوادُد والتَّعاطُف وإن
كانت مُتَقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف، فأمَّا التَّراحُم فالمراد به: أن يَرْحم بعضُهم
بعضاً بأُخوّة الإيمان لا بسببٍ شيء آخر، وأمَّا التَّوادُد فالمراد به: التَّواصُل الجالب المحبّة
كالتَّزاوُرِ والتَّهادي، وأمَّا التَّعاطُف فالمراد به: إعانةُ بعضِهم بعضاً كما يُعطِف طرف(١) الثَّوب
عليه ليُقوِّيَه. انتهى مُلخَّصاً.
ووَقَعَ في رواية الأعمَش عن الشَّعْبِيّ وخَيْئمة - فَرَّقهما - عن النُّعمان عند مسلم
(٦٧/٢٥٨٦): ((المؤمنونَ كرجُلِ واحد؛ إذا اشتَكَى رأسُه تَدَاعَی له سائر الجسد بالحُمَّى
والسَّهَر))، وفي رواية خَيْئمةَ [إن اشْتَكَى عينُه](٢) اشتكى كلُّه، وإن اشتَكَى رأسُه اشتكى
کلُّه.
قوله: ((كمَثَلِ الجَسَد)) أي: بالنِّسبة إلى جميع أعضائه، ووجه التَّشبيه فيه التَّوافُق في الثَّعَب
والرَّاحة.
قوله: ((تَداعَى))، أي: دَعَا بعضُه بعضاً إلى المشاركة في الألم، ومنه قولهم: تَداعَتِ الحيطان،
أي: تَساقَطَت أو كادَت.
(١) لفظة ((طرف)) سقطت من (س).
(٢) ما بين معقوفين لم يرد في الأصول، وأثبتناه من ((صحيح مسلم)) ليستقيم الكلام.

٣٦٢
باب ٢٧ / ح ٦٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بالسَّهَرِ والحُمَّى)) أمَّا السَّهَر فلأنَّ الألم يَمنَعِ النَّومِ، وأمَّا الْحُمَّى فلأنَّ فقدَ النَّومِ
يُثيرُها. وقد عَرَّفَ أهل الحِذْقِ الحُمَّى بأنَّهَا حَرارةٌ غريزيَّة تَشتَعِل في القلب فتَشِبّ منه في
جميع البَدَن، فَتَشْتَعِل اشتِعالاً يَضُرّ بالأفعال الطَّيعيَّة. قال القاضي عِيَاض: فَتَشبيهُه المؤمنينَ
بالجَسَدِ الواحد تمثيل صحيح، وفيه تقريبٌ للفَهمِ وإظهارٌ للمعاني في الصّور المرئيَّة، وفيه
تَعظِيم حقوق المسلمينَ والحَضّ على تَعاوُنهم ومُلاطَفة بعضهم بعضاً. وقال ابن أبي جَمْرة:
٤٤٠/١٠ شَبَّه النبيُّ نَّهِ الإيمان بالجسدِ،/ وأهلَه بالأعضاء، لأنَّ الإيمان أصل وفُروعُه التكاليف، فإذا
أَخَلَّ المرء بشيءٍ من التكاليف شانَ ذلك الإخلالُ الأصلَ، وكذلك الجسد أصلٌّ كالشَّجَرة،
وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتَكَى عُضْو من الأعضاء اشتَكَتِ الأعضاء كلُّها، كالشَّجَرة إذا
ضُرِبَ غُصْن من أغصانها اهتَزَّتِ الأغصان كلُّها بالتَّحَرُّكِ والاضطراب.
الحديث الخامس: حديث أنس: ((ما من مسلم غَرَسَ غَرْساً)) تقدَّم شرحه في المزارَعة
(٢٣٢٠).
وقوله: ((أو دابّة)) إن كان مأخوذاً من: دَبَّ على الأرض فهو من عَطْف العامّ على
الخاصّ، وإن كان المراد الدَّابّة في العُرْف فهو من عَطْف چِنس على چِنس، وهو الظّاهر
هنا. قال ابن أبي جَمْرة: يَدخُل الغارس في عُمُوم قوله: ((إنسان)) فإنَّ فَضْل الله واسع، وفيه
التَّنويه بقَدرِ المؤمن وأنَّه يَحصُل له الأجر وإن لم يَقصِد إليه عيناً.
وفيه التَّرغيب في التَّصَرُّف على لسان المعلِّم، والحضُّ على التزام طريق المصلِحِينَ،
والإرشادُ إلى ترك المقاصد الفاسدة، والتَّرغيبُ في المقاصد الصالحة الدَّاعية إلى تكثير الثَّواب،
وأنَّ تعاطي الأسباب التي اقتَضَتها الحكمة الرّبّانيَّة من عِمارة هذه الدَّار لا يُنافي العِبادَة ولا
طريق الزّهد ولا التَّوكُّل.
وفيه التَّحريض على تَعلُّم السُّنّة ليعلم المرء ما لَهُ من الخير فيَرغَب فيه، لأنَّ مِثل هذا
الفضل المذكور في الغَرْس لا يُدرَك إلّا من طريق السُّنّة.
وفيه إشارة إلى أنَّ المرء قد يَصِل إليه من الشّ ما لم يعمل به ولا قَصَدَ إليه، فَيَحذَر من ذلك،

٣٦٣
باب ٢٧ / ح ٦٠١٣
كتاب الأدب
لأَنَّه لمَّا جازَ حصول هذا الخير بهذا الطَّريق جازَ حصول مُقابلِه. انتهى مُلخَّصاً.
الحدیث السادس: حدیث جرِیر.
قوله: ((عُمَر بن حفص)) أي: ابن غِيَات، والسَّنَد كلّه كوفيّونَ.
قوله: ((مَن لا يَرحَم لا يُرْحَم)» تقدَّم هذا المتن في أثناء حديث أبي هريرة (٥٩٩٧) في
(باب رحمة الولد))، ووَقَعَ في حديث جَرِير في رواية لمسلمٍ (٢٣١٩): ((مَن لا يَرحم الناس
لا يَرحَمه الله))، وهو عند الطبرانيِّ (٢٤٩٧) بلفظ: ((مَن لا يرحم مَن في الأرض لا يَرحَه مَن
في السماء))، وله (١٠٢٧٧) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: «ارحَم مَن في الأرض يرحمك مَن
في السماء)» ورواته ثقات، وهو في حديث عبد الله بن عَمْرو عند أبي داود (٤٩٤١)
والتِّرمِذيّ (١٩٢٤) والحاكم (٤/ ١٥٩) بلفظ: ((ارحَموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في
السماء» وهذا الحديث قد اشتُهِرَ بالمسَلسَلِ بالأوَّليَّة، وفي حديث الأشعث بن قيس عند
الطبرانيّ في «الأوسط)) (٦١٨٨): ((مَن لم يَرحم المسلمينَ لن يَرحمه الله)).
قال ابن بطّال: فيه الحَضّ على استعمال الرَّحمة لجميع الخلق، فيَدخُل المؤمن والكافر
والبَهائم المملوك منها وغيرُ المملوك، ويَدخُل في الرَّحمة التَّعاهُد بالإطعام والسَّقي
والتَّخفيف في الحمل وترك التعدّي بالضَّربِ.
وقال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون المعنى: مَن لا يرحم غيره بأيِّ نوع من الإحسان
لا يَحَصُل له الثَّواب، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]،
ويحتمل أن يكون المراد: مَن لا يكون فيه رحمة الإيمان في الدُّنيا لا يُرحَم في الآخرة، أو مَن
لا يَرحَم نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لا يرحمه الله، لأنَّه ليس له عنده عهد،
فتكون الرَّحمة الأولى بمعنى الأعمال والثّانية بمعنى الجزاء، أي: لا يُئاب إلّا مَن عَمِلَ
صالحاً، ويحتمل أن تكون الأولى الصَّدَقة والثّانية البلاء، أي: لا يَسلَم من البلاء إلّا مَن
تَصَدَّقَ، أو مَن لا يرحم الرّحمة التي ليس فيها شائبةٌ أذّى لا يُرحَم مُطلَقاً، أو لا يَنظُر الله
بعينِ الرَّحمة إلّا لمن جَعَلَ في قلبه الرَّحمة ولو كان عَمَلُه صالحاً. انتهى مُلخَّصاً، قال: وينبغي
للمَرِ أن يَتَفَقَّد نفسه في هذه الأوجُه كلّها، فما قصَّرَ فيه لجأ إلى الله تعالى في الإعانة علیه.

٣٦٤
باب ٢٨ / ح ٦٠١٤-٦٠١٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٨ - باب الوَصَاءَة بالجار
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].
٦٠١٤ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ، قال: حدَّثني مالٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني
أبو بكرٍ بنُّ محمَّدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((ما زالَ جِبْرِيلُ
يُوصِيني بالجارِ حتَّى ظَنَنتُ أنَّه سيُورُِّه)).
٦٠١٥- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا عمرُ بنُ محمَّدٍ، عن أبيه، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((ما زالَ جِبْريلُ يُوصِيني بالجارِ حتَّى ظَنَتُ
أنَّه سُورِثُه».
٤٤١/١٠
قوله: ((باب الوَصَاءة بالجار)) بفتح الواو وتخفيف الصّاد المهمَلة مع المدّ: لغةٌ في الوصيّة،
وكذا الوَصَاية بإبدال الهمزة ياءً، وهما بمعنَّى، لكنَّ الأوَّل من: أوصَيْت، والثّاني: من وصَّيْت.
تنبيه: وَقَعَ في شرح شيخنا ابن الملقِّن هنا بسملة، وبعدها: كتاب البِرّ والصِّلة، ولم أرَ
ذلك في شيء من الرِّوايات التي اَنَّصَلَت لنا، ويُؤيِّد ما عندنا أنَّ أحاديث صِلَة الرَّحِم
تقدَّمَت، وأحاديث برّ الوالدينِ قبلها، والوصيّة بالجار وما يَتَعلَّق بها ذُكِرَت هنا، وتَلاها
باقي أبواب الأدب، وقوله هنا بعد الباب: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ يُؤْيِّد
ذلك؛ لأنَّ بَوَّبَ على ترتيب ما في هذه الآية، فبَدَأْ بِرِّ الوالدينِ وثَنَّى بذي القُربَى وثَلَّثَ
بالجار ورَبَّعَ بالصّاحبِ. ولم يقع ذلك أيضاً في مُستَخرَج الإسماعيليّ ولا أبي نُعَيم.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا ﴾ الآية)) كذا
لأبي ذرِّ، وللباقينَ بعد قوله ﴿إِحْسَنًا﴾: ((إلى قوله: ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾))، وللنَّسَفيّ:
((وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية))، والمراد من هذه الآية هنا قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وثَبَتَ للنَّسَفيّ البسملة قبل الباب، وكأنَّه للانتقال
إلى نوع غير الذي قبله، ورأيت في شرح شيخنا سِرَاج الدّين بن الملقِّن: كتاب البِرّ والصِّلة،
ولم أرَه لغيره.

٣٦٥
باب ٢٨ / ح ٦٠١٥
كتاب الأدب
والجارُ القريب: مَن بينهما قَرابة، والجار الْجُنُب بخِلَافه، وهذا قول الأكثر، وأخرجه
الطََّرِيُّ (٧٨/٥) بسندٍ حسن(١) عن ابن عبّاس، وقيل: الجار القريب: المسلمُ، والجار الجُنُب
غيره، وأخرجه أيضاً الطَّبَرِيُّ (٧٩/٥) عن نَوف البِكاليّ أحد التابعينَ، وقيل: الجار القريب:
المرأة، والجُنُب: الرَّفيق في السَّفَر.
ثم ذکر فیه حدیثین:
الأول: حديث عائشة.
قوله: ((أبو بكر بن محمَّد)) أي: ابن عَمْرو بن حَزْم، وعَمْرة: هي أمّه، والسَّنَد كلّه مدنُّون،
وفيه ثلاثة من التابعينَ في نَسَقٍ، وقد سمعَ يحيى بن سعيد وهو الأنصاريّ من عَمْرة كثيراً،
ورُبَّما أدخَلَ بينهما واسطة مِثل هذا، وروايته عن أبي بكر المذكور من الأقران.
قوله: ((ما زالَ جِبْريل يُوصِيني بالجار حتَّى ظَتَنتُ أنَّه سيورِّثُه)) أي: يأمرني عن الله بتَورِيثِ
الجار من جاره. واختُلِفَ في المراد بهذا التَّوريث، فقيل: يجعل له مُشارَكة في المال بفَرضٍٍ
سهم يُعطاه مع الأقارب، وقيل: المراد أن يُنَزَّل مَنزِلة مَن يَرِث بالبِرِّ والصِّلة، والأوَّل أظهَر
فإنَّ الثّاني استَمرَّ، والخبر مُشعِر بأنَّ التَّوريث لم يقع، ويُؤيِّده ما أخرجه البخاريّ (٢) من
حديث جابر نحو حديث الباب بلفظ: ((حتَّى ظَنَنت أنَّه يجعل له ميراثاً».
وقال ابن أبي جَمْرة: الميراث على قسمَينِ: حِسِّيّ ومَعنَويّ، فالحِسّيّ هو المراد هنا، والمعنَويّ
ميراث العلم، ويُمكِن أن يُلحَظ هنا أيضاً، فإنَّ من حقّ الجار على الجار أن يُعلِّمه ما يحتاج
إليه، والله أعلم.
واسم الجار يَشمَل المسلمَ والكافرَ، والعابدَ والفاسِقَ، والصَّديقَ والعَدوّ، والغَريبَ
والبَلَديّ، والنافعَ والضَّارّ، والقريبَ والأجنبيّ، والأقرَبَ داراً والأبعَد، وله مراتب بعضُها
أعلى من بعض، فأعلاها مَن اجتَمَعَت فيه الصِّفات الأُول كلّها، ثمَّ أكثرُها وهَلُمَّ جَرّاً إلى
(١) سنده منقطع، والآخر ضعيف.
(٢) في ((الأدب المفرد)) (١٢٦)، وأخرجه عبد بن حميد (١١٢٩)، وإسناده ضعيف، ولفظه عند الثاني: ((حتى
رأيت أنه سيورثه))، كرواية جمهور الرواة.

٣٦٦
باب ٢٨ / ح ٦٠١٥
فتح الباري بشرح البخاري
٤٤٢/١٠ الواحد، وعكسه مَن / اجتَمَعَت فيه الصِّفات الأُخرى كذلك، فيُعطَى كلٌّ حَقَّه بحَسَبٍ
حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر فیُرجِّح أو يُساوي. وقد حمله عبد الله بن عَمْرو أحدٌ من روی
الحديث على العُمُومِ، فأمَرَ لمَّا ذُبِحَت له شاة أن يُهدَى منها لجاره اليهوديّ، أخرجه البخاريّ
في «الأدب المفرد)» (١٢٨) والتِّرمِذيّ (١٩٤٣) وحَسَّنَه، وقد ورَدَتِ الإشارة إلى ما ذكرتُه في
حديث مرفوع أخرجه الطبرانيّ(١) من حديث جابر رَفَعَه: ((الجيران ثلاثة: جار له حقّ: وهو
المشرِك، له حقّ الجِوار، وجار له حَقّان: وهو المسلم، له حقّ الجِوار وحَقّ الإسلام، وجار له
ثلاثة حقوق: مسلم له رحِم، له حقّ الجِوار والإسلام والرَّحِم)).
قال القُرطُبيّ: الجار يُطلَق ويُرادُ به الدَّاخل في الجِوار، ويُطلَق ويُرادُ به المجاور في
الدَّار وهو الأغلَب. والذي يظهر أنَّه المراد به في الحديث الثّاني، لأنَّ الأوَّل كان يَرِث
ويُورَث، فإن كان هذا الخبر صَدَرَ قبل نَسخ التَّوارث بين المتعاقدَينِ فقد كان ثابتاً فكيف
يُرجَى وقوعه؟ وإن كان بعد النَّسخ فكيف يُظنّ عَوْدُه بعد رَفْعه؟ فَتَعيَّنَ أنَّ المراد به المجاور في
الدَّار. وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة: حِفْظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهلُ الجاهليَّة
يُحافظونَ عليه، ويَحَصُل امتثال الوصيّة بإيصال ضُرُوب الإحسان إليه بحَسَبِ الطاقة، كالهديَّة
والسَّلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتَفَقُّد حاله ومعاونته فیما يحتاج إليه، إلى غير ذلك،
وكَفّ أسباب(٢) الأذَى عنه على اختلاف أنواعه حِسّيَّة كانت أو مَعنَويَّة. وقد نَفَى وَلِّ الإيمان
عمَّن لم يأمَن جارُه بَوائقَه كما في الحديث الذي يليه، وهي مُبالَغة تُنبِئ عن تعظيم حقّ الجار
وأنَّ إضرَارَه من الكبائر. قال: ويَفتَرِق الحال في ذلك بالنّسبة للجار الصّالح وغير الصّالح،
والذي يَشمَل الجميع: إرادة الخير له، ومَوعِظَته بالْحُسنَى، والدُّعاء له بالهداية، وتركُ
الإضرار له إلّا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقولِ والفِعل، والذي يُخُصّ الصالح:
هو جميع ما تقدَّمَ، وغيرَ الصالح: كَفّه عن الذي يَرتَكِبِه بالحُسنَى على حَسَب مراتب الأمر
بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ويَعِظ الكافرَ بعَرْضِ الإسلام عليه ويُبيِّن مَحَاسِنَه والتَّرغيب فيه
(١) في ((مسند الشاميين)) (٢٤٥٨)، وأخرجه البزار (كشف الأستار - ١٨٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) ٢٠٧/٥.
(٢) لفظة ((أسباب)) لم ترد في الأصلين، وأثبتناها من (س).

٣٦٧
باب ٢٨ / ح ٦٠١٥
كتاب الأدب
بِرِفِقِ، ويَعِظ الفاسق بما يناسبُهُ بالرِّفقِ أيضاً، ويَستُّر عليه زَلَلَهُ عن غيره، ويَنهاه بِرِفِقٍ، فإن
أفادَ فِه وإلّا فيَهجُره قاصداً تأديبَه على ذلك مع إعلامه بالسَّبَبِ ليَكُفّ، وسيأتي القول في
حَدِّ الجار في ((باب حقّ الجِوار))(١) قريباً. انتهى مُلخَّصاً.
الحديث الثاني: قوله: ((عمر بن محمَّد)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب،
وذكر لفظه مِثل لفظ حديث عائشة، وقد روى هذا المتن أيضاً أبو هريرة وهو في صحيح
ابن حِبّان (٥١٢)، وعبد الله بنُ عَمْرو بن العاص وهو عند أبي داود (٥١٥٢) والتِّرمِذيّ
(١٩٤٣)، وأبو أُمامةَ وهو عند الطبرانيِّ (٧٦٣٠)، ووَقَعَ عنده (٧٥٢٣) في حديث عبد الله
ابن عَمْرو(٢) أنَّ ذلك كان في حَجّة الوداع، وله (١٣٧٣٩) (٣) في لفظ: سمعتُ رسول الله ◌ِّو
يُوصِي بالجار حتَّى ظَنَنت أنَّه سيورَّتُه. فأفادَ أنَّه وَقَعَ لعبد الله بن عَمْرو مع رسول الله ◌ِّل
نَظير ما وَقَعَ لرسولِ الله وَّل مع جِبْريل، ولأحمد (٢٠٣٥٠) من حديث رجل من الأنصار:
خَرَجتُ أُرِيدَ النبيّ ◌ََّ فإذا به قائم ورجل مُقبِل عليه، فجلستُ حتَّى جَعَلت أرثي له من
طول القيام، فذكرتُ له ذلك فقال: ((أتدري من هذا؟)) قلت: لا، قال: «هذا چِبْريل)) فذكر
مِثل حديث ابن عمر سواء. وأخرج عبد بن مُميد (١١٢٩) نحوه من حديث جابر فأفاد سبب
الحديث، ولم أرَ في شيء من طرقه بيان لفظ وصيّة جِبْريل، إلّا أنَّ الحديث يُشعِر بأنَّه بالَغَ
في تأکید حقّ الجار.
وقال ابن أبي جَمْرة: يُستَفاد من الحديث أنَّ مَن أكثر من شيء من أعمال البِرّ يُرجَى له
الانتقال إلى ما هو أعلى منه، وأنَّ الظَّنّ إذا كان في طريق الخير جازَ ولو لم يقع المظنون، بخِلَافه ما
إذا كان في طريق الشرّ.
(١) باب رقم (٣٢).
(٢) ليس هو من حديث ابن عمرو، بل من حديث أبي أمامة!
(٣) أي: لعبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني، ولكن أورد الطبراني هذا الحديث في مسند عبد الله بن
عمر بن الخطاب، وقد أخرج الحديث بالقصة ذاتها من حديث ابن عمرو بن العاص: ابن أبي شيبة
٥٤٥/٨، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٨)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٧٩٢)،
والبيهقي في ((الشعب)) (٩٥٦٤)، وغيرهم.
٤

٣٦٨
باب ٢٩ / ح ٦٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه جواز الطَّمَع في الفضل إذا تَوالَتِ النِّعَم.
وفيه جواز التحدُّث بما يقع في النَّفْس من أُمور الخير، والله أعلم.
٢٩ - باب إثم مَن لا يأُمَنُ جارُه بَوائِقَه
﴿ يُوِقْهُنَّ﴾ [الشورى: ٣٤]: يُهلِكْهُنَّ، ﴿قَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]: مَهْلِكاً.
٦٠١٦ - حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدٍ، عن أبي شُرَيح، أنَّ النبيَّ ◌َلَيه
قال: ((والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ))، قيل: يا رسولَ الله، ومَن؟ قال: ((الَّذي لا
يأُمَنُ جارُه بَوائقَه».
تابَعَه شَبَابُ واسَدُ بنُ موسی.
وقال مُميدُ بنُ الأسوَدِ وعُثْمانُ بنُ عُمرَ وأبو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ وشُعَيبُ بنُ إسحاقَ: عن ابنِ
أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ.
٤٤٣/١٠
قوله: ((باب إِثْم مَن لا يأْمَنُ جارُه بَوائقَه)) البَوائق بالموخَّدة والقاف جمع بائقة: وهي الدَّاهية
والشَّيء المهلِك والأمر الشَّديد الذي يوافي بَغْتة.
قوله: ﴿ يُوبِقْهُنَّ﴾ يُهلِكُهُنَّ، ﴿مَوْبِقًا﴾ مَهْلِكاً)) هما أثران، قال أبو عبيدةَ في قوله تعالى:
﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ قال: يُهلِكُهُنَّ. وقال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَّوْبِقًا﴾، أي:
مَوعِداً. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾، أي: مَهلِكاً.
قوله: ((عن سعيد)) هو المقبُريّ، ووَقَعَ منسوباً غير مُسَمَّى عند الإسماعيليّ عن محمّد بن
يحيى بن سُلَيمان عن عاصم بن عليٍّ شيخ البخاريّ فيه، وأخرجه أبو نُعَيم من طريق عمر
ابن حفص، ومن طريق إبراهيم الحَرْبيّ، كلاهما عن عاصم بن عليّ مُسَمَّى منسوباً قال:
عن سعيد المقبريِّ.
قوله: ((عن أبي شُرَيح)) هو الخُزَاعِيّ، ووَقَعَ كذلك عند أبي نُعَيم، واسمُه على المشهور:
خويلد، وقيل: عَمْرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب.

٣٦٩
باب ٢٩ / ح ٦٠١٦
كتاب الأدب
قوله: ((والله لا يُؤْمِن)) وَقَعَ تكريرها ثلاثاً صريحاً، ووَقَعَ عند أحمد (١٦٣٧٢): ((والله لا
يُؤْمِن ثلاثاً»(١) وكأنَّه اختصار من الراوي، ولأبي يَعْلى (٤٢٥٢) من حديث أنس: «ما هو
بِمُؤمِنٍ))، وللطَّبَرانيِّ (١٤٣/١٩) من حديث كعب بن مالك: ((لا يَدخُل الجنَّة))، ولأحمد
(١٢٥٦١) نحوه عن أنس بسند صحيح.
قوله: ((قيل: يا رسول الله، ومَن؟)) هذه الواو يحتمل أن تكون زائدة أو استئنافيَّة أو
عاطفة على شيء مُقدَّر، أي: عَرَفنا ما المراد مثلاً ومَن المحدَّث عنه؟ ووَقَعَ لأحمد من
حديث ابن مسعود أنَّه السائل عن ذلك، وذكره المنذريُّ في ((ترغيبه)) بلفظ: قالوا: يا
رسول الله لقد خابَ وخَسِرَ، مَن هو؟ وعزاه للبخاريِّ وحده، وما رأيته فيه بهذه الزّيادة
ولا ذكرها الحميديُّ في «الجمْع)».
قوله: ((قال: الذي لا يأمَن جارُه بَوائقَه)) في حديث أنس: ((مَن لم يأمَن))، وفي حديث
كعب: ((مَن خافَ))، زاد أحمد (١٦٣٧٢) والإسماعيليّ: قالوا: وما بَوائِقُه؟ قال: ((شَرّه))
وَعَزا المنذِرِيُّ هذه الزّيادة أيضاً للبخاريِّ ولم أرَها فيه.
تنبيه: في المتن جِناس بليغ وهو من جِناس التَّحريف، وهو قوله: ((لا يُؤْمِن مَن لا
يأمَن))، فالأوَّل من الإيمان والثّاني من الأمان.
قوله: ((تابَعَه شَبَابٌ وأسَد بن موسى)) يعني: عن ابن أبي ذِئْب في ذِكْر أبي شُرَيح، فأمَّا
رواية شَبَابة وهو ابن سَوَّار المدائنيّ فأخرجها الإسماعيليّ، وأمَّا رواية أسد بن موسى وهو
الأُمَويّ المعروف بأسَدِ السُّنّة فأخرجها الطبرانيُّ في ((مكارم الأخلاق)) (٢٢٦)(٢).
قوله: ((وقال مُميدُ بن الأسود وعُثْمان بن عمر وأبو بكر بن عيَّاش وشُعَيب بن إسحاق:
عن ابن أبي ذِئْب، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة)) يعني: اختَلَفَ أصحاب ابن أبي ذِئْب عليه في
صحابيّ هذا الحديث؛ فالثلاثة الأول قالوا فيه: عن أبي شُرَيح، والأربعة قالوا: عن أبي هريرة.
(١) الذي في ((المسند)) ذكرها صريحاً ثلاثاً، ثم قال: قالها ثلاث مرات.
(٢) ولفظه عنده: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)).

٣٧٠
باب ٢٩ / ح ٦٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقد نَقَلَ أبو مَعِين الرَّازيُّ عن أحمد أنَّ مَن سمعَ من ابن أبي ذِئْب بالمدينة فإنَّه يقول: عن
أبي هريرة، ومَن سمعَ منه ببغداد فإنَّه يقول: عن أبي شُرَيح. قلت: ومِصداق ذلك أنَّ ابن
٤٤٤/١٠ وهب وعبد العزيز الدَّراوَزْديَّ وأبا عامِرٍ (١) العَقَديّ وإسماعيل بن أبي أوَيس وابن أبي/ فُدَيك
ومَعْن بن عيسى إنَّما سَمِعوا من ابن أبي ذِئْب بالمدينة، وقد قالوا كلّهم فيه: عن أبي هريرة،
وقد أخرجه الحاكم (١/ ١٠) من رواية ابن وَهْب ومِن رواية إسماعيل ومِن رواية الدَّراوَرْديّ،
وأخرجه الإسماعيليّ من رواية مَعْن والعَقَديّ وابن أبي فُدَيك، وأمَّا حُميدُ بن الأسْوَد
وأبو بكر بن عیَّاش اللَّذان عَلَّقَه البخاريّ من طریقھما فهما کوفیّان، وسماعُهُما من ابن أبي
ذِئْب أيضاً بالمدينة لمَّا حَجّا، وأمَّا عثمان بن عمر فهو بصريّ، وقد أخرج أحمد (٨٤٣٢)
الحديث عنه كذلك، وأمَّا رواية شُعَيب بن إسحاق، فهو شاميّ وسماعه من ابن أبي ذِئْب
أيضاً بالمدينة، وقد أخرجه أحمد (٧٨٧٨) أيضاً عن إسماعيل بن عمر فقال: ((عن أبي هريرة)»
وإسماعيل واسطيّ.
وثمَّنْ سمعَه ببغداد من ابن أبي ذِئْب يزيدُ بنُ هارون وأبو داود الطَّيالسُّ وحَجّاج بن
محمَّد وَرَوْح بن عُبَادة وآدم بن أبي إياس، وقد قالوا كلّهم: عن أبي شُرَيح، وهو في (مُسنَد
الطَّيالسيِّ)) (١٣٤٠) كذلك، وعند الإسماعيليّ من رواية يزيد، وعند الطبرانيّ (٤٨٧/٢٢)
من رواية آدَم، وعند أحمد (١٦٣٧٢) من رواية حَجّاج ورَوْحِ بن عُبَادة، ويَزيد واسطيٌّ
سَكَنَ بغداد، وأبو داود ورَوحٌ بصريّان، وحَجّاج بن محمَّد مِصّيصيٌّ، وآدم عَسقَلانيٌّ، وكانوا
كلّهم يَقدَمُونَ بغداد ويَطلُبُونَ بها الحديث، وإذا تَقرَّرَ ذلك فالأكثر قالوا فیه: ((عن أبي هريرة»
فکان ینبغي ترجيحهم.
ويُؤيِّده أنَّ الراوي إذا حدَّث في بَلَده كان أثقَنَ لما يُحدِّثُ به في حال سَفَره، ولكن عارض
ذلك أنَّ سعيداً المقبُريَّ مشهور بالرِّواية عن أبي هريرة، فمَن قال عنه: ((عن أبي هريرة)) سَلَكَ
الجادّة، فكانت مع مَن قال عنه: ((عن أبي شُرَيح)) زيادة عِلْم ليست عند الآخرينَ، وأيضاً فقد
(١) تحرَّفت في (س) إلى: عَمْرو.

٣٧١
باب ٢٩ / ح ٦٠١٦
كتاب الأدب
وچِدَ معنی الحدیث من رواية اللَّیث عن سعيد المقبريِّ عن أبي شُرَیح کما سيأتي بعد باب
(٦٠١٩)، فكانت فيه تَقويةٌ لمن رواه عن ابن أبي ذِئْب فقال فيه: ((عن أبي شُرَیح))، ومع ذلك
فصنيع البخاريّ يقتضي تصحيح الوجهَين، وإن كانت الرّواية عنده عن أبي شُرَيحِ أصحّ.
وقد أخرجه الحاكم في «مُستَدرَكه)) (١٠/١) من حديث أبي هريرة، ذاهلاً عن الذي
أو رَدَه البخاريّ، بل وعن تخريج مسلم له (٤٦) من وجه آخر عن أبي هريرة، فقال بعد تخريجه:
صحيح على شرط الشَّيخَين، ولم يُرِّجاه بهذا اللَّفظ، وإنَّما أخرَجاه من حديث أبي الزناد
عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يَدخُل الجنَّة مَن لا يأمَن جارُه بَوائقَه))، وتَعقَّبَه شيخنا
في ((أماليه)) بأنَهما لم يُخُرِّجا طريق أبي الزناد هذه، ولا واحد منهما. وإنَّما أخرج مسلم (٤٦)
طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة باللَّفظِ الذي ذكره الحاكم. قلت: وعلى
الحاكم تَعقُّبٌ آخر وهو أنَّ مِثل هذا لا يُستَدرَك؛ لقُربِ اللَّفْظَينِ في المعنى.
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث تأكيد حَقِّ الجار؛ لقَسَمِه وَلل على ذلك، وتكريره اليمين
ثلاث مرَّات، وفيه نفي الإيمان عمَّن يُؤذي جاره بالقولِ أو الفِعل، ومُرادُه الإيمان الكامل،
ولا شَكَّ أنَّ العاصي غير كامل الإيمان. وقال النَّوويّ عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان:
أحدهما: أنَّه في حقّ المستَحِلّ، والثّاني: أنَّ معناه ليس مُؤمِناً كاملاً، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد أنَّه لا يُجازَى مُجازاة المؤمن بدخولِ الجنَّة من أوَّل وَهْلة مثلاً،
أو أنَّ هذا خَرَجَ مَخَرَج الزَّجْر والتَّغليظ، وظاهره غير مُراد، والله أعلم.
وقال ابن أبي جَمْرة: إذا أُكِّدَ حَقّ الجار مع الحائل بين الشَّخص وبينه، وأُمِرَ بحِفِظِهِ
وإيصال الخير إليه وكَفّ أسباب الضَّرَر عنه، فينبغي له أن يُراعي حقَّ الحافِظَين اللَّذَينِ
ليس بينه وبينهما جِدار ولا حائل، فلا يُؤذِيهما بإيقاع المخالفات في مُرور الساعات، فقد
جاء أنَّهما يُسَرّان بوقوع الحسنات ويَجَزَنان بوقوع السَّيِّئَات، فينبغي مُراعاةٌ جانبهما وحِفْظ
خواطرهما بالتَّكثير من عَمَل الطاعات والمواظَبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برِعايةٍ
الحقّ من كثير من الجيران، انتهى مُلخَّصاً.

٣٧٢
باب ٣٠ / ح ٦٠١٧
فتح الباري بشرح البخاري
٣٠- بابٌ لا تَحقِّرَنَّ جارةٌ لجارتها
٦٠١٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدّثنا سعيدٌ، هو المَقُريُّ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ، قال: كان النبيُّمِ لَّ يقول: ((يا نساءَ المسلماتِ، لا تَحِقِرَنَّ جارةٌ لجارَتِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ».
٤٤٥/١٠
قوله: ((باب لا تَحِقِرَنَّ جارة لجارَتِها)» كذا حَذَفَ المفعول اكتِفَاءٌ بشُهْرة الحديث، وأورَدَ فيه
حديث أبي هريرة في ذلك، واتَّفَقَ أنَّ هذا الحديث وَرَدَ من طريق سعيد المقبريِّ عن أبيه عن أبي
هريرة، والحديث قبله من طريق سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة ليس بينهما واسطة، وكلّ من
الطَّريقَينِ صحيح، لأنَّ سعيداً أدرَكَ أبا هريرة وسمعَ منه أحاديث وسمعَ من أبيه عن أبي هريرة
ما فاتَّهُ، وعنده أيضاً عن أبيه عن أبي هريرة(١) أشياء كان يُحدِّث بها تارة عن أبي هريرة بلا
واسطة، وقد ذكر البخاريّ بعضَها وبيَّن الاختلاف على سعيد فيها، وهي محمولة على أنَّه سمِعَها
من أبي هريرة واستئبتَ أباه فيها، فكان يُحدِّث بها تارة عن أبيه عن أبي هريرة وتارة عنه بلا
واسطة، ولم يكن مُدَلِّساً، وإلّا لَحَدَّث بالجميع عن أبي هريرة، والله أعلم.
وبَقيَّة المتن: ((ولو فِرْسِن شاة)) بكسر الفاء وسكون الرَّاء وكسر المھمَلة ثمَّ نون: حافر
الشّاة. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((كتاب الهِبة)) (٢٥٦٦) والكلام على إعراب: ((يا نساء
المسلمات)) وحاصله أنَّ فيه اختصاراً، لأنَّ المخاطَبين يَعرِفونَ المراد منه، أي: لا تَحِقِرَنَّ أن
تُهدِي إلى جارَتها شيئاً ولو أنَّها تُهدِي لها ما لا يُنْتَفَع به في الغالب، ويحتمل أن يكون من
باب: النَّهيُ عن الشَّيء أمْرٌ بضِدِّه، وهو كناية عن التَّحابِّ والتَّوادُد، فكأنَّه قال: لِتُوادِدِ
الجارة جارَتَهَا بَهَديَّةٍ ولو حَقُرَت، فيَتَساوى في ذلك الغني والفقير، وخُصَّ النَّهي بالنِّساءِ
لأنَّهُنَّ مَوادُّ المودّة والبَغضاء، ولأنَّهُنَّ أسرَع انفعالاً في كلّ منهما.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون النَّهي للمُعطِية، ويحتمل أن يكون للمُهدَى إليها. قلت:
ولا يَتِمّ حمله على المهدَى إليها إلّا بجَعلِ اللّام في قوله: ((لجارَتِها)) بمعنى ((مِن)) ولا يَمتَنِعِ حمله
على المعنیینِ.
(١) من قوله: ((ما فاته)) إلى هنا سقط من (س).

٣٧٣
باب ٣١ / ح ٦٠١٨-٦٠١٩
كتاب الأدب
٣١- بابٌ مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِرِ فلا يُؤذِ جارَه
٦٠١٨ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، عن
أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَه، ومَن
كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خيراً أو
لِيَصْمُت)).
٦٠١٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني سعيدٌ المَقْبُريُّ، عن أبي
شُرَيح العَدَوِيِّ، قال: سَمِعَتْ أُذُناي وأَبَصَرَت عَيْناي حينَ تَكلَّمَ النبيُّ وَّةِ، فقال: ((مَن كان يُؤْمِنُ
بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ جارَه، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه جائزَتَه)) قال: وما
جائزَتُه يا رسولَ الله؟ قال: ((يومٌّ وليلةٌ، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، فما كان وَراءَ ذلك فهو صَدَقةٌ علیه،
ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خيراً أو ليَصْمُت)).
[طرفاه في: ٦١٣٥، ٦٤٧٦]
قوله: «بابٌ مَن کان یُؤْمِن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذِ جاره» ذکر فیه حدیثاً لأبي هريرة في
ذلك وآخر لأبي شُرَيحٍ.
قوله: ((أبو الأخْوَص)) هو سَلّام - بالتَّشديدِ - ابن سُلَيم، وأبو حَصِين بفتح أوَّله: هو
عثمان بن عاصم، وأبو صالح / هو ذكوان.
٤٤٦/١٠
قوله: ((مَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخر)) المراد بقوله: (يُؤمِن)) الإيمان الكامل، وخَصَّه بالله
واليوم الآخِرِ إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: مَن آمَنَ بالله الذي خَلَقَه وآمَنَ بأنَّه سَيُجازِيهِ بِعَمَلِه،
فليفعل الخِصَال المذكورات.
قوله: «فلا يُؤْذِ جاره)» في حديث أبي شُرَيحٍ: «فليُكرِم جارَه»، وقد أخرج مسلم (٧٦/٤٧)
حديث أبي هريرة من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ: ((فليُحسِن إلى جاره)). وقد وَرَدَ
تفسير الإكرام والإحسانِ للجار وتَرْكِ أذاه في عِدّة أحاديث، أخرجها الطبرانيُّ (١٠١٤/١٩)
من حديث بَهْز بن حَكِيم عن أبيه عن جَدّه، والخَرائطيّ في ((مكارم الأخلاق)) (٢٤٧) من

٣٧٤
باب ٣١ / ح ٦٠١٩
فتح الباري بشرح البخاري
حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، وأبو الشَّيخ في ((كتاب التَّوبيخ)) (٢٥) من حديث
معاذ بن جبل: قالوا: يا رسول الله ما حَقُّ الجار على الجار؟ قال: ((إن استَقَرَضَك أقرَضتَه،
وإن استَعانَك أَعَنْتَه، وإن مَرِضَ عُدتَه، وإن احتاجَ أعطَيْتَه، وإن افتَقَرَ عُدتَ عليه، وإن أصابه
خير هَنَّتَه، وإن أصابته مُصيبَة عَزَّتَه، وإذا ماتَ اتَّبَعَتَ جِنازَته، ولا تَستَطِيلُ عليه بالبناءِ
فتَحجُبُ عنه الرّيح إلّا بإذنِهِ، ولا تُؤذيه بريحِ قِدْرِك إلّا أن تَغْرِف له، وإن اشتَرَيت فاكهةً
فأهدِ له، وإن لم تَفْعَل فأدخِلها سِرّاً ولا تُخْرِج بها ولدك ليَغيظَ بها ولده)) وألفاظهم مُتَقاربة،
والسّياق أكثره لعَمِرِو بن شُعَيب، وفي حديث بَهْز بن حَكِيمٍ: ((وإن أعوَزَ سَتَرته))، وأسانيدهم
واهية، لكنِ اختلاف تَخارجِها يُشعِر بأنَّ للحديث أصلاً.
ثُمَّ الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فَرْضَ عَين، وقد
يكون فرضَ كِفاية وقد يكون مُستَحَبّاً، ويَجمَع الجميع أنَّه من مكارم الأخلاق.
قوله: ((ومَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخِرِ فَلْيُكْرِمِ ضَيفَه)) زاد في حديث أبي شُرَيحِ: ((جائزَته))
قال: وما جائزَتُه يا رسول الله؟ قال: ((يومٌ وليلة، والضّيافةُ ثلاثة أيام)) الحديث، وسيأتي
شرحه بعد نَيِّف وخمسين باباً في ((باب إكرام الضَّيف)) (٦١٣٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((ومَن كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخِرِ فَلْيَقُل خيراً أو ليَصْمُت)) بضمِّ الميم ويجوز كسرها،
وهذا من جوامع الكَلِم، لأنَّ القول كلّه إمّا خيرٌ وإمّا شَرّ وإمّا آيِل إلى أحدهما، فدَخَلَ في الخير
كلُّ مطلوب من الأقوال(١) فَرْضِها ونَدْبِها، فأذِنَ فيه على اختلاف أنواعه، ودَخَلَ فيه ما
يَؤُول إليه، وما عدا ذلك ممَّا هو شَرّ أو يَؤُول إلى الشّ فَأُمِرَ عند إرادة الخَوض فيه بالصَّمتِ.
وقد أخرج الطبرانيُّ (٧٧٠٦) والبيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٢٣٢) من حديث أبي أمامةَ نحو حديث
الباب بلفظ: ((فليَقُل خيراً ليَغنَم، أو ليَسكُت عن شَرّ ليَسلَمْ)).
واشتَمَلَ حديث الباب من الطَّريقَينِ على أُمور ثلاثة تَجمَع مكارم الأخلاق الفِعلِيَّة
والقوليّة، أمَّ الأوَّلان فمن الفِعليَّة، وأوَّلهما يَرجِع إلى الأمر بالتَّخَلّي عن الرَّذيلة، والثّاني يرجع
(١) لفظة ((الأقوال)) ليست في الأصلين، وأثبتناها من (س).

٣٧٥
باب ٣٢ / ح ٦٠٢٠
كتاب الأدب
إلى الأمر بالتَّحَلّي بالفضيلة، وحاصله مَن كان حاملَ الإيمان فهو مُتَّصِف بالشَّفَقة على خلق الله
قولاً بالخير وسُكوتاً عن الشّ، وفِعلاً لما يَنفَع أو تركاً لما يَضُرّ.
وفي معنى الأمر بالصَّمتِ عِدّة أحاديث: منها حديث أبي موسى وعبد الله بن عَمْرو
ابن العاص: ((المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من يده ولسانه)) وقد تقدَّما في كتاب الإيمان (١٠ و١١)،
وللطََّرانيِّ (٩٨٠٢) عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ فذكر فيها:
((أن يَسلَم المسلمونَ من لسانك))، ولأحمد (١٨٦٤٧) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٣٧٤) من حديث
البراء رَفَعَه في ذِكْر أنواعٍ من البِرّ: قال: ((فإن لم تُطِق ذلك فَكُفَّ لسانك إلّا من خير))، وللتِّرمِذيِّ
(٢٥٠١) من حديث ابن عمر (١): ((مَن صَمَتَ نَجَا))، وله (٢٤١١) من حديثه: «كَثْرة الكلام
بغير ذِكْر الله تُقَسّي القلب))، وله (٢٤١٠) من حديث سفيان الثَّقفيّ: قلتُ: يا رسول الله
ما أكثر ما تَخاف عليَّ؟ قال: ((هذا)) وأشارَ إلى لسانه، وللطَّبَرانيّ (٣٣٤٨و٣٣٤٩) مِثله من
حديث الحارث بن هشام، وفي حديث معاذ عند أحمد (٢٢٠١٦) والتِّرمِذيّ (٢٦١٦) والنَّسائيِّ
(ك١١٣٣٠): أخبرني بعَمَلِ يُدخِلني الجنَّة .. فذكر الوصيّة بطولها وفي آخرها: ((ألا أُخبرك
بمَلاكِ ذلك كلّه؟ كُفَّ عليك هذا» وأشارَ إلى لسانه .. الحديث، وللتِّرمِذيِّ (٢٤٠٦) من حديث
عُقْبةَ بن عامر: قلت: يا رسول الله، / ما النَّجاة؟ قال: ((أمسِك عليك لسانك)).
٤٤٧/١٠
٣٢ - باب حقِّ الجوار في قُرْب الأبواب
٦٠٢٠ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حَدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني أبو عِمْرانَ، قال: سمعتُ
طَلْحَةَ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لي جارَينٍ، فإلى أَيُّهما أَهْدِي؟ قال: ((إلى أقرِهِما
مِنْكِ باباً».
قوله: ((باب حقّ الجِوار في قُرْب الأبواب)) ذكر فيه حديث عائشة: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي
جارَينٍ فإلى أيّهما أُهدي؟ قال: ((إلى أقربهما مِنك بابا)) وقد تقدَّم الكلام على سنده مُستَوفَّى في
كتاب الشُّفعة (٢٢٥٩).
(١) كذا وقع للحافظ ابن حجر: ((ابن عُمَر)) بدليل ما بعده، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، والصواب أنه من حديث ابن
عمرو بن العاص، کما في الترمذي وغيره.

٣٧٦
باب ٣٣ / ح ٦٠٢١ -٦٠٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((أقربهما)) أي: أشدّهما قُرباً. قيل: الحكمة فيه أنَّ الأقرب یری ما يَدخُل بيت جاره
من هَديَّة وغيرها، فيَشَوَّف لها، بخِلَاف الأبعَد، وأنَّ الأقرب أسرَع إجابةً لما يقع لجاره من
المهمات ولا سيَّما في أوقات الغَفْلة. وقال ابن أبي جَمْرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأنَّ الهديَّة
في الأصل ليست واجبة فلا يكون التَّرتيب فيها واجباً.
ويُؤخَذ من الحديث أنَّ الأخذ في العَمَل بما هو أعلى أَولى، وفيه تقديم العِلم على العَمَل.
واختُلِفَ في حَدّ الجوار، فجاء عن عليّ رضي الله عنه: مَن سمعَ النِّداء فهو جار، وقيل:
مَن صَلَّى مَعَك صلاةَ الصُّبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: حَدُّ الجوار أربعونَ داراً
من كلِّ جانب، وعن الأوزاعيِّ مِثله، وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١٠٩) مِثله عن
الحسن، وللطََّرانيّ (١٤٣/١٩) بسندٍ ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعاً: ((ألا إنَّ أربعينَ
داراً جار))، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب: أربعونَ داراً عن يَمينِه وعن يساره،
ومن خلفه ومن بین یدیه. وهذا يحتمل أن يُریدَ به کالأول، ويحتمل أن یرید التّوزيعَ، فیکون من
كلّ جانب عشرة.
٣٣- بابٌ كلُّ معروفٍ صدقةٌ
٦٠٢١ - حدَّثنا عليُّ بنُ عَّاشٍ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ، عن
جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، عن النبيِّوَّةِ، قال: ((كلُّ مَعْروفٍ صَدَقةٌ)).
٦٠٢٢ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى الأشعَرِيِّ، عن
أبيه، عن جَدِّه، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((على كلِّ مسلمٍ صَدَقةٌ)) قالوا: فإن لم يَجِدْ؟ قال: ((فيَعْمَلُ
بِيَدَيه، فَيَتْفَعُ نفسَه ويَتَصَدَّق)) قالوا: فإن لم يَستطِعْ، أو لم يَفْعَلْ؟ قال: ((فيُعِينُ ذا الحاجةِ
المَلْهوفَ)) قالوا: فإن لم يَفْعَلْ؟ قال: ((فليَأْمُرْ بالخيرِ - أو قال -: بالمعْروفِ)) قال: فإن لم يَفْعَلْ؟
قال: ((فلْيُمْسِكْ عِن الشرّ، فإنَّه له صَدَقةٌ)).
قوله: ((بابٌ كلُّ معروف صَدَقة» أورَدَ فیه حديث جابر بهذا اللَّفظ، وقد أخرجه مسلم
(١٠٠٥) من حديث حُذَيفة، وقد أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (٢٨٩٥) والحاكم (٢/ ٥٠) من طريق

٣٧٧
باب ٣٣ / ح ٦٠٢٢
كتاب الأدب
عبد الحميد بن الحسن الهِلاليّ عن ابن المنكَدِر مِثله، وزاد في آخره: ((وما أنفَقَ الرجلُ على
أهله كُتِبَ له به صَدَقة، وما وقَى به المرءُ عِرضَه فهو صَدَقة))، وأخرجه البخاريّ في ((الأدب
المفرَد)) (٣٠٤) من طريق المنكدر بن(١) محمَّد بن المنكَدِر عن أبيه كالأوَّل، وزادَ: ((ومِن المعروف
أن تَلقَى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُلِقِي من دَلْوك في/ إناء أخيك)).
٤٤٨/١٠
قال ابن بَطّال: دَلَّ هذا الحديث على أنَّ كلّ شيء يفعله المرء أو یقوله من الخير يُكتب له به
صَدَقة، وقد نُشِّرَ ذلك في حديث أبي موسى المذكور في الباب بعد حديث جابر، وزاد عليه:
((إنَّ الإمساك عن الشّ صَدَقة)).
وقال الرَّاغِب: المعروف: اسم كلّ فِعل يُعرَف حُسْنه بالشَّرع والعقل معاً، ويُطلَق على
الاقتصاد، لتُبُوتِ النَّهي عن السَّرَف.
وقال ابن أبي جَمْرة: يُطلَق اسم المعروف على ما عُرِفَ بأدلّة الشَّرع أنَّه من أعمال البِرّ،
سواء جَرَت به العادة أم لا، قال: والمراد بالصَّدَقة: الثَّواب، فإن قارَنَته النّيَّة أُجِرَ صاحبه
جَزْماً، وإلّا ففيه احتمال. قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أنَّ الصَّدَقة لم تَنحَصِر في الأمر
المحسوس منه، فلا تَخْتَصّ بأهلِ اليَسَار مثلاً، بل كلّ أحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال
بغير مَشَقّة.
وقوله: ((على كلّ مسلم صَدَقة)) أي: في مكارم الأخلاق، وليس ذلك بفَرضٍ إجماعاً.
قال ابن بَطّال: وأصل الصَّدَقة ما يُخْرِجه المرء من ماله مُتَطَوِّعاً به، وقد يُطلَق على الواجب
لتَحرّي صاحبه الصِّدق في فعله، ويقال لكلِّ ما يُحابي به المرء من حَقّه: صَدَقة، لأنَّه تَصَدَّقَ
بذلك علی نفسه.
قوله: ((فإن لم يَجِد؟)) أي: ما يَتَصَدَّق بِهِ. ((قال: فيَعْمَل بِيَدَيه)) قال ابن بَطّال: فيه التَّنبيه على
العَمَلِ والتَّكسُّب، لِيَجِد المرء ما يُنفِقِ على نفسه ويَتَصَدَّق به ويُغنيه عن ذُلّ السُّؤال. وفيه الحَثّ
على فِعل الخير مهما أمكنَ، وأنَّ مَن قَصَدَ شيئاً منها فتَعَسَّرَ عليه فليَتَقِل إلى غيره.
(١) ((المنكدر بن)) سقطت من (س).

٣٧٨
باب ٣٤ / ح ٦٠٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فإن لم يستطِع، أو لم يَفْعَل)) هو شكّ من الراوي.
قوله: ((فيُعين ذا الحاجة المَلْهوف)) أي: بالفِعلِ أو بالقولِ أو بهما.
قوله: ((فإن لم يَفْعَل؟» أي: عَجْزاً أو كَسَلاً.
قوله: ((فلْيأمر بالخيرِ، أو قال: بالمعروفِ)) هو شَكٌّ من الراوي أيضاً.
قوله: «فإن لم يَفْعَل؟ قال: فَلْيُمْسِك عن الشّ .. )) إلى آخره. قال ابن بَطّال: فيه حُجّة لمن جَعَلَ
التَّرك عَمَلاَ وكَسْباً للعبد، خِلافاً لمن قال من المتكلِّمينَ: إِنَّ التَّرك ليس بعَمَلِ، ويُقِلَ عن المهلَّب
أنَّه مِثلُ الحديث الآخر: ((مَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فلم يعملها كُتِبَت له حَسَنة)). قلت: وسيأتي الكلام
على شرح هذا الحديث في كتاب الرّقاق (٦٤٩١): أنَّ الحسنة إنَّما تُكتَب لمن هَمَّ بالسَّيِّئة فلم
يعملها إذا قَصَدَ بتركِها الله تعالى، وحينئذٍ فَيَرجِع إلى العَمَل وهو فِعل القلب، وقد مضى هذا مع
شرح الحديث مُستَوقَى في كتاب الزكاة (١٤٤٥).
واستدلَّ بظاهرِ الحديث الكعبيُّ لقولِه: ليس في الشَّرع شيء يُباح، بل إمّا أجر وإمّا
وِزْر، فمَن اشْتَغَلَ بشيءٍ عن المعصية فهو مأجور عليه. قال ابن التِّين: والجماعة على خِلَافِه،
وقد ألزموه أن يجعل الزّاني مأجوراً لأنَّه يَشتَغِل به عن غيره من المعصية. قلت: ولا يَرِدُ هذا
عليه، لأَنَّه إنَّما أراد الاشتغال بغير المعصية. نعم يُمكِن أن يَرِدِ عليه ما لو اشتَغَلَ بعَمَلٍ صغيرة
عن كبيرة كالقُبلة والمعانَقة عن الزِّنى، وقد لا يَرِد عليه أيضاً لأنَّ الذي يظهر أنَّه يريد الاشتغال
بشيءٍ ممّا لم يَرِدِ النَّصُ بتحريمِه.
٣٤ - باب طِيْب الكَلام
وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّ: ((الكلمةُ الطيِّبَةُ صَدَقٌ)).
٦٠٢٣ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَمْرٌو، عن خَيْئمةَ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتمِ،
قال: ذَكَر النبيُّ: ﴿ النارَ فَتَعَوَّذَ منها وأشاحَ بَوَجْهِهِ، ثمَّ ذَكَر النارَ فَتَعَوَّذَ منها وأشاحَ بوَجْهِه، قال
شُعْبةُ: أمَّا مَرَّتَيْنِ فلا أشُكُّ، ثمَّ قال: «اتَّقُوا النار ولو بشِقٌّ تَمْرةٍ، فإن لم تَجِدْ(١) فِكَلمةٍ طيِّيةٍ)).
(١) في (ع) و(س): تجدوا، والمثبت من (أ)، وهو كذلك في الطبعة السلطانية، ولم يُشَر عليها بفروق نسخ أو روايات.

٣٧٩
باب ٣٥ / ح ٦٠٢٤ -٦٠٢٥
كتاب الأدب
قوله: ((باب طِيْب الكلام)) أصل الطِّيب ما تَستَلِذُّه الحواس، ويختلف باختلاف مُتعلِّقه،
قال ابن بَطّال: طِيْب الكلام من جليل عَمَل البِرّ، لقولِه تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ الآية
[المؤمنون: ٩٦]، والدَّفع قد يكون بالقولِ كما يكون بالفِعلِ.
قوله: ((وقال أبو هريرة، عن النبيّ وَّهِ: الكلمة الطيِّة صَدَقة)) هو طَرَف من حديث أورَدَه ٤٤٩/١٠
المصنّف موصولاً في كتاب الصُّلح (٢٧٠٧) وفي كتاب الجهاد (٢٨٩١ و٢٩٨٩)، وقد تقدَّم
الكلام عليه هناك (٢٩٨٩) في ((باب مَن أَخَذَ بالرِّكاب)».
قال ابن بَطّال: وجه كَونِ الكلمة الطيِّة صَدَقة أنَّ إعطاء المال يَفْرَح به قلب الذي يُعطاهُ
ويذهب ما في قلبه، وكذلك الكلام الطيِّب فاشتَبَها من هذه الحَيَّة.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث عَديّ بن حاتم، وفيه: ((أنَّقوا النار ولو بشِقٌّ تمرة، فإن لم تَجِدوا
فِكلمةٍ طيِّبة)).
وقوله: ((أخبرني عَمْرو)) كذا لهم، وهو ابن مُرّة، وقد تقدَّم الحديث من طريق شُعْبة عنه
في كتاب الزكاة (١٤١٣ و١٤١٧) مع شرحه. وخَيْئمة شيخ عَمْرو: هو ابن عبد الرَّحمن.
وتقدَّم الحديث مبسوطاً في علامات النُّبُوّة (٣٥٩٥).
٣٥- باب الرِّفق في الأمر کلِّه
٦٠٢٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ ◌َّهِ قالت: دَخَلَ رَهْطٌ منَ اليهودِ
على رسولِ الله وَِّ، فقالوا: السامُ عليكم، قالت عائشةُ: فَهِمْتُها فقلتُ: وعليكمُ السامُ واللَّعْنَةُ،
قالت: فقال رسولُ الله ◌َّ: ((مَهْلاً يا عائشةُ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه))، فقلتُ: يا رسولَ الله
ولم تَسْمَع ما قالوا؟ قال رسولُ الله ◌َِّ: ((قد قلتُ: وعلیکم)).
٦٠٢٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ
مالكِ: أنَّ أعرابيّاً بالَ في المسجدِ، فقاموا إليه، فقال رسولُ الله ◌ِ:((لا تُزْرِمُوه)) ثمَّ دَعَا بدَلْوٍ من ماءٍ
فصُبَّ علیه.

٣٨٠
باب ٣٦ / ح ٦٠٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
(باب الرِّفْق في الأمر كلّه)) الرِّفْق بكسر الرَّاء وسكون الفاء بعدها قاف: هو لِيْنُ الجانب
بالقولِ والفِعل، والأخذُ بالأسهَل، وهو ضِدّ العُنف.
وذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث عائشة في قصَّة اليهود لمّا قالوا: السام عليكم، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى
في کتاب الاستئذان (٦٢٥٦).
وقوله: ((إنَّ الله يُحِبّ الرِّفق في الأمر كلّه)) في حديث عَمْرةَ عن عائشة عند مسلم (٢٥٩٣):
(إنَّ الله رَفيقٌ يُحِبّ الرِّفق، ويُعطِي على الرِّفق ما لا يُعطِي على العُنْف)، والمعنى أنَّه يَتأَتَّى معه من
الأُمور ما لا يَتأَتَّى مع ضِدّه، وقيل: المراد يُثيبُ عليه ما لا يُئِيبُ على غيره، والأوَّل أوجَه. وله
(٧٨/٢٥٩٤) في حديث شُرَيح بن هانئ عنها: ((إنَّ الرِّفْق لا يكون في شيء إلّا زانَه، ولا يُنْزَع
من شيء إلّا شأنَه))، وفي حديث أبي الدَّرداء: ((مَن أُعطيَ حَظّه من الرِّفق فقد أُعطيَ حَظّه من
الخیر)) الحديث، أخرجه الثِّرمِذيّ (٢٠١٣) وصحّحَه وابن خُزَیمةً، وفي حديث جَرِیر عند
مسلم (٢٥٩٢): ((مَن يُحُرَم الرِّفق يُحرَم الخيرَ كلَّه)).
وقوله فيه: ((عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ.
ثانيهما: حديث أنس في قصَّة الذي بالَ في المسجد، وقد تقدَّم مشروحاً في كتاب الطَّهارة
(٢١٩ و٢٢١).
وقوله: ((لا تُزِرِمُوهُ)) بضمٍّ أوَّله وسكون الزّاي وكسر الرَّاء، من الإزْرام، أي: لا تَقطَعوا عليه
بَولَه، يقال: زُرِمَ البَول: إذا انقَطَعَ، وأزرَمتُه: قَطَعته، وكذلك يقال في الذَّمع.
٣٦- باب تَعاوُن المؤمنين بعضِهم بعضاً
٦٠٢٦ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي بُرْدَ بُرَيدِ بنِ أبي بُرْدةَ، قال: أخبرني
جَدّي أبو بُرْدَ، عن أبيه أبي موسى، عن النبيِّ ◌َ﴿ه، قال: ((المؤمنُ للمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ يَشُدُّبعضه بعضاً»
ثمَّ شَبَّكَ بينَ أصابعِه.